الآية ٢ من سورة الحديد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ٢ من سورة الحديد

لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة الحديد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة الحديد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي هو المالك المتصرف في خلقه فيحيي ويميت ويعطي من يشاء ما يشاء "وهو على كل شيء قدير" أي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول تعالى ذكره: له سلطان السموات والأرض وما فيهنّ ولا شيء فيهنّ يقدر على الامتناع منه، وهو في جميعهم نافذ الأمر، ماضي الحكم.

وقوله: ( يُحْيِي وَيُمِيتُ ) يقول: يحيي ما يشاء من الخلق، بأن يوجده كيف يشاء، وذلك بأن يحدث من النطفة الميتة حيوانا، بنفخ الروح فيها من بعد تارات يقلبها فيها، ونحو ذلك من الأشياء، ويميت ما يشاء من الأحياء بعد الحياة بعد بلوغه أجله فيفنيه: ( وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) يقول جلّ ثناؤه: وهو على كل شيء ذو قدرة، لا يتعذّر عليه شيء أراده، من إحياء وإماتة، وإعزاز وإذلال، وغير ذلك من الأمور.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : له ملك السماوات والأرض أي : انفرد بذلك .

والملك عبارة عن الملك ونفوذ الأمر فهو سبحانه الملك القادر القاهر .

وقيل : أراد خزائن المطر والنبات وسائر الرزق .يحيي ويميت ، يميت الأحياء في الدنيا ويحيي الأموات للبعث .

وقيل : يحيي النطف وهي موات ويميت الأحياء .

وموضع يحيي ويميت رفع على معنى : وهو يحيي ويميت .

ويجوز أن يكون نصبا بمعنى له ملك السماوات والأرض محييا ومميتا على الحال من المجرور في " له " والجار عاملا فيها .وهو على كل شيء قدير أي : الله لا يعجزه شيء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أخبر عن عموم ملكه، فقال: { لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ } أي: هو الخالق لذلك، الرازق المدبر لها بقدرته { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«له ملك السماوات والأرض يحيي» بالإنشاء «ويميت» بعده «وهو على كل شيء قدير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

له ملك السموات والأرض وما فيهما، فهو المالك المتصرف في خلقه، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا يتعذَّر عليه شيء أراده، فما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - صفات أخرى من صفاته الجليلة فقال : ( لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .أى .

له - سبحانه - وحده دون أن يشاركه مشارك ، ملك السموات والأرض ، إذ هو - تعالى - المتصرف فيهما ، والخالق لهما ، إن شاء أبقاهما وإن شاء أزالهما .وملكه - سبحانه - للسموات والأرض ، ملك حقيقى ، لأنه لا ينازعه فيه منازع ، ولا يشاركه مشارك .

.

.

بخلاف ملك غيره لبعض متاع الدنيا ، فإنه ملك زائل مهما طال ، ومفتقر إلى من يحميه ويدافع عنه .وقوله : ( يُحْيِي وَيُمِيتُ ) صفة أخرى من صفاته - عز وجل - أى : هو الخالق للحياة لمن شاء أن يحييه ، وهو الخالق للموت لمن أراد أن يميته .وهذه الجملة خبر لمبتدأ محذوف ، وهى فى الوقت نفسه بدل اشتمال مما قبلها إذ الإحياء والإمانة ، مما يشتمل عليه ملك السموات والأرض .وخص - سبحانه - هاتين الصفتين بالذكر ، لأنه هو المتفرد بهما ، ولا يستطيع أحد أن يدعى أن له عملا فيهما ، ومن ادعى ذلك كانت دعواه من قبيل المغالطة والمجادلة بالباطل ، إذ الموجد الحقيقى لهما هو الله - عز وجل - وما سواه فهو سبب لهما .وقوله - تعالى - : ( وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) تذييل مؤكد لما قبله .

أى : وهو - سبحانه - على كل شىء من الأشياء التى من جملتها ما ذكر - قدير على إيجادها أو إعدامها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن الملك الحق هو الذي يستغني في ذاته، وفي جميع صفاته عن كل ما عداه، ويحتاج كل ما عداه إليه في ذواتهم وفي صفاتهم، والموصوف بهذين الأمرين ليس إلا هو سبحانه.

أما أنه مستغن في ذاته وفي جميع صفاته عن كل ما عداه فلأنه لو افتقر في ذاته إلى الغير لكان ممكناً لذاته فكان محدثاً، فلم يكن واجب الوجود، وأما أنه مستغن في جميع صفاته السلبية والإضافية عن كل ما عداه، فلأن كل ما يفرض صفة له، فإما أن تكون هويته سبحانه كافية في تحقق تلك الصفة سواء كانت الصفة سلباً أو إيجاباً أو لا تكون كافية في ذلك، فإن كانت هويته كافية في ذلك من دوام تلك الهوية دوام تلك الصفة سلباً كانت الصفة أو إيجاباً، وإن لم تكن تلك لزم الهوية كافية، فحينئذ تكون تلك الهوية ممتنعة الانفكاك عن ثبوت تلك الصفة وعن سلبها، ثم ثبوت تلك الصفة وسلبها، يكون متوقفاً على ثبوت أمر آخر وسلبه، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء، فهويته سبحانه تكون موقوفة التحقق على تحقق علة ثبوت تلك الصفة أو علة سلبها، والموقوف على الغير ممكن لذاته فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته، وهذا خلف، فثبت أنه سبحانه غير مفتقر لا في ذاته، ولا في شيء من صفاته السلبية ولا الثبوتية إلى غيره، وأما أن كل ما عداه مفتقر إليه فلأن كل ما عداه ممكن، لأن واجب الوجود لا يكون أكثر من واحد والممكن لابد له من مؤثر، ولا واجب إلا هذا الواحد فإذن كل ما عداه فهو مفتقر إليه سواء كان جوهراً أو عرضاً، وسواء كان الجوهر روحانياً أو جسمانياً، وذهب جمع من العقلاء إلى أن تأثير واجب الوجود في إعطاء الوجود لا في الماهيات فواجب الوجود يجعل السواد موجوداً، أما أنه يستحيل أن يجعل السواد سواداً، قالوا: لأنه لو كان كون السواد سواداً بالفاعل، لكان يلزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يبقى السواد سواداً وهذا محال، فيقال لهم يلزمكم على هذا التقدير أن لا يكون الوجود أيضاً بالفاعل، وإلا لزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يكون الوجود وجوداً، فإن قالوا: تأثير الفاعل ليس في الوجود بل في جعل الماهية موصوفة بالوجود، قلنا: هذا مدفوع من وجهين: الأول: أن موصوفية الماهية بالوجود ليس أمراً ثبوتياً، إذ لو كان أمراً ثبوتياً لكانت له ماهية ووجود، فحينئذ تكون موصوفية تلك الماهية بالوجود زائدة عليه ولزم التسلسل وهو محال، وإذا كان موصوفية الماهية بالوجوه ليس أمراً ثبوتياً، استحال أن يقال: لا تأثير للفاعل في الماهية ولا في الوجود بل تأثيره في موصوفية الماهية بالوجود الثاني: أن بتقدير أن تكون تلك الموصوفية أمراً ثبوتياً، استحال أيضاً جعلها أثراً للفاعل، وإلا لزم عند فرض عدم ذلك الفاعل أن تبقى الموصوفية موصوفية، فظهر أن الشبهة التي ذكروها لو تمت واستقرت يلزم نفي التأثير والمؤثر أصلاً، بل كما أن الماهيات إنما صارت موجودة بتأثير واجب الوجود، فكذا أيضاً الماهيات إنما صارت ماهيات بتأثير واجب الوجود، وإذا لاحت هذه الحقائق ظهر بالبرهان العقلي صدق قوله تعالى: ﴿ لَّهُ مُلْكُ السموات والأرض ﴾ بل ملك السموات والأرض بالنسبة إلى كمال ملكه أقل من الذرة، بل لا نسبة له إلى كمال ملكه أصلاً، لأن ملك السموات والأرض ملك متناه، وكمال ملكه غير متناه، والمتناهي لا نسبة له ألبتة إلى غير المتناهي، لكنه سبحانه وتعالى ذكر ملك السموات والأرض لأنه شيء مشاهد محسوس، وأكثر الخلق عقولهم ضعيفة قلما يمكنهم الترقي من المحسوس إلى المعقول.

ثم إنه سبحانه لما ذكر من دلائل الآفاق ملك السموات والأرض ذكر بعده دلائل الأنفس فقال: ﴿ يُحيي وَيُمِيتُ وَهُوَ على كل شيءٍ قدير ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكر المفسرون فيه وجهين: أحدهما: يحيي الأموات للبعث، ويميت الأحياء في الدنيا والثاني: قال الزجاج: يحيي النطف فيجعلها أشخاصاً عقلاء فاهمين ناطقين، ويميت وعندي فيه وجه ثالث وهو أنه ليس المراد من تخصيص الإحياء والإماتة بزمان معين وبأشخاص معينين، بل معناه أنه هو القادر على خلق الحياة والموت، كما قال في سورة الملك: ﴿ الذي خَلَقَ الموت والحياة  ﴾ والمقصود منه كونه سبحانه هو المنفرد بإيجاد هاتين الماهيتين على الإطلاق، لا يمنعه عنهما مانع ولا يرده عنهما راد، وحينئذ يدخل فيه الوجهان اللذان ذكرهما المفسرون.

المسألة الثانية: موضع ﴿ يحيي ويميت ﴾ رفع على معنى هو يحيي ويميت، ويجوز أن يكون نصباً على معنى: له ملك السموات والأرض حال كونه محيياً ومميتاً.

واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الآفاق أولاً: ودلائل الأنفس ثانياً: ذكر لفظاً يتناول الكل فقال: ﴿ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وفوائد هذه الآية مذكورة في أول سورة الملك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

جاء في بعض الفواتح ﴿ سَبِّحَ ﴾ على لفظ الماضي، وفي بعضها على لفظ المضارع، وكل واحد منهما معناه: أنّ من شأن من أسند إليه التسبيح أن يسبحه، وذلك هجيراه وديدنه، وقد عدى هذا الفعل باللام تارة وبنفسه أخرى في قوله تعالى: ﴿ وتسبحوه ﴾ [الفتح: 9] وأصله: التعدي بنفسه، لأنّ معنى سبحته: بعدته عن السوء، منقول من سبح إذا ذهب وبعد، فاللام لا تخلو إما أن تكون مثل اللام في: نصحته، ونصحت له، وإما أن يراد بسبح لله: أحدث التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصاً، ﴿ مَا فِي السماوات والارض ﴾ ما يتأتى منه التسبيح ويصح.

فإن قلت: ما محل ﴿ يُحْىِ ﴾ ؟

قلت: يجوز أن لا يكون له محل، ويكون جملة برأسها؛ كقوله: ﴿ لَّهُ مُلْكُ السموات ﴾ [البقرة: 107] وأن يكون مرفوعاً على: هو يحيي ويميتُ، ومنصوباً حالاً من المجرور في (له) والجار عاملاً فيها.

ومعناه: يحيي النطف والبيض والموتى يوم القيامة ويميت الأحياء ﴿ هُوَ الاول ﴾ هو القديم الذي كان قبل كل شيء ﴿ والاخر ﴾ الذي يبقى بعد هلاك كل شيء ﴿ والظاهر ﴾ بالأدلة الدالة عليه ﴿ والباطن ﴾ لكونه غير مدرك بالحواس.

فإن قلت: فما معنى الواو؟

قلت الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء.

وأما الوسطى، فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الآخريين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية، وهو في جميعها ظاهر وباطن: جامع للظهور بالأدلة والخفاء، فلا يدرك بالحواس.

وفي هذا حجة على من جوّز إدراكه في الآخرة بالحاسة.

وقيل: الظاهر العالي على كل شيء الغالب له، من ظهر عليه إذا علاه وغلبهُ.

والباطن الذي بطن كل شيء، أي علم باطنه: وليس بذاك مع العدول عن الظاهر المفهوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الحَدِيدِ مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ: مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ذُكِرَ هاهُنا وفي «الحَشْرِ» و «الصَّفِّ» بِلَفْظِ الماضِي، وفي «الجُمُعَةِ» و «التَّغابُنِ» بِلَفْظِ المُضارِعِ إشْعارًا بِأنَّ مِن شَأْنِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ أنْ يُسَبِّحَهُ في جَمِيعِ أوْقاتِهِ، لِأنَّهُ دَلالَةٌ جِبِلِّيَّةٌ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الحالاتِ، ومَجِيءُ المَصْدَرِ مُطْلَقًا في «بَنِي إسْرائِيلَ» أبْلَغُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُشْعِرُ بِإطْلاقِهِ عَلى اسْتِحْقاقِ التَّسْبِيحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ حالٍ، وإنَّما عُدِّيَ بِاللّامِ وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ مِثْلَ نَصَحْتُ لَهُ في نَصَحْتُهُ إشْعارًا بِأنَّ إيقاعَ الفِعْلِ لِأجْلِ اللَّهِ وخالِصًا لِوَجْهِهِ.

﴿ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ حالٌ يُشْعِرُ بِما هو المَبْدَأُ لِلتَّسْبِيحِ.

﴿ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَإنَّهُ المُوجِدُ لَهُما والمُتَصَرِّفُ فِيهِما.

﴿ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أوْ حالٌ مِنَ المَجْرُورِ في لَهُ ﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ وغَيْرِهِما.

﴿ قَدِيرٌ ﴾ تامُّ القُدْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)

{لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض} لا لغيره وموضع {يحيي} رافع أي هو يحي الموتى {وَيُمِيتُ} الأحياء أو نصب أي له ملك السموات والأرض محيياً ومميتاً {وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الحَدِيدِ أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: هي مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ولَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّها مَكَّيَّةٌ، نَعَمِ الجُمْهُورُ - كَما قالَ ابْنُ الفَرَسِ - عَلى ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ أنَّ فِيها قُرْآنًا مَدَنِيًّا لَكِنْ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ صَدْرُها مَكِّيًّا، ويَشْهَدُ لِهَذا ما أخْرَجَهُ البَزّارُ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ دَخَلَ عَلى أُخْتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ فَإذا صَحِيفَةٌ فِيها أوَّلُ سُورَةِ الحَدِيدِ فَقَرَأهُ حَتّى بَلَغَ ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ  ﴾ فَأسْلَمَ، ويَشْهَدُ لِمَكَّيَّةِ آياتٍ أُخَرَ ما أخْرَجَ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عاتَبَنا اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ  ﴾ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ إسْلامِهِمْ وبَيْنَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يُعاتِبُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها إلّا أرْبَعُ سِنِينَ ﴿ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ  ﴾ الآيَةَ لَكِنْ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى آثارٌ تَدُلُّ عَلى مَدَنِيَّةِ ما ذُكِرَ ولَعَلَّها لا تَصْلُحُ لِلْمُعارَضَةِ.

ونَزَلَتْ يَوْمَ الثُّلاثاءِ عَلى ما أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ «عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا لا تَحْتَجِمُوا يَوْمَ الثُّلاثاءِ فَإنَّ سُورَةَ الحَدِيدِ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ يَوْمَ الثُّلاثاءِ»، وفِيهِ أيْضًا خَبَرٌ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وهي تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً في العِراقِيِّ، وثَمانٍ وعِشْرُونَ في غَيْرِهِ، ووَجْهُ اتِّصالِها - بِالواقِعَةِ - أنَّها بُدِئَتْ بِذِكْرِ التَّسْبِيحِ وتِلْكَ خُتِمَتْ بِالأمْرِ بِهِ، وكانَ أوَّلُها واقِعًا مَوْقِعَ العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ) [الواقِعَةَ: 74، 96، الحاقَّةَ: 52] لِأنَّهُ سَبَّحَ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وجاءَ في فَضْلِها مَعَ أخَواتِها ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كانَ يَقْرَأُ المُسَبِّحاتِ قَبْلَ أنْ يَرْقُدَ، وقالَ: إنَّ فِيهِنَّ آيَةً أفْضَلَ مِن ألْفِ آيَةٍ»» وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ نَحْوَهُ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ ثُمَّ قالَ: قالَ يَحْيى: نَراها الآيَةَ الَّتِي في آخِرِ الحَشْرِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ التَّسْبِيحُ عَلى المَشْهُورِ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى اعْتِقادًا وقَوْلًا وعَمَلًا عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ سُبْحانَهُ مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ إذا ذَهَبَ وأبْعَدَ فِيهِما، وحَيْثُ أسْنَدَها هُنا إلى غَيْرِ العُقَلاءِ أيْضًا فَإنَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ يَعُمُّ جَمِيعَ ما فِيهِما سَواءٌ كانَ مُسْتَقِرًّا فِيهِما أوْ جُزْءًا مِنهُما بَلِ المُرادُ بِما فِيهِما المَوْجُوداتُ فَيَكُونُ أظَهَرَ في تَناوُلِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَتَناوَلُ أيْضًا المَوْجُوداتِ المُجَرَّدَةَ عِنْدَ القائِلِ بِها، قالَ الجُمْهُورُ: المُرادُ بِهِ مَعْنًى عامٌّ مَجازِيٌّ شامِلٌ لِما نَطَقَ بِهِ لِسانُ المَقالِ كَتَسْبِيحِ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، ولِسانُ الحالِ كَتَسْبِيحِ غَيْرِهِمْ فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْجُوداتِ يَدُلُّ بِإمْكانِهِ وحُدُوثِهِ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ الواجِبِ الوُجُودِ المُتَّصِفِ بِكُلِّ كَمالٍ المُنَزَّهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ التَّسْبِيحَ عَلى حَقِيقَتِهِ المَعْرُوفَةِ في الجَمِيعِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ثُبُوتِ النُّفُوسِ النّاطِقَةِ والإدْراكِ لِسائِرِ الحَيَواناتِ والجَماداتِ عَلى ما يَلِيقُ بِكُلٍّ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ فَتَسْبِيحُ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَهم قالِيٌّ وإنْ تَفاوَتَ الأمْرُ، وقِيلَ: مَعْنى سَبَّحَ حَمَلَ رائِيَهُ العاقِلَ عَلى قَوْلِ سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى ونَبَّهَهُ عَلَيْهِ وهو كَما تَرى، ومَن يُجَوِّزُ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ مَعًا لا يَحْتاجُ إلى عُمُومِ المَجازِ، وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ كَوْنَ ما لِلْعالَمِ فَقَطْ مِثْلَها في قَوْلِ أهْلِ الحِجازِ كَما حَكى أبُو زَيْدٍ عِنْدَ سَماعِ الرَّعْدِ - سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ ولا يَخْفى أنَّ عُمُومَها العالَمَ وغَيْرَهُ أوْلى، والظّاهِرُ أنَّها في الوَجْهَيْنِ مَوْصُولَةٌ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وإنَّ أصْلَ الكَلامِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثُمَّ حُذِفَتْ ما الثّانِيَةُ وأُقِيمَتْ صِفَتُها مَقامَها، ولا يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً لِأنَّ الصِّلَةَ لا تَقُومُ مَقامَ المَوْصُولِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وتَقُومُ الصِّفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ عِنْدَ الجَمِيعِ، والحَمْلُ عَلى المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أوْلى مِنَ الحَمْلِ عَلى المُخْتَلَفِ فِيهِ وكَوْنُ المَذْكُورَةِ مَوْصُولَةً والمَحْذُوفَةِ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً مِمّا لا وجْهَ لَهُ انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ الصَّرِيحِ في مِثْلِ ذَلِكَ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى وجِيءَ بِاللّامِ مَعَ أنَّ التَّسْبِيحَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتُسَبِّحُوهُ  ﴾ لِلتَّأْكِيدِ فَهي مَزِيدَةٌ لِذَلِكَ كَما في نَصَحْتُ لَهُ وشَكَرْتُ لَهُ، وقِيلَ: لِلتَّعْلِيلِ والفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ فَعَلَ التَّسْبِيحَ وأوْقَعَهُ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى وخالِصًا لِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ شَيْءٌ لا يَخْفى، وعُبِّرَ بِالماضِي هُنا وفي بَعْضِ الأخَواتِ وبِالمُضارِعِ في البَعْضِ الآخَرِ إيذانًا بِتَحَقُّقِ التَّسْبِيحِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وفي كُلٍّ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مِن شَأْنِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ التَّسْبِيحُ أنْ يُسَبِّحَهُ وذَلِكَ هَجِيراهُ ودَيْدَنُهُ، أمّا دَلالَةُ المُضارِعِ عَلَيْهِ فَلِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ إلى زَمانِ الإخْبارِ وكَذَلِكَ فِيما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ لِعُمُومِ المَعْنى المُقْتَضِي لِلتَّسْبِيحِ وصُلُوحِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ حَيْثُ جُرِّدَ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى الزَّمانِ وأوْثِرَ عَلى الِاسْمِ دَلالَةً عَلى تَجَدُّدِ تَسْبِيحٍ غِبَّ تَسْبِيحٍ، وأمّا دَلالَةُ الماضِي فَلِلتَّجَرُّدِ عَنِ الزَّمانِ أيْضًا مَعَ التَّحْقِيقِ الَّذِي هو مُقْتَضاهُ فَيَشْمَلُ الماضِيَ مِنَ الزَّمانِ ومُسْتَقْبَلَهُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الإيذانُ والدَّلالَةُ عَلى الِاسْتِمْرارِ مُسْتَفادانِ مِن مَجْمُوعَيِ الماضِي والمُضارِعِ حَيْثُ دَلَّ الماضِي عَلى الِاسْتِمْرارِ إلى زَمانِ الإخْبارِ والمُضارِعُ عَلى الِاسْتِمْرارِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ فَشَمِلا مَعًا جَمِيعَ الأزْمِنَةِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: افْتُتِحَتْ بَعْضُ السُّورِ بِلَفْظِ المَصْدَرِ وبَعْضٌ بِالماضِي وبَعْضٌ بِالمُضارِعِ وبَعْضٌ بِالأمْرِ فاسْتَوْعَبَ جَمِيعَ جِهاتِ هَذِهِ الكَلِمَةِ إعْلامًا بِأنَّ المُكَوِّناتِ مِن لَدُنْ إخْراجِها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ إلى الأبَدِ مُسَبِّحَةٌ مُقَدِّسَةٌ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قَوْلًا وفِعْلًا طَوْعًا وكَرْهًا ﴿ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ ﴿ وهُوَ العَزِيزُ ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُنازِعُهُ ولا يُمانِعُهُ شَيْءٌ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُشْعِرٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيِ التَّصَرُّفُ الكُلِّيُّ فِيهِما وفِيما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ مِن حَيْثُ الإيجادِ والإعْدامِ وسائِرِ التَّصَرُّفاتِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ أيْ يَفْعَلُ الإحْياءَ والإماتَةَ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِبَعْضِ أحْكامِ المَلِكِ وإذا جُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو يُحْيِي ويُمِيتُ كانَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ كَذَلِكَ وجَعْلُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ لَهُ يُوهِمُ تَقْيِيدَ اخْتِصاصِ المَلِكِ بِهَذِهِ الحالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ ﴿ قَدِيرٌ ﴾ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ تَذْيِيلٌ وتَكْمِيلٌ لِما قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: له خزائن السموات والارض.

يعني: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات.

ويقال: معناه له نفاذ الأمر في السموات والأرض.

ثم قال: يُحْيِي وَيُمِيتُ يعني: يحيي للبعث، ويميت في الدنيا وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الإحياء والإماتة.

ثم قال عز وجل: هُوَ الْأَوَّلُ يعني: الأول قبل كل أحد وَالْآخِرُ بعد كل أحد وَالظَّاهِرُ يعني: الغالب على كل شيء وَالْباطِنُ يعني: العالم بكل شيء.

ويقال: هُوَ الْأَوَّلُ يعني: مؤول كل شيء وَالْآخِرُ يعني: مؤخر كل شيء وَالظَّاهِرُ يعني: المظهر وَالْباطِنُ يعني: المبطن.

ويقال: هو الْأَوَّلُ يعني: خالق الأولين وَالْآخِرُ يعني: خالق الآخرين وَالظَّاهِرُ يعني: خالق الآدميين، وهم ظاهرون.

وَالْباطِنُ يعني: خالق الجن، والشياطين الذين لا يظهرون.

ويقال: هُوَ الْأَوَّلُ يعني: خالق الدنيا وَالْآخِرُ يعني: خالق الآخرة.

وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ يعني: عالم بالظاهر والباطن.

ويقال: هُوَ الْأَوَّلُ بلا ابتداء وَالْآخِرُ بلا انتهاء.

وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ يعني: منه نعمة ظاهرة.

ويقال: هو الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ يعني: هو الرب الواحد.

ثم قال: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعني: من أمر الدنيا والآخرة.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ يعني: ما يدخل في الأرض من الماء، والكنوز، والأموات، وَما يَخْرُجُ مِنْها من النبات، والكنوز، والأموات، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وهو المطر، والثلج، والرزق، والملائكة، وَما يَعْرُجُ فِيها يعني: ما يصعد فيها من الملائكة، وأعمال العباد، والأرواح، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ يعني: عالم بكم، وبأعمالكم، أينما كنتم في الأرض وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم بالخير خيراً، وبالشر شراً.

ثم قال عز وجل: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.

ثم قال عز وجل: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يعني: يدخل الليل في النهار، إذا جاء الليل ذهب النهار.

وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعني: يُدخل النهار في الليل، إذا جاء النهار ذهب الليل.

ومعنى آخر: يعني: يدخل زيادة الليل في النهار.

يعني: يصير الليل أطول ما يكون خمس عشرة ساعة، والنهار أقصر ما يكون تسع ساعات.

والليل والنهار أربع عشرون ساعة.

ثم قال عز وجل: وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: بما في القلوب من الخير والشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة الحديد]

وهي مدنيّة ويشبه صدرها أن يكون مكيّا روي عن ابن عبّاس «١» : أنّ اسم الله الأعظم هو في سَتِّ آيات من أَوَّلِ سورة الحديد، وروي أنّ الدعاء بعد قراءتها مستجاب.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)

لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)

قوله عز وجل: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: قال أكثر المفسرين: التسبيح هنا هو التنزيه المعروف في قولهم: سبحان اللَّهِ، وهذا عندهم إخبار بصيغة الماضي مضمنه الدوامُ والاستمرارُ، ثم اختلفوا: هل هذا التسبيح حقيقةٌ أو مجاز على معنى أَنَّ أثر الصنعة فيها تُنَبِّهُ الرائي على التسبيح؟

قال الزَّجَّاجُ «٢» وغيره: والقول بالحقيقة أحسن، وهذا كله في الجمادات، وأَمَّا ما يمكن التسبيح منه فقول واحد: إن تسبيحهم حقيقة.

وقوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ [أي] : [الذي] ليس لوجوده بداية مُفْتَتَحَةٌ وَالْآخِرُ:

الدائم الذي ليس له نهاية منقضية، قال أبو بكر الوَرَّاق: هُوَ الْأَوَّلُ: بالأزلية وَالْآخِرُ: بالأبديَّة.

وَالظَّاهِرُ: معناه بالأدِلَّةِ ونظر العقول في صنعته.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الحَدِيدِ وَفِيها قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أمّا تَسْبِيحُ ما يَعْقِلُ، فَمَعْلُومٌ، وتَسْبِيحُ ما لا يَعْقِلُ، قَدْ ذَكَرْنا مَعْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الأوَّلُ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: هو السّابِقُ لِلْأشْياءِ ﴿ والآخِرُ ﴾ الباقِي بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ ﴿ والظّاهِرُ ﴾ بِحُجَجِهِ الباهِرَةِ، وبَراهِينِهِ النَّيِّرَةِ، وشَواهِدِهِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ وحْدانِيَّتِهِ.

ويَكُونُ: الظّاهِرُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ.

وقَدْ يَكُونُ الظُّهُورُ بِمَعْنى العُلُوِّ، ويَكُونُ بِمَعْنى الغَلَبَةِ.

والباطِنُ: هو المُحْتَجِبُ عَنْ أبْصارِ الخَلْقِ الَّذِي لا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ تَوَهُّمُ الكَيْفِيَّةِ.

وقَدْ يَكُونُ مَعْنى الظُّهُورِ والبُطُونِ: احْتِجابَهُ عَنْ أبْصارِ النّاظِرِينَ، وتَجَلِّيَهُ لِبَصائِرِ المُتَفَكِّرِينَ.

ويَكُونُ مَعْناهُ: العالِمَ بِما ظَهَرَ مِنَ الأُمُورِ، والمُطَّلِعَ عَلى ما بَطَنَ مِنَ الغُيُوبِ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ٥٤] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ ﴾ وهو مُفَسَّرٌ في [سَبَإٍ: ٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ أيْ: بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ.

وما بَعْدَهُ ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿ وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ يَعْنِي: المالَ الَّذِي كانَ بِأيْدِي غَيْرِهِمْ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وأعْطى قُرَيْشًا ذَلِكَ المالَ، فَكانُوا فِيهِ خُلَفاءَ مَن مَضى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَدِيدِ وهِيَ مَدَنِيَّةُ، قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ غَيْرُهُ: هي مَكِّيَّةٌ، ولا خِلافَ أنَّ فِيها قُرْآنًا مَدَنِيًّا، لَكِنْ يُشْبِهُ صَدْرَها أنْ يَكُونَ مَكِّيًّا، واللهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَدْ ذَكَرْنا قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إنَّ اسْمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ الأعْظَمَ هو في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ، ورُوِيَ أنَّ الدُعاءَ بَعْدَ قِراءَتِها مُسْتَجابٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: التَسْبِيحُ هُنا هو التَنْزِيهُ المَعْرُوفُ في قَوْلِهِمْ: "سُبْحانَ اللهِ"، وهَذا عِنْدَهم إخْبارٌ بِصِيغَةِ الماضِي مُضَمِّنُهُ الدَوامُ وأنَّ التَسْبِيحَ مِمّا ذُكِرَ دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ، واخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا التَسْبِيحُ حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ عَلى مَعْنى أنَّ أثَرَ الصَنْعَةِ فِيها يُنَبِّهُ الرائِي عَلى التَسْبِيحِ؟

قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: والقَوْلُ بِالحَقِيقَةِ أحْسَنُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وهَذا كُلُّهُ في الجَماداتِ، وأمّا ما يُمْكِنُ التَسْبِيحُ مِنهُ فَقَوْلٌ واحِدٌ إنَّ تَسْبِيحَهم حَقِيقَةٌ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: التَسْبِيحُ في هَذِهِ السُورَةِ الصَلاةُ، وهَذا قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، فَأمّا فِيمَن يُمَكَّنُ مِنهُ ذَلِكَ فَسائِغٌ، وعَلى أنَّ سُجُودَ ظِلالِ الكُفّارِ هي صَلاتُهُمْ، وأمّا في الجَماداتِ فَيُقْلِقُ، وذَلِكَ أنَّ خُضُوعَها وخُشُوعَ هَيْئاتِها قَدْ يُسَمّى في اللُغَةِ سُجُودًا أوِ اسْتِعارَةً، كَما قالَ الشاعِرُ: ............

تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ ويَبْعُدُ أنْ تُسَمّى تِلْكَ صَلاةً إلّا عَلى تَجَوُّزٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: التَقْدِيرُ: ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ، فَـ "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، فَلَمّا تَكَرَّرَ مَوْصُوفُها حَذَفَها وأقامَ الصِفَةَ مَقامَها، وهو العَزِيزُ بِقُدْرَتِهِ، وسُلْطانِهِ، الحَكِيمُ بِلُطْفِهِ وتَدْبِيرِهِ وحِكْمَتِهِ، ومُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ هو سُلْطانُها الحَقِيقِيُّ الدائِمُ؛ لِأنَّ مُلْكَ البَشَرِ مَجازٌ فانٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ ﴾ .

الأوَّلُ: الَّذِي لَيْسَ لِوُجُودِهِ بِدايَةً مُفْتَتَحَةً، والآخَرُ بِالأبَدِيَّةِ، وهو الأوَّلُ بِالوُجُودِ؛ إذْ كَلُّ مَوْجُودٍ فَبَعْدَهُ وبِهِ، والآخَرُ إذا نَظَرَ العَقْلُ في المَوْجُوداتِ حَتّى يَكُونَ إلَيْهِ مُنْتَهاها، قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى  ﴾ .

و"الظاهِرُ" مَعْناهُ: بِالأدِلَّةِ ونَظَرِ العُقُولِ في صَنْعَتِهِ، و"الباطِنُ" بِلُطْفِهِ وغَوامِضِ حِكْمَتِهِ وباهِرِ صِفَتِهِ الَّتِي لا تَصِلُ إلى مَعْرِفَتِها -عَلى ما هي عَلَيْهِ- الأوهامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ والظاهِرُ والباطِنُ ﴾ الَّذِي بِهَرَ ومَلَكَ فِيما ظَهَرَ لِلْعُقُولِ وفِيما خَفِيَ عنها، فَلَيْسَ في الظاهِرِ غَيْرُهُ حَسَبَ قِيامِ الأدِلَّةِ، ولَيْسَ في باطِنِ الأمْرِ وفِيما عَلى النَظْرَةِ مِمّا عَسى أنْ يَتَوَهَّمَ غَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ عامٌّ في الأشْياءِ عُمُومًا تامًّا.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، وأكْثَرُ الناسِ عَلى أنَّ بَدْأةَ الخَلْقِ في يَوْمِ الأحَدِ، ووَقَعَ في مُسْلِمٍ أنَّ البِدايَةَ في يَوْمِ السَبْتِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الأيّامُ السِتَّةُ مِن أيّامِ القِيامَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: مِن أيّامِ الدُنْيا، وهو الأصْوَبُ، و"الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ" هو بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ المُسْتَمِرَّيْنِ بِالقُدْرَةِ، ولَيْسَ ما في قَهْرِ العِبادِ مِنَ المُحاوَلَةِ والتَعَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ مُسْتَوْعِبًا في [طه] وغَيْرِها.

و"ما يَلِجُ في الأرْضِ" هو المَطَرُ والأمْواتُ وغَيْرُ ذَلِكَ، و"ما يَخْرُجُ مِنها" هو النَباتُ والمَعادِنُ وغَيْرُ ذَلِكَ، ﴿ وَما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ ﴾ المَلائِكَةُ والرَحْمَةُ والعَذابُ وغَيْرُ ذَلِكَ، ﴿ وَما يَعْرُجُ فِيها ﴾ هو الأعْمالُ صالِحُها وسَيِّئُها والمَلائِكَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ مَعْناهُ: بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وإحاطَتِهِ وهِدايَتِهِ، أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ فِيها، وأنَّها مُخْرِجَةٌ عن مَعْنى لَفْظِها المَعْهُودِ، ودَخَلَ في الإجْماعِ مَن يَقُولُ بِأنَّ هَذا أمْرُ المُشْتَبَهِ كُلِّهِ، يَنْبَغِي أنْ يَمُرَّ ويُؤْمِنَ بِهِ ولا يُفَسِّرَ، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى تَأْوِيلِ هَذِهِ لِبَيانِ وُجُوبِ إخْراجِها عن ظاهِرِها، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: المَعْنى: عِلْمُهُ مَعَكُمْ، وتَأْوِيلُهم هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ في غَيْرِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي بذكر صفة عظيمة من صفات الله التي متعلقها أحوال الكائنات في السماوات والأرض وخاصة أهل الإِدراك منهم.

ومضمون هذه الجملة يؤذن بتعليل تسبيح الله تعالى لأن من له ملك العوالم العليا والعالم الدنيوي حقيق بأن يعرف الناس صفات كماله.

وأفاد تعريف المسند قصر المسند على المسند إليه وهو قصر ادعائي لعدم الاعتداد بملك غيره في الأرض إذ هو ملك ناقص فإن الملوك مفتقرون إلى من يدفع عنهم العوادي بالأحلاف والجند، وإلى من يدبر لهم نظام المملكة من وزراء وقواد، وإلى أخذ الجباية والجزية ونحو ذلك، أو هو قصر حقيقي، إذَا اعتبرتْ إضافة ﴿ ملك ﴾ إلى مجموع ﴿ السموات والأرض ﴾ فإنه لا ملك لمَالك على الأرض كلها بَلْهَ السماوات معها.

وهذا معنى صفته تعالى «الملك»، وتقدم في آخر سورة آل عمران.

وجملة ﴿ يحي ويميت ﴾ بدل اشتمال من مضمون ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ فإن الإِحياء والإِماتة ممّا يشتمل عليه معنى مُلك السماوات والأرض لأنهما من أحوال ما عليهما، وتخصيص هذين بالذكر للاهتمام بهما لدلالتهما على دقيق الحكمة في التصرف في السماء والأرض ولظهور أن هاذين الفعلين لا يستطيع المخلوق ادعاء أن له عملاً فيهما، وللتذكير بدليل إمكان البعث الذي جحده المشركون، وللتعريض بإبطال زعمهم إلهية أصنامهم كما قال تعالى: ﴿ ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً ﴾ [الفرقان: 3]، ومن هذين الفعلين جاء وصفه تعالى بصفة «المحيي المميت».

وتقدم ذكر الإِحياء والإِماتة عند قوله تعالى: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم ﴾ في أول سورة البقرة (28).

وجملة وهو على كل شيء قدير } تفيد مفاد التذييل لجملة ﴿ يحي ويميت ﴾ لتعميم ما دل عليه قوله: ﴿ يحي ويميت ﴾ من بيان جملة ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ ، وإنما عطفت بالواو وكان حق التذييل أن يكون مفصولاً لقصد إيثار الإِخبار عن الله تعالى بعموم القدرة على كل موجود، وذلك لا يفيت قصد التذييل، لأن التذييل يحصل بالمعنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الحَدِيدِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، قالَ الكَلْبِيُّ هي مَكِّيَّةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ في هَذا التَّسْبِيحِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أنَّ خَلْقَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ يُوجِبُ تَنْزِيهَهُ عَنِ الأمْثالِ والأشْباهِ.

الثّانِي: تَنْزِيهُ اللَّهِ قَوْلًا مِمّا أضافَ إلَيْهِ المُلْحِدُونَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الصَّلاةُ، سُمِّيَتْ تَسْبِيحًا لِما تَتَضَمَّنَهُ مِنَ التَّسْبِيحِ، قالَهُ سُفْيانُ، والضَّحّاكُ.

فَقَوْلُهُ ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ وما فِيهِنَّ مِن غَيْرِهِمْ وما في الأرْضِ يَعْنِي في الحَيَوانِ والجَمادِ، وقَدْ ذَكَرْنا في تَسْبِيحِ الجَمادِ وسُجُودِهِ ما أغْنى عَنِ الإعادَةِ.

﴿ وَهُوَ العَزِيزُ ﴾ في انْتِصارِهِ، ﴿ الحَكِيمُ ﴾ في تَدْبِيرِهِ.

﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ ﴾ يُرِيدُ بِالأوَّلِ أنَّهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ لِقِدَمِهِ، وبِالآخِرِ لِأنَّهُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ لِبَقائِهِ.

﴿ والظّاهِرُ والباطِنُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الظّاهِرُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِعُلُوِّهِ، والباطِنُ إحاطَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لِقُرْبِهِ، قالَهُ ابْنُ حَيّانَ.

الثّانِي: أنَّهُ القاهِرُ لِما ظَهَرَ وبَطَنَ كَما قالَ تَعالى ﴿ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ ﴾ الثّالِثُ: العالِمُ بِما ظَهَرَ وما بَطَنَ.

﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ يَعْنِي بِالأوَّلِ والآخِرِ والظّاهِرِ والباطِنِ.

وَلِأصْحابِ الخَواطِرِ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الأوَّلُ في ابْتِدائِهِ بِالنِّعَمِ، والآخِرِ في خِتامِهِ بِالإحْسانِ، والظّاهِرِ في إظْهارِ حُجَجِهِ لِلْعُقُولِ، والباطِنِ في عِلْمِهِ بِبَواطِنِ الأُمُورِ.

الثّانِي: الأوَّلُ بِكَشْفِ أحْوالِ الآخِرَةِ حِينَ تَرْغَبُونَ فِيها، والآخِرُ بِكَشْفِ أحْوالِ الدُّنْيا حِينَ تَزْهَدُونَ فِيها، والظّاهِرُ عَلى قُلُوبِ أوْلِيائِهِ حِينَ يَعْرِفُونَهُ، والباطِنُ عَلى قُلُوبِ أعْدائِهِ حِينَ يُنْكِرُونَهُ.

الثّالِثُ: الأوَّلُ قَبْلَ كُلِّ مَعْلُومٍ، والآخِرُ بَعْدَ كُلِّ مَخْتُومٍ، والظّاهِرُ فَوْقَ كُلِّ مَرْسُومٍ، والباطِنُ مُحِيطٌ بِكُلِّ مَكْتُومٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الحديد بالمدينة.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن ابن الزبير قال: أنزلت سورة الحديد بالمدينة.

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نزلت سورة الحديد يوم الثلاثاء، وخلق الله الحديد يوم الثلاثاء، وقتل ابن آدم أخاه يوم الثلاثاء، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجامة يوم الثلاثاء» .

وأخرج الديلمي عن جابر مرفوعاً: «لا تحتجموا يوم الثلاثاء فإن سورة الحديد أنزلت عليّ يوم الثلاثاء» .

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه النسائي وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان «عن عرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد وقال إن فيهن آية أفضل من ألف آية» .

وأخرج ابن الضريس عن يحيى بن أبي كثير قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ المسبحات، وكان يقول: إن فيهن آية هي أفضل من ألف آية» ، قال يحيى: فنراها الآية التي في آخر الحشر.

وأخرج البزار وابن عساكر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن عمر قال: كنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا أنا في يوم حار بالهاجرة في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل فقال: عجبا لك يا ابن الخطاب إنك تزعم أنك وأنك، وقد دخل عليك الأمر في بيتك، قلت: وما ذاك؟

قال: هذه أختك قد أسلمت، فرجعت مغضباً حتى قرعت الباب فقيل: من هذا؟

قلت: عمر، فتبادروا، فاختفوا مني، وقد كانوا يقرأون صحيفة بين أيديهم تركوها أو نسوها، فدخلت حتى جلست على السرير، فنظرت إلى الصحيفة، فقلت: ما هذه؟

ناولينيها، قالت: إنك لست من أهلها إنك لا تغتسل من الجنابة، ولا تطهر، وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون، فما زلت حتى ناولتنيها ففتحتها فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم، فلما قرأت الرحمن الرحيم ذعرت، فألقيت الصحيفة من يدي، ثم رجعت إلى نفسي فأخذتها فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ﴾ فكلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت ثم ترجع إليَّ نفسي حتى بلغت ﴿ آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ﴾ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فخرج القوم مستبشرين فكبروا.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي الأسود قال: قال رأس الجالوت: إنما التوراة الحلال والحرام إلا أن في كتابكم جامعاً ﴿ سبح لله ما في السماوات والأرض ﴾ وفي التوراة يسبح لله الطير والسباع.

قوله تعالى: ﴿ هو الأول والآخر ﴾ .

أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي وأبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: هل تدرون ما هذا؟

قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه، ثم قال: هل تدرون ما فوقكم؟

قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف.

ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟

قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإن فوق ذلك سماءين ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عدد سبع سموات ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟

قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد مثل ما بين السماءين، ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم؟

قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الأرض.

ثم قال: هل تدرون ما تحت ذلك؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: فإن تحتها الأرض الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة عام، حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة.

ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة السفلى لهبط على الله، ثم قرأ ﴿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ﴾ » قال: الترمذي فسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة لقدم على ربه، ثم تلا ﴿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن هو بكل شيء عليم ﴾ » .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات «عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم أنت الأول فلا شيء قبلك، وأنت الآخر فلا شيء بعدك، أعوذ بك من شر كل دابة ناصيتها بيدك، وأعوذ بك من الإِثم والكسل، ومن عذاب النار، ومن عذاب القبر، ومن فتنة الغنى، ومن فتنة الفقر، وأعوذ بك من المأثم والمغرم» .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنة والبيهقي عن أبي هريرة قال: «جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأل خادماً فقال لها: قولي اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، وربنا ورب كل شيء منزل التوراة والإِنجيل والفرقان، فالق الحب النوى أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند النوم: «اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإِنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: «يا كائن قبل أن يكون شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعدما لا يكون شيء، أسألك بلحظة من لحظاتك الحافظات الوافرات الراجيات المنجيات» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن محمد بن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم علم عليّاً دعوة يدعوها عندما أهمه، فكان علي رضي الله عنه يعلمها لولده: يا كائن قبل كل شيء ويا مكوّن كل شيء ويا كائن بعد كل شيء أفعل بي كذا وكذا.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل بن حيان رضي الله عنه قال: بلغنا في قوله عز وجل هو الأوّل قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والظاهر فوق كل شيء والباطن أقرب من كل شيء وإنما يعني بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه وهو بكل شيء عليم ﴿ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ﴾ مقدار كل يوم ألف عام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض من القطر وما يخرج منها من النبات، وما ينزل من السماء من القطر وما يعرج فيها يعني ما يصعد إلى السماء من الملائكة وهو معكم أينما كنتم يعني قدرته وسلطانه وعلمه معكم إينما كنتم والله بما تعملون بصير.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عمر وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس يسألون عن كل شيء حتى يقولوا هذا الله كان قبل كل شيء فماذا كان قبل الله؟

فإن قالوا لكم ذلك فقولوا: هو الأوّل قبل كل شيء وهو الآخر فليس بعده شيء وهو الظاهر فوق كل شيء وهو الباطن دون كل شيء وهو بكل شيء عليم» .

وأخرج أبو داود عن أبي زميل قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما فقلت: ما شيء أجده في صدري قال: ما هو؟

قلت: والله لا أتكلم به فقال لي: أشيء من شك؟

وضحك؟

قال: ما نجا من ذلك أحد حتى أنزل الله تعالى ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلت إليك ﴾ الآية وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئاً فقل: هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهو معكم أين ما كنتم ﴾ قال: عالم بكم أينما كنتم.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن سفيان الثوري رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ وهو معكم ﴾ قال: علمه.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله تعالى معه حيث كان» .

وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد بسند ضعيف عن البراء بن عازب قال: قلت لعليّ رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين أسألك بالله ورسوله إلا خصصتني بأعظم ما خصك به رسول الله صلى الله عليه وسلم واختصه به جبريل، وأرسله به الرحمن، فقال: إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم فاقرأ من أول سورة الحديد إلى آخر ست آيات منها ﴿ عليم بذات الصدور ﴾ وآخر سورة الحشر يعني أربع آيات، ثم ارفع يديك فقل: يا من هو هكذا أسألك بحق هذه الأسماء أن تصلّي على محمد وأن تفعل بي كذا وكذا مما تريد، فوالله الذي لا إله غيره لتنقلبن بحاجتك إن شاء الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ قال المفسرون: يحيى الأموات للبعث ويميت الأحياء في الدنيا (١) وقال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى يحيي النطف التي إنما هي موات ويميت الأحياء، ويكون موضع يحي ويميت رفعًا على معنى هو يحيي ويميت ويجوز أن يكون نصبًا على معنى له ملك السموات والأرض محييًا ومميتًا قادرًا (٢) (١) انظر: "جامع البيان" 27/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 236.

(٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 121.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض ﴾ هذا التسبيح المذكور هنا وفي أوائل سائر السور المسبحات يحتمل أن يكون حقيقة، أو أن يكون بلسان الحال؛ لأن كل ما في السموات والأرض دليل على وجود الله وقدرته، وحكمته، والأول أرجح لقوله: ﴿ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: 44]، وذكر التسبيح هنا وفي الحشر والصف بلفظ سبح الماضي، وفي الجمعة والتغابن بلفظ يسبحُ المضارع، وكل واحد منهما يقتضي الدوام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أخذ ﴾ مجهولاً ﴿ ميثاقكم ﴾ بالرفع: أبو عمرو ﴿ وكل ﴾ بالرفع: ابن عامر ﴿ انظرونا ﴾ من الأنظار: حمزة ﴿ الأماني ﴾ بسكون الياء: يزيد ﴿ لا تؤخذ ﴾ بالتأنيث: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وما نزل ﴾ بالتشديد مجهولاً: عباس ﴿ نزل ﴾ بالتخفيف من النزول: نافع وحفص.

الباقون: بالتشديد ﴿ ولا تكونوا ﴾ على الخطاب: رويس ﴿ المصدقين والمصدقات ﴾ بتشديد الدال فقط: ابن كثير وأبو بكر وحماد ﴿ بما أتاكم ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو عمرو ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ بغير الفصل: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.

الوقوف: ﴿ الأرض ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال أن يكون قوله ﴿ يحيى ﴾ مستأنفاً لا محل له أو له محل بتقدير هو يحيى وأن يكون حالاً من المجرور في قوله ﴿ له ﴾ والجار عاملاً فيها.

﴿ ويميت ﴾ ج ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ والباطن ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ كنتم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ في الليل ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ وقاتل ﴾ ط ﴿ وقاتلوا ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بقوله ﴿ وله أجر ﴾ أو بقوله ﴿ بشراكم ﴾ أي يقال لهم ذلك يومئذ أو هو مفعول "اذكر" ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج وإن وصل وقف على ﴿ نوركم ﴾ لأن ﴿ يوم ﴾ قد يتعلق بالنور فيوقف على ﴿ نوركم ﴾ وقد يتعلق بقوله ﴿ قيل ارجعوا ﴾ ﴿ نوراً ﴾ ط ﴿ باب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ على النهي ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الصديقون ﴾ ه والوصل أولى ومن وقف على ﴿ الصديقين ﴾ لم يقف على ﴿ ربهم ﴾ ﴿ ونورهم ﴾ ط ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ والأولاد ﴾ ط ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ ورضوان ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ نبرأها ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بما قبله أو بمحذوف أي ذلك لكيلا ﴿ أتاكم ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالبخل ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ط ه للعطف ظاهراً مع أن إنزال الحديد ابتداء إخبار غير مختص بالرسل ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ مهتد ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن الأولى للبعض القليل والثانية للكثير فيبنى على الاستئناف ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط لأن ما بعدها منصوب بابتدعوا المقدر ﴿ رعايتها ﴾ ط لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن قوله ﴿ فآتينا ﴾ ليس جزاء ترك الرعاية إنما هو تمام بيان الفرقة بين الفريقين فيرجع إلى قوله ﴿ فمنهم مهتد ﴾ ﴿ أجرهم ﴾ ه ط لما مر ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا وقد يجوز الوقف بناء على أن المراد ذلك ليعلم ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه التفسير: معنى تسبيح الموجودات قد تقدم في قوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ والآن نقول: إنه بدأ في سورة بني إسرائيل بلفظ المصدر وهو ﴿ سبحان ﴾ وفي هذه السورة وفي الحشر والصف بلفظ الماضي.

وفي الجمعة والتغابن بلفظ المستقبل، وفي سورة الأعلى بلفظ الأمر استيعاباً للأقسام وذلك دليل على أن التسبيح لله  مستمر دائم في الأوقات كلها من الأزل إلى الأبد.

وتفسير أسماء الله الحسنى المذكورة في أول هذه السورة قد سبق في البسملة فلا حاجة إلى إعادة كلها إلا أننا نذكر ما أورده الإمام فخر الدين ههنا على سبيل الإيجاز مع تنقيح ما يجب تنقيحه.

قال: هذا مقام مهيب والبحث فيه من وجوه: الأول أن تقدم الشيء على الشيء إما تقدم التأثير كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، وإما التقدم بالحاجة لا بالتأثير كتقدم الإمام على المأموم، أو معقول كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن قال: وتقدم بعض أجزاء الزمان على الزمان عندي ليس من هذه الأقسام الخمسة، أما التأثير والحاجة فلأنه لو كان كذلك لوجدا معاً كما أن العلة والمعلول يوجدان معاً وكذا الواحد والاثنان.

وأما الشرف والمكان فظاهران، وأما بالزمان فإن الزمان لا يقع في الزمان وإلا تسلسل.

قلت: لم لا يجوز أن يكون تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض بالحاجة أي بالطبع فإن الزمان كما لا يخفى حين كان كما متصلاً غير قار الذات اقتضت حقيقته أن يكون له وجود سيال يعقب بعض أجزائه بعضاً لا تنتهي النوبة إلى جزء مفروض منه إلا وقد انقضى منه جزء مفروض على الاتصال.

وقال: إذا عرفت ذلك فنقول: القرآن دال على أنه  قبل كل شيء والبرهان أيضاً يدل على هذا لأن انتهاء الممكنات لا بد أن يكون إلى الواجب إلا أن تلك القبلية ليست بالتأثير لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معاً.

والمعي لا يكون قبل لا بالحاجة لأنهما قد يكونان معاً كما قلنا، ولا لمحض الشرف فإن تلك القبلية ليست مرادة ههنا ولا بالمكان وهو ظاهر، ولا بالزمان لأن الزمان يجميع أجزائه ممكن الوجود، والتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان فإذن تقدم الواجب  على ما عداه خارج عن هذه الأقسام الخمسة وكيفيته لا يعلمها إلا هو.

قلت: إنه  متقدم على ما سواه بجميع أقسام التقدمات الخمسة.

أما بالتأثيبر فظاهر قوله والمضافان معاً.

قلنا: إن أردت من الحيثية المذكورة فمسلم ولا محذور، وإن أردت مطلقاً فممنوع.

وأما بالطبع فلأن ذات الواجب من حيث هو لا تفتقر إلى الممكن من حيث هو وحال الممكن بالخلاف، وأما بالشرف فظاهر، وأما بالمكان فلأنه وراء كل الأماكن ومعها لقوله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ } [البقرة: 115] وقد جاء في الحديث " " لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله" ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وههنا سر لعلنا قد رمزنا إليه في هذا الكتاب تفهمه بإذن الله إن كنت أهلاً له.

وأما بالزمان فأظهر قوله والتقدم على الزمن لا يكون بالزمان: قلنا: ممنوع لأن الزمان عند المحققين هو أمر وهمي، والزمان الذي يتكلم هو فيه إنما هو مقدار حركة الفلك الأعظم، ولا ريب أن قبل هذه الحركة لا يوجد لها مقدار إلا أن قبل كل شيء يوجد امتداد وهمي يحصل فيه وجود الواجب  ، ومن هذا التحقيق يرتفع ما أشكل على الإمام من التمييز بين الأزل وما لا يزال فإن المبادىء الوهمية تتغير بتغير الاعتبارات وباختلافها تختلف حقائقها إذ ليس لها وجود سواها فقد يصير ما هو في جانب الأزل في جانب لا يزال، وبالعكس إذا تغيرت المبادىء المفروضة.

قال: أما البحث عن كونه  آخراً بمعنى أنه يبقى وكل شيء يفنى فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه آخراً وهو مذهب جهم فإنه زعم أنه  يوصل الثواب إلى أهل الثواب، والعقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها والنار وأهلها والعرش والكرسي والملك والفلك ولا يبقى مع الله شيء أصلاً في أبد الآباد كما لم يكن قبله شيء في أزل الآزال قال: ومن حجج جهنم أنه  إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار أولاً.

فإن كان عالماً لزم تناهيه فإن الأحاطة بما لا يتناهى مستحيلة.

إن لم يعلم لزم نسبة الجهل إليه  وذلك محال.

وأيضاً الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو متناه.

وأجاب عن الأول بأن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه أن هذه الماهيات لو زال إمكانها لزم انقلاب الممكن إلى الممتنع، ولزم أن تنقلب قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير.

قلت: هذه مغالطة فإنه لا يلزم من الإمكان الذاتي للشيء وقوعه في الخارج ولا من عدم وقوعه في الخارج الامتناع الذاتي وأجاب عن الثاني بأنه لا يعلم أن عددها ليس بمعين وهذا لا يكون جهلاً إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه.

قلت: الذي علمه متناه يجب أن يكون معلومه متناهياً، أما الذي لا نهاية لعلمه فلم يبعد بل يجب أن تكون معلوماته غير متناهية.

وأجاب عن الثالث بأن الخارج منه إلى الوجود أحداً يكون متناهياً.

قلت: الزيادة والنقصان لا يوجبان التناهي كتضعيف الألف والألفين مراراً غير متناهية قال: فالمتكلمون حين أثبتوا إمكان بقاء العالم عولوا في أبدية الجنة والنار على إجماع المسلمين.

واختلفوا في معنى كونه  آخراً على وجوه أحدها: أنه  يفني جميع العالم ليتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداَ.

قلت: هذا حقيق بأن لا يسمى آخرية بل يسمى توسطاً.

وثانيها أن صحة آخرية كل الأشياء مختصة به فلا جرم وصف بكونه آخراً.

أقول: هذا أول المسألة لأن الكلام لم يقع في اختصاص وجوده وعدمه وإنما النزاع في معنى قوله آخراً.

وثالثها أنه أول في الوجود آخر في الاستدلال لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة ذات الصانع وصفاته، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد بها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة.

قلت: أراد أنه غاية الأفكار ونهاية الأنظار وهذا معنى حسن في نفسه إلا أنه لا يطابق معنى الأول كل المطابقة.

ورابعها أنه أول في ترتيب الوجود وآخر إذا عكس الترتيب.

قلت: هذا تصور صحيح ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل والمعلولات، وعلى المترتبة من الأشرف إلى الأخس.

وعلى الآخذة من الوحدة إلى الكثرة، وكما يلي الأزل إلى ما يلي الأبد، ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز فهو  أول بالترتيب الطبيعي وآخر بالترتيب المنعكس فقد وضح بهذا البيان صحة إطلاق التقدمات الخمسة ومقابلاتها عليه  ، وهذا من غوامض الاسرار وقد وفقني الله  لحلها وبيانها فالشكر على آلائه.

أما تفسير الظاهر والباطن فالمحققون قالوا: إنه الظاهر بالأدلة الدالة على وجوده.

والباطن لأنه جل عن إدراك الحواس والعقول إياه إما في الدنيا أو فيها وفي الآخرة جميعاً.

وقيل: معنى الظاهر الغالب، والباطن العالم بما بطن أي خفي.

قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر أي أخبر به.

وباقي الآيات قد سبق تفسيرها في مواضع إلا قوله ﴿ يعلم ما يلج ﴾ فإنه قد مر في أول "سبأ" فقط فلا حاجة إلى الإعادة.

وقوله ﴿ وهو معكم ﴾ معية العلم والقدرة أو استصحاب المكان عند بعض قوله ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ وبعده مثله ليس بتكرار لأن الأول في الدنيا لقوله ﴿ يحي ويميت ﴾ والثاني في العقبى لقوله ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ قوله ﴿ مستخلفين فيه ﴾ أراد أن المال مال الله والعباد عباد الله إلا أنه قد جعل أرزاقهم متداولة بيد حكمته متعلقة بالوسائط والروابط، فالسعيد من وفقه الله  لرعاية حق الاستخلاف فيتصرف فيما آتاه الله على وفق ما أمره الله من الإنفاق في سبيل الله قبل أن ينتقل منه إلى غيره بإرث أو حادث كما انتقل من غيره إليه بأحد السببين.

قوله ﴿ لا تؤمنون ﴾ حال من معنى الفعل كقولك "مالك قائماً" أي ما تصنع.

والواو في قوله ﴿ والرسول ﴾ للحال من ضمير ﴿ لا تؤمنون ﴾ فهما حالان متداخلتان.

وأخذ الميثاق إشارة إلى الأقوال المذكورة في تفسير قوله ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم  ﴾ ، والمراد أنه قد تعاضدت الدلائل السمعية والبراهين العقلية على الإيمان بالله فأي عذر لكم في تركه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه ولا ريب أن الإيمان بالله شامل لتصديق بجميع أوامره وأحكامه ومن جملتها الإيمان بالرسول وبالقرآن وبما فيه.

استدل القاضي بقوله ﴿ وما لكم ﴾ على أن العبد قادر على الإيمان وعلى الاستطاعة قبل لافعل وإلا لم يصح التوبيخ كما لا يقال مالك لا تطول ولا تبيض.

والبحث في أمثاله مذكور في مواضع.

والضمير في قوله ﴿ ليخرجكم ﴾ لله  أو لعبده والميراث مجاز عن بقائه بعد فناء الخلق وقد مر في "آل عمران": قال المفسرون: إن أبا بكر أول من أنفق في سبيل الله فنزل فيه وفي أمثاله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ﴾ أي فتح مكة وتمامه أن يقال: ومن أنفق بعد الفتح فحذف لدلالة قوله ﴿ أولئك ﴾ الذين أنفقوا قبل الفتح وهم الذين قال فيهم رسول الله  " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" " ﴿ أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ وسبب الفضل أنهم أنفقوا قبل عز الإسلام وقوة أهله فكانت الحاجة إلى الإنفاق حينئذ أمسّ مع أنه كان أصدق إنباء عن ثقة صاحبه بهذا الدين ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات.

ومن قرأ بالرفع فتقديره وكل وعده الله والقرض مجاز عن إنفاق المال في سبيل الله.

وقد مر في أواخر "البقرة".

قال أهل السنة: إنه  كتب في اللوح المحفوظ أن كل من صدرعنه الفعل الفلاني فله كذا من الثواب وهو الأجر الكريم، فإذا ضم إلى ذلك مثله فهو المضاعفة.

وقال الجبائي: إن الأعواض تضم إلى الثواب فهو المضاعفة.

وإنما وصف الأجر بالكريم لأنه جلب ذلك الضعف وبسببه حصلت لكل الزيادة فكان كريماً من هذا الوجه.

ثم أكد الإيمان بالله ورسوله والإنفاق في سبيله بتذكير يوم المحاسبة فقال ﴿ يوم ترى ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب وقد مر إعرابه.

عن ابن مسعود وقتادة مرفوعاً أن كل إنسان مؤمن فإنه يحصل له النور يوم القيامة على قدر ثوابه منهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، وأدناهم نوراً من يكون نوره على إبهامه ينطفىء مرة ويتقد أخرى.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة يا فلان هذا نورك، ويا فلان لا نور لك.

هذا وقد بينا لك في هذا الكتاب مراراً أن الكمالات والخيرات كلها أنوار وأكمل الأنوار معرفة الله  .

وإنما قال ﴿ بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ لأن ذلك جعل إمارة النجاة ولهذا ورد أن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم.

ومعنى سعي النور سعيه بسعيهم جنيباً لهم ومتقدماً ويقول لهم الذي يتلقونهم من الملائكة ﴿ بشراكم اليوم جنات ﴾ قوله ﴿ يوم يقول ﴾ بدل من قوله ﴿ يوم ترى ﴾ ومنصوب بـ "أذكر" مقدراً.

قال جمع من العلماء: الناس كلهم يوم القيامة في الظلمات ثم إنه  يعطي المؤمنين هذه الأنوار والمنافقون يطلبونها منهم قائلين ﴿ انظرونا ﴾ لأنهم إذا نظروا إليهم والنور قدامهم استضاؤا بتلألؤ تلك الأنوار.

قال الفارسي: حذف الجار وأوصل الفعل وأنشد أبو الحسن: ظاهرات الجمال والحسن ينظرن *** كما ينظر الأراك الظباء والمعنى ينظرن إلى الأراك فإن كانت هذه الحالة عند الموقف فالمراد انظروا إلينا، وإن كانت هذه الحالة عند سير المؤمنين إلى الجنة احتمل أن يكون النظر بمعنى الانتظار لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على الركاب وهؤلاء مشاة في القيود والسلاسل.

ومن قرأ ﴿ انظرونا ﴾ أي أمهلونا جعل استبطاءهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إمهالاً لهم.

قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله.

ثم إنه يؤخذ من جمر جهنم وما فيه من الكلاليب والحسك وتلقى على الطريق فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء.

ثم على ذلك ثم على ذلك، ثم تغشاهم الظلمة فينطفىء نور المنافقين فهناك يقول المنافقون للمؤمنين انظرونا ﴿ نقتبس من نوركم ﴾ والاقتباس أخذ القبس أي الشعلة من النار ﴿ قيل ارجعوا وراءكم ﴾ أي إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور فاطلبوا نوراً وهو تهكم بهم أو إلى الدنيا ﴿ فالتمسوا نوراً ﴾ بتحصيل سببه وهو الإيمان والعمل الصالح أو اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة كأنها خدعة خدع بها المنافقون كقوله ﴿ يخادعون الله وهو خادعهم  ﴾ وعلى هذا فالسور هو امتناع العود إلى الدنيا وعلى الأول قالوا: إنهم يرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين وهو حائط الجنة أو هو الأعراف ﴿ باطنه ﴾ أي باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة ﴿ فيه الرحمة وظاهره ﴾ وهو ما ظهر لأهل النار ﴿ من قبله ﴾ أي من جهته ﴿ العذاب ﴾ قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين ﴿ ارجعوا ﴾ منع المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن يريد القرب منه "وراءك أوسع لك "والمراد أنه لا سبيل لهم إلى هذا النور، والمراد من السور منعهم من رؤية المؤمنين قال الأخفش: الباء في قوله ﴿ بسور ﴾ صلة وفائدته التوكيد وأرادوا بقوله ﴿ ألم نكن معكم ﴾ مرافقتهم في الظاهر.

ومعنى ﴿ فتنتم ﴾ محنتم ﴿ أنفسكم ﴾ بالنفاق وأهلكتموها ﴿ وتربصتم ﴾ بالمؤمنين الدوائر ﴿ وارتبتم ﴾ وشككتم في وعيد الله أو في نبوة محمد  أو في البعث أو في كل ما هو من عند الله ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ بكثرة الآمال وطول الآجال ﴿ حتى جاء أمر الله ﴾ بالموت على النفاق ثم أوقعكم في النار ﴿ وغرّكم بالله ﴾ الشيطان ﴿ الغرور ﴾ فنفخ في خيشومكم إن الله غفور إن باب التوبة مفتوح ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ فدية ﴾ قيل أي توبة والأولى العموم ليشمل كل ما يفتدى به ﴿ ولا من الذين كفروا ﴾ في الظاهر.

فالحاصل أنه لا فرق بين الذين أضمروه فإن كلا منكم ﴿ مأواكم النار هي مولاكم ﴾ وقيل: المراد أنها تتولى أموركم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار وقيل: أراد هي أولى بكم.

قال جار الله حقيقته هي محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل "إنه لكريم".

قال في التفسير الكبير: هذا معنى وليس بتفسير للفظ من حيث اللغة، وغرضه أن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي  بقوله  " من كنت مولاه فعلى مولاه" " فهذا علي مولانا احتج بقول الأئمة تفسير الآية أن المولى معناه الأولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل وجب حمله عليه لأن ما عداه بين الثبوت ككونه ابن العم والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثاني كذباً.

قال: وإذا كان قول هؤلاء معنى لا تفسيراً بحسب اللغة سقط الاستدلال.

قلت: في هذا الإسقاط بحث لا يخفى.

وجوز أن يراد في الآية نفي الناصر لأنه إذا قال هي ناصركم على سبيل التهكم وليس لها نصرة لزم نفي الناصر رأساً كقوله  ﴿ يغاثوا بماء كالمهل  ﴾ ويقال ناصره الخذلان ومعينه البكاء.

قوله  ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ من أنى الأمر يأني إذا جاء إناه أي وقته.

قال جمع من المفسرين: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع.

وقال آخرون: نزل في المؤمنين المحقين.

روى الأعمش أن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية فغيروا بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية.

وعن أبي بكر الصديق أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب.

وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين.

وعن ابن عباس أنه عاتبه على رأس ثلاث عشرة.

وقوله ﴿ لذكر الله ﴾ من إضافة المصدر إلى الفاعل أي ترق قلوبهم لمواعظ الله التي ذكرها في القرآن ﴿ وما نزل من الحق ﴾ وأراد أن القرآن جامع للوصفين الذكر والموعظة ولكونه حقاً نازلاً من السماء.

ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول أي لذكرهم الله والقرآن كقوله ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة.

ومن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ بالتاء الفوقانية فهي الناهية.

ومن قرأ بالياء التحتانية احتمل أن يكون منصوباً عطفاً على أن تخشع والأمد الأجل والأمل أي طالت المدة بين اليهود والنصارى وبين أنبيائهم، أو طالت أعمارهم في الغفلة والأمل البعيد فحصلت القسوة في قلوبهم بسببه فاختلفوا فيما أحدثوا من التحريف والبدع.

وقال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي  ، أو طال عليهم عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما في قلوبهم قاله القرطبي، وقرىء الأمد بالتشديد أي الوقت الأطول ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، وفيه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسوق في آخر الأمر.

قال الحسن: أما والله لقد استبطأ قلوب المؤمنين وهم يقرأون من القرآن أقل مما تقرأون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسوق.

قوله ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض ﴾ فيه وجهان: الأول أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، الثاني أنه زجر لأهل الفسق وترغيب في الخشوع لأنه يذكر القيامة وبعث الأموات.

ثم استأنف وعد المنفقين ووعيد أضدادهم بقوله ﴿ إن المصدقين ﴾ وأصله المتصدقين وعطف عليه قوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ لأن الألف واللام بمعنى الذي كأنه قال: إن الذين تصدقوا وأقرضوا.

والظاهر أن الأول هو الواجب الثاني هو التطوع لأن تشبيهه بالقرض كالدلالة على ذلك.

وأيضاً ذكر الأول بلفظ اسم الفاعل الدال على الاستمرار ينبىء عن الالتزام والوجوب.

ومن قرأ بتشديد الدال فقط فمعناه إن الذين صدقوا الله ورسوله وأقرضوا ويندرج تحت التصديق الإيمان وجميع الأعمال الصالحات إلا أنه أفرد الإنفاق بالذكر تحريضاً عليه كما أنه أفرد الإيمان لتفضيله والترغيب فيه.

وقال ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ الكاملون في الصدق إذ لا قول أصدق من التوحيد والاعتراف بالرسالة، أوهم الكثير والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله والاعتراف بالرسالة، أو هم الكثيرر والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله ورسوله أو به وبرسوله رسوله.

ثم حث على الجهاد بقوله ﴿ والشهداء ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ عند ربهم ﴾ وفيه بيان أنهم من الله بمنزلة وسعة وقد بين ثوابهم الجسماني ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ ويجوز أن يكون قوله ﴿ عند ربهم ﴾ حالاً أو صفة للشهداء كقوله "مررت على اللئيم يسبني" وما بعده خبر.

وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ومن جعل ﴿ الشهداء ﴾ عطفاً على ما قبله قال: أراد أنهم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله.

قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد.

وقال جار الله: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك.

وقيل: أريد أنهم شهداء عند ربهم على أعمال عباده.

وعن الحسن: كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه.

وعن الأصم.

إن المؤمن قائم لله  بالشهادة فيما تعبدهم به من الإيمان والطاعة.

ثم ذكر ما يدل على حقارة أمور الدنيا وشبهها في سرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث ورباه إلى أن يتكامل نشؤه.

ومعنى إعجاب الكفار أنهم جحدوا نعمة الله فيه بعد أن راق في نظرهم فبعث الله عليه العاهة فصيره كلا شيء كما فعل بأصحاب الجنتين في "الكهف" وفي "سبأ " وبأصحاب الجنة في "نون".

ومن جعل الكفار بمعنى الزراع فظاهر قاله ابن مسعود وصيرورته حطاماً هي عودة إلى كمال حاله في النضج واليبس.

ثم عظم أمور الآخرة بتنوين التنكير في قوله ﴿ وفي الآخرة عذاب شديد ﴾ للكافرين ﴿ ومغفرة من الله ورضوان ﴾ للمؤمنين قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة.

فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه فنعم المتاع ونعم الوسيلة.

ثم حث على المسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة وقد مر نصير في "آل عمران" إلا أن البشارة ههنا أعم لأنه قال هناك ﴿ أعدت للمتقين الذين ينفقون  ﴾ إلأى آخره.

وههنا قال ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ﴾ ولأن هؤلاء أدون حالاً من أولئك جعل عرض الجنة هنا أقل فقال ﴿ وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ﴾ فلم يجمع السماء وأدخل حرف التشبيه الدال على أن المشبه أدون حالاً من المشبه به.

وفي لفظ ﴿ سابقوا ﴾ ههنا إشارة إلى أن مراتب هؤلاء مختلفة بعضها أسبق من بعض كالمسابقة في الخيل وفي لفظ ﴿ سارعوا ﴾ هنالك رمز إلى أن كلهم مستوون في القرب أومتقاربون لأن المرتبة العليا واحدة وهي مرتبة السابقين المقربين وإنها غاية الرتب الإنسانية فافهم هذه الأسرار فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال الزجاج: لما أمرنا بالمسابقة إلى المغفرة بين أن الوصول إلى الجنة والحصول في النار بالقضاء والقدر فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة ﴾ أي لا يوجد مصيبة ﴿ في الأرض ﴾ من القحط والوباء والبلاء ﴿ ولا في أنفسكم ﴾ من المرض والفتن ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي هو مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية فإثباتها في الكتاب محال ولهذا قال " جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين " ولم يقل إلى الأبد.

وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه لم يذكر أحوال أهل السموات وفيه سر قال أهل البرهان: فصل في هذه السورة وأجمل في "التغابن" فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله  ﴾ والتفصيل بهذه السورة أليق لأنه فصل أحوال الدنيا والآخرة بقوله ﴿ اعلموا إنما الحياة الدنيا ﴾ إلى آخره قوله ﴿ من قبل أن نبرأها ﴾ من قبل أن نخلق المصائب والأنفس أو الأرض أو المخلوقات ﴿ إن ذلك ﴾ الإثبات أو الحفظ ﴿ على الله يسير ﴾ وإن كان عسيراً على غيره.

ثم بين وجه الحكمة في ذلك الإثبات قائلاً ﴿ لكيلا تأسوا ﴾ أي لكيلا تحزنوا ﴿ على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ نظيره ما ورد في الخبر: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب لأنه لما علم وجوب وقوعه من حيث تعلق علم الله وحكمه وقدرته به عرف أن الفائت لا يرده الجزع والمعطى لا يكاد يثبت ويدوم لأنه عرضة للزوال ونهزة للانتقال فلا يشتد به فرحه.

روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً وللخير شكراً أو المراد أنه لم ينف الأسى والفرح على الإطلاق ولكنه نفى ما بلغ الجزع والبطر ولا لوم على ما يخلو منه البشر.

والباقي ظاهر وقد مر في النساء.

والمقصود أن البخيل يفرح فرحا مطغياً لحبه المال ليفتخر به ويتكبر على الناس ويحمل غيره على إمساك المال لمقتضى شحه الطبيعي ﴿ ومن يتول ﴾ عن أوامر الله ونواهيه ولا يعرف حق الله فما أعطاه ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ عن طاعة المطيعين ﴿ الحميد ﴾ في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.

وقيل: إن الآية نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد  وبخلوا ببيان نعته.

ثم أراد أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات ومن إنزال الكتاب والميزان معهم.

يروى أن جبرائيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح فقال: مر قومك يزنوا به.

وروي عن النبي  أن الله  أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض.

أنزل الحديد والنار والماء والملح.

وعن الحسن: إنزالها تهيئتها كقوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وقال قطرب: هو من النزل يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً منهم من قال: هو من باب "علفتها تبناً وماء بارداً".

وللعلماء في المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه.

أحدها أن مدار التكليف على فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

والثاني لا يتم بالحديد الذي فيه بأس شديد والأول إما أن يكون من باب الاعتقادات ولن يتم إلا بالكتاب السماوي ولا سيما إذا كان معجزاً.

وإما أن يكون من باب المعاملات ولا ينتظم إلا بالميزان فأشرف الأقسام ما يتعلق بالوقة النظرية الروحاينة، ثم ما يتعلق بالعملية الجسمانية، ثم ما يتعلق بالزواجر وقد روعي في الآية هذا النسق.

وثانيها المعاملات إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم، إما أحباب ويفتقر في نظام أمور تمدنهم إلى الميزان، وإما أعداء فيدفعون بالسيف.

وثالثها السابقون يعاملون بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون ويحترزون عن مواقع الشبهات، والمقتصدون ينصفون وينتصفون فلا بد لهم من الميزان، والظالمون ينتصفون من غير إنصاف فلا بدّ لهم من السيوف الزواجر.

واربعها أن الإنسان في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة المقربين لا يسكن إلا بكتاب الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ أو هو في مقام الطريقة وهو النفس اللوامة.

وأصحاب اليمين لا بد لهم من الميزان في معرفة الأخلاق المتوسطة غير المائلة إلى طريق الإفراط والتفريط، أو هو في مقام الشريعة والنفس الأمارة لا تنزجر إلا بحديد المجاهدة وسيف الرياضة.

وخامسها السالك إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فانتبه بميزان الكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فانتبه بميزان الدليل والحجة، وإن كان صاحب العناد واللجاج فلا بد له من الحديد.

وسادسها الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوم بالميزان، وميزان العدل والأحوال يعتبر بحديد الرياضة.

أو نقول: الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوّم بالميزان، والمنحرفون من أحد الموضوعين يولون بالسيف.

وسابعها الكتاب للعلماء.

والميزان للعوام والسيف للملوك.

قال أهل التجارب: في منافع الحديد ما من صناعة إلا والحديد آلة فيها.

أو ما يعمل بالحديد بيانه أن أصول الصناعة أربعة: الزراعة والحياكة والبناء والإمارة.

أما الزراعة فتحتاج إلى الحديد في كراية الأرض وإصلاحها وحفرها وتنقية آبارها.

ثم الحبوب لا بد من طحنها وخبزها وكل منهما يحتاج إلى شيء من حديد وأكل الفواكه واللحوم وغيرها يفتقر أيضاً في التغيير والتقطيع إلى الحديد وأما الحياكة فتحتاج إلى آلات الحراثة وإلى آلات الغزل وإلى أدوات الحياكة والخياطة، وأما البناء فلا يكمل الحال فيه إلا بآلات حديدية وأما الإمارة فلا تتم إلا بأسباب الحرب وآلات السياسة فظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ولا يقوم الذهب ولا الجواهر في أكثرها مقام الحديد فلو لم يوجد الذهب والجواهر في الدنيا لم يختل شيء من المهمات ولو لم يوجد الحديد لاختلت المصالح فعند هذا يظهر أثر عناية الله بحال عبيده، فإن كل شيء تكون حاجاتهم إليه أكثر يكون وجوده أسهل.

قال بعضهم: سبحان من خص الفلز بعزه *** والناس مستغنون عن أجناسه وأذ أنفاس الهواء وكل ذي *** نفس فمحتاج إلى أنفاسه نظيره الحاجة إلى الطعام ثم إلى الهواء، فالطعام قلما يوجد إلا بالثمن والماء قد يباع في بعض الأمكنة والزمان والهواء لا يباع أصلاً لأن الحاجة إلى النفس أمس.

قال بعض المحققين ههنا إن العلم أبلغ ما يحتاج الإنسان إليه إذ به قوام روحه وصلاح معاده فلا جرم لا يقع في عرضة البيع وكثيراً ما يعطى الأجر على تعلمه قوله ﴿ وليعلم الله ﴾ ظاهره أنه معطوف على المعنى التقدير: وأنزلنا الحديد لأجل المنافع الدنيوية ولأجل المصالح الدينية وهو ظهور معلوم الله وتعلق علمه بما سيقع من نصرة دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وغيرها.

ويجوز أن يكون المعطوف عليه محذوفاً بدليل ما تقدمه أي وأنزلنا الحديد ليقوم الناس بالقسط خوفاً من أن يجعل وليعلم الله ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ غائباً عنهم.

قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، وفيه إشارة إلى أن الجهاد المعتبر هو الذي يوجد عن إخلاص القلب خالياً من النفاق والرياء وفي قوله ﴿ إن الله قوي عزيز ﴾ رمز إلى أنه تعالى قادر على إهلاك أعداء الدين وإعلاء كلمته بدون واسطة الجهاد، ولكنه كلفهم ذلك ليتوسلوا به إلى نيل درجة الصديقين والشهداء.

وحين حكى قصة الرسل مجملة أعقبها بنوع من التفصيل والكتاب ظاهره الوحي.

عن ابن عباس هو الخط بالقلم والضمير في ﴿ فمنهم ﴾ للذرية أو للمرسل إليهم بدليل الإرسال.

والفاسقون إما العاصون بارتكاب الكبائر، وإما الكافرون ولعل هذا أظهر لوقوعه في طباق المهتدين إلا أن يحمل الفاسق على الذي لا يهتدي لوجه رشده قال مقاتل: المراد بالرأفة والرحمة هو ما أوقع الله  في قلوبهم من التواد والتعاطف كما جاء في نعت أصحاب محمد  ﴿ رحماء بينهم  ﴾ قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حمل نصبها على ﴿ جعلنا ﴾ لأن ما يبتدعونه لا يجوز أن يكون مجعولاً لله قال في التفسير الكبير: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين من أين يليق بأبي علي أن يخوض في أمثال هذه الأشياء.

قلت: الظن بالعلماء ينبغي أن يكون أحسن من هذا ولا حاجة إلى إحالة تمام الكلام على المسألة المذكورة ولكن يرد على أبي علي أنه إذا جاز أن يكون الكفر والفسوق وسائر المعاصي الصادرة عن العبد منسوبة إلى تخليق الله، فلم لا يجوز أن يكون الابتداع وهو إحداث أمر من عند نفسه لا على ألسنة الرسل.

مجعولاً لله  ؟

قال المفسرون: إن الجبابرة ظهروا على أمة عيسى بعد رفعه فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فترهبوا على رؤوس الجبال فارين من الفتنة متحملين كلفاً ومشاق زائدة على العبادات المكتوبة عليهم من الخلوة والاعتزال والتعبد في الغيران والكهوف، روى ابن مسعود أن النبي  قال "يا ابن مسعود أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلا ثلاث فرق فرقة آمنت بعيسى  وقاتلوا أعداءه في نصرته حتى قتلوا وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله ﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ﴾ " الآية قال العلماء: لم يرد الله  بقوله ﴿ ابتدعوها ﴾ طريقة الذم ولكن المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذورها.

والرهبانية بفتح الراء مصدر وهو الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح أيضاً وهو الخائف "فعلان" من رهب كخشيان من خشي.

وقرىء بالضم وهو نسبة إلى الرهبان جمع الراهب.

وقوله ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ استثناء منقطع عند الأكثر أي ما فرضناها نحن عليهم ولكنهم اتبدعوها طلب رضوان الله.

وقال آخرون: إنه متصل والمعنى ما تعبدناهم بها إلا على وجه تحصيل مرضاة الله فتكون ندباً إن أتى بها ارتضاها الله وإن لم يأت بها فلا حرج.

وفي قوله ﴿ فما رعوها حق رعايتها ﴾ أقول: أحدها أنهم ما أقاموا على تلك السيرة ولكنهم ضموا إليه التثليث والإلحاد إلا إناساً منهم أقاموا على دين عيسى حتى أدرجوا محمداً  فآمنوا به، وثانيها أن أكثرهم لم يتوسلوا بها إلى مرضاة الله ولكنهم جعلوها سلماً إلى المنافع الدنيوية.

وثالثها أن يكون في الكلام إضمار أي لم نفرضها أولاً عليهم بل كانت على جهة الاستحباب، ثم فرضناها عليهم فما رعوها إلا قليلاً منهم آمنوا بمحمد  بعد أن استقاموا على الطريقة.

ورابعها أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ثم جاء بعدهم من لم يرعها كما رعاها الحواريون.

ثم خاطب المؤمنين منهم بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ أي بعيسى ﴿ اتقوا الله وآمنوا برسوله ﴾ محمد  ﴿ يؤتكم كفلين ﴾ نصيبين ﴿ من رحمته ﴾ لإيمانكم أولاً بعيسى وثانياً بمحمد  ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ وهو النور المذكور في قوله ﴿ يسعى نورهم ﴾ أو النور المذكور في قوله ﴿ أو من كانَ ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس  ﴾ ويجوز أن يكون الخطاب لأمة محمد  والمراد اثبتوا على إيمانكم برسول الله  يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب في قوله ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين  ﴾ وذلك أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم فنزلت وفيه أنهم مثلهم في الإيمانين لأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله على أنه يجوز أن يكون النصيب الواحد من الأجر أزيد من نصيبين فإن المال إذا قسم نصفين كان الكفل الواحد نصفاً، وإذا قسم عشرة أقسام كان الكفل الواحد جزءاً من عشرة.

ولا شك أن النصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من النصيب الواحد من القسمة الثانية.

قوله ﴿ لئلا يعلم ﴾ الآية.

أكثر المفسرين والنحويين على أن "لا" زائدة والمعنى ليعلم ﴿ أهل الكتاب ﴾ الذين لم يسلموا أن الشأن لا ينالون ولا يقدرون على شيء من الكفلين.

والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا بمحمد  فلم ينفعهم إيمانهم من قبله، أو المراد أنا بالغنا في هذا البيان وأمعنا في الوعد لهم والوعيد ليعلم أهل الكتاب أن الشأن هو أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الأجر في طائفة مخصوصين ﴿ وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ وقيل: غير زائدة والضمير في ﴿ لا يقدرون ﴾ للرسول وأصحابه.

والعلم بمعنى الاعتقاد والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي  والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، ولكي يعتقدوا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد خص بذلك محمداً  ومن آمن به وبالله التوفيق وإليه المرجع والمآب والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يجوز أن يقرأ ﴿ سَبَّحَ للَّهِ ﴾ وسبح الله، كما يقال في الكلام: شكر لله، وشكر الله، ونصح الله ونصح الله.

ويجوز أن يكون معناهما في الظاهر مختلفا، ويتفق في الحقيقة والباطن؛ لأن التسبيح: هو التخليص والتنزيه والتبرئة، فمتى أضيف الفعل إلى الله  ، ووقع عليه، فيقال سبح لله، فمعناه: أنه نزهه وبرأه عن جميع معاني الخلق، وخلصه عن شبه المخلوقين، وإذا قيل: سبح لله، فقد وقع الفعل على الأشياء المخلوقة؛ أي: خلصها كلها له وبرأها عن غيره، وإذا وصف بأن كل الأشياء له، وهو المالك لها، وهم عبيده ومماليكه، خاضعون أذلاء، فقد وصف الغناء ونفي الحاجة عنه، وأنه متبرئ عن الشبه بمماليكه ومخلوقاته، فهما جميعا من هذا الوجه ينظمان معنى واحدا، وإن كانا مختلفين وفي الباطن مؤتلفين؛ كما أن الإسلام: هو أن يجعل كل شيء من الخلق لله  خالصا سالماً له، والإيمان: هو التصديق بالربوبية له في كل شيء، فمتى صدق الله  بالربوبية في الخلق والأمر، فقد جعل الخلق سالما له، فمتى جعل سالما له فقد صدقه في الربوبية، فقد اتفقا من حيث المعنى، وإن اختلفا من حيث الظاهر، فعلى ذلك هذا، والله الموفق.

ثم يحتمل ما ذكر من التسبيح: هو تسبيح الخلقة، تشهد له خلقة كل شيء بالوحدانية والألوهية، فهذا على خلقه الكافر والمؤمن جميعا وغيرهما من المخلوقات.

ويحتمل أن يكون أراد الممتحنين الذين في السماوات والأرض، ويرجع إلى تسبيح خاص، وهو تسبيح النطق واللسان عن اختيار.

وجائز أن يرجع إلى كل ذي روح يجعل الله في سرية هذه الأشياء من التسبيح له ما يعلمه هو لا يعلمه غيره إلا بإعلام الله  إياه ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: العزيز: هو الذي أفقر الخلق وأحوجهم إليه، والحكيم: هو المحكم للأشياء المتقن لها.

أو العزيز: القاهر الغالب، الحكيم: هو العالم بالأشياء على حقيقتها.

أو العزيز: هو المالك كل ملك؛ كقوله: ﴿ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ  ﴾ الحكيم: الواضع كل شيء موضعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ جائز أن يكون ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ تفسيراً لقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ أي: يملك أن يحيي هذا، ويميت غيره، أو يحيي من شاء، وميت من شاء، ويملك إحياء من شاء وإماتة من شاء، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من الإحياء والإماتة وغيرهم ﴿ قَدِيرٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ﴾ قالت الباطنية: الأول: معناه: المبدع الأول، والآخر: المبدع الثاني، والظاهر: هو الناطق، وهو الرسول  ، والباطن: هو صاحب التأويل؛ يقولون: إن المبدع الأول أتم للمبدع الثاني المعونة؛ فيستعين بها المبدع الثاني على خلق هذا العالم وإنشائهم؛ لأنهم يقولون: إن المبدع الثانى هو الذي دبر هذا العالم، وأنشأهم بإعانة المبدع الأول، والناطق هو الذي دبر الشرائع، والباطن - وهو صاحب التأويل - هو الذي يبين الشرائع التي دبرها الناطق وهو الرسول  ، ولا يصفون أن الله  هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ويقولون: لا يجوز أن يوصف بهذه الأشياء؛ لأ، الأولية تنفي الآخرية، والظاهر ينفي الباطن؛ كل حرف من هذه الحروف يبطل الآخر في الشاهد.

وجوابنا: أن ما قلتم من المبدع الأول والثاني والناطق والباطن، ليس بشيء له معنى على ما ذكرنا في موضعه، وأما عندنا: فإن قوله: ﴿ هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ﴾ هو حرف التوحيد: هو الأول بذاته، والآخر بذاته والباطن بذاته؛ قال هذا؛ ليعلم ولا يفهم من أوليته أولية غيره، ولا يفهم من آخريته غيره، فكذلك لا يفهم من ظاهريته ظاهرية غيره، ولا من باطنيته باطنية غيره؛ لأن في الشاهد من كان له أولية لا يكون له آخرية، ومن كان له آخرية لاي كون له أولية، وكذلك من كان له ظاهرية لا يكونله باطنية، ومن كان له باطنية لا يكون له ظاهرية؛ فكل حرف من هذه الحروف مما ينقض الحرف الآخر وينفيه في الشاهد، فإنما ذكر هذه الأحرف لنفسه؛ ليعلم ألا يفهم من أوليته أولية الأشياء، ولا يفهم من آخريته ما يفهم من آخية الأشياء، وكذلك ما ذكر من ظاهريته وباطنيته، وهذا كما ذكر: أنه عظيم ولطيف؛ لئلا يفهم من عظمة مايفهم من عظمة غيره، ولا من لطافته [ما يفهم] من لطافة غيره، والله الموفق.

وقال بعضهم: الأول: الذي لا ابتداء له، والآخر: الذي لا انتهاء له، والظاهر: هو الغالب القاهر، الذي لا يغلبه شيء، والباطن: الذي لا تدركه الأوهام.

وقال بعضهم: هو الاول الذي له أولية الأشياء، والآخر الذي له آخرية الأشياء، والظاهر بالحجج والآيات، والباطن الذي لا تدركه الأوهام، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ كأن خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام: الستة الأيام التي تدور عليها أيام الدنيا، وهي أيام حكمة، فإنما خلق في هذه الأيام كيان الأشياء وأصولها، لا أنه خلق كلية الأشياء فيها، وما يكون أبد الآبدين، فعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ أي: استوى أمره، فخلق الممتحن، وهم البشر؛ إذ المقصود بخلق هذه الأشياء كلها البشر، ولهم إنشاء هذه الأشياء.

وإن كن المراد من قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ أيام الدنيا الذي يكون اليوم مقداره ألف سنة؛ على ما ذكره في آية أخرى؛ فيكون ماذكره من خلق السماوات والأرض وما بينهما خلق أصول الأشياء وكيانها وما يتولد منها، بل يقع ذلك على الكل، فيكون على هذا تأويل قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ البعث؛ أي: استوى خلق ما خلق وأنشأ من العالم بالبعث ما لولا ذلك البعث لم يكن إنشاء هذا العالم الأول حكمة؛ فالمقصود من إنشاء هذه العالم البعث، وله يصير إنشاؤه حكمة، فيكون به استواء الأمر.

ثم تأويل العرش: يحتمل الملك؛ استوى ملكه بخلق الممتحن أو بالبعث الذي ذكرنا، ولا نفسر أنه ما أراد بقوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ ؛ لأنه لا يعلم ما أراد به، إذ قال في ذلك: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً  ﴾ أمر أن يسأل به خبيرا، ولم يرد بذلك: أنه يسأل به عنه؛ فلا يسمع تفسيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾ ، أي: كثرة ذلك وازدحامه، لا يلتبس عليه ولا يستر عنه شيء.

والثاني: يخبر أن السماء والأرض مع ثقلها وكثافتهما لا يستران ولا يحجبان عليه الوالج فيهما، والخارج منهما والنازل منهما، والإحاطة بذلك؛ ليعلم أن لا شيء يحجب عنه، ولا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ هذا الحرف يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ : أي: عالم بكم وبأفعالكمم، ومحيط بكم، وحافظ عليكم.

والثاني: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ يتوجه المعنى فيه لاختلاف الأحوال؛ يقول: إن كنتم محبين له، خاضعين مطيعين، فهو معكم بالنصر لكم والمعونة على أعدائكم، وإن كنتم معرضين عنه معاندين فهو معكم بالمعونة عليكم، والانتقام منكم، والله أعلمز وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ قال أهل التأويل: أي: علمه وسلطانه وقدرته معكم أينما كنتم، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم: أنه إذا ذكر - جل وعلا - بلا ذكر الخلق معه، ولا ضم أحد إليه سواه، يوصف بالأزل، فيقال: لم يزل عالما قادرا خالقا، بلا ذكر وقت، ولا حد ولا شيء من المكان وغيره، وإذا ذكر معه شيء من الخلق يذكر على ما عليه هذا الخلق من الوقت والمكان والأحوال للخلق دون الله  ، فيقال: لم يزل عالما للخلق وقت كونهم، لم يزل خالقا للعالم وقت كونه؛ حتى لا يتوهم قدم المخلوق، وعلى ذلك قوله  : ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ ﴾ الآية [محمد: 31]، ﴿ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ وقوله  : ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...

﴾ الآية [البقرة: 155]، وقوله  : ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ  ﴾ ، ونحوها مما كثر ذكره كذلك على ما عليه أحوال الخلق، فعى هذا قوله: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ ، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، الملك إنما ينسب بحق نفاذ المشيئة والأمر والولاية، فجائز أن يكون قوله: ﴿ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: له نفاذ المشيئة، وله الولاية في السماوات والأرض، وعلى أهلهما، وله السلطان عليهم، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: له خزائن السماوات والأرض، يعطى من يشاء، ويحرم من يشاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ أي: إلى الله يرجع تدبير الأمور من إحداث وتكوين وإعطاء وبذل ومنع وحرمان، ليس تدبير ذلك إلى الخلق والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ ، أي إلى الله ترجع أمور الممتحنين في الآخرة من الحساب والسؤال، والثواب والعقاب وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ : إيلاج الشيء: إنمان هو إدخاله فيه على إبقاء المدخل فيه؛ هذا هو المعروف، لكن ما ذكر هاهنا من إيلاج هذا في هذا، وهذا أن جعل ما كان في حال الاستواء في حد الليل نهارا، وجعل ما كان في حال الاستواء في حد النهار ليلا؛ على إتلاف كل واحد منهما بالآخر، لا على الإبقاء، وفي ذلك وجوه من الدلالة: أحدهما: يدل ذلك على أنه فعل واحد عليم له تبدير، لا فعل عدد، أو لا تبدير له؛ لأنه لو كان فعل عدد، لكان لا يجري على سنن واحد وتدبير واحد منذ كان إلى أبد الآبدين؛ بل يقع في ذلك تمانع وتغالب يمنع كل واحد ما له مما لغيره، ولغلبه عليه، ولا يوافقه في تدبيره؛ على ما يكون من عادة الملوك؛ على ما قال: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ ، وقال: ﴿ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ \[المؤمنون: 91\]، والله الموفق.

وفيه دلالة البعث، [و]هو إتيان الليل بعد ذهاب أثر النهار، وإتيان النهار بعد ذهاب أثر الليل، ونحو ذلك؛ على ما تقدم ذكره.

وقوله: ﴿ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: عليم بما في الصدور.

وجائز أن يكون تأويله: وهو عليم بما في الصدور: أرباب الصدور، وهم البشر الذين لهم الصدور والتدبير؛ لأن الصدور إما يقا للذين لهم تدبير وتمييز، وهم البشر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

له وحده ملك السماوات والأرض، يحيي من يشاء أن يحييه، ويميت من يشاء أن يميته، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.Lm5qQ"

مزيد من التفاسير لسورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله