الآية ١٤١ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٤١ من سورة الأنعام

۞ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٍۢ مَّعْرُوشَـٰتٍۢ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍۢ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍۢ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ١٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 203 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤١ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤١ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى بيانا لأنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار والأنعام التي تصرف فيها المشركون بآرائهم الفاسدة وقسموها وجزءوها ، فجعلوا منها حراما وحلالا فقال : ( وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ) .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( معروشات ) مسموكات .

وفي رواية : " المعروشات " : معروشات ما عرش الناس ، ( وغير معروشات ) ما خرج في البر والجبال من الثمرات .

وقال عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : ( معروشات ) ما عرش من الكرم ( وغير معروشات ) ما لم يعرش من الكرم .

وكذا قال السدي .

وقال ابن جريج : ( متشابها وغير متشابه ) قال : متشابها في المنظر ، وغير متشابه في الطعم .

وقال محمد بن كعب : ( كلوا من ثمره إذا أثمر ) قال : من رطبه وعنبه .

وقوله تعالى : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) قال ابن جرير : قال بعضهم : هي الزكاة المفروضة .

حدثنا عمرو ، حدثنا عبد الصمد ، حدثنا يزيد بن درهم قال : سمعت أنس بن مالك يقول : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) قال : الزكاة المفروضة .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) يعني : الزكاة المفروضة ، يوم يكال ويعلم كيله .

وكذا قال سعيد بن المسيب .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده ، لم يخرج مما حصد شيئا فقال الله : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) وذلك أن يعلم ما كيله وحقه ، من كل عشرة واحدا ، ما يلقط الناس من سنبله .

وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في سننه من حديث محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع بن حبان ، عن جابر بن عبد الله ; أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل جاد عشرة أوسق من التمر ، بقنو يعلق في المسجد للمساكينوهذا إسناده جيد قوي .

وقال طاوس ، وأبو الشعثاء ، وقتادة ، والحسن ، والضحاك ، وابن جريج : هي الزكاة .

وقال الحسن البصري : هي الصدقة من الحب والثمار ، وكذا قال زيد بن أسلم .

وقال آخرون : هو حق آخر سوى الزكاة .

وقال أشعث ، عن محمد بن سيرين - ونافع ، عن ابن عمر في قوله : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) قال : كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة .

رواه ابن مردويه .

وروى عبد الله بن المبارك وغيره .

عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء بن أبي رباح في قوله : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) قال : يعطي من حضره يومئذ ما تيسر ، وليس بالزكاة .

وقال مجاهد : إذا حضرك المساكين ، طرحت لهم منه .

وقال عبد الرزاق ، عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( وآتوا حقه يوم حصاده ) قال : عند الزرع يعطي القبض ، وعند الصرام يعطي القبض ، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام .

وقال الثوري ، عن حماد ، عن إبراهيم النخعي قال : يعطي مثل الضغث .

وقال ابن المبارك ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ( وآتوا حقه يوم حصاده ) قال : كان هذا قبل الزكاة : للمساكين ، القبضة الضغث لعلف دابته .

وفي حديث ابن لهيعة ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن سعيد مرفوعا : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) قال : ما سقط من السنبل .

رواه ابن مردويه .

وقال آخرون : هذا كله شيء كان واجبا ، ثم نسخه الله بالعشر ونصف العشر .

حكاه ابن جرير عن ابن عباس ، ومحمد ابن الحنفية ، وإبراهيم النخعي ، والحسن ، والسدي ، وعطية العوفي .

واختاره ابن جرير ، رحمه الله .

قلت : وفي تسمية هذا نسخا نظر; لأنه قد كان شيئا واجبا في الأصل ، ثم إنه فصل بيانه وبين مقدار المخرج وكميته .

قالوا : وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة ، فالله أعلم .

وقد ذم الله سبحانه الذين يصومون ولا يتصدقون ، كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة " ن " : ( إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم ) أي : كالليل المدلهم سوداء محترقة ( فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد ) أي : قوة وجلد وهمة ( قادرين فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) [ القلم : 17 - 33 ] .

وقوله : ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) قيل : معناه : ولا تسرفوا في الإعطاء ، فتعطوا فوق المعروف .

وقال أبو العالية : كانوا يعطون يوم الحصاد شيئا ، ثم تباروا فيه وأسرفوا ، فأنزل الله : ( ولا تسرفوا ) .

وقال ابن جريج نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، جذ نخلا .

فقال : لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته .

فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة ، فأنزل الله : ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) رواه ابن جرير ، عنه .

وقال ابن جريج ، عن عطاء : ينهى عن السرف في كل شيء .

وقال إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله فهو سرف .

وقال السدي في قوله : ( ولا تسرفوا ) قال : لا تعطوا أموالكم ، فتقعدوا فقراء .

وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب ، في قوله : ( ولا تسرفوا ) قال : لا تمنعوا الصدقة فتعصوا .

ثم اختار ابن جرير قول عطاء : إنه نهي عن الإسراف في كل شيء .

ولا شك أنه صحيح ، لكن الظاهر - والله أعلم - من سياق الآية حيث قال تعالى : ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) أن يكون عائدا على الأكل ، أي : ولا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن ، كما قال تعالى : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) [ الأعراف : 31 ] ، وفي صحيح البخاري تعليقا : " كلوا واشربوا ، والبسوا وتصدقوا ، في غير إسراف ولا مخيلة " وهذا من هذا ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ قال أبو جعفر: وهذا إعلام من الله تعالى ذكره ما أنعم به عليهم من فضله, وتنبيهٌ منه لهم على موضع إحسانه, وتعريفٌ منه لهم ما أحلَّ وحرَّم وقسم في أموالهم من الحقوق لمن قسم له فيها حقًّا .

يقول تعالى ذكره: وربكم، أيها الناس =(أنشأ) ، أي أحدث وابتدع خلقًا, لا الآلهة والأصنام (34) =(جنات)، يعني: بساتين (35) =(معروشات)، وهي ما عَرَش الناس من الكروم=(وغير معروشات) ، غير مرفوعات مبنيَّات, لا ينبته الناس ولا يرفعونه, ولكن الله يرفعه وينبته وينمِّيه ، (36) كما:- 13955- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (معروشات)، يقول: مسموكات .

13956- وبه عن ابن عباس: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات)، فـ" المعروشات "، ما عرش الناس=" وغير معروشات "، ما خرج في البر والجبال من الثمرات .

13957- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما " جنات "، فالبساتين= وأما " المعروشات "، فما عرش كهيئة الكَرْم .

13958- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس قوله: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات)، قال: ما يُعرَش من الكروم =(وغير معروشات)، قال: ما لا يعرش من الكرم .

* * * القول في تأويل قوله : وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وأنشأ النخل والزرع مختلفا أكله= يعني بـ" الأكل "، (37) الثمر.

يقول: وخلق النخل والزرع مختلفًا ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحب =" والزيتون والرمان متشابهًا وغير متشابه "، في الطعم, (38) منه الحلو، والحامض، والمزّ، (39) كما:- 13959- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: (متشابهًا وغير متشابه)، قال: " متشابهًا "، في المنظر=" وغير متشابه "، في الطعم .

* * * وأما قوله: (كلوا من ثمره إذا أثمر)، فإنه يقول: كلوا من رطبه ما كان رطبًا ثمره ، كما:- 13960- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو همام الأهوازي قال، حدثنا موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب في قوله: (كلوا من ثمره إذا أثمر)، قال: من رطبه وعنبه .

13961- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا محمد بن الزبرقان قال، حدثنا موسى بن عبيدة في قوله: (كلوا من ثمره إذا أثمر)، قال: من رطبه وعنبه .

(40) * * * القول في تأويل قوله : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: هذا أمر من الله بإيتاء الصدقة المفروضة من الثمر والحبِّ .

* ذكر من قال ذلك: 13962- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا يونس, عن الحسن, في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: الزكاة .

13963- حدثنا عمرو قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا يزيد بن درهم قال، سمعت أنس بن مالك يقول: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: الزكاة المفروضة .

13964- حدثنا عمرو قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا الحجاج بن أرطاة, عن الحكم, عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: العشر ونصف العشر .

13965- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا هانئ بن سعيد, عن حجاج, عن محمد بن عبيد الله, عن عبد الله بن شداد, عن ابن عباس: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: العشر ونصف العشر .

(41) 13966- حدثنا عمرو بن علي وابن وكيع وابن بشار قالوا، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إبراهيم بن نافع المكي, عن ابن عباس, عن أبيه, في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: الزكاة .

(42) 13967- حدثنا عمرو قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبو هلال, عن حيان الأعرج, عن جابر بن زيد: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: الزكاة .

(43) 13968- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا يونس, عن الحسن في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: هي الصدقة = قال: ثم سئل عنها مرة أخرى فقال: هي الصدقة من الحبّ والثمار .

13969- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج قال، أخبرني أبو بكر بن عبد الله, عن عمرو بن سليمان وغيره, عن سعيد بن المسيب أنه قال: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: الصدقة المفروضة .

13970- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن أبي رجاء, عن الحسن في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: هي الصدقة من الحب والثمار .

13971- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، يعني بحقه، زكاته المفروضة, يوم يُكال أو يُعلم كيله .

13972- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده, وهو أن يعلم ما كيله وحقّه, فيخرج من كل عشرة واحدًا, وما يَلْقُط الناس من سنبله .

(44) 13973- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، و " حقه يوم حصاده "، الصدقة المفروضة= ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم سَنَّ فيما سقت السماء أو العين السائحة, أو سقاه الطل = و " الطل "، الندى = أو كان بَعْلا العشرَ كاملا.

(45) وإن سقي برشاء: نصفَ العشر = قال قتادة: وهذا فيما يكال من الثمرة.

وكان هذا إذا بلغت الثمرة خمسةُ أوسقٍ, (46) وذلك ثلثمئة صاع, فقد حق فيها الزكاة.

وكانوا يستحبون أن يعطوا مما لا يكال من الثمرة على قدر ذلك .

13974- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة وطاوس: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قالا هو الزكاة .

13975- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن الحجاج, عن سالم المكي, عن محمد بن الحنفية قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: يوم كيله, يعطي العشر أو نصف العشر .

(47) 13976- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سالم المكي, عن محمد ابن الحنفية قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: العشر, ونصف العشر .

13977- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه, وعن قتادة: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قالا الزكاة .

13978- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو معاوية الضرير, عن الحجاج, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: العشر ونصف العشر .

13979- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن شريك, عن الحكم بن عتيبة, عن ابن عباس, مثله .

13980- حدثت عن الحسين بن الفرج قال،سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، يعني: يوم كيله، ما كان من برّ أو تمر أو زبيب .

و " حقه "، زكاته .

13981- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: كُلْ منه, وإذا حصدته فآت حقه ، و " حقه "، عشوره .

13982- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن يونس بن عبيد, عن الحسن أنه قال في هذه الآية: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: الزكاة إذا كِلْتَه .

13983- حدثنا عمرو قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي رجاء قال: سألت الحسن عن قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: الزكاة .

13984- حدثني ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال، سألت ابن زيد بن أسلم عن قول الله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، فقلت له: هو العشور؟

قال: نعم!

فقلت له: عن أبيك؟

قال: عن أبي وغيره .

* * * وقال آخرون: بل ذلك حقٌّ أوجبه الله في أموال أهل الأموال, غيرُ الصدقة المفروضة .

* ذكر من قال ذلك: 13985- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا محمد بن جعفر, عن أبيه: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: شيئًا سوى الحق الواجب = قال: وكان في كتابه: " عن علي بن الحسين " .

13986- حدثنا عمرو قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا عبد الملك, عن عطاء في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: القبضة من الطعام .

13987- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج, عن عطاء: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: من النخل والعنب والحب كله .

13988- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت ما حصدتُ من الفواكه؟

قال: ومنها أيضًا تؤتي .

وقال: من كل شيء حصدتَ تؤتي منه حقه يوم حصاده, من نخل أو عنب أو حب أو فواكه أو خضر أو قصب, من كل شيء من ذلك .

قلت لعطاء: أواجب على الناس ذلك كله؟

قال: نعم!

ثم تلا(وآتوا حقه يوم حصاده) .

قال: قلت لعطاء: (وآتوا حقه يوم حصاده) ،هل في ذلك شيء مُؤَقّت معلوم؟

قال: لا .

13989- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن عبد الملك, عن عطاء في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: يعطي من حُضورِ يومئذ ما تيسر, (48) وليس بالزكاة .

13990- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عيسى بن يونس, عن عبد الملك, عن عطاء: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: ليس بالزكاة, ولكن يطعم من حضره ساعتئذٍ حَصِيده .

(49) 13991- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن العلاء بن المسيب, عن حماد: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: كانوا يعطون رُطبًا .

13992- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه, وإذا أنقيته وأخذت في كيله حَثَوْت لهم منه.

(50) وإذا علمتَ كيله عزلتَ زكاته.

وإذا أخذت في جَدَاد النخل طَرَحت لهم من الثفاريق.

(51) وإذا أخذت في كيله حثَوْت لهم منه.

وإذا علمت كيله عزلت زكاته .

13993- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: سوى الفريضة .

13994- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عمرو, عن منصور, عن مجاهد: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: يلقي إلى السؤَّال عند الحصاد من السنبل, (52) فإذا طِينَ = أو طُيِّن، الشك من أبي جعفر (53) = ألقى إليهم .

فإذا حمله فأراد أن يجعله كُدْسًا ألقى إليهم.

(54) وإذا داس أطعمَ منه, وإذا فرغ وعلم كم كيله، عزل زكاته .

وقال: في النخل عند الجَدَاد يطعم من الثمرة والشماريخ.

(55) فإذا كان عند كيله أطعم من التمر.

فإذا فرغ عزل زكاته .

13995- حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: إذا حصد الزرع ألقى من السنبل, وإذا جَدَّ النخل ألقى من الشماريخ.

(56) فإذا كاله زكّاه .

13996- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: عند الحصاد, وعند الدِّياس, وعند الصِّرام، يقبض لهم منه, فإذا كاله عزل زكاته .

13997- وبه، عن سفيان, عن مجاهد مثله= إلا أنه قال: سوى الزكاة .

13998- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: شيء سوى الزكاة، في الحصاد والجَدَاد, إذا حَصَدوا وإذا حَزَرُوا.

(57) 13999- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, في قول الله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: واجب، حين يصرم .

14000- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن منصور, عن مجاهد: أنه قال في هذه الآية: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: إذا حصد أطعم, وإذا أدخله البَيْدَر, (58) وإذا داسه أطعم منه .

14001- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن أشعث, عن ابن عمر, قال: يطعم المعترَّ، (59) سوى ما يعطي من العشر ونصف العشر .

14002- وبه، عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد قال: قبضة عند الحصاد, وقبضة عند الجَدَاد .

14003- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص, عن أشعث, عن ابن سيرين, قال: كانوا يعطون مَنْ اعترَّ بهم الشيءَ .

14004- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن حماد, عن إبراهيم, قال: الضِّغث .

(60) 14005- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن سفيان, عن حماد, عن إبراهيم, قال: يعطي مثل الضِّغث .

14006- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا حماد, عن إبراهيم: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: مثل هذا من الضغث = ووضع يحيى إصبعه الإبهام على المفصل الثاني من السَّبّابة .

14007- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن حماد, عن إبراهيم, قال: نحو الضِّغث .

14008- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن أبي جعفر= وعن سفيان, عن حماد, عن إبراهيم, قالا يعطي ضغثًا .

(61) 14009- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا كثير بن هشام قال، حدثنا جعفر بن برقان, عن يزيد بن الأصم قال، كان النخل إذا صُرِم يجيء الرجل بالعِذْق من نخله، فيعلِّقه في جانب المسجد, فيجيء المسكين فيضربُه بعصاه, فإذا تناثر أكلَ منه .

فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه حَسن أو حسين, فتناول تمرةً, فانتزعها من فيه.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل الصَّدقة, ولا أهلُ بيته .

فذلك قوله: (وآتوا حقَّه يوم حصاده) .

14010- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا خالد بن حيان, عن جعفر بن برقان, عن ميمون بن مهران, ويزيد بن الأصم قالا كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعِذْق فيضعونه في المسجد, ثم يجيء السائل فيضربه بعصاه, فيسقط منه, وهو قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده) .

14011- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء, عن جعفر, عن يزيد وميمون، (62) في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قالا كان الرجل إذا جدَّ النخلَ يجيء بالعِذْق فيعلقه في جانب المسجد, فيأتيه المسكين فيضربه بعصاه, فيأكل ما يتناثر منه .

14012- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: لَقَطُ السُّنبل .

(63) 14013- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن عبد الكريم الجزري, عن مجاهد قال: كانوا يعلقون العذق في المسجد عند الصِّرام, فيأكل منه الضعيف .

14014- وبه، عن معمر قال, قال مجاهد: (وآتوا حقه يوم حصاده)، يطعم الشيءَ عند صِرَامه .

14015- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد بن جبير: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: الضغث، وما يقع من السنبل .

14016- وبه، عن سالم, عن سعيد: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: العلَف .

14017- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن شريك, عن سالم, عن سعيد في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: كان هذا قبل الزكاة، للمساكين, القبضةُ والضِّغث لعلف دابته .

14018- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا محمد بن رفاعة, عن محمد بن كعب في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: ما قلّ منه أو كثر .

(64) 14019- حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: عند الزرع يعطي القبضَ, وعند الصِّرام يعطي القبض, (65) ويتركهم فيتتبعون آثار الصِّرام .

* * * وقال آخرون: كان هذا شيئًا أمر الله به المؤمنين قبل أن تفرض عليهم الصدقة المؤقتة.

ثم نسخته الصدقة المعلومة, فلا فرض في مال كائنًا ما كان زرعًا كان أو غرسًا, إلا الصدقة التي فرضها الله فيه .

* ذكر من قال ذلك: 14020- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن حجاج, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس قال: نسخها العُشْر ونصف العشر .

14021- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص, عن الحجاج, عن الحكم, عن ابن عباس قال: نسخها العُشْر ونصف العشر .

14022- وبه، عن حجاج, عن سالم, عن ابن الحنفية قال: نسخها العُشْر, ونصف العشر .

14023- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن سالم, عن سعيد بن جبير: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: هذا قبل الزكاة, فلما نـزلت الزكاة نسختها, فكانوا يعطون الضِّغْث .

14024- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن مغيرة, عن شباك, عن إبراهيم: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: كانوا يفعلون ذلك، حتى سُنَّ العُشر ونصف العشر.

فلما سُنّ العشر ونصف العشر، تُرك .

(66) 14025- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن مغيرة, عن شباك, عن إبراهيم: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: هي منسوخة, نسختها العُشر ونصف العشر .

(67) 14026- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى, عن سفيان, عن المغيرة, عن إبراهيم: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: نسختها العشر ونصف العشر .

14027- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن مغيرة, عن شباك, عن إبراهيم قال: نسختها العشر ونصف العشر .

14028- وبه، عن سفيان, عن يونس, عن الحسن قال: نسختها الزكاة .

14029- وبه، عن سفيان, عن السدى قال: نسختها الزكاة: (وآتوا حقه يوم حصاده) .

14030- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة, عن شباك, عن إبراهيم, في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: هذه السورة مكية، نسختها العشر ونصف العشر.

قلت: عمّن؟

قال: عن العلماء .

14031- وبه، عن سفيان, عن مغيرة, عن شباك, عن إبراهيم قال: نسختها العشر ونصف العشر .

14032- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما(وآتوا حقه يوم حصاده)، فكانوا إذا مرّ بهم أحدٌ يوم الحصاد أو الجدَادِ، أطعموه منه, فنسخها الله عنهم بالزكاة, وكان فيما أنبتتِ الأرضُ، العشرُ ونصف العشر .

14033- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى, عن يونس, عن الحسن قال: كانوا يَرْضَخون لقرَابتهم من المشركين .

(68) 14034- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس, عن أبيه, عن عطية: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: نسخه العشر ونصف العشر.

كانوا يعطون إذا حصَدوا وإذا ذَرَّوا, فنسختها العشر ونصف العشر.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب, قولُ من قال: كان ذلك فرضًا فرضه الله على المؤمنين في طعامِهم وثمارهم التي تُخْرجها زروعهم وغرُوسهم, ثم نسخه الله بالصدقة المفروضة, والوظيفة المعلومةِ من العشر ونصف العشر.

وذلك أن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم: أنّ صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدِّياس والتنقية والتذرية, وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الإجزاز.

(69) فإذا كان ذلك كذلك, وكان قوله جل ثناؤه: (وآتوا حقه يوم حصاده)، ينبئ عن أنه أمرٌ من الله جل ثناؤه بإيتاء حقه يوم حصاده, وكان يوم حصاده هو يوم جَدِّه وقطعه، والحبُّ لا شك أنه في ذلك اليوم في سنبله, والتَّمر وإن كان ثمر نخل أو كَرْم غيرُ مستحكم جُفوفه ويبسه, وكانت الصدقة من الحبِّ إنما تؤخذ بعد دِياسه وتذريته وتنقيته كيلا والتمر إنما تؤخذ صدقته بعد استحكام يبسه وجفوفه كَيْلا= علم أن ما يؤخذ صدقة بعد حين حَصْده، غير الذي يجب إيتاؤه المساكين يوم حَصاده .

* * * فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك إيجابًا من الله في المال حقًّا سوى الصدقة المفروضة؟

قيل: لأنه لا يخلو أن يكون ذلك فرضًا واجبًا، أو نَفْلا.

فإن يكن فرضًا واجبًا، فقد وجب أن يكون سبيلُه سبيلَ الصدقات المفروضات التي من فرَّط في أدائها إلى أهلها كان بربِّه آثمًا، ولأمره مخالفًا.

(70) وفي قيام الحجة بأن لا فرض لله في المال بعد الزكاة يجبُ وجوبَ الزكاة سوى ما يجبُ من النفقة لمن يلزم المرءَ نفقته، ما ينبئ عن أنّ ذلك ليس كذلك .

=أو يكون ذلك نَفْلا.

فإن يكن ذلك كذلك، فقد وجب أن يكون الخيارُ في إعطاء ذلك إلى ربّ الحرث والثمر.

وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك، ما ينبئ عن أن ذلك ليسَ كذلك .

وإذا خرجت الآية من أن يكون مرادًا بها الندب, وكان غير جائز أن يكون لها مخرجٌ في وجوب الفرض بها في هذا الوقت, علم أنها منسوخة .

ومما يؤيد ما قلنا في ذلك من القول دليلا على صحته, أنه جل ثناؤه أتبع قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ، ومعلوم أنّ من حكم الله في عباده مذ فرض في أموالهم الصدقة المفروضة المؤقتة القدرِ, أنّ القائم بأخذ ذلك ساستهم ورُعاتهم .

وإذا كان ذلك كذلك, فما وجه نهي ربّ المال عن الإسراف في إيتاء ذلك, والآخذ مُجْبِرٌ, وإنما يأخذ الحق الذي فرض لله فيه؟

* * * فإن ظن ظانّ أن ذلك إنما هو نهي من الله القيِّمَ بأخذ ذلك من الرعاة عن التعدِّي في مال رب المال، والتجاوز إلى أخذ ما لم يُبَحْ له أخذه, فإن آخر الآية وهو قوله: وَلا تُسْرِفُوا ، معطوف على أوله، وهو قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده).

فإن كان المنهيَّ عن الإسراف القيِّمُ بقبض ذلك, فقد يجب أن يكون المأمورُ بإيتائه، (71) المنهيَّ عن الإسراف فيه, وهو السلطان .

وذلك قول إن قاله قائل, كان خارجًا من قول جميع أهل التأويل، ومخالفًا المعهود من الخطاب, وكفى بذلك شاهدًا على خطئه .

* * * فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معنى قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده) ، وآتوا حقه يوم كيله, لا يوم قصله وقطعه, (72) ولا يوم جداده وقطافه؟

فقد علمتَ مَنْ قال ذلك من أهل التأويل؟

وذلك ما:- 14035- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: يوم كيله .

14036- وحدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن الحجاج, عن سالم المكي, عن محمد بن الحنفية قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، قال: يوم كيله، يعطي العشر ونصف العشر .

(73) * * * = مع آخرين قد ذكرت الرواية فيما مضى عنهم بذلك؟

(74) قيل: لأن يوم كيله غير يوم حصاده .

ولن يخلو معنى قائلي هذا القول من أحد أمرين: إما أن يكونوا وجّهوا معنى " الحصاد "، إلى معنى " الكيل ", فذلك ما لا يعقل في كلام العرب، لأن " الحصاد " و " الحصد " في كلامهم: الجدّ والقطع, لا الكيل = أو يكونوا وجّهوا تأويل قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، إلى: وآتوا حقه بعد يوم حصاده إذا كلتموه ، فذلك خلاف ظاهر التنـزيل.

وذلك أن الأمر في ظاهر التنـزيل بإيتاء الحقّ منه يوم حصاده، لا بعد يوم حصاده .

ولا فرقَ بين قائلٍ: إنما عنى الله بقوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، بعد يوم حصاده= وآخرَ قال: عنى بذلك قبل يوم حصاده, لأنهما جميعًا قائلان قولا دليلُ ظاهر التنـزيل بخلافه .

* * * القول في تأويل قوله : وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في" الإسراف "، الذي نهى الله عنه بهذه الآية, ومن المنهيّ عنه .

فقال بعضهم: المنهيّ عنه: ربّ النخل والزرع والثمر= و " السرف " الذي نهى الله عنه في هذه الآية, مجاوزة القدر في العطِيّة إلى ما يجحف برب المال .

(75) * ذكر من قال ذلك: 14037- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، حدثنا عاصم, عن أبي العالية في قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا)، الآية, قال: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة, ثم تسارفوا, (76) فأنـزل الله: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) .

14038- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معتمر بن سليمان, عن عاصم الأحول, عن أبي العالية: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ، قال: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا سوى الزكاة, ثم تبارَوْا فيه، أسرفوا, (77) فقال الله: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) .

14039- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معتمر بن سليمان, عن عاصم الأحول, عن أبي العالية: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ، قال: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا, ثم تسارفوا, فقال الله: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) .

14040- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: نـزلت في ثابت بن قيس بن شماس, جَدَّ نخلا فقال: لا يأتين اليوم أحدٌ إلا أطعمته !

فأطعم، حتى أمسى وليست له ثمرة, فقال الله: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) .

14041- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: (ولا تسرفوا)، يقول: لا تسرفوا فيما يؤتى يوم الحصاد, أم في كل شيء؟

قال: بلى !

في كل شيء، ينهى عن السرف .

(78) قال: ثم عاودته بعد حين, فقلت: ما قوله: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) ؟

قال: ينهى عن السرف في كل شيء .

ثم تلا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ، [سورة الفرقان: 67] .

14042- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا سفيان بن حسين, عن أبي بشر قال: أطاف الناس بإياس بن معاوية بالكوفة, فسألوه: ما السَّرَف؟

فقال: ما دون أمرِ الله فهو سَرَف .

(79) 14043- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا تسرفوا)، لا تعطوا أموالكم فتغدوا فقراء .

* * * وقال آخرون: " الإسراف " الذي نهى الله عنه في هذا الموضع: منع الصدقة والحقّ الذي أمر الله ربَّ المال بإيتائه أهلَه بقوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ .

* ذكر من قال ذلك: 14044- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج قال، أخبرني أبو بكر بن عبد الله, عن عمرو بن سليم وغيره, عن سعيد بن المسيب في قوله: (ولا تسرفوا)، قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا .

(80) 14045- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا محمد بن الزبرقان قال، حدثنا موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، والسرف، أن لا يعطي في حق .

(81) * * * وقال آخرون: إنما خوطب بهذا السلطان.

نُهِى أن يأخذ من ربّ المال فوق الذي ألزم الله ماله .

* ذكر من قال ذلك .

14046- حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب, قال ابن زيد في قوله: (ولا تسرفوا)، قال: قال للسلطان: " لا تسرفوا ", لا تأخذوا بغير حق ، فكانت هذه الآية بين السلطان وبين الناس= يعني قوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ، الآية .

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى بقوله: (ولا تسرفوا)، عن جميع معاني" الإسراف ", ولم يخصص منها معنًى دون معنى .

وإذ كان ذلك كذلك, وكان " الإسراف " في كلام العرب: الإخطاء بإصابة الحق في العطية, إما بتجاوز حدّه في الزيادة، وإما بتقصير عن حدّه الواجب (82) = كان معلومًا أن المفرِّق مالَه مباراةً، والباذلَهُ للناس حتى أجحفت به عطيته, مسرفٌ بتجاوزه حدَّ الله إلى ما [ليس له].

(83) وكذلك المقصِّر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه, وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهلَ سُهْمَان الصدقة إذا وجبت فيه, أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها.

وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه .

كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون, داخلون في معنى مَنْ أتى ما نهى الله عنه من الإسراف بقوله: (ولا تسرفوا)، في عطيتكم من أموالكم ما يجحف بكم= إذ كان ما قبله من الكلام أمرًا من الله بإيتاء الواجب فيه أهله يوم حصاده.

فإنّ الآية قد كانت تنـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب خاصّ من الأمور، والحكم بها على العامّ, بل عامّة آي القرآن كذلك.

فكذلك قوله: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) .

ومن الدليل على صحة ما قلنا من معنى " الإسراف " أنه على ما قلنا، قول الشاعر: (84) أَعْطَــوا هُنَيْــدَةَ يَحْدُوهَـا ثَمَانِيَـةٌ مَـا فِـي عَطَـائِهِمُ مَـنٌّ وَلا سَـرَفُ (85) يعني بـ" السرف ": الخطأ في العطيّة .

(86) ------------------------ الهوامش : (34) انظر تفسير (( أنشأ )) فيما سلف ص : 128 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(35) انظر تفسير ((الجنة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جنن ) .

(36) انظر تفسير (( عرش )) فيما سلف 5 : 445 .

(37) انظر تفسير (( الأكل )) فيما سلف 5 : 538 .

(38) انظر تفسير (( متشابه )) فيما سلف 1 : 389 - 394 / 2 : 210 ، 211 / 6 : 173 / 11 : 578 .

(39) (( المز )) ( بضم الميم ) : ما كان طعمه بين الحلو والحامض ، يقال : (( شراب مز )) .

(40) الأثران : 13960 ، 13961 - (( أبو همام الأهوازي )) في الأثر الأول ، هو (( محمد بن الزبرقان )) ، في الأثر الثاني .

ثقة .

مضت ترجمته برقم : 877 .

(41) الأثر : 13965 - (( هانئ بن سعيد النخعي )) ، مضى برقم : 13159 .

((حجاج )) هو (( حجاج بن أرطأة )) ، مضى مرارًا .

(( محمد بن عبيد الله بن سعيد )) هو (( أبو عون الثقفي )) ، مضى برقم : 7595 .

(42) الأثر : 13966 - (( إبراهيم بن نافع المكي المخزومي )) ، مضى برقم : 4305 .

وأما (( ابن عباس ، عن أبيه )) ، فلا أدري ما هو ، وهو بلا شك ليس (( عبد الله بن عباس )) حبر الأمة .

وأخشى أن يكون الصواب : (( عن ابن طاوس ، عن أبيه )) .

(43) الأثر : 13967 - (( عبد الرحمن )) ، هو (( عبد الرحمن بن مهدي )) ، مضى مرارًا و (( أبو هلال )) هو : (( محمد بن سليم الراسبي البصري )) ، ثقة ، مضى برقم : 2996 ، 4681 .

و (( حيان الأعرج )) الجوفي ، البصري .

ثقة من أتباع التابعين .

روى عن جابر بن زيد .

روى عنه قتادة ، وابن جرجيج ، وسعيد بن أبي عروبة ، وغيرهم .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 246 .

(44) في المطبوعة : (( وما يلتقط )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(45) (( البعل )) ، من النبات ، ما شرب بعروقه من الأرض ، بغير سقي من سماء ولا غيرها .

(46) (( الأوسق )) جمع (( وسق )) ، وهو ستون صاعًا ، كما فسره بعد ، على اختلافهم في مقدار الصاع .

(47) الأثر : 13975 - (( سالم المكي )) ، هو (( سالم بن عبد الله الخياط )) ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 116 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 184 .

(48) في المطبوعة : (( يعطي من حصاده يومئذ )) ، وليس صوابًا ، وفي المخطوطة : (( يعطي من حصول يومئذ )) ، وصواب قراءتها ما أثبت ، وانظر الأثر التالي .

ويعني : مَنْ حضره من الناس والمساكين .

(49) في المطبوعة : (( حصده )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(( الحصاد )) و (( الحصيد )) ، (( الحصد )) ( بفتح الحاء والصاد ) ، هو من الزرع ، المحصود بعد ما يحصد .

(50) (( حثا له يحثو حثوا )) أعطاه شيئًا منه ملء الكف .

(51) في المطبوعة : (( جذاذ الأرض )) ( بالذال ) ، وهو خطأ محض .

(( جداد النخل )) ( بفتح الجيم ، وبكسرها ) : أوان صرامه ، وهو قطع ثمره .

و (( الثفاريق )) جمع (( ثفروق )) ، وهو قمع البسرة والتمرة التي تلزق بها .

ولم يرد هذا مجاهد ، بل أراد : العناقيد ، يخرط ما عليها ، فتبقى عليها الثمرة والثمرتان والثلاث ، يخطئها المخلب الذي تخرط به ، فتلقى للمساكين .

فكني بالثفاريق عن القليل الباقي في عنقوده وشمراخه .

(52) (( السؤال )) جمع (( سائل )) مثل (( جاهل )) و (( جهال )) .

(53) في المخطوطة : (( فإذا طبن أو طبن )) ، غير منقوطة ، وفي المطبوعة : (( فإذا طبن ، أو طين )) الأولى لاباء ، والثانية بالياء ، ولا معنى لهما .

وأخشى أن يكون الصواب ما أثبت ، يعني به ما يكون مع البر والقمح من الطين .

ولا أدري ذلك .

وفوق كل ذي علم عليم .

ولم أجد الخبر في مكان آخر .

وانظر رقم : 14000 ، وقوله : (( وإذا أدخله البيدر )) ، فكأنه يعني هذا .

(54) (( الكدس )) ( بضم فسكون ) ، هو كومة البر إذا جمع .

(55) في المطبوعة : (( الجذاذ )) بالذال ، وانظر التعليق السالف ص : 163 ، تعليق : 3 .

(56) (( جد النخل يجده جدادًا )) ، صرمه وقطعه .

وهي في المطبوعة بالذال ، كما سلف في التعليق السالف .

وسأصححه بعد بغير إشارة إلى الخطأ .

(57) في المطبوعة : (( وإذا جذوا )) ويعني (( وإذا جدوا )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صحيح المهنى .

(( حزر الطعام والنخل وغيره )) : إذا قدره بالحدس ، والحازر ، هو الخارص أيضًا ، (( خرصه )) : قدره بالحدس .

(58) (( البيدر )) : الموضع الذي يداس فيه الطعام .

(59) (( المعتر )) : الذي يطيف بك يطلب ما عندك ، سألك أو سكت عن السؤال .

(( عره يعره )) و (( اعتره )) و (( اعتر به )) ، أتاه يطلب معروفه .

(60) (( الضغث )) ( بكسر فسكون ) : ملء اليد من الحشيش المختلط ، وما أشبهه من البقول .

(61) كان هذا الإسناد في المطبوعة كما هو هنا إلا أنه كتب ...

(( عن أبي جعفر ، عن سفيان )) بغير (( واو العطف )) .

وكان فيها أيضًا (( قال )) بالإفراد وهو تغيير لما في المخطوطة .

أما في المخطوطة ، فكان بعد قوله فيها الإسناد السالف (( الضعث )) ، بياض أمامه حرف ( ط ) دلالة على أن الخطأ ، ثم بعد البياض : (( قال حدثنا أبي ، عن إسرائيل )) وسائر الإسناد كما كان في المطبوعة ، بغير واو عطف قبل (( عن سفيان )) ، ولكن كان فيها (( قالا )) بالتثنية .

وهذا إسناد مضطرب .

وزيادة (( حدثنا ابن وكيع )) مكان البياض ، صواب لا شك فيه ، كما كان في المطبوعة ، ولكن الخطأ في إسقاط الواو قبل (( عن سفيان )) .

فهما إسنادان كما بينتهما .

و (( إسرائيل )) هو (( إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق )) ، يروي ، عن (( جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي )) ، و (( أبو جعفر )) هو (( أبو جعفر الباقر )) فيما أرجح .

أما الإسناد الثاني ، فهو من حديث ابن وكيع ، عن أبيه ، عن سفيان ...

وكأن هذا هو الصواب إن شاء الله .

(62) في المطبوعة والمخطوطة : (( عن زيد )) ، والصواب أنه (( يزيد بن الأصم )) المذكور في الإسنادين السالفين .

(63) (( اللقط )) ( بفتح اللام والقاف ) ، و (( لقاط السنبل )) ( بضم اللام ، وبفتحها ) : هو الذي تخطئه المناجل فيلتقطه الناس ، أهو نثارة السنبل .

(64) الأثر : 14018 - (( محمد بن رفاعة بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي )) ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 82 ، وابن أبي حاتم 3 /2 / 254 .

(65) لعله (( يعطي القبضة )) ، فإنه هو الذي تدل عليه اللغة ، ولكن هكذا جاء في الموضعين ، وهو جائز على ضعف .

(66) الأثر : 14024 - 14025 - (( شباك الضبي )) الكوفي الأعمى .

روى عن إبراهيم النخعي ، والشعبي ، وأبي الضحى .

روى عنه مغيرة بن مقسم ، وفضيل بن غزوان ، ونهشل بن مجمع .

قال أحمد : (( شيخ ثقة )) .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 270 ، وانظر أيضًا رقم : 14027 ، 14030 ، 14031 .

(67) الأثر : 14024 - 14025 - (( شباك الضبي )) الكوفي الأعمى .

روى عن إبراهيم النخعي ، والشعبي ، وأبي الضحى .

روى عنه مغيرة بن مقسم ، وفضيل بن غزوان ، ونهشل بن مجمع .

قال أحمد : (( شيخ ثقة )) .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 270 ، وانظر أيضًا رقم : 14027 ، 14030 ، 14031 .

(68) (( رضخ له من ماله رضيخة )) ، إذا أعطاه منه العطية المقاربة ، القليلة .

(69) في المطبوعة : (( إلا بعد الجفاف )) غير ما في المخطوطة كل التغيير ، وكان فيها : (( إلا بعد الأحرار)) غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها .

يقال (( جز النخل والتمر )) و (( أجز النخل والتمر )) ، يبس تمره ، وحان أن يجز ، أي : أن يقطع ثمره ويصرم .

(70) انظر تفسير قوله : (( بربه آثمًا )) فيما سلف 4 : 530 ، تعليق : 3 / 6 : 92 ، تعليق : 2 / 11 : 180 ، تعليق 3 / 11 : 328 ، تعليق : 2 .

(71) في المطبوعة : (( بإتيانه )) ، وهو خطأ محض ، وهو في المخطوطة غير منقوط ، وذلك بيان لقوله : (( وآتوا حقه يوم حصاده )) .

(72) في المطبوعة والمخطوطة : (( يوم فصله )) بالفاء ، والصواب بالقاف .

(( قصل النبات يقصله قصلا ، واقتصله )) ، قطعه وهو أخضر .

(73) الأثر : 14036 - انظر ما سلف رقم : 13975 .

(74) انظر الآثار السالفة من أول تفسير الآية .

(75) انظر تفسير (( الإسراف )) فيما سلف 7 : 272 ، 579 /10 ، 579 / 10 : 242 .

(76) (( تسارفوا )) ، أي بالغوا في الإسراف وتباروا فيه ، وهذا من اشتقاق اللغة الذي لا تكاد تجده في المعاجم ، فقيده في مكانه .

(77) في المطبوعة : (( وأسرفوا )) بواو العطف ، وأثبت ما في المخطوطة ، هو صواب جيد .

(78) (( بلى )) انظر استعمال (( بلى )) في غير حجد سبقها ، فيما سلف 10 : 253 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(79) في المطبوعة : (( ما تجاوز أمر الله فهو سرف )) ، وهو مخالف لما في المخطوطة ، وكان فيها : (( ما وزه أمر الله فهو سرف )) ، والهاء مشبوكة في الزاي ، وفوق الكلمة حرف ( ط ) دلالة على الخطأ والشك .

والذي روى عن إياس بن معاوية هذا اللفظ أنه قال : (( الإسراف ما قصر به عن حق الله )) ( اللسان : سرف ) ، فصح عندي أن (( ما وزه )) هي (( ما دون أمر الله )) ، ليطابق ما نقل عن إياس اللفظ الآخر .

وإن كان أبو حيان في تفسيره 4 : 238 ، قد كتب : (( كل ما جاوزت فيه أمر الله فهو سرف )) ، وكذلك القرطبي في تفسيره 7 : 110 .

وروى هذا كما أثبته أو بمعناه ، عن معاوية رضي الله عنه .

(80) الأثر : 14044 - (( أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة القرشي العامري )) القاضي الفقيه ، وهو متروك ، قال أحمد : (( كان يضع الحديث ويكذب )) .

قال له ابن جريج : (( اكتب لي أحاديث من أحاديثك )) فكتب له .

قال الواقدي : (( فرأيت ابن جريج قد أدخل منها في كتبه .

وكان كثير الحديث ، وليس بحجة )) .

مترجم في التهذيب ، وميزان الاعتدال 3 : 348 .

و (( عمرو بن سليم بن خلدة الأنصاري الزرقي )) ، تابعي ثقة ، كان قليل الحديث .

مترجم في التهذيب .

(81) الأثر : 14045 - (( موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي )) ، ضعيف لا يكتب حديثه .

مضى مرارًا كثيرة آخرها : 11134 .

وكان في الإسناد هنا : (( محمد بن عبيدة )) ، في المخطوطة والمطبوعة ، وهو خطأ لا شك فيه ، فإن الذي يروي عنه (( محمد بن الزبرقان )) ، ويروي هو عن (( محمد بن كعب القرظي )) ، وهو (( موسى بن عبيدة )) ، وهو الصواب المحض - وقد مر مرارًا كتابة الناسخ (( محمد )) مكان (( موسى )) في غير هذا من الأسماء .

(82) انظر تفسير (( الإسراف )) فيما سلف 7 : 272 ، 579 / 10 : 242 (83) في المطبوعة : (( بتجاوزه حد الله إلى ما كيفته له )) ، ومثلها في المخطوطة ، غير المنقوطة ، ولا معنى لهما ، فطرحت هذه العبارة ، وكتبت ما بين القوسين ما يستقيم به الكلام بعض الاستقامة .

(84) هو جرير .

(85) مضى البيت الأول وتخريجه وشرحه فيما سلف 7 : 579 .

(86) عند هذا الموضع ، انتهى الجزء التاسع من مخطوطتنا

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفينفيه ثلاث وعشرون مسألة :الأولى : قوله تعالى أنشأ أي خلق جنات معروشات أي بساتين ممسوكات مرفوعات .وغير معروشات غير مرفوعات .

قال ابن عباس : معروشات : ما انبسط على الأرض مما يفرش مثل الكروم والزروع والبطيخ .

وغير معروشات ما قام على ساق مثل النخل وسائر الأشجار .

وقيل : المعروشات ما ارتفعت أشجارها .

وأصل التعريش الرفع .

وعن [ ص: 89 ] ابن عباس أيضا : المعروشات ما أثبته ورفعه الناس .

وغير المعروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمار .

يدل عليه قراءة علي رضي الله عنه ( مغروسات وغير مغروسات ) بالغين المعجمة والسين المهملة .الثانية : قوله تعالى والنخل والزرع أفردهما بالذكر وهما داخلان في الجنات لما فيهما من الفضيلة ; على ما تقدم بيانه في " البقرة " عند قوله : من كان عدوا لله وملائكته الآية .مختلفا أكله يعني طعمه ، منه الجيد والدون .

وسماه أكلا لأنه يؤكل .

وأكله مرفوع بالابتداء .

و مختلفا نعته ; ولكنه لما تقدم عليه وولي منصوبا نصب .

كما تقول : عندي طباخا غلام .

قال :الشر منتشر يلقاك عن عرض والصالحات عليها مغلقا بابوقيل : مختلفا نصب على الحال .

قال أبو إسحاق الزجاج : وهذه مسألة مشكلة من النحو ; لأنه يقال : قد أنشأها ، ولم يختلف أكلها وهو ثمرها ; فالجواب أن الله سبحانه أنشأها بقوله : خالق كل شيء فأعلم أنه أنشأها مختلفا أكلها ; أي أنه أنشأها مقدرا فيه الاختلاف ; وقد بين هذا سيبويه بقوله : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، على الحال ; كما تقول ; لتدخلن الدار آكلين شاربين ; أي مقدرين ذلك .

جواب ثالث : أي لما أنشأه كان مختلفا أكله ، على معنى أنه لو كان له لكان مختلفا أكله .

ولم يقل أكلهما ; لأنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما ; كقوله : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها أي إليهما .

وقد تقدم هذا المعنى .الثالثة : قوله تعالى والزيتون والرمان عطف عليه متشابها وغير متشابه نصب على الحال ، وقد تقدم القول فيه .

وفي هذه أدلة ثلاثة ; أحدها ما تقدم من قيام الدليل على أن المتغيرات لا بد لها من مغير .

الثاني على المنة منه سبحانه علينا ; فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاء ، وإذا خلقه ألا يكون جميل المنظر طيب الطعم ، وإذ خلقه كذلك ألا يكون سهل الجني ; فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء ; لأنه لا يجب عليه شيء .

الثالث على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها ، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراق ليست من جنسها ، وثمر خارج من صفته الجرم الوافر ، واللون الزاهر ، والجني الجديد ، والطعم اللذيذ ; فأين الطبائع وأجناسها ، وأين الفلاسفة وأناسها ، هل في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان ، أو ترتب هذا الترتيب العجيب !

[ ص: 90 ] كلا لا يتم ذلك في العقول إلا لحي عالم قدير مريد .

فسبحان من له في كل شيء آية ونهاية !

.ووجه اتصال هذا بما قبله أن الكفار لما افتروا على الله الكذب وأشركوا معه وحللوا وحرموا دلهم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء ، وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقا لهم .الرابعة قوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر فهذان بناءان جاءا بصيغة افعل ، أحدهما مباح كقوله : فانتشروا في الأرض والثاني واجب .

وليس يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب ، وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق ليبين أن الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف .الخامسة قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده اختلف الناس في تفسير هذا الحق ما هو ; فقال أنس بن مالك وابن عباس وطاوس والحسن وابن زيد وابن الحنفية والضحاك وسعيد بن المسيب : هي الزكاة المفروضة ، العشر ونصف العشر .

ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك في تفسير الآية ، وبه قال بعض أصحاب الشافعي .

وحكى الزجاج أن هذه الآية قيل فيها إنها نزلت بالمدينة .

وقال علي بن الحسين وعطاء والحكم وحماد وسعيد بن جبير ومجاهد : هو حق في المال سوى الزكاة ، أمر الله به ندبا .

وروي عن ابن عمر ومحمد ابن الحنفية أيضا ، ورواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال مجاهد : إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل ، وإذا جذذت فألق لهم من الشماريخ ، وإذا درسته ودسته وذريته فاطرح لهم منه ، وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته .

وقول ثالث : هو منسوخ بالزكاة ; لأن هذه السورة مكية وآية الزكاة لم تنزل إلا بالمدينة : خذ من أموالهم صدقة ، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة .

روي عن ابن عباس وابن الحنفية والحسن وعطية العوفي والنخعي [ ص: 91 ] وسعيد بن جبير .

وقال سفيان : سألت السدي عن هذه الآية فقال .

نسخها العشر ونصف العشر .

فقلت عمن ؟

فقال عن العلماء .السادسة : وقد تعلق أبو حنيفة بهذه الآية وبعموم ما في قوله عليه السلام : فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر في إيجاب الزكاة في كل ما تنبت الأرض طعاما كان أو غيره .

وقال أبو يوسف عنه : إلا الحطب والحشيش والقضب والتين والسعف وقصب الذريرة وقصب السكر .

وأباه الجمهور ، معولين على أن المقصود من الحديث بيان ما يؤخذ منه العشر وما يؤخذ منه نصف العشر .

قال أبو عمر : لا اختلاف بين العلماء فيما علمت أن الزكاة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب .

وقالت طائفة : لا زكاة في غيرها .

روي ذلك عن الحسن وابن سيرين والشعبي .

وقال به من الكوفيين ابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وابن المبارك و يحيى بن آدم ، وإليه ذهب أبو عبيد .

وروي ذلك عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو مذهب أبي موسى ، فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة والشعير والتمر والزبيب ; ذكره وكيع عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبيه .

وقال مالك وأصحابه : الزكاة واجبة في كل مقتات مدخر ; وبه قال الشافعي .

وقال الشافعي : إنما تجب الزكاة فيما ييبس ويدخر ويقتات مأكولا .

ولا شيء في الزيتون لأنه إدام .

وقال أبو ثور مثله .

وقال أحمد أقوالا أظهرها أن الزكاة إنما تجب في كل ما قاله أبو حنيفة إذا كان يوسق ; فأوجبها في اللوز لأنه مكيل دون الجوز لأنه معدود .

واحتج بقوله عليه السلام : ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر أو حب صدقة قال : فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن محل الواجب هو الوسق ، وبين المقدار الذي يجب إخراج الحق منه .

وذهب النخعي إلى أن الزكاة واجبة في كل ما أخرجته الأرض ، حتى في عشر دساتج من بقل دستجة بقل .

وقد اختلف عنه في ذلك ، وهو قول عمر بن عبد العزيز فإنه كتب أن يؤخذ مما تنبت الأرض من قليل أو كثير العشر ; ذكره عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل ، قال : كتب عمر .

.

.

; فذكره .

وهو قول حماد بن أبي سليمان وتلميذه أبي حنيفة .

وإلى هذا مال ابن العربي في أحكامه فقال : وأما أبو حنيفة [ ص: 92 ] فجعل الآية مرآته فأبصر الحق ، وأخذ يعضد مذهب الحنفي ويقويه .

وقال في كتاب " القبس بما عليه الإمام مالك بن أنس " فقال : قال الله تعالى : والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه .

واختلف الناس في وجوب الزكاة في جميع ما تضمنته أو بعضه ، وقد بينا ذلك في " الأحكام " لبابه أن الزكاة إنما تتعلق بالمقتات كما بينا دون الخضراوات ; وقد كان بالطائف الرمان والفرسك والأترج فما اعترضه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ذكره ولا أحد من خلفائه .

قلت : هذا وإن لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في المسألة ، وأن الخضراوات ليس فيها شيء .

وأما الآية فقد اختلف فيها ، هل هي محكمة أو منسوخة أو محمولة على الندب .

ولا قاطع يبين أحد محاملها ، بل القاطع المعلوم ما ذكره ابن بكير في أحكامه : أن الكوفة افتتحت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وبعد استقرار الأحكام في المدينة ، أفيجوز أن يتوهم متوهم أو من له أدنى بصيرة أن تكون شريعة مثل هذه عطلت فلم يعمل بها في دار الهجرة ومستقر الوحي ولا في خلافة أبي بكر ، حتى عمل بذلك الكوفيون ؟

إن هذه لمصيبة فيمن ظن هذا وقال به !

قلت : ومما يدل على هذا من معنى التنزيل قوله تعالى : ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته أتراه يكتم شيئا أمر بتبليغه أو ببيانه ؟

حاشاه عن ذلك وقال تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ومن كمال الدين كونه لم يأخذ من الخضراوات شيئا .

وقال جابر بن عبد الله فيما رواه الدارقطني : إن المقاثئ كانت تكون عندنا تخرج عشرة آلاف فلا يكون فيها شيء .

وقال الزهري والحسن : تزكى أثمان الخضر إذا بيعت وبلغ الثمن مائتي درهم ; وقاله الأوزاعي في ثمن الفواكه .

ولا حجة في قولهما لما ذكرنا .

وقد روى الترمذي عن معاذ أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي البقول فقال : ليس فيها شيء .

وقد روي هذا المعنى عن جابر وأنس وعلي [ ص: 93 ] ومحمد بن عبد الله بن جحش وأبي موسى وعائشة .

ذكر أحاديثهم الدارقطني رحمه الله .

قال الترمذي : ليس يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء .

واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة بحديث صالح بن موسى عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة .

قال أبو عمر : وهذا حديث لم يروه من ثقات أصحاب منصور أحد هكذا ، وإنما هو من قول إبراهيم .

قلت : وإذا سقط الاستدلال من جهة السنة لضعف أسانيدها فلم يبق إلا ما ذكرناه من تخصيص عموم الآية ، وعموم قوله عليه السلام : فيما سقت السماء العشر بما ذكرنا .

وقال أبو يوسف ومحمد : ليس في شيء من الخضر زكاة إلا ما كانت له ثمرة باقية ، سوى الزعفران ونحوه مما يوزن ففيه الزكاة .

وكانمحمد يعتبر في العصفر والكتان البزر ، فإذا بلغ بزرهما من القرطم والكتان خمسة أوسق كان العصفر والكتان تبعا للبزر ، وأخذ منه العشر أو نصف العشر .

وأما القطن فليس فيه عنده دون خمسة أحمال شيء ; والحمل ثلاثمائة من بالعراقي .

والورس والزعفران ليس فيما دون خمسة أمنان منها شيء .

فإذا بلغ أحدهما خمسة أمنان كانت فيه الصدقة ، عشرا أو نصف العشر .

وقال أبو يوسف : وكذلك قصب السكر الذي يكون منه السكر ، ويكون في أرض العشر دون أرض الخراج ، فيه ما في الزعفران .

وأوجب عبد الملك بن الماجشون الزكاة في أصول الثمار دون البقول .

وهذا خلاف ما عليه مالك وأصحابه ، لا زكاة عندهم لا في اللوز ولا في الجوز ولا في الجلوز وما كان مثلها ، وإن كان ذلك يدخر .

كما أنه لا زكاة عندهم في الإجاص ولا في التفاح ولا في الكمثرى ، ولا ما كان مثل ذلك كله مما لا ييبس ولا يدخر .

واختلفوا في التين ; والأشهر عند أهل المغرب ممن يذهب مذهب مالك أنه لا زكاة عندهم في التين .

إلا عبد الملك بن حبيب فإنه كان يرى فيه الزكاة على مذهب مالك ، قياسا على التمر والزبيب .

وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم البغداديين المالكيين ، إسماعيل بن إسحاق ومن اتبعه .

قال مالك في الموطأ : السنة التي لا اختلاف فيها عندنا ، والذي سمعته من أهل العلم ، أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة : الرمان والفرسك والتين وما أشبه ذلك .

وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه .

قال أبو عمر : فأدخل التين في هذا الباب ، وأظنه - والله أعلم - لم يعلم بأنه ييبس ويدخر ويقتات ، ولو علم ذلك ما أدخله في هذا الباب ; لأنه أشبه بالتمر والزبيب منه بالرمان .

وقد بلغني عن الأبهري وجماعة [ ص: 94 ] من أصحابه أنهم كانوا يفتون بالزكاة فيه ، ويرونه مذهب مالك على أصوله عندهم .

والتين مكيل يراعى فيه الخمسة الأوسق وما كان مثلها وزنا ، ويحكم في التين عندهم بحكم التمر والزبيب المجتمع عليهما .

وقال الشافعي : لا زكاة في شيء من الثمار غير التمر والعنب ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الصدقة منهما وكانا قوتا بالحجاز يدخر .

قال : وقد يدخر الجوز واللوز ولا زكاة فيهما ; لأنهما لم يكونا بالحجاز قوتا فيما علمت ، وإنما كانا فاكهة .

ولا زكاة في الزيتون ، لقوله تعالى : والزيتون والرمان .

فقرنه مع الرمان ، ولا زكاة فيه .

وأيضا فإن التين أنفع منه في القوت ولا زكاة فيه .

وللشافعي قول بزكاة الزيتون قاله بالعراق ، والأول قاله بمصر ; فاضطرب قول الشافعي في الزيتون ، ولم يختلف فيه قول مالك .

فدل على أن الآية محكمة عندهما غير منسوخة .

واتفقا جميعا على أن لا زكاة في الرمان ، وكان يلزمهما إيجاب الزكاة فيه .

قال أبو عمر : فإن كان الرمان خرج باتفاق فقد بان بذلك المراد بأن الآية ليست على عمومها ، وكان الضمير عائدا على بعض المذكور دون بعض .

والله أعلم .

قلت : بهذا استدل من أوجب العشر في الخضراوات فإنه تعالى قال : وآتوا حقه يوم حصاده والمذكور قبله الزيتون والرمان ، والمذكور عقيب جملة ينصرف إلى الأخير بلا خلاف ; قاله إلكيا الطبري .

وروي عن ابن عباس أنه قال : ما لقحت رمانة قط إلا بقطرة من ماء الجنة .

وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال : إذا أكلتم الرمانة فكلوها بشحمها فإنه دباغ المعدة .

وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق عن ابن عباس قال : لا تكسروا الرمانة من رأسها فإن فيها دودة يعتري منها الجذام .

وسيأتي منافع زيت الزيتون في سورة المؤمنون إن شاء الله تعالى .

وممن قال بوجوب زكاة الزيتون الزهري والأوزاعي والليث والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور .

قال الزهري والأوزاعي والليث : يخرص زيتونا ويؤخذ زيتا صافيا .

وقال مالك : لا يخرص ، ولكن يؤخذ العشر بعد أن يعصر ويبلغ كيله خمسة أوسق .

وقال أبو حنيفة والثوري : يؤخذ من حبه .السابعة قوله تعالى : يوم حصاده قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم حصاده بفتح الحاء ، والباقون بكسرها ، وهما لغتان مشهورتان ; ومثله الصرام والصرام والجذاذ والجذاذ والقطاف والقطاف واختلف العلماء في وقت الوجوب على ثلاثة أقوال : الأول : أنه وقت الجذاذ ; قاله محمد بن مسلمة ; لقوله تعالى : يوم حصاده .الثاني : يوم الطيب ; لأن ما قبل الطيب يكون علفا لا قوتا ولا طعاما ; فإذا طاب وحان [ ص: 95 ] الأكل الذي أنعم الله به وجب الحق الذي أمر الله به ، إذ بتمام النعمة يجب شكر النعمة ، ويكون الإيتاء وقت الحصاد لما قد وجب يوم الطيب .

الثالث : أنه يكون بعد تمام الخرص ; لأنه حينئذ يتحقق الواجب فيه من الزكاة فيكون شرطا لوجوبها .

أصله مجيء الساعي في الغنم ; وبه قال المغيرة .

والصحيح الأول لنص التنزيل .

والمشهور من المذهب : الثاني ، وبه قال الشافعي .

وفائدة الخلاف إذا مات بعد الطيب زكيت على ملكه ، أو قبل الخرص على ورثته .

وقال محمد بن مسلمة : إنما قدم الخرص توسعة على أرباب الثمار ، ولو قدم رجل زكاته بعد الخرص وقبل الجذاذ لم يجزه ; لأنه أخرجها قبل وجوبها .

وقد اختلف العلماء في القول بالخرص ، وهي :الثامنة : فكرهه الثوري ولم يجزه بحال ، وقال : الخرص غير مستعمل .

قال : وإنما على رب الحائط أن يؤدي عشر ما يصير في يده للمساكين إذا بلغ خمسة أوسق .

وروى الشيباني عن الشعبي أنه قال : الخرص اليوم بدعة .

والجمهور على خلاف هذا ، ثم اختلفوا فالمعظم على جوازه في النخل والعنب ; لحديث عتاب بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأمره أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ زكاة النخل تمرا .

رواه أبو داود .

وقال داود بن علي : الخرص للزكاة جائز في النخل ، وغير جائز في العنب ; ودفع حديث عتاب بن أسيد لأنه منقطع ولا يتصل من طريق صحيح ، قاله أبو محمد عبد الحق .التاسعة : وصفة الخرص أن يقدر ما على نخله رطبا ويقدر ما ينقص لو يتمر ، ثم يعتد بما بقي بعد النقص ويضيف بعض ذلك إلى بعض حتى يكمل الحائط ، وكذلك في العنب في كل دالية .العاشرة : ويكفي في الخرص الواحد كالحاكم .

فإذا كان في التمر زيادة على ما خرص لم يلزم رب الحائط الإخراج عنه ، لأنه حكم قد نفذ ; قاله عبد الوهاب .

وكذلك إذا نقص لم تنقص الزكاة .

قال الحسن : كان المسلمون يخرص عليهم ثم يؤخذ منهم على ذلك الخرص .الحادية عشرة : فإن استكثر رب الحائط الخرص خيره الخارص في أن يعطيه ما خرص وأخذ خرصه ; ذكره عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : خرص ابن رواحة أربعين ألف وسق ، وزعم أن اليهود لما خيرهم أخذوا التمر وأعطوه عشرين ألف وسق .

قال ابن جريج فقلت لعطاء : فحق على الخارص إذا استكثر سيد المال [ ص: 96 ] الخرص أن يخيره كما خير ابن رواحة اليهود ؟

قال : أي لعمري !

وأي سنة خير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .الثانية عشرة : ولا يكون الخرص إلا بعد الطيب ; لحديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث ابن رواحة إلى اليهود فيخرص عليهم النخل حين تطيب أول التمرة قبل أن يؤكل منها ، ثم يخير يهودا يأخذونها بذلك الخرص أو يدفعونها إليه .

وإنما كان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق .

أخرجه الدارقطني من حديث ابن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة .

قال : ورواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة ، وأرسله مالك ومعمر وعقيل عن الزهري عن سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم .الثالثة عشرة : فإذا خرص الخارص فحكمه أن يسقط من خرصه مقدارا ما ; لما رواه أبو داود والترمذي والبستي في صحيحه عن سهل بن أبي حثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع .

لفظ الترمذي .

قال أبو داود : الخارص يدع الثلث للخرفة : وكذا قال يحيى القطان .

وقال أبو حاتم البستي : لهذا الخبر صفتان : أحدهما أن يترك الثلث أو الربع من العشر ، والثاني أن يترك ذلك من نفس التمر قبل أن يعشر ، إذا كان ذلك حائطا كبيرا يحتمله .

الخرفة بضم الخاء : ما يخترف من النخل حين يدرك ثمره ، أي يجتنى .

يقال : التمر خرفة الصائم ; عن الجوهري والهروي .

والمشهور من مذهب مالك أنه لا يترك الخارص شيئا في حين خرصه من تمر النخل والعنب إلا خرصه .

وقد روى بعض المدنيين أنه يخفف في الخرص ويترك للعرايا والصلة ونحوها .الرابعة عشرة : فإن لحقت الثمرة جائحة بعد الخرص وقبل الجذاذ سقطت الزكاة عنه بإجماع من أهل العلم ، إلا أن يكون فيما بقي منه خمسة أوسق فصاعدا .الخامسة عشرة : ولا زكاة في أقل من خمسة أوسق ، كذا جاء مبينا عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وهو [ ص: 97 ] في الكتاب مجمل ، قال الله تعالى : ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض .

وقال تعالى : وآتوا حقه .

ثم وقع البيان بالعشر ونصف العشر .

ثم لما كان المقدار الذي إذا بلغه المال أخذ منه الحق مجملا بينه أيضا فقال : ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر أو حب صدقة وهو ينفي الصدقة في الخضراوات ، إذ ليست مما يوسق ; فمن حصل له خمسة أوسق في نصيبه من تمر أو حب وجبت عليه الزكاة ، وكذلك من زبيب ; وهو المسمى بالنصاب عند العلماء .

يقال : وسق ووسق " بكسر الواو وفتحها " وهو ستون صاعا ، والصاع أربعة أمداد ، والمد رطل وثلث بالبغدادي ومبلغ الخمسة الأوسق من الأمداد ألف مد ومائتا مد ، وهي بالوزن ألف رطل وستمائة رطل .السادسة عشرة : ومن حصل له من تمر وزبيب معا خمسة أوسق لم تلزمه الزكاة إجماعا ; لأنهما صنفان مختلفان .

وكذلك أجمعوا على أنه لا يضاف التمر إلى البر ولا البر إلى الزبيب ; ولا الإبل إلى البقر ، ولا البقر إلى الغنم .

ويضاف الضأن إلى المعز بإجماع .

واختلفوا في ضم البر إلى الشعير والسلت .السابعة عشرة : فأجازه مالك في هذه الثلاثة خاصة فقط ; لأنها في معنى الصنف الواحد لتقاربها في المنفعة واجتماعها في المنبت والمحصد ، وافتراقها في الاسم لا يوجب افتراقها في الحكم كالجواميس والبقر ، والمعز والغنم .

وقال الشافعي وغيره : لا يجمع بينها ; لأنها أصناف مختلفة ، وصفاتها متباينة ، وأسماؤها متغايرة ، وطعمها مختلف ; وذلك يوجب افتراقها .

والله أعلم .

قال مالك والقطاني : كلها صنف واحد ، يضم إلى بعض .

وقال الشافعي : لا تضم حبة عرفت باسم منفرد دون صاحبتها ، وهي خلافها مباينة في الخلقة والطعم إلى غيرها .

ويضم كل صنف بعضه إلى بعض ، رديئه إلى جيده ; كالتمر وأنواعه ، والزبيب أسوده وأحمره ، والحنطة وأنواعها من السمراء وغيرها .

وهو قول الثوري وأبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد أبي ثور .

وقال الليث : تضم الحبوب كلها : القطنية وغيرها بعضها إلى بعض في الزكاة .

وكان أحمد بن حنبل يجبن عن ضم الذهب إلى الورق ، وضم الحبوب بعضها إلى بعض ، ثم كان في آخر أمره يقول فيها بقول الشافعي .الثامنة عشرة : قال مالك : وما استهلكه منه ربه بعد بدو صلاحه أو بعدما أفرك حسب [ ص: 98 ] عليه ، وما أعطاه ربه منه في حصاده وجذاذه ، ومن الزيتون في التقاطه ، تحرى ذلك وحسب عليه .

وأكثر الفقهاء يخالفونه في ذلك ، ولا يوجبون الزكاة إلا فيما حصل في يده بعد الدرس .

قال الليث في زكاة الحبوب : يبدأ بها قبل النفقة ، وما أكل من فريك هو وأهله فلا يحسب عليه ، بمنزلة الرطب الذي يترك لأهل الحائط يأكلونه فلا يخرص عليهم .

وقال الشافعي : يترك الخارص لرب الحائط ما يأكله هو وأهله رطبا ، لا يخرصه عليهم .

وما أكله وهو رطب لم يحسب عليه .

قال أبو عمر : احتج الشافعي ومن وافقه بقول الله تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده .

واستدلوا على أنه لا يحتسب بالمأكول قبل الحصاد بهذه الآية .

واحتجوا بقوله عليه السلام : إذا خرصتم فدعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع .

وما أكلت الدواب والبقر منه عند الدرس لم يحسب منه شيء على صاحبه عند مالك وغيره .التاسعة عشرة : وما بيع من الفول والحمص والجلبان أخضر ; تحرى مقدار ذلك يابسا وأخرجت زكاته حبا .

وكذا ما بيع من الثمر أخضر اعتبر وتوخي وخرص يابسا وأخرجت زكاته على ذلك الخرص زبيبا وتمرا .

وقيل : يخرج من ثمنه .الموفية عشرين : وأما ما لا يتتمر من ثمر النخل ولا يتزبب من العنب كعنب مصر وبلحها ، وكذلك زيتونها الذي لا يعصر ، فقال مالك : تخرج زكاته من ثمنه ، لا يكلف غير ذلك صاحبه ، ولا يراعى فيه بلوغ ثمنه عشرين مثقالا أو مائتي درهم ، وإنما ينظر إلى ما يرى أنه يبلغه خمسة أوسق فأكثر .

وقال الشافعي : يخرج عشره أو نصف عشره من وسطه تمرا إذا أكله أهله رطبا أو أطعموه .الحادية والعشرون : روى أبو داود عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى عليه وسلم : فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر ، وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر وكذلك إن كان يشرب سيحا فيه العشر .

وهو الماء الجاري على وجه الأرض ; قاله ابن السكيت .

ولفظ السيح مذكور في الحديث ، خرجه النسائي .

فإن كان يشرب بالسيح لكن رب الأرض لا يملك ماء وإنما يكتريه له فهو كالسماء ; على المشهور من المذهب .

ورأى أبو الحسن اللخمي أنه كالنضح ; فلو سقي مرة بماء السماء ومرة بدالية ; فقال مالك : ينظر إلى ما [ ص: 99 ] تم به الزرع وحيي وكان أكثر ; فيتعلق الحكم عليه .

هذه رواية ابن القاسم عنه .

وروى عنه ابن وهب : إذا سقي نصف سنة بالعيون ثم انقطع فسقي بقية السنة بالناضح فإن عليه نصف زكاته عشرا ، والنصف الآخر نصف العشر .

وقال مرة : زكاته بالذي تمت به حياته .

وقال الشافعي : يزكي كل واحد منهما بحسابه .

مثاله أن يشرب شهرين بالنضح وأربعة بالسماء ; فيكون فيه ثلثا العشر لماء السماء وسدس العشر للنضح !

وهكذا ما زاد ونقص بحسابه .

وبهذا كان يفتي بكار بن قتيبة .

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : ينظر إلى الأغلب فيزكى ، ولا يلتفت إلى ما سوى ذلك .

وروي عن الشافعي .

قال الطحاوي : قد اتفق الجميع على أنه لو سقاه بماء المطر يوما أو يومين أنه لا اعتبار به ، ولا يجعل لذلك حصة ; فدل على أن الاعتبار بالأغلب ، والله أعلم .قلت : فهذه جملة من أحكام هذه الآية ، ولعل غيرنا يأتي بأكثر منها على ما يفتح الله له .

وقد مضى في " البقرة " جملة من معنى هذه الآية ، والحمد لله .الثانية والعشرون : وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ليس في حب ولا تمر صدقة فخرجه النسائي .

قال حمزة الكناني : لم يذكر في هذا الحديث " في حب " غير إسماعيل بن أمية ، وهو ثقة قرشي من ولد سعيد بن العاص .

قال : وهذه السنة لم يروها أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه غير أبي سعيد الخدري .

قال أبو عمر : هو كما قال حمزة ، وهذه سنة جليلة تلقاها الجميع بالقبول ، ولم يروها أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت محفوظ غير أبي سعيد .

وقد روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، ولكنه غريب ، وقد وجدناه من حديث أبي هريرة بإسناد حسن .الثالثة والعشرون : قوله تعالى ولا تسرفوا الإسراف في اللغة الخطأ .

وقال أعرابي أراد قوما : طلبتكم فسرفتكم ; أي أخطأت موضعكم .

وقال الشاعر :وقال قائلهم والخيل تخبطهم أسرفتم فأجبنا أننا سرفوالإسراف في النفقة : التبذير .

ومسرف لقب مسلم بن عقبة المري صاحب وقعة الحرة ; لأنه قد أسرف فيها .

قال علي بن عبد الله بن العباس :هم منعوا ذماري يوم جاءت كتائب مسرف وبني اللكيعهوالمعنى المقصود من الآية : لا تأخذوا الشيء بغير حقه ثم تضعوه في غير حقه ; قاله أصبغ بن الفرج .

ونحوه قول إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف .

وقال ابن زيد : هو خطاب للولاة ، يقول : لا تأخذوا فوق حقكم وما لا يجب على الناس .

والمعنيان [ ص: 100 ] يحتملهما قوله عليه السلام : المعتدي في الصدقة كمانعها .

وقال مجاهد : لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفا ، ولو أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان مسرفا .

وفي هذا المعنى قيل لحاتم : لا خير في السرف ; فقال : لا سرف في الخير .قلت : وهذا ضعيف ; يرده ما روى ابن عباس أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ثم قسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا ; فنزلت ولا تسرفوا أي لا تعطوا كله .

وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال : جذ معاذ بن جبل نخله فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شيء : فنزل ولا تسرفوا .

قال السدي : ولا تسرفوا أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء .

وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله تعالى : ولا تسرفوا قال : الإسراف ما قصرت عن حق الله تعالى .

قلت : فعلى هذا تكون الصدقة بجميع المال ومنه إخراج حق المساكين داخلين في حكم السرف ، والعدل خلاف هذا ; فيتصدق ويبقي كما قال عليه السلام : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى إلا أن يكون قوي النفس غنيا بالله متوكلا عليه منفردا لا عيال له ، فله أن يتصدق بجميع ماله ، وكذلك يخرج الحق الواجب عليه من زكاة وما يعن في بعض الأحوال من الحقوق المتعينة في المال .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الإسراف ما لم يقدر على رده إلى الصلاح .

والسرف ما يقدر على رده إلى الصلاح .

وقال النضر بن شميل : الإسراف التبذير والإفراط ، والسرف الغفلة والجهل .

قال جرير :أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما في عطائهم من ولا سرفأي إغفال ، ويقال : خطأ .

ورجل سرف الفؤاد ، أي مخطئ الفؤاد غافله .

قال طرفة :إن امرأ سرف الفؤاد يرى عسلا بماء سحابة شتمي

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى تصرف المشركين في كثير مما أحله الله لهم من الحروث والأنعام، ذكر تبارك وتعالى نعمته عليهم بذلك، ووظيفتهم اللازمة عليهم في الحروث والأنعام فقال: { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ } أي: بساتين، فيها أنواع الأشجار المتنوعة، والنباتات المختلفة.

{ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } أي: بعض تلك الجنات، مجعول لها عرش، تنتشر عليه الأشجار، ويعاونها في النهوض عن الأرض.

وبعضها خال من العروش، تنبت على ساق، أو تنفرش في الأرض، وفي هذا تنبيه على كثرة منافعها، وخيراتها، وأنه تعالى، علم العباد كيف يعرشونها، وينمونها.

{ وَ } أنشأ تعالى { النخل وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } أي: كله في محل واحد، ويشرب من ماء واحد، ويفضل الله بعضه على بعض في الأكل.

وخص تعالى النخل والزرع على اختلاف أنواعه لكثرة منافعها، ولكونها هي القوت لأكثر الخلق.

{ وَ } أنشأ تعالى { الزيتون وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا } في شجره { وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } في ثمره وطعمه.

كأنه قيل: لأي شيء أنشأ الله هذه الجنات، وما عطف عليها؟

فأخبر أنه أنشأها لمنافع العباد فقال: { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ } أي: النخل والزرع { إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } أي: أعطوا حق الزرع، وهو الزكاة ذات الأنصباء المقدرة في الشرع، أمرهم أن يعطوها يوم حصادها، وذلك لأن حصاد الزرع بمنزلة حولان الحول، لأنه الوقت الذي تتشوف إليه نفوس الفقراء، ويسهل حينئذ إخراجه على أهل الزرع، ويكون الأمر فيها ظاهرا لمن أخرجها، حتى يتميز المخرج ممن لا يخرج.

وقوله: { وَلَا تُسْرِفُوا } يعم النهي عن الإسراف في الأكل، وهو مجاوزة الحد والعادة، وأن يأكل صاحب الزرع أكلا يضر بالزكاة، والإسراف في إخراج حق الزرع بحيث يخرج فوق الواجب عليه، ويضر نفسه أو عائلته أو غرماءه، فكل هذا من الإسراف الذي نهى الله عنه، الذي لا يحبه الله بل يبغضه ويمقت عليه.

وفي هذه الآية دليل على وجوب الزكاة في الثمار، وأنه لا حول لها، بل حولها حصادها في الزروع، وجذاذ النخيل، وأنه لا تتكرر فها الزكاة، لو مكثت عند العبد أحوالا كثيرة، إذا كانت لغير التجارة، لأن الله لم يأمر بالإخراج منه إلا وقت حصاده.

وأنه لو أصابها آفة قبل ذلك بغير تفريط من صاحب الزرع والثمر، أنه لا يضمنها، وأنه يجوز الأكل من النخل والزرع قبل إخراج الزكاة منه، وأنه لا يحسب ذلك من الزكاة، بل يزكي المال الذي يبقى بعده.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يبعث خارصا، يخرص للناس ثمارهم، ويأمره أن يدع لأهلها الثلث، أو الربع، بحسب ما يعتريها من الأكل وغيره، من أهلها، وغيرهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وهو الذي أنشأ ) ابتدع .

( جنات ) بساتين ، ( معروشات وغير معروشات ) أي : مسموكات مرفوعات وغير مرفوعات ، وقال ابن عباس : معروشات : ما انبسط على وجه الأرض وانتشر مما يعرش ، مثل : الكرم والقرع والبطيخ وغيرها ، وغير معروشات : ما قام على ساق وبسق ، مثل النخل والزرع وسائر الأشجار .

وقال الضحاك : كلاهما ، الكرم خاصة ، منها ما عرش ومنها ما لم يعرش .

( والنخل والزرع ) أي : وأنشأ النخل والزرع ، ( مختلفا أكله ) ثمره وطعمه منها الحلو والحامض والجيد والرديء ، ( والزيتون والرمان متشابها ) في المنظر ، ( وغير متشابه ) في المطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف ، ( كلوا من ثمره إذا أثمر ) هذا أمر إباحة .

( وآتوا حقه يوم حصاده ) قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم ( حصاده ) بفتح الحاء ، وقرأ الآخرون بكسرها ومعناهما واحد ، كالصرام والصرام والجزاز والجزاز .

واختلفوا في هذا الحق : فقال ابن عباس وطاوس والحسن وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب : إنها الزكاة المفروضة من العشر ونصف العشر .

وقال علي بن الحسين وعطاء ومجاهد وحماد والحكم : هو حق في المال سوى الزكاة ، أمر بإتيانه ، لأن الآية مكية وفرضت الزكاة بالمدينة .

قال إبراهيم : هو الضغث .

وقال الربيع : لقاط السنبل .

وقال مجاهد : كانوا يعلقون العذق عند الصرام فيأكل منه من مر .

وقال يزيد بن الأصم : كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعذق فيعلقونه في جانب المسجد ، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه فيأخذه .

وقال سعيد بن جبير : كان هذا حقا يؤمر بإتيانه في ابتداء الإسلام فصار منسوخا بإيجاب العشر .

وقال مقسم عن ابن عباس : نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن .

( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) قيل : أراد بالإسراف إعطاء الكل .

قال ابن عباس في رواية الكلبي : إن ثابت بن قيس بن شماس صرم خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا ، فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية .

قال السدي : لا تسرفوا أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء .

قال الزجاج : على هذا إذا أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف ، لأنه قد جاء في الخبر " ابدأ بمن تعول " .

وقال سعيد بن المسيب : معناه لا تمنعوا الصدقة .

فتأويل الآية على هذا : لا تتجاوز الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة .

وقال مقاتل : لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام .

وقال الزهري : لا تنفقوا في المعصية ، وقال مجاهد : الإسراف ما قصرت به عن حق الله - عز وجل - ، وقال : لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفا ولو أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان مسرفا .

وقال إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف .

وروى ابن وهب عن أبي زيد .

قال : الخطاب للسلاطين ، يقول : لا تأخذوا فوق حقكم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهو الذي أنشأ» خلق «جنات» بساتين «معروشات» مبسوطات على الأرض كالبطيخ «وغير معروشات» بأن ارتفعت على ساق كالنخل «و» أنشأ «النخل والزرع مختلفا أكلُهُ» ثمره وحبه في الهيئة والطعم «والزيتون والرمان متشابها» ورقهما حال «وغير متشابه» طعمهما «كلوا من ثمره إذا أثمر» قبل النضج «وآتوا حقه» زكاته «يوم حصاده» بالفتح والكسر من العشر أو نصفه «ولا تُسرفوا» بإعطاء كله فلا يبقى لعيالكم شيء «إنه لا يحب المسرفين» المتجاوزين ما حدَّ لهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله سبحانه وتعالى هو الذي أوجد لكم بساتين: منها ما هو مرفوع عن الأرض كالأعناب، ومنها ما هو غير مرفوع، ولكنه قائم على سوقه كالنخل والزرع، متنوعًا طعمه، والزيتون والرمان متشابهًا منظره، ومختلفًا ثمره وطعمه.

كلوا -أيها الناس- مِن ثمره إذا أثمر، وأعطوا زكاته المفروضة عليكم يوم حصاده وقطافه، ولا تتجاوزوا حدود الاعتدال في إخراج المال وأكل الطعام وغير ذلك.

إنه تعالى لا يحب المتجاوزين حدوده بإنفاق المال في غير وجهه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أنه هو الخالق لكل شىء من الزروع والثمار والأنعام التى تصرف فيها المشركون بآرائهم الفاسدة ، وأن من الواجب عليهم أن يستعملوا نعم الله فيما خلقت لهم فقال - تعالى - : { وَهُوَ الذي أَنشَأَ .

.

.

.

} .قوله - تعالى - { وَهُوَ الذي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } .أنشأ : أى أوجد وخلق .

والجنات : البساتين والكروم المتلفة الأشجار .ومعروشات : أصل العرش فى اللغة شىء مسقف يجعل عليه الكرم وجمعه عروش ، يقال عرشت الكرم أعرشه عرشاً من بابى - ضرب ونصر - ، وعرشته تعريشاً إذا جعلته كهيئة السقف .

فالمادة تدل على الرفع ومنها عرش الملك .

قال ابن عباس : المعروشات .

ما انبسط على الأرض وانبسط من الزروع مما يحتاج إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه ، كالكرم والبطيخ والقرع ونحو ذلك .

وغير المعروشات ما قام على ساق واستغنى باستوائه وقوة ساقه عن التعريش كالنخل والشجر .وقيل المعروشات وغي المعروشات كلاهما فى الكرم خاصة ، لأن منه ما يعرش ومنه مالا يعرش بل يبقى على وجه الأرض منبسطا .وقيل المعروشات ما غرسه الناس فى البساتين واهتمووا به فعرشوه من كرم أو غيره ، وغير المعروشات .

هو ما أنبته الله فى البرارى والجبال من كرم وشجر .أى : وهو - سبحانه - الذى أوجد لكم هذه البساتين المختلفة التى منها المرفوعات عن الأرض ، ومنها غير المرفوعات عنها ، فخصوه وحده بالعبادة والخضوع .وقوله : { والنخل والزرع مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ } عطف على جنات ، أى : أنشأ جنات ، وأنشأ النخل والزرع ، والمراد بالزرع جميع الحبوب التى يقتات بها .وإنما أفردها مع أنهما داخلان فى الجنات لما فيهما من الفضيلة على سائر ما ينبت فى الجنات .و { مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ } أى ، ثمره وحبه فى اللون والطعم والحجم والرائحة .والضمير فى أكله راجع إلى كل واحد منهما ، أى : النخل والزرع والمراد بالأكل المأكول أى ، مختلف المأكول فى كل منهما فى الهيئة والطعم .قال الجمل : وجملة .

{ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ } حال مقدرة ، لأن النخل والزرع وقت خروجه لا أكل منه حتى يكون مختلفا أو متفقا ، فهو مثل قولهم : مررت برجل معه صقر صائداً له غدا " .وقوله : { والزيتون والرمان مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } أى : وأنشأ الزيتون والرمان متشابها فى المنظر وغير متشابه فى الطعم أو متشابها بعض أفرادها فى اللون أو الطعم أو الهيئة " وغير متشابه فى بعضها .قال القرطبى : وفيه ألدة ثلاثة .أحدها : ما تقدم من قيام الدليل على أن المتغيرات لا بد لها من مغير .الثانى : على المنة منه - سبحانه - علينا ، فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاء ، وإذا خلقه ألا يكون جميل المنظر طيب الطعم ، وإذ خلقه كذلك ألا يكون سهل الجنى ، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء ، لأنه لا يجب عليه شىء .الثالث : على القدرة فى أن يكون الماء الذى من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها ، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأت فيها أوراق ليست من جنسها ، وثمر خارج من صفته : الجرم الوافر ، واللون الزاهر ، والجنى الجديد ، والطعم اللذيذ ، فأين الطبائع وأجناسها وأي الفلاسفة وأسسها ، هل هى فى قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان أو ترتب هذا الترتيب العجيب .كلا ، لا يتم ذلك فى العقول إلا لحى قادر عالم مريد ، فسبحان من له فى كل شىء آية ونهاية .ووجه اتصال هذا بما قبله أن الكفار لما افتروا على الله الكذب .

وأشركوا معه وحللوا وحرموا دلهم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء ، وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقا لهم " .ثم ذكر - سب-انه - المقصود من خلق هذه الأشياء فقال : { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ } أى : كلوا من ثمر تلك الزروع والأشجار التى أنشأناها لكم ، شاكرين الله على ذلك .

والأمر للإباحة .

وفائدة التقييد بقوله { إِذَآ أَثْمَرَ } إباحة الأكل قبل النضوج والإدراك .وقيل فائدته : الترخيص للمالك فى الأكل من قبل أداء حق الله - تعالى - لأنه لما أوجب الحق فيه ربما يتبادر إلى الأذهان أنه يحرم على المالك تناول شىء منه لمكان شركة المساكين له فيه ، فأباح الله له هذا الأكل .ثم أمرهم - سبحانه - بأداء حقوق الفقراء والمحتاجين مما رزقهم فقال : { وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } أى ، كلوا من ثمر ما أنشأنا لكم ، وأدوا حق الله فيه للفقراء والمحتاجين يوم حصاده .ويرى بعض العلماء أن المراد بهذا الحق الصدقة بوجه عام على المستحقين لها ، بأن يوزع صاحب الزرع منه عند حصاده على المساكين والبائسين ما يسد حاجتهم بدون إسراف أو تقتير .وأصحاب هذا الراى فسروا هذا الحق بالصدقة الواجبة من غير تحديد للمقدار وليس بالزكاة المفروضة لأن الآية مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة .وهم يرون أن هذا الحق لم ينسخ بالزكاة المفروضة ، بل على صاحب الزرع أن يطعم منه المحتاجين عند حصاده .ويرى بعض آخر من العلماء أن المراد بهذا الحق ما فصلته السنة النبوية من الزكاة المفروضة وهذه الآية مدنية وإن كانت السورة مكية .ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح ، لأنه لا دليل على أن هذه الآية مدنية ولأن فرضية الزكاة لا تمنع إعطاء الصدقات ، وفى الأمر بإيتاء هذا الحق يوم الحصاد ، مبالغة فى العزم على المبادرة إليه .والمعنى : اعزموا على إيتاء هذا الحق واقصدوه ، واهتموا به يوم الحصاد حتى لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء .وقيل : إنما ذكر وقت الحصاد تخفيفاً على أصحاب الزروع حتى لا يحسب عليهم ما أكل قبله .ثم ختمت الآية بالنهى عن الإسراف فقالت ، { وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } .

أى لا تسرفوا فى أكلكم قبل الحصاد ولا فى صدقاتكم ولا فى أى شأن من شئونكم ، لأنه - سبحانه - لا يحب المسرفين .وقال ابن جريج ، نزلت فى ثبات بن قيس ، قطع نخلا له فقال .

لا يأتينى اليوم أحد إلا أطعمته ، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة ، فنزلت هذه الآية .وقال عطاء ، نهوا عن السرف فى كل شىء .وقال إياس بن معاوية ، ما جاوزت به أمر الله هو سرف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى جعل مدار هذا الكتاب الشريف على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر، وأنه تعالى بالغ في تقرير هذه الأصول، وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة من أنكر البعث والقيامة، ثم أتبعه بحكاية أقوالهم الركيكة، وكلماتهم الفاسدة في مسائل أربعة.

والمقصود التنبيه على ضعف عقولهم، وقلة محصولهم، وتنفير الناس عن الالتفات إلى قولهم، والاغترار بشبهاتهم فلما تمم هذه الأشياء عاد بعدها إلى ما هو المقصود الأصلي، وهو إقامة الدلائل على تقرير التوحيد فقال: ﴿ وَهُوَ الذي أَنشَأَ جنات معروشات ﴾ .

واعلم أنه قد سبق ذكر هذا الدليل في هذه السورة، وهو قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون  ﴾ فالآية المتقدمة ذكر تعالى فيها خمسة أنواع، وهي: الزرع والنخل، وجنات من أعناب والزيتون والرمان، وفي هذه الآية التي نحن في تفسيرها ذكر هذه الخمسة بأعيانها لكن على خلاف ذلك الترتيب لأنه ذكر العنب، ثم النخل، ثم الزرع، ثم الزيتون ثم الرمان وذكر في الآية المتقدمة ﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه ﴾ وفي هذه الآية ﴿ متشابها وَغَيْرَ متشابه ﴾ ثم ذكر في الآية المتقدمة ﴿ انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ﴾ فأمر تعالى هناك بالنظر في أحوالها والاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم، وذكر في هذه الآية ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ فأذن في الانتفاع بها، وأمر بصرف جزء منها إلى الفقراء، فالذي حصل به الامتياز بين الآيتين أن هناك أمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم وهاهنا أذن في الانتفاع بها، وذلك تنبيه على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم مقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الاستدلال بها سعادة روحانية أبدية والحاصل من الانتفاع بهذه سعادة جسمانية سريعة الانقضاء، والأول أولى بالتقديم، فلهذا السبب قدم الله تعالى الأمر بالاستدلال بها على الإذن بالانتفاع بها.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَهُوَ الذي أَنشَأَ ﴾ أي خلق، يقال: نشأ الشيء ينشأ نشأة ونشاءة إذا ظهر وارتفع والله ينشئه إنشاء أي يظهره ويرفعه وقوله: ﴿ جنات معروشات ﴾ يقال عرشت الكرم أعرشه عرشاً وعرشته تعريشاً، إذا عطفت العيدان التي يرسل عليها قضبان الكرم، والواحد عرش، والجمع عروش، ويقال: عريش وجمعه عرش، واعترش العنب العريش اعتراشاً إذا علاه.

إذا عرفت هذا فنقول: في قوله: ﴿ معروشات وَغَيْرَ معروشات ﴾ أقوال: الأول: أن المعروشات وغير المعروشات كلاهما الكرم، فإن بعض الأعناب يعرش وبعضها لا يعرش، بل يبقى على وجه الأرض منبسطاً.

والثاني: المعروشات العنب الذي يجعل لها عروش، وغير المعروشات كل ما ينبت منبسطاً على وجه الأرض مثل القرع والبطيخ.

والثالث: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه، وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير المعروش هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وذهابه علواً لقوة ساقه عن التعريش.

والرابع: المعروشات ما يحصل في البساتين والعمرانات مما يغرسه الناس واهتموا به فعرشوه ﴿ وَغَيْرَ معروشات ﴾ مما أنبته الله تعالى وحشياً في البراري والجبال فهو غير معروش وقوله: ﴿ والنخل والزرع ﴾ فسر ابن عباس ﴿ الزرع ﴾ هاهنا بجميع الحبوب التي يقتات بها ﴿ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ ﴾ أي لكل شيء منها طعم غير طعم الآخر ﴿ والأكل ﴾ كل ما أكل، وهاهنا المراد ثمر النخل والزرع، ومضى القول في ﴿ الأكل ﴾ عند قوله: ﴿ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ  ﴾ وقوله: ﴿ مُخْتَلِفًا ﴾ نصب على الحال أي أنشأه في حال اختلاف أكله، وهو قد أنشأه من قبل ظهور أكله وأكل ثمره.

الجواب: أنه تعالى أنشأها حال اختلاف ثمرها وصدق هذا لا ينافي صدق أنه تعالى أنشأها قبل ذلك أيضاً وأيضاً نصب على الحال مع أنه يؤكل بعد ذلك بزمان، لأن اختلاف أكله مقدر كما تقول: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً، أي مقدراً للصيد به غداً.

وقرأ ابن كثير ونافع ﴿ أَكَلَهُ ﴾ بتخفيف الكاف والباقون ﴿ أَكَلَهُ ﴾ في كل القرآن وأما توحيد الضمير في قوله: ﴿ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ ﴾ فالسبب فيه: أنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعاً كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا  ﴾ والمعنى: إليهما وقوله: ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ متشابها وَغَيْرَ متشابه ﴾ فقد سبق تفسيره في الآية المتقدمة.

ثم قال تعالى: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾ وفيه مباحث.

البحث الأول: أنه تعالى لما ذكر كيفية خلقه لهذه الأشياء ذكر ما هو المقصود الأصلي من خلقها، وهو انتفاع المكلفين بها، فقال: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ ﴾ واختلفوا ما الفائدة منه؟

فقال بعضهم: الإباحة.

وقال آخرون: بل المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه، كان يجوز أن يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المساكين فيه، بل هذا هو الظاهر فأباح تعالى هذا الأكل، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعاً من هذا التصرف.

وقال بعضهم: بل أباح تعالى ذلك ليبين أن المقصد بخلق هذه النعم إما الأكل وإما التصدق، وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق، لأن رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير.

قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ  ﴾ .

البحث الثاني: تمسك بعضهم بقوله: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾ بأن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق، لأن قوله: ﴿ كُلُواْ ﴾ خطاب عام يتناول الكل، فصار هذا جارياً مجرى قوله تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً  ﴾ وأيضاً يمكن التمسك به على أن الأصل عدم وجوب الصدقة، وأن من ادعى إيجابه كان هو المحتاج إلى الدليل، فيتمسك به في أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر، لا يلزمه قضاء ما مضى، وفي أن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام.

البحث الثالث: قوله: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ ﴾ يدل على أن صيغة الأمر قد ترد في غير موضع الوجوب وفي غير موضع الندب، وعند هذا قال بعضهم: الأصل في الاستعمال الحقيقة، فوجب جعل هذه الصيغة مفيدة لرفع الحجر، فلهذا قالوا: الأمر مقتضاه الإباحة، إلا أنا نقول: نعلم بالضرورة من لغة العرب أن هذه الصيغة تفيد ترجيح جانب الفعل، وأن حملها على الإباحة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل.

أما قوله تعالى: ﴿ وآتو حقه يوم حصاده ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: قرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم ﴿ حَصَادِهِ ﴾ بفتح الحاء والباقون بكسر الحاء قال الواحدي: قال جميع أهل اللغة يقال: حصاد وحصاد، وجداد وجداد، وقطاف وقطاف، وجذاذ وجذاذ، وقال سيبويه جاؤا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال، وربما قالوا فيه فعال.

البحث الثاني: في تفسير قوله: ﴿ وآتو حقه ﴾ ثلاثة أقوال.

القول الأول: قال ابن عباس في رواية عطاء يريد به العشر فيما سقت السماء، ونصف العشر فيما سقي بالدواليب، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك.

فإن قالوا: كيف يؤدي الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل؟

وأيضاً هذه السورة مكية، وإيجاب الزكاة مدني.

قلنا: لما تعذر إجراء قوله: ﴿ وآتو حقه ﴾ على ظاهره بالدليل الذي ذكرتم لا جرم حلمناه على تعلق حق الزكاة به في ذلك الوقت، والمعنى: اعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء.

والجواب عن السؤال الثاني: لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة في مكة، بل لا نزاع أن الآية المدنية وردت بإيجابها، إلا أن ذلك لا يمنع أنها كانت واجبة بمكة.

وقيل أيضاً: هذه الآية مدنية.

والقول الثاني: أن هذا حق في المال سوى الزكاة.

وقال مجاهد: إذا حصدت فحضرت المساكين فاطرح لهم منه، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا كربلته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته.

والقول الثالث: أن هذا كان قبل وجوب الزكاة، فلما فرضت الزكاة نسخ هذا، وهذا قول سعيد بن جبير، والأصح هو القول الأول، والدليل عليه أن قوله تعالى: ﴿ وآتوا حقه ﴾ إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية لئلا تبقى هذه الآية مجملة وقد قال عليه الصلاة والسلام: ليس في المال حق سوى الزكاة فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة.

البحث الثالث: قوله تعالى: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ بعد ذكر الأنواع الخمسة، وهو العنب والنخل، والزيتون، والرمان؛ يدل عى وجوب الزكاة في الكل، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار، كما كان يقوله أبو حنيفة رحمه الله.

فإن قالوا: لفظ الحصاد مخصوص بالزرع فنقول: لفظ الحصد في أصل اللغة غير مخصوص بالزرع، والدليل عليه، أن الحصد في اللغة عبارة عن القطع، وذلك يتناول الكل وأيضاً الضمير في قوله حصاده يجب عوده إلى أقرب المذكورات وذلك هو الزيتون والرمان، فوجب أن يكون الضمير عائداً إليه.

البحث الرابع: قال أبو حنيفة رحمه الله: العشر واجب في القليل والكثير.

وقال الأكثرون إنه لا يجب إلا إذا بلغ خمسة أوسق.

واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية، فقال: قوله: ﴿ وآتو حقه يوم حصاده ﴾ يقتضي ثبوت حق في القليل والكثير، فإذا كان ذلك الحق هو الزكاة وجب القول بوجوب الزكاة في القليل والكثير.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُواْ ﴾ فاعلم أن لأهل اللغة في تفسير الإسراف قولين: الأول: قال ابن الأعرابي: السرف تجاوز ما حد لك.

الثاني: قال شمر: سرف المال، ما ذهب منه من غير منفعة.

إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين فيه أقوال: الأول: أن الإنسان إذا أعطى كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف، لأنه جاء في الخبر، ابدأ بنفسك ثم بمن تعول وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها، ثم قسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ أي ولا تعطوا كله.

والثاني: قال سعيد بن المسيب: ﴿ لا تُسْرِفُواْ ﴾ أي لا تمنعوا الصدقة، وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد، إلا أن الأول مجاوزة في الإعطاء، والثاني: مجاوزة في المنع.

الثالث: قال مقاتل: معناه: لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام، وهذا أيضاً من باب المجاوزة، لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام، فقد جاوز ما حد له.

الرابع: قال الزهري معناه: لا تنفقوا في معصية الله تعالى.

قال مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً، فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفاً.

ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً.

وهذا المعنى أراده حاتم الطائي حين قيل له: لا خير في السرف فقال لا سرف في الخير، وهذا على القول الثاني في معنى السرف، فإن من أنفق في معصية الله، فقد أنفق فيما لا نفع فيه.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين ﴾ والمقصود منه الزجر، لأن كل مكلف لا يحبه الله تعالى فهو من أهل النار، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم  ﴾ فدل هذا على أن كل من أحبه الله فليس هو من أهل النار وذلك يفيد من بعض الوجوه أن من لم يحبه الله فهو من أهل النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَنشَأَ جنات ﴾ من الكروم ﴿ معروشات ﴾ مسموكات ﴿ وَغَيْرَ معروشات ﴾ متروكات على وجه الأرض لم تعرّش.

وقيل: ﴿ المعروشات ﴾ ما في الأرياف والعمران مما غرسه الناس واهتموا به فعرّشوه ﴿ وَغَيْرَ معروشات ﴾ مما أنبته الله وحشياً في البراري والجبال، فهو غير معروش.

يقال: عرّشت الكرم، إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القضبان.

وسقف البيت: عرّشه ﴿ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ ﴾ في اللون والطعم والحجم والرائحة.

وقرئ: ﴿ أكله ﴾ بالضم والسكون وهو ثمره الذي يؤكل.

والضمير للنخل والزرع داخل في حكمه، لكونه معطوفاً عليه.

ومختلفاً: حال مقدّرة لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك، كقوله تعالى: ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ [الزمر: 73] .

وقرئ: ﴿ ثمرة ﴾ بضمتين.

فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿ إِذَا أَثْمَرَ ﴾ وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه؟

قلت: لما أبيح لهم الأكل من ثمره قيل: إذا أثمر، ليعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر الثمر، لئلا يتوهم أنه لا يباح إلاّ إذا أدرك وأينع ﴿ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ الآية مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة، فأريد بالحق ما كان يتصدّق به على المساكين يوم الحصاد، وكان ذلك واجباً حتى نسخه افتراض العشر، ونصف العشر.

وقيل مدنية، والحق هو الزكاة المفروضة.

ومعناه: واعزموا على إيتاء الحق واقصدوه واهتموا به يوم الحصاد، حتى لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء ﴿ وَلاَ تُسْرِفُواْ ﴾ في الصدقة كما روي عن ثابت بن قيس بن شماس: أنه صرم خمسمائة نخلة ففرّق ثمرها كله ولم يدخل منه شيئاً إلى منزله ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً ﴾ [الإسراء: 29] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ ﴾ مِنَ الكُرُومِ.

﴿ مَعْرُوشاتٍ ﴾ مَرْفُوعاتٍ عَلى ما يَحْمِلُها.

﴿ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ﴾ مُلْقِياتٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ.

وقِيلَ المَعْرُوشاتُ ما غَرَسَهُ النّاسُ فَعَرَّشُوهُ وغَيْرُ مَعْرُوشاتٍ ما نَبَتَ في البَرارِي والجِبالِ.

﴿ والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ ﴾ ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ في الهَيْئَةِ والكَيْفِيَّةِ، والضَّمِيرُ لِلزَّرْعِ والباقِي مَقِيسٌ عَلَيْهِ، أوْ لِلنَّخْلِ والزَّرْعُ داخِلٌ في حُكْمِهِ لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، أوْ لِلْجَمِيعِ عَلى تَقْدِيرِ أكُلُّ ذَلِكَ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ومُخْتَلِفًا حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ الإنْشاءِ.

﴿ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ يَتَشابَهُ بَعْضُ أفْرادِهِما في اللَّوْنِ والطَّعْمِ ولا يَتَشابَهُ بَعْضُها.

﴿ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ ﴾ مِن ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ.

﴿ إذا أثْمَرَ ﴾ وإنْ لَمْ يُدْرِكْ ولَمْ يَيْنَعْ بَعْدُ.

وقِيلَ فائِدَتُهُ رُخْصَةُ المالِكِ في الأكْلِ مِنهُ قَبْلَ أداءِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى.

﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ ما كانَ يَتَصَدَّقُ بِهِ يَوْمَ الحَصادِ لا الزَّكاةَ المُقَدَّرَةَ لِأنَّها فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ والآيَةُ مَكِّيَّةٌ.

وَقِيلَ الزَّكاةُ والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ والأمْرُ بِإيتائِها يَوْمَ الحَصادِ لِيُهْتَمَّ بِهِ حِينَئِذٍ حَتّى لا يُؤَخَّرَ عَنْ وقْتِ الأداءِ ولِيَعْلَمَ أنَّ الوُجُوبَ بِالإدْراكِ لا بِالتَّنْقِيَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ حِصادِهِ بِكَسْرِ الحاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.

﴿ وَلا تُسْرِفُوا ﴾ في التَّصَدُّقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ لا يَرْتَضِي فِعْلَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَهُوَ الذي أَنشَأَ} خلق {جنات} من الكروم {معروشات} مسموكات مرفوعات {وَغَيْرَ معروشات} متروكات على وجه الأرض لم تعرش يقال عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القضبان {والنخل والزرع مُخْتَلِفًا} في اللون والطعم والحجم والرائحة وهو حال مقدرة لأن النخل وقت خروجه لا أكل فيه حتى يكون مختلفا وهو كقوله {فادخلوها خالدين} أَكُلُهُ أَكْله حجازي وهو ثمره الذي يؤكل والضمير للنخل

الأنعام (١٤١ _ ١٤٤)

الزرع داخل في حكمه لأنه معطوف عليه أو لكل واحد {والزيتون والرمان متشابها}

في اللون {وَغَيْرَ متشابه} في الطعم {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} من ثمر كل واحد وفائدة إِذَا أَثْمَرَ أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك {وآتوا حقه} عشره وهو حجة أبى حنيفة رحمه الله فى تعيمم

العشر {يَوْمَ حَصَادِهِ} بصري وشامي وعاصم وبكسر الجاء غيرهم وهما لغتان {وَلاَ تُسْرِفُواْ} بإعطاء الكل وتضييع العيال وقوله كُلُواْ إلى {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين} اعتراض

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ ﴾ تَمْهِيدٌ لِما سَيَأْتِي مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ الأنْعامِ وقالَ الإمامُ: إنَّهُ عَوْدٌ إلى ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ وهو إقامَةُ الدَّلائِلِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ أيْ وهو الَّذِي خَلَقَ وأظْهَرَ تِلْكَ الجَنّاتِ مِن غَيْرِ شَرِكَةٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ والمَعْرُوشاتُ مِنَ الكَرْمِ ما يُحْمَلُ عَلى العَرِيشِ وهو عِيدانٌ تُصْنَعُ كَهَيْئَةِ السَّقْفِ ويُوضَعُ الكَرْمُ عَلَيْها ﴿ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ﴾ وهي المُلْقَياتُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ الكَرْمِ أيْضًا وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المَعْرُوشاتِ وغَيْرَها كِلاهُما لِلْكَرْمِ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَعْرُوشَ ما يَحْتاجُ إلى أنْ يُتَّخَذَ لَهُ عَرِيشٌ يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَيُمْسِكُهُ مِنَ الكَرْمِ وما يَجْرِي مَجْراهُ وغَيْرَ المَعْرُوشِ هو القائِمُ مِنَ الشَّجَرِ المُسْتَغْنِي بِاسْتِوائِهِ وقُوَّةِ ساقِهِ عَنِ التَّعْرِيشِ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْرُوشَ ما يَحْصُلُ في البَساتِينِ والعُمَراناتِ مِمّا يَغْرِسُهُ النّاسُ وغَيْرَ المَعْرُوشِ ما نَبَتَ في البَرارِي والجِبالِ وقِيلَ: المَعْرُوشُ العِنَبُ الَّذِي يُجْعَلُ لَهُ عَرِيشٌ وغَيْرُ المَعْرُوشِ كُلُّ ما يَنْبُتُ مُنْبَسِطًا عَلى وجْهِ الأرْضِ مِثْلَ القَرْعِ والبِطِّيخِ وقالَ عِصامُ الدِّينِ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالمَعْرُوشِ المَعْرُوشُ بِالطَّبْعِ كالأشْجارِ الَّتِي تَرْتَفِعُ وبِغَيْرِ المَعْرُوشِ ما يَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كالكَرْمِ ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ والنَّخْلَ والزَّرْعَ ﴾ تَخْصِيصًا بَعْدَ التَّعْمِيمِ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ جَنّاتٍ ﴾ أيْ أنْشَأهُما ﴿ مُخْتَلِفًا ﴾ في الهَيْئَةِ والكَيْفِيَّةِ ﴿ أُكُلُهُ ﴾ أيْ ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنهُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ ﴿ أُكُلُهُ ﴾ بِسُكُونِ الكافِ وهو لُغَةٌ فِيهِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ والضَّمِيرُ إمّا أنْ يَرْجِعَ إلى أحَدِ المُتَعاطِفَيْنِ عَلى التَّعْيِينِ ويُعْلَمَ حُكْمُ الآخَرِ بِالمُقايَسَةِ إلَيْهِ أوْ إلى كُلِّ واحِدٍ عَلى البَدَلِ أوْ إلى الجَمِيعِ والضَّمِيرُ بِمَعْنى اسْمِ الإشارَةِ وعَنْ أبِي حَيّانَ أنَّ الضَّمِيرَ لا يَجُوزُ إفْرادُهُ مَعَ العَطْفِ بِالواوِ فالظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو ﴿ الزَّرْعَ ﴾ ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ حالُ النَّخْلِ لِدَلالَةِ هَذِهِ الحالِ عَلَيْها والتَّقْدِيرُ والنَّخْلَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وجَوَّزَ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ ثَمَرُ جَنّاتٍ والحالُ المُشارُ إلَيْها عَلى كُلِّ حالٍ مُقَدَّرَةٌ إذْ لا اخْتِلافَ وقْتَ الإنْشاءِ.

وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّها كَذَلِكَ إنْ لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ أيْ ثَمَرُ النَّخْلِ وحَبُّ الزَّرْعِ وحالٌ مُقارَنَةٌ إنْ قُدِّرَ.

﴿ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ ﴾ أيْ أنْشَأهُما ﴿ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ أيْ يَتَشابَهُ بَعْضُ أفْرادِهِما في اللَّوْنِ أوِ الطَّعْمِ أوِ الهَيْئَةِ ولا يَتَشابَهُ في بَعْضِها وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: مُتَشابِهًا في المَنظَرِ وغَيْرَ مُتَشابِهٍ في المَطْعَمِ والنَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ ﴿ كُلُوا ﴾ أمْرُ إباحَةٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ ﴿ مِن ثَمَرِهِ ﴾ الكَلامُ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ عَلى طُرُزِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا ﴿ إذا أثْمَرَ ﴾ وإنْ لَمْ يَنْضَجْ ويَنِيعُ بَعْدُ فَفائِدَةُ التَّقْيِيدِ إباحَةُ الأكْلِ قَبْلَ الإدْراكِ وقِيلَ فائِدَتُهُ رُخْصَةُ المالِكِ في الأكْلِ مِنهُ قَبْلَ أداءِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى وهو اخْتِيارُ الجُبّائِيِّ وغَيْرِهِ.

﴿ وآتُوا حَقَّهُ ﴾ لِلَّذِي أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ وهو عَلى ما في رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ العُشْرِ ونِصْفِ العُشْرِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وقَتادَةُ وطاوُسٌ وغَيْرُهم والظَّرْفُ قَيْدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِهَيْئَتِهِ مِنَ الوُجُوبِ لا لِما دَلَّ عَلَيْهِ بِمادَّتِهِ مِنَ الحَدَثِ إذْ لَيْسَ الأداءُ وقْتَ الحَصادِ والحَبُّ في سُنْبُلِهِ كَما يُفْهَمُ مِنَ الظّاهِرِ بَلْ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ والتَّصْفِيَةِ وادَّعى عَلِيُّ بْنُ عِيسى أنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ فَلا يَحْتاجُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْوِيلِ.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ ما كانَ يُتَصَدَّقُ بِهِ يَوْمَ الحَصادِ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ مِن غَيْرِ تَعْيِينِ المِقْدارِ ثُمَّ نُسِخَ بِالزَّكاةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وغَيْرُهُما وقِيلَ: ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ لِأنَّها فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وأجابَ الإمامُ عَنْ ذَلِكَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الزَّكاةَ ما كانَتْ واجِبَةً في مَكَّةَ وكَوْنُ آياتِها مَدَنِيَّةً لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ أيْضًا وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ هَذا حَقٌّ في المالِ سِوى الزَّكاةِ وأخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ إذا حَصَدْتَ فَحَضَرَكَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم مِنَ السُّنْبُلِ فَإذا دُسْتَهُ فَحَضَرَكَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم فَإذا ذَرَّيْتَهُ وجَمَعْتَهُ وعَرَفْتَ كَيْلَهُ فاعْزِلْ زَكاتَهُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حِصادِهِ ) بِكَسْرِ الحاءِ وهي لُغَةٌ فِيهِ وعَدَلَ عَنْ حَصْدِهِ وهو المَصْدَرُ المَشْهُورُ لِحَصْدٍ إلَيْهِ لِدَلالَتِهِ عَلى حَصْدٍ خاصٍّ وهو حَصْدُ الزَّرْعِ إذا انْتَهى وجاءَ زَمانُهُ كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ وأشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ ﴿ ولا تُسْرِفُوا ﴾ أيْ لا تَتَجاوَزُوا الحَدَّ فَتَبْسُطُوا أيْدِيَكم كُلَّ البَسْطِ في الإعْطاءِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ جَذَّ نَخْلًا فَقالَ: لا يَأْتِيَنَّ اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ فَأطْعَمَ حَتّى أمْسى ولَيْسَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي العالِيَةِ.

وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ ﴿ ولا تُسْرِفُوا ﴾ في الأكْلِ قَبْلَ الحَصادِ كَيْلا يُؤَدِّيَ إلى بَخْسِ حَقِّ الفُقَراءِ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّ المَعْنى لا تَمْنَعُوا الصَّدَقَةَ فَتَعْصُوا وقالَ الزُّهْرِيُّ: المَعْنى لا تُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى ويُرْوى نَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ أبُو قَيْسٍ ذَهَبًا فَأنْفَقَهُ رَجُلٌ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا ولَوْ أنْفَقَ دِرْهَمًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى كانَ مُسْرِفًا وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ لا تُشْرِكُوا الأصْنامَ في الحَرْثِ والأنْعامِ.

والخِطابُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ لِأرْبابِ الأمْوالِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ الخِطابَ لِلْوُلاةِ أيْ لا تَأْخُذُوا ما لَيْسَ لَكم بِحَقٍّ وتَضُرُّوا أرْبابَ الأمْوالِ واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ خِطابٌ لِلْجَمِيعِ مِن أرْبابِ الأمْوالِ والوُلاةِ أيْ لا يُسْرِفْ رَبُّ المالِ في الإعْطاءِ ولا الإمامُ في الأخْذِ والدَّفْعِ ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ (141) بَلْ يَبْغُضُهم مِن حَيْثُ إسْرافِهِمْ ويُعَذِّبُهم عَلَيْهِ إنْ شاءَ جَلَّ شَأْنُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ يعني: خلق البساتين يعني: الكروم وما يعرش وهو الذي يبسط مثل القرع ونحو ذلك وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ يعني: كل شجرة قائمة على أصولها وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ يعني: خلق النخل والزرع مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ يعني: طعمه مثل الحامض والحلو والمر وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً يعني: المنظر وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ يعني: في الطعم كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وإنما ذكر ثمره بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى المعنى يعني: ثمره الذي ذكرها وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ يعني: أعطوا زكاته يوم كيله ورفعه.

قرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر حَصادِهِ بنصب الحاء.

وروى الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: العُشْر ونصف العشر.

وروى سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: عند الزرع أي يعطي القبض وهو بأطراف الأصابع، ويعطي عند الصرام القبض، ويدعهم يتتبعون آثار الصرام.

وعن الربيع بن أنس وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: لقاط السنبل.

وقال الحسن: نسختها آية الزكاة.

وقال إبراهيم: نسختها العشر ونصف العشر: وقال الضحاك: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن وهكذا قال عكرمة.

وقال سفيان.

سألت السدي عن قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: هذه السورة مكية نسختها العشر ونصف العشر قلت عمن؟

قال عن العلماء.

قال الفقيه الذي قال إنه صار منسوخاً يعني: أداؤه يوم الحصاد بغير تقدير صار منسوخاً ولكن أصل الوجوب لم يصر منسوخاً.

وبيّن النبي  التقدير وهو العشر أو نصف العشر.

ثم قال: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قال ابن عباس  ما: عمد ثابت بن قيس إلى خمسمائة نخلة فصرمها وقسمها في يوم واحد فأمسى ولم يكن لأهله شيء فنزل وَلا تُسْرِفُوا يعني: ولا تتصدقوا بكله، ودعوا لعيالكم شيئاً.

وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: جد لمعاذ بن جبل نخله فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شيء.

فنزل وَلا تُسْرِفُوا ويقال: وَلا تُسْرِفُوا يعني: ولا تنفقوا في المعصية.

قال مجاهد: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله تعالى ما يكون إسرافاً، ولو أنفقت درهماً في طاعة الشيطان كان إسرافاً.

وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله تعالى: وَلا تُسْرِفُوا قال: الإسراف ما قصرت عن حق الله تعالى.

ويقال: وَلا تُسْرِفُوا يقول: لا تشركوا الآلهة في الحرث والأنعام.

وقد ذكر قوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ بلفظ التذكير لأنه انصرف إلى المعنى يعني: من ثمر ما ذكرنا.

ثم قال: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ يعني: المشركين الذين يشركون الآلهة في الحرث والأنعام.

ثم قال: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً يعني: أنشأ لكم وخلق لكم من الأنعام حمولة وفرشاً أي: مما يحمله عليه من الإبل والبقر وفرشاً مثل الغنم وصغار الإبل.

وقال القتبي: الفرش ما لا يطيق الحمل عليه، وهي ما دون الحفاف التي لا تصلح للركوب.

كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي: من الحرث والأنعام حلالا طيبا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ يعني: لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة غير ناصح لكم.

ثم قال: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يعني: ثمانية أفراد لكم: يقال لكل فرد معه آخر زوج يقول: خلقت لكم ثمانية أصناف.

ويقال: كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج نزلت الآية في مالك بن عوف وأصحابه حيث قالوا: ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا.

ففي هذه الآية دليل إثبات المناظرة في العلم، لأن الله تعالى أمر النبيّ  بأن يناظرهم ويبيّن فساد قولهم.

وفيها إثبات القول بالنظر والقياس، وفيها دليل أن القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به، ويروى إذا ورد عليه النقض لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة، وأمرهم بطرد علّتهم، وأمرهم بأن يثبتوا وجه الحرمة إن كان سبب الحرمة الأنوثة والذكورة أو اشتمال الرحم.

فإن كان سبب الحرمة الأنوثة ينبغي أن يكون كل أنثى حراماً لوجود العلة.

وإن كان سبب الحرمة الذكورة ينبغي أن يكون كل ذكر حراماً لوجود العلة وإن كان محرماً لاشتمال الرحم وقد حرم الأولاد كلها ووجهت حرمتها لوجود العلة فيها فبّين انتقاض علتهم وفساد قولهم، وذلك قوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يعني: ثمانية أصناف مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ يعني: قولهم وذلك قوله: وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ يعني: الذكر والأنثى قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ يعني: قل لهم من أين جاء هذا التحريم من قبل الذكرين حُرِّمَ أم من قبل الأُنثيين؟

أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ يعني: أم من قبل اشتمال الرحم فإنها لا تشتمل إلا على الذكر والأنثى.

نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ يعني: أخبروني بسبب التحريم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن الله حرم ما تقولون وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ يعني: من أين جاء هذا التحريم.

ثم قال: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ يعني: إذا لم تقدروا على إثبات تحريم ذلك بالعقل فهل لكم كتاب يشهد على تحريم هذا؟

فذلك قوله: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا يعني: أمركم الله بهذا التحريم فسكت مالك بن عوف وتحير فقال له النبيّ  : «مَا لَكَ لاَ تتكلم» فقال: بل تكلم أنت فأسمع قال الله عزّ وجلّ: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بغير حجة وبيان لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: ليصرف الناس عن حكم الله تعالى بالجهل إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: لا يرشدهم إلى الحجة ويقال لا يوفقّهم إلى الهدى مجازاةً لكفرهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وَمِنَ الْمَعْزِ بنصب العين.

وقرأ الباقون بالجزم.

ومعناهما واحد.

ثم بيَّن لهم ما حرم عليهم فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

خَوْفَ العَيْلَة والافتقار، وكان منهم من يفعله غيرة مخافة السّباء، وقَدْ ضَلُّوا: إخبارٌ عنهم بالحَيْرة، وَما كانُوا: يريد في هذه الفَعْلَةِ، ويحتمل أن يريدَ: وما كانوا قبل ضلالهم بهذه الفَعْلة مهتدين، ولكنَّهم زادوا بهذه الفعلة ضلالا.

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ...

الآية: تنبيهٌ على مواضع الاِعتبار، وأَنْشَأَ: معناه: خلق واخترع، ومَعْرُوشاتٍ، قال ابنُ عَبَّاس: ذلك في ثَمَر العِنَبِ، مِنْها: ما عرش وسمك، ومنها: ما لم يعرش «١» ، ومُتَشابِهاً: يريد: في المنظر، وغَيْرَ مُتَشابِهٍ: في الطعم قاله ابن جُرَيْج وغيره «٢» ، وقوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ: نصٌّ في الإباحة، وقوله سبحانه: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ:

قال ابن عباس وجماعة: هي في الزكاة المفْرُوضة «٣» .

قال ع «٤» : وهذا القولُ مُعْتَرَضٌ بأن السورة مكِّيَّةٌ وبأنَّه لا زكاة فيما ذُكِرَ من الرُّمَّانِ، وما في معناه، وحكى الزجَّاج أنَّ هذه الآية قيل فيها: إنها نزلَتْ بالمدينة، وقال مجاهدٌ وغيره: بل قوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ: نَدْبٌ إلى إعطاء حقوقٍ مِنَ المال غَيْر الزكاة «٥» ، والسُّنَّة أن يُعْطِيَ الرجُلُ من زرعه عند الحصَادِ، وعِنْدَ الذَّرْوِ، وعنْدَ تكديسه في البَيْدَرِ «٦» ، فإذا صفى وكال، أخرج من ذلك الزكاة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَعْرُوشاتِ ما انْبَسَطَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فانْتَشَرَ مِمّا يُعَرِّشُ، كالكَرَمِ، والقَرْعِ، والبِطِّيخِ؛ وغَيْرِ مَعْرُوشاتٍ: ما قامَ عَلى ساقٍ، كالنَّخْلِ، والزَّرْعِ، وسائِرِ الأشْجارِ.

والثّانِي: أنَّ المَعْرُوشاتِ: ما أنْبَتَهُ النّاسُ؛ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ: ما خَرَجَ في البَرارِي والجِبالِ مِنَ الثِّمارِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْرُوشاتِ، وغَيْرَ المَعْرُوشاتِ: الكَرَمُ، مِنهُ ما عُرِّشَ، ومِنهُ ما لَمْ يُعَرَّشْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْرُوشاتِ: الكُرُومُ الَّتِي قَدْ عَرَّشَ عِنَبُها، وغَيْرَ المَعْرُوشاتِ: سائِرُ الشَّجَرِ الَّتِي لا تُعَرَّشُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والأكْلُ: الثَّمَرُ.

﴿ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا ﴾ ، قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ﴾ هَذا أمْرُ إباحَةٍ؛ وقِيلَ: إنَّما قَدَّمَ الأكْلَ لَيَنْهى عَنْ فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ في زُرُوعِهِمْ مِن تَحْرِيمِ بَعْضِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِ الحاءِ، وهي لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ، وتَمِيمٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا الحَقِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الزَّكاةُ، رُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ، وطاوُسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وابْنِ الحَنَفِيَّةِ، وقَتادَةَ في آَخَرِينَ؛ فَعَلى هَذا، الآَيَةُ مَحْكَمَةٌ.

والثّانِي: أنَّهُ حَقٌّ غَيْرُ الزَّكاةِ فُرِضَ يَوْمَ الحَصادِ، وهو إطْعامُ مَن حَضَرَ، وتَرَكَ ما سَقَطَ مِنَ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ.

وهَلْ نَسَخَ ذَلِكَ أمْ لا؟

إنْ قُلْنا: إنَّهُ أمَرُ وُجُوبٍ، فَهو مَنسُوخٌ بِالزَّكاةِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ أمْرُ اسْتِحْبابٍ، فَهو باقِي الحُكْمِ.

فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَجِبُ إيتاءُ الحَقِّ يَوْمَ الحَصادِ؟

فالجَوابُ: إنْ قُلْنا: إنَّهُ إطْعامُ مَن حَضَرَ مِنَ الفُقَراءِ، فَذَلِكَ يَكُونُ يَوْمَ الحَصادِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ الزَّكاةُ، فَقَدْ ذُكِرَتْ عَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّ الأمْرَ بِالإيتاءِ مَحْمُولٌ عَلى النَّخِيلِ، لِأنَّ صَدَقَتَها تَجِبُ يَوْمَ الحَصادِ.

فَأمّا الزُّرُوعُ، فالأمْرُ بِالإيتاءِ مِنها مَحْمُولٌ عَلى وُجُوبِ الإخْراجِ؛ إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ عِنْدَ الحَصادِ، فَيُؤَخَّرُ إلى زَمانِ التَّنْقِيَةِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ السَّلَفِ.

والثّانِي: أنَّ اليَوْمَ ظَرْفٌ لِلْحَقِّ، لا لِلْإيتاءِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: وآَتُوا حَقَّهُ الَّذِي وجَبَ يَوْمَ حَصادِهِ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ فائِدَةَ ذِكْرِ الحَصادِ أنَّ الحَقَّ لا يَجِبُ فِيهِ بِنَفْسِ خُرُوجِهِ وبُلُوغِهِ؛ إنَّما يَجِبُ يَوْمَ حُصُولِهِ في يَدِ صاحِبِهِ.

وقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ الحَقَّ يُلْزِمُ بِنَفْسِ نَباتِهِ قَبْلَ قَطْعِهِ، فَأفادَتْ الآَيَةُ أنَّ الوُجُوبَ فِيما يَحْصُلُ في اليَدِ، دُونَ ما يَتْلَفُ، ذَكَرَ الجَوابَيْنِ القاضِي أبُو يَعْلى.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تُسْرِفُوا ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ تَجاوَزَ المَفْرُوضَ في الزَّكاةِ إلى حَدٍّ يُجْحِفُ بِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةَ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ صَرَمَ خَمْسَمِائَةَ نَخْلَةٍ، ثُمَّ قَسَّمَها في يَوْمٍ واحِدٍ، فَأمْسى ولَمْ يَتْرُكْ لِأهْلِهِ شَيْئًا، فَكَرِهَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ .

والثّانِي: أنَّ الإسْرافَ: مَنَعُ الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإنْفاقُ في المَعْصِيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ إشْراكُ الآَلِهَةِ في الحَرْثِ والأنْعامِ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، وابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: أنَّهُ خِطابٌ لَلسُّلْطانِ لِئَلّا يَأْخُذَ فَوْقَ الواجِبِ مِنَ الصَّدَقَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الإسْرافُ في الأكْلِ قَبْلَ أداءِ الزَّكاةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أولادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلى اللهُ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَخْلَ والزَرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَيْتُونَ والرُمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ هَذا لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ التَشْنِيعَ بِقُبْحِ فِعْلِهِمْ؛ والتَعَجُّبَ مِن سُوءِ حالِهِمْ؛ في وأْدِهِمُ البَناتِ؛ وحَجْرِهِمُ الأنْعامَ والحَرْثَ؛ قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ الوَأْدُ في رَبِيعَةَ ومُضَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكانَ جُمْهُورُ العَرَبِ لا يَفْعَلُهُ؛ ثُمَّ إنَّ فاعِلِيهِ كانَ مِنهم مَن يَفْعَلُهُ خَوْفَ العَيْلَةِ والإقْتارِ؛ وكانَ مِنهم مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَةً؛ مَخافَةَ السِباءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: "قَتَّلُوا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ عَلى المُبالَغَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "قَتَلُوا"؛ بِتَخْفِيفِها.

و ﴿ ما رَزَقَهُمُ اللهُ ﴾ ؛ هي تِلْكَ الأنْعامُ؛ والغَلّاتُ الَّتِي تُوقَفُ بِغَيْرِ شَرْعٍ؛ ولا مَثُوبَةٍ في مَعادٍ؛ بَلْ بِالِافْتِراءِ عَلى اللهِ تَعالى ؛ والكَذِبِ؛ و"قَدْ ضَلُّوا"؛ إخْبارٌ عنهم بِالحَيْرَةِ؛ وهو مِنَ التَعْجِيبِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى "قَدْ خَسِرَ"؛ "وَما كانُوا"؛ يُرِيدُ: "فِي هَذِهِ الفِعْلَةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "وَما كانُوا قَبْلَ ضَلالِهِمْ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مُهْتَدِينَ"؛ ولَكِنَّهم زادُوا بِهَذِهِ الفِعْلَةِ ضَلالًا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى مَواضِعِ الِاعْتِبارِ؛ و"أنْشَأ"؛ مَعْناهُ: خَلَقَ؛ واخْتَرَعَ؛ والجَنَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "جَنَّ"؛ إذا سَتَرَ؛ و"مَعْرُوشاتٍ"؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ في ثَمَرِ العِنَبِ؛ ومِنها ما عُرِّشَ وسُمِّكَ؛ ومِنها ما لَمْ يُعَرَّشْ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمَعْرُوشاتُ؛ ما عَرَّشَ -كَهَيْئَةِ الكَرْمِ؛ وغَيْرِهِ - البَساتِينَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْرُوشُ هو ما يَعْتَرِشُهُ بَنُو آدَمَ مِن أنْواعِ الشَجَرِ؛ وغَيْرُ المَعْرُوشِ: ما يَحْدُثُ في الجِبالِ؛ والصَحْراءِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْرُوشُ: ما حُلِّقَ بِحائِطٍ؛ وغَيْرُ المَعْرُوشِ: ما لَمْ يُحَلَّقْ؛ و"مُخْتَلِفًا"؛ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ الِاخْتِلافِ في ثَمَرِها؛ لِأنَّها حِينَ الإنْشاءِ لا ثَمَرَةَ فِيها؛ فَهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ تَجِيءُ بَعْدَ الإنْشاءِ.

وَ"مُتَشابِهًا"؛ يُرِيدُ: في المَنظَرِ؛ و"غَيْرَ مُتَشابِهٍ"؛ في المَطْعَمِ؛ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ ﴾ ؛ نَفْسُ الإباحَةِ؛ وهو مُضَمَّنٌ الإشارَةَ إلى النِعْمَةِ بِذَلِكَ؛ ويُقْرَأُ: "مِن ثُمُرِهِ"؛ بِضَمِّ الثاءِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.

﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ ؛ قالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هي في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وطاوُسٌ ؛ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ والضَحّاكُ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ وابْنُهُ؛ وقالَهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مُعْتَرَضٌ بِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ غَيْرُ مُسْتَثْناةٍ؛ وحَكى الزَجّاجُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قِيلَ فِيها: إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ؛ ومُعْتَرَضٌ أيْضًا بِأنَّهُ لا زَكاةَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الرُمّانِ؛ وجَمِيعِ ما هو في مَعْناهُ.

وقالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا؛ وعَطاءٌ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهم مِن أهْلِ العِلْمِ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ ﴾ ؛ نَدْبٌ إلى إعْطاءِ حُقُوقٍ مِنَ المالِ؛ غَيْرَ الزَكاةِ؛ والسُنَّةُ أنْ يُعْطِيَ الرَجُلُ مِن زَرْعِهِ عِنْدَ الحَصادِ؛ وعِنْدَ الذَرْوِ؛ وعِنْدَ تَكْدِيسِهِ في البَيْدَرِ؛ فَإذا صَفّى؛ وكالَ؛ أخْرَجَ مِن ذَلِكَ الزَكاةَ؛ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حَقُّهُ: إباحَةُ لَقْطِ السُنْبُلِ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ هَذا حُكْمَ صَدَقاتِ المُسْلِمِينَ؛ حَتّى نَزَلَتِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ؛ فَنَسَخَتْها؛ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنِ الحَنَفِيَّةِ ؛ وإبْراهِيمَ؛ والحَسَنِ ؛ وقالَ السُدِّيُّ ؛ في هَذِهِ السُورَةِ: مَكِّيَّةٌ؛ نَسَخَتْها الزَكاةُ؛ فَقالَ لَهُ سُفْيانُ: عَمَّنْ؟

قالَ: عَنِ العُلَماءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنَسْخُ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ؛ وآيَةَ الزَكاةِ؛ لا [تَتَعارَضانِ]؛ بَلْ تَنْبَنِي هَذِهِ عَلى النَدْبِ؛ وتِلْكَ عَلى الفَرْضِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "حِصادِهِ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "حَصادِهِ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ وهُما لُغَتانِ في المَصْدَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تُسْرِفُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مَن قالَ إنَّ الآيَةَ في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ جَعَلَ هَذا النَهْيَ عَنِ الإسْرافِ؛ إمّا لِلنّاسِ عَنِ التَمَنُّعِ عن أدائِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ إسْرافٌ مِنَ الفِعْلِ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وإمّا لِلْوُلاةِ عَنِ التَشَطُّطِ عَلى الناسِ؛ والإذايَةِ لَهُمْ؛ فَذَلِكَ إسْرافٌ مِنَ الفِعْلِ؛ وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ؛ ومَن جَعَلَ الآيَةَ عَلى جِهَةِ النَدْبِ إلى حُقُوقٍ غَيْرِ الزَكاةِ؛ تَرَتَّبَ لَهُ النَهْيُ عَنِ الإسْرافِ في تِلْكَ الحُقُوقِ؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ الإجْحافِ بِالمالِ؛ وإضاعَتِهِ.

ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ حَصَدَ غَلَّةً لَهُ؛ فَقالَ: "واللهِ لا جاءَنِي اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ"؛ فَأمْسى ولَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَرَةٌ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وقالَ أبُو العالِيَةِ: كانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا عِنْدَ الحَصادِ؛ ثُمَّ تَبارَوْا؛ وأسْرَفُوا؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومَن قالَ إنَّها مَنسُوخَةٌ؛ تَرَتَّبَ لَهُ النَهْيُ في وقْتِ حُكْمِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَهُوَ الذى أَنشَأَ جنات معروشات وَغَيْرَ معروشات والنخل والزرع مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزيتون والرمان متشابها وَغَيْرَ متشابه ﴾ .

الواو في: ﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ للعطف، فيكون عطف هذه الجملة على جملة ﴿ وحرّموا ما رزقهم الله ﴾ [الأنعام: 140] تذكيراً بمنة الله تعالى على النّاس بما أنشأ لهم في الأرض ممّا ينفعهم، فبعد أن بيّن سوء تصرّف المشركين فيما مَنّ به على النّاس كلّهم مع تسفيه آرائهم في تحريم بعضها على أنفسهم، عطف عليه المنّة بذلك استنزالاً بهم إلى إدراك الحقّ والرّجوععِ عن الغي، ولذلك أعيد في هذه الآية غالب ما ذكر في نظيرتها المتقدّمة في قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كلّ شيء فأخرجنا منه خَضِراً نُخرِج منه حبّاً متراكباً ومن النّخل من طلعها قنوان دانية وجنّات من أعناب والزّيتون والرمّان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ﴾ [الأنعام: 99] لأنّ المقصود من الآية الأولى الاستدلال على أنَّه الصّانع، وأنَّه المنفرد بالخلق، فكيف يشركون به غيره.

ولذلك ذيّلها بقوله: ﴿ إنّ في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ [الأنعام: 99]، وعطف عليها قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجنّ ﴾ [الأنعام: 100] الآيات.

والمقصود من هذه: الامتنانُ وإبطالُ ما ينافي الامتنان ولذلك ذيّلت هذه بقوله: ﴿ كلوا من ثمره إذا أثمر ﴾ .

والكلام موجّه إلى المؤمنين والمشركين، لأنَّه اعتبار وامتنان، وللمؤمنين الحظّ العظيم من ذلك، ولذلك أعقب بالأمر بأداء حق الله في ذلك بقوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ إذ لا يصلح ذلك الخطاب للمشركين.

وتعريف المسند يفيد الاختصاص، أي هو الّذي أنشأ لا غيره، والمقصود من هذا الحصرِ إبطالُ أن يكون لغيره حظّ فيها، لإبطال ما جعلوه من الحرث والأنعام من نصيب أنصامهم مع أنّ الله أنشأه.

والإنشاءُ: الإيجاد والخلق، قال تعالى: ﴿ إنَّا أنشأناهنّ إنشاءً ﴾ [الواقعة: 35] أي نساء الجنّة.

والجنّات هي المكان من الأرض النّابت فيه شجر كثير بحيث يَجِنّ أي يَستر الكائن فيه، وقد تقدّم عند قوله: ﴿ كمثل جنّة برُبْوة ﴾ في سورة البقرة (265).

وإنشاؤها إنباتها وتيسير ذلك بإعطائها ما يعينها على النماء، ودفععِ ما يفسدها أو يقطع نبتها، كقوله: ﴿ أنتم تزرعونه أم نحن الزّارعون ﴾ [الواقعة: 64].

والمعروشات: المرفوعات.

يقال: عرش الكرمة إذا رفعها على أعمدة ليكون نماؤها في ارتفاع لا على وجه الأرض، لأنّ ذلك أجود لعنبها إذ لم يكن ملقى على وجه الأرض.

وعَرش فعل مشتقّ من العَرْش وهو السقف، ويقال للأعمدة التي تُرفع فوقها أغصان الشّجر فتصير كالسّقف يَستظلّ تحته الجالسُ: العَريشُ.

ومنه ما يذكر في السيرة: العريش الّذي جُعل للنّبيء صلى الله عليه وسلم يومَ بدر، وهو الّذي بني على بقعته مسجد بعد ذلك هو اليوم موجود ببدر.

ووصف الجنّات بمعروشات مجاز عقلي، وإنَّما هي معروش فيها، والمعروش أشجارها.

وغير المعروشات المبقاة كرومها منبسطة على وجه الأرض وأرفع بقليل، ومن محاسنها أنَّها تزيّن وجه الأرض فيرى الرائي جميعها أخضر.

وقوله: ﴿ معروشات وغير معروشات ﴾ صفة: ل ﴿ جنّات ﴾ قصد منها تحسين الموصوف والتّذكيرُ بنعمة الله أن ألْهَم الإنسان إلى جعلها على صفتين، فإنّ ذكر محاسن ما أنشأه الله يزيد في المنّة، كقوله في شأن الأنعام ﴿ ولكم فيها جَمَالٌ حين تريحون وحين تسرحون ﴾ [النحل: 6].

و ﴿ مختلفا أكلهُ ﴾ حال من الزّرع، وهو أقرب المذكورات إلى اسم الحال، ويعلم أنّ النّخل والجنّات كذلك، والمقصود التّذكير بعجيب خلق الله، فيفيد ذكرُ الحال مع أحد الأنواع تذكّر مثله في النوع الآخر، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها ﴾ [الجمعة: 11] أي وإليه، وهي حال مقدّرة على ظاهر قول النّحويين لأنَّها مستقبلة عن الإنشاء، وعندي أنّ عامل الحال إذا كان ممّا يحصل مَعناه في أزمنة، وكانت الحال مقارنة لبعض أزمنة عاملها، فهي جديرة بأن تكون مقارنة، كما هنا.

(والأُكْل) بضمّ الهمزة وسكون الكاف لنافع وابن كثير، وبضمّهما قرأه الباقون، هو الشّيء الّذي يؤكل، أي مختلفا مَا يؤكل منه.

وعُطف: ﴿ والزيتون والرمان ﴾ على: ﴿ جنّاتتٍ...

والنّخلَ والزّرعَ ﴾ .

والمراد شجر الزّيتون وشجر الرمّان.

وتقدّم القول في نظيره عند قوله تعالى: ﴿ وهو الذي أنزل من السّماء ماء ﴾ الآية في هذه السّورة (99).

إلاّ أنَّه قال هناك: ﴿ مُشْتَبِها ﴾ [الأنعام: 99] وقال هنا: ﴿ متشابها ﴾ وهما بمعنى واحد لأنّ التّشابه حاصل من جانبين فليست صيغة التّفاعل للمبالغة ألا ترى أنَّهما استويا في قوله: ﴿ وغير متشابه ﴾ في الآيتين.

غُيّر أسلوبُ الحكاية عن أحوال المشركين فأُقبل على خطاب المؤمنين بهذه المنّة وهذا الحكم؛ فهذه الجمل معترضة وهي تعريض بتسفيه أحلام المشركين لتحريمهم على أنفسهم ما مَنّ الله به عليهم.

والثَمَر: بفتح الثّاء والميم وبضمّهما وقرئ بهما كما تقدّم بيانه في نظيرتها.

والأمر للإباحة بقرينة أن الأكل من حقّ الإنسان الّذي لا يجب عليه أن يفعله، فالقرينة ظاهرة.

والمقصود الردّ على الّذين حجّروا على أنفسِهِم بعض الحرث.

و ﴿ إذا ﴾ مفيدة للتّوقيت لأنها ظرف، أي: حين إثماره، والمقصود من التّقييد بهذا الظّرف إباحة الأكل منه عند ظهوره وقبل حصاده تمهيداً لقوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ أي: كلوا منه قبل أداء حقّه.

وهذه رخصة ومنّة، لأنّ العزيمة أن لا يأكلوا إلاّ بعد إعطاء حقّه كيلا يستأثروا بشيء منه على أصحاب الحقّ، إلاّ أنّ الله رخّص للنّاس في الأكل توسعة عليهم أن يأكلوا منه أخضر قبل يبسه لأنَّهم يستطيبونه كذلك، ولذلك عقّبه بقوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ كما سيأتي.

وإفراد الضّميرين في قوله: ﴿ من ثمره إذا أثمر ﴾ على اعتبار تأويل المعاد بالمذكور.

والأمر في قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ خطاب خاصّ بالمؤمنين كما تقدم.

وهذا الأمر ظاهر في الوجوب بقرينة تسمية المأمور به حقّاً.

وأضيف الحقّ إلى ضمير المذكور لأدنى ملابسة، أي الحقّ الكائن فيه.

وقد أُجمل الحقّ اعتماداً على ما يعرفونه، وهو: حقّ الفقير، والقربى، والضّعفاء، والجيرة.

فقد كان العرب، إذا جَذّوا ثمارهم، أعطوا منها من يحضر من المساكين والقرابة.

وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿ فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ﴾ [القلم: 23، 24].

فلمّا جاء الإسلام أوجب على المسلمين هذا الحقّ وسمَّاه حقاً كما في قوله تعالى: ﴿ والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ﴾ [المعارج: 24، 25]، وسمّاه الله زكاة في آيات كثيرة ولكنّه أجمل مقداره وأجمل الأنواعَ الّتي فيها الحقّ ووكلهم في ذلك إلى حرصهم على الخير، وكان هذا قبل شرع نصُبُها ومقاديرها.

ثمّ شرعت الزّكاة وبيّنت السنّة نصبها ومقاديرها.

والحِصاد بكسر الحاء وبفتحها قطع الثّمر والحبّ من أصوله، وهو مصدر على وزننِ الفِعال أو الفَعال.

قال سيبويه «جاءوا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزّمان على مثال فِعال وذلك الصِّرام والجِزاز والجِدَاد والقِطاع والحِصاد، وربَّما دخلتتِ اللّغة في بعض هذا (أي اختلفت اللّغاتُ فقال بعض القبائل حَصاد بفتح الحاء وقال بعضهم حصاد بكسر الحاء) فكان فيه فعال وفَعال فإذا أرادوا الفعل على فَعَلْت قالوا حَصَدته حَصْداً وقَطَعْته قطعاً إنَّما تريد العمل لا انتهاء الغاية».

وقرأه نافع، وابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف بكسر الحاء.

وقرأ أبُو عمرو، وعاصم، وابن عامر، ويعقوب بفتح الحاء.

وقد فرضت الزّكاة في ابتداء الإسلام مع فرض الصّلاة، أو بعده بقليل، لأنّ افتراضها ضروري لإقامة أود الفقراء من المسلمين وهم كثيرون في صدر الإسلام، لأنّ الّذين أسلموا قد نبذهم أهلوهم ومواليهم، وجحدوا حقوقهم، واستباحوا أموالهم، فكان من الضّروري أن يسدّ أهل الجدة والقوّة من المسلمين خَلَّتهم.

وقد جاء ذكر الزّكاة في آيات كثيرة ممّا نزل بمكّة مثل سورة المزمّل وسورة البيّنة وهي من أوائل سور القرآن، فالزّكاة قرينة الصّلاة.

وقول بعض المفسّرين: الزّكاة فرضت بالمدينة، يحمل على ضبط مقاديرها بآية ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ﴾ [التوبة: 103] وهي مدنيَّة، ثمّ تطرّقوا فمنعوا أن يكون المراد بالحقّ هنا الزّكاة، لأنّ هذه السّورة مكّيّة بالاتّفاق، وإنَّما تلك الآية مؤكّدة للوجوب بعد الحلول بالمدينة، ولأنّ المراد منها أخذها من المنافقين أيضاً، وإنَّما ضبطت الزّكاة.

ببيان الأنواع المزكاة ومقدار النُّصب والمُخْرَج منه، بالمدينة، فلا ينافي ذلك أن أصل وجوبها في مكّة، وقد حملها مالك على الزّكاة المعيّنة المضبوطة في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه وهو قول ابن عبّاس، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيّب، وجمع من التّابعين كثير.

ولعلّهم يرون الزّكاة فرضت ابتداء بتعيين النّصب والمقادير، وحَملها ابنُ عمر، وابنُ الحنفية، وعليّ بن الحسين، وعطاء، وحمَّاد، وابن جبير، ومجاهد، على غير الزّكاة وجعلوا الأمر للنّدب، وحملها السُدّي، والحسن، وعطيّة العوفي، والنّخعي، وسعيد بن جبير، في رواية عنه، على صدقة واجبة ثمّ نسختها الزّكاة.

وإنَّما أوجب الله الحقّ في الثّمار والحبّ يوم الحصاد: لأنّ الحصاد إنَّما يراد للادّخار وإنَّما يَدّخِر المرء ما يريده للقوت، فالادّخار هو مظنة الغني الموجبة لإعطاء الزّكاة، والحصاد مبدأ تلك المظنة، فالّذي ليست له إلاّ شجرة أو شجرتان فإنَّما يأكلُ ثمرها مخضوراً قبل أن ييبس، فلذلك رخَّصت الشّريعة لصاحب الثّمرة أن يأكل من الثّمر إذا أثمر، ولم توجب عليه إعطاء حقّ الفقراء إلاّ عند الحصاد.

ثمّ إنّ حصاد الثّمار، وهو جذاذها، هو قطعها لادّخارها، وأمَّا حصاد الزّرع فهو قطع السّنبل من جذور الزّرع ثمّ يُفرك الحبّ الّذي في السّنبل ليدّخر، فاعتبر ذلك الفرك بقيّة للحصاد.

ويظهر من هذا أنّ الحقّ إنَّما وجب فيما يحصد من المذكورات مثل الزّبيب والتَّمر والزّرع والزّيتون، من زيته أو من حبّه، بخلاف الرمّان والفواكه.

وعلى القول المختار: فهذه الآية غير منسوخة، ولكنّها مخصّصة ومبيَّنة بآيات أخرى وبما يبيّنه النَّبيء صلى الله عليه وسلم فلا يُتعلّق بإطلاقها، وعن السدّي أنَّها نسخت بآية الزّكاة يعني: ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ [التوبة: 103] وقد كان المتقدّمون يسمّون التّخصيص نسخاً.

وقوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ عطف على ﴿ كلوا ﴾ ، أي: كلوا غيرَ مسرفين.

والإسراف والسّرف: تجاوز الكافي من إرضاء النّفس بالشّيء المشتهى.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ [الأعراف: 31].

والإسراف إذا اعتاده المرء حمله على التّوسّع في تحصيل المرغوبات، فيرتكب لذلك مَذمَّات كثيرة، وينتقل من ملذّة إلى ملذّة فلا يقف عند حدّ.

وقيل عطف على ﴿ وآتوا حقه ﴾ أي ولا تسرفوا فيما بقي بعد إتيان حقّه فتنفقوا أكثر ممّا يجب، وهذا لا يكون إلاّ في الإنفاق والأكل ونحوه، فأمَّا بذله في الخيرْ ونفع النّاس فليس من السّرف، ولذلك يعدّ من خطأ التّفسير: تفسيرُها بالنَّهي عن الإسراف في الصّدقة، وبما ذكروه أنّ ثابتَ بن قيس صَرَم خمسمائة نخلة وفرّق ثمرها كلّه ولم يدخل منه شيئاً إلى منزله، وأنّ الآية نزلت بسبب ذلك.

وقوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ استئناف قصد به تعميم حكم النّهي عن الإسراف.

وأكّد ب ﴿ إنّ ﴾ لزيادة تقرير الحكم، فبيّن أنّ الإسراف من الأعمال التي لا يحبّها، فهو من الأخلاق الّتي يلزم الانتهاء عنها، ونفي المحبّة مختلف المراتب، فيعلم أنّ نفي المحبّة يشتدّ بمقدار قوّة الإسراف، وهذا حكم مجمل وهو ظاهر في التّحريم، وبيان هذا الإجمال هو في مطاوي أدلّة أخرى والإجمال مقصود.

ولغموض تأويل هذا النّهي وقوله: ﴿ إنَّه لا يحبّ المسرفين ﴾ تفرّقت آراء المفسّرين في تفسير معنى الإسراف المنهي عنه، ليعينوه في إسراف حرام، حتّى قال بعضهم: إنَّها منسوخة، وقد علمت المنجى من ذلك كلّه.

فوجه عدم محبّة الله إيّاهم أنّ الإفراط في تناول اللّذّات والطّيّبات، والإكثار من بذل المال في تحصيلها، يفضي غالباً إلى استنزاف الأموال والشّره إلى الاستكثار منها، فإذا ضاقت على المسرف أمواله تطلب تحصيل المال من وجوه فاسدة، ليخمد بذلك نهمته إلى اللّذات، فيكون ذلك دأبه، فربَّما ضاق عليه ماله، فشقّ عليه الإقلاع عن معتاده، فعاش في كرب وضيق، وربَّما تطلّب المال من وجوه غير مشروعة، فوقع فيما يؤاخذ عليه في الدّنيا أو في الآخرة، ثمّ إنّ ذلك قد يعقب عياله خصاصة وضنك معيشة.

وينشأ عن ذلك مَلام وتوبيخ وخصومات تفضي إلى ما لا يحمد في اختلال نظام العائلة.

فأمَّا كثرة الإنفاق في وجوه البرّ فإنَّها لا توقع في مثل هذا، لأنّ المنفق لا يبلغ فيها مبلغ المنفق لمحبّة لَذّاته، لأنّ داعي الحكمة قابل للتأمّل والتّحديد بخلاف داعي الشّهوة.

ولذلك قيل في الكلام الّذي يصحّ طَرْداً وعكساً: «لاَ خَيْرَ في السَّرف، ولا سرف في الخير» وفي معنى هذه الآية قوله في سورة الأعراف (31): ﴿ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ [الأعراف: 31] وقول النَّبيء صلى الله عليه وسلم " ويُكره لكم قيل وقال وكثرة السُّؤال وإضاعة المال ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ﴾ أمّا الجَنّاتُ فَهي البَساتِينُ يَحُفُّها الشَّجَرُ، وأمّا الرَّوْضَةُ فَهي الخَضْراءُ بِالنَّباتِ، وأمّا الزَّهْرَةُ فَهي بِاخْتِلافِ الألْوانِ الحَسَنَةِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مَعْرُوشاتٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ تَعْرِيشُ النّاسِ الكُرُومَ وغَيْرَها، بِأنْ تُرْفَعَ أغْصانُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ تَعْرِيشَها هو رَفْعُ حِظارِها وحِيطانِها.

والثّالِثُ: أنَّها المُرْتَفِعَةُ عَنِ الأرْضِ لِعُلُوِّ شَجَرِها، فَلا يَقَعُ ثَمَرُها عَلى الأرْضِ، لِأنَّ أصْلَهُ الِارْتِفاعُ ولِذَلِكَ سُمِّيَ السَّرِيرُ عَرْشًا لِارْتِفاعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها  ﴾ و [الحَجَّ: ٤٥] أيْ عَلى أعالِيها وما ارْتَفَعَ مِنها.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْرُوشاتِ ما عَرَّشَهُ النّاسُ، وغَيْرَ المَعْرُوشاتِ ما نَبَتَ في البَرارِي والجِبالِ.

﴿ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ وإنَّما قُدِّمَ ذِكْرُ الأكْلِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: تَسْهِيلًا لِإيتاءِ حَقِّهِ.

والثّانِي: تَغْلِيبًا لَحَقِّهِمْ وافْتِتاحًا بِنَفْعِهِمْ بِأمْوالِهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ فِيهِ: العُشْرُ فِيما سُقِيَ بِغَيْرِ آلَةٍ، ونِصْفُ العُشْرِ فِيما سُقِيَ بِآلَةٍ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّها صَدَقَةٌ غَيْرُ الزَّكاةِ، مَفْرُوضَةٌ يَوْمَ الحَصادِ والصِّرامِ وهي إطْعامُ مَن حَضَرَ وتَرْكُ ما تَساقَطَ مِنَ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، قالَهُ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ هَذا كانَ مَفْرُوضًا قَبْلَ الزَّكاةِ ثُمَّ نُسِخَ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ.

﴿ وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذا الإسْرافَ المَنهِيَّ عَنْهُ هو أنْ يَتَجاوَزَ رَبُّ المالِ إخْراجَ القَدْرِ المَفْرُوضِ عَلَيْهِ إلى زِيادَةٍ تُجْحِفُ بِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

وَقَدْ رَوى سَعْدُ بْنُ سِنانٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «اَلْمُعْتَدِي في الصَّدَقَةِ كَمانِعِها وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِماسٍ وقَدْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ ثَمَرَتِهِ حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيها ما يَأْكُلُهُ.

» والثّانِي: هو أنْ يَأْخُذَ السُّلْطانُ مِنهُ فَوْقَ الواجِبِ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: هو أنْ يَمْنَعَ رَبَّ المالِ مِن دَفْعِ القَدْرِ الواجِبِ عَلَيْهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِهَذا السَّرَفِ ما كانُوا يُشْرِكُونَ آلِهَتَهم فِيهِ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والخامِسُ: هو أنْ يُسْرِفَ في الأكْلِ مِنها قَبْلَ أنْ يُؤَدِّيَ زَكاتَها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الحَمُولَةَ كِبارُ الإبِلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْها، والفَرْشَ صِغارُها الَّتِي لا يُحْمَلُ عَلَيْها، مَأْخُوذٌ مِنِ افْتِراشِ الأرْضِ بِها عَلى الِاسْتِواءِ كالفَرْشِ.

وَقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الِافْتِراشُ الإضْجاعُ لِلنَّحْرِ، فَتَكُونُ الحَمُولَةُ كِبارَها، والفَرْشُ صِغارَها، قالَ الرّاجِزُ: أوْرَثَنِي حَمُولَةً وفَرْشًا أمُشُّها في كُلِّ يَوْمٍ مَشًّا أيْ أمْسَحُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ الحَمُولَةَ ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ، والفَرْشُ: الغَنَمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْلَمَةَ: وحُوِينا الفَرْشَ مِن أنْعامِكم ∗∗∗ والحَمُولاتِ ورَبّاتِ الحَجَلِ والثّالِثُ: أنَّ الحَمُولَةَ ما حَمَلَ مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ، والخَيْلِ، والبِغالِ، والحَمِيرِ، والفَرْشُ ما خُلِقَ لَهم مِن أصْوافِها وجُلُودِها.

﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ الحَمُولَةِ لِيُبَيِّنَ أنَّ الِانْتِفاعَ بِظَهْرِها لا يَمْنَعُ مِن جَوازِ أكْلِها.

والثّانِي: أنَّهُ إذْنٌ مِنهُ في عُمُومِ أكْلِ المُباحِ مِن أمْوالِهِمْ، ونَهى عَنْ أكْلِ ما لا يَمْلِكُونَهُ.

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها طَرِيقُهُ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْها مِن كُفْرٍ وضَلالٍ.

والثّانِي: أنَّها تَخَطِّيهِ إلى تَحْرِيمِ الحَلالِ وتَحْرِيمِ الحَرامِ، وقَدْ ذَكَرْنا ما في ذَلِكَ مِن زِيادَةِ التَّأوِيلِ ومِنَ الِاحْتِمالِ، وأنَّهُ الِانْتِقالُ مِن مَعْصِيَةٍ إلى أُخْرى حَتّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ المَعاصِي، مَأْخُوذٌ مِن خَطْوِ القَدَمِ: انْتِقالُها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ.

﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما بانَ لَكم مِن عَداوَتِهِ لِأبِيكم آدَمَ.

والثّانِي: ما بانَ لَكم مِن عَداوَتِهِ لِأوْلِيائِهِ مِنَ الشَّياطِينِ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ﴾ قال: المعروشات ما عرش الناس ﴿ وغير معروشات ﴾ ما خرج في الجبال والبرية من الثمرات.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ معروشات ﴾ قال: بالعيدان والقصب ﴿ وغير معروشات ﴾ قال: الضاحي.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ معروشات ﴾ قال: الكرم خاصة.

وأخرج من وجه آخر عن ابن عباس ﴿ معروشات ﴾ ما يعرش من الكرم وغير ذلك ﴿ وغير معروشات ﴾ ما لا يعرش منها.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ متشابهاً ﴾ قال: في المنظر ﴿ وغير متشابه ﴾ قال: في المطعم.

وأخرج ابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: ما سقط من السنبل.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: نسخها العشر ونصف العشر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن عطية العوفي في قوله: ﴿ وأتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: كانوا إذا حصدوا وإذا ديس وإذا غربل أعطوا منه شيئاً، فنسخها العشر ونصف العشر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن المنذر عن سفيان قال: سألت السدي عن هذه الآية ﴿ وأتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: هي مكية نسخها العشر ونصف العشر.

قلت له: عمن؟

قال: عن العلماء.

وأخرج النحاس وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، الرجل يعطى زرعه، ويعلف الدابة، ويعطى اليتامى والمساكين، ويعطى الضغث.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن.

وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك قال: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: كانوا يعطون من اعتربهم شيئاً سوى الصدقة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ وأتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، فإذا طيبته وكرسته فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، فإذا دسته وذريته فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، فإذا ذريته وجمعته وعرفت كيله فاعزل زكاته، وإذا بلغ النخل فحضرك المساكين فاطرح لهم من التفاريق والبسر، فإذا جددته فحضرك المساكين فاطرح له منه، فإذا جمعته وعرفت كيله فاعزل زكاته.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ميمون بن مهران ويزيد بن الأصم قال: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق فيضعونه في المسجد، فيجيء السائل فيضربه بالعصا فيسقط منه.

فهو قوله: ﴿ وأتوا حقه يوم حصاده ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حماد بن أبي سليمان في قوله وأتوا حقه يوم حصاده قال كانوا يطعمون منه رطباً.

وأخرج أبو عبيد وأبو داود في ناسخه وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: هو الصدقة من الحب والثمار.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أنس.

أن رجلاً من بني تميم قال: يا رسول الله أنا رجل ذو مال كثير وأهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟

قال: «تخرج زكاة مالك فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقاربك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي قال: إن في المال حقاً سوى الزكاة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي العالية في قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة، ثم إنهم تباذروا واسرفوا، فأنزل الله: ﴿ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وجد نخلاً فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فاطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله: ﴿ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال: ليس شيء أنفقته في طاعة الله اسرافاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لو أنفقت مثل أبي قيس ذهباً في طاعة الله لم يكن إسرافاً ولو أنفقت صاعاً في معصية الله كان إسرافاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عون بن عبد الله في قوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ قال: الذي يأكل مال غيره.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: عشوره.

وقال للولاة ﴿ لا تسرفوا ﴾ لا تأخذوا ما ليس لكم بحق ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ فأمر هؤلاء أن يؤدوا حقه وأمر الولاه أن لا يأخذوا إلا بالحق.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ قال: لا تعطوا أموالكم وتقعدوا فقراء.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ كلوا من ثمره إذا أثمر ﴾ قال: من رطبه وعنبه وما كان، فإذا كان يوم الحصاد فاعطوا حقه يوم حصاده ﴿ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ قال: السرف أن لا يعطى في حق.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير عن أبي بشر قال: أطاف الناس باياس بن معاوية فقالوا: ما السرف؟

قال: ما تجاوزت به أمر الله فهو سرف.

قال سفيان بن حسين: وما قصرت به عن أمر الله فهو سرف.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: الصدقة التي فيه «ذكر لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم سن فيما سقت السماء، أو العين السائحة، أو سقى النيل، أو كان بعلاً: العشر كاملاً، وفيما سقى بالرشا نصف العشر، وهذا فيما يكال من الثمر.

قال: وكان يقال: إذا بلغت الثمرة خمسة أوسق وهو ثلثمائة صاع فقد حقت فيه الزكاة.

قال: وكانوا يستحبون أن يعطى مما لا يكال من الثمرة على نحو ما يكال منها» .

وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس وابن عدي والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: الزكاة المفروضة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه والبيهقي عن طاووس ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ قال: الزكاة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ ﴾ ، ذكر الزجاج وجه اتصال هذه الآية بما قبلها فقال: (احتج الله عليهم، ونبه على عظيم ما أتوه في أن أقدموا على الكذب على الله، وشرَّعُوا من الدين ما لم يأذن به فقال: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ ﴾ ، فكأنه قال: افتروا على الله، وهو المحدِث للأشياء، الفاعِل ما لا يقدر أحد على الإتيان بمثله فقال: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ ﴾ أي: أبدع) (١) (٢) (٣) قوله تعالى: ﴿ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ ﴾ يقال: عَرَّشْتُ (٤) (٥) ﴿ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ﴾ يريد: أن كثيراً من الأعناب لا يُعرش) هذا قوله في رواية عطاء (٦) (٧) (٨) وروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: ( ﴿ مَعْرُوشَاتٍ ﴾ ما انبسط على وجه الأرض، وانتشر مما يعرش، مثل: الكروم والقرع والبطيخ، {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} ما قام على ساق وبسق (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ ﴾ فسر ابن عباس: (الزرع هاهنا بجميع الحبوب التي تقتات، ﴿ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ ﴾ قال: يريد بكل شيء منها طعم غير طعم الآخر) (١١) ﴿ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ  ﴾ وانتصب (مختلفًا) على الحال (١٢) فإن قيل: كيف أنشأه في حال اختلاف أكله وهو قد أنشأه من قبل ظهور أكله، وأكله ثمره؟

والجواب: ما ذكره الزجاج وابن الأنباري (١٣) قال الزجاج: (ويجوز أن يكون أنشأه ولا أكل فيه، ﴿ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ ﴾ ؛ لأن المعنى: مقدرًا ذلك فيه، كما تقول: لتدخلن منزل زيدٍ آكلين شاربين، والمعنى: أنكم تدخلون مقدّرين ذلك، وسيبويه (١٤) (١٥) وقال أبو بكر: (ويجوز أن يكون نصب ﴿ مُخْتَلِفًا ﴾ على القطع من ﴿ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ ﴾ لا على الحال، والقطع النعت، فكأنه قال: ﴿ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ ﴾ المختلف أكلهما فلما كان (مختلفًا) نكرةً، ﴿ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ ﴾ معرفتان، لم تحمل نكرة على إعراب معرفة، فقطعت من لفظهما، أجاز الكسائي والفراء (١٦) قال: وأما توحيده الهاء (١٧) ﴿ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ ﴾ فلأنه اكتفي بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعًا كقوله عز وجل: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا  ﴾ والمعنى: إليهما.

وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ (١٨) (١٩) ﴿ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ ﴾ أي: منه الحامض والمر والحلو والجيد والرديء، وكل هذا من نعت ضروب التمر) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ﴾ .

قال أبو بكر: وهو قول غيره من المفسرين (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾ : أمر إباحة (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ ، قال الأزهري (٢٥) وقال جميع أهل اللغة: (٢٦) (٢٧) (٢٨) واختلفوا في معنى قوله: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ أي حقٍّ هو؟

فقال ابن عباس في رواية عطاء (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) فإن قيل: على هذا كيف يؤدي الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل؟

فالجواب: أن معناه قدروا إخراج الواجب منه، فإن وقت الحصاد قريب من زمان التنقية الذي هو وقت وجوب الإخراج هذا في الزرع، فأما في النخل فلا اختلاف بين المسلمين أن ثمارها إذا حصدت وجب إخراج ما يجب فيها من الصدقة.

وقوله: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ ظاهر في ﴿ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ ﴾ محمول عليه في وجوب الإخراج منه، إلا أنه لا يمكن ذلك عند الحصاد فيؤخر إلى زمان التنقية (٣٦) وقال بعضهم: (هذا حق في المال سوى الزكاة، أمر الله تعالى به تأديبًا وحضًا على البر، فإن فعل فحسن، وإن لم يفعل فلا شيء على تاركه، وليس بأمرٍ حتمٍ).

وهذا قول عطاء (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) وقال مقسم عن ابن عباس: (نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن) (٥٠) (٥١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ قال أبو العباس (٥٢) (٥٣) وقال شَمِر: (سَرَف الماء ما ذهب منه في غير سقى ولا نفع قال: أرْوَت البئر النخيل وذهب بقيّة الماء سَرَفًا) (٥٤) (٥٥) وقد فُسر الإسراف بالوجهين (٥٦) وقال ابن عباس: كان رجال يتبرعون عند الصرام، فيقول الرجل: لا أمنع سائلا حتى أمسي، فعمد ثابت بن قيس بن شماس إلى خمسمائة نخلة فجدها ثم قسمها في يومٍ واحدٍ، ولم يدخل منها إلى منزله شيئًا، فأنزل الله ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ أي: لا تعطوا كله (٥٧) وهذا قول السدي (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) وقال سعيد بن المسيب: (معناه: لا تمنعوا الصدقة) (٦٢) وقال مقاتل (٦٣) (٦٤) ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ (لا تجعلوا لله شريكًا، إنه لا يحب من جعل له شريكًا) (٦٥) وقال إياس بن معاوية (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) 142 - قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴾ الآية معناها: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا؛ لأن قوله: ﴿ وَمِنَ الْأَنْعَامِ ﴾ نسق علي قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ  ﴾ قاله (٧٤) (٧٥) (٧٦) وأما الحمولة، فقال الفراء: (الحمولة: ما أطاق العمل والحمل، والفرش: الصغار) (٧٧) وقال ابن السكيت: (قال أبو زيد: الحمولة: ما احتمل عليه الحيّ من بعير أو حمار أو غيره كانت عليها أحمال أو لم تكن، وأنكر أبو الهيثم ما قاله أبو زيد، وقال: الحمولة من الإبل التي تحمل الأحمال على ظهرها، فأما الحُمر والبغال فلا تدخل في الحمولة) (٧٨) (٧٩) (٨٠) وقال عنترة: ما رَاعَني إلاَّ حَمُولَة أَهلِهَا ...

وَسْطَ الدِّيار تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ (٨١) وأما الفرش، فقال أبو إسحاق: (أجمع أهل اللغة (٨٢) ﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ  ﴾ ، فلما جاء هذا بدلاً من قوله ﴿ حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴾ جعله للبقر والغنم مع الإبل) (٨٣) قال الأزهري (٨٤) (٨٥) وقال الليث: (الفرش: من النعم التي لا تصلح إلا للذبح، وهي ما دون الحَمولة) (٨٦) (٨٧) (٨٨) (٨٩) وأما (٩٠) ﴿ حَمُولَةً ﴾ : الحوامل، ﴿ وَفَرْشًا ﴾ : الذي ليس بحامل) (٩١) وقال ابن مسعود: (الحمولة: الكبار، والفرش: الصغار) (٩٢) وقال الحسن: (الفرش: الحواشي) (٩٣) وروي عن ابن عباس (٩٤) (٩٥) وقال مجاهد: (الحمولة: ما حمل عليها، والفرش: صغار الإبل) (٩٦) وقال قتادة: (الحمولة: الإبل، والفرش: البقر والغنم) (٩٧) وقال الربيع بن أنس: (الحمولة: الإبل والبقر، والفرش: الماعز والضأن) (٩٨) (٩٩) وقوله تعالى: ﴿ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: أحل الله لكم الذبائح مما ذكر اسم الله عليه) (١٠٠) وقال أبو إسحاق: (أي: لا تُحرموا ما حرمتم مما جرى ذكره) (١٠١) ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ (يريد: ما زين الشيطان وشرع عمرو بن لحي)، قاله ابن عباس (١٠٢) (١٠٣) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: بيّن العداوة، أخرج آدم من الجنة، وهو القائل: ﴿ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا  ﴾ (١٠٤) (١) "معاني الزجاج" 2/ 296.

(٢) الإنشاء: إيجاد الشيء وتربيتهِ.

والنَّشْءُ والنَّشأةُ: إحداث الشيء وتربيته.

يقال: نَشَأ: بالفتح - يَنْشأ نَشأ ونَشْأة ونشَاءة، وفي "اللسان" 7/ 4418 مادة (نشأ): (نَشأ يَنْشَأ نَشأ ونُشُوءًا ونَشَاءً ونَشْأةً ونَشَاءَةً: حَيي، وأنشأ الله الخلق، أي: ابتدأ خلقهم) ا.

هـ وانظر: "العين" 6/ 287، و"الجمهرة" 2/ 1076، و"تهذيب اللغة" 4/ 3567، و"الصحاح" 1/ 77، و"المجمل" 4/ 868، و"المفردات" ص 807.

(٣) في (أ): (أن يظهره) ثم صحح أعلى السطر (أي).

(٤) انظر: "العين" 1/ 249، و"الجمهرة" 2/ 728، و"الصحاح" 3/ 1009، و"المجمل" 3/ 658، و"المفردات" ص 558، و"اللسان" 5/ 2882 (عرش).

(٥) النص في "تهذيب اللغة" 3/ 2392 (عرش).

(٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 52، رقم 13958 بسند ضعيف، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، وهو في "تفسير عطاء الخراساني" ص 88، رقم 208، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 92، وقال: (أخرجه أبو الشيخ، عن ابن عباس، وأخرج من وجه آخر عن ابن عباس (معروشات) قال: الكرم خاصة) ا.

هـ، وعلق البخاري في "صحيحه" 8/ 287، في كتاب تفسير القرآن، سورة الأنعام، عن ابن عباس قال: ((معروشات) ما يعرش من الكرم وغير ذلك) ا.

هـ، وقال الحافظ بن حجر في "فتح الباري" 8/ 287، والعيني في "عمدة القارئ" 15/ 143: (وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: ( ﴿ مَعْرُوشَاتٍ ﴾ ما يعرش من الكرم، ﴿ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ﴾ ما لا يعرش) ا.

هـ.

(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ص 185 أ، والبغوي 3/ 195، وابن الجوزي 3/ 135.

(٨) "معاني القرآن" 1/ 359 وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 296: (ومعنى المعروشات ههنا: الكروم) اهـ.

(٩) بَسَق، بالفتح: طال، وارتفع.

انظر: "اللسان" 1/ 284 (بسق)، وجاء الأثر عند البغوي في "تفسيره" 3/ 195، وفيه (ونسق) بالنون بدل الباء، والنَّسَق: ما كان على طريقة نظام واحد.

انظر: "اللسان" 10/ 7/ 4412 (نسق).

(١٠) ذكره الثعلبي في "الكشف" 185 أ، والقرطبي 7/ 98، والخازن 2/ 190، وأبو حيان في "البحر" 4/ 236، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 52، بسند جيد عن ابن عباس قال: ( ﴿ مَعْرُوشَاتٍ ﴾ مسموكات)، وفي رواية ( ﴿ مَعْرُوشَاتٍ ﴾ : ما عرش الناس ﴿ وغير معروشات ﴾ : ما خرج في البر والجبال من الثمرات) اهـ.

والظاهر أن المراد بالمعروشات: ما كانت مرفوعة على ما يحملها من دعائم كأشجار العنب وغيرها، وغير المعروشات هي المتروكة على وجه الأرض لم تعرش.

وهو اختيار أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 207، وأبي حيان في "البحر" 4/ 236، والدكتور فريد مصطفى سلمان في "تفسير آيات الأحكام من سورتي الأنعام والأعراف" ص 85 - 86.

(١١) ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 212، وانظر: "تفسير الخازن" 2/ 190، و"البحر المحيط" 4/ 234.

(١٢) حال مقدرة؛ لأن النخل والزرع وقت خروجهما لا أكل فيه، حتى يقال فيه متفق أو مختلف.

انظر: "إعراب النحاس" 1/ 585، و"المشكل" 1/ 274، و"غرائب التفسير" 1/ 389، و"البيان" 1/ 345، و"التبيان" 361، و"الفريد" 2/ 239 ، و"الدر المصون" 5/ 187.

(١٣) لم أقف عليه عن ابن الأنباري.

(١٤) "الكتاب" 2/ 52.

(١٥) "معاني الزجاج" 2/ 296.

(١٦) قال الفراء في "معانيه" 1/ 11 - 12، في إعراب قوله تعالى: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ (في: (هدى) النصب من وجهين: أن تجعل (الكتاب) خبرًا، لذلك فتنصب (هدى) على القطع؛ لأن (هدى) نكرة اتصل بمعرفة قد تم خبرها فنصبتها؛ لأن النكرة لا تكون دليلًا على معرفة، وإن شئت نصت (هدى) على == القطع، الحال من الهاء التي في (فيه)، كأنك قلت: لا شك فيه هاديا) ا.

هـ.

وانظر: "معاني الفراء" 1/ 358، وقال السمين في "الدر" 5/ 189، قال ابن الأنباري: (إن (مختلفًا) نصب على القطع، فكأنه قال: والنخل والزرع المختلف أكلهما، وهذا رأي الكوفيين) ا.

هـ.

(١٧) الضمير في (أكله) يعود على الزرع؛ لأنه أقرب مذكور ولقرينة الحصد، أو يعود على جميع ما سبق؛ لأن التعميم أولى، والمعنى: مختلف ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحب.

وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 52، وانظر: "البحر المحيط" 4/ 236 و"الدر المصون" 5/ 188.

(١٨) جاء في النسخ (أن ترضوه) بالتاء، وهو خطأ واضح.

(١٩) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 195، ولم أقف على من خصه بالنخل.

(٢٠) لم أقف عليه عن ابن الأنباري.

(٢١) ومنهم ابن جريج، فقد أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 52، بسند جيد عنه قال: (متشابهًا في المنظر، وغير متشابه في الطعم) ا.

هـ.

وانظر: "تفسير مقاتل" 1/ 593، والسمرقندي 1/ 518، وابن الجوزي 3/ 94.

(٢٢) "معاني الفراء" 1/ 359، والآية عامة، أي: متشابه في المنظر ومختلف في الطعم، كالنخل متعدد الأنواع والطعم، والرمان منه الحلو والحامض، أو متشابه في الطعم ومختلف في المنظر، والأول أدل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وإبداع مخلوقاته.

انظر: "معاني الزجاج" 2/ 297، و"معاني النحاس" 2/ 500.

(٢٣) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 195، وابن عطية 5/ 370.

(٢٤) انظر: "البسيط" تفسير سورة البقرة: 267.

(٢٥) "تهذيب اللغة" 2/ 894 (حصد).

(٢٦) انظر: "العين" 3/ 122، و"الجمهرة" 1/ 503، و"الصحاح" 2/ 465، و"المجمل" 1/ 238، و"المفردات" ص 238، و"اللسان" 2/ 894 مادة (حصد).

(٢٧) لفظ: (وجداد الثانية) ساقطة من (ش): والمراد أن الجميع يقال بفتح أوله وكسره، ومعنى الحصاد والجزاز والقطاف والجداد: هو قطع الثمر ووقت قطعه.

انظر: "اللسان" 1/ 563 مادة (جدد)، 2/ 856 (جزز) 9/ 3680 (قطف).

(٢٨) "الكتاب" 4/ 12، وانظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 416، و"اللسان" 1/ 563 مادة (جدد).

(٢٩) ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 213، عن عطاء عن ابن عباس، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1398، والبيهقي في "سننه" 4/ 132، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 332، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس قال: (العشر ونصف العشر)، وأخرج أبو عبيد في "ناسخه" ص 31، والطبري في "تفسيره" 8/ 54، بسند جيد عن ابن عباس قال: (حقه زكاته المفروضة يوم يكال أو يعلم كيله) اهـ.

(٣٠) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 145، وفي "التفسير" 1/ 2/ 219، والطبري في "تفسيره" 8/ 54، والبيهقي في "سننه" 4/ 132، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 332، من عدة طرق جيدة.

(٣١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 53، والنحاس في "ناسخه" 2/ 325، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 332، من عدة طرق جيدة، وأخرج أبو عبيد في "ناسخه" ص 31، والطبري في "تفسيره" من عدة طرق جيدة عن الحسن قال: (هي الصداقة من الحب والثمار) اهـ.

(٣٢) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 145، والطبري في "تفسيره" 8/ 54 بسند ضعيف.

(٣٣) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 408 (1084)، والطبري في "تفسيره" 8/ 54 بسند ضعيف.

(٣٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 54 بسند جيد.

(٣٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 53، 54، من عدة طرق عن أنس بن مالك، وجابر ابن زيد، ومحمد بن الحنفية، وقتادة، وزيد بن أسلم.

وزاد النحاس في "ناسخه"، 2/ 325 نسبته إلى مالك، وعطاء الخراساني.

وزاد هود الهواري في "تفسيره" 1/ 566 نسبته إلى سعيد بن جبير، وزاد ابن كثير في "تفسيره" 2/ 203، ابن جريج.

وقال الماوردي في "تفسيره" 2/ 178: (قال الجمهور: هي الصدقة المفروضة فيه العشر فيما سقي بغير آلة، ونصف العشر فيما سقي بآلة) ا.

هـ.

(٣٦) انظر: "زاد المسير" 3/ 135 - 136.

(٣٧) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 143، والطبري في "تفسيره" 8/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1398، والبيهقي في "سننه" 4/ 132، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 333 - 334، من عدة طرق جيدة.

(٣٨) أثر حماد بن زيد الأزدي، أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1398 بسند جيد، وذكره الثعلبي في الكشف 185 أ، والبغوي في "تفسيره" 3/ 195.

(٣٩) الحكم بن عُتَيبَة الكندي، أبو محمد الكوفي، إمام عابد، ثقة، ثبت، فقيه، من كبار أصحاب إبراهيم النخعي، توفي سنة 113 هـ أبو بعدها ، وله نيف وستون سنة.

انظر: "الطبقات الكبرى" 6/ 331، و"الجرح والتعديل" 3/ 123، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 208، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 117، و"تهذيب التهذيب" 1/ 466، و"تقريب التهذيب" (1453).

(٤٠) ذكره الثعلبي في "الكشف" 185 أ، والبغوي في "تفسيره" 3/ 195.

(٤١) "تفسير مجاهد" 1/ 225، وأخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 159، وعبد الرزاق 1/ 2/ 219، وفي "المصنف" 4/ 144 - 145، وأبو عبيد في "ناسخه" ص 31 - 32، وابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 408 (10477)، والطبري في "تفسيره" 8/ 56، 57، وابن أبي حاتم 5/ 1398، والبيهقي في "سننه" 4/ 132، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 333، من عدة طرق جيدة، وبألفاظ مختلفة.

(٤٢) الأثر عن إبراهيم النخعي، أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 408 (10481)، والطبري في "تفسيره" 8/ 56، من عدة طرق جيدة.

(٤٣) الضِّغث، بكسر فسكون: ملء اليد من النبات المختلط.

انظر: "اللسان" 5/ 2591 مادة (ضغث).

(٤٤) الأثر عن الربيع بن أنس، أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 57، بسند لا بأس به.

(٤٥) لَقَاط السُّنْبُل، بضم اللام وبفتحها: ما يلتقطه الناس من نُثارة الثمر، والذي تخطته المنَاجِل فيلتقطه الناس.

انظر: "اللسان" 7/ 4061 مادة (لقط).

(٤٦) في (أ): (وهذا).

(٤٧) أخرجه أبو عبيد في "ناسخه" ص 32، والطبري في "تفسيره" 8/ 58، والنحاس في "ناسخه" 2/ 322، والبيهقي في "سننه" من عدة طرق جيدة.

(٤٨) الأثر عن عطية العوفي.

أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 408 (10485)، والطبري في "تفسيره" 8/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1398، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 334، بسند جيد.

(٤٩) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 408 (10480)، والطبري في "تفسيره" 8/ 58، 59، من عدة طرق جيدة.

(٥٠) أخرجه أبو عبيد في "ناسخه" 33، بسند جيد، وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 408 (10486)، والطبري في "تفسيره" 8/ 58، والنحاس في "ناسخه" 2/ 323 بسند جيد عن ابن عباس قال: (نسخها العشر ونصف العشر) ا.

هـ وقد أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"، والطبري في "تفسيره" القول بالنسخ عن جماعة من السلف  م، ويحمل هذا على أن مفهوم النسخ عندهم أوسع كما بينا.

(٥١) الظاهر -وهو قول الجمهور- أن الآية محكمة، وقد رجح هذا أبو عبيد في "ناسخه" ص 33 - 37، ومكي في "الإيضاح" ص 244 - 247، وابن العربي في "ناسخه" 2/ 217، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 371، والرازي 13/ 213، ومصطفي زيد في "ناسخه" 2/ 72 - 73، وغيرهم؛ لأنه لا تنافي بينهما وبين عامة آيات الزكاة، ولا بينها وبين ما جاء في السنة من تحديد أنصبة الزكاة ومقاديرها، == إذ أصل الزكاة شرع في أول الإسلام بدون تحديد، وفي المدينة المنورة حددت بمقاديرها المفروضة.

قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 761: (قد قال مالك: إن المراد به: الزكاة المفروضة، وتحقيقه في نكتة بديعة، وهي أن القول في أنها مكية أو مدنية يطول، فهبكم أنها مكية إن الله أوجب الزكاة بها إيجابًا مجملاً، فتعين فرض اعتقادها ووقف العمل بها على بيان الجنس والقدر والوقت، فلم تكن بمكة حتى تمهد الإِسلام بالمدينة فوقع البيان، فتعين الامتثال، وهذا لا يفقهه إلا العلماء بالأصول) ا.

هـ وقد نقل الزجاج في "معانيه" 2/ 297 عن قوم إنها مدنية، وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 2/ 206: (اختار ابن جريج النسخ، وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل ثم إنه فصل بيانه وبُين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم) ا.

هـ، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 359، و"معاني النحاس" 2/ 500، و"البحر المحيط" 4/ 237.

(٥٢) أبو العباس: هو ثعلب أحمد بن يحيى، إمام تقدمت ترجمته.

(٥٣) "تهذيب اللغة" 2/ 1675 - 1676.

(٥٤) الإسراف -في اللغة-: ضد القصد والإغفال والجهل والخطأ.

وأصله مجاوزة الحد في كل فعل، وهو في الإنفاق أشهر، والإسراف في النفقة التبذير، وأما السرف الذي نهى الله تعالى عنه فهو: ما أنفق في غير طاعة الله قليلاً كان أو كثيراً.

انظر: "العين" 7/ 244، و"الجمهرة" 2/ 716، و"الصحاح" 4/ 1373، و"مجمل اللغة" 2/ 493، و"المفردات" ص 407، و"اللسان" 4/ 1996 (سرف).

(٥٥) انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 178 - 179، وابن الجوزي 3/ 136.

(٥٦) ذكره أكثرهم.

انظر: السمرقندي 1/ 519، و"الوسيط" 1/ 129، والبغوي 3/ 195، وابن الجوزي 3/ 136، والقرطبي 7/ 110، والخازن 2/ 191، و"تنوير المقباس" 2/ 68، وأخرجه الطبري 8/ 61 بسند جيد عن ابن جريج، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 93، وأخرج عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 145، وابن أبي حاتم 5/ 1399 بسند جيد، عن ابن جريج قال: (جَدَّ معاذ بن جبل -  - نخله، فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منها شيء، فنزلت الآية) ا.

هـ، وهذا مرسل، والأول أشهر، لكنه ضعيف؛ لأن أكثرهم قد صرح أنه من رواية الكلبي.

(٥٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 61، وابن أبي حاتم 5/ 1399 بسند جيد، عن السدي قال: (لا تعطوا أموالكم فتغدوا فقراء).

(٥٨) ذكره الثعلبي ص 185 بلفظ: (لا تبذروا تبذيرًا) ا.

هـ.

(٥٩) "معاني الفراء" 1/ 359.

(٦٠) "معاني الزجاج" 2/ 297.

(٦١) حديث متفق عليه.

أخرجه البخاري في "صحيحه" (1427)، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومسلم (1034)، كتاب الزكاة، حديث 1034 - 1036، عن حكيم بن حزام  ، عن النبي  قال: "أفضل الصدقة أو خير == الصدقة عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول" ا.

هـ لفظ مسلم، وأخرج البخاري أيضًا عن أبي هريرة، ومسلم عن أبي أمامة، نحوه.

(٦٢) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 145، والطبري في "تفسيره" 8/ 61، وابن أبي حاتم 5/ 1399 بسند ضعيف.

(٦٣) "تفسيرمقاتل" 1/ 593.

(٦٤) ذكره الثعلبي في "الكشف" 185 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 136، عن عطية العوفي.

(٦٥) "تنوير المقباس" 2/ 68، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1399، بسند جيد عن عطاء، عن ابن عباس في قوله ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ قال: (في الطعام والشراب) اهـ، وأخرج أيضًا بسند جيد عن طاووس، عن ابن عباس في الآية قال: (أحل الله الأكل والشراب ما لم يكن سرفًا أو مخيلة) ا.

هـ واختار هذا القول ابن كثير في "تفسيره" 2/ 204.

(٦٦) إياس بن معاوية بن قُرة بن إياس المزني، أبو واثلة، قاضي المغيرة، تابعي، ثقة، فقيه، يضرب به المثل في الذكاء والدهاء، والعقل والفطنة، والفصاحة، توفي == سنة 122 هـ، وله 76 سنة.

انظر: "حلية الأولياء" 3/ 123، و"وفيات الأعيان" 1/ 247، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 155، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 2/ 178.

(٦٧) أخرجه الطبري 8/ 61، وذكره الثعلبي ص 185 أ، والبغوي 3/ 196، والقرطبي 7/ 110، وأبو حيان في "البحر" 4/ 238، والسيوطي في "الدر" 3/ 94.

(٦٨) ذكره الثعلبي ص 185 أ، والبغوي 3/ 196، وابن الجوزي 3/ 136، والرازي 13/ 214، والخازن 2/ 191، وأبو حيان في "البحر" 4/ 238.

(٦٩) أبو قبيس، بضم القاف، وفتح الباء، وسكون الياء، بلفظ التصغير: اسم الجبل المشرف على مكة من جهة الصفا.

انظر: "معجم البلدان" 1/ 80.

(٧٠) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1399 بسند جيد، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 519، والثعلبي ص 185/ أ، والبغوي 3/ 196.

(٧١) حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، أبو عدي، فارس جاهلي وشاعر مشهور بجوده وخلقه وسماحته، ويضرب المثل بجوده، يتميز شعره بالإشادة بالسخاء والحكم الجميلة، توفي في السنة الثامنة بعد مولد النبي  .

انظر: "الشعر والشعراء" ص 143، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 3/ 424، و"الأعلام" 2/ 151.

(٧٢) ذكره الثعلبي في "الكشف" 185 أ، والرازي 13/ 214، والقرطبي 7/ 110.

(٧٣) والظاهر أن الخطاب عام، والمتبادر من الآية النهي عن تجاوز الحد في الإنفاق وفي الأكل والشرب، والمسلم مطالب بالبعد عن الحرام أصلاً وليس بالإسراف فيه فقط، وهذا هو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 61، والنحاس في "ناسخه" == 2/ 336، وانظر: "القرطبي" 7/ 110، وابن كثير 2/ 204، و"تفسير آيات الأحكام من سورتي الأنعام والأعراف" للدكتور: فريد مصطفى سلمان ص 99 - 101.

(٧٤) في (ش): (قال)، وهو تحريف.

(٧٥) "معاني الفراء" 1/ 359.

(٧٦) "معاني الزجاج" 2/ 298، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 586، ومكي في "المشكل" 1/ 274 - 275 (قوله: ﴿ وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴾ نصب على العصف على (جنات)، أي: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا) ا.

هـ.

(٧٧) "معاني الفراء" 1/ 359.

(٧٨) "تهذيب اللغة" 1/ 925 مادة (حمل)، وفيه قال أبو الهيثم: (الحَمُولة من الإبل: التىِ تحمل الأحمال على ظهورها، بفتح الحاء: والحمولة: بضم الحاء: هي الأحمال التي تحمل عليها، واحدها حِمْل وأَحَمال وحُمول وحُمولة.

فأما الحُمُر والبغال فلا تدخل في الحَمُولة) ا.

هـ.

(٧٩) "تهذيب اللغة" 1/ 925، وفيه ضبط: الحَمُولة، بالفتح، وقال: (والحُمُول، == بالضم: الإبل بأثقالها).

وانظر: "العين" 3/ 242، و"الجمهرة" 1/ 566، و"الصحاح" 4/ 1676 (حمل).

(٨٠) "ديوان النابغة الذبياني" ص 47، و"الكتاب" 1/ 368، و"الأصول" 1/ 207، و"تهذيب اللغة" 1/ 925، و"اللسان" 2/ 1004 (حمل)، و"الدر المصون" 5/ 191، وجاء في هذه المراجع: وحلت بيوتي - بدل: وأنزلت بيتي.

واليفاع: المُشْرِف من الأرض.

انظر: "اللسان" 8/ 4963 (يفع).

وقوله: يخال طائرًا، أي: كالطائر في صغره لبعده في السماء أو كالطائر المحلق في الهواء.

(٨١) "ديوانه" ص 17، والقرطبي 7/ 112، و"الدر المصون" 5/ 191، وهو من معلقته المشهورة.

وراعني: أفزعني.

وتسف: تأكل.

والخمخم: نبت تعلفه الإبل.

يقول: لما رأيت أهلها يتحملون راعني ذلك لفراقي إياها.

انظر: "شرح القصائد" لابن الأنباري ص 304، و"النحاس" 2/ 13، و"جمهرة أشعار العرب" ص 161.

(٨٢) انظر: "الجمهرة" 2/ 729، و"الصحاح" 3/ 1014، و"المجمل" 3/ 715، و"المفردات" ص 629 مادة (فرش).

(٨٣) "معاني الزجاج" 2/ 298.

(٨٤) "تهذيب اللغة" 3/ 2769 (٨٥) لم أهتد إلى قائله، وقد جاء في النسخ، وفي "اللسان" 6/ 3383 مادة (فرش) عن الأزهري: (والحصون السُّيوف)، وفي "تهذيب اللغة" 3/ 2769، (الحصون الشّيوف) بالشين، بدل السين، ولعله أصح لأن الشّيوف: المرتفع المزين.

انظر: "اللسان" 4/ 2361 مادة (شوف).

(٨٦) "العين" 6/ 256، و"تهذيب اللغة" 3/ 2769.

(٨٧) لم أقف عليه عن الكسائي بعد طول بحث، وهو قول ثعلب في "مجالسه" ص 425، وابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 335، وقال ابن الأنباري في "شرح القصائد" ص 304: (الحمولة: الإبل التي تطيق أن يحمل عليها، والفرش: الصغار التي لا تطيق الحمل عليها، وقال بعض المفسرين: الحمولة: الإبل.

والفرش: البقر والغنم، وأهل اللغة على القول الأول) ا.

هـ.

(٨٨) لفظ: (الصغار) مكرر في (أ).

(٨٩) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 207، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 143، و"تفسير غريب القرآن" ص 1/ 172، و"نزهة القلوب" للسجستاني ص 202، 352، و"تفسير المشكل" ص80، والظاهر أن الحمولة، ما حمل من الأنعام، والفرش: الصغار؛ لأنها دانية من الأرض، وهذا هو قول الجمهور، واختاره الطبري في "تفسيره" 8/ 64، أو الفرش: ما يفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره، الفرش.

واستحسنه ابن كثير في "تفسيره" 2/ 205، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 586: (ومن أحسن ما قيل: إن الحمولة المسخرة المذللة للحمل، والفرش: ما خلقه الله عز وجل من الجلود والصوف مما يجلس عليه ويتمهد) ا.

هـ، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 503، و"تفسير ابن عطية" 5/ 373، والرازي 13/ 216.

(٩٠) في (ش): فأما.

(٩١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 64 بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.

(٩٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 62، وابن أبي حاتم 5/ 1400 بسند جيد، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 62، وابن أبي حاتم 5/ 1400، والحاكم في "المستدرك" 2/ 317، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في التلخيص عن ابن مسعود  قال: (الحمولة: ما حمل من الإبل، والفرش: الصغار)، وفي رواية عند الطبري قال: (الحمولة: الكبار من الإبل، والفرش: الصغار من الإبل)، وروي بسند جيد عن ابن مسعود مثله في "تفسير مجاهد" 1/ 225 - 226، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 94، وانظر: "مجمع الزوائد" 7/ 22.

(٩٣) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 219 - 220، والطبري 8/ 63، بسند جيد عن الحسن قال: (الحمولة: ما حمل عليه، والفرش: حواشيها، يعني: صغارها).

(٩٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 63، وابن أبي حاتم 5/ 1400 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 95، وعلق البخاري في "صحيحه" 5/ 192، عن ابن عباس قال: (حمولة ما يحمل عليها) ا.

هـ، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 62، بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (الحمولة: الكبار، والفرش: الصغار من الإبل) ا.

هـ، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1401 بسند جيد عن ابن عباس قال: (الفرش: صغار الإبل)، وذكر السيوطي في "الدر" 3/ 94، عن ابن عباس أنه قال: (الفرش: الصغار من الإبل)، وفي رواية: (الفرش: ما أكل منه) اهـ.

(٩٥) في (أ) (وأما الفرش الغنم)، وهو تحريف.

(٩٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 62، من عدة طرق جيدة عن مجاهد قال: (الحمولة: ما حمل من الإبل، والفرش: ما لم يحمل)، وفي رواية قال: (الفرش: صغار الإبل).

(٩٧) أخرج عبد الرزق في "تفسيره" 1/ 2/ 220، والطبري 8/ 63، بسند جيد، عن قتادة قال: (الحمولة: الإبل والبقر، والفرش: الغنم)، ولم أقف عليه عن قتادة بلفظ: (الفرش: البقر والغنم).

(٩٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 63 بسند لا بأس به.

(٩٩) "تنوير المقباس" 2/ 68، وفيه قال: (الحمولة: ما يحمل عليها، مثل الإبل والبقر.

والفرش: ما لا يحمل عليها، مثل الغنم وصغار الإبل) ا.

هـ.

(١٠٠) لم أقف عليه.

وانظر: "معاني النحاس" 2/ 504، و"تفسير ابن عطية" 5/ 373 (١٠١) "معاني الزجاج" 2/ 298.

(١٠٢) لم أقف عليه.

(١٠٣) "معاني الزجاج" 2/ 298، وقال: (هذا هو الذي تدل عليه اللغة) ا.

هـ، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 64، و"معاني النحاس" 2/ 504 - 505.

(١٠٤) لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" 2/ 68، قال: (ظاهر العداوة يأمركم بتحريم الحرث والأنعام).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ جنات معروشات ﴾ مرفوعات على دعائم وشبهها ﴿ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ﴾ متروكات على وجه الأرض، وقيل: المعروشات على ما غرسه الناس في العمران وغير معروشات: ما أنبته الله في الجبال والبراري ﴿ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ ﴾ في اللون والطعم والرائحة والحجم، وذلك دليل على أن الخالق مختار مريد ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ في اللون والطعم والرائحة والحجم، وذلك دليل على أن الخالق مختار مريد ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ قيل: حقه هنا الزكاة وهو ضعيف لوجهين: أحدهما: أن الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة، والآخر: أن الزكاة لا تعطى يوم الحصاد، وإنما تعطى يوم ضم الحبوب والثمار، وقيل: حقه ما يصدق به على المساكين يوم الحصاد، وكان ذلك واجباً ثم نسخ بالعشر، وقيل: هو ما يسقط من السنبل، والأمر على هذا للندب ﴿ حَمُولَةً وَفَرْشاً ﴾ عطف على جنات، والحمولة الكبار، والفرش الصغار: كالعجاجيل جمع عجل والفصلان وقيل: الحمولة الإبل لأنها يحمل عليها، والفرش: الغنم لأنها تفرش للذبح ويفرش ما ينسج من صوفها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حصاده ﴾ بفتح الحاء: أبو عمرو وعاصم وابن عامر وسهل ويعقوب، الباقون: بالكسر وكلاهما مصدر ﴿ من الضان ﴾ بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية والأعشى والأصبهاني عن ورش ويزيد وحمزة في الوقف.

﴿ ومن المعز ﴾ ساكن العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وأبو جعفر وابن فليح وزمعة والخزاعي عن البزي والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل عنه، الباقون: بفتحها ﴿ إلا أن تكون ﴾ بتاء التأنيث: ابن كثير وابن عامر ويزيد وحمزة وعباس مَن طريق ابن رومي عنه.

﴿ ميتة ﴾ بالتخفيف والرفع: ابن عامر وزاد يزيد التشديد.

الباقون: بالياء وبالنصب.

﴿ الحوايا ﴾ ممالة: علي وحمزة وخلف.

﴿ فقل ربكم ﴾ وبابه مظهراً: الحلواني عن قالون والبرجمي.

الوقوف: ﴿ متشابه ﴾ ط.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ ط ﴿ المسرفين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ حمولة ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ وفرشاً ﴾ ط ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن ﴿ ثمانية ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ جنات ﴾ ﴿ أزواج ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ المعز اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ صادقين ﴾ ه لا لأن ﴿ اثنين ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ أيضاً ﴿ ومن البقر اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لأن "أم" في قوله: ﴿ أم كنتم ﴾ بمعنى ألف استفهام توبيخ.

﴿ بهذا ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ولانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ لغير الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ظفر ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى.

﴿ بعظم ﴾ ط ﴿ ببغيهم ﴾ ز للابتداء بأن وإثبات وصف الصدق مطلقاً.

وللوصل وجه لأن المعنى وإنا لصادقون فيما أخبرنا عن التحريم ببغيهم.

﴿ واسعة ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ بأسنا ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ تخرصون ﴾ ه ﴿ البالغة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ حرم هذا ﴾ ج لذلك ﴿ معهم ﴾ ج لتناهي جزاء الشرط مع العطف ﴿ يعدلون ﴾ ه.

التفسير: إنه  جعل مدار هذا الكتاب الكريم على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر وإنه بالغ في تقرير هذه الأصول وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة منكري البعث والقيامة، ثم أتبعه حكاية أقوالهم الركيكة تنبيهاً على ضعف عقولهم، فلما تمم هذه المقاصد عاد إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على إثبات ذاته ووجوب توحيده فقال: ﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ الآية نشأ الشيء ينشأ نشأ إذا ظهر وارتفع، وأنشأه الله ينشئه إنشاء أظهره ورفعه ﴿ جنات معروشات وغير معروشات ﴾ يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القبضان.

وقيل: كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب تعرش وبعضها يبقى على وجه الأرض منبسطاً كالقرع والبطيخ.

وقيل: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عروش يحمل عليها فتمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير معروشات هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقة عن التعريش.

وقيل: المعروشات ما في البساتين والعمارات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه، وغير معروشات ما أنبته الله وحشياً في البراري والجبال فيبقى غير معروش.

﴿ والنخل والزرع ﴾ فسر ابن عباس الزرع بجميع الحبوب التي الذكر تقتات ﴿ مختلفاً أكله ﴾ والأكل كل ما يؤكل والمراد ههنا ثمر النخل والزرع فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها  ﴾ أي إليهما.

والمراد أن لكل شيء منهما طعماً غير طعم الآخر و ﴿ مختلفاً ﴾ حال مقدّرة أي أنشأه مقدرّاً اختلاف أكله لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك ﴿ متشابهاً وغير متشابه ﴾ في القدر واللون والطعم.

ثم قال ﴿ كلوا من ثمره ﴾ وقد قال في الآية المتقدمة أعني نظير هذه الآية وذلك قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ الآية إلى قوله ﴿ انظروا إلى ثمره  ﴾ تنبيهاً على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم متقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الأول سعادة روحانية أبدية، والحاصل من الانتفاع سعادة جسمانية زائلة.

وفائدة هذا الأمر الإباحة، وقدم إباحة الأكل على إخراج الحق كيلا يظن أنه يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المتشاركين فيه.

وفي الآية إشارة إلى أن خلق هذه النعم إما للأكل وإما للتصدق، والأول لكونه حق النفس مقدم على الثاني لأنه حق الغير.

وفيه أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق لأن قوله: ﴿ كلوا ﴾ خطاب عام يتناول الكل، ويمكن أن يستدل به على أن الأصل عدم وجوب الصوم وأن من ادعى إيجابه فهو المحتاج إلى الدليل، وأن المجنون إذا أفاق في أثناء النهار لا يلزمه قضاء ما مضى، وأن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام.

قال علماء الأصول: من المعلوم من لغة العرب أن صيغة الأمر تفيد ترجيح جانب الفعل؛ فحملها على الإباحة أو الوجوب لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، وفائدة قوله: ﴿ إذا أثمر ﴾ وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه هي أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت اطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع، أما قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك.، أن الآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة وعلى هذا فكيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل.

والجواب أن المراد فاعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد واهتموا به حتى لا تؤخروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء، وقال مجاهد: الآية مكية وإن هذا حق في المال سوى الزكاة وكان يقول: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، وكذا إذا دسته وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته وزيف بقوله صلى الله عليه وآله: "ليس في المال حق سوى الزكاة" وبأن قوله: ﴿ وآتوا حقه ﴾ إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية والإلزام الإجمال.

وعن سعيد بن جبير أن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرض العشر أو نصف العشر فيما سقي بالسواقي نسخ، والقول الأول أصح.

ثم إن أبا حنيفة احتج بالآية على وجوب الزكاة في الثمار لأنه قال: ﴿ وآتوا حقه ﴾ بعد ذكر الأنواع الخمسة وهي العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان.

واعترض عليه بأن لفظ الحصاد مخصوص بالزرع.

وأجيب بأن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل.

واحتج هو أيضاً بها على أن العشر واجب في القليل والكثير للإطلاق.

والجواب أن بيانه في الحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" .

ثم قال تعالى: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ولأهل اللغة فيه تفسيران: فعن ابن الأعرابي: السرف تجاوز ما حد لك.

فعلى هذا إذا أعطى الكل ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف كما جاء في الخبر "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول" وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فخذها فقسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فنزلت الآية ﴿ ولا تسرفوا ﴾ أي لا تعطوا كله وإذا منع الصدقة فقد أسرف وبه فسر الآية سعيد بن المسيب، فإن مجاوزة الحد تكون إلى طرف الإفراط وإلى طرف التفريط.

وقال عمر: سرف المال ما ذهب منه في غير منفعة.

وعلى هذا فقد قال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الأنعام والحرث.

وقالالزهري: ولا تنفقوا في معصية الله  .

وعن مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقه رجل في طاعة الله  لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ والمقصود منه الزجر فإن كل مكلف لا يحبه الله فإنه من أهل النار لأن محبة الله  عبارة عن إرادة إيصال الثواب إليه.

قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ معطوف على جنات أي وأنشأ من الأنعام هذين الجنسين.

فالحمولة ما يحمل الأثقال "فعولة" بمعنى "فاعلة" والفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش مصدر بمعنى "مفعول".

وقيل: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها مثل الفرش المفروش عليها.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ قالت المعتزلة.

أي مما أحلها لكم ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تسلكوا طريقه الذي يدعوكم إليه في التحليل والتحريم من عن أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ بين العداوة.

وفي انتصاب ﴿ ثمانية أزواج ﴾ وجهان: قال الفراء: هو بدل من قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ .

وجوز غيره أن يكون مفعول ﴿ كلوا ﴾ والعرب تسمي الواحد فرداً إذا كان وحده فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان، قال عز من قائل: ﴿ خلق الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ وقال: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ من الضأن اثنين ﴾ أي زوجين اثنين ﴿ ومن المعز اثنين ﴾ وفي الآية الثانية: ﴿ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ﴾ قال الجوهري: الضائن خلاف الماعز والجمع يعني اسم الجمع الضأن والمعز مثل راكب وركب وسافر وسفر.

وضأن أيضاً مثل حارس وحرس.

وقال في الكشاف: إنه قرىء بفتح العين.

والضأن ذوات الصوف من الغنم والمعز ذوات الشعر منها ﴿ قل ءالذكرين حرم الأنثيين ﴾ نصب بقوله: ﴿ حرم ﴾ والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله.

ويريد بالذكرين الذكر من الضأن وهو الكبش، والذكر من المعز وهو التيس، وبالأنثيين الأنثى من الضأن وهيالنعجة، والأنثى من المعز وهي العنز، وذلك على طريق الجنسية والمشاكلة.

ومعنى الاستفهام إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما يشتمل عليه أرحام الأنثيين أي مما يحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكر من جنسي الإبل والبقر يعني الجمل والثور والأنثيان منهما الناقة والبقرة وما يحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً، أو من خلط تارة وكانوا يقولون: قد حرمها الله فقيل لهم: إنكم لا تقرون بنبوّة نبي ولا شريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم؟

وأكد ذلك بقوله: ﴿ نبؤني بعلم ﴾ أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في أن الله حرمه.

واعلم أنه  منّ على عباده بإنشاء الأزواج الثمانية من الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم إلا أنه فصل بين بعض المعدود وبعضه بالاحتجاج على من حرمها وليس ذلك بأجنبي وإنما هي جملة معترضة جيء بها تأكيداً وتشديداً للتحليل، فالاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد، أما قوله: ﴿ أم كنتم شهداء ﴾ فـ"أم" منقطعة أي بل أكنتم شهداء ومعناه الإنكار وفحواه أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل وتقولون إن الله حرم هذا فلم يبق إلا المشاهدة فتهكم بهم بذلك وسجل عليهم وعلى مثالهم بالظلم بقوله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، قال المفسرون: يريد عمرو بن لحي بن قمعة الذي غيَّر شريعة إسماعيل  وبَحَّر البحائر وسَيَّب السوائب.

والأقرب أن للفظ عام فيتناول كل مفتر وإذا استحق هذا الوعيد على افتراء الكذب في تحريم مباح فكيف إذا كذب على الله  في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والملائكة وفي النبوّات وفي المعاد؟!

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الإضلال عن الدين مذموم فلا يجوز أن ينسب إلى الله  .

وأجيب بأنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله  فإن تمكين العبيد من أسباب الفجور وتسليط الشهوة عليهم مذموم منّا دونه ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قال القاضي: لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها.

وقالت الأشاعرة: معناه أنه لا ينقل المشركين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم لما بيّن فساد طريقة الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطاعم أتبعه البيان الصحيح في الباب فقال: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ أي طعاماً محرماً ﴿ على طاعم يطعمه ﴾ على آكل يأكله ﴿ إلا أن يكون ﴾ ذلك المأكول أو الموجود أو الطعام ﴿ ميتة أو دماً مسفوحاً ﴾ مصبوباً سائلاً.

قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء وما خرج من الأوداج عند الذبح فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، وما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل.

وسئل أبو مجلز عما يتلطّخ باللحم من الدم وعن القدر التي سلف في أمثالها، وانتصاب ﴿ فسقاً ﴾ على أنه معطوف على المنصوبات قبله، و ﴿ أهل ﴾ صفة له منصوبة المحل سمي ما أهل به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود.

وجوز أن يكون ﴿ فسقاً ﴾ مفعولاً له من ﴿ أهل ﴾ وعلى هذا فقد عطف ﴿ أهل ﴾ على ﴿ يكون ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما يرجع إليه المستكن في ﴿ يكون ﴾ قالت العلماء: إن هذه السورة مكية وقد بيّن في الآية أنه لم يجد فيما أوحي إليه قرآناً أو غيره محرماً سوى هذه الأربعة، وقد أكد هذا بما في النحل وفي البقرة مصدرة بكلمة "إنما" الدالة على الحصر فصارت المدنية مطابقة للمكية، والذي جاء في المائدة ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم  ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع إلا ما ذكيتم  ﴾ من أقسام الميتة ولكنه خص بالذكر لأنهم كانوا يحكمون على تلك الأشياء بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى اخرها كانت مستقرة على هذا الحكم.

وعلى هذا الحصر بقي الكلام في الخمر وفي سائر النجاسات والمستقذرات فنقول: إنه  قد وصف الخمر بأنه رجس وههنا علل تحريم لحم الخنزير بكونه رجساً فعلمنا أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات.

وإن جوزنا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد كما روي أنه صلى الله عليه وآله نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور.

فلا إشكال.

وقيل: المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرم على اليهود وزيف بأن تحريم شيء خامس نسخ والأصل عدمه.

ثم بين  أنه حرم على اليهود أشياء أخر سوى هذه الأربعة فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ وذلك نوعان: الأول أنه حرم عليهم ﴿ كل ذي ظفر ﴾ وفيه لغات: ضم الفاء والعين وهي الفصحى، وكسرهما وهي قراءة ابن السماك، والضم مع السكون والكسر مع السكون وهي قراءة الحسن، واختلف في ذي الظفر فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه الإبل فقط، وعنه في رواية أخرى وهو قول مجاهد أنه الإبل والنعام، وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفراً على الاستعارة، وزيف بأن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً وبأن البقرة والغنم مباحان لهم كما يجيء مع أن لهما حافراً فإذن يجب حمل الظفر على المخلب والبراثن من الجوارح والسباع بل على كل ما له إصبع من دابة وطائر.

وكان بعض ذوات الظفر حلالاً لهم فلما ظلموا عمم التحريم.

فعموم التحريم خاص بهم ولهذا قدم الجار في قوله ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ فيستدل بذلك على حل بعض هذه الحيوانات على المسلمين وهو ما سوى ذات المخلب والناب فيكون الخبر مبيناً للآية لا مخالفاً كما ظن صاحب التفسير الكبير.

النوع الثاني قوله ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ﴾ قال في الكشاف: هو كقولك: "من زيد أخذت ماله" تريد بالإضافة يعني إضافة الأخذ إلى زيد بواسطة من زيادة الربط.

والمعنى أنه حرم عليهم من كل ذي ظفر كله ومن البقرة والغنم بعضهما وذلك شحومهما فقط، هذا أيضاً ليس على الإطلاق لقوله: ﴿ إلا ما حملت ظهورهما ﴾ قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه.

وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها.

وقيل: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة وهي الشحمة التي على الظهر الملتزقة بالجلد فيما بين الكتفين إلى الوركين.

وهي بالحقيقة لحم سمين لأنه يحمر عند الهزال ولهذا لو حلف لا يأكل الشحم فأكل من ذلك اللحم السمين لم يحنث على الأصح.

والاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو الحوايا ﴾ قال الجوهري: الحوايا الأمعاء واحدها حوية وفي معناها حاوية البطن وحاوياء البطن.

وقال الواحدي: هي المباعر والمصارين والفحوى، أو ما اشتمل على الأمعاء يعني أن الشحوم المتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة، والاستثناء الثالث: ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ قال جمهور المفسرين: يعني شحم الآلية.

وقال ابن جريج: كل شحم في القوائم والجنب والرأس وفي العينين والأذنين فإنه مخلوط بعظم فهو حلال لهم.

والحاصل أن الشحم الذي حرم الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية.

وقيل: إن الحوايا غير معطوف على المستثنى وإنما هو معطوف على المستثنى منه والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم.

ودخوله كلمة "أو" كدخولها في قوله  : ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً  ﴾ والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا واعص هذا فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا ﴿ ذلك ﴾ الجزاء وهو تحريم الطيبات ﴿ جزيناهم ببغيهم ﴾ بسبب قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وغير ذلك من قبائح أفعالهم ﴿ وإنا لصادقون ﴾ في هذه الأخبار أو فيما يوعد به العصاة.

قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم لأن التكليف تعريض للثواب والتعريض للثواب إحسان.

وأجيب بأن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد الثواب ويمكن أن يكون بشؤم الجرم المتقدم ﴿ فإن كذبوك ﴾ في ادعاء النبوّة والرسالة أو في تبليغ الأحكام، وعلى أصول المعتزلة فإن كذبوك في إنجاز إيعاد العصاة وزعموا أن الله واسع الرحمة وأنه يخلف الوعيد جوداً وكرماً.

﴿ فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ فلذلك لا يعجل بالعقوبة ﴿ ولا يردّ بأسه ﴾ إذا جاء وقت عذابه ﴿ عن القوم المجرمين ﴾ يعني المكذبين.

وعلى أصولهم رحمته واسعة لأهل طاعته ولا يرد بأسه مع ذلك عن الذين ارتكبوا الكبائر فماتوا قبل التوبة.

ثم حكى أعذار الكفار الواهية فقال: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ﴾ وإنما جاز العطف عل الضمير المرفوع المتصل من غير أن أكد بالمنفصل لمكان الفصل بعد حرف العطف بلا الزائدة لتأكيد النفي.

أخبر الله  بما سوف يقولونه ولما قالوه.

قال في سورة النحل: ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء  ﴾ وإنما قال في سورة النحل بزيادة "نحن" و "من دونه" مرتين لأن الإشراك مستنكر مطلقاً.

فلفظ الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته، وعلى تحليل أشياء وتحريم أشياء من دون الله فلم يحتج إلى لفظ من دونه، وأما العبادة فإنها غير مستنكرة على الإطلاق وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله  ، ولا تدل على تحريم شيء فلم يكن بد من تقييده بقوله: ﴿ من دونه ﴾ ولما حذف من الآية لفظة ﴿ من دونه ﴾ مرتين حذف معه ﴿ نحن ﴾ لتطرد الآية في حكم التخفيف.

أما تفسير الآية فزعمت المعتزلة أنها تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: الأول أن الذي حكى عن الكفار في معرض الذم والتقبيح وذلك قولهم: "لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك" هو صريح قول المجبرة فيكون هذا المذهب مذموماً.

الثاني قوله: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ فلم يذكر المكذب به تنبيهاً على أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وعلا ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئته القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله ورسوله وكتبه ونبذ أدلة السمع والعقل وراء ظهره.

والحاصل أن هذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين منهم والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم لأنهم يقولون الكل بمشيئة الله  .

الثالث قوله: ﴿ حتى ذاقوا بأسنا ﴾ وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله  في هذا المذهب.

الرابع قوله: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ﴾ وإنه استفهام على سبيل الإنكار أي لا علم لهؤلاء القائلين ولا حجة.

الخامس: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ السادس: ﴿ وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ السابع: ﴿ قل فلَّله الحجة البالغة ﴾ لأنه أزال الأعذار بالتمكين والإقدار فلم يبق لكم على الله حجة وإنما الحجة البالغة له عليكم وذلك أنكم تقولون: لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله لزم أن يكون الإله عاجزاً مغلوباً.

وهذا الكلام غير لازم لأن الله قادر على أن يحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء إلا أن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف وهذا هو المراد من قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وبوجه آخر إن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلَّله الحجة الكاملة عليكم فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته فتوالوا جميع أهل الأديان ولا تعادوهم.

أجابت الأشاعرة بأنا قد بينا بالدلائل القاطعة من أول القرآن إلى ههنا صحة مذهبنا فوجب تأويل هذه الآية دفعاً للتناقض فنقول: إن القوم كانوا يتمسكون بمشيئة الله  في إبطال دعوة الأنبياء، وفي أن التكليف عبث فبين الله  أن ذلك من تكاذيبهم وأكاذيبهم، وأن التشبث بهذا العذر لا يفيدهم لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، شاء الكفر من الكافر ومع ذلك بعث الأنبياء وأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فجرى بما يكون إلى قيام الساعة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله "المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة" ثم إن ظاهر آخر الآية معناه وهو قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وحمل المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر تعسف والله أعلم.

ثم لما أبطل جميع حجج الكفار بين أنه ليس لهم على قولهم شهود فقال: ﴿ قل هلم ﴾ ومعناه إذا كان لازماً أقبل وإذا كان متعدياً أحضر.

قال الخليل: أصله "هالم" من قولهم لمَّ الله شعثه أي جمعه كأنه قال: لمَّ نفسك إلينا أي أقرب والهاء للتنبيه واستعطاف المأمور، ثم حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسماً واحداً يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها "هلما هلموا هلمي هلممن" والأول أفصح وقد يوصل بإلى كقوله  : ﴿ والقائلين لإخوانهم هلم إلينا  ﴾ وقال الفراء: أصلها "هل أم" أرادوا بهل حرف الاستفهام ومعنى أم اقصد.

وقيل: إن أصل استعماله أن قالوا هل لك في الطعام أم أي اقصد.

ثم شاع في الكل.

أمر الله  نبيه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه.

وإنما لم يقل شهداء يشهدون لأنه ليس الغرض أحضار أناس يشهدون بالتحريم وإنما المراد إحضار شهدائهم الموسومين بالشهادة لهم المعروفين بنصرة مذهبهم ولهذا قال: ﴿ فإن شهدوا ﴾ أي فإن وقعت شهادتهم ﴿ فلا تشهد معهم ﴾ أي لا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأن شهادتهم محض الهوى والتعصب ولأجل ذلك قال أيضاً: ﴿ ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ﴾ فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالتكذيب وليرتب عليه باقي الآية فيعلم أن المتصف بهذه الصفات لا تكون شهادتهم عند العقلاء مقبولة.

التأويل: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات ﴾ في القلوب ﴿ معروشات ﴾ من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان ﴿ وغير معروشات ﴾ هي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء والحياء والوفاء والمودة والفتوة والشفقة والعفة والعلم والحلم والعقل والشجاعة والقناعة ونخل الإيمان وزرع الأعمال الصالحة وزيتون الأخلاق الحميدة ورمان الإخلاص بالشواهد والأحوال ﴿ متشابهاً ﴾ أعمالها ﴿ وغير متشابه ﴾ أحوالها ﴿ كلوا من ثمره ﴾ انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والإخلاص بالشواهد والأحوال لا بالدعاوى والقيل والقال.

﴿ وآتوا حقه ﴾ وحقه دعوة الخلق وتربيتهم بالحكمة والمواعظة الحسنة و ﴿ يوم حصاده ﴾ أوان بلوغ السالك مبلغ الرجال البالغين عند إدراك ثمرة الكمال للواصلين دون السالك الذي يتردد بعد بين المنازل والمراحل.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالشروع في الكلام في غير وقته والحرص على الدعوة قبل أوانها.

﴿ ومن الأنعام ﴾ أي ومن الصفات الحيوانية التي هي مركوزة في الإنسان ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها ما هو مستعد للأكل والشرب لصلاح القالب وقيام البشرية.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ فرزق القلب هو التحقيق من حيثالبرهان، ورزق الروح هو المحبة بصدق التحرز عن الأكوان، ورزق السر هو شهود العرفان يلحظ العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق بقدر ما ينبغي.

﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ يخرجكم بالتفريط والإفراط إلى ضد المقصود.

ثم إن الصفات الحيوانية ثمان بعضها ذكور وبعضها إناث يتولد منها صفات أخر كلها محمودة إذ استعملت في محالها، وبمقدار ما ينبغي ﴿ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ والضأن والمعز من جنس الفرشية كما أن الإبل والبقر من جنس الحمولية.

والذكر من الضأن والمعز هما صفة شهوة البطن والفرج والأنثى منهما صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها وصفة التسليم عند تحمل الأذى، والذكر من الإبل والبقر صفتا الظلومية والجهولية، وأنثاهما الحمولية والاستسلام للاستعمال.

فبهذه الصفات الإنسانية صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها وهن أيضاً حملة عرش القلب فافهم، وقد أحل الله  استعمالها واستعمال المتولد منها على قانون الشرعية والطريقة، ومن زعم أنه يجب تركها وفصلها بالكلية فقد افترى ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ الكلام في نفسه حق وصدق إلا أنهم لما ذكروه في معرض الإلزام دفعاً للأذية والآلام كذبوا فيما قالوا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - مقابل ما كان منهم من تحريم ما أحل الله لهم ورزقهم من الحرث، والزرع، والأنعام، والانتفاع بها، فقال: أنشأ جنات وبساتين من تأمل فيها وتفكر، عرف أن منشئها مالك حكيم مدبر؛ لأنه ينبتها ويخرجها من الأرض في لحظة ما لو اجتمع الخلائق على تقديرها: أن كيف خرج؟

وكم خرج؟

وأي قدر ثبت؟

ما قدروا على ذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ  ﴾ ، ويخرج من الورق والثمار على ميزان واحد: ما لو جهدوا كل الجهد أن يعرفوا الفضل والتفاوت بين الأوراق والثمار ما قدروا، وما وجدوا فيها تفاوتاً.

ويخرج - أيضاً - كل عام من الثمار والأوراق ما يشبه العام الأول؛ فدل ذلك كله أن منشئها ومحدثها مالك حكيم، وضع كل شيء موضعه، وأن ما أنشأ [أنشأ] لحكمة وتدبير لم ينشئها عبثاً؛ فله الحكم والتدبير في الحل الحرمة والقسمة، ليس لأحد دونه حكم ولا تدبير في التحريم والتحليل: ﴿ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ  ﴾ ، وهذا لهذا وهذا لهذا؛ إنما ذلك إلى مالكها؛ فخرج هذا - والله أعلم - مقابل ما كان منهم من قوله: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ  ﴾ ، [وقوله: ﴿ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ ﴾ ] ﴿ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي كان فيها ذكر تحكمهم على الله، وإشراك أنفسهم في حكمه.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ ﴾ : قيل: معروشات: مبسوطات ما ينبت منبسطا على وجه الأرض، ﴿ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ ﴾ : ما يقوم بساقه، لا ينبسط على الأرض.

وقيل: معروشات: ما يتخذ له العريش، من نحو العرجون والقرع وغيره، وغير معروشات: ما لا يقع الحاجة إلى العرش؛ من نحو: النخيل والأشجار المثمرة، وهما واحد.

وقيل: على القلب، معروشات: ما تقوم بساقها، وغير معروشات: ما لا ساق لها، والله أعلم.

وتعريشه ما ذكر على أثره.

﴿ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ .

منها ما يكون متشابهاً في اللون ومختلفاً في الأكل والطعم، ومنها ما يكون مختلفاً في اللون والمنظر متشابهاً في الطعم والأكل؛ ليعلموا أن منشئها واحد، وأنه حكيم أنشأها على حكمة، وأنه مدبر: أنشأها عن تدبير، لم ينشئها عبثاً.

[و] من الناس من يقول: إن قوله: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الذي ذكر، وهو الرمان والزيتون؛ لأن ورقهما متشابه، والثمرة مختلفة.

ومنهم من يقول: فيهما وفي غيرهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ .

كأنه قال: كلوا من ثمره إذا أثمر، ولا تحرّموا؛ خرج على مقابلة ما كان منهم من التحريم، أي كلوا منها، ولا تحرموا؛ ليضيع ويفسد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ .

ذكر - عز وجل - الإيتاء مما يحصد بعد ذكر النخيل، والزرع، والزيتون، والرمان، حبّاً وغير حب، وما يقع فيه الكيل وما لا يقع، مجملا عاما ولم يفصل بين قليله وكثيره.

ففيه دلالة وجوب الصدقة والعشر في قليل ما تخرج الأرض وكثيره.

وكذلك قوله -  - في سورة البقرة: ﴿ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وحديث معاذ -  - عن النبي  أنه قال: "في كل ما أخرجت الأرض العشر، أو نصف العشر" وحديث ابن عمر -  - عن النبي  أنه كتب إلى أهل اليمن بذلك.

وما روي عن أنس -  - عن النبي  [أنه] قال: "فيما أخرجت الأرض - قليله وكثيره - العشر" وخبر معاذ، قال: "بعثني رسول الله  إلى اليمن، فأمرني أن آخذ [من كل حالم] دينارا، أو عدله معافريّاً، وأمرني أن آخذ من كل أربعين مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعاً، ومن كل ما سقت السماء العشر، وما سقي بالديالي نصف العشر" .

إلى هذا كله يذهب أبو حنيفة - رحمه الله - ويوجب الصدقة في قليل الخارج من الأرض وكثيره.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل الحق الذي ذكره الله في قوله: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ : قال قوم: هي صدقة سوى الزكاة؛ واحتجوا بأن الآية مكية، وأن الزكاة فرضت بالمدينة ، وهي منسوخة بآية الزكاة.

وقال قوم: هي الزكاة، فإن نسخ إنما نسخ قدرها، لم ينسخ الحق رأساً؛ لأنهم كانوا يتصدقون بالكل، فما نسخ إنما نسخ بآية الزكاة قدرها.

ألا ترى أنه قال في [آية] أخرى: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴾ .

والإسراف في اللغة هو المجاوزة عن الحدّ الذي حد له كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً  ﴾ .

وقيل في قوله: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ ﴾ ، أي: لا تمنعوا الكل ولكن كلوا بعضه، وآتوا حقه من بعضه.

وقيل: الإسراف - هاهنا - هو الشرك؛ كأنه قال: ولا تشركوا آلهتكم فيما رزقكم الله من الحرث والأنعام؛ فتحرموه ولا تنتفعوا به، والإسراف هو الذي لا ينتفع به أحد، وما كانوا جعلوا لشركائهم لا ينتفعون به هم ولا انتفع به أحد؛ يكون مقابل قوله: ﴿ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ...

﴾ الآية [الأنعام: 138].

وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - [فإنهما] يذهبان إلى ما روي عن أبي سعيد الخدري -  - [قال]: قال رسول الله  : [ "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أواق صدقة" وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله  ] "لا صدقة في الزرع، ولا في الكرم، ولا في النخل، إلا ما بلغ خمسة أوسق" ، وذلك مائة فرق.

وعن ابن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة -  م - عن النبي  مثله.

وما روى موسى بن طلحة أن النبي  قال: "ليس في الخضراوات صدقة" [وعن عمر مثله، وعن علي مثله، وكذلك روي عن جماعة السلف: أن لا صدقة إلا في الحنطة والشعير والحبوب، وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه - معنى ذلك كله لا صدقة] تؤخذ إلا فيما بلغ خمسة أوسق"، وليس في الخضراوات صدقة تؤخذ، وما عليه في نفسه صدقة يؤديها هو.

ثم إن كان ذلك الحق الذي ذكر في الآية الزكاة، فإن الآية تدل - والله أعلم - على أن زكاة الحب والثمار إنما تجب فيما بيّن: الجنات المعروشات وغير المعروشات؛ فدخل في ذلك - والله أعلم - العنب، وغير العنب، والثمار كلها، وقال: ﴿ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ ، فدخل جميع ما تخرج الأرض من كل الأصناف التي سبق ذكرها، وقال: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ ، فجعل الحق الواجب فيه يوم يحصد؛ فيجوز أن يكون عُفي عما قبل ذلك.

فإن كان هذا هو التأويل، فهو - والله أعلم - معنى ما روي عن النبي  ولو لم يكن قوله -  -: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ عفوا عن صدقة ما يؤكل منه ما كان في ذلك فائدة؛ لأنّ الثمرة تؤكل ولا تصلح لغير ذلك إلا للوجه الذي ذكرنا، وهو أنهم كانوا يحرمونها ولا ينتفعون بها؛ فقال - عز وجل -: كلوا وانتفعوا به، ولا تضيعوه.

وإذا كان قوله: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ ﴾ عفوا عن صدقة ما يؤكل منه، ظهرت فائدة الكلام، وهو على هذا التأويل - والله أعلم - ما روي أن النبي  قال: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فالربع" وعن أبي سعيد الخدري -  - عن النبي  قال: "ليس في العرايا صدقة" وعن عمر بن الخطاب -  - أنه كان يبعث أبا خيثمة خارصا للنخل، ويقول له: "إذا وجدت أهل بيت في حائطهم، فلا تخرص بقدر ما يأكلون".

وعن مكحول قال: قال رسول الله  : "خفضوا على الناس في الخرص؛ فإن في المال العرية والوصية" فدلت هذه الأحاديث [على] أنه لا صدقة فيما يؤكل من الثمر رطباً إذا لم يكن فيما يأكلون إسراف.

وقدر النبي  لذلك الثلث أو الربع، وذلك - والله أعلم - يشبه ما دلت عليه الآية على تأويل من جعل الحق زكاة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴾ ؛ فاحتمل أن يكون - أيضاً - معنى ذلك: ولا تسرفوا في الأكل؛ فيجحف ذلك بأهل الصدقة، ويحتمل أن يكون ذلك نهياً عن الإسراف في جميع الأشياء، على ما ذكرنا من قبل.

وإذا صح أن لا صدقة فيما يؤكل من الرطب والعنب والثمار بهذا الأخبار، وأن الصدقة إنما تجب فيما يلحقه الحصاد يابسا يمكن ادخاره - فالواجب ألا يكون في شيء من الخضر التي تؤكل رطبة صدقة، وألا تكون الصدقة واجبة إلا فيما يبس منها، ويمكن أن يدخر.

فأما البقول والرطاب والبطيخ والقثاء والخيار والتفاح وأشباهها: فلا صدقة فيها، هذا كله يدل لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - إلا أنا لا نعلم مخالفا أن فيما يباع من الرطب صدقة، وإن كان يؤكل كهيئة، فهذا يفسد ما احتججنا به لأبي يوسف ومحمد ومن وافقهما، وتأويل ما روي "أن لا صدقة في الخضراوات"، "وليس في أقل من خمسة أوسق صدقة تؤخذ"، وإنما عليه في نفسه أن يؤديها، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ : على أولئك خاصّة في ذلك الوقت، أو يقول: وآتوا حقه ولا تصرفوا إلى الأصنام التي تصرفون إليها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ .

هو صلة قوله: ﴿ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ ﴾ إلى آخر ما ذكر، وأنشأ - أيضاً - من الأنعام حمولة وفرشاً.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: الحمولة: ما يحمل عليها أنشأها للحمل، والفرش: الصغار منها التي لا تحمل.

وقيل: الحمولة: من نحو الإبل والبقر والبغال وغيرها من الحيوان، والفرش: هو الغنم والمعز التي تؤكل وأنشأها للحم.

ويحتمل الفرش: ما يؤخذ من الأنعام، ويتخذ منه الفرش والبسط.

وقال الحسن: الحمولة: ما يحمل عليها وهو خالص، والفرش: كل شيء من أنواع المال من الحيوان وغيره؛ يقال: أفرشه الله له، أي: جعله له.

قال ابن عباس -  -: الحمولة: الإبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، وإما الفرش فالغنم.

وعن ابن عمر -  - قال: الحمولة: الإبل، والفرش: البقر والغنم.

وقال أبو عوسجة: الحمولة: مراكب النساء، والفرش: ما يكون للنتاج.

وقال القتبي: الحمولة: كبار الإبل التي يحمل عليها، والفرش: صغارها التي لم تدرك أن يحمل عليها، وهي ما دون الحقاق، والحقاق: هي التي تصلح أن تركب، أي: حق ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ .

قوله: [ ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ ووجهوا شكر ذلك إليه، ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ في تحريم ما أحل الله لكم، وجعل ذلك لكم] رزقا؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ .

وقوله: ﴿ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا  ﴾ وقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا  ﴾ ، يقول: كلوا مما رزقكم الله؛ وكذلك قوله: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ ، وانتفعوا به، ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ : في تحريم ذلك على أنفسكم، واعرفوا نعمه التي أنعمها عليكم، ووجهوا شكر نعمه إليه، ولا توجهوها إلى غيره.

ثم قوله: ﴿ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ .

قيل: آثار الشيطان.

وقيل: أعمال الشيطان.

وقيل: دعاء الشيطان وتزيينه، وكله واحد.

وأصله: أن كل من أجاب آخر إلى ما يدعو إليه ويأتمر بأمره، يقال: قد اتبع أثره، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز جل -: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

أي: إنه فيما يدعوكم إلى تحريم ما أحل الله لكم ورزقكم - يقصد قصد إهلاككم وتعذيبكم، لا قصد منفعة لكم في ذلك، وكل من قصد إهلاك آخر فهو عدوّ له، وهو يخرج على ما ذكرنا من تذكير المنن والنعم التي أنعمها عليهم، يقول: هو الذي جعل لكم ذلك؛ فلا تصرفوا شكره إلى غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

أي: أنشأ - أيضاً - ثمانية أزواج، على ما ذكر: أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنشأ من الأنعام - أيضاً - حمولة وفرشاً، وأنشأ - أيضاً - ثمانية أزواج مما عد علينا.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر هو تفسير قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً ﴾ ، ويكون ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ﴾ التي ذكر في الآية بيان الحمولة والفرش التي ذكر في الآية الأولى.

ثم في قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : في الآية تعريف المحاجة مع الكفرة وتعليمها من الله؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء على الإناث ويحللونها للذكور؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ  ﴾ ؛ فقال الله - عز وجل: ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ ﴾ : يعرفنا المحاجة معهم؛ وطلب العلة التي بها حرم، فقال: ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ ﴾ ، فإن قالوا: حرم الذكر، فيجب أن كل ذكر محرم، ثم من الذكور ما يحل، فتناقضوا في قولهم، وإن قالوا: حرم الأنثى، فيجب أن كل أنثى - أيضاً - تكون محرمة، فإذا لم تحرم كل أنثى ظهر تناقضهم؛ لأنه لا يجوز أن يجب حرمة شيء أو حله لمعنى، ثم يرتفع ذلك الحكم والمعنى موجود، أو حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فإن كان لهذا، فيجب أن لكل مشتمل عليه أرحام الأنثيين محرم، فإذا لم يحرم ذلك [دل أن التحريم لم يكن لهذا].

وفيه دلالة أن الحكم إذا وجب لعلة، فذلك الحكم واجب ما دامت العلة قائمة موجودة، وفيه الأمر بالمقايسة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ .

أي: ليس عندهم علم يعلمون ذلك وينبئونه، ذكر - هاهنا - ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ : في مقالتكم: إنه حرم، وقال في الآية التي تليها: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ﴾ ، أي: بتحريمها، أي: ليس لكم شهداء على تحريم ما تحرمون: لا من جهة الكتاب، ولا رسول، ولا استدلال؛ لأن العلوم ثلاثة: علم استدلال وهو علم العقل، وعلم المشاهدة والعيان وهو علم الحس، وعلم السمع والخبر؛ فيخبر أنه ليس لهم من هذه العلوم شيء.

أما علم الاستدلال: فلا عقل يدل على تحريم ما حرمتم.

ولا علم مشاهدة؛ لأنكم لم تشاهدوا الله حرم ذلك.

ولا علم من جهة السمع والخبر؛ لأنهم [كانوا] لا يؤمنون بالكتب، ولا صدقوا الرسل فيقولون: أخبرنا الرسل بتحريم ذلك، أو وجدنا في الكتب حُرْمتها، فبهتوا في ذلك وضجروا.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمّد ونبوّته  ؛ لأنهم كانوا لا يحرمون هذه الأشياء ظاهرا فيما بينهم، ورسول الله  نشأ بين أظهرهم منذ كان صغيراً إلى كبره، وعرفوا أنه لم يختلف إلى أحد عرف ذلك، ثم أخبر [الله - عز وجل -] [عن حل] ما حرموا وفساد ما صنعوا؛ ليدلهم أنه إنما عرف ذلك بالله، وبه علم حل ما حرموا، وحرمة ما أحلوا، لا بأحد من الخلائق.

وقوله - عز جل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً  ﴾ .

أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا؛ لأنه هو الذي أنشأهم وأنشأ لهم جميع ما يحتاجون إليه ويقضون حوائجهم، وبه كان جميع نعمهم التي يتنعمون ويتقلبون فيها؛ فلا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، فقال: حرم كذا ولم يكن حرم، أو: أمر بكذا ولم يكن أمر.

ألا ترى: أنه قال - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً  ﴾ ، و ﴿ قِيلاً  ﴾ ، فكما لم يكن أحد أصدق منه حديثاً، فعلى ذلك لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا بعد علمه: أنه هو الفاعل لذلك كله، وهو المنشئ ما ذكر.

وقوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ .

في الظاهر استفهام، ولكن في الحقيقة إيجاب؛ لأنه لا يحتمل الاستفهام؛ كأنه قال: لا أحد أفحش ظلماً ممن افترى على الله كذبا على الإيجاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

لأنه يقصد بالافتراء على الله قصد إضلال الناس وإغوائهم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر والظلم.

وقيل: ﴿ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ \[أي أنهم يختمون\] بالكفر.

ويحتمل: لا يهديهم؛ إذا كانوا هم عند الله ظلمة كفرة، وإن كانوا عند أنفسهم عدولا على الحق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والله سبحانه هو الذي خلق بساتين مبسوطة على وجه الأرض دون ساق، ومرفوعة عليها ذات ساق، وهو الذي خلق النخل، وخلق الزرع مختلفًا ثمره في الشكل والطعم، وهو الذي خلق الزيتون والرمان ورقهما متشابه، وطعمهما غير متشابه، كلوا -أيها الناس- من ثمره إذا أثمر، وأدُّوا زكاته يوم حصاد، ولا تتجاوزوا الحدود الشرعية في الأكل والإنفاق، فالله لا يحب المتجاوزين لحدوده فيهما ولا في غيرهما، بل يبغضه، إن الذي خلق ذلك كله هو الذي أباحه لعباده، فليس للمشركين تحريمه.

<div class="verse-tafsir" id="91.bXrbR"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله