الآية ١٨ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٨ من سورة الأنعام

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال تعالى : ( وهو القاهر فوق عباده ) أي : هو الذي خضعت له الرقاب ، وذلت له الجبابرة ، وعنت له الوجوه ، وقهر كل شيء ودانت له الخلائق ، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته الأشياء ، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره ( وهو الحكيم ) أي : في جميع ما يفعله ) الخبير ) بمواضع الأشياء ومحالها ، فلا يعطي إلا لمن يستحق ولا يمنع إلا من يستحق .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وهو "، نفسَه، يقول: والله الظاهر فوق عباده (41) = ويعني بقوله: " القاهر " ، المذلِّل المستعبد خلقه، العالي عليهم.

وإنما قال: " فوق عباده ", لأنه وصف نفسه تعالى ذكره بقهره إياهم.

ومن صفة كلّ قاهر شيئًا أن يكون مستعليًا عليه .

فمعنى الكلام إذًا: والله الغالب عبادَه, المذلِّلهم, العالي عليهم بتذليله لهم، وخلقه إياهم, فهو فوقهم بقهره إياهم, وهم دونه =" وهو الحكيم " ، يقول: والله الحكيم في علِّوه على عباده، وقهره إياهم بقدرته، وفي سائر تدبيره (42) =" الخبير "، بمصالح الأشياء ومضارِّها, الذي لا يخفي عليه عواقب الأمور وبواديها, ولا يقع في تدبيره خلل , ولا يدخل حكمه دَخَل.

(43) * * * --------------- الهوامش : (41) في المطبوعة: "والله القاهر" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب في التفسير.

(42) انظر تفسير"الحكيم" فيما سلف من فهارس اللغة (حكم).

(43) انظر تفسير (الخبير" فيما سلف من فهارس اللغة (خبر).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبيرقوله تعالى : وهو القاهر فوق عباده القهر الغلبة ، والقاهر الغالب ، وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل ; قال الشاعر :تمنى حصين أن يسود جذاعه فأمسى حصين قد أذل وأقهراوقهر غلب .

ومعنى فوق عباده فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم ; أي : هم تحت [ ص: 310 ] تسخيره لا فوقية مكان ; كما تقول : السلطان فوق رعيته أي : بالمنزلة والرفعة .

وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة ، وهو منع غيره عن بلوغ المراد .

وهو الحكيم في أمره الخبير بأعمال عباده ، أي : من اتصف بهذه الصفات يجب ألا يشرك به .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } فلا يتصرف منهم متصرف، ولا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن، إلا بمشيئته، وليس للملوك وغيرهم الخروج عن ملكه وسلطانه، بل هم مدبرون مقهورون، فإذا كان هو القاهر وغيره مقهورا، كان هو المستحق للعبادة.

{ وَهُوَ الْحَكِيمُ } فيما أمر به ونهى، وأثاب، وعاقب، وفيما خلق وقدر.

{ الْخَبِيرُ } المطلع على السرائر والضمائر وخفايا الأمور، وهذا كله من أدلة التوحيد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وهو القاهر فوق عباده ) القاهر : الغالب ، وفي القهر زيادة معنى على القدرة ، وهي منع غيره عن بلوغ المراد ، وقيل : هو المنفرد بالتدبير الذي يجبر الخلق على مراده ، فوق عباده ، هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل .

( وهو الحكيم ) في أمره ، ( الخبير ) بأعمال عباده .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهو القاهر» القادر الذي لا يعجزه شيء مستعليا «فوق عباده وهو الحكيم» في خلقه «الخبير» ببواطنهم كظواهرهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله سبحانه هو الغالب القاهر فوق عباده؛ خضعت له الرقاب وذَلَّتْ له الجبابرة، وهو الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها وَفْق حكمت، الخبير الذي لا يخفى عليه شيء.

ومن اتصف بهذه الصفات يجب ألا يشرك به.

وفي هذه الآية إثبات الفوقية لله -تعالى- على جميع خلقه، فوقية مطلقة تليق بجلاله سبحانه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - كمال قدرته ، وعظيم سلطانه فقال : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحكيم الخبير } .أى أنه - كما قال ابن كثير - " هو الذى خضعت له الرقاب ، وذلت له الجباه .

وعنت له الوجوه ، وقهر كل شىء ، ودانت له الخلائق ، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه الأشياء ، وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن صفات الكمال محصورة في القدرة والعلم فإن قالوا: كيف أهملتم وجوب الوجود.

قلنا: ذلك عين الذات لا صفة قائمة بالذات لأن الصفة القائمة بالذات مفتقرة إلى الذات والمفتقر إلى الذات مفتقر إلى الغير فيكون ممكناً لذاته واجباً بغيره فيلزم حصول وجوب قبل الوجوب وذلك محال فثبت أنه عين الذات، وثبت أن الصفات التي هي الكمالات حقيقتها هي القدرة والعلم فقوله: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ إشارة إلى كمال القدرة، وقوله: ﴿ وَهُوَ الحكيم الخبير ﴾ إشارة إلى كمال العلم.

وقوله: ﴿ وَهُوَ القاهر ﴾ يفيد الحصر ومعناه أنه لا موصوف بكمال القدرة وكمال العلم إلا الحق سبحانه وعند هذا يظهر أنه لا كامل إلا هو، وكل من سواه فهو ناقص.

إذا عرفت هذا فنقول: أما دلالة كونه قاهراً على القدرة فلأنا بينا أن ما عدا الحق سبحانه ممكن بالوجود لذاته، والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه ولا عدمه على وجوده إلا بترجيحه وتكوينه وإيجاده وإبداعه فيكون في الحقيقة هو الذي قهر الممكنات تارة في طرف ترجيح الوجود على العدم، وتارة في طرف ترجيح العدم على الوجود ويدخل في هذا الباب كونه قاهراً لهم بالموت والفقر والاذلال ويدخل فيه كل ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ قُلِ اللهم مالك الملك  ﴾ إلى آخر الآية.

وأما كونه حكيماً، فلا يمكن حمله هاهنا على العلم لأن الخبير إشارة إلى العلم فيلزم التكرار أنه لا يجوز، فوجب حمله على كونه محكماً في أفعاله بمعنى أن أفعاله تكون محكمة متقنة آمنة من وجوه الخلل والفساد والخبير هو العالم بالشيء المروي.

قال الواحدي: وتأويله أنه العالم بما يصح أن يخبر به قال: والخبر علمك بالشيء تقول: لي به خبر أي علم وأصله من الخبر لأنه طريق من طرق العلم.

المسألة الثانية: المشبهة استدلوا بهذه الآية على أنه تعالى موجود في الجهة التي هي فوق العالم وهو مردود ويدل عليه وجوه: الأول: أنه لو كان موجوداً فوق العالم لكان إما أن يكون في الصغر بحيث لا يتميز جانب منه من جانب وإما أن يكون ذاهباً في الأقطار متمدداً في الجهات.

والأول: يقتضي أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد فلو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون إله العالم بعض الذرات المخلوطة بالهبات الواقعة في كوة البيت وذلك لا يقوله عاقل، وإن كان الثاني كان متبعضاً متجزئاً، وذلك على الله محال.

والثاني: أنه إما أن يكون غير متناه من كل الجوانب فيلزم كونه ذاته مخالطاً للقاذورات وهو باطل أو يكون متناهياً من كل الجهات وحينئذ يصح عليه الزيادة والنقصان.

وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بمقداره المعين لتخصيص مخصص، فيكون محدثاً أو يكون متناهياً من بعض الجوانب دون البعض، فيكون الجانب الموصوف بكونه متناهياً غير الجانب الموصوف بكونه غير متناه وذلك يوجب القسمة والتجزئة.

والثالث: إما أن يفسر المكان بالسطح الحاوي أو بالبعد والخلاء.

فإن كان الأول: فنقول أجسام العالم متناهية فخارج العالم لا خلا ولا ملا ولا مكان ولا حيث ولا جهة، فيمتنع حصول ذات الله تعالى فيه.

وإن كان الثاني فنقول الخلاء متساوي الأجزاء في حقيقته وإذا كان كذلك، فلو صحّ حصول الله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء لصح حصوله في سائر الأجزاء، ولو كان كذلك لكان حصوله فيه بتخصيص مخصص، وكل ما كان واقعاً بالفاعل المختار فهو محدث، فحصول ذاته في الجزء محدث.

وذاته لا تنفك عن ذلك الحصول وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، فيلزم كون ذاته محدثة وهو محال.

والرابع أن البعد والخلاء أمر قابل للقسمة والتجزئة، وكل ما كان كذلك فهو ممكن لذاته ومفتقر إلى الموجد ويكون موجده موجوداً قبله فيكون ذات الله تعالى قد كانت موجودة قبل وجود الخلاء والجهة والحيث والحيز.

وإذا ثبت هذا: فبعد الحيز والجهة والخلاء وجب أن تبقى ذات الله تعالى كما كانت وإلا فقد وقع التغيير في ذات الله تعالى وذلك محال.

وإذا ثبت هذا وجب القول بكونه منزهاً عن الأحياز والجهات في جميع الأوقات.

والخامس: أنه ثبت أن العالم كرة.

وإذا ثبت هذا فالذي يكون فوق رؤوس أهل الري يكون تحت أقدام قوم آخرين.

وإذا ثبت هذا، فإما أن يقال: إنه تعالى فوق أقوام بأعيانهم.

أو يقال: إنه تعالى فوق الكل.

والأول: باطل، لأن كونه فوقاً لبعضهم يوجب كونه تحتاً لآخرين، وذلك باطل.

والثاني: يوجب كونه تعالى محيطاً بكرة الفلك فيصير حاصل الأمر إلى أن إله العالم هو فلك محيط بجميع الأفلاك وذلك لا يقوله مسلم.

والسادس: هو أن لفظ الفوقية في هذه الآية مسبوق بلفظ وملحوق بلفظ آخر.

أما أنها مسبوقة فلأنها مسبوقة بلفظ القاهر، والقاهر مشعر بكمال القدرة وتمام المكنة.

وأما أنها ملحوقة بلفظ فلأنها ملحوقة بقوله: ﴿ عِبَادِهِ ﴾ وهذا اللفظ مشعر بالمملوكية والمقدورية، فوجب حمل تلك الفوقية على فوقية القدرة لا على فوقية الجهة.

فإن قيل: ما ذكرتموه على الضد من قولكم إن قوله: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ دل على كمال القدرة.

فلو حملنا لفظ الفوق على فوقية القدرة لزم التكرار، فوجب حمله على فوقية المكان والجهة.

قلنا: ليس الأمر كما ذكرتم لأنه قد تكون الذات موصوفة بكونها قاهرة للبعض دون البعض وقوله: ﴿ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ دل على أن ذلك القهر والقدرة عام في حق الكل.

والسابع: وهو أنه تعالى لما ذكر هذه الآية رداً على من يتخذ غير الله ولياً، والتقدير: كأنه قال إنه تعالى فوق كل عباده، ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غير الله ولياً.

وهذه النتيجة إنما يحسن ترتيبها على تلك الفوقيات كان المراد من تلك الفوقية، الفوقية بالقدرة والقوة.

أما لو كان المراد منها الفوقية بالجهة فإن ذلك لا يفيد هذا المقصود لأنه لا يلزم من مجرد كونه حاصلاً في جهة فوق أن يكون التعويل عليه في كل الأمور مفيداً وأن يكون الرجوع إليه في كل المطالب لازماً.

أما إذا حملنا ذلك على فوقية القدرة حسن ترتيب هذه النتيجة عليه فظهر بمجموع ما ذكرنا أن المراد ما ذكرناه، لا ما ذكره أهل التشبيه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ تصوير للقهر والعلوّ بالغلبة والقدرة، كقوله: ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون ﴾ [الأعراف: 127] الشيء أعم العام لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، فيقع على القديم والجرم والعرض والمحال والمستقيم.

ولذلك صحّ أن يقال في الله عزّ وجلّ: شيء لا كالأشياء، كأنك قلت: معلوم لا كسائر المعلومات، ولا يصح: جسم لا كالأجسام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ بِبَلِيَّةٍ كَمَرَضٍ وفَقْرٍ.

﴿ فَلا كاشِفَ لَهُ ﴾ فَلا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ.

﴿ إلا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ بِنِعْمَةٍ كَصِحَّةٍ وغِنًى.

﴿ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَكانَ قادِرًا عَلى حِفْظِهِ وإدامَتِهِ فَلا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى دَفْعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ ﴾ ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ تَصْوِيرٌ لِقَهْرِهِ وعُلُوِّهِ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ.

﴿ وَهُوَ الحَكِيمُ ﴾ في أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ.

﴿ الخَبِيرُ ﴾ بِالعِبادِ وخَفايا أحْوالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وهو القاهر} مبدأ وخبر أي الغالب المقتدر {فَوْقَ عِبَادِهِ} خبر بعد خبر أي عال عليهم بالقدرة والقهر بلوغ المراد بمنع غيره عن بلوغه {وَهُوَ الحكيم} في تنفيذ مراده {الخبير} بأهل القهر من عباده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ قِيلَ هو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ وتَصْوِيرٌ لَقَهْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وعُلُوِّهُ عَزَّ شَأْنُهُ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ بِالظَّرْفِ بِأنْ شَبَّهَ الغَلَبَةَ بِمَكانٍ مَحْسُوسٍ، وقِيلَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ القَهْرِ والعُلُوِّ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ، وقِيلَ: إنَّ (فَوْقَ) زائِدَةٌ.

وصَحَّحَ زِيادَتَها وإنْ كانَتِ اسْمًا كَوْنُها بِمَعْنى عَلى وهو كَما تَرى، والدّاعِي إلى التِزامِ ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي القَوْلَ بِالجِهَةِ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْها لِأنَّها مُحْدَثَةٌ بِإحْداثِ العالَمِ وإخْراجِهِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ويَلْزَمُ أيْضًا مِن كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في جِهَةٍ مَفاسِدُ لا تَخْفى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إثْباتُ الفَوْقِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى كَما نَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ الطَّحاوِيُّ وغَيْرُهُ واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِنَحْوِ ألْفِ دَلِيلٍ.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ في حَدِيثِ الأوْعالِ عَنِ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: «والعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ ”» ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ جُبَيْرِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «قَوْلُهُ  لِلرَّجُلِ الَّذِي اسْتَشْفَعَ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ:“ ويْحَكَ أتَدْرِي ما اللَّهُ تَعالى؟

إنَّ اللَّهَ تَعالى فَوْقَ عَرْشِهِ وعَرْشُهُ فَوْقَ سَماواتِهِ وقالَ بِأصابِعِهِ مِثْلَ القُبَّةِ وإنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أطِيطَ الرَّحْلِ الجَدِيدِ بِالرّاكِبِ» وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مُغازِيهِ مِن حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لِسَعْدٍ يَوْمَ حَكَمَ في بَنِي قُرَيْظَةَ: ”لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَمَواتٍ“» ورَوى ابْنُ ماجَهَ يَرْفَعُهُ قالَ: «بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ إذْ سَطَعَ لَهم نُورٌ فَرَفَعُوا إلَيْهِ رُءُوسَهم فَإذا الجَبّارُ جَلَّ جَلالُهُ قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ وقالَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ سَلامٌ عَلَيْكم ثُمَّ قَرَأ  قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ».

وصَحَّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ أنْشَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ  أبْياتَهُ الَّتِي عَرَّضَ بِها عَنِ القِراءَةِ لِامْرَأتِهِ حِينَ اتَّهَمَتْهُ بِجارِيَتِهِ وهي: شَهِدْتُ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ النّارَ مَثْوى الكافِرِينا وأنَّ العَرْشَ فَوْقَ الماءِ طافٍ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينا وتَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدادٌ ∗∗∗ مَلائِكَةُ الإلَهِ مُسَوِّمِينا فَأقَرَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما قالَهُ وضَحِكَ مِنهُ»، وكَذا «أنْشَدَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَوْلَهُ: شَهِدْتُ بِإذْنِ اللَّهِ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ ∗∗∗ الَّذِي فَوْقَ السَّمَواتِ مِن عَلِ وأنَّ أبا يَحْيى ويَحْيى كِلاهُما ∗∗∗ لَهُ عَمَلٌ مِن رَبِّهِ مُتَقَبَّلُ، وأنَّ الَّذِي عادى اليَهُودَ ابْنُ مَرْيَمَ ∗∗∗ رَسُولٌ أتى مِن عِنْدِ ذِي العَرْشِ مُرْسَلٌ وأنَّ أخا الأحْقافِ إذْ قامَ فِيهِمْ ∗∗∗ يَقُومُ بِذاتِ اللَّهِ فِيهِمْ ويَعْدِلُ فَقالَ النَّبِيُّ  : وأنا أشْهَدُ،» ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ﴾ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَقُولَ ومِن فَوْقِهِمْ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سُبْحانَهُ مِن فَوْقِهِمْ، والآياتُ والأخْبارُ الَّتِي فِيها التَّصْرِيحُ بِما يَدُلُّ عَلى الفَوْقِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ، و ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ ، و ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ ﴾ ، و ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ  فِيما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ: «(وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ)» كَثِيرَةٌ جِدًّا، وكَذا كَلامُ السَّلَفِ في ذَلِكَ فَمِنهُ ما رَوى شَيْخُ الإسْلامِ أبُو إسْماعِيلَ الأنْصارِيُّ في كِتابِهِ الفارُوقِ بِسَنَدِهِ إلى أبِي مُطِيعٍ البَلْخِيِّ أنَّهُ سَألَ أبا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَمَّنْ قالَ: لا أعْرِفُ رَبِّي سُبْحانَهُ وتَعالى في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ، فَقالَ: قَدْ كَفَرَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ الرَّحْمَنَ عَلى العَرْشِ اسْتَوى، وعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ فَقالَ: قَلْتُ فَإنْ قالَ إنَّهُ عَلى العَرْشِ ولَكِنْ لا أدْرِي العَرْشَ في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هو كافِرٌ لِأنَّهُ أنْكَرَ آيَةً في السَّماءِ، ومَن أنْكَرَ آيَةً في السَّماءِ فَقَدْ كَفَرَ، وزادَ غَيْرُهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى في أعْلى عِلِّيِّينَ وهو يُدْعى مِن أعْلى لا مِن أسْفَلَ اهـ وأُيِّدَ القَوْلُ بِالفَوْقِيَّةِ أيْضًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الخَلْقَ لَمْ يَخْلُقْهم في ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهُ الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدُ ولَمْ يُولَدْ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَهم خارِجًا عَنْ ذاتِهِ ولَوْ لَمْ يَتَّصِفْ سُبْحانَهُ بِفَوْقِيَّةِ الذّاتِ مَعَ أنَّهُ قائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُخالِطٍ لِلْعالَمِ لَكانَ مُتَّصِفًا بِضِدٍّ ذَلِكَ لِأنَّ القابِلَ لِلشَّيْءِ لا يَخْلُو مِنهُ أوْ مِن ضِدِّهِ، وضِدُّ الفَوْقِيَّةِ السُّفُولُ وهو مَذْمُومٌ عَلى الِإطْلاقِ، والقَوْلُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ قابِلٌ لِلْفَوْقِيَّةِ حَتّى يَلْزَمَ مِن نَفْيِها ثُبُوتُ ضِدِّها مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قابِلًا لِلْعُلُوِّ والفَوْقِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها فَمَتى سُلِّمَ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ ذاتٌ قائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُخالِطٍ لِلْعالَمِ، وأنَّهُ مَوْجُودٌ في الخارِجِ لَيْسَ وُجُودُهُ ذِهْنِيًّا فَقَطْ بَلْ وجُودُهُ خارِجَ الأذْهانِ قَطْعًا، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ العُقَلاءِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ما كانَ وُجُودُهُ كَذَلِكَ فَهو إمّا داخِلُ العالِمِ وإمّا خارِجٌ عَنْهُ، وإنْكارُ ذَلِكَ إنْكارُ ما هو أجْلى البَدِيهِيّاتِ فَلا يُسْتَدَلُّ بِدَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ إلّا كانَ العِلْمُ بِالمُبايَنَةِ أظْهَرَ مِنهُ وأوْضَحَ، وإذا كانَ صِفَةُ الفَوْقِيَّةِ صِفَةَ كَمالٍ لا نَقْصَ فِيها، ولا يُوجِبُ القَوْلُ بِها مُخالَفَةَ كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجْماعٍ كانَ نَفْيُها عَيْنَ الباطِلِ لا سِيَّما والطِّباعُ مَفْطُورَةٌ عَلى قَصْدِ جِهَةِ العُلُوِّ عِنْدَ التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ طاهِرٍ المَقْدِسِيُّ أنَّ الشَّيْخَ أبا جَعْفَرٍ الهَمْدانِيُّ حَضَرَ مَجْلِسَ إمامِ الحَرَمَيْنِ وهو يَتَكَلَّمُ في نَفْيِ صِفَةِ العُلُوِّ ويَقُولُ: كانَ اللَّهُ تَعالى ولا عَرْشَ وهو الآنَ عَلى ما كانَ، فَقالَ الشَّيْخُ أبُو جَعْفَرٍ: أخْبِرْنا يا أُسْتاذُ عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُها في قُلُوبِنا فَإنَّهُ ما قالَ عارِفٌ قَطُّ يا اللَّهُ إلّا وجَدَ في قَلْبِهِ ضَرُورَةً بِطَلَبِ العُلُوِّ لا يَلْتَفِتُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةَ فَكَيْفَ تَدْفَعُ هَذِهِ الضَّرُورَةَ عَنْ أنْفُسِنا، قالَ: فَلَطَمَ الإمامُ عَلى رَأْسِهِ ونَزَلَ وأظُنُّهُ قالَ وبَكى وقالَ: حَيَّرَنِي الهَمْدانِيُّ، وبَعْضُهم تَكَلَّفَ الجَوابَ عَنْ هَذا بِأنَّ هَذا التَّوَجُّهَ إلى فَوْقٍ إنَّما هو لِكَوْنِ السَّماءِ قِبْلَةَ الدُّعاءِ كَما أنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةُ الصَّلاةِ، ثُمَّ هو أيْضًا مَنقُوضٌ بِوَضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ في جِهَةِ الأرْضِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا باطِلٌ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ السَّماءَ قِبْلَةُ الدُّعاءِ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ ولا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن سُلْطانٍ، والَّذِي صَحَّ أنَّ قِبْلَةَ الدُّعاءِ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ يَسْتَحِبُّ لِلدّاعِي أنْ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ، وقَدِ اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ  الكَعْبَةَ في دُعائِهِ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ فَمَن قالَ: إنَّ لِلدُّعاءِ قِبْلَةً غَيْرَ قِبْلَةِ الصَّلاةِ فَقَدِ ابْتَدَعَ في الدِّينِ وخالَفَ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ القِبْلَةَ ما يَسْتَقْبِلُهُ الدّاعِي بِوَجْهِهِ كَما تُسْتَقْبَلُ الكَعْبَةُ في الصَّلاةِ وما حاذا الإنْسانُ بِرَأْسِهِ أوْ يَدَيْهِ مَثَلًا لا يُسَمّى قِبْلَةً أصْلًا، فَلَوْ كانَتِ السَّماءُ قِبْلَةَ الدُّعاءِ لَكانَ المَشْرُوعُ أنْ يُوَجِّهَ الدّاعِيَ وجْهَهُ إلَيْها، ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في شَرْعٍ أصْلًا، وأمّا النَّقْضُ بِوَضْعِ الجَبْهَةِ فَما أفْسَدَهُ مِن نَقْضٍ فَإنَّ واضِعَ الجَبْهَةِ إنَّما قَصْدُهُ الخُضُوعُ لِمَن فَوْقَهُ بِالذُّلِّ لا أنْ يَمِيلَ إلَيْهِ إذْ هو تَحْتَهُ بَلْ هَذا لا يَخْطُرُ في قَلْبٍ ساجِدٍ نَعَمْ سُمِعَ عَنْ بَشَرٍ المَرِيسِيِّ أنَّهُ يَقُولُ: سُبْحانَ رَبِّي الأسْفَلِ تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُ الجاحِدُونَ والظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وتَأوَّلَ بَعْضُهم كُلَّ نَصٍّ فِيهِ نِسْبَةُ الفَوْقِيَّةِ إلَيْهِ تَعالى بِأنَّ فَوْقَ فِيهِ بِمَعْنى خَيْرٍ وأفْضَلَ كَما يُقالُ: الأمِيرُ فَوْقَ الوَزِيرِ والدِّينارُ فَوْقَ الدِّرْهَمِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مِمّا تَنْفِرُ مِنهُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ وتَشْمَئِزُّ مِنهُ القُلُوبُ الصَّحِيحَةُ فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ ابْتِداءً: اللَّهُ تَعالى خَيْرٌ مِن عِبادِهِ أوْ خَيْرٌ مِن عَرْشِهِ مِن جِنْسِ قَوْلِهِ: الثَّلْجُ بارِدٌ والنّارُ حارَّةٌ، والشَّمْسُ أضْوَأُ مِنَ السِّراجِ، والسَّماءُ أعْلى مِن سَقْفِ الدّارِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ أيْضًا تَمَجُّدٌ ولا تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى بَلْ هو مِن أرْذَلِ الكَلامِ فَكَيْفَ يَلِيقُ حَمْلُ الكَلامِ المَجِيدِ عَلَيْهِ وهو الَّذِي لَوِ اجْتَمَعَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، عَلى أنَّ في ذَلِكَ تَنْقِيصًا لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ فَفي المَثَلِ السّائِرِ: ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ∗∗∗ إذا قِيلَ إنَّ السَّيْفَ خَيْرٌ مِنَ العَصا نَعَمْ إذا كانَ المَقامُ يَقْتَضِي ذَلِكَ بِأنْ كانَ احْتِجاجًا عَلى مُبْطِلٍ كَما في قَوْلِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، ﴿ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ فَهو أمْرٌ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ولا تُوَجَّهُ سِهامُ الطَّعْنِ إلَيْهِ، والفَوْقِيَّةُ بِمَعْنى الفَوْقِيَّةِ في الفَضْلِ مِمّا يُثْبِتُها السَّلَفُ لِلَّهِ تَعالى أيْضًا، وهي مُتَحَقِّقَةٌ في ضِمْنِ الفَوْقِيَّةِ المُطْلَقَةِ وكَذا يُثْبِتُونَ فَوْقِيَّةَ القَهْرِ والغَلَبَةِ كَما يُثْبِتُونَ فَوْقِيَّةَ الذّاتِ، ويُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِجَلالِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزِّهِينَ لَهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ولا يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ولا يَعْدِلُونَ عَنِ الألْفاظِ الشَّرْعِيَّةِ نَفْيًا ولا إثْباتًا لِئَلّا يُثْبِتُوا مَعْنًى فاسِدًا أوْ يَنْفُوا مَعْنًى صَحِيحًا فَهم يُثْبِتُونَ الفَوْقِيَّةَ كَما أثْبَتَها اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ، وأمّا لَفْظُ الجِهَةِ فَقَدْ يُرادُ بِهِ ما هو مَوْجُودٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ ما هو مَعْدُومٌ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلّا الخالِقُ والمَخْلُوقُ، فَإذا أُرِيدَ بِالجِهَةِ أمْرٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى كانَ مَخْلُوقًا واللَّهُ تَعالى لا يَحْصُرُهُ شَيْءٌ ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وإنْ أُرِيدَ بِالجِهَةِ أمْرٌ عَدَمِيٌّ وهو ما فَوْقَ العالِمِ فَلَيْسَ هُناكَ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ فَإذا قِيلَ: إنَّهُ تَعالى في جِهَةٍ بِهَذا الِاعْتِبارِ فَهو صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ فَوْقَ العالِمِ فَلَيْسَ هُناكَ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ، فَإذا قِيلَ: إنَّهُ تَعالى في جِهَةٍ بِهَذا الِاعْتِبارِ فَهو صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ فَوْقَ العالَمِ حَيْثُ انْتَهَتِ المَخْلُوقاتُ، ونُفاةُ لَفْظِ الجِهَةِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ نَفْيَ العُلُوِّ يَذْكُرُونَ مِن أدِلَّتِهِمْ أنَّ الجِهاتِ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ وأنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ قَبْلَ الجِهاتِ، وأنَّهُ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى في جِهَةٍ يَلْزَمُهُ القَوْلُ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنَ العالَمِ، وأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ كانَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الجِهَةِ ثُمَّ صارَ فِيها، وهَذِهِ الألْفاظُ ونَحْوُها تَنْزِلُ عَلى أنَّهُ عَزَّ اسْمُهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ سَواءٌ سُمِّيَ جِهَةً أمْ لَمْ يُسَمَّ، وهو كَلامٌ حَقٌّ ولَكِنَّ الجِهَةَ لَيْسَتْ أمْرًا وُجُودِيًّا بَلْ هي أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ وتَفْوِيضِ عِلْمِ ما جاءَ مِنَ المُتَشابِهاتِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ، والإيمانُ بِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي جاءَتْ عَلَيْهِ والتَّأْوِيلُ القَرِيبُ إلى الذِّهْنِ الشّائِعِ نَظِيرُهُ في كَلامِ العَرَبِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ عِنْدِي عَلى أنَّ بَعْضَ الآياتِ مِمّا أجْمَعَ عَلى تَأْوِيلِها السَّلَفُ والخَلَفُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ ﴿ وهُوَ الحَكِيمُ ﴾ أيْ ذُو الحِكْمَةِ البالِغَةِ وهي العِلْمُ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ والإتْيانُ بِالأفْعالِ عَلى ما يَنْبَغِي، أوِ المُبالِغُ في الإحْكامِ وهو إتْقانُ التَّدْبِيرِ وإحْسانُ التَّقْدِيرِ ﴿ الخَبِيرُ ﴾ 81 - أيِ العالِمِ بِما دَقَّ مِن أحْوالِ العِبادِ وخَفِيَ مِن أُمُورِهِمْ.

واللّامُ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ لِلْقَصْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ يعني: إنْ يصبك الله بشدة أو بلاء فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ يعني: لا يقدر أحد من الآلهة التي يدعونها ولا غيرها كشف الضر إلا الله تعالى.

وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ يقول: وإن يصبك بسعة أو صحة الجسم فإنه لا يقدر أحد على دفع ذلك.

فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الغنى والفقر والعافية.

ثم قال: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ الغالب والعالي عليهم.

ويقال: القادر والمالك عليهم وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بأفعال الخلق.

ثم قال: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي  : يا محمد ألا وجد الله رسولاً غيرك؟

وما نرى أحداً من أهل الكتاب يصدقك بما تقول فأرنا من يشهد لك أنك رسوله؟

فقال الله تعالى: قُلْ: لأهل مكة أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً يعني: حجة وبرهاناً ويقال: من أكبر شهادة؟

فإن أجابوك وإلا ف قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ بأني رسول الله.

والشهيد في اللغة: هو المبين.

وإنما سمى الشاهد شاهداً لأنه يبيّن دعوى المدعي بأمر الله نبيه-  - بأن يحتج عليهم بالله الواحد القهار الذى خلق السموات والارض، وجعل الظلمات والنور، وخلقهم أطوارا.

ثم قال: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ يعني: لأخوفكم بالقرآن يا أهل مكة وَمَنْ بَلَغَ يعني: ومن بلغه القرآن سواكم، فأنا نذير وبشير من بلغه القرآن من الجن والإنس.

قال قتادة: قال النبيّ  : «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً من كتاب الله تعالى» ، فمن بلغه فكأنما عاين رسول الله  وكلمه.

وقال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى رسول الله  ثم قرأ: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ وقال مجاهد: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ يعني: أصحاب محمد  : وَمَنْ بَلَغَ يعني: من العجم وغيرهم.

ثم قال: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى من الأصنام.

فإن قالوا: نعم قُلْ لاَّ أَشْهَدُ بما شهدتم ولكن قُلْ أشهد إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ من الأصنام والأوثان.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ثم أخذ في صفات اللَّه- تعالى- فقال: فاطِرِ بخفض الراء نعت لله عز وجل.

قال ص: فاطِرِ الجمهور «١» بالجَرِّ، وَوَجَّهَهُ ابن عَطِيَّةَ «٢» ، وغيره على أنه نَعْتٌ لِلَّهِ.

وأبو البقاء على أنه بَدَلٌ، وكأنه رأى الفَصْلَ بين البَدَلِ والمبدل أَسْهَلَ لأن البَدَلَ في المشهور على نِيَّةِ تَكْرَارِ العامل.

انتهى.

و «فطر» معناه: ابتدع، وخلق، وأنشأ، وفطر أيضاً في اللُّغَةِ: شَقَّ، ومنه هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الملك: ٣] أي: من شقوق.

ويُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ المقصود به: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ.

وقوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ ...

إلى عَظِيمٍ.

قال المفسرون: المعنى أول من أَسْلَمَ من هذه الأمة، وبهذه الشَّرِيعَةِ، ولفظة عَصَيْتُ عامة في أنواع المَعَاصِي، ولكنها هاهنا إنما تُشِيرُ إلى الشِّرْكِ المَنْهِيِّ عنه.

واليوم العَظِيمُ هو يَوْمُ القيامة.

وقرأ نَافِعٌ «٣» وغيره «من يُصْرَف عنه» مسنداً إلى المفعول، وهو الضمير العائد على العَذَابِ.

وقرأ حمزة وغيره «مَنْ يَصْرِف» بإسناد الفَعْلِ إلى الضمير العائد إلى «ربي» ، ويعمل في ضَمِيرِ العَذَابِ المذكور، ولكنه محذوف.

وقوله: وَذلِكَ إشارة إلى صَرْفِ العذاب، وحُصُولِ الرحمة، والْفَوْزُ النّجاة.

وقوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ.

يَمْسَسْكَ: معناه يُصِبْكَ، ويَنَلْكَ، والضُّرُّ بضم الضاد: سوء الحَالِ في الجِسْمِ وغيره، وبفتحها ضِدُّ النَّفْعِ، ومعنى الآية: الإخْبَارُ أن الأَشْيَاءَ كلها بِيَدِ اللَّه إن ضَرَّ فلا كَاشِفَ لضره غَيْرُه، وإن أصَابَ بِخَيْرٍ، فكذلك أيضاً.

وعن ابن عَبَّاسٍ قال: كنت خلف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوماً فقال: «يا غُلاَمُ إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ:

احْفَظِ اللَّهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّه، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رفعت الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» .

رويناه في الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح «١» .

وفي رواية غير الترمذي زيادة: «احْفَظِ اللَّه تَجِدْهُ أمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أن ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ...

» وفي آخره: «واعلم أن النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأن مع العُسْرِ يُسْراً» «٢» .

قال النووي: هذا حديث عَظِيمُ الموقع.

انتهى من «الحِلْيَة» .

وقرأت فرقة: «وَأَوْحَى إلَيَّ هذا القُرآن» على بناء الفعل للفاعل، ونصب «القرآن» ، وفي «أوحى» ضمير يَعُودُ على اللَّه تعالى.

وقوله: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ معناه على قول الجمهور: بلاغ القرآن، أي:

لأنْذِرَكُمْ وأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ، ففي «بلغ» ضمير محذوف لأنه في صلة «من» فحُذِفَ لطول الكلام.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ القاهِرُ: الغالِبُ، والقَهْرُ: الغَلَبَةُ.

والمَعْنى: أنَّهُ قَهَرَ الخَلْقَ فَصَرْفَهم عَلى ما أرادَ طَوْعًا وكَرْهًا، فَهو المُسْتَعْلِي عَلَيْهِمْ، وهم تَحْتَ التَّسْخِيرِ والتَّذْلِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ ﴾ "يَمْسَسْكَ"؛ مَعْناهُ: "يُصِبْكَ؛ ويَنَلْكَ"؛ وحَقِيقَةُ المَسِّ هي بِتَلاقِي جِسْمَيْنِ؛ فَكَأنَّ الإنْسانَ والضُرَّ يَتَماسّانِ.

والضُرُّ - بِضَمِّ الضادِ -: سُوءُ الحالِ في الجِسْمِ؛ وغَيْرِهِ؛ والضَرُّ - بِفَتْحِ الضادِ -: ضِدُّ النَفْعِ؛ ونابَ الضُرُّ في هَذِهِ الآيَةِ مَنابَ الشَرِّ - وإنْ كانَ الشَرُّ أعَمَّ مِنهُ -؛ فَقابَلَ الخَيْرَ؛ وهَذا مِنَ الفَصاحَةِ عُدُولٌ عن قانُونِ التَكَلُّفِ والصَنْعَةِ؛ فَإنَّ بابَ التَكَلُّفِ وتَرْصِيعِ الكَلامِ أنْ يَكُونَ الشَيْءُ مُقْتَرِنًا بِالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ؛ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاخْتِصاصِ؛ مُوافَقَةً؛ أو مُضادَّةً؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى  ﴾ ﴿ وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى  ﴾ ؛ فَجَعَلَ الجُوعَ مَعَ العُرْيِ؛ وبابُهُ أنْ يَكُونَ مَعَ الظَمَإ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنِّيَ لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ ولَمْ أسْبَإ الزِقَّ الرَوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ وَهَذا كَثِيرٌ.

قالَ السُدِّيُّ: اَلضُّرُّ هَهُنا: اَلْمَرَضُ؛ والخَيْرُ: اَلْعافِيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِثالٌ؛ ومَعْنى الآيَةِ الإخْبارُ عن أنَّ الأشْياءَ كُلَّها بِيَدِ اللهِ؛ إنْ ضَرَّ فَلا كاشِفَ لِضُرِّهِ غَيْرُهُ؛ وإنْ أصابَ بِخَيْرٍ فَكَذَلِكَ أيْضًا لا رادَّ لَهُ؛ ولا مانِعَ مِنهُ؛ هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ؛ ولَكِنْ وضَعَ بَدَلَ هَذا المُقَدَّرِ لَفْظًا أعَمَّ مِنهُ؛ يَسْتَوْعِبُهُ وغَيْرَهُ؛ وهو قَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ ودَلَّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلى المُقَدَّرِ فِيهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ جائِزٍ أنْ يُوصَفَ اللهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ القاهِرُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أيْ وهو - عَزَّ وجَلَّ - المُسْتَوْلِي المُقْتَدِرُ؛ و"فَوْقَ"؛ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ؛ لا في المَكانِ؛ بَلْ في المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ لَفْظُ "اَلْقاهِرُ"؛ كَما تَقُولُ: "زِيدٌ فَوْقَ عَمْرٍو في المَنزِلَةِ"؛ وحَقِيقَةُ "فَوْقَ"؛ في الأماكِنِ؛ وهي في المَعانِي مُسْتَعارَةٌ؛ شُبِّهَ بِها مَن هو أرْفَعُ رُتْبَةً في مَعْنًى ما؛ لَمّا كانَتْ في الأماكِنِ تُنْبِئُ حَقِيقَةً عَنِ الأرْفَعِ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّها بِتَقْدِيرِ الحالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ القاهِرُ غالِبًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا لا يَسْلَمُ مِنَ الاعْتِراضِ أيْضًا؛ والأوَّلُ عِنْدِي أصْوَبُ.

والعِبادُ: بِمَعْنى: "اَلْعَبِيدُ"؛ وهُما جَمْعانِ لِـ "اَلْعَبْدُ"؛ أما إنّا نَجِدُ وُرُودَ لَفْظَةِ "اَلْعِبادُ"؛ في القُرْآنِ؛ وغَيْرِهِ؛ في مَواضِعِ تَفْخِيمٍ؛ أو تَرْفِيعٍ؛ أو كَرامَةٍ؛ ووُرُودُ لَفْظَةِ "اَلْعَبِيدُ"؛ في تَحْقِيرٍ؛ أوِ اسْتِضْعافٍ؛ أو تَصَدِّي ذَمٍّ؛ ألا تَرى قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗................

ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ هُنا: عِبادُ العَصا؛ وكَذَلِكَ الَّذِينَ سُمُّوا "اَلْعِبادَ"؛ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ لَهُمْ: "اَلْعَبِيدُ"؛ لِأنَّهم أفْخَمُ مِن ذَلِكَ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي؟"؛ لا يَسْتَقِيمُ فِيهِ "عِبادٌ".

وَ"اَلْحَكِيمُ"؛ بِمَعْنى "اَلْمُحْكِمُ"؛ و"اَلْخَبِيرُ"؛ دالَّةٌ عَلى مُبالَغَةِ العِلْمِ؛ وهُما وصْفانِ مُناسِبانِ لِنَمَطِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة معطوفة على جملة ﴿ وإن يمسسك الله بضرّ ﴾ [الأنعام: 17] الآية، والمناسبة بينهما أنّ مضمون كلتيهما يبطل استحقاق الأصنام العبادة.

فالآية الأولى أبطلت ذلك بنفي أن يكون للأصنام تصرّف في أحوال المخلوقات، وهذه الآية أبطلت أن يكون غير الله قاهراً على أحد أو خبيراً أو عالماً بإعطاء كل مخلوق ما يناسبه، ولا جرم أنّ الإله تجب له القدرة والعلم، وهما جماع صفات الكمال، كما تجب له صفات الأفعال من نفع وضرّ وإحياء وإماتة، وهي تعلّقات للقدرة أطلق عليها اسم الصفات عند غير الأشعري نظراً للعرف، وأدخلها الأشعري في صفة القدرة لأنّها تعلّقات لها، وهو التحقيق.

ولذلك تتنزّل هذه الآية من التي قبلها منزلة التعميم بعد التخصيص لأنّ التي قبلها ذكرت كمال تصرّفه في المخلوقات وجاءت به في قالب تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم كما قدّمنا، وهذه الآية أوعت قدرته على كلّ شيء وعلمه بكلّ شيء، وذلك أصل جميع الفعل والصنع.

والقاهر الغالب المُكرِه الذي لا ينفلت من قدرته من عُدّي إليه فعل القهر.

وقد أفاد تعريف الجزأين القصر، أي لا قاهر إلاّ هو، لأنّ قهر الله تعالى هو القهر الحقيقي الذي لا يجد المقهور منه ملاذاً، لأنّه قهر بأسباب لا يستطيع أحد خلق ما يدافعها.

وممّا يشاهد منها دوماً النوم وكذلك الموتُ.

سبحان من قهر العباد بالموت.

و ﴿ فوق ﴾ ظرف متعلَّق بِ ﴿ القاهر ﴾ ، وهو استعارة تمثيلية لحالة القاهر بأنَّه كالذي يأخذ المغلوب من أعلاه فلا يجد معالجة ولا حراكاً.

وهو تمثيل بديع ومنه قوله تعالى حكاية عن فرعون ﴿ وإنّا فوقهم قاهرون ﴾ [الأعراف: 127].

ولا يفهم من ذلك جهة هي في علوّ كما قد يتوهّم، فلا تعدّ هذه الآية من المتشابهات.

والعباد: هم المخلوقون من العقلاء، فلا يقال للدوابّ عباد الله، وهو في الأصل جمع عبد لكن الاستعمال خصّه بالمخلوقات، وخصّ العبيد بجمع عبد بمعنى المملوك.

ومعنى القهر فوق العباد أنّه خالق ما لا يدخل تحت قُدرهم بحيث يوجدُ ما لا يريدون وجوده كالموت، ويمنع ما يريدون تحصيله كالولد للعقيم والجهل بكثير من الأشياء، بحيث إنّ كلّ أحد يجد في نفسه أموراً يستطيع فعلها وأموراً لا يستطيع فعلها وأموراً يفعلها تارة ولا يستطيع فعلها تارة، كالمشي لمن خَدِرت رجله؛ فيعلم كلّ أحد أنّ الله هو خالق القُدر والاستطاعات لأنّه قد يمنعها، ولأنّه يخلق ما يخرج عن مقدور البشر، ثم يقيس العقل عوالم الغيب على عالم الشهادة.

وقد خلق الله العناصر والقوى وسلّط بعضها على بعض فلا يستطيع المدافعة إلاّ ما خوّلها الله.

والحكيم: المحكم المتقن للمصنوعات، فعيل بمعنى مفعل، وقد تقدّم في قوله: ﴿ فاعلموا أنّ الله عزيز حكيم ﴾ في سورة [البقرة: 209] وفي مواضع كثيرة.

والخبير: مبالغة في اسم الفاعل من (خَبَر) المتعدّي، بمعنى (علم)، يقال: خبر الأمر، إذا علمه وجرّبه.

وقد قيل: إنّه مشتقّ من الخَبر لأنّ الشيء إذا علم أمكن الإخبار به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ إنْ ألْحَقَ اللَّهُ بِكَ ضُرًّا، لِأنَّ المَسَّ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ.

والثّانِي: مَعْناهُ وإنْ جَعَلَ الضُّرَّ يَمَسُّكَ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ وفي الضُّرِّ والخَيْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الضُّرَّ السُّقْمُ، والخَيْرَ العافِيَةُ.

والثّانِي: أنَّ الضُّرَّ الفَقْرُ، والخَيْرَ الغِنى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ القاهِرُ لِعِبادِهِ، وفَوْقَ صِلَةٌ زائِدَةٌ.

والثّانِي: أنَّهُ بِقَهْرِهِ لِعِبادِهِ مُسْتَعْلٍ عَلَيْهِمْ، فَكانَ قَوْلُهُ فَوْقَ مُسْتَعْمَلًا عَلى حَقِيقَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ  ﴾ لِأنَّها أعْلى قُوَّةً.

وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: وهو القاهِرُ فَوْقَ قَهْرِ عِبادِهِ، لِأنَّ قَهْرَهُ فَوْقَ كُلِّ قَهْرٍ.

وَفي هَذا القَهْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إيجادُ المَعْدُومِ.

والثّانِي: أنَّهُ لا رادَّ لِأقْدارِهِ ولا صادَّ عَنِ اخْتِيارِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ الآيَةَ، في سَبَبِ [نُزُولِ] ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : مَن يَشْهَدُ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ يَأْمُرُهُ فِيها أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ ، ثُمَّ أجابَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ يَعْنِي: بِصِدْقِي وصِحَّةِ نُبُوَّتِي وهي أكْبَرُ الشَّهاداتِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ فَقالَ ذَلِكَ لِيُشْهِدَهُ عَلَيْهِمْ.

﴿ لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأُنْذِرَكم [يا] أهْلَ مَكَّةَ ومَن بَلَغَهُ القُرْآنُ مِن غَيْرِ أهْلِ مَكَّةَ.

والثّانِي: لِأُنْذِرَكم بِهِ: [أيُّها] العَرَبُ ومَن بُلِّغَ مِنَ العَجَمِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ.

﴿ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ  كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، لِأنَّ صِفَتَهُ مَوْجُودَةٌ في كِتابِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومَن زَعَمَ أنَّ الكِتابَ هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ.

والثّانِي: يَعْرِفُونَ الكِتابَ الدّالَّ عَلى صِفَتِهِ، وصِدْقِهِ، وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ.

وَعَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ ﴾ تَثْبِيتًا لِصِحَّةِ المَعْرِفَةِ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ حِينَ أسْلَمَ: ما هَذِهِ المَعْرِفَةُ الَّتِي تَعْرِفُونَ بِها مُحَمَّدًا  كَما تَعْرِفُونَ أبْناءَكُمْ؟

قالَ: واللَّهِ لَأنا بِهِ إذا رَأيْتُهُ أعْرَفُ مِنِّي بِابْنِي وهو يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ، لِأنِّي لا أشُكُّ أنَّهُ مُحَمَّدٌ، وأشْهَدُ أنَّهُ حَقٌّ، ولَسْتُ أدْرِي ما صَنَعَ النِّساءُ في الِابْنِ.

﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم خَسِرُوا بِالكُفْرِ مَنازِلَهم وأزْواجَهم في الجَنَّةِ، لِأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ إلّا ولَهُ مَنازِلُ وأزْواجٌ، فَإنْ أسْلَمُوا كانَتْ لَهم، وإنْ كَفَرُوا كانَتْ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ  ﴾ ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: مَعْناهُ غَبِنُوها فَأهْلَكُوها بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ ولا يُبالِي خُسْرَ الخاسِرِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ يقول: ما استقر في الليل والنهار.

وفي قوله: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً ﴾ قال: أما الولي فالذي يتولاه ويقر له بالربوبية.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ قال: بديع السموات والأرض.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن جرير وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال، أحداهما: أنا فطرتها.

يقول: أنا ابتدأتها.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ قال: خالق السموات والأرض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وهو يطعِم ولا يطعَم ﴾ قال: يرزق ولا يُرزق.

وأخرج النسائي وابن السني والحاكم والبيهقي في الشعب وابن مردويه عن أبي هريرة قال: دعا رجل من الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقنا معه، فلما طعَم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يده قال: «الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم ومنَّ علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغني عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العرى، وهدانا من الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير من خلقه تفصيلاً، الحمد لله رب العالمين» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ من يصرف عنه يومئذ ﴾ قال: من يصرف عنه العذاب.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق بشر بن حاتم من طريق بشر بن السري عن هارون النحوي قال: في قراءة أبي ﴿ من يصرفه الله ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وإن يمسسك بخير ﴾ يقول: بعافية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ قال الليث: (القهر: الغلبة والأخذ من فوق، والله القاهر القهار، قهر (١) ﴿ الْقَاهِرُ ﴾ في صفة الله تعالى يعود إلى أنه القادر الذي لا يعجزه شيء (٢) ومعنى ﴿ فَوْقَ ﴾ هاهنا أن قهره قد استعلى عليهم، فهم تحت التسخير والتذليل بما علاهم من الاقتدار الذي لا ينفك منه أحد (٣) و ﴿ الْخَبِيرُ ﴾ العالم بالشي.

وتأويله: أنه العالم بما يصح أن يخبر به، والخبر (٤) (٥) (١) في النسخ: -وهو خلقه- وهو تحريف، والصواب ما أثبته من نص قول الليث في في "تهذيب اللغة" 3/ 2108، وانظر: "الجمهرة" 3/ 797، و"الصحاح" 2/ 801، و"مقاييس اللغة" 5/ 35، و"المجمل" 3/ 736، و"المفردات" ص 687، و"اللسان" 6/ 3764 (قهر).

(٢) انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 38، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص82، وص 525 - 530، و"المقصد الأسنى" للغزالي ص 77، و"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص 220، و"الحق الواضح المبين" للسعدي ص 75، و"شرح أسماء الله الحسنى" للقحطاني ص 128.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 161، و"تفسير السمرقندي" 1/ 477، و"تفسير المارودي" 2/ 99، و"تفسير ابن عطية" 5/ 147، والقرطبي 6/ 399.

وما ذكره == الواحدي مجاز وهو قول المؤولة الذين ينفون عن الله تعالى العلو الذي أثبته لنفسه، ومذهب أهل السنة والجماعة أن حقيقة الفوقية علو ذات الشيء على غيره، فالحق أنه تعالى مستعل على كل شيء بذاته وقدرته وقهره.

انظر: "مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" 2/ 205 - 217.

(٤) جاء في "اللسان" 4/ 1090: (خِبر) بكسر الخاء وضمها: العلم بالشيء).

وانظر: "العين" 4/ 258، و"الجمهرة" 1/ 287، و"الصحاح" 2/ 641، و"المجمل" 2/ 310، و"مقاييس اللغة" 2/ 239، و"المفردات" ص 273 (خبر).

(٥) قال أبو علي الفارسي في "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 45 (الخبير عندنا من الخبر الذي يسمع؛ لأن معنى الخبير العالم) ا.

هـ.

وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 127، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص 1/ 125، و"المقصد الأسنى" للغزالي ص 93، و"شرح أسماء الله الحسنى" ص 348.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ ﴾ معنى يمسسك: يصبك، والضر: المرض وغيره على العموم في جميع المضرات، والخير: العاقبة وغيرها على العموم أيضاً، والآية برهان على الوحدانية لانفراد الله تعالى بالضر والخير، وكذلك ما بعد هذا من الأوصاف براهين ورد على المشركين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أمرت ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: هما وابن كثير وأبو عمرو.

الباقون: بالسكون.

﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون: مبنياً للمفعول ﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة ﴿ أينكم ﴾ بالياء بعد الهمزة: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينكم ﴾ بالمد والياء: أبو عمرو ويزيد.

وقالون ﴿ بريء ﴾ بغير همز حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ يحشرهم ثم يقول ﴾ بياء الغيبة فيهما: يعقوب.

الباقون: بالنون ﴿ ثم لم تكن ﴾ بتاء التأنيث: حمزة وعلي وحماد والمفضل وسهل ويعقوب الباقون: بالياء ﴿ فتنتهم ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر وحفص والمفضل.

الباقون: بالنصب ﴿ والله ربنا ﴾ بالنصب على النداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: بالجر على البدل أو البيان.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل لله ﴾ ط ﴿ الرحمة ﴾ ط لأن قوله ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب قسم محذوف.

وقيل: لا وقف و ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب معنى القسم في ﴿ كتب ﴾ وفيه نظر لأن ﴿ كتب ﴾ وعد ناجز و ﴿ ليجمعنكم ﴾ وعد منتظر.

﴿ لا ريب فيه ﴾ ط بناء على أن الذين مبتدأ فيه معنى الشرط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ولا يطعم ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمه ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ شهادة ﴾ ط ﴿ ومن بلغ ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لانتهاء الاستخبار إلى الإخبار.

﴿ قل لا أشهد ﴾ ج لاتساق الكلام بلا عطف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ أبناءهم ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده وصف ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ يزعمون ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما برهن على إثبات الصانع وتحقيق النبوّات وتقرير المعاد، وانجر الكلام إلى الأمر باعتبار أحوال الغابرين، عاد إلى إثبات هذه المطالب بطريق الإلزام وأخذ الاعتراف، وذلك أن آثار الحدوث وسمات الإمكان لائحة على صفحات السمويات والأرضيات حتى بلغ في ظهوره إلى حيث لا يقدر منكر على إنكاره، فكان في السؤال تبكيت وإفحام، وفي الجواب تقرير وإلزام، أي هو لله بلا مراء وشقاق ولن يتم الملك إلا إذا كان قادراً على الإعادة كما هو قادر على الإبداء، ولن تحصل حكمة الإعادة إلا بثواب المطيعين وعقاب العاصين، ولن يحسن إيصال الثواب والعقاب إلا بعد نصب الدلائل وإرسال الرسل فلأجل ذلك قال ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ أي بنصب الأدلة وإزاحة العلة إيجاب الفضل والكرم.

وقيل: هذه الرحمة هي أنه يمهلهم مدّة عمرهم ولا يعاجلهم بالاستئصال، أو فرض على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدّقهم وقبل شريعتهم، أو تلك الرحمة هي أنه يجمعهم إلى يوم القيامة فإنه لولا هذا التهديد لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله  ، وأنه مالك الكل فاعلموا أن الله الملك الحكيم لا يهمل أمور عبيده، ولا يجوز في حكمته التسوية بين المطيع والعاصي والعامل والساهي.

ومعنى ﴿ ليجمعنكم ﴾ ليضمنكم.

وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان.

وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرنإلى يوم القيامة.

قال الأخفش: ﴿ الذين خسروا ﴾ بدل من ضمير المخاطبين في ﴿ ليجمعنكم ﴾ .

وقال الزجاج: إنه مبتدأ خبره ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وذلك لتضمنه معنى الشرط فكأنه قيل: ما للمشركين مع وضوح الدلائل الباهرة لا يؤمنون؟

فأجيب ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ أي في علم الله وسابق قضائه فهم لا يؤمنون في طرف الأبد، فكان امتناعهم الآن عن الإيمان مسبباً عن سبق القضاء عليهم بالخسران والخذلان.

وقال في الكشاف ﴿ الذين خسروا ﴾ نصب أو رفع على الذم بمعنى أريد الذين، أو أنتم الذين.

ثم لما بيّن أن له المكان والمكانيات ارتقى في البيان كما هو شأن الترتيب التعليمي إلى ما هو أخفى من ذلك عند الحس وهو الزمان والزمانيات فقال ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ عن ابن عباس أن كفار مكة أتوا رسول الله  فقالوا: يا محمد إنا قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيباً من أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً وترجع عما أنت عليه فنزل ﴿ وله ما سكن ﴾ الآية.

قيل: اشتقاقه من السكون والتقدير كل ما سكن وتحرك كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ أي تقيكم الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر للقرينة.

والأصوب أن يقال: اشتقاقه من السكنى كما يقال: فلان سكن ببلد كذا أي حل فيه.

والمراد كل ما حل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وذلك أن الدخول تحت الزمان يستلزم التغير والحدوث فلا بد له من محدث يتقدم عليه وعلى نفس الزمان ﴿ وهو السميع العليم ﴾ الذي يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين فيوصل كل ممكن إلى كمال يليق به ويستعدّ له.

ثم لما كان لزاعم أن يزعم أن الذي يتعالى عن المكان وعن الزمان قد يكون ممكناً في نفسه كالمفارقات التي يثبتها الفلاسفة فلا جرم قال ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ منكر الاتخاذ غير الله ﴿ ولياً ﴾ ولذلك قدم المفعول لكونه أهم، ولو كان حرف الاستفهام داخلاً على الفعل توجه الإنكار أوّلاً إلى نفس اتخاذ الولي وأنه غير مهم ﴿ فاطر السموات ﴾ عطف بيان من ﴿ الله ﴾ أو بدل.

وقرىء بالرفع على إضمار هو، وبالنصب على المدح.

وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها.

وقال ابن الأنباري: أصل الفطر الشق وقد يكون شق إصلاح كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض  ﴾ أي خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضمه بعض الأشياء إلى بعض.

وقد يكون شق إفساد ومنه قوله  ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ ﴿ إذا السماء انفطرت  ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.

والرزق والإطعام وإن كانا متغايرين وإلا لم يحسن العطف في قوله ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون  ﴾ إلا أنهما متقاربان فحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر.

وقرىء ﴿ وهو يطعم ﴾ مبنياً للمفعول على أن الضمير لغير الله وقرىء ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ كلاهما للفاعل.

والمعنى هو يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله ﴿ وإنه يقبض ويبسط  ﴾ أو الثاني بمعنى لا يستطعم.

وحاصل الآية أنه يجب شغل القلب كله بالله وقطع العلائق بالكلية عما سواه لأنه الجواد المطلق الذي يهب لا لعوضٍ ولا انتفاع.

ثم بيّن أن النبي أيضاً داخل في تكليف المعرفة بل هو أسبق قدماً في ذلك فقال ﴿ قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم ﴾ وقيل لي ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ وفيه أن الواعظ يجب أن يتعظ أوّلاً بما يقوله، فالمريض لا يتصور منه العلاج.

ثم ذكر أن النبي  مع جلالة قدره بصدد المؤاخذة على تقدير المخالفة فقال ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ ولا يلزم من هذا جواز المعصية عنه لأن الفرض قد يتعلق بالمستحيل كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.

من قرأ ﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل فالضمير فيه عائد إلى الله والمفعول وهو العذاب محذوف لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله.

قال في الكشاف: ويجوز أن تنصب يومئذ على أنه مفعول به لـ ﴿ يصرف ﴾ أي من يصرف الله عنه ذلك اليوم أي هو له، ومن قرأ على بناء المفعول فهو مسند إلى ضمير العذاب، ولم يسم الفاعل وهو الله  للعلم به ﴿ فقد رحمه ﴾ أي الله الرحمة العظمى كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه يعني كمال الإحسان.

أو المراد فقد أدخله الجنة فإن من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب تفضلاً أو استيجاباً.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن إيصال الثواب على الطاعة غير واجب وإنما هو ابتداء فضل وإحسان وإلا لم يحسن ذكر الرحمة ههنا، ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب زيداً فإذا لم يضربه لا يقال أنه رحمه؟

﴿ وذلك ﴾ أي صرف العذاب وإيصال الثواب على سبيل التفضل أو الاستيجاب ﴿ الفوز المبين ﴾ لأنه المطلب الأعلى والمقصد الأسنى لكل مكلف.

ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في اتخاذ ولي غير الله بقوله ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ من مرض أو فقر أو غير ذلك من البليات ﴿ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ﴾ من غنى أو صحة ﴿ فهو على كل شيء قدير ﴾ عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته، وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل بإيجاده وتكوينه، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ورأس المضارّ هو الكفر، وسنام الخيرات هو الإيمان، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية الإيمان إلا بتوفيقه  .

وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع أو الضر، فلا ضارّ ولا نافع بالحقيقة إلا هو  .

ثم زاد لهذا المعنى بياناً فقال ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وهو إشارة إلى كمال القدرة ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ وإنه إشارة إلى كمال العلم.

فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم، وكونه خبيراً أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها، فإذا اجتمعت هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت الفوقية لله  وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلاً فذلك لا يقوله عاقل، وإن كان ذاهباً في الأقطار كلها كان متجزئاً.

والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون نوراً قائماً بذاته غير متناه لا متجزئاً ولا متبعضاً قاهراً لجميع الأنوار غالباً على جميع الأشياء.

فلا غاية لجوده ولا نهاية لوجوده.

وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم يتبعض فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى النور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ ومنها أنه لو كان غير متناه من كل الجهات لزم اختلاطه بالقاذورات.

والجواب أن هذا كلام مخيل فلا يستعمل في البرهان.

ومنها أنه لو لم يكن خارج العالم خلاء ولا ملاء لم يمكن حصول ذات الله  فيه، وإن كان خلاء فحصوله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء دون سائر أجزائه محتاج إلى مخصص، فيكون الواجب مفتقراً فيكون محدثاً هذا خلف.

والجواب أنا ذكرنا أن نور الأنوار لا يتناهى وأنه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى فيسقط هذا الاعتراض.

ومنها أنه  موجود قبل الخلاء والحيز والجهة، فلا يكون بعد حصول هذه الأشياء موجوداً فيها وإلا لزم التغير في ذاته.

والجواب بالفرق بين المعية وبين الافتقار.

ومنها أن العالم كرة فإما أن يكون الله  فوق أقوام بأعيانهم وحينئذ يلزم أن يكون تحت أقدام من يقابلهم وإما أن يكون فوق الكل فيكون فلكاً محيطاً بسائر الأفلاك وهذا لا يقوله مسلم.

والجواب الإلزامي بعد تسليم كون العالم كرة أنا نختار القسم الأول، ولا يلزم التحتية لأن التحت من جميع الجوانب هو ما يلي المركز، والفوق ما يلي السماء.

أو القسم الثاني ولا يلزم من إحاطته بجميع الأشياء كونه فلكاً كسائر الأفلاك، وأما التحقيق فقد مر.

ومنها أن لفظ الفوق في الآية مسبوق بالقهر ويراد به القدرة والمكنة وملحوق بلفظ عباده، وأنه مشعر بالمملوكية والمقدورية.

فالمناسب أن يراد بالفوق أيضاً فوقية القدرة ولا يلزم التكرار لأن المراد أن القهر والقدرة عام في حق الكل.

والجواب أن حمل الوسط على الطرفين أولى من العكس، بل لا نزاع في مفهوم العباد وإنما النزاع في مفهومي القاهرية والفوقية، وليس حمل أحدهما على الآخر أولى من غيره، ومنها أن الآية سيقت رداً على من اتخذ غير الله ولياً وهذا إنما يحسن لو كان المراد بالفوقية القدرة لا الجهة.

والجواب أن الفوقية بالوجه الذي قررناه في جواب الاعتراض الأول يفيد الاستعلاء المطلق وذلك يوجب أن يكون التعويل عليه في كل الأمور إذ لا وجود ولا ظهور لشيء من الأشياء إلا بفيضه ونوره.

وقد يلوح للمتأمل في هذه الأجوبة بعد التنزية عن التشبيه والتجسيم والحلول والاتحاد أسرار غامضة شريفة إن كان أهلاً لها "وكل ميسر لما خلق له" قال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة.

ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم فنزلت ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة ﴾ الآية.

قال العلماء: إنها دلت على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله.

ثم بيَّن أن شهادة الله حاصلة إلا أنها لم تدل على أن تلك الشهادة لإثبات أيّ المطالب فقيل: إنها لإثبات نبوة محمد  لما ذكرنا من سبب النزول.

والمعنى قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة حتى يعترفوا بأن أكبر الأشياء شهادة هو الله  ، فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهد لي بالنبوة بأن أظهر على وفق دعواي معجزاً هو القرآن الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته.

وقيل: إن حصول هذه الشهادة في وحدانية الله  وذلك أن الوحدانية ليست مما يتوقف صحته على صحة السمع فلا يمتنع إثباتها بالسمع والمعنى ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ في إثبات الوحدانية والبراءة عن الأضداد والأنداد والأمثال والأشباه ﴿ وأوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ وأبلغكم أن الدين هو التوحيد والشرك مردود.

واستدل الجمهور بالآية على أنه يصح إطلاق الشيء على الله  وخالف جهم محتجاً بقوله  ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ إذ لا يمكن دعوى التخصيص فيه، فإن التخصيص إنما يجوز في صورة شاذة لا يلتفت إليها لقلة اعتبارها فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم.

فلو كان الباري  شيئاً لكان أعظم الأشياء وأشرفها فيكون إخراجه من هذا العموم محض الكذب.

وأيضاً احتج بأن الشيء يطلق على المعدوم لقوله  ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله  ﴾ والشيء الذي سيفعله غداً معدوم في الحال، فالشيء لا يفيد صفة مدح فلا يطلق عليه.

والجواب عن الأول أن إخراجالأكثر من العموم جائز عندنا.

ولو سلم فإنه  واحد من الأشياء، والمخرج بهذا الاعتبار أقل عدداً من الباقي.

وعن الثاني أن لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص كالذات، والحقيقة صدق العلم بالضرورة.

قال جهم ﴿ قل الله شهيد ﴾ جملة مستقلة بنفسهالا تعلق لها بما قبلها فلا يصح استدلالكم.

قلنا ﴿ قل أي شيء ﴾ سؤال ولا بد له من جواب.

وهو إما مذكور رأي قل الله أكبر الأشياء شهادة ثم ابتدىء فقيل شهيد أي وهو شهيد بيني وبينكم، أو محذوف والمعنى قل هو الله والله شهيد بيني وبينكم.

وحسن الحذف لأنه إذا سأل عن أكبر الأشياء شهادة وذكر بعد ذلك أن الله شهيد علم جزماً أن أكبر الأشياء شهادة هو الله أما قوله ﴿ ومن بلغ ﴾ فمعطوف على ضمير المخاطبين والعائد إلى من محذوف أي لأنذركم يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم.

وقيل: من الثقلين.

وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة.

وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً  ، وقيل: ومن بلغ أي من احتلم وبلغ أوان التكليف، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار العائد.

ثم استفهم مبكتاً فقال ﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ﴾ وصف الجمع بصفة الواحدة كما يقال: الرجال فعلت.

ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل: أولاها ﴿ قل لا أشهد ﴾ أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء، وثانيتها ﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ وكلمة "إنما" تفيد الحصر.

وثالثتها ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ ومن هنا قالت العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويضم إليهما التبري عن كل دين سوى دين الإسلام.

ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى عن نعت محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ليس عندنا ذكره كذّبهم الله  بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ﴾ أي يعرفون رسول الله بنعوته وحلاه الثابتة في الكتابين ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا يشتبهون بغير أبنائهم.

﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ إما بدل أو بيان من "الذين" الأولى، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين.

وإما مبتدأ والكلام جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين.

والمراد بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر.

وقيل: ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورّث منزلته غيره.

ثم بيَّن سبب خسرانهم مستفهماً على سبيل الإنكار فقال ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين: إثبات الباطل وهو الافتراء على الله، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات الله، فمن الأول أن المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء الله والله أمرهم بذلك، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، واليهود والنصارى كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ.

وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم.

ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد  ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق بإزاء الباطل.

ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ وناصبه محذوف أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد.

ويحتمل أن يكون مفعول "واذكر" أو معطوفاً على محذوف أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ويوم الحشر.

﴿ أين شركاؤكم ﴾ آلهتكم التي جعلتموهم شركاء ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ هم شركاء فحذف المفعولان.

والمقصود من هذا الاستفهام التقريع والتبكيت، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم، ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم، ويحتمل أن يقال: أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم؟

والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر في نفوسهم أن الذي يظنونه مأيوس منه فيصير ذلك تنبيهاً لهم في الدنيا على فساد هذه الطريقة ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ من قرأ بالرفع على أنه اسم كان فالخبر ﴿ إلا أن قالوا ﴾ والتقدير شيئاً إلا أن قالوا ومن قرأ بالنصب مع تذكير يكن فبعكس ما قلنا.

والتقدير شيء إلا أن قالوا.

وأما مع تأنيث يكن فلوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمك.

أو بتأويل مقالتهم.

قال الواحدي: الاختيار قراءة من قرأ بالنصب لأن "أن" إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر.

وكما أن المضمر والمظهر إذا اجتمعا كقولك: إن كنت القائم.

كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً فكذلك ههنا.

قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به.

ومثاله أن ترى إنساناً يحب شخصاً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه فيقال له: ما كانت محبتك أي عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته.

فعلى هذا فتنتهم في شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس.

ولكن لا بد من تقدير مضاف وهو العاقبة، ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب، قال القاضيان: الجبائي وأبو بكر: إن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب لأنهم يعرفون الله  بالاضطرار فيكونون ملجئين إلى ترك القبيح وكيف لا وإنهم يعلمون أن ذلك لا يروج منهم حينئذ ولا يستفيدون بذلك إلا زيادة المقت والغضب من الله  عليهم؟

ولا يجوز أن يقال: إنهم لما عاينوا القيامة اختلت عقولهم واضطربت فلهذا قالوا الكذب، أو أنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا لأنه لا يليق بحكمته  أن يوبخهم ثم يحكى عنهم ما يجري مجرى الاعتذار عند اختلال عقولهم.

ولأن تجويز نسيان أمر كان عليه الشخص مدة عمره نوع من السفسطة.

وأيضاً إنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح فإن عوقبوا على ذلك صارتالآخرة دار التكليف وإن لم يعاقبوا كان إذناً من الله  في ارتكاب الذنوب وكلاهما محال.

فإذا الوجه في الآية أن يقال: إن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم وظنونهم أنهم موحدون فأجابوا بقولهم ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ أي في اعتقادنا وظنوننا، وعلى هذا فيكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم كانوا غير مشركين عند أنفسهم فيجيب تأويل قوله تعالى ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ بأن المراد كذبهم في دار الدنيا كقولهم إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك وإن آلهتهم شفعاؤهم عند الله فلهذا قال ﴿ وضل عنهم ﴾ أي وانظر كيف غاب عنهم في الآخرة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ أي يفتعلون إلهيته وشفاعته.

والحاصل أن الآية سيقت لبيان تضاد حاليهم في الدنيا وفي الآخرة بالكذب وبالصدق ولكن حيث لا ينفعهم الصدق لأن الصدق في الآخرة إنما يعتبر إذا كان مقروناً بالصدق في الدنيا، هذا جملة كلام القاضيين.

قال جمهور المفسرين: إن قول القائل المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا، وكيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا مخالفة الظاهر وإن الكفار قد يكذبون في القيامة لقوله  ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون  ﴾ إلى قوله ﴿ ألا إنهم هم الكاذبون  ﴾ ولو سلم أنهم لا يكذبون تعمداً إلا أن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه حيرة ودهشاً، ألا تراهم يقولون ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 107\] وقد أيقنوا بالخلود؟

﴿ وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك  ﴾ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.

واختلال عقولهم حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع كمال عقلهم في سائر الأوقات.

التأويل: ما في الكون سوى الله، لا داع ولا مجيب فلهذا يسأل ويجيب ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل لله ﴾ وله ما سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، وفي نهار الروحانية إلى المواهب الربانية، ﴿ وهو السميع ﴾ أنين من سكن إليه ﴿ العليم ﴾ بحنين من اشتاق إليه ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ اليوم ﴿ ولياً ﴾ وقد اتخذني الله في الأزل حبيباً ﴿ فاطر ﴾ سموات القلوب على محبته وفاطر أرض النفوس على عبوديته ﴿ وهو يطعم ﴾ أرواح العارفين طعام المشاهدات ويسقيهم كؤوس المكاشفات ﴿ ولا يطعم ﴾ لأنه لا يحتاج إلى قبول الفيض من غيره فالأنوار عنده كالذرّات ﴿ أول من أسلم ﴾ لأني خلصت من حبس الوجود بالكلية وحدي ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي وأقول: أمتي أمتي ﴿ إن عصيت ربي ﴾ برؤية الغير يوم قدّر الشرك لاقوام والتوحيد لاقوام ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ إن دائرة أزليته متصلة بدائرة أبديته، وكل نقطة من الدائرة تصلح للبداية والنهاية، فكل ما صدر منه فلن ينتهي إلا به ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ قهر الكفار بموت القلوب فضلوا في ظلمات الطبيعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فخرجوا من ظلمات الطبيعة، وقهر قلوب المحبين بلذعات الأشواق إلى يوم التلاق، وقهر أرواح الصديقين بسطوات الجلال في أوقات الوصال.

﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما يقهره فلا يخلو من حكمة ﴿ الخبير ﴾ بمن يتسأهل كل صنف من قهره فيقهره به ﴿ الله أكبر شهادة ﴾ لأنه محيط بحقائق الأشياء ولا يحيط به شيء من الأشياء ﴿ ومن بلغ ﴾ القرآن ووقف على حقائقه.

ويقول للمشركين ﴿ أئنكم لتشهدون ﴾ ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ يعني العلماء بالقرآن يعرفون الله أو النبي.

وفيه إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله مصدر جميع الأشياء ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ﴾ يعني أهل المعرفة والنكرة ﴿ أين شركاؤكم ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ كذبوا على أنفسهم ﴾ في القيامة لأنهم كذبوا في الدنيا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ﴾ وفي حرف ابن مسعود -  -: (ربّاً)؛ كأن هذا صلة قوله: ﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ  ﴾ فإذا أقررتم أن ذلك كله لله فكيف تتخذون له شركاء فتعبدون غير الله وهو فاطر السماوات والأرض ومنشئهما ومنشئ ما فيهما، كيف صرفتم العبادة إلى غير الله؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ .

قال أهل التأويل: هو يرزق ولا يرزق، ليس كمن له عبيد في الشاهد يرزق بعضهم بعضاً، الموالي من العبيد، والعبيد من السادات، ينتفع بعضهم من بعض، فأما الله -  وتعالى - خلق الخلق لا لمنفعة نفسه؛ لأنه غني بذاته، والخلق فقراء إليه؛ كقوله -  -: ﴿ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ .

قال الحسن: أول من أسلم من قومه، وأصله: ﴿ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ أي: أمرت أن أسلم وأخضع أنا أولا، ثم آمركم بذلك.

واحتج بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الإسلام لا يلزم إلا بالأمر والدعاء إليه، وقالوا: إن من مات قبل أن يؤمر به، وقبل أن يدعي إليه - فإنه لا شيء عليه، وعلى ذلك من مات في وقت الفترة وانقطاع الرسل والوحي؛ لأنّه قال: ﴿ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ أخبر أنه أمر بذلك، وإذا لم يكن ثَمَّ أمر لم يلزم، لكن الوجه في الآية ما ذكرنا، أي: أمرت أن أسلم وأخضع أولا ثم آمر غيري، فإذا كان التأويل هذا بطل أن يكون في ذلك حجة لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

قال ابن عباس -  -: قل يا محمد لكفار أهل مكة: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ ، أي: أعلم ﴿ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ فعبدت غيره، ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

هذا التأويل صحيح إن كان ما ذكر من سؤالهم رسول الله  وعرضهم المال عليه ليعود ويرجع إلى دينهم، فيخرج هذا على الجواب لهم.

وقال بعضهم: قوله -  -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ على الخوف، لكن لقائل أن يقول: كيف خاف عذاب يوم عظيم وقد أخبر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟!

وكيف قال: ﴿ إِنْ عَصَيْتُ ﴾ وقد أخبر أنه عصمه وغفر له؟

قيل: يحتمل أن تكون المغفرة له على شرط الخوف، غفر له ليخاف عذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ قال بعض المعتزلة: الرحمة هاهنا: الجنة؛ لأن الله -  - جعل في الآخرة دارين؛ إحداهما: النار، سماها سخطاً.

والأخرى: الجنة، سماها رحمة.

وإنما حملهم على هذا أنهم لا يصفون الله بالرحمة في الأزل، فعلى قولهم يكون قول رسول الله  : "إلا أن يتغمدني الله برحمته" ، أي: يثيبني الجنة.

ولكن سميت الجنة رحمة عندنا لما برحمته يدخلون الجنة، لا بأعمالهم؛ لما روينا عن رسول الله  حيث قال: "لا يدخل أحد الجنة بعمله قيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وعلى قول المعتزلة فيكون الله بالملائكة رحيماً لأنه [.....] ولا ثواب، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا أنها سميت رحمة لما برحمته يدخل فيها.

وعلى هذا يخرج ما سمي المطر رحمة لما برحمته ينزل، وكذلك كل ما سمي رحمة في الشاهد يخرج على ما ذكرنا، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ ﴾ .

قيل: من يصرف عنه العذاب يومئذ فقد رحمه، وكذلك روي في حرف حفصة: (من يصرف عنه العذاب فقد رحمه)، وفي حرف ابن مسعود: (من يصرف عنه شر ذلك اليوم فقد رحمه).

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ صلة قوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

وكذلك روي عن ابن عباس -  - قال في قوله -  -: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ : قل لكفار أهل مكة حين دعوه إلى دينهم، على ما ذكر في بعض القصة: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

وذلك الصرف - يعني: صرف العذاب - الفوز المبين، وإنما ذكره - والله أعلم - فوزاً مبيناً؛ لأنه فوز دائم، لا زوال له، وليس كفوز هذه الدنيا يكون في وقت ثم يزول عن قريب، ولا كذلك فوز الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ .

فيه إخبار أن ما يصيب العبد من الضرّ والخير إنما يصيب به، ثم الضر المذكور في الآية لا يخلو من أن يراد [به] سقم النفس، أو ضيق العيش، أو شدة وظلم يكون من العباد لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة، فإذا كان كذلك فدل إضافة ذلك إلى الله -  - على أن لله فيه فعلا، وهو أن خلق فعل ذلك منهم، فهو على كل شيء قدير من كشف الضر له، والصرف عنه، وإصابة الخير لا يملك ذلك غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .

في هذه الآية والآية الأولى ذكر أهل التوحيد؛ لأنه أخبر أن ما يصيب العباد من الضر والشدة لا كاشف لذلك إلا هو، ولا يدفع ذلك عنهم ولا يصرفه إلا الله، وأن ما يصيبهم من الخير إنما يصيبهم بذلك الله، وأخبر أنه على كل شيء قدير.

وفي قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ إخبار أنه قاهر يقهر الخلق، عزيز، قادر، وله سلطان عليهم، وأنهم أذلاء تحت سلطانه.

وفي قوله: ﴿ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ إخبار بالعلوية، والعظمة، وبالتعالي عن أشباه الخلق.

﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : يضع كل شيء موضعه.

﴿ ٱلْخَبِيرُ ﴾ : بما يسرون وما يعلنون، إخبار ألاَّ يخفى عليه شيء، وأنه يملك وضع كل شيء موضعه، وأن ما يصيبهم من الضر والشدة إنما يكون به، لا يملك أحد صرفه، وأن [ما] ضر أحد أحداً في الشاهد، أو نفع أحد أحداً إنما يكون ذلك بالله في الحقيقة.

وفي هذه الأحرف: إخبار عن أصل التوحيد وما يحتاج إليه لما ذكرنا من الوصف له بالقدرة والقهر، والوصف له بالعلو والعظمة، والتعالي عن أشباه الخلق، والوصف له بالحكمة في جميع أفعاله، والعلم بكل ما كان ويكون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ .

كأن في الآية إضماراً - والله أعلم - أي ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ، فيقولون: الله؛ لأنهم كانوا يقرون أنه خالق السماوات والأرض، وأنه أعظم من كل شيء؛ لكنهم يشركون غيره في عبادته، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وإلا كانوا يقرون بالعظمة له والجلال، فإذا سئلوا: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ، فيقولون: الله.

ويحتمل - أيضاً - أن يقول لنبيّه  إنهم إذا سألوا: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ؟

قل: الله، فإنك إذا قلت لهم ذلك يقولون هم أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ .

في كل اختلاف بيننا وبينكم في التوحيد، والبعث بعد الموت، ونحوه.

ويحتمل: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ في كل حجة وبرهان أتاهم الرسول به.

وفي قوله: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ ﴾ دلالة أنه يقال له شيء؛ لأنه لو لم يجز أن يقال له شيء لم يستثن الشيء منه، وكذلك في قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ أنه شيء؛ لأن "لا شيء" في الشاهد، إنما يقال إما للنفي أو للتصغير، ولا يجوز في الغائب النفي ولا التصغير؛ فدل أنه إنما يراد بـ "الشيء" الإثبات لا غير وبالله العصمة.

ذكر في بعض القصّة في قوله: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ أن رؤساء مكة أتوا رسول الله، فقالوا: يا محمد، أما وجد الله رسولا يرسله غيرك، ما ترى أحداً يصدقك بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، ولا صفة، ولا مبعث، فأرنا من شهد لك أنك رسول الله [كما تزعم].

فقال الله -  -: يا محمد، قل لهم: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ، يقول: أعظم شهادة؛ يعني: البرهان، محمد حجة وبرهان، فإن أجابوك فقالوا: الله، وإلا فقل لهم: الله أكبر شهادة من خلقه أني رسوله، والله شهيد بيني وبينكم في كل اختلاف بيننا وبينكم، في التوحيد، وإثبات الرسالة، والبعث، وكل شيء.

وذكر في هذه القصة أنهم لما قالوا: من يشهد أن الله أرسلك رسولا، قالوا: فهلا أنزل إليك ملك.

فقال الله لنبيّه: [قل لهم: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ؟

فقالوا: الله أكبر شهادة من غيره، فقال الله:] قل لهم يا محمد: الله شهيد بيني وبينكم أني رسول الله، وأنه أوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به، ومن بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.

ثم قال لهم: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ﴾ ، قالوا: نعم، نشهد.

فقال الله لنبيّه: قل لهم: لا أشهد بما شهدتهم، ولكن أشهد أنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ .

كأنه قال: أوحي إليَّ هذا القرآن الذي تعرفون أنه من عند الله جاء؛ لأنه قال لهم: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ فعجزوا عن إتيان مثله، فدل عجزهم عن إتيان مثله أنهم عرفوا أنه جاء من عند الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ : لا ينذر بالقرآن ولكن ينذر بما في القرآن؛ لأنه فيه أنباء ما حل بأشياعهم بتكذيبهم الرسل، وما يحل بهم من العذاب في الآخرة بتكذيبهم الرسل، وإلا فظاهر القرآن ليس مما ينذر به، ﴿ وَمَن بَلَغَ ﴾ كأنه قال: وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به، وأنذر من بلغه القرآن، صار رسول الله نذيراً ببلوغ القرآن لمن بلغه، فإذا [صار] نذيراً به لمن بلغه وإن كان هو في أقصى الدنيا يصير هو نذيراً في أقصى الزمان، في كل زمان، وهو - والله أعلم - كقوله -  -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ ، ورسول الله هاد لقومه إلى يوم القيامة.

وفي الآية دلالة أن البشارة والنذارة يكونان ببعث آخر يبشر أو ينذر، وهو دليل لقول أصحابنا: إن من حلف: أيُّ عبدٍ من عبيدي بَشَّرَنِي بكذا فهو حرّ، فبشره [برسول، أو بكتاب] يكون بشارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ﴾ فهذا في الظاهر استفهام، ولكنه في الحقيقة إيجاب أنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى، بعد ما ظهر عندكم آيات وحدانيته، وحجج ربوبيته لما عرفتم أنه خالقكم وخالق السماوات والأرض، به تعيشون وبه تحيون، وبه تموتون، مع ما ظهر لكم هذا أشركتم مع الله آلهة أخرى، وليس ذلك لكم مما تشركون في عبادته وألوهيته، وأنا لا أشهد، وإنما أشهد أنه إله واحد وإنني بريء مما تشركون [في ألوهيته وربوبيته].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهو الغالب على عباده المذلِّل لهم، العالي عليهم من كل وجه الذي لا يعجزه شيء، ولا يغلبه أحد، الجميع له خاضعون، فوق عباده كما يليق به سبحانه، وهو الحكيم في خلقه وتدبيره وشرعه، الخبير فلا يخفى عليه شيء.

من فوائد الآيات بيان حكمة الله تعالى في إرسال كل رسول من جنس من يرسل إليهم؛ ليكون أبلغ في السماع والوعي والقبول عنه.

الدعوة للتأمل في أن تكرار سنن الأوّلين في العصيان قد يقابله تكرار سنن الله تعالى في العقاب.

وجوب الخوف من المعصية ونتائجها.

أن ما يصيب البشر من بلاء ليس له صارف إلا الله، وأن ما يصيبهم من خير فلا مانع له إلا الله، فلا رَادَّ لفضله، ولا مانع لنعمته.

<div class="verse-tafsir" id="91.MDKYB"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله