الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٣٩ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال أبو إسحاق السبيعي ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، عن ابن عباس : ( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ) الآية ، قال : اللبن .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ) الآية : فهو اللبن ، كانوا يحرمونه على إناثهم ، ويشربه ذكرانهم .
وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه ، وكان للرجال دون النساء .
وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح ، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء .
فنهى الله عن ذلك .
وكذا قال السدي .
وقال الشعبي : " البحيرة " لا يأكل من لبنها إلا الرجال ، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء ، وكذا قال عكرمة ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
وقال مجاهد في قوله : ( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ) قال : هي السائبة والبحيرة .
وقال أبو العالية ، ومجاهد ، وقتادة في قول ( سيجزيهم وصفهم ) أي : قولهم الكذب في ذلك ، يعني قوله تعالى : ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع ) الآية [ النحل : 116 ، 117 ] .
( إنه حكيم ) أي : في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ، ( عليم ) بأعمال عباده من خير وشر ، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء .
القول في تأويل قوله : وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: (ما في بطون هذه الأنعام).
فقال بعضهم: عنى بذلك اللَّبن .
* ذكر من قال ذلك: 13932- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عبد الله بن أبي الهذيل, عن ابن عباس: (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا)، قال: اللبن .
(17) 13933- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن ابن أبي الهذيل, عن ابن عباس، مثله .
13934- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا)، ألبان البحائر كانت للذكور دون النساء, وإن كانت ميتة اشترك فيها ذكورهم وإناثهم .
13935- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا)، قال: ما في بطون البحائر، يعني ألبانها, كانوا يجعلونه للرجال، دون النساء .
13936- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا عيسى بن يونس, عن زكريا, عن عامر قال: " البحيرة " لا يأكل من لبنها إلا الرجال, وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء .
13937- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,قوله: (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا) الآية, فهو اللبن، كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكرانهم.
وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء.
وإن كانت أنثى تركب لم تذبح.
وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء .
فنهى الله عن ذلك .
* * * وقال آخرون: بل عنى بذلك ما في بطون البحائر والسوائب من الأجنة .
* ذكر من قال ذلك: 13938- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء)، فهذه الأنعام، ما ولد منها من حيّ فهو خالص للرجال دون النساء.
وأما ما ولد من ميت، فيأكله الرجال والنساء .
13939- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن ابن جريج, عن مجاهد: (ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا)، السائبة والبحيرة .
13940- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الكفرة أنهم قالوا في أنعام بأعيانها: " ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا دون إناثنا " ، واللبن ما في بطونها, وكذلك أجنتها.
ولم يخصُص الله بالخبر عنهم أنهم قالوا: بعضُ ذلك حرام عليهن دون بعض .
وإذ كان ذلك كذلك, فالواجب أن يقال إنهم قالوا: ما في بطون تلك الأنعام من لبن وجنين حِلٌّ لذكورهم = خالصة دون إناثهم, وإنهم كانوا يؤثرون بذلك رجالهم, إلا أن يكون الذي في بطونها من الأجنة ميتًا، فيشترك حينئذ في أكله الرجال والنساء .
* * * واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله أنثت " الخالصة ".
فقال بعض نحويي البصرة وبعض الكوفيين: أنثت لتحقيق " الخلوص ", كأنه لما حقق لهم الخلوص أشبه الكثرة, فجرى مجرى " راوية " و " نسابة " .
* * * وقال بعض نحويي الكوفة: أنثت لتأنيث " الأنعام ", لأن " ما في بطونها "، مثلها, فأنثت لتأنيثها .
ومن ذكّره فلتذكير " ما ".
قال: وهي في قراءة عبد الله: " خَالِصٌ".
قال: وقد تكون الخالصة في تأنيثها مصدرًا, كما تقول: " العافية " و " العاقبة ", وهو مثل قوله: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ [سورة ص: 46] .
(18) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: أريد بذلك المبالغة في خلوص ما في بطون الأنعام التي كانوا حرَّموا ما في بطونها على أزواجهم, لذكورهم دون إناثهم, (19) كما فعل ذلك " بالراوية " و " النسابة " و " العلامة ", إذا أريد بها المبالغة في وصف من كان ذلك من صفته, كما يقال: " فلان خالصة فلان، وخُلصانه ".
(20) * * * وأما قوله: (ومحرم على أزواجنا)، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيِّ بـ" الأزواج ".
فقال بعضهم: عنى بها النساء .
* ذكر من قال ذلك: 13941- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (ومحرم على أزواجنا)، قال: النساء .
* * * وقال آخرون: بل عنى بالأزواج البنات .
* ذكر من قال ذلك: 13942- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (ومحرم على أزواجنا)، قال: " الأزواج "، البنات .
وقالوا: ليس للبنات منه شيء .
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يقولون لما في بطون هذه الأنعام= يعني أنعامهم= : " هذا محرم على أزواجنا " ، و " الأزواج "، إنما هي نساؤهم في كلامهم, وهن لا شك بنات من هن أولاده, وحلائل من هن أزواجه .
(21) وفي قول الله عز وجل: (ومحرم على أزواجنا)، الدليلُ الواضح على أن تأنيث " الخالصة "، كان لما وصفت من المبالغة في وصف ما في بطون الأنعام بالخلوصة للذكور, لأنه لو كان لتأنيث الأنعام لقيل: و " محرمة على أزواجنا ", ولكن لما كان التأنيث في" الخالصة " لما ذكرت, ثم لم يقصد في" المحرم " ما قصد في" الخالصة " من المبالغة, رجع فيها إلى تذكير " ما ", واستعمال ما هو أولى به من صفته .
* * * وأما قوله: (وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء)، فاختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه يزيد بن القعقاع، وطلحة بن مصرِّف، في آخرين: " وَإنْ تَكُنْ مَيْتَةٌ" بالتاء في" تكن "، ورفع " ميتة ", غير أن يزيد كان يشدّد الياء من " مَيِّتَةٌ" ويخففها طلحة .
13943- حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا عيسى, عن طلحة بن مصرف .
13944- وحدثنا أحمد بن يوسف, عن القاسم, وإسماعيل بن جعفر, عن يزيد .
* * * وقرأ ذلك بعض قَرَأة المدينة والكوفة والبصرة: ( وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً )، بالياء، و " ميتة "، بالنصب، وتخفيف الياء .
* * * وكأنّ من قرأ: (وإن يكن)، بالياء (ميتة) بالنصب, أراد: وإن يكن ما في بطون تلك الأنعام= فذكر " يكن " لتذكير " ما " ونصب " الميتة "، لأنه خبر " يكن " .
وأما من قرأه : " وإن تكن ميتة "، فإنه إن شاء الله أراد: وإن تكن ما في بطونها ميتة, فأنث " تكن " لتأنيث " ميتة " .
* * * وقوله: (فهم فيه شركاء)، فإنه يعني أن الرجال وأزواجهم شركاء في أكله، لا يحرمونه على أحد منهم, كما ذكرنا عمن ذكرنا ذلك عنه قبل من أهل التأويل .
* * * وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- 13945- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء)، قال: تأكل النساء مع الرجال, إن كان الذي يخرج من بطونها ميتة، فهم فيه شركاء, وقالوا: إن شئنا جعلنا للبنات فيه نصيبًا، وإن شئنا لم نجعل .
* * * قال أبو جعفر: وظاهر التلاوة بخلاف ما تأوَّله ابن زيد, لأن ظاهرها يدل على أنهم قالوا: " إن يكن ما في بطونها ميتة, فنحن فيه شركاء "= بغير شرط مشيئة .
وقد زعم ابن زيد أنهم جعلوا ذلك إلى مشيئتهم .
* * * القول في تأويل قوله : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: " سيجزي"، أي: سيثيب ويكافئ هؤلاء المفترين عليه الكذب في تحريمهم ما لم يحرّمه الله, وتحليلهم ما لم يحلله الله, وإضافتهم كذبهم في ذلك إلى الله (22) = وقوله: (وصفهم)، يعني بـ" وصفهم "، الكذبَ على الله, وذلك كما قال جلَّ ثناؤه في موضع آخر من كتابه: وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ، [سورة النحل: 62] .
(23) * * * و " الوصف " و " الصفة " في كلام العرب واحد, وهما مصدران مثل " الوزن " و " الزنة " .
* * * وبنحو الذي قلنا في معنى " الوصف " قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 13946- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (سيجزيهم وصفهم)، قال: قولهم الكذب في ذلك .
13947- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
13948- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية: (سيجزيهم وصفهم) قال: كذبهم .
13949- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (سيجزيهم وصفهم) ، أي كذبهم .
وأما قوله: (إنه حكيم عليم)، فإنه يقول جل ثناؤه: إن الله في مجازاتهم على وصفهم الكذب وقيلهم الباطل عليه=" حكيم "، في سائر تدبيره في خلقه=" عليم "، بما يصلحهم، وبغير ذلك من أمورهم .
(24) ------------------- الهوامش : (17) الأثر : 13932 - (( عبد الله بن أبي الهذيل العنزي )) ، (( أبو المغيرة )) ، تابعي ثقة .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 196 ، وفيه (( العنبري )) ، ولا أدري ما الصواب منهما .
(18) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 358 ، 359 .
(19) السياق : (( في خلوص ما في بطون الأنعام ...
لذكورهم دون إناثهم )) .
(20) انظر تفسير (( الخالصة )) فيما سلف 2 : 365 ، 366 .
انظر تمام حجة أبي جعفر في ذلك فيما سيلي بعد أسطر قليلة .
(21) انظر تفسير (( الزوج )) فيما سلف 1 : 514 /2 : 446 .
(22) انظر تفسير "الجزاء" فيما سلف ص 146 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك (23) انظر تفسير (( الوصف )) فيما سلف صلى الله عليه وسلم : 10 ، 11 .
(24) انظر تفسير (( حكيم )) و (( عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) و ( علم ) .
قوله تعالى وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليمقوله تعالى وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا هذا نوع آخر من جهلهم .
قال ابن عباس : هو اللبن ، جعلوه حلالا للذكور وحراما على الإناث .
وقيل : الأجنة ; قالوا : إنها لذكورنا .
ثم إن مات منها شيء أكله الرجال والنساء .
والهاء في خالصة للمبالغة في الخلوص ; ومثله رجل علامة ونسابة ; عن الكسائي والأخفش .
وخالصة بالرفع خبر المبتدإ الذي هو ( ما ) .
وقال الفراء : تأنيثها لتأنيث الأنعام .
وهذا القول عند قوم [ ص: 87 ] خطأ ; لأن ما في بطونها ليس منها ; فلا يشبه قوله يلتقطه بعض السيارة لأن بعض السيارة سيارة ، وهذا لا يلزم .
قال الفراء : فإن ما في بطون الأنعام أنعام مثلها ; فأنث لتأنيثها ، أي الأنعام التي في بطون الأنعام خالصة لذكورنا .
وقيل : أي جماعة ما في البطون .
وقيل : إن ( ما ) ترجع إلى الألبان أو الأجنة ; فجاء التأنيث على المعنى والتذكير على اللفظ .
ولهذا قال ومحرم على أزواجنا على اللفظ .
ولو راعى المعنى لقال ومحرمة .
ويعضد هذا قراءة الأعمش ( خالص ) بغير هاء .
قال الكسائي : معنى خالص وخالصة واحد ، إلا أن الهاء للمبالغة ; كما يقال : رجل داهية وعلامة ; كما تقدم .
وقرأ قتادة ( خالصة ) بالنصب على الحال من الضمير في الظرف الذي هو صلة ل ( ما ) .
وخبر المبتدأ محذوف ; كقولك : الذي في الدار قائما زيد .
هذا مذهب البصريين .
وانتصب عند الفراء على القطع .
وكذا القول في قراءة سعيد بن جبير ( خالصا ) .
وقرأ ابن عباس ( خالصة ) على الإضافة فيكون ابتداء ثانيا ; والخبر لذكورنا والجملة خبر ( ما ) .
ويجوز أن يكون خالصة بدلا من ( ما ) .
فهذه خمس قراءات .ومحرم على أزواجنا أي بناتنا ; عن ابن زيد .
وغيره : نساؤهم .وإن يكن ميتة قرئ بالياء والتاء ; أي إن يكن ما في بطون الأنعام ميتة .فهم فيه شركاء أي الرجال والنساء .
وقال فيه لأن المراد بالميتة الحيوان ، وهي تقوي قراءة الياء ، ولم يقل : فيها ميتة ، بالرفع بمعنى تقع أو تحدث ميتة بالنصب ; أي وإن تكن النسمة ميتة .سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم أي كذبهم وافتراءهم ; أي يعذبهم على ذلك .
وانتصب وصفهم بنزع الخافض ; أي بوصفهم .
وفي الآية دليل على أن العالم ينبغي له أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به ، حتى يعرف فساد قوله ، ويعلم كيف يرد عليه ; لأن الله تعالى أعلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قول من خالفهم من أهل زمانهم ، ليعرفوا فساد قولهم .
ومن آرائهم السخيفة أنهم يجعلون بعض الأنعام، ويعينونها -محرما ما في بطنها على الإناث دون الذكور، فيقولون: { مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا } أي: حلال لهم، لا يشاركهم فيها النساء، { وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا } أي: نسائنا، هذا إذا ولد حيا، وإن يكن ما [في] بطنها يولد ميتا، فهم فيه شركاء، أي: فهو حلال للذكور والإناث.
{ سَيَجْزِيهِمْ } الله { وَصْفَهُمْ } حين وصفوا ما أحله الله بأنه حرام، ووصفوا الحرام بالحلال، فناقضوا شرع الله وخالفوه، ونسبوا ذلك إلى الله.
{ إِنَّهُ حَكِيمٌ } حيث أمهل لهم، ومكنهم مما هم فيه من الضلال.
{ عَلِيمٌ } بهم، لا تخفى عليه خافية، وهو تعالى يعلم بهم وبما قالوه عليه وافتروه، وهو يعافيهم ويرزقهم جل جلاله.
وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ) أي : نسائنا .
قال ابن عباس وقتادة والشعبي : أراد أجنة البحائر والسوائب ، فما ولد منها حيا فهو خالص للرجال دون النساء ، وما ولد ميتا أكله الرجال والنساء جميعا ، وأدخل الهاء في ال " خالصة " للتأكيد كالخاصة والعامة ، كقولهم : نسابة وعلامة ، وقال الفراء : أدخلت الهاء لتأنيث الأنعام لأن ما في بطونها مثلها فأنثت بتأنيثها .
وقال الكسائي : خالص وخالصة واحد ، مثل وعظ وموعظة .
( وإن يكن ميتة ) قرأ ابن عامر وأبو جعفر " تكن " بالتاء ( ميتة ) رفع ، ذكر الفعل بعلامة التأنيث ، لأن الميتة في اللفظ مؤنثة .
وقرأ أبو بكر عن عاصم " تكن " بالتاء ( ميتة ) نصب ، أي : وإن تكن الأجنة ميتة ، وقرأ ابن كثير : ( وإن يكن ) بالياء ( ميتة ) رفع ، لأن المراد بالميتة الميت ، أي : وإن يقع ما في البطون ميتا ، وقرأ الآخرون ( وإن يكن ) بالياء ( ميتة ) نصب ، رده إلى ( ما ) أي : وإن يكن ما في البطون ميتة ، يدل عليه أنه قال ( فهم فيه شركاء ) ولم يقل فيها ، وأراد أن الرجال والنساء فيه شركاء ، ( سيجزيهم وصفهم ) أي : بوصفهم ، أو على وصفهم الكذب على الله تعالى ( إنه حكيم عليم ) .
«وقالوا ما في بطون هذه الأنعام» المحرمة وهي السوائب والبحائر «خالصة» حلال «لذكورنا ومحرَّم على أزواجنا» أي النساء «وإن تَكُنْ مَيْتَةٌ» بالرفع والنصب مع تأنيث الفعل وتذكيره «فهم فيه شركاء سيجزيهم» الله «وصفَهم» ذلك بالتحليل والتحريم أي جزاءه «إنه حكيم» في صنعه «عليم» بخلقه.
وقال المشركون: ما في بطون الأنعام من أجنَّة مباح لرجالنا، ومحرم على نسائنا، إذا ولد حيًّا، ويشتركون فيه إذا ولد ميتًا.
سيعاقبهم الله إذ شرَّعوا لأنفسهم من التحليل والتحريم ما لم يأذن به الله.
إنه تعالى حكيم في تدبير أمور خلقه، عليم بهم.
استمع إلى القرآن وهو يفضح زعمهم هذا فيقول : { وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ } ومرادهم بما فى بطون هذه الأنعام أجنة البحائر والسوائب .أى : ومن فنون كفرهم أنهم قالوا ما فى بطون هذه الأنعام المحرمة إذا نزل منها حياً فأكله حلال للرجال دون النساء ، وإذا نزل ميتاً فأكله حلالا للرجال والنساء على السواء .وفى رواية العوفى عن ابن عباس أن المراد بما فى بطونها اللبن ، فقد كانوا يحرمونه على إناثهم ويشربه ذكرانهم وكانت الشاة إذاولدت ذكراً ذبحوه ، وكان للرجال دون النساء ، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح ، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء .قال بعضهم : " ومن مباحث اللفظ فى الآية أن قوله " خالصة " فيه وجوه :أحدها : أن التاء قيد للمبالغة فى الوصف كراوية وداهية فلا يقال إنه غير مطابق للمبتدأ على القول بأنه خبر .وثانيا : أن المبتدأ وهو { مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام } مذكر اللفظ مؤنث المعنى ، لأن المراد به الأجنة فيجوز تذكير خبره باعتبار اللفظ وتأنيثه باعتبار المعنى .وثالثها : أنه مصدر فتكون العبارة مثل قولهم : عطاؤك عافية والمطر رحمة والرخصة نعمة .ورابعها : أنه مصدر مؤكد أو حال من المستكن فى الظرف وخبر المبتدأ { لِّذُكُورِنَا } .وقوله : { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ } تهديد لهم أى : سيجزيهم بما هم أهله من العذاب المهين جزاء وصفهم أو بسبب وصفهم الكذب على الله فى أمر التحليل والتحريم على سبيل التحكم والتهجم بالباطل على شرعه .
إنه - سبحانه - حكيم فى أقواله وأفعاله وشرعه ، عليم بأعمال عباده من خير أو شر وسيجازيهم عليها .قال الآلوسى : ونصب { وَصْفَهُمْ } - على ما ذهب إليه الزجاج - لوقوعه موقع مصدر { سَيَجْزِيهِمْ } فالكلام على تقدير مضاف .
أى : جزاء وصفهم .
وقيل : التقدير .
سيجزيهم العقاب بوصفهم أى : بسببه فلما سقطت الباء نصب وصفهم .ثم قال : وهذا كما قال بعض المحققين من بليغ الكلام وبديعه ، فإنهم يقولون ، كلامه يصف الكذب إذا كذب ، وعينه تصف السحر ، أى ساحرة ، وقد يصف الرشاقة ، بمعنى رشيق .
مبالغة ، حتى كأن من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما يشرحه له " .وإلى هنا تكون الآيات الأربعة التى بدأت بقوله - تعالى - { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً } .
.
.
إلخ .
قد قصت علينا أربع رذائل من أفعال المشركين وأقوالهم .وإن العاقل ليعجب وهو يستعرض هذه الضلالات - التى حكتها الآيات .
يعجب لما تحملوه فى سبيل ضلالاتهم من أعباء مادية وخسائر وتضحيات ، يعجب للعقيدة الفاسدة وكيف تكلف أصحابها الكثير ومع ذلك فهم مصرون على اعتناقها ، وعلى التقيد بأغلالها ، وأوهامها ، وتبعاتها .لكأن القرآن وهو يحكى تلك الرذائل وما تحمله أصحابها فى سبيلها يقول لأتباعه - من بين ما يقول - إذا كان أصحاب العقائد الفاسدة قد ضحوا حتى بقلذات أكبادهم إرضاء لشركائهم .
.
.
فأولى بكم ثم أولى أن تضحوا فى سبيل عقيدتكم الصحيحة ، وملتكم الحنيفية السمحاء بالأنفس والأموال .هذا وقد عقب القلرآن بعد إيراه لتلك الرذائل بقوله .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: هذا نوع رابع من أنواع قضاياهم الفاسدة كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب ما ولد منها حياً فهو خالص لذكور لا تأكل منها الأناث، وما ولد ميتاً اشترك فيه الذكور والإناث سيجزيهم وصفهم، والمراد منه الوعيد ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق.
المسألة الثانية: ذكر ابن الأنباري في تأنيث ﴿ خَالِصَةٌ ﴾ ثلاثة أقوال: قولين للفراء وقولاً للكسائي: أحدها: أن الهاء ليست للتأنيث وإنما هي للمبالغة في الوصف كما قالوا: راوية، وعلامة، ونسابة، والداهية، والطاغية كذلك يقول؛ هو خالصة لي، وخالص لي.
هذا قول الكسائي.
والقول الثاني: أن ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام ﴾ عبارة عن الأجنة، وإذا كان عبارة عن مؤنث جاز تأنيثه على المعنى، وتذكيره على اللفظ، كما في هذه الآية، فإنه أنث خبره الذي هو ﴿ خَالِصَةٌ ﴾ لمعناه، وذكر في قوله: ﴿ وَمُحَرَّمٌ ﴾ على اللفظ.
والثالث: أن يكون مصدراً والتقدير: ذو خالصة كقولهم: عطاؤك عافية، والمطر رحمة، والرخص نعمة.
المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر ﴿ وإنْ تَكُنْ ﴾ بالتاء و ﴿ مَيْتَةً ﴾ بالنصب وقرأ ابن كثير ﴿ يَكُنِ ﴾ بالياء ﴿ مَيْتَة ﴾ بالرفع، وقرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ تَكُنْ ﴾ بالتاء ﴿ مَيْتَةً ﴾ بالنصب، والباقون ﴿ يَكُنِ ﴾ بالياء ﴿ مَيْتَةً ﴾ بالنصب.
أما قراءة ابن عامر، فوجهها أنه ألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل مؤنثاً في اللفظ وأما قراءة ابن كثير فوجهها أن قوله: ﴿ مَيْتَةً ﴾ اسم ﴿ يَكُنِ ﴾ وخبره مضمر.
والتقدير: وإن يكن لهم ميتة أو وإن يكن هناك ميتة.
وذكر لأن الميتة في معنى الميت.
قال أبو علي: لم يلحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل المسند إليه تأنيثه غير حقيقي، ولا يحتاج الكون إلى خبر، لأنه بمعنى حدث ووقع.
وأما قراءة عاصم ﴿ تَكُنْ ﴾ بالتاء ﴿ مَيْتَةً ﴾ بالنصب فالتقدير وإن تكن المذكور ميته فأنث الفعل لهذا السبب وأما قراءة الباقين ﴿ وَإِن يَكُنْ ﴾ بالياء ﴿ مَيْتَةً ﴾ بالنصب فتأويلها، وإن يكن المذكور ميتة ذكروا الفعل لأنه مسند إلى ضمير ما تقدم في قوله: ﴿ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام ﴾ وهو مذكر، وانتصب قوله: ﴿ مَيْتَةً ﴾ لما كان الفعل مسنداً إلى الضمير.
<div class="verse-tafsir"
كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حياً فهو خالص للذكور لا تأكل منه الإناث، وما ولد منها ميتاً اشترك فيه الذكور الإناث.
وأنث ﴿ خَالِصَةٌ ﴾ للحمل على المعنى، لأنّ مافي معنى الأجنة وذكر ﴿ وَأَنْعَمٌ حُرِّمَتْ ﴾ للحمل على اللفظ.
ونظيره ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ ﴾ [محمد: 16] ويجوز أن تكون التاء للمبالغة مثلها في رواية الشعر.
وأن تكون مصدراً وقع موقع الخالص، كالعاقبة أي ذو خالصة.
ويدلّ عليه قراءة من قرأ: ﴿ خالصة ﴾ بالنصب على أنّ قوله ﴿ لِّذُكُورِنَا ﴾ هو الخبر، وخالصة مصدر مؤكد، ولا يجوز أن يكون حالاً متقدمة، لأن المجرور لا يتقدم عليه حاله.
وقرأ ابن عباس: ﴿ خالصة ﴾ على الإضافة.
وفي مصحف عبد الله: ﴿ خالص ﴾ .
﴿ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً ﴾ وإن يكن ما في بطونها ميتة.
وقرئ: ﴿ وإن تكن ﴾ ، بالتأنيث، على: وإن تكن الأجنة ميتة.
وقرأ أهل مكة: ﴿ وإن تكن ميتة ﴾ بالتأنيث والرفع على كان التامة وتذكير الضمير في قوله: ﴿ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء ﴾ لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى، فكأنه قيل: وإن يكن ميت فهم فيه شركاء ﴿ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ﴾ أي: جزاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم من قوله تعالى: ﴿ ولا تقولوا لما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حلال وهذا حَرَامٌ ﴾ [النحل: 116] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ ﴾ يَعْنُونَ أجِنَّةَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ.
﴿ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا ﴾ حَلالٌ لِلذُّكُورِ خاصَّةً دُونَ الإناثِ إنَّ وُلِدَ حَيًّا لِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ ﴾ فالذُّكُورُ والإناثُ فِيهِ سَواءٌ وتَأْنِيثُ الخالِصَةِ لِلْمَعْنى فَإنَّ ما في مَعْنى الأجِنَّةِ ولِذَلِكَ وافَقَ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ في تَكُنْ بِالتّاءِ، وخالَفَهُ هو وابْنُ كَثِيرٍ في مَيْتَةً فَنَصَبَ كَغَيْرِهِمْ، أوِ التّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في رِوايَةِ الشِّعْرِ أوْ هو مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ وقَعَ مَوْقِعَ الخالِصِ.
وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ والخَبَرُ لِذُكُورِنا، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الظَّرْفِ لا مِنَ الَّذِي في لِذُكُورِنا ولا مِنَ الذُّكُورِ لِأنَّها لا تَتَقَدَّمُ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ ولا عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ.
وقُرِئَ «خالِصٌ» بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ وخالِصَةٌ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ما أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ والمُرادُ بِهِ ما كانَ حَيًّا، والتَّذْكِيرُ في فِيهِ لِأنَّ المُرادَ بِالمَيْتَةِ ما يَعُمُّ الذَّكَرَ والأُنْثى فَغَلَّبَ الذَّكَرَ.
﴿ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ ﴾ أيْ جَزاءَ وصْفِهِمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ مِن قَوْلِهِ: وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ ﴿ إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ <div class="verse-tafsir"
{وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا} كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب ما ولد منها حياً فهو خالص للذكور لا يأكل منه الإناث وما ولد ميتاً اشترك فيه الذكور والإناث وأنث خَالِصَةٌ وهو خبر ما للحمل على المعنى لأن ما في معنى الأجنة وذكر وَمُحَرَّمٌ حملاً على اللفظ أو التاء للمبالغة كنسابة {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} أي وإن يكن ما في بطونها ميتة وَأَنْ تَكُنْ مَيْتَةً أبو بكر
أي وإن تكن الأجنة ميتة وَإِنْ تَكُنْ مَيْتَةً شامي على كان التامة يكن مية مكي لتقدم الفعل وتذكير الضمير في {فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} لأن الميتة اسم لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل وإن يكن ميت فهم فيه شركاء {سيجزيهم وصفهم} جزءا وصفهم الكذب على الله فى التحليل والتحريم {إِنَّهُ حَكِيمٌ} في جزائهم {عَلِيمٌ} باعتقادهم
﴿ وقالُوا ﴾ حِكايَةً لِفَنٍّ آخَرَ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ ﴿ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ ﴾ يَعْنُونَ بِهِ أجِنَّةَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم يَعْنُونَ بِهِ الألْبانَ و( ما ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ﴾ أيْ حَلالٌ لَهم خاصَّةً لا يُشْرِكُهم فِيهِ أحَدٌ مِنَ الإناثِ والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ كَراوِيَةِ الشِّعْرِ أيْ كَثِيرُ الرِّوايَةِ لَهُ أوْ لِأنَّ الخالِصَةَ مَصْدَرٌ كَما قالَ الفَرّاءُ كالعافِيَةِ وقَعَ مَوْقِعَ الخالِصِ مُبالَغَةً أوْ بِتَقْدِيرِ ذُو وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ تَقُولُ: فُلانٌ خالِصَتِي أيْ ذُو خُلُوصِي قالَ الشّاعِرُ: كُنْتَ أمِينِي وكُنْتَ خالِصَتِي ولَيْسَ كُلُّ امْرِئٍ بِمُؤْتَمَنِ نَعَمْ قِيلَ: مَجِيءُ المَصْدَرِ بِوَزْنِ فاعِلٍ وفاعِلَةٍ قَلِيلٌ وقِيلَ: إنَّ التّاءَ لِلتَّأْنِيثِ بِناءً عَلى أنَّ ما عِبارَةٌ عَنِ الأجِنَّةِ.
والتَّذْكِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا ﴾ أيْ عَلى جِنْسِ أزْواجِنا وهُنَّ الإناثُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ بِأنَّ فِيهِ رِعايَةَ المَعْنى أوَّلًا واللَّفْظِ ثانِيًا وهو خِلافُ المَعْهُودِ في الكِتابِ الكَرِيمِ مِنَ العَكْسِ وادَّعى بَعْضٌ أنَّ لَهُ نَظائِرَ فِيهِ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴾ إذْ أنَّثَ فِيهِ ضَمِيرَ كُلُّ أوَّلًا مُراعاةً لِلْمَعْنى ثُمَّ ذَكَّرَ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ وقِيلَ: إنَّ ما هُنا جارٍ عَلى المَعْهُودِ مِن رِعايَةِ اللَّفْظِ أوَّلًا لِأنَّ صِلَةَ ما جارٌّ ومَجْرُورٌ تَقْدِيرُ مُتَعَلِّقِهِ اسْتَقَرَّ لا اسْتَقَرَّتْ ولا وجْهَ لِذَلِكَ لِأنَّ المُتَعَلِّقَ والضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ فِيهِ لا يُعْلَمُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ حَتّى يَكُونَ مُراعاةً لِأحَدِ الجانِبَيْنِ والَّذِي يَقْتَضِيهِ الإنْصافُ أنَّ الحَمْلَ عَلى اللَّفْظِ بَعْدَ المَعْنى قَلِيلٌ وغَيْرَهُ أوْلى ما وُجِدَ إلَيْهِ سَبِيلٌ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ ارْتِكابَ خِلافِ المَعْهُودِ ها هُنا لا يَخْلُو عَنْ لُطْفٍ مَعْنَوِيٍّ ولَفْظِيٍّ أمّا الأوَّلُ فَمُوافَقَةُ القَوْلِ لِلْفِعْلِ حَيْثُ أنَّ المَعْهُودَ مِن ذَوِي المُرُوءَةِ جَبْرُ قُلُوبِ الإناثِ لِضَعْفِهِنَّ ولِذا يُنْدَبُ لِلرَّجُلِ إذا أعْطى شَيْئًا لِوَلَدِهِ أنْ يَبْدَأ بِإناثِهِمْ وأمّا الثّانِي فَمُراعاةُ ما يُشْبِهُ الطِّباقَ بِوَجْهٍ بَيْنَ خالِصَةٍ وذُكُورِنا وبَيْنَ مُحَرَّمٍ وأزْواجِنا وهو كَما تَرى.
﴿ وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ أيْ ذَلِكَ حَلالٌ لِلذُّكُورِ مُحَرَّمٌ عَلى الإناثِ إنْ وُلِدَ حَيًّا وإنْ وُلِدَتْ مَيْتَةً ﴿ فَهُمْ ﴾ أيِ الذُّكُورُ والإناثُ ﴿ فِيهِ ﴾ أيْ فِيما في بُطُونِ الأنْعامِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمَيْتَةِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِها ما يَعُمُّ الذَّكَرَ والأُنْثى غَلَّبَ الذَّكَرُ فَذَكَرَ الضَّمِيرَ كَما فَعَلَ فِيما قَبْلَهُ ﴿ شُرَكاءُ ﴾ يَأْكُلُونَ مِنها جَمِيعًا وهَذا الَّذِي ذَكَرَ في هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ إنَّما يَظْهَرُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ المَوْصُولِ وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ فَلا ولَعَلَّ الَّذِي يَقُولُ بِهِ يَقْرَأُ الآيَةَ بِإحْدى الأوْجُهِ الآتِيَةِ أوْ يَتَأوَّلُ الضَّمِيرُ وقَرَأ الأعْرَجُ وقَتادَةُ ( خالِصَةً ) بِالنَّصْبِ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ وخَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿ لِذُكُورِنا ﴾ وقالَ القُطْبُ الرّازِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ صِلَةً أيْ في حالِ خُلُوصِهِ مِنَ البُطُونِ أيْ خُرُوجِهِ حَيًّا والتَزَمَ جَعْلَها حالًا مُقَدَّرَةً ولَعَلَّهُ لَيْسَ بِاللّازِمِ ومَنَعَ غَيْرُ واحِدٍ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيما بَعْدَهُ أوْ مِن ذُكُورِنا نَفْسِهِ لِأنَّ الحالَ لا تَتَقَدَّمَ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ كالجارِّ والمَجْرُورِ واسْمِ الإشارَةِ وها التَّنْبِيهِ العامِلَةِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ ولا عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ كَما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ ( خالِصًا ) بِدُونِ تاءٍ مَعَ النَّصْبِ أيْضًا والكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما مَرَّ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ ( خالِصَةُ ) بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ما أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ( وإنْ تَكُنْ ) بِالتّاءِ مَيْتَةٌ بِالرَّفْعِ وابْنُ كَثِيرٍ يَكُنْ بِالياءِ ومَيْتَةٌ بِالرَّفْعِ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ تَكُنْ بِالتّاءِ كابْنِ عامِرٍ مَيْتَةً بِالنَّصْبِ.
قالَ الإمامُ: وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ ألْحَقَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ لَمّا كانَ مُؤَنَّثًا في اللَّفْظِ ووَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّ مَيْتَةً اسْمُ يَكُنْ وخَبَرَهُ مُضْمَرٌ أيْ إنْ يَكُنْ لَهم أوْ هُناكَ مَيْتَةٌ وذُكِرَ لِأنَّ المَيْتَةَ في مَعْنى المَيِّتِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ يَلْحَقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الفاعِلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولا تَحْتاجُ كانَ إلى خَبَرٍ لِأنَّها بِمَعْنى وقَعَ وحَدَثَ ووَجْهُ القِراءَةِ الأخِيرَةِ أنَّ المَعْنى وإنْ تَكُنِ الأجِنَّةُ أوِ الأنْعامُ مَيْتَةً ﴿ سَيَجْزِيهِمْ ﴾ ولا بُدَّ ﴿ وصْفَهُمْ ﴾ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ ﴾ وهو كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن بَلِيغِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: وصَفَ كَلامَهُ الكَذِبَ إذا كَذَبَ وعَيْنُهُ نِصْفُ السِّحْرِ أيْ ساحِرٌ وقَدُّهُ يَصِفُ الرَّشاقَةَ بِمَعْنى رَشِيقٍ مُبالَغَةً حَتّى كانَ مَن سَمِعَهُ أوْ رَآهُ وُصِفَ لَهُ ذَلِكَ بِما يَشْرَحُهُ لَهُ قالَ المَعَرِّيُّ.
سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ ∗∗∗ فَباتَ بِرامَةَ يَصِفُ المَلالا ونُصِبَ ﴿ وصْفَهُمْ ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ مَصْدَرِ يَجْزِيهِمْ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أيْ جَزاءَ وصْفِهِمْ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ سَيَجْزِيهِمُ العِقابَ بِوَصْفِهِمْ أيْ بِسَبَبِهِ فَلَمّا سَقَطَ الباءُ نُصِبَ ( وصْفَهم ) .
﴿ إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ (139) تَعْلِيلٌ لِلْوَعْدِ بِالجَزاءِ فَإنَّ الحَكِيمَ العَلِيمَ بِما صَدَرَ عَنْهم لا يَكادُ يَتْرُكُ جَزاءَهُمُ الَّذِي هو مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى أوْلادِهِ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ وأنَّ ذَلِكَ الوَقْفَ يُفْسَخُ ولَوْ بَعْدَ مَوْتِ الواقِفِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ عَلى مَثَلِ ذَلِكَ فِي الهِبَةِ وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: يَعْمِدُ أحَدُكم إلى المالِ فَيَجْعَلُهُ لِلذُّكُورِ مِن ولَدِهِ إنْ هَذا إلّا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا ﴾ <div class="verse-tafsir"
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كانوا يسمون لله جزءاً من الحرث، ولأوثانهم جزءاً.
فما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه.
وما ذهبت به الريح من الجزء الذي سموه لله إلى جزء الأصنام تركوه وقالوا إن الله غني عن هذا.
وقال السدي: ما خرج من نصيب الأصنام أنفقوه عليها، وما خرج من نصيب الله تصدقوا به.
فإذا هلك الذي لشركائهم وكثر الذي لله قالوا: ليس لآلهتنا بدّ من النفقة.
فأخذوا الذي لله، وأنفقوه على الأصنام.
وإذا هلك الذي لله وكثر الذي للأصنام قالوا: لو شاء الله لأزكى ماله فلا يزيدون عليه شيئاً.
فذلك قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ يعني: مما خلق من الحرث والأنعام نَصِيباً يعني: جعلوا لله نصيباً، ولشركائهم نصيباً، فاقتصر على المذكور لأن في الكلام دليلاً على المسكوت عنه فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ يقول بقولهم ولم يأمرهم الله بذلك وَهذا لِشُرَكائِنا يعني: للأصنام فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ يعني: لأصنامهم فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ يقول: فلا يضعون شيئاً في نصيب الله وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ يقول: يوضع في نصيبهم ساءَ مَا يَحْكُمُونَ يعني: لو كان معه شريك كما يقولون ما عدلوا في القسمة.
ويقال: ساءَ مَا يَحْكُمُونَ حيث وصفوا لله شريكاً.
قرأ الكسائي (بزعمهم) بضم الزاي وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان ومعناهما واحد.
ثم قال تعالى: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ يعني: زين لهم شركاؤهم وهم الشياطين قتل أولادهم، لأنهم يقتلون أولادهم مخافة الفقر والحمية، ويدفنون بناتهم أحياء فزين لهم الشيطان ذلك، كما زيّن لهم تحريم الحرث والأنعام.
ويقال: كان واحد منهم ينذر أنه إذا ولد كذا وكذا ولد يذبح واحداً منهم كما فعل عبد المطلب.
فزين لهم الشيطان قتل أولادهم.
فذلك قوله وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام وَكَذلِكَ زَيَّنَ بضم الزاي قَتْلَ بضم اللام أَوْلادِهِمْ بفتح الدال شُرَكائِهِمْ بالخفض.
وإنما قرئ زَيَّنَ بالضم على فعل ما لم يسم فاعله ومعناه: قتل شركائهم على معنى التقديم، وهم أولادهم لأن أولادهم شركاؤهم في أموالهم، فصار شركاؤهم نعتاً للأولاد، وصار الأولاد نصباً على وجه التفسير.
وقرأ الباقون زَيَّنَ بالنصب لأنه فعل ماض شُرَكاؤُهُمْ بالضم لأنه جعل الشركاء على وجه الفاعل.
ثم قال: لِيُرْدُوهُمْ يعني: ليهلكوهم بذلك وَلِيَلْبِسُوا يعني: ليخلطوا وليشبهوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ يعني: دين إبراهيم وإسماعيل.
ثم قال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ يعني: لو شاء الله لمنعهم من ذلك منع اضطرار وقهر وأهلكهم فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ يعني: دعهم وما يكذبون بأن الله أمرهم بذلك، ومعناه: أن الله مع قدرته عليهم قد تركهم إلى وقت قدرهم، فاتركهم أنت أيضاً إلى الوقت الذي تؤمر بقتالهم.
ويقال: معناه دعهم فإنّ لهم موعداً بين يدي الله فيحاسبهم ويجازيهم بها.
قوله تعالى: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحرث وهو نوع من الزرع حرموها على النساء.
حِجْرٌ يعني: حرام والحجر يكون عبارة عن العقل كقوله تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: 5] أي: لذي لب وعقل ويكون عبارة عن الحرام كقوله: حِجْراً مَحْجُوراً [الفرقان: 22] يعني: حراما محرما وكقوله هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ [الأنعام: 138] يعني: حراماً لاَّ يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ من الرجال دون النساء، وهو مالك بن عوف كان يفتيهم بالحل والحرمة.
وكان يقول: هذا يجوز وهذا لا يجوز لأشياء كانوا حرموها برأيهم.
ثم قال وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وهي الحام من الإبل كانوا يتركونها ولا يركبونها وَأَنْعامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا يعني: عند الذبيحة ويقال: عند الركوب وهي البحيرة افْتِراءً عَلَيْهِ يعني: اختلاقاً وكذباً على الله بأنه أمرهم بذلك سَيَجْزِيهِمْ يعني: سيعاقبهم بِما كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يكذبون على الله بأنه أمرهم وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا قال الكلبي يعني: البحيرة والوصيلة حلال لذكورنا ما دامت في الأحياء، وليس للنساء فيه شركة ولا نصيب.
فذلك قوله: وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً يعني: من هذه الأنعام فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ يعني: الرجال والنساء في أكلها.
وقال الضحاك: كانت الناقة إذا ولدت فصيلاً ذكراً حرموا لحم الفصيل ولبن الناقة على النساء دون الرجال، وإن وضعت فصيلاً ميتاً اشتركت الرجال والنساء في لحم الفصيل ولبن الناقة.
ذكر في أول الكلام خالِصَةٌ لفظ التأنيث، لأنه انصرف إلى المعنى، ومعناه: حمله ما في بطون هذه الأنعام.
ثم قال وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ذكر بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى قوله: مَا فِي بُطُونِ قرأ عاصم في رواية أبي بكر وأن تَكُنْ بالتاء على معنى التأنيث مَيْتَةً بالنصب يعني: وإن تكن الجماعة ميتة صارت الميتة خبر كان.
وقرأ ابن عامر وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً بالضم يعني: وإن كانت ميتة جعلها اسم كان رفعاً وقرأ ابن كثير وَإِنْ يَكُنْ بالياء مَيْتَةً بالضم يعني وإن: كان ما فيه ميتة بلفظ التذكير وجعل الميتة اسم كان.
وقرأ الباقون وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً جعلوا الميتة خبر كان بلفظ التذكير.
ثم قال: سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ صار نصباً لنزع الخافض يعني: سيعاقبهم بكذبهم إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عليهم بالعذاب عَلِيمٌ بهم.
وفي الآية دليل أن العالم ينبغي أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به حتى يعلم فساد قوله، ويعلم كيف يرد عليه لأن الله تعالى أعلم النبيّ وأصحابه قول من خالفهم في زمانهم، ليعرفوا فساد قولهم.
قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ يعنوا: دفنوا بناتهم أحياء وقتلوهن سَفَهاً صار نصباً لنزع الخافض يعني: جهلاً منهم بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة منهم في قتلهن وهم ربيعة ومضر كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية.
وروي عن رسول الله أن رجلاً من أصحابه كان لا يزال مغتماً بين يديه فقال له رسول الله «مَا لَكَ تَكن مَحْزُوناً» ؟
فقال: يا رسول الله إني قد أذنبت في الجاهلية ذنباً، فأخاف أن لا يغفر لي وإني أسلمت فقال له: «أَخْبِرْنِي عَنْ ذَنْبِكَ» فقال: يا رسول الله: إني كنت من الذين يقتلون بناتهم فولدت لي بنت، فتشفعت إليَّ امرأتي بأن أتركها فتركتها حتى كبرت، وأدركت فصارت من أجمل النساء فخطبوها، فدخلت عليَّ الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج.
فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب بها إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي فسرت بذلك وزيّنتها بالثياب والحلي، وأخذت عليَّ المواثيق بأن لا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر، فنظرت إلى البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمت بي وجعلت تبكي وتقول: يا أبت أي شيء تريد أن تفعل بي فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت عليّ الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي فجعلت مرة أنظر في البئر، ومرة أنظر إليها، وأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة وهي تنادي في البئر يا أبت قتلتني.
فمكثت هناك حتى انقطع صوتها.
فرجعت فبكى رسول الله وأصحابه وقال «لَوْ أُمِرْتُ أَنْ أعَاقِبَ أَحَداً بِمَا فَعَلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَعَاقَبْتُكَ بِمَا فَعَلْتَ» .
ثم قال: وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ يعني: ما أعطاهم افْتِراءً يعني: كذباً عَلَى اللَّهِ بأنه قد حرم ذلك عليهم قَدْ أَضَلُّوا عن الهدى وَما كانُوا مُهْتَدِينَ يعني: وما هم بمهتدين ويقال: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ من قبل فخذلهم الله بذلك قرأ ابن كثير وابن عامر قتلوا بالتشديد لتكثير الفعل والباقون بالتخفيف.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
عزَّ وجلَّ، وفيها ردٌّ على من قال بأن المرء يَخْلُقُ أفعاله، وقوله: فَذَرْهُمْ: وعيدٌ محضٌ.
وقوله سبحانه: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها الآيةُ تتضمَّن ما شرعوه لأنفسهم والتزموه على جهة القربة كذباً منهم على الله سبحانه، وحِجْرٌ: معناه: التحجيرُ، وهو المنعُ والتحريمُ، وَأَنْعامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا: قال جماعةٌ من المفسِّرين: إنَّهم كانت لهم سُنَّة في أنعامٍ مَّا ألاَّ يُحَجُّ عليها، فكانَتْ تُرْكَبُ في كلِّ وجه إلا في الحَجِّ، وقالت فرقة: بل ذلك في الذبائحِ، جعلوا لآلهتهم نصيباً منها لا يذكرون الله على ذبحها.
وقوله سبحانه: وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ...
الآية: كان/ مِنْ مذاهبهم الفاسدةِ في بَعْض الأنعامِ أنْ يحرِّموا ما وَلَدَتْ على نسائهم، ويخصِّصونه لذُكُورهم، ف أَزْواجِنا: يراد به جماعةُ النساءِ التي هِيَ معدَّة أن تكون أزواجاً قاله مجاهد «١» ، وقوله: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً، يعني: أنه كان من سُنَّتهم أنَّ ما خرج من الأجنَّة ميتاً مِنْ تلك الأنعام الموقوفة، فهو حلالٌ للرجال والنساء جميعاً، وكذلك ما مات مِنَ الأنعامِ الموقوفةِ نَفْسِها، ثم أعقب تعالى بوعيدهم على ما وصفوا أنه من القربات.
وقوله سبحانه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ ...
الآية: تتضمَّن التشنيع بسوء فعلهم، والتَّعْجيبَ مِنْ سوء حالهم فيما ذَكَر، قال عكرمة: وكان الوَأْدُ في رَبِيعَةَ وفِي مُضَرَ «٢» .
قال ع «٣» : وكان جمهورُ العرب لا يفعله، ثم إنَّ فاعليه كان منهم مَنْ يفعله
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ ﴾ يَعْنِي بِالأنْعامِ: المُحَرَّماتِ عِنْدَهم، مِنَ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما في بُطُونِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّبَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: الأجِنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: الوَلَدُ واللَّبَنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "خالِصَةً" عَلى لَفْظِ التَّأْنِيثِ.
وفِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ إنَّما أُنِّثَتْ، لِأنَّ الأنْعامَ مُؤَنَّثَةٌ، وما في بُطُونِها مِثْلُها، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى "ما" التَّأْنِيثُ، لِأنَّها في مَعْنى الجَماعَةِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةُ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّ الهاءَ دَخَلَتْ لَلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، كَما قالُوا: "عَلّامَةً" و"نَسّابَةً" والرّابِعُ: أنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى المَصادِرِ الَّتِي تَكُونُ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ عَنِ الأسْماءِ المُذَكَّرَةِ، كَقَوْلِكَ: عَطاؤُكَ عافِيَةٌ، والرُّخَصُ نِعْمَةٌ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ، والأعْمَشِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "خالِصٌ" بِالرَّفْعِ، مِن غَيْرِ هاءٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما ذَكَرَ لَتَذْكِيرِ "ما" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ: "خالَصَهُ" بِرَفْعِ الصّادِ والهاءِ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ، قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ما خَلُصَ حَيًّا.
وقَرَأ قَتادَةُ: "خالِصَةً" بِالنَّصْبِ.
فَأمّا الذُّكُورُ، فَهُمُ الرِّجالُ، والأزْواجُ والنِّساءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: "يَكُنْ" بِالياءِ، "مَيْتَةً" بِالنَّصْبِ؛ وذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلى لَفْظِ "ما" .
المَعْنى: وإنٍ يَكُنْ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ مَيْتَةً.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "يَكُنْ" بِالياءِ، "مَيْتَةً" بِالرَّفْعِ.
وافَقَهُ ابْنُ عامِرٍ في رَفْعِ المَيْتَةِ؛ غَيْرَ أنَّهُ قَرَأ: "تَكُنْ" بِالتّاءِ.
والمَعْنى: وإنْ تَحْدُثْ وتَقَعْ، فَجَعَلَ "كانَ" تامَّةً لا تَحْتاجُ إلى خَبَرٍ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تَكُنْ" بِالتّاءِ "مَيْتَةً" بِالنَّصْبِ.
والمَعْنى: وإنْ تَكُنِ الأنْعامُ الَّتِي في البُطُونِ مَيْتَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم فِيهِ شُرَكاءُ ﴾ يَعْنِي الرِّجالَ والنِّساءَ.
﴿ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ جَزاءَ وصْفِهِمُ الَّذِي هو كَذِبٌ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ مَذاهِبِهِمُ الفاسِدَةِ؛ وكانَتْ سُنَّتُهم في بَعْضِ الأنْعامِ أنْ يُحَرِّمُوا ما ولَدَتْ عَلى نِسائِهِمْ؛ ويُخَصِّصُونَهُ لِذُكُورِهِمْ؛ والهاءُ في "خالِصَةٌ"؛ قِيلَ: هي لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما هي في "راوِيَةٌ"؛ وغَيْرِها؛ وهَذا كَما تَقُولُ: "فُلانٌ خالِصَتِي"؛ وإنْ كانَ بابُ هاءِ المُبالَغَةِ أنْ يَلْحَقَ بِناءَ مُبالَغَةٍ كَـ "عَلّامَةٌ"؛ و"نَسّابَةٌ"؛ و"بَصِيرَةٌ"؛ ونَحْوِهُ؛ وقِيلَ: هي لِتَأْنِيثِ الأنْعامِ؛ إذْ ما في بُطُونِها أنْعامٌ أيْضًا؛ وقِيلَ: هي عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ "ما"؛ لِأنَّ "ما"؛ واقِعَةٌ في هَذا المَوْضِعِ مَوْقِعَ قَوْلِكَ: "جَماعَةً"؛ و"جُمْلَةً".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسِ: "خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ والأعْمَشُ: "خالِصٌ"؛ دُونَ هاءٍ؛ ورَفْعُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِخِلافٍ - والأعْرَجُ ؛ وقَتادَةُ ؛ وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ: "خالِصَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - فِيما ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ -: "خالِصًا"؛ ونَصْبُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى أنَّ الحالَ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فِي بُطُونِ"؛ ﴾ وذَلِكَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: "وَقالُوا: ما اسْتَقَرَّ هو في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ..."؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ وحُمِّلَ المَجْرُورُ الضَمِيرَ؛ والحالُ مِنَ الضَمِيرِ؛ والعامِلُ فِيها مَعْنى الِاسْتِقْرارِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالًا مِن "ما"؛ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ في إجازَتِهِ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى العامِلِ فِيها؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ والزُهْرِيُّ: "خالِصُهُ"؛ بِإضافَةِ "خالِصُ"؛ إلى ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى "ما"؛ ومَعْناهُ: "ما خَلُصَ وخَرَجَ حَيًّا"؛ والخَبَرُ - عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ "خالِصَةً"؛ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "لِذُكُورِنا"؛ والمَعْنى المُرادُ بِـ "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ما في بُطُونِ"؛ قالَ السُدِّيُّ: هي الأجِنَّةُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والشَعْبِيُّ: هو اللَبَنُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ واللَفْظُ يَعُمُّهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَمُحَرَّمٌ"؛ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهاءَ في "خالِصَةٌ"؛ لِلْمُبالَغَةٍ؛ ولَوْ كانَتْ لِتَأْنِيثٍ لَقالَ: "وَمُحَرَّمَةٌ"؛ و"أزْواجِنا"؛ يُرِيدُ بِهِ جَماعَةَ النِساءِ؛ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ أنْ تَكُونَ أزْواجًا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ بِـ "أزْواجِنا": اَلْبَناتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يَبْعُدُ تَحْلِيقُهُ عَلى المَعْنى؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً ﴾ ؛ كانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ ما خَرَجَ مِنَ الأجِنَّةِ مَيْتًا مِن تِلْكَ الأنْعامِ المَوْقُوفَةِ؛ فَهو حَلالٌ لِلرِّجالِ والنِساءِ جَمِيعًا؛ وكَذَلِكَ ما ماتَ مِنَ الأنْعامِ المَوْقُوفَةِ نَفْسِها.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَإنْ يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَلَمْ يُلْحِقِ الفِعْلَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ؛ لَمّا كانَ تَأْنِيثُ الفاعِلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ؛ والمَعْنى: "وَإنْ وقَعَ مَيْتَةٌ أو حَدَثَ مَيْتَةٌ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَإنْ تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَألْحَقَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ؛ لَمّا كانَ الفاعِلُ في اللَفْظِ مُؤَنَّثًا؛ وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَيْتَةِ؛ كَما فَعَلَ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عنهُ: "تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ فَأنَّثَ؛ وإنْ كانَ المُتَقَدِّمُ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّهُ حَمَلَهُ عَلى المَعْنى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالتَقْدِيرُ: "وَإنْ تَكُنِ النَسَمَةُ - أو نَحْوُها - مَيْتَةً"؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "مَيْتَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ فَذَكَّرُوا الفِعْلَ؛ لِأنَّهم أسْنَدُوهُ إلى ضَمِيرِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ ﴾ ؛ وهو مُذَكَّرٌ؛ وانْتَصَبَتِ المَيْتَةُ عَلى الخَبَرِ؛ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَهم فِيهِ"؛ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: "فِيها"؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: "وَإنْ تَكُنْ مَيِّتَةً"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "فَهم فِيهِ سَواءٌ".
ثُمَّ أعْقَبَ تَعالى بِوَعِيدِهِمْ عَلى ما وصَفُوا أنَّهُ مِنَ القُرُباتِ إلى اللهِ تَعالى ؛ وشَرَعُوهُ مِنَ الباطِلِ؛ والإفْكِ؛ "إنَّهُ حَكِيمٌ"؛ أيْ: "فِي عَذابِهِمْ؛ عَلى ذَلِكَ"؛ "عَلِيمٌ"؛ بِقَلِيلِ ما تَقَوَّلُوهُ مِن ذَلِكَ؛ وكَثِيرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على قوله: ﴿ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ﴾ [الأنعام: 138].
وأعيد فعل: ﴿ قالوا ﴾ لاختلاف غرض المقول.
والإشارة إلى أنعام معروفة بينهم بصفاتها، كما تقدّم، أو إلى الأنعام المذكورة قبل.
ولا يتعلّق غرض في هذه الآية بأكثر من إجمال الأشياء الّتي حرموها لأنّ المقصود التّعجيب من فساد شرعهم كما تقدّم آنفاً، وهذا خبر عن دينهم في أجنّة الأنعام التي حجروها أو حرّموا ظهورها، فكانوا يقولون في أجنّة البحيرة والسّائبة: إذا خرجت أحياء يحلّ أكلها للذكور دون النّساء، وإذا خرجت ميّتة حلّ أكلها للذّكور والنّساء، فالمراد بما في البطون الأجنة لا محالة لقوله: ﴿ وإن يكن ميتة ﴾ وقد كانوا يقولون في ألبان البحيرة والسّائبة: يشربها الرّجال دون النّساء، فظنّ بعض المفسّرين أنّ المراد بما في بطون الأنعام ألبانها، وروي عن ابن عَبّاس، ولا ينبغي أن يكون هو معنى الآية ولكن محمل كلام ابن عبّاس أنّ ما في البطون يشمل الألبان لأنَّها تابعة للأجنّة وناشئة عن ولادتها.
والخالصة: السّائغة، أي المباحة، أي لا شائبةَ حَرج فيها، أي في أكلها، ويقابله قوله: ﴿ ومحرم ﴾ .
وتأنيث ﴿ خالصة ﴾ لأنّ المراد بمَا الموصولة ﴿ الأجِنَّة ﴾ فروعي معنى (ما) وروعي لفظ (ما) في تذكير ﴿ محرّم ﴾ .
والمحرّم: الممنوع، أي ممنوع أكله، فإسناد الخلوص والتّحريم إلى الذّوات بتأويل تحريم ما تقصد له وهو الأكل أو هو والشرب بدلالة الاقتضاء.
والأزواج جمع زوج، وهو وصف للشّيء الثّاني لغيره، فكلّ واحد من شيئين اثنين هو زوج، ولذلك سمّي حليل المرأة زوجاً وسمّيت المرأة حليلةُ الرّجل زوجاً، وهو وصف يلازم حالة واحدة فلا يُؤنث ولا يثنّى ولا يجمع.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة ﴾ في سورة البقرة (35).
وظاهر الآية أن المراد أنّه محرّم على النساء المتزوّجات لأنّهم سمّوهنّ أزواجاً، وأضافوهنّ إلى ضميرهم، فتعيّن أنَّهن النّساء المتزوّجات بهم كما يقال: امرأة فلان.
وإذا حملناه على الظاهر وهو الأوْلى عندي كان ذلك دالاً على أنّهم كانوا يتشاءمون بأكل الزّوجات لشيء ذي صفة كانوا يكرهون أن تصيب نساءَهم: مثللِ العقم، أو سوءِ المعاشرة مع الأزواج، والنّشوز، أو الفراق، أو غير ذلك من أوهام أهل الجاهليّة وتكاذيبهم، أو لأنّه نَتاج أنعام مقدّسة، فلا تحلّ للنّساء، لأنّ المرأة مرموقة عند القدماء قبل الإسلام بالنّجاسة والخباثة، لأجل الحيض ونحو ذلك، فقد كانت بنو إسرائيل يمنعون النّساء دخول المساجد، وكان العرب لا يؤاكلون الحائض، وقالت كبشة بنت معديكرب تعيّر قومها: ولا تَشرَبُوا إلاّ فُضُولَ نسائكم *** إذا ارتَمَلَتْ أعقابُهن منَ الدّم وقال جمهور المفسّرين: أطلق الأزواج على النّساء مطلقاً، أي فهو مجاز مرسل بعلاقة الإطلاق والتّقييد، فيشمل المرأة الأيّم ولا يشمل البناتتِ، وقال بعضهم: أريد به البنات أي بمجاز الأوْل فلعلّهم كانوا يتشاءمون بأكل البنات منه أن يصيبهن عسر التّزوّج، أو ما يتعيَّرون منه، أو نحو ذلك.
وكانت الأحوال الشّائعة بينهم دالّة على المراد.
وأمّا قوله: وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} أي إنْ يولدْ ما في بطون الأنعام ميّتا جاز أكله للرّجال والأزواج، أو للرّجال والنّساء، أو للرّجال والنّساء والبنات، وذلك لأنّ خروجه ميّتا يبطل ما فيه من الشّؤم على المرأة، أو يذهب قداسته أو نحو ذلك.
وقرأ الجمهور: ﴿ وإن يكن ﴾ بالتحتيّة ونصب ﴿ ميتة ﴾ .
وقرأ ابنُ كثير برفع ﴿ ميتة ﴾ ، على أنّ كان تامّة، وقد أجري ضمير: ﴿ يَكُن ﴾ على التّذكير: لأنّه جائز في الخبر عن اسم الموصول المفرد اعتبار التّذكير لتجرّد لفظه عن علامة تأنيث، وقد يراعى المقصود منه فيجري الإخبار على اعتباره، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿ ومنهم من يستمع إليك حتّى إذا خرجوا من عندك ﴾ [محمد: 16].
وقرأ ابنُ عامر بالفوقيّة على اتّباع تأنيث ﴿ خالصة ﴾ ، أي إن تكن الأجنّة، وقرأ ﴿ ميتة ﴾ بالنّصب، وقرأه أبو بكر عن عاصم بالتّأنيث والنّصب.
وجملة: ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، كما قلتُ في جملة: ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ [الأنعام: 138] آنفاً.
والوصف: ذكر حالات الشّيء الموصوف وما يتيمّز به لمن يريد تمييزه في غرض ما، وتقدّم في قوله: ﴿ سبحانه وتعالى عمّا يصفون ﴾ في هذه السّورة (100).
والوصف، هنا: هو ما وصفوا به الأجنّة من حِلّ وحرمَة لفريق دون فريق، فذلك وصف في بيان الحرام والحلال منه كقوله تعالى: ﴿ ولا تَقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ﴾ [النحل: 116].
وجزاؤهم عنه هو جزاء سوءٍ بقرينة المقام، لأنّه سمّى مزاعمهم السّابقة افتراء على الله.
وجُعل الجزاء متعدّيا للوصف بنفسه على تقدير مضاف، أي: سيجْزيهم جزاءَ وصفهم.
ضمّن ﴿ يجزيهم ﴾ معنى يُعطيهم، أي جزاء وفاقاً له.
وجملة: ﴿ إنه حكيم عليم ﴾ تعليل لكون الجزاء موافقا لجرُم وصفهم.
وتؤذن (إنّ) بالربط والتّعليل، وتُغني غناء الفاء، فالحكيم يضع الأشياء مواضعها، والعليم يطّلع على أفعال المجزيين، فلا يضيع منها ما يستحقّ الجزاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا ﴾ ، قَرَأ الأعْمَشُ (خالِصٌ)، وفي ﴿ خالِصَةٌ ﴾ وفي (خالِصٌ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ﴿ خالِصَةٌ ﴾ أبْلَغُ مِن (خالِصٌ) وإنْ كانَتْ في مَعْناهُ فَدَخَلَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: عَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، قالَهُ الكِسائِيُّ.
والثّانِي: أنَّ دُخُولَ الهاءِ يُوجِبُ عَوْدَهُ إلى الأنْعامِ لِتَأْنِيثِها، وحَذْفُ الهاءِ، يُوجِبُ عَوْدَهُ إلى ما في بُطُونِها لِتَذْكِيرِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفي ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ما في بُطُونِها الأجِنَّةُ، قالَهُ: مُجاهِدٌ.
والثّانِي: الألْبانُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: الجَمِيعُ: الأجِنَّةُ والألْبانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفي جَعْلِهِمْ ذَلِكَ لِذُكُورِهِمْ دُونَ إناثِهِمْ وأزْواجِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ الذُّكُورَ هم خُدّامُ الأوْثانِ.
والثّانِي: تَفْضِيلًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ.
وَأصْلُ الذُّكُورِ مِنَ الذِّكْرِ، وفي أخْذِهِ مِنَ الذِّكْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ المَذْكُورُ بَيْنَ النّاسِ فَكانَ أنْبَهَ ذِكْرًا مِنَ الأُنْثى.
والثّانِي: لِأنَّهُ أشْرَفُ، والذِّكْرُ هو الشَّرَفُ، قالَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ أيْ شَرَفٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ﴾ قال: اللبن.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ﴾ قال: السائبة والبحيرة ﴿ ومحرم على أزواجنا ﴾ قال: النساء ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ قال: قولهم الكذب في ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ﴾ قال: ألبان البحائر كانت للذكور دون النساء، وإن كانت ميتة اشترك فيها ذكرهم وأنثاهم ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ أي كذبهم.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ﴾ قال: كانت الشاة إذا ولدت ذكراً ذبحوه فكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركوها فلم تذبح، وإن كانت ميتة كانوا فيه شركاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وقالوا ما في بطون هذه الأنعام ﴾ الآية قال: اللبن كانوا يحرمونه على إناثهم ويشربونه ذكرانهم، كانت الشاة إذا ولدت ذكراً ذبحوه فكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم شركاء.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم.
أنه قرأ ﴿ وإن تكن ميتة ﴾ بالتاء منصوبة منوّنة.
وأخرج البخاري في تاريخه عن عائشة قالت: يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور من ولده، إن هذا إلا كما قال الله: ﴿ خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا ﴾ .
قال ابن عباس (١) (٢) (٣) وقال غيرهم من المفسرين (٤) وقوله تعالى: ﴿ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا ﴾ ذكر ابن الأنباري: في تأنيث خالصة ثلاثة أقوال: قولين للفراء، وقولًا للكسائي: (أحدها: أن الهاء ليست للتأنيث، وإنما هي للمبالغة في الوصف كما قالوا: راوية وعلامة ونسَّابة، والداهية والطاغية، وأنه لمنكر ومنكرة، وكذلك تقول: هو خالصة لي، وخالص لي، وهذا قول الكسائي (٥) وقال الفراء (٦) ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾ (٧) (٨) كُنتَ أمنيتي وكَنتَ خَالصتي ...
وليس كلُّ امرئ بمؤتمنِ القول الثالث (٩) (١٠) (١١) ﴿ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا ﴾ (١٢) ﴿ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا ﴾ (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا ﴾ يعني: النساء.
قال ابن عباس: (يريدون على نسائنا) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً ﴾ .
قرأ (١٨) قال أبو بكر: (الميتة: أريد بها الميت زيدت عليها الهاء للإبهام، كما قالوا: الدابة فارة، والشاة ذبحته، والأُرْويَّة (١٩) (٢٠) (٢١) وقال أبو علي: (لم يلحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل المسند إليه تأنيثه غير حقيقي، ولا يحتاج الكون إلى خبر لأنه بمعنى: وإن وقع ميتة، أو حدث ميتة.
وقرأ ابن عامر (وإن تَكُن) بالتاء (مَيْتةٌ) بالرفع، ألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل المسند إليه في اللفظ مؤنثًا، وقرأ عاصم في رواية أبو بكر (وإن تَكُن) بالتاء (مَيْتَةً) بالنصب على تقدير: وإن تكن المذكورة أو المعينة ميتة، فأنث الفعل وإن كان المتقدم مذكرًا؛ لأنه حمله على المعنى.
وقرأ الباقون بالياء (ميتةً) بالنصب، تأويله: وإن يكن المذكور ميتة، ذكروا الفعل؛ لأنه مسند إلى ضمير ما تقدم في قوله: ﴿ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ ﴾ وهو مذكر، وانتصب الميتة لما كان الفعل مسندًا إلى الضمير) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الرجال والنساء) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ﴾ قال (٢٦) (٢٧) وقال أبو إسحاق: (المعنى -والله أعلم-: سيجزيهم جزاء وصفهم الذي هو كذب) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: أنه أحكم وأعلم من أن يفعل هذا) (٢٩) (١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 47، 48، وابن أبي حاتم 5/ 1395، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 90 - 91.
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 48 بسند جيد، وذكره الثعلبي في "الكشف" 184ب، وابن عطية في "تفسيره".
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 219، والطبري 8/ 48، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 90.
(٤) ومنهم مجاهد في "تفسيره" 1/ 224، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 48 - 49، وابن أبي حاتم 5/ 1395 بسند جيد عن مجاهد والسدي، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 516 عن الكلبي، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 194، عن ابن عباس، وقتادة والشعبي، والظاهر هو العموم من الأجنة والألبان، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 592، والسدي، كما ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 132، ورجحه الطبري في "تفسيره" 8/ 49.
(٥) ذكره النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 584، وفي "معانيه" 2/ 498، عن الكسائي، وهو اختيار الأخفش في "معانيه" 2/ 288، والطبري في "تفسيره" 8/ 49.
(٦) هذا هو القول الثاني.
(٧) "معاني الفراء" 1/ 359، وهو اختيار الكرماني في "غرائب التفسير" 1/ 388.
(٨) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكشف للثعلبي 185 أ، و"غرائب التفسير" 1/ 388، و"الدر المصون" 1/ 183.
(٩) جاء في النسخ: (القول الثاني)، وهو تحريف.
(١٠) حصل في (أ) تداخل في الأقوال، فقد جاء قول أبي علي الفارسي بعد قوله: (لتأنيث الأنعام)، وهو تحريف من الناسخ.
(١١) "معانى الفراء" 1/ 358.
(١٢) ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 208، عن ابن الأنباري، وذكره بعضه ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 133، وانظر: "الدر المصون" 5/ 183.
(١٣) "معاني الزجاج" 2/ 294 - 295، واختاره الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 1081 (خلص).
(١٤) وهذا القول هو اختيار النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 584، ومكي في "المشكل" 1/ 272، وابن الأنباري في "البيان" 1/ 343.
(١٥) "الحجة" لأبي علي 6/ 74، ونحوه قال ابن جني في "المحتسب" 1/ 232 ، وانظر: "أمالي ابن الشجري" 3/ 31.
(١٦) المضامين، بالفتح وكسر الميم: ما في بطون الحوامل من كل شيء.
انظر: "اللسان" 5/ 2611 (ضمن).
(١٧) "تنوير المقباس" 2/ 65.
(١٨) قرأ ابن عامر، وعاصم في رواية (وإن تكن) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، وقرأ ابن عامر وابن كثير (مَيْتَةٌ) بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب).
انظر: "السبعة" ص270 - 271، و"المبسوط" ص 175 - 176، و"الغاية" ص 250 - 251، و"التذكرة" 2/ 412، و"التيسير" ص 107، و"النشر" 2/ 265 - 266.
(١٩) الأروية، بضم الهمزة، وسكون الراء، وكسر الواو، وتشديد الياء المفتوحة: الأنثى من الوعول.
انظر: "اللسان" 3/ 1787 مادة (روى)، وقال ابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" 1/ 54 (الأروية: شاة الجبل) ا.
هـ.
(٢٠) في (ش): (إذ كان).
(٢١) لم أقف عليه، وقد ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 208، بدون نسبة.
وانظر: "معاني الفراء" 1/ 358، و"معاني الأخفش" 2/ 288، و"إعراب النحاس" 1/ 585.
(٢٢) "الحجة" لأبي علي، 3/ 415، بتصرف.
وانظر: "معاني القراءات" 1/ 390 - 391، و"إعراب القراءات" 1/ 171 - 172، و"الحجة" لابن خالويه ص 151، ولابن زنجلة ص 274 - 275، و"الكشف" 1/ 454 - 455، و"الدر المصون" 5/ 186.
(٢٣) "تنوير المقباس" 2/ 65، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 50، وابن أبي حاتم 5/ 1396 بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.
وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 91.
(٢٤) في (ش): (ولأن) بالواو.
(٢٥) انظر: "الدر المصون" 5/ 186 - 187.
(٢٦) كذا ورد بدون نسبة، والظاهر أن المقصود ابن عباس ما، ذكره عنه هود الهواري في "تفسيره" 1/ 565، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 127 بدون نسبة.
(٢٧) قال مجاهد في "تفسيره" 1/ 225: (يعني: قولهم الكذب في ذلك)، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 50، من عدة طرى جيدة، عن مجاهد وأبي العالية وقتادة ، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1396 عن مجاهد، وقال: (وروي عن أبي العالية وقتادة نحو ذلك) اهـ.
(٢٨) "معاني الزجاج" 2/ 295، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 499: (التقدير عند النحويين: سيجزيهم جزاء وصفهم الذي هو كذب) اهـ.
(٢٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 127، بدون نسبة، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 50.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ ﴾ الآية: كانوا يولون في أجنّة البحيرة والسائبة: ما ولد منها حياً فهو للرجال خاصة ولا يأكل منها النساء، وما ولد منها ميتاً اشترك فيه الرجال والنساء وأنث خالصة للحمل على المعنى، وهي الأجنة وذكر ﴿ مُحَرَّمٌ ﴾ حملاً على لفظ ما، ويجوز أن تكون التاء للمبالغة ﴿ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله ﴾ أي البحيرة والسائبة وشبهها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ﴿ مكاناتكم ﴾ بالجمع حيث كان: أبو بكر وحماد.
الباقون ﴿ مكانتكم ﴾ على التوحيد.
﴿ من يكون ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بتاء التأنيث.
﴿ بزعمهم ﴾ بضم الزاي علي وكذلك ما بعده الباقون: بالفتح ﴿ زين ﴾ على البناء للمفعول ﴿ قتل ﴾ بالرفع ﴿ أولادهم ﴾ بالنصب ﴿ شركائهم ﴾ بالجر ابن عامر.
الآخرون ﴿ زين ﴾ على البناء للفاعل ﴿ قتل ﴾ بالنصب ﴿ أولادهم ﴾ بالجر ﴿ شركاؤهم ﴾ بالرفع ﴿ وإن تكن ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد ﴿ ميتة ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر ويزيد، وقرأ ﴿ ميتة ﴾ بالتشديد ابن كثير وابن عامر: الباقون: بالتخفيف.
الوقوف: ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ مما عملوا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ذو الرحمة ﴾ ط ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ لآت ﴾ لا لأن الواو بعده للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التقرير مع فاء التعقيب ﴿ تعملون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول سواء كان من استفهامية أو موصولة ﴿ عاقبة الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ لشركائنا ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ إلى الله ﴾ ج للفصل بين المتضادين معنى مع الاتفاق حكماً ﴿ شركائهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ افتراء عليه ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ أزواجنا ﴾ ج للشرط مع العطف.
﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ وصفهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره ﴿ أن لم يكن ﴾ وهو للتعليل والمعنى الأمر ما قصصنا عليك، أو ذلك الذي ذكر لانتفاء كون ربك مهلك القرى و"أن" هي الناصبة للأفعال أو مخففة من الثقيلة، وعلى هذا يكون ضمير الشأن محذوفاً أي أن الحديث كذا، ويجوز أن يكون، ﴿ أن لم يكن ﴾ بدلاً من ﴿ ذلك ﴾ كقوله: ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ ومعنى قوله: ﴿ بظلم ﴾ أي بسبب ظلم أقدموا عليه وهذا أليق بأصول الأشاعرة.
أو المراد ظالماً لكم فيكون من فعل الله وهذا أنسب بأصول المعتزلة.
ومعناه أنه لو أهلكهم قبل بعثة الرسل ولم ينبهوا برسول ولا كتاب كان ظالماً.
وعلى هذا التفسير يمكن للأشاعرة أن يقولوا إنه لو فعل ذلك لم يكن ظلماً ولكنه يكون في صورة الظلم فأطلق الظلم على نفسه مجازاً وإلا فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله.
وأما قوله: ﴿ وأهلها غافلون ﴾ فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به وإنما معناه أنه لا يبين لهم كيفية الحال وأن لا يزيل عذرهم وعلتهم.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب ألبتة لأنها تدل على أنه تعالى ما يعذب أحداً على أمر من الأمور قبل بعثة الرسل لكن بعدها.
والمعتزلة قالوا: إنها تدل من وجه آخر على تقرير الوجوب قبل الشرع لأن قوله: ﴿ بظلم ﴾ إن كان عائداً إلى العبد دل على أنه يمكن أن يصدر منه الظلم والقبيح قبل البعثة، وإن كان عائداً إلى الله فقد تم الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه.
ثم لما شرح أحوال أهل الثواب والعقاب ذكر كلاماً كلياً فقال: ﴿ ولكل درجات ﴾ أي ولكل عامل في عمله درجات، وعلى حسب تلك الدرجات يكون الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
ومعنى ﴿ مما عملوا ﴾ أي من جزاء أعمالهم.
وقيل: إن أول الآية مختصة بأهل الطاعات لأن لفظ الدرجة يليق بهم ولأهل المعصية تكون الدركات وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما ربك بغافل عما يعملون ﴾ قالت الأشاعرة: في الآية دليل على مسألة الجبر والقدر فإنه حكم لكل واحد بدرجة معينة في وقت معين وبحسب فعل معين، وأثبت تلك الدرجة في اللوح المحفوظ وأشهد عليها الملائكة وخلاف علمه وإثباته وإِشهاده محال.
ثم بين أنه ليس يحتاج إلى طاعة المطيعين ولا يدخل عليه نقص بمعصية العاصين فقال: ﴿ وربك الغني ذو الرحمة ﴾ أما أنه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وفي أحكامه عن كل ما سواه فلوجوب وجوده، وأن ما سواه ممكن لذاته مفتقر في الوجود وفي الأمور التابعة للوجود إليه فلا غنيّ إلا هو، وأما أنه ذو الرحمة فلأن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات من الروحانيات ومن الجسمانيات فهو من الحق وبإيجاده وتخليقه، والاستقراء دل على أن الخير غالب كالصحة والشبع والسمع والبصر وما ذلك إلا لرحمته الكاملة ورأفته الشاملة.
والذي يتصوّر من رحمة الوالدين وغيرهما فإنما ذلك بإيجاد داعية ذلك فيهم ومع ذلك فتمكن الشخص من الانتفاع بها ليس إلا منه .
ومن هذا يعلم تنزهه عن الظلم والسفه والكذب والعبث.
ومن رحمته تكليف الخلائق ليعرضهم للمنافع الباقيات الدائمات.
ثم لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة كان لظانّ أن يظن أن للرحمة معدناً مخصوصاً وموضعاً معيناً فبين بقوله : ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق وقادر على أن يخلق قوماً آخرين ويضع رحمته فيهم، وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم.
ومعنى الإذهاب الإهلاك وأن لا يبلغهم مبلغ التكليف ﴿ ويستخلف من بعدكم ﴾ أي: من بعد ذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون، إلا على طريق البدل من فائت، وقوله: ﴿ ما يشاء ﴾ أي خلق ثالث ورابع.
ثم اختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخرين من أمثال الجن والإنس لكن أطوع، وقال أبو مسلم: يعني خلقاً ثالثاً مخالفاً للثقلين ليكون أقوى في دلالة القدرة.
ثم بيّن سبب قدرته على ذلك فقال ﴿ كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ﴾ لأن من قدر على تصوير النطفة المتشابهة الأجزاء بهذه الصور المخصومة قدر على تصويرها بصور أخرى مخالفة لها.
وقال في الكشاف: المعنى كما أنشأكم من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح ، ثم ذكر حال المعاد فقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ قال الحسن: أي من مجيء الساعة لأنهم كانوا ينكرون القيامة، ويحتمل أن يقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ إشارة إلى لطفه أي ما يتعلق بالوعد والثواب فهو آت لا محالة.
وقوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ أي خارجين عن قدرتنا وحكمنا إشارة إلى قهره، يقال: أعجزه الشيء أي فاته.
فالجزم في جانب الوعد والتعريض في جانب الوعيد دليل على أن جانب الرحمة والإحسان أغلب.
ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بتهديد منكري البعث فقال: ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ﴾ قال الواحدي: قراءة الإفراد أوجه لأن المصدر لا يجمع في أغلب الأحوال، وقال في الكشاف: المكانة تكون مصدراً.
يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكين.
وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة، فمعنى الآية اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها.
يقال للرجل: على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ﴿ إني عامل ﴾ على مكانتي التي أنا عليها.
والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والغرض تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أينا تكون له العاقبة المحمودة، والفاء لتعقيب الجزاء ألا يعادي أي قل اعملوا فستجزون وهكذا في سورة الزمر بخلاف سورة هود حيث لم يقل هناك "قل" فصار استئنافاً ومحل "من" نصب إن كان بمعنى "الذي" أو رفع والجملة مفعول تعلمون إن كان بمعنى أيّ و ﴿ عاقبة الدار ﴾ العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها وهي مصدر كالعافية.
وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك فيه إنصاف وأدب ووثوق بأن المنذر محق ولهذا قيل له فإن الكافر تكون العاقبة عليه لا له.
ثم حكى أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة محصولهم وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى أقوال أمثالكم فقال: ﴿ وجعلوا لله ﴾ قال الزجاج: وجعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً بدليل قوله: ﴿ فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ وجعل الأوثان شركاء لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونها عليها.
ثم قال: ﴿ فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ﴾ وفي تفسيره وجوه: قال ابن عباس: كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما كان للصنم أنفقوه عليه وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه ألبتة.
ثم إن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا إن الله غنيّ عن هذا، وإن سقط شيء مما جعلوا للأوثان في نصيب الله أخذوه وردّوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير.
وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها.
وعن الحسن والسدي: كان إذا هلك لأوثانهم شيء أخذوا بدله مما لله ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى.
وقال مجاهد: إنه إذا انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في نصيب الله عز وجل سدوه وإن كان على ضد ذلك تركوه، وقال قتادة: إذا أصابهم شدة استعانوا بالله وإذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى شركائهم.
وقال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة.
وقالوا: لو شاء زكى نصيب نفسه.
وأما إن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة قالوا لا بدّ لآلهتنا من نفقة وأخذوا نصيب الإله فأعطوه السدنة.
فمعنى ﴿ فلا يصل إلى الله ﴾ أنه لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، ومعنى الوصول إلى شركائهم أنهم ينفقونه عليها بذبح نسائك عندها والأجراء على سدنتها ونحو ذلك.
وقوله: ﴿ مما ذرأ ﴾ فيه أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه أي خلقه.
ثم إنه ذم فعلهم فقال: ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ وذكر العلماء فيه وجوهاً: الأول أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانبه وهو سفه.
الثاني جعلوا بعض الحرث لله وبعضه لغيره مع أنه هو الخالق للجميع.
الثالث أن ذلك حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع وأشار إليه بقوله ﴿ بزعمهم ﴾ الرابع لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز نصيب لكل حجر ومدر.
الخامس لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ولا قدرة لها على الانتفاع بذلك النصيب، فإفراز النصيب لها عبث.
النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة قوله: ﴿ وكذلك زين ﴾ كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياءً خوفاً من الفقر أو من التزويج، وكان الرجل يحلف بالله إن ولد له كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما فعل عبد المطلب على ابنه عبد الله، والشركاء على الوجه الأول الشياطين الذين أطاعوهم في معصية الله تعالى، وعلى الثاني هم السدنة والخدام، والأول قول مجاهد، والثاني للكلبي.
وتقدير الكلام ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين زين لهم شركاؤهم من الشياطين أو من سدنة الأصنام ﴿ قتل أولادهم ﴾ بالوأد أو بالنحر.
ثم إن وجه القراءة الأكثري ظاهر وليس فيها إلا تقديم المفعول وذلك لشدة الاعتناء به، وأما قراءة أبن عامر فخطأها الزمخشري من جهة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف فإن ذلك قد جوز بالظرف كقوله: لله در اليوم من لامها *** وضعف بغير الظرف كقوله: فزججتها بمزجة *** زج القلوص أبي مزادة وحملوه على ضرورة الشعر مع الاستكراه، والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، والقراآت السبع كلها متواترة فكيف يمكن تخطئة بعضها؟
فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وأن لا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا، وإن ورد فكثير أم لا؟
ومع ذلك فقد وجهه بعض الفضلاء بأن المضاف إليه من الأول محذوف على نحو قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد *** والمضاف مضمر مع الثاني كقراءة من قرأ ﴿ والله يريد الآخرة ﴾ بالجر على تقدير غرض الآخرة، فتقدير الآية: قتل شركائهم أولادهم قتل شركائهم.
ومعنى ﴿ ليردوهم ﴾ ليهلكوهم بالإغواء.
قال ابن عباس: ليردوهم في النار.
واللام محمول على العاقبة إن كان التزيين من السدنة، وعلى حقيقة التعليل إن كان من الشيطان ﴿ وليلبسوا عليهم دينهم ﴾ ليخلطوه عليهم ويشبهوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق.
وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه، وقيل: وليوقعوهم في دين ملتبس ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ لما فعل المشركون ما زين لهم، أو لما فعل الشياطين والسدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ما ذكر إن جعل الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة.
والمعتزلة حملوا هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر.
ثم قال: ﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ على قانون قوله: ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ وفيه مع التهديد التسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر والشرك.
قيل: إنما قال في هذه الآية ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ ليكون مناسباً لقوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ وقال فيما قبل: ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ لأنه وقع عقيب آيات فيها ذكر الرب كقوله: ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم ﴾ الآيات.
النوع الثالث من أحكامهم الباطلة أنهم قسموا أنعامهم أقساماً فأوّلها أن قولوا ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وحجر "فعل" بمعنى "مفعول" كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع وسمي العقل الحجر لمنعه من القبائح، وفلان في حجر القاضي أي في منعه.
كانوا إذا عينوا شيئاً من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: ﴿ لا يطعمها إلا من نشاء ﴾ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء ﴿ و ﴾ ثانيها أن قالوا: ﴿ هذه أنعام حرمت ظهورها ﴾ وهي البحائر والسوائب والحوامي وقد سبق في المائدة.
﴿ و ﴾ ثالثها: ﴿ أنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ في الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام.
وقيل: هي أنعام لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها وإنما فعلوا ذلك كله من غير حكم من الله وشرع منه بل ﴿ افتراء عليه ﴾ وانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء.
ثم قال: ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ والمقصود منه الوعيد، ﴿ و ﴾ النوع الرابع من قضاياهم الفاسدة أن ﴿ قالوا ما في بطون هذه الأنعام ﴾ يعنون أجنة البحائر والسوائب ﴿ خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ﴾ هذا إن ولد حياً ﴿ وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ﴾ أي اشترك فيه الذكور والإناث، من قرأ بنصب ميتة فتقديره وإن يكن ما في بطونها ميتة، ومن قرأ بالرفع فعلى أن "كان تامة"، أو لأن التقدير: وإن يكن لهم أو هناك ميتة.
وإنما جاز تذكير الفعل وتأنيثه لأن تأنيث الميتة غير حقيقي، أو لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل: ميت ولهذا جاز عود الضمير إليه مذكراً في قوله: ﴿ فهم فيه شركاء ﴾ وتذكير الضمير في قوله: ﴿ فهم ﴾ للتغليب ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ أي جزاء وصفهم على الله الكذب في التحليل والتحريم ﴿ إنه حكيم عليم ﴾ ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق.
فإن قيل: كيف أنث ﴿ خالصة ﴾ وذكر ﴿ محرماً ﴾ ؟
قلنا: الأول حمل على المعنى لأن ما في بطون الأنعام في معنى الأجنة، والثاني حمل على اللفظ، وفي الأول وجهان آخران: أن تكون التاء للمبالغة مثل رواية الشعر وأن يكون مصدراً كالعاقبة أي ذو خالصة.
ثم إنه جمع قبائح أحكامهم وأفعالهم وحكم عليهم بالخسران والسفاهة وعدم العلم والضلال وعدم الاهتداء فقال ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم ﴾ الآية.
وذلك أن الولد نعمة عظيمة من الله تبقي ذكره ونسله فالسعي في إبطال مثل هذه النعمة لضرر مظنون هو الفقر أو نحوه، أو لفائدة موهومة هي القربة إلى الأصنام دليل خفة العقل وعدم العلم وأنه موجب لخسران الدارين.
وكذا تحريم ما أحل الله من الطيبات بالهوى والتقليد بل لمحض الافتراء على الله وإن ذلك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ولهذا سجل عليهم آخراً بالضلال ثم بعدم الاهتداء ليحصل كلا الأمرين لهم بالمطابقة كما حصل بالتضمن والله أعلم.
التأويل: ﴿ مهلك القرى ﴾ أي قرى أشخاص الإنسان ﴿ بظلم ﴾ وهو صرف الاستعداد الفطري في استيفاء اللذات الفانية ﴿ وأهلها غافلون ﴾ لم يبلغوا مبلغ التكليف بعد.
﴿ وربك الغني ﴾ عن كل مخلوق عامة وعن الإنسان خاصة ﴿ ذو الرحمة ﴾ خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم.
﴿ واعملوا على مكانتكم ﴾ أي على ما جبلتم عليه ﴿ إني عامل ﴾ على ما جبلت عليه ﴿ قتل أولادهم شركاؤهم ﴾ من الشياطين والنفس والهوى والدنيا ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ لأنهم ذهبوا مذهب الطبع لا مذهب الشرع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع مجاهدة النفس لا يكون له نور إذا لم يكن لامتثال الشرع ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم ﴾ لأن ذلك نتيجة انتزاع الرحمة عن قلوبهم وحرموا ما رزقهم الله صورة وهو ظاهر، ومعنى وهو استعداد حصول مراتب أهل القرب ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ لأن خشية الفقر حملتهم على قتل الأولاد.
وقال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ...
﴾ الآية، يخبر - عز وجل - عن سفههم من وجوه: أحدها: أنهم كانوا يجعلون لله نصيباً مما كان لله في الحقيقة مع علمهم أن الله هو الذي أنشأ لهم تلك الأشياء وهو ذرأها، ثم يجعلون لله في ذلك نصيباً [وللأصنام نصيباً] يسفههم لأنهم إذا علموا أن الله هو الذي ذرأ لهم تلك الأشياء وأنشأها لهم، فإليه الاختيار في جعل ذلك لا إليهم [إذ علموا] أنهم إنما يملكون هم بجعل الله لهم، وهو المالك عليها حقيقة.
والثاني: ما يبين سفههم - أيضاً - أنهم يجعلون لله في ذلك نصيباً وللأصنام نصيباً من الثمار والحروث وغيرها، ثم إذا وقع [شيء] مما جعلوا لله وخالط ما جزّءوا وجعلوه لشركائهم تركوه، وإذا خالط شيء مما جعلوا لشركائهم، ووقع فيما جعلوه لله أخذوه وردوه على شركائهم وانتفعوا به، وتركوا الآخر للأصنام إيثاراً للأصنام عليه، وإعظاما لها.
أو إذا زكا نصيب الأصنام ونما، ولم يزك نصيب الله، ولم ينمُ تركوا ذلك للأصنام، ويقولون: لو شاء الله لأزكى نصيبه، وإذا زكا الذي كانوا يجعلون لله، ولا يزكو نصيب الأصنام أخذوا نصيب الله فقسموه بين المساكين وبين الأصنام نصفين.
يسفههم - عز وجل - بصنيعهم الذي يصنعون ويبين عن جوهرهم بإيثارهم الأصنام، وإعظامهم إياها، والتفضيل في القسمة والتجزئة، مع علمهم أن الله هو الذي ذرأ ذلك وأنشأه لهم، وأن الأصنام التي أشركوها في أموالهم وعبادتهم لله لا يملكون من ذلك شيئاً.
وذلك منهم سفه وجور؛ حيث أشركوا في أموالهم وعبادتهم مع الله أحداً لا يستحق بذلك شيئاً، وهو كما جعلوا لله البنات، وهم كانوا يأنفون عن البنات، كقوله: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ...
﴾ الآية [النحل: 58]: وقال: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ ﴾ وقال: ﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ ﴾ تأنفون أنتم عن البنات وتضيفونهن إليه؟!
فهو إذاً جور وظلم؛ فعلى ذلك تفضيل الأصنام في القسمة وإيثارهم إياها على الله، وإشراكهم مع الله، مع علمهم أنه كان جميع ذلك بالله، وهو أنشأه لهم - جور وسفه.
ثم أخبر أنهم: ﴿ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ .
أي بئس الحكم حكمهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، أي: كما زين لهم جعل النصيب للأصنام [و] التجزئة لها، وصرف ما خلق الله لهم عنه إلى الأصنام كذلك زين لهم قتل أولادهم.
أو كما زين لهم تحريم ما أحل الله لهم من السائبة والوصيلة والحامي كذلك زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم.
وأصله: أن الشفقة التي جعل الله في الخلق لأولادهم [و] الرحمة التي جبلت طبائعهم عليها تمنعهم عن قتلهم، وخاصة أولادهم الضعفاء والصغار، وكذلك الشهوة التي خلق فيهم تمنعهم عن تحريم ما أحل الله لهم، لكن [زين لهم ذلك] شركاؤهم، وحسنوا عليهم تحريم ما أحل لهم وقتل أولادهم، فما حسن عليهم الشركاء وزين لهم من تحريم ما أحل لهم وقتل أولادهم غلب على الشفقة التي جبلت فيهم، والشهوة التي خلق ومكن فيهم.
ثم اختلف في شركائهم: قال بعضهم شركاؤهم: شياطينهم التي تدعوهم إلى ذلك.
وقيل: شركاؤهم: كبراؤهم ورؤساؤهم الذي يستتبعونهم.
[ثم] يحتمل: قتل الكبراء أولادهم؛ تكبرا منهم وتجبرا؛ لأنهم كانوا يأنفون عن أولادهم الإناث، وقتل الأتباع؛ مخافة العيلة والفقر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ .
قيل: ليهلكوهم، إنهم كانوا يقصدون في التحسين والتزيين الإرداء والإهلاك، وإن كانوا يرونهم في [ذلك] الشفقة، وكذلك كانوا يقصدون بالتزيين تلبيس الدين عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ﴾ .
يحتمل: وجوهاً: قال بعضهم: لو شاء الله لأهلكهم فلم يفعلوا ذلك.
وقيل: لأعجزهم ومنعهم عن ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ .
وقيل: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ﴾ ، أي: لأراهم قبح فعلهم؛ حتى لم يفعلوا.
وأصله: أنه إذا علم منهم أنهم يفعلون ما فعلوا ويختارون ما اختاروا من التزيين ولبس الدين عليهم شاء ما فعلوا واختاروا، [وقد] ذكرنا ذلك في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ .
أي: ذرهم ولا تكافئهم بافترائهم على الله.
ويحتمل: ذرهم وما يفترون؛ فإن الله يكافئهم ولا يفوتون.
ويحتمل: ذرهم وما يفترون؛ فإن ضرر ذلك الافتراء عليهم، ليس علينا ولا عليك، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ .
قيل: هذه الآية صلة قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ هذا الذي جعلوا للشركاء هو الحجر الذي ذكر في هذه الآية؛ لأنهم كانوا [لا] ينتفعون بذلك ويحرمونه، وهو حجر.
وأصل الحجر: المنع، وعن ابن عباس - - قال: الحجر: ما حرموا [أنفسهم] من أشياء: من الوصيلة، والسائبة، والحامي، وتحريمهم ما حرموا من أشياء: كانوا يحلون أشياء حرمها الله، ويحرمون أشياء أحلها الله في الجاهلية من الحرث والأنعام.
وفي حرف [أُبي] وابن عباس - ما -: (حرج)، على تأخير الجيم وتقديم الراء.
وعن الحسن: (حُجر)، برفع الحاء.
وأصل الحجر: المنع، ممنوع: محجور، يقال: حجرت عليه، أي: منعته، والحجر أيضاً: موضع بمكة، والاحتجار: الاستئثار، وهو أن يأخذ الشيء ولا يعطي منه أحداً شيئاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ ﴾ ، يعني: لا يطعمها إلا من يشاء الله [بزعمهم]؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء ويأتون [أشياء] فواحش، فيقولون: إن الله أمرهم بذلك؛ كقوله في الأعراف: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
وقال بعضهم: قوله ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ يعني: الذين سنوا لهم، أي: لا يطعمها إلا من يشاء أولئك الذين سنوا ذلك، وحرموا ذلك على نسائهم؛ على ما روي عن النبي أنه قال: "إن شئت قد ذكرت لكم أول من بدل دين إسماعيل، وبحر البحيرة والسائبة" فعلى ذلك أضافوا المشيئة إلى أولئك الذين سنوا لهم ذلك، وحرموا على إناثهم وأحلوا لذكورهم.
وقال بعضهم قوله: ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ ﴾ هؤلاء الرجال، كانت مضافة إلى الرجال دون النساء، وفي ذلك تسفيه أحلامهم؛ لأنهم [كانوا] ينكرون الرسالة لما كان يحرمون من الطيبات، ثم يتبعون الذي حرم عليهم الطيبات التي أحلها الله لهم [لأنهم ينكرون الرسالة لما كان] من البحيرة، والسائبة، ونحوهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ هو ما ذكر من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وهو الحجر الذي ذكر في هذه الآية، يجعلون تلك الأشياء لشركائهم، لا ينتفعون بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: لا ينتفعون بها؛ ليعرفوا أنعم الله؛ ليشكروا الله عليها.
وقيل: ﴿ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: لا يذبحون للأكل، ولا يذكرون اسم الله عليها.
ويحتمل: لا يذكرون اسم الله عليها وقت الركوب؛ كما يذكر اسم الله عليها وقت الركوب، وهو قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ﴾ \[الآية\] [الزخرف: 13]؛ لأنهم كانوا لا يركبونها؛ ولكن يسيبونها.
وقيل: لا يحجون عليها.
والأول كأنه أقرب: كانوا لا ينتفعون بها؛ ليعرفوا نعم الله، ويشكروه عليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .
بأن الله أمرهم بذلك، وهو حرم عليهم، وهو أحل؛ فذلك هو الافتراء على الله، أو بما أشركوا شركاءهم في عبادة الله وفي نعمه.
﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا ﴾ .
قيل: هو صلة قوله: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ ، يحرمون على النساء، ويحلون للرجال، يعني إذا ولدوا حيّاً [كان ينتفع] بذلك رجالهم دون نسائهم، وإذا ولدوا ميتاً اشتركوا فيه الإناث والذكور [و] يذكر في هذا كله سفه أولئك في صنيعهم، ويذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ ﴾ إلى آخر [منته و] نعمه التي أنعم عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ﴾ .
أي: افتراءهم على الله، وتحريمهم ما أحل الله لهم، وتحليلهم ما حرم عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .
أخبر أنهم قد خسروا بقتلهم الأولاد، وتحريمهم ما أحل لهم ورزقهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .
وبالله الهداية والرشاد.
<div class="verse-tafsir"
وقالوا: ما في بطون هذه السَّوائب والبَحَائر من الاجنة إن وُلِد حيًّا حلال على ذكورنا، محَرَّم على نسائنا، وإن وُلِد ما في بطونها من الأجنة ميتًا فالذكور والإناث فيه شركاء.
سيجزيهم الله تعالى بقولهم هذا ما يستحقون، إنه حكيم في تشريعه وتدبيره شؤون خلقه، عليم بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.2XA9d"