الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٢٢ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن المشركين : ( ويوم نحشرهم جميعا ) يوم القيامة فيسألهم عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها من دونه قائلا [ لهم ] ( أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ) كما قال تعالى في سورة القصص : ( ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ) [ الآية : 62 ] .
القول في تأويل قوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المفترين على الله كذبًا، والمكذبين بآياته, لا يفلحون اليومَ في الدنيا، ولا يوم نحشرهم جميعًا- يعني: ولا في الآخرة.
ففي الكلام محذوف قد استغني بذكر ما ظَهر عما حذف.
* * * وتأويل الكلام: إنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا،" ويوم نحشرهم جميعًا "، فقوله: " ويوم نحشرهم ", مردود على المراد في الكلام.
لأنه وإن كان محذوفًا منه، فكأنه فيه، لمعرفة السامعين بمعناه =" ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم " ، يقول: ثم نقول، إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب، بادِّعائهم له في سلطانه شريكًا، والمكذِّبين بآياته ورسله, فجمعنا جميعهم يوم القيامة (17) =" أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون " ، أنهم لكم آلهة من دون الله, افتراء وكذبًا, وتدعونهم من دونه أربابًا؟
فأتوا بهم إن كنتم صادقين !
---------------------------- الهوامش : (17) انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ص: 89 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
ويوم نحشرهم جميعا ثم استأنف فقال ويوم نحشرهم جميعا على معنى واذكر ( يوم نحشرهم ) وقيل : معناه أنه لا يفلح الظالمون في الدنيا ولا يوم نحشرهم ; فلا يوقف على هذا التقدير على قوله : الظالمون لأنه متصل .
وقيل : هو متعلق بما بعده وهو ( انظر ) أي انظر كيف كذبوا يوم نحشرهم ; أي : كيف يكذبون يوم نحشرهم ؟
.
ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم سؤال إفضاح لا إفصاح .
الذين كنتم تزعمون أي : في أنهم شفعاء لكم عند الله [ ص: 312 ] بزعمكم ، وأنها تقربكم منه زلفى ; وهذا توبيخ لهم .
قال ابن عباس : كل زعم في القرآن فهو كذب .
يخبر تعالى عن مآل أهل الشرك يوم القيامة، وأنهم يسألون ويوبخون فيقال لهم { أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } أي إن الله ليس له شريك، وإنما ذلك على وجه الزعم منهم والافتراء.
( ويوم نحشرهم جميعا ) ، أي : العابدين والمعبودين ، يعني : يوم القيامة ، قرأ يعقوب " يحشرهم " هاهنا ، وفي سبأ بالياء ، ووافق حفص في سبأ ، وقرأ الآخرون بالنون ، ( ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ) ، أنها تشفع لكم عند ربكم .
«و» اذكر «يوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا» توبيخا «أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون» أنهم شركاء الله.
وليحذر هؤلاء المشركون المكذبون بآيات الله تعالى يوم نحشرهم ثم نقول لهم: أين آلهتكم التي كنتم تدَّعون أنهم شركاء مع الله تعالى ليشفعوا لكم؟
ثم بين - سبحانه - بعض أحوالهم عندما يحشرون يوم القيامة ، فقال - تعالى - : { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ .
.
.
} .الحشر : الجمع ، والمراد به جمعهم يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم الدنيوية .والمعنى : واذكر لهم أيها الرسول الكريم - ليعتبروا ويتعظوا - حالهم يوم نجمعهم جميعاً فى الآخرة لنحاسبهم على أقوالهم وأفعالهم ، ثم نسالهم سؤال إفضاح لا إيضاح - كما يقول القرطبى - : أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاء لكى يدافعوا عنكم فى هذا اليوم العصيب .و { يَوْمَ } منصوب على الظرفية بفعل مضمر بعده أى : ويوم نحشرهم كان كذا وكذا ، وحذف هذا الفعل من الكلام ليبقى على الإبهام الذى هو أدخل فى التخويف والتهويل ، وقيل إنه منصوب على أنه مفعول به بفعل محذوف قبله والتقدير ، واذكر يوم نحشرهم ، أى : اذكر هذا اليوم من حيث ما يقع فيه ، والضمير فى { نَحْشُرُهُمْ } للذين افتروا على الله كذبا ، أو كذبوا بآياته .وفائدة كلمة { جَمِيعاً } رفع احتمال التخصيص ، أى : أن جميع المشركين ومعبوداتهم سيحشرون أمام الله للحساب .وكان العطف بثم لتعدد الوقائع قبل هذا الخطاب الموجه للمشركين ، إذ قبل ذلك سيكون قيامهم من قبورهم ، ويكون هول الموقف ، ويكون إحصاء الأعمار وقراءة كل امرىء لكتابه .
.
.
الخ ، ثم يقول الله - تعالى - { لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ؟ووبخهم - سبحانه - بقوله : { أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ } مع أنهم محشورون معهم ، لأنهم لا نفع يرجى من وجودهم معهم ، فلما كانوا كذلك نزلوا منزلة الغائب كما تقول لمن جعل أحداً ظهيراً يعينه فى الشدائد إذا لم يعنه كوقد وقع فى ورطة بحضرته أين فلان؟
فتجعله لعدم نفعه - وإن كان حاضراً - كالغائب .
اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بيّن في هذه الآية سبب ذلك الخسران، وهو أمران: أحدهما: أن يفترى على الله كذباً، وهذا الافتراء يحتمل وجوهاً: الأول: أن كفار مكة كانوا يقولون هذه الأصنام شركاء الله، والله سبحانه وتعالى أمرهم بعبادتها والتقرب إليها، وكانوا أيضاً يقولون الملائكة بنات الله، ثم نسبوا إلى الله تحريم البحائر والسوائب.
وثانيها: أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ والتغيير، وأنهما لا يجيء بعدهما نبي.
وثالثها: ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
ورابعها: أن اليهود كانوا يقولون ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ وكانوا يقولون ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ .
وخامسها: أن بعض الجهال منهم كان يقول: إن الله فقير ونحن أغنياء، وأمثال هذه الأباطيل التي كانوا ينسبونها ألى الله كثيرة، وكلها افتراء منهم على الله.
والنوع الثاني: من أسباب خسرانهم تكذيبهم بآيات الله، والمراد منه قدحهم في معجزات محمد صلى الله عليه وسلم، وطعنهم فيها وإنكارهم كون القرآن معجزة قاهرة بينة، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذين الأمرين قال: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ﴾ أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا وفي الآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان.
وأما قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ ففي ناصب قوله: ﴿ وَيَوْمَ ﴾ أقوال: الأول: أنه محذوف وتقديره ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴾ كان كيت وكيت، فترك ليبقى على الابهام الذي هو أدخل في التخويف، والثاني: التقدير اذكر يوم نحشرهم، والثالث: أنه معطوف على محذوف كأنه قيل لا يفلح الظالمون أبداً ويوم نحشرهم.
وأما قوله: ﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ فالمقصود منه التقريع والتبكيت لا السؤال، ويحتمل أن يكون معناه أين نفس الشركاء، ويحتمل أن يكون المراد أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم، وعلى كلا الوجهين: لا يكون الكلام إلا توبيخاً وتقريعاً وتقريراً في نفوسهم أن الذي كانوا يظنونه مأيوس عنه، وصار ذلك تنبيهاً لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة، والعائد على الموصول من قوله: ﴿ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ محذوف، والتقدير: الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاء، فحذف مفعول الزعم لدلالة السؤال عليه، قال ابن عباس: وكل زعم في كتاب الله كذب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴾ ناصبه محذوف تقديره: ويوم نحشرهم كان كيت وكيت، فترك ليبقى على الإبهام الذي هو داخل في التخويف ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ﴾ أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله.
وقوله: ﴿ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ معناه تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولان.
وقرئ: ﴿ يحشرهم ﴾ .
﴿ ثم يقول ﴾ بالياء فيهما.
وإنما يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ، ويجوز أن يشاهدوهم، إلا أنهم حين لا ينفعونهم ولا يكون منهم ما رجوا من الشفاعة.
فكأنهم غيب عنهم، وأن يحال بينهم وبينهم في وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها، فيروا مكان خزيهم، وحسرتهم ﴿ فِتْنَتُهُمْ ﴾ كفرهم.
والمعنى: ثم لم تكن عاقبة كفرهم- الذي لزموه أعمارهم، وقاتلوا عليه وافتخروا به، وقالوا دين آبائنا- إلا جحوده والتبرؤ منه، والحلف على الانتفاء من التدين به.
ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا فسمي فتنة؛ لأنه كذب.
وقرئ: ﴿ تكن ﴾ بالتاء و(فتنتهم)، بالنصب.
وإنما أنث ﴿ أَن قَالُواْ ﴾ لوقوع الخبر مؤنثاً، كقولك: من كانت أمّك؟
وقرئ بالياء ونصب الفتنة.
وبالياء والتاء مع رفع الفتنة.
وقرئ: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم ﴾ وغاب عنهم ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ أي يفترون إلهيته وشفاعته.
فإن قلت: كيف يصحّ أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور على أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟
قلت: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشاً: ألا تراهم يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظالمون ﴾ [المؤمنون: 107] وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه، ﴿ وَنَادَوْاْ يامالك مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ [الزخرف: 77] وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.
وأما قول من يقول: معناه: ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، وحملُ قوله: ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ يعني في الدنيا فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام إلى ما هو عيّ وإقحام، لأن المعنى الذي ذهبوا إليه ليس هذا الكلام بمترجم عنه ولا منطبق عليه، وهو نابٍ عنه أشدّ النبوّ.
وما أدري ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون ﴾ [المجادلة: 18] بعد قوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [المجادلة: 14] فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ.
﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ ﴾ أيْ آلِهَتُكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ «يَحْشُرُهُمْ» ويَقُولُ بِالياءِ.
﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أيْ تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ، فَحُذِفَ المَفْعُولانِ والمُرادُ مِنِ الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ، ولَعَلَّهُ يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ آلِهَتِهِمْ حِينَئِذٍ لِيُفْقِدُوها في السّاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها الرَّجاءَ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشاهِدُوهم ولَكِنْ لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم فَكَأنَّهم غُيَّبٌ عَنْهم.
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا ﴾ أيَّ كُفْرِهِمْ، والمُرادُ عاقِبَتُهُ وقِيلَ مَعْذِرَتُهُمُ الَّتِي يَتَوَهَّمُونَ أنْ يَتَخَلَّصُوا بِها، مِن فَتَنْتُ الذَّهَبَ إذا خَلَّصْتُهُ.
وقِيلَ جَوابُهم وإنَّما سَمّاهُ فِتْنَةً لِأنَّهُ كَذِبٌ، أوْ لِأنَّهم قَصَدُوا بِهِ الخَلاصَ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ وفِتْنَتُهم بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها الِاسْمُ، ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْهُ بِالتّاءِ والنَّصْبِ عَلى أنَّ الِاسْمَ أنْ قالُوا، والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ كَقَوْلِهِمْ مَن كانَتْ أُمُّكَ والباقُونَ بِالياءِ والنَّصْبِ.
﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ يَكْذِبُونَ ويَحْلِفُونَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم مِن فَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، كَما يَقُولُونَ: رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها.
وقَدْ أيْقَنُوا بِالخُلُودِ.
وقِيلَ مَعْناهُ ما كُنّا مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا وهو لا يُوافِقُ قَوْلَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} هو مفعول به والتقدير واذكر يوم نحشرهم {جَمِيعاً} حال من ضمير المفعول {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} مع الله غيره توبيخاً وبالياء فيهما يعقوب {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ} آلهتكم التي جعلتموها شركاء الله {الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي تزعمونهم شركاء فحذف المفعولان
﴿ ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا، وضَمِيرُ (نَحْشُرُهُمْ) لِلْكُلِّ أوِ لِلْعابِدِينَ لِلْآلِهَةِ الباطِلَةِ مَعَ مَعْبُوداتِهِمْ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِنهُ أيْ ويَوْمَ نَحْشُرُ كُلَّ الخَلْقِ أوِ الكُفّارِ وآلِهَتِهِمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لَهم ما نَقُولُ كَيْتَ وكَيْتَ، وتَرَكَ هَذا الفِعْلَ مِنَ الكَلامِ لَيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ والتَّهْوِيلِ، وقُدِّرَ ماضِيًا لِيَدُلَّ عَلى التَّحْقِيقِ ويَحْسُنُ عَطْفُ ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ نَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ واذْكُرْ لَهم لِلتَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ، واخْتارَهُ أبُو البَقاءِ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ لِيَتَّقُوا أوْ لِيَحْذَرُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم إلَخْ ثُمَّ نَقُولُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ﴿ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ بِاللَّهِ تَعالى ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا: ﴿ أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ ﴾ أيْ آلِهَتِكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ و (أيْنَ) لِلسُّؤالِ عَنْ غَيْرِ الحاضِرِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ يَقْتَضِي حُضُورَهم مَعَهم في المَحْشَرِ فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا السُّؤالَ حِينَ يُحالُ بَيْنَهم بَعْدَ ما شاهَدُوهم لِيُشاهِدُوا خَيْبَتَهم كَما قِيلَ: كَما أبْرَقَتْ قَوْمًا عِطاشًا غَمامَةٌ فَلَمّا رَأوْها أقْشَعَتْ وتَجَلَّتِ، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ حالَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهم لَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ الغَيْبِ كَما تَقُولُ لِمَن جَعَلَ أحَدًا ظَهِيرًا يُعِينُهُ في الشَّدائِدِ إذا لَمْ يُعِنْهُ وقَدْ وقَعَ في ورْطَةٍ بِحَضْرَتِهِ أيْنَ زِيدٌ؟
فَتَجْعَلَهُ لِعَدَمِ نَفْعِهِ وإنْ كانَ حاضِرًا كالغائِبِ، أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أيْنَ نَفْعُهم وجَدْواهم والتَزَمَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ بِأنَّهم غَيْبٌ لِظاهِرِ السُّؤالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ وأُجِيبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في مَوْطِنٍ آخَرَ جَمْعًا بَيْنَ الآياتِ أوِ المَعْنى وما نَرى شَفاعَةَ شُفَعائِكُمْ وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ هَذا السُّؤالَ المُنْبِئَ عَنْ غَيْبَةِ الشُّرَكاءِ مَعَ عُمُومِ الحَشْرِ لَها لِلْآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ إنَّما يَقَعُ بَعْدَ ما جَرى بَيْنَها وبَيْنَهم مِنَ التَّبَرِّي مِنَ الجانِبَيْنِ وتَقَطُّعِ ما بَيْنَهم مِنَ الأسْبابِ حَسْبَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ إلَخْ ونَحْوُهُ إمّا لِعَدَمِ حُضُورِها حِينَئِذٍ في الحَقِيقَةِ بِإبْعادِها مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ وإمّا بِتَنْزِيلِ عَدَمِ حُضُورِها بِعُنْوانِ الشَّرِكَةِ والشَّفاعَةِ مَنزِلَةَ عَدَمِ حُضُورِها في الحَقِيقَةِ إذْ لَيْسَ السُّؤالُ عَنْها مِن حَيْثُ هي شُرَكاءُ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ، ولا رَيْبَ في أنَّ عَدَمَ الوَصْفِ يُوجِبُ عَدَمَ المَوْصُوفِ مِن حَيْثُ هو مَوْصُوفٌ فَهي مِن حَيْثُ هي شُرَكاءُ غائِبَةٌ لا مَحالَةَ وإنْ كانَتْ حاضِرَةً مِن حَيْثُ ذَواتِها أصْنامًا كانَتْ أوَّلًا وأمّا ما يُقالُ مِن أنَّهُ يُحالُ بَيْنَها وبَيْنَهم وقْتَ التَّوْبِيخِ لِيُفْقِدُوهم في السّاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها الرَّجاءَ فَيَرَوْا مَكانَ حُزْنِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ، فَرُبَّما يَشْعُرُ بِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِحَقِيقَةِ الحالِ وعَدَمِ انْقِطاعِ حِبالِ رَجائِهِمْ عَنْها بَعْدُ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهم شاهَدُوها قَبْلَ ذَلِكَ وانْصَرَمَتْ عُرْوَةُ أطْماعِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ عَلى أنَّها مَعْلُومَةٌ لَهم مِن حِينِ المَوْتِ والِابْتِلاءِ بِالعَذابِ في البَرْزَخِ، وإنَّما الَّذِي يَحْصُلُ في الحَشْرِ الِانْكِشافُ الجَلِيُّ واليَقِينُ القَوِيُّ المُتَرَتِّبُ عَلى المُحاضَرَةِ والمُحاوَرَةِ اهـ وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا الشِّهابُ بِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا أصْلَ لَهُ لِأنَّ التَّوْبِيخَ مُرادٌ في الوُجُوهِ كُلِّها ولا يُتَصَوَّرُ حِينَئِذٍ التَّوْبِيخُ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ خِلافِهِ مَعَ أنَّ كَوْنَ هَذا واقِعًا بَعْدَ التَّبَرِّي في مَوْقِفٍ آخَرَ لَيْسَ في النَّظْمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ لا يُجْزَمُ بِهِ مِن غَيْرِ نَقْلٍ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ هَذا مَوْقِفَ التَّبَرِّي، والإشْعارُ المَذْكُورُ لا يَتَأتّى مَعَ أنَّهُ تَوْبِيخٌ وأمّا العِلاوَةُ الَّتِي زُيِّلَ بِها كَلامُهُ فَوارِدَةٌ عَلَيْهِ أيْضًا مَعَ أنَّها غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ لِأنَّ عَذابَ البَرْزَخِ لا يَقْتَضِي أنْ يَشْفَعَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَكَمْ مِن مُعَذَّبٍ في قَبْرِهِ يَشْفَعُ لَهُ اهـ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَذابَهم إنْ كانَ بِسَبَبِ اعْتِقادِهِمُ النَّفْعَ فِيهِمْ ورَجاءِ شَفاعَتِهِمْ أُولَئِكَ المُعَذَّبُونَ لأنَّ عَذابَهم لِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: لِأنَّ عَذابَ البَرْزَخِ لا يَقْتَضِي إلَخْ، لَيْسَ في مَحَلِّهِ، وكَذا قَوْلُهُ: فَكَمْ مِن مُعَذَّبٍ في قَبْرِهِ يَشْفَعُ لَهُ، إنْ أرادَ بِهِ فَكَمْ مِن مُعَذَّبٍ لِمَعْصِيَةٍ مِنَ المَعاصِي في قَبْرِهِ يَشْفَعُ لَهُ مَن يَشْفَعُ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لا يُفِيدُ، وإنْ أرادَ فَكَمْ مِن مُعَذَّبٍ في قَبْرِهِ بِسَبَبِ عِبادَةِ شَيْءٍ يَشْفَعُ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَمَنعُهُ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ يَعْقُوبُ يَحْشُرُهم ثُمَّ يَقُولُ بِالياءِ فِيهِما والضَّمِيرُ فِيهِما لِلَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿ أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ 22 - إمّا بِالواسِطَةِ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، والتَّكْلِيمُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: (ولا يُكَلِّمُهُمْ) إلَخْ تَكْلِيمُ تَشْرِيفٍ ونَفْعٍ لا مُطْلَقًا، فَقَدْ كَلَّمَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِما كَلَّمَ، والزَّعْمُ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ كَما في قَوْلِهِ : ”زَعَمَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ“، وفي حَدِيثِ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: زَعَمَ رَسُولُكَ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ في أشْياءَ يَرْتَضِيها: زَعَمَ الخَلِيلُ ويُسْتَعْمَلُ في الباطِلِ والكَذِبِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كُلُّ زَعْمٍ في القُرْآنِ فَهو بِمَعْنى الكَذِبِ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ في الشَّيْءِ الغَرِيبِ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ وهو هُنا مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ وحُذِفا لِانْفِهامِهِما مِنَ المَقامِ أيْ تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ <div class="verse-tafsir"
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني: التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني: محمدا بنعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ وقال عبد الله بن سلام: أنا أعرف بالنبي من ابني لأني أشهد أنه رسول الله ، ولا أشهد لابني، لأني لا أدري ما أحدثت النساء بعدي.
ثم قال: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: كعب بن الأشرف ومن تابعه ممن طلبوا الرئاسة، آثروا الدنيا على الآخرة.
قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: ممن اختلق على الله كذبا باتخاذ الآلهة وقوله الشرك أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني: بالقرآن أنه ليس من عند الله إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ يعني: أنه لا يأمن الكافرون من عذابه.
قال في اللغة: إِنَّهُ: مرة تكون للإشارة مثل قوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يوسف: 98] ومرة تكون للعماد مثل قوله تعالى: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [المؤمنون: 117] إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وقوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يوم القيامة ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ يعني: أين آلهتكم التي تزعمون.
يعني: تعبدون من دون الله ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ وأصل الفتنة في اللغة: هو الاختبار.
ويقال: فتنت الذهب في النار إذا أدخلته لتعلم جودته وإنما سمي جوابهم فتنة لأنهم حين سئلوا، اختبروا بما عندهم بالسؤال فلم يكن الجواب من ذلك الاختبار فتنة إلا هذا القول.
ويقال: ثم لم تكن معذرتهم وجوابهم إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.
قال مجاهد: إن المشركين لما رأوا يوم القيامة إن الله لا يغفر ذنوبهم يقول بعضهم لبعض: يا ويلكم جئتم بما لا يغفر الله لكم.
هلموا الآن فلنكْذِبْ على أنفسنا، ونحلف على ذلك، فحلفوا.
فحينئذٍ ختم على أفواههم، فتشهد أيديهم وأرجلهم عليهم.
قرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية حفص: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ بالتاء لأن الفتنة مؤنث فِتْنَتُهُمْ بضم التاء، لأنه اسم تكن.
وقرأ حمزة والكسائي: ثم لم يكن بالياء، لأن الفتنة وإن كانت مؤنثة إلا أن تأنيثه ليس بحقيقي، ولأن الفتنة بمعنى: الإفتان فانصرف إلى المعنى فِتْنَتُهُمْ بالنصب، فجعلاه خبر تكن والاسم ما بعده.
وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم في رواية أبي بكر: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ بالتاء والنصب وقرأ حمزة والكسائي: وَاللَّهِ رَبِّنا بنصب الباء.
ومعناه: يا ربنا.
وقرأ الباقون: وَاللَّهِ رَبِّنا بكسر الباء على معنى النعت.
قال الله تعالى لمحمد : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي: كيف صار وبال تكذيبهم على أنفسهم.
ويقال: يقول الله تعالى للملائكة: <div class="verse-tafsir"
وقالت فرقة: ومن بلغ الحُلُمَ.
وروي في معنى التأويل الأَوَّلِ أَحَادِيثُ.
وظاهر الآية أنها في عَبَدَةِ الأصنام.
وذكر الطبري «١» أنه قد وَرَدَ من وَجْهٍ لم تثبت صحته أنها في قَوْمٍ من اليهود، قالوا:
يا محمد ما تَعْلَمُ مع اللَّه إلهاً غيره، فقال لهم: «لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ» فنزلت الآية.
واللَّه أعلم.
وأمر اللَّه- سبحانه- نَبِيَّهُ- عليه السلام- أن يعلن بالتَّبَرِّي من شهادة الكفرة، والإعلان بالتوحيد لله- عز وجل- والتبرِّي من إشراكهم.
قال الغزالي في «الإحياء» .
وينبغي للتَّالِي أن يقدر أنه المقصود بكل خِطَابٍ في القرآن، فإن سمع أمراً أو نَهْياً قَدَّرَ المَنْهِيُّ، والمأمور، وكذا إن سَمِعَ وَعْداً أو وعيداً، وكذا ما يَقِفُ عليه من القَصَصِ/، فالمقصود به الاعْتِبَارُ.
قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود: ١٢٠] .
وقال تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨] .
وقال: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ.
قال محمد بن كَعْبٍ القُرظي: من بلغه القرآن فكأنما كَلَّمَهُ الله عز وجل «٢» انتهى.
وقوله سبحانه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ.
قال قتادة، وغيره: يعرفون محمداً- عليه السلام- «٣» .
وقوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ الآية روي أن كل عَبْدٍ له مَنْزِلٌ في الجَنَّةِ، ومنزل في النار، فالمؤمنون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الكُفْرِ في الجَنَّةِ، والكافرون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الجنّة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ انْتَصَبَ "اليَوْمَ" بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والمَعْنى: لا يُفْلِحُونَ اليَوْمَ، ولا يَوْمَ نَحْشُرُهم.
وقَرَأ يَعْقُوبُ: " يَحْشُرُهم "، "ثُمَّ يَقُولُ " بِالياءِ فِيها.
وَفِي الَّذِينَ عَنى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ.
والثّانِي: العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ ﴾ سُؤالُ تَوْبِيخٍ.
والمُرادُ بِشُرَكائِهِمُ: الأوْثانُ، وإنَّما أضافَها إلَيْهِمْ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ.
وَفِي مَعْنى يَزْعُمُونَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ مَعَ اللَّهِ.
والثّانِي: يَزْعُمُونَ أنَّها تَشْفَعُ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ ؛ كَلامٌ تامٌّ؛ مَعْناهُ: "لا يُفْلِحُونَ جُمْلَةً؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: "واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ"؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمَعْنى: "لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ اليَوْمَ في الدُنْيا؛ ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ"؛ عَطْفًا عَلى الظَرْفِ المُقَدَّرِ؛ والكَلامُ مُتَّصِلٌ.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ" بِالنُونِ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ؛ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - هُنا وفي "يُونُسَ"؛ قَبْلَ الثَلاثِينَ -: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ في باقِي القُرْآنِ بِالياءِ؛ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ "نَحْشِرُهُمْ"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ فَيَجِيءُ الفِعْلُ - عَلى هَذا -: "حَشَرَ؛ يَحْشُرُ؛ ويَحْشِرُ".
وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ لَهم في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ شَيْءٍ؛ وإنَّما وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الشَرِيكِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَةِ الكَفَرَةِ؛ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِهَذِهِ النِسْبَةِ.
و"تَزْعُمُونَ"؛ مَعْناهُ: تَدَّعُونَ أنَّهم [شُرَكاءُ] لِلَّهِ تَعالى ؛ والزَعْمُ: اَلْقَوْلُ الأمْيَلُ إلى الباطِلِ؛ والكَذِبِ؛ في أكْثَرِ كَلامِهِمْ؛ وقَدْ يُقالُ: "زَعَمَ"؛ بِمَعْنى: "ذَكَرَ"؛ دُونَ مَيْلٍ إلى الكَذِبِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ سِيبَوَيْهِ ؛ زَعَمَ الخَلِيلُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشَيْءِ الغَرِيبِ؛ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ - في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ -؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -؛ وابْنُ عامِرٍ: " تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ و"إلّا أنْ قالُوا"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ؛ التَقْدِيرُ: "إلّا قَوْلَهُمْ"؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ أنَّثَ العَلامَةَ في الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهي الفِتْنَةُ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا: "تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ"؛ بِنَصْبِ الفِتْنَةِ؛ واسْمُ "كانَ": "أنْ قالُوا"؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ تَأْنِيثُ "أنْ قالُوا"؛ وساغَ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ الفِتْنَةُ مُؤَنَّثَةٌ في المَعْنى؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ﴾ ؛ فَأنَّثَ الأمْثالَ؛ لَمّا كانَتِ الحَسَناتِ بِالمَعْنى؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "فِتْنَتَهُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ واسْمُ "كانَ": ﴿ إلا أنْ قالُوا ﴾ ؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَّرَ عَلامَةَ الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُذَكَّرٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ إسْنادُ فِعْلٍ مُذَكَّرٍ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ أوِ المَوَدَّةِ في الشَيْءِ؛ والإعْجابِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ وكِيعٍ ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "وَما كانَ فِتْنَتُهُمْ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "ثُمَّ كانَ فِتْنَتُهُمْ".
والفِتْنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ تُقالُ بِمَعْنى حُبِّ الشَيْءِ والإعْجابِ بِهِ؛ كَما تَقُولُ "فُتِنْتُ بِكَذا"؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هُنا هَذا المَعْنى؛ أيْ: "لَمْ يَكُنْ حُبُّهم لِلْأصْنامِ؛ وإعْجابُهم بِها؛ واتِّباعُهم لَها لَمّا سُئِلُوا عنها؛ ووَقَفُوا عَلى عَجْزِها؛ إلّا التَبَرِّي مِنها؛ والإنْكارَ لَها"؛ وهَذا تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ كانَ يَدَّعِي مَوَدَّةَ آخَرَ؛ ثُمَّ انْحَرَفَ عنهُ وعاداهُ: "يا فُلانُ؛ لَمْ تَكُنْ مَوَدَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ شَتَمْتَهُ وعادَيْتَهُ"؛ ويُقالُ: "اَلْفِتْنَةُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا ﴾ ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هَهُنا هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ سُؤالَهم عَنِ الشُرَكاءِ؛ وتَوْقِيفَهُمُ اخْتِبارٌ؛ فالمَعْنى: "ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِبارُنا لَهم - إذْ لَمْ يُفِدْ ولا أثْمَرَ - إلّا إنْكارَهُمُ الإشْراكَ".
وتَجِيءُ الفِتْنَةُ في اللُغَةِ عَلى مَعانٍ غَيْرِ هَذَيْنِ؛ لا مَدْخَلَ لَها في الآيَةِ؛ ومَن قالَ: "إنَّ أصْلَ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ؛ مِن "فَتَنْتُ الذَهَبَ في النارِ"؛ ثُمَّ يُسْتَعارُ بَعْدَ ذَلِكَ في غَيْرِ ذَلِكَ"؛ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ الِاسْمَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الِاسْتِعارَةِ حَتّى يُقْطَعَ بِاسْتِحالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِعِ الَّذِي اسْتُعِيرَ لَهُ؛ كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: .................
∗∗∗ ولَفَّ الثُرَيّا في مَلاءَتِهِ الفَجْرُ ونَحْوِهِ؛ والفِتْنَةُ لا يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً في كُلِّ مَوْضِعٍ قِيلَتْ عَلَيْهِ.
وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عُمَرَ: "واللهِ رَبِّنا"؛ خُفِضَ عَلى النَعْتِ لِاسْمِ اللهِ تَعالى ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "رَبَّنا"؛ نُصِبَ عَلى النِداءِ؛ ويَجُوزُ فِيهِ تَقْدِيرُ المَدْحِ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وسَلّامُ بْنُ مِسْكِينٍ: "واللهُ رَبُّنا"؛ بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ؛ وتَأْخِيرٍ؛ كَأنَّهم قالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ؛ واللهُ رَبُّنا"؛ و"ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ مَعْناهُ جُحُودُ إشْراكِهِمْ في الدُنْيا؛ فَرُوِيَ أنَّهم إذا رَأوا إخْراجَ مَن في النارِ مِن أهْلِ الإيمانِ؛ ضَجُّوا؛ فَيُوقَفُونَ؛ ويُقالُ لَهُمْ: "أيْنَ شُرَكاؤُكُمْ"؛ فَيُنْكِرُونَ؛ طَماعِيَةً مِنهم أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِأهْلِ الإيمانِ؛ وأتى رَجُلٌ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ؛ وفي أُخْرى: ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا ﴾ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لَمّا رَأوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ؛ قالُوا: تَعالَوْا فَلْنَجْحَدْ؛ وقالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ فَخَتَمَ اللهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ؛ وتَكَلَّمَتْ جَوارِحُهُمْ؛ فَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الفِتْنَةِ هُنا بِأنْ قالُوا: "مَعْذِرَتُهُمْ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وقالَ آخَرُونَ: "كَلامُهُمْ"؛ قالَهُ الضَحّاكُ ؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا هو كُلُّهُ في ضِمْنِ ما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والنَظَرُ نَظَرُ القَلْبِ؛ وقالَ: "كَذَبُوا" في أمْرٍ لَمْ يَقَعْ؛ إذْ هي حِكايَةُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَلا إشْكالَ في اسْتِعْمالِ الماضِي فِيها مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ؛ ويُفِيدُنا اسْتِعْمالُ الماضِي تَحْقِيقًا ما في الفِعْلِ؛ وإثْباتًا لَهُ؛ وهَذا مَهْيَعٌ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ الفَزارِيِّ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا يُرِيدُ: "إنْ يَنْفِرْ".
﴿ "وَضَلَّ عنهُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "ذَهَبَ افْتِراؤُهم في الدُنْيا؛ وكَذِبُهم بِادِّعائِهِمْ لِلَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - الشُرَكاءَ".
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً ﴾ [الأنعام: 21]، أو على جملة ﴿ إنّه لا يفلح الظالمون ﴾ [الأنعام: 21]، فإنّ مضمون هذه الجمل المعطوفة له مناسبة بمضمون جملة ﴿ ومن أظلم ﴾ ومضمون جملة ﴿ إنّه لا يفلح الظالمون ﴾ ، لأنّ مضمون هذه من آثار الظلم وآثار عدم الفلاح، ولأنّ مضمون الآية جامع للتهديد على الشرك والتكذيب ولإثبات الحشر ولإبطال الشرك.
وانتصب ﴿ يومَ ﴾ على الظرفية، وعامله محذوف، والأظهر أنّه يقدّر ممَّا تدلّ عليه المعطوفات وهي: نقول، أو قالوا، أو كذّبوا، أو ضلّ، وكلّها صالحة للدلالة على تقدير المحذوف، وليست تلك الأفعال متعلّقاً بها الظرف بل هي دلالة على المتعلّق المحذوف، لأنّ المقصود تهويل ما يحصل لهم يوم الحشر من الفتنة والاضطراب الناشئين عن قول الله تعالى لهم: ﴿ أين شركاؤكم ﴾ ، وتصوير تلك الحالة المهولة.
وقدّر في «الكشاف» الجواب ممَّا دلّ عليه مجموع الحكاية.
وتقديره: كان ما كان، وأنَّ حذفه مقصود به الإبهام الذي هو داخل في التخويف.
وقد سلك في هذا ما اعتاده أئمَّة البلاغة في تقدير المحذوفات من الأجوبة والمتعلّقات.
والأحسن عندي أنّه إنَّما يصار إلى ذلك عند عدم الدليل في الكلام على تعيين المحذوف وإلاّ فقد يكون التخويف والتهويل بالتفصيل أشدّ منه بالإبهام إذا كان كلّ جزء من التفصيل حاصلاً به تخويف.
وقدّر بعض المفسّرين: اذكر يوم نحشرهم.
ولا نكتة فيه.
وهنالك تقديرات أخرى لبعضهم لا ينبغي أن يعرّج عليها.
والضمير المنصوب في ﴿ نحشرهم ﴾ يعود إلى ﴿ من افترى على الله كذباً ﴾ [الأنعام: 21] أو إلى ﴿ الظالمون ﴾ [الأنعام: 21] إذ المقصود بذلك المشركون، فيؤذن بمشركين ومشرَك بهم.
وللتنبيه على أنّ الضمير عائد إلى المشركين وأصنامهم جيء بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليدلَّ على قصد الشمول، فإنَّ شمول الضمير لجميع المشركين لا يتردّد فيه السامع حتى يحتاج إلى تأكيده باسم الإحاطة والشمول، فتعيّن أنّ ذكر ﴿ جميعاً ﴾ قصد منه التنبيه.
على أنّ الضمير عائد إلى المشركين وأصنامهم، فيكون نظير قوله: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ﴾ [يونس: 28] وقوله: ﴿ ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله ﴾ [الفرقان: 17] وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ هنا على الحال من الضمير.
والمقصود من حشر أصنامهم معهم أن تظهر مذلّة الأصنام وعدم جدواها كما يحشر الغالب أسرى قبيلة ومعهم من كانوا ينتصرون به، لأنّهم لو كانوا غائبين لظنّوا أنّهم لو حصروا لشفعوا، أو أنّهم شغلوا عنهم بما هم فيه من الجلالة والنعيم، فإنّ الأسرى كانوا قد يأملون حضور شفائعهم أو من يفاديهم.
قال النابغة: يأملْن رحلة نصر وابن سيّار *** وعطف ﴿ نقولُ ﴾ بِ ﴿ ثم ﴾ لأنّ القول متأخّر عن زمن حشرهم بمهلة لأنّ حصّة انتظار المجرم ما سيحلّ به أشدّ عليه، ولأنّ في إهمال الاشتغال بهم تحقيراً لهم.
وتفيد ﴿ ثم ﴾ مع ذلك الترتيب الرتبي.
وصرّح بِ ﴿ الذين أشركوا ﴾ لأنّهم بعض ما شمله الضمير، أي ثم نقول للذين أشركوا من بين ذلك الجمع.
وأصل السؤال ب ﴿ أين ﴾ أنَّه استفهام عن المكان الذي يحلّ فيه المسند إليه، نحو: أين بيتك، وأين تذهبون.
وقد يسأل بها عن الشيء الذي لا مكان له، فيراد الاستفهام عن سبب عدمه، كقول أبي سعيد الخدري لمروان بن الحكم حين خرج يوم العيد فقصد المنبر قبل الصلاة ﴿ أين تقديم الصلاة ﴾ .
وقد يسأل ب ﴿ أين ﴾ عن عمل أحد كان مرجوّاً منه، فإذا حضر وقته ولم يحصل منه يسأل عنه بِ ﴿ أين ﴾ ، كأنّ السائل يبحث عن مكانه تنزيلاً له منزلة الغائب المجهول مكانه؛ فالسؤال ب ﴿ أين ﴾ هنا عن الشركاء المزعومين وهم حاضرون كما دلّت عليه آيات أخرى.
قال تعالى: ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله ﴾ [الصافات: 22].
والاستفهام توبيخي عمّا كان المشركون يزعمونه من أنّها تشفع لهم عند الله، أو أنّها تنصرهم عند الحاجة، فلمّا رأوها لا غناء لها قيل لهم: أين شركاؤكم، أي أين عملهم فكأنّهم غُيّب عنهم.
وأضيف الشركاء إلى ضمير المخاطبين إضافة اختصاص لأنّهم الذين زعموا لهم الشركة مع الله في الإلهية فلم يكونوا شركاء إلاّ في اعتقاد المشركين، فلذلك قيل ﴿ شركاؤكم ﴾ .
وهذا كقول أحد أبطال العرب لعَمرو بن معد يكرب لمّا حدّث عمرو في جمع أنّه قتله، وكان هو حاضراً في ذلك الجمع، فقال له: «مَهْلاً أبا ثور قتيلك يسمع»، أي المزعوم أنّه قتيلك.
ووصفوا ب ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ تكذيباً لهم؛ وحذف المفعول الثاني ل ﴿ تزعمون ﴾ ليعمّ كلّ ما كانوا يزعمونه لهم من الإلهية والنصر والشفاعة؛ أمّا المفعول الأول فحذف على طريقة حذف عائد الصلة المنصوب.
والزعم: ظنّ يميل إلى الكذب أو الخطأ أو لغرابته يتّهم صاحبه، فيقال: زعم، بمعنى أنّ عهدة الخبر عليه لا على الناقل، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية في سورة [النساء: 60].
وتأتي زيادة بيان لمعنى الزعم عند قوله تعالى: ﴿ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ﴾ في سورة [التغابن: 7].
وقوله: ثم لم تكن فتنتهم } عطف على جملة ﴿ ثم نقول ﴾ و(ثم) للترتيب الرتبي وهو الانتقال من خبر إلى خبر أعظم منه.
والفتنة أصلها الاختبار، من قولهم: فتنَ الذهَب إذا اختبر خلوصه من الغلْث.
وتطلق على اضطراب الرأي من حصول خوف لا يصبر على مثله، لأنّ مثل ذلك يدلّ على مقدار ثبات من يناله، فقد يكون ذلك في حالة العيش؛ وقد يكون في البغض والحبّ؛ وقد يكون في الاعتقاد والتفكير وارتباك الأمور.
وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ إنّما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ في سورة [البقرة: 102].
﴿ وفتنتهم ﴾ هنا استثني منها ﴿ أن قالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ ، فذلك القول إمّا أن يكون من نوع ما استثني هو منه المحذوف في تفريغ الاستثناء، فيكون المستثنى منه من الأقوال الموصوفة بأنّها فتنة.
فالتقدير: لم يكن لهم قول هو فتنة لهم إلاّ قولهم ﴿ والله ربّنا ما كنا مشركين ﴾ .
وإمّا أن يكون القول المستثنى دالاً على فتنتهم، أي على أنّهم في فتنة حين قالوه.
وأيّاً ما كان فقولهم: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ متضمّن أنّهم مفتونون حينئذٍ.
وعلى ذلك تحتمل الفتنة أن تكون بمعنى اضطراب الرأي والحيرة في الأمر، ويكون في الكلام إيجاز.
والتقدير: فافتتنوا في ماذا يجيبون، فكان جوابهم أن قالوا: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ فعدل عن المقدّر إلى هذا التركيب لأنّه قد علم أنّ جوابهم ذلك هو فتنتهم لأنّه أثرها ومظهرها.
ويحتمل أن يراد بالفتنة جوابهم الكاذب لأنّه يفضي إلى فتنة صاحبه، أي تجريب حالة نفسه.
ويحتمل أن تكون أطلقت على معناها الأصلي وهو الاختبار.
والمراد به السؤال لأنّ السؤال اختبار عمّا عند المسؤول من العلم، أو من الصدق وضدّه، ويتعيّن حينئذٍ تقدير مضاف، أي لم يكن جواب فتنتهم، أي سؤالهم عن حال إشراكهم إلاّ أن قالوا: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ .
وقرأ الجمهور ﴿ لم تكن ﴾ بتاء تأنيث حرف المضارعة.
وقرأه حمزة، والكسائي، ويعقوب بياء المضارعة للغائبة باعتبار أنّ ﴿ قالوا ﴾ هو اسم (كان).
وقرأ الجمهور ﴿ فتنتهم ﴾ بالنصب على أنّه خبر (كان)، فتكون (كان) ناقصة واسمها ﴿ إلاّ أن قالوا ﴾ وإنّما أخّر عن الخبر لأنّه محصور.
وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم بالرفع على أنّه اسم (كان) و ﴿ أنْ قالوا ﴾ خبر (كان)، فتجعل (كان) تامّة.
والمعنى لم توجد فتنة لهم إلاّ قولهم: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ ، أي لم تقع فتنتهم إلاّ أن نفوْا أنّهم أشركوا.
ووجه اتّصال الفعل بعلامة مضارعة للمؤنّث على قراءة نصب ﴿ فتنتهم ﴾ هو أنّ فاعله مؤنَّث تقديراً، لأنّ القول المنسبك من (أن) وصلتها من جملة الفتنة على أحد التأويلين.
قال أبو علي الفارسي: وذلك نظير التأنيث في اسم العدد في قوله تعالى: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ [الأنعام: 160]، لأنّ الأمثال لمّا كانت في معنى الحسنات أنّث اسم عددها.
وقرأ الجمهور ﴿ ربّنا ﴾ بالجرّ على الصفة لاسم الجلالة.
وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بالنصب على النداء بحذف حرفه.
وذكرُهم الربّ بالإضافة إلى ضميرهم مبالغة في التنصّل من الشرك، أي لا ربّ لنا غيره.
وقد كذّبوا وحلفوا على الكذب جرياً على سننهم الذي كانوا عليه في الحياة، لأنّ المرء يحشر على ما عاش عليه، ولأنّ الحيرة والدهش الذي أصابهم خيّل إليهم أنّهم يموّهون على الله تعالى فيتخلّصون من العقاب.
ولا مانع من صدور الكذب مع ظهور الحقيقة يومئذٍ، لأنّ الحقائق تظهر لهم وهم يحسبون أنّ غيرهم لا تظهر له، ولأنّ هذا إخبار منهم عن أمر غائب عن ذلك اليوم فإنّهم أخبروا عن أمورهم في الدنيا.
وفي «صحيح البخاري»: أنّ رجلاً قال لابن عباس: إنِّي أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، فذكر منها قوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ [النساء: 42] وقوله: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ .
فقد كتموا في هذه الآية.
فقال ابن عباس: إنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون تعالوا نقل: ما كنّا مشركين، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرفوا أنّ الله لا يُكتم حديثاً.
وقوله: ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ جعل حالهم المتحدّث عنه بمنزلة المشاهد، لصدوره عمّن لا خلاف في أخباره، فلذلك أمر سامعه أو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يدلّ على النظر إليه كأنّه مشاهد حاضر.
والأظهر أنّ ﴿ كيف ﴾ لمجرّد الحال غير دالّ على الاستفهام.
والنظر إلى الحالة هو النظر إلى أصحابها حين تكيّفهم بها.
وقد تقدّمت له نظائر منها قوله تعالى: ﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة [النساء: 50].
وجعل كثير من المفسّرين النظر هنا نظراً قلبياً فإنّه يجيء كما يجيء فعل الرؤية فيكون معلّقاً عن العمل بالاستفهام، أي تأمّل جواب قول القائل: كيف يفترون على الله الكذب تجده جواباً واضحاً بيّناً.
ولأجل هذا التحقّق من خبر حشرهم عبّر عن كذبهم الذي يحصل يوم الحشر بصيغة الماضي في قوله: كذبوا على أنفسهم } .
وكذلك قوله ﴿ وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ .
وفعل (كذب) يعدّى بحرف (على) إلى من يخبّر عنه الكاذب كذباً مثل تعديته في هذه الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ من كذب عليّ معتمداً فليتبوّأ مقعده من النار ﴾ ، وأمّا تعديته إلى من يخبره الكاذب خبراً كذباً فبنفسه، يقال: كذبك، إذا أخبرك بكذب.
وضلّ بمعنى غاب كقوله تعالى: ﴿ ضلَلْنا في الأرض ﴾ [السجدة: 10]، أي غيّبنا فيها بالدفن.
و ﴿ ما ﴾ موصولة و ﴿ يفترون ﴾ صلتها، والعائد محذوف، أي يختلقونه وماصْدق ذلك هو شركاؤهم.
والمراد: غيبة شفاعتهم ونصرهم لأنّ ذلك هو المأمول منهم فلمّا لم يظهر شيء من ذلك نُزّل حضورهم منزلة الغيبة، كما يقال: أُخِذتَ وغاب نصيرك، وهو حاضر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ الآيَةَ.
في الفِتْنَةِ هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مَعْذِرَتَهم، فَسَمّاها فِتْنَةً لِحُدُوثِها عَنِ الفِتْنَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: عاقِبَةُ فِتْنَتِهِمْ وهو شِرْكُهم.
والثّالِثُ: يَعْنِي بَلِيَّتَهُمُ الَّتِي ألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ وزادَتْهم لائِمَةً، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ.
﴿ إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ تَبْدَأُوا بِذَلِكَ مِن شِرْكِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كَذَّبُوا في الآخِرَةِ بِجُحُودِ الشِّرْكِ ولا يَصِحُّ مِنهُمُ الكَذِبُ في الآخِرَةِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَنْفَعُهم.
والثّانِي: أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ القَبائِحِ مُلْجَؤُونَ إلى تَرْكِها لِإزالَةِ التَّكْلِيفِ عَنْهم، ولَوْ لَمْ يَلْجَؤُوا إلى تَرْكِ القَبِيحِ ويُصْرَفُوا عَنْهُ مَعَ كَمالِ عُقُولِهِمْ وجَبَ تَكْلِيفُهم لِيُقْلِعُوا بِهِ عَنِ القَبِيحِ، وفي عَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ دَلِيلٌ عَلى إلْجائِهِمْ إلى تَرْكِهِ.
قِيلَ: عَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهم ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ أيْ في الدُّنْيا عِنْدَ أنْفُسِنا لِاعْتِقادِنا فِيها أنَّنا عَلى صَوابٍ، وإنْ ظَهَرَ لَنا خَطَؤُهُ الآنَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم كَذِبًا، قالَهُ قُطْرُبٌ.
والثّانِي: أنَّ الآخِرَةَ مَواطِنُ، فَمَوْطِنٌ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فِيهِ ولا يَضْطَرُّونَ إلَيْهِ، ومَوْطِنٌ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فِيهِ ويَضْطَرُّونَ إلَيْهِ، فَقالُوا ذَلِكَ في المَوْطِنِ الأوَّلِ، قالَهُ بَعْضُ مُتَأخِّرِي المُتَكَلِّمِينَ.
وَهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا في المَوْطِنِ الأوَّلِ مُكَلَّفِينَ لِعَدَمِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ، وفي المَوْطِنِ الثّانِي غَيْرَ مُكَلَّفِينَ.
وَقَدْ يُعْتَلُّ الجَوابُ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ فَأخْبَرَ عَنْهم بِالكَذِبِ، وهم عَلى الجَوابِ الأوَّلِ غَيْرُ كاذِبِينَ.
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ بِجَوابٍ ثالِثٍ، وهو أنَّهم أنْكَرُوا بِألْسِنَتِهِمْ، فَلَمّا نَطَقَتْ جَوارِحُهم أقَرُّوا، وفي هَذا الجَوابِ دَخَلَ لِأنَّهم قَدْ كَذَّبُوا نُطْقَ الجَوارِحِ.
﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِسُوءِ كَذِبِهِمْ وجُحُودِهِمْ.
والثّانِي: فَضَلَّتْ عَنْهم أوْثانُهُمُ الَّتِي افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ بِعِبادَتِها، والِافْتِراءُ: تَحْسِينُ الكَذِبِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَسْتَمِعُونَ في اللَّيْلِ قِراءَةَ النَّبِيِّ في صَلاتِهِ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَسْتَمِعُونَ قِراءَتَهُ لِيَرُدُّوا عَلَيْهِ.
والثّانِي: لِيَعْلَمُوا مَكانَهُ فَيُؤْذُوهُ، فَصَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ سَماعِهِ، بِإلْقاءِ النَّوْمِ عَلَيْهِمْ، بِأنْ جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ.
والأكِنَّةُ الأغْطِيَةُ واحِدُها كِنانٌ، يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ إذا غَطَّيْتُهُ، وأكْنَنْتُهُ في نَفْسِي إذا أخْفَيْتُهُ، وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ: عَلى أعْيُنِهِمْ غِطاءٌ.
﴿ وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ والوَقْرُ: الثِّقَلُ، ومِنهُ الوَقارُ إذا ثَقُلَ في المَجْلِسِ.
﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ يَعْنِي بِالآيَةِ عَلامَةَ الإعْجازِ لِما قَدِ اسْتَحْكَمَ في أنْفُسِهِمْ مِن حَسَدِهِ وبُغْضِهِ، وذَلِكَ صَرَفَهم عَنْ سَماعِ القُرْآنِ، لِأنَّهم قَصَدُوا بِسَماعِهِ الأذى والِافْتِراءَ.
﴿ حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ فِيما كانُوا يُجادِلُونَ بِهِ النَّبِيَّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُجادِلُونَهُ بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ عَنْهُمْ: ﴿ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ.
والثّانِي: هو قَوْلُهُمْ: تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ رَبُّكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَمَعْنى ﴿ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ أحادِيثُ الأوَّلِينَ الَّتِي كانُوا يُسَطِّرُونَها في كُتُبِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي جادَلَهم بِهَذا النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَنْهَوْنَ عَنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ، ويَتَباعَدُونَ عَنْهُ فِرارًا مِنهُ، قالَهُ مُحَمَّدٌ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ أنْ يُعْمَلَ بِما فِيهِ، ويَتَباعَدُونَ مِن سَماعِهِ كَيْلا يَسْبِقَ إلى قُلُوبِهِمُ العِلْمُ بِصِحَّتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: يَنْهَوْنَ عَنْ أذى مُحَمَّدٍ ، ويَتَباعَدُونَ عَنِ اتِّباعِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ عَنْ أذى مُحَمَّدٍ ، ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ، فَلا يُؤْمِنُ بِهِ مَعَ وُضُوحِ صِدْقِهِ في نَفْسِهِ.
واسْتَشْهَدَ مُقاتِلٌ بِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ عَنْ شِعْرِ أبِي طالِبٍ بِقَوْلِهِ: ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحِي فَلَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينًا ∗∗∗ وعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَلِمْتُ بِأنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا لَوْلا الذَّمامَةُ أوْ أُحاذِرُ سُبَّةً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَلِكَ مُبِينًا ∗∗∗ فاذْهَبْ لِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وابْشِرْ بِذاكَ وقَرَّ مِنكَ عُيُونًا ∗∗∗ واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَرَأها عَلَيْهِ النَّبِيُّ ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ: أمّا أنْ أدْخُلَ في دِينِكَ فَلا»، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِسابِقِ القَضاءِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والقاسِمُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال النضر وهو من بني عبد الدار: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ﴾ العامل في ﴿ يَوْمَ ﴾ محذوف على معنى: واذكر يوم نحشرهم.
وقيل (١) ﴿ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ أبدًا ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴾ ).
وقوله تعالى: ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ﴾ اختلفوا في وجه هذا السؤال فقال مقاتل: (إن المشركين في الآخرة لما رأوا تجاوز الله تعالى عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض: إذا سئلتم فقولوا: إنا موحدون، فلما جمعهم الله قال [لهم] (٢) ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ) (٣) وقال غيره من المفسرين: (إن المشركين كانوا يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، فقيل لهم يوم القيامة: ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أنها تشفع لكم)، فكأن معنى هذا السؤال التوبيخ (٤) ﴿ تَزْعُمُونَ ﴾ : تكذبون (٥) قال ابن عباس: (وكل زعم في كتاب الله كذب) (٦) ﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ محذوف، والتقدير ﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أنهم شفعاء، فحذف مفعول الزعم، لدلالة الكلام، وإحالة (٧) (٨) (١) هذا قول الطبري في "تفسيره" 7/ 165، وعليه يكون الكلام متصلاً، وقال الكرماني في "غرائبه" 1/ 356: (هذا قول غريب)، وأكثرهم على أن قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴾ كلام مستأنف.
وانظر: "القطع والائتناف" 1/ 221، و"المكتفي" للداني ص 248، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 156، و"التبيان" 1/ 327، و"الفريد" 2/ 133، و"البحر" 4/ 94، و"الدر المصون" 4/ 571.
(٢) لفظ: (لهم) ساقط من (ش).
(٣) "تفسير مقاتل" 1/ 555.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 165، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 478، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 16، والقرطبي 6/ 401.
(٥) الزَّعْم: القول من غير صحة ولا يقين، وقال الراغب في "المفردات" ص 380 (الزعم حكايته قول يكون مظنة للكذب، ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذم القائلون به ا.
هـ.
وانظر: "العين" 1/ 364، و"تهذيب اللغة" 2/ 1532، و"الصحاح" 5/ 1941، و"مقاييس اللغة" 3/ 10، و"اللسان" 3/ 1834 (زعم).
(٦) ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 181، والقرطبي 6/ 401، وأبو حيان في "البحر" 4/ 94.
(٧) في (ش): (وحاله)، وهو تحريف.
(٨) انظر: "غرائب الكرماني" 1/ 356، و"التبيان" 1/ 327، و"الفريد" 2/ 133، و"البحر" 4/ 94، و"الدر المصون" 4/ 572.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ﴾ تقدّم في [البقرة: 146] ﴿ الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الذين مبتدأ وخبره فهم لا يؤمنون وقيل: الذين نعت للذين آتيناهم الكتاب وهو فاسد، لأن أتوا الكتاب ما استشهد بهم هنا إلا ليقيم الحجة على الكفار ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ لفظه استفهام ومعناه لا أحد أظلم ﴿ مِمَّنِ افترى عَلَى الله ﴾ وذلك تنصل من الكذب على الله، وإظهار لبراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما نسبوه إليه من الكذب، ويحتمل أن يريد بالافتراء على الله ما نسب إليه الكفار من الشركاء والأولاد ﴿ أَوْ كَذَّبَ بآياته ﴾ أي علاماته وبراهينه ﴿ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ﴾ يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿ تَزْعُمُونَ ﴾ أي تزعمون أنهم آلهة فحذفه لدلالة المعنى عليه، والعامل في يوم نحشرهم محذوف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني أمرت ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: هما وابن كثير وأبو عمرو.
الباقون: بالسكون.
﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون: مبنياً للمفعول ﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة ﴿ أينكم ﴾ بالياء بعد الهمزة: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينكم ﴾ بالمد والياء: أبو عمرو ويزيد.
وقالون ﴿ بريء ﴾ بغير همز حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ يحشرهم ثم يقول ﴾ بياء الغيبة فيهما: يعقوب.
الباقون: بالنون ﴿ ثم لم تكن ﴾ بتاء التأنيث: حمزة وعلي وحماد والمفضل وسهل ويعقوب الباقون: بالياء ﴿ فتنتهم ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر وحفص والمفضل.
الباقون: بالنصب ﴿ والله ربنا ﴾ بالنصب على النداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: بالجر على البدل أو البيان.
الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل لله ﴾ ط ﴿ الرحمة ﴾ ط لأن قوله ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب قسم محذوف.
وقيل: لا وقف و ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب معنى القسم في ﴿ كتب ﴾ وفيه نظر لأن ﴿ كتب ﴾ وعد ناجز و ﴿ ليجمعنكم ﴾ وعد منتظر.
﴿ لا ريب فيه ﴾ ط بناء على أن الذين مبتدأ فيه معنى الشرط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ولا يطعم ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمه ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ شهادة ﴾ ط ﴿ ومن بلغ ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لانتهاء الاستخبار إلى الإخبار.
﴿ قل لا أشهد ﴾ ج لاتساق الكلام بلا عطف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ أبناءهم ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده وصف ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ يزعمون ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما برهن على إثبات الصانع وتحقيق النبوّات وتقرير المعاد، وانجر الكلام إلى الأمر باعتبار أحوال الغابرين، عاد إلى إثبات هذه المطالب بطريق الإلزام وأخذ الاعتراف، وذلك أن آثار الحدوث وسمات الإمكان لائحة على صفحات السمويات والأرضيات حتى بلغ في ظهوره إلى حيث لا يقدر منكر على إنكاره، فكان في السؤال تبكيت وإفحام، وفي الجواب تقرير وإلزام، أي هو لله بلا مراء وشقاق ولن يتم الملك إلا إذا كان قادراً على الإعادة كما هو قادر على الإبداء، ولن تحصل حكمة الإعادة إلا بثواب المطيعين وعقاب العاصين، ولن يحسن إيصال الثواب والعقاب إلا بعد نصب الدلائل وإرسال الرسل فلأجل ذلك قال ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ أي بنصب الأدلة وإزاحة العلة إيجاب الفضل والكرم.
وقيل: هذه الرحمة هي أنه يمهلهم مدّة عمرهم ولا يعاجلهم بالاستئصال، أو فرض على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدّقهم وقبل شريعتهم، أو تلك الرحمة هي أنه يجمعهم إلى يوم القيامة فإنه لولا هذا التهديد لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله ، وأنه مالك الكل فاعلموا أن الله الملك الحكيم لا يهمل أمور عبيده، ولا يجوز في حكمته التسوية بين المطيع والعاصي والعامل والساهي.
ومعنى ﴿ ليجمعنكم ﴾ ليضمنكم.
وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان.
وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرنإلى يوم القيامة.
قال الأخفش: ﴿ الذين خسروا ﴾ بدل من ضمير المخاطبين في ﴿ ليجمعنكم ﴾ .
وقال الزجاج: إنه مبتدأ خبره ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وذلك لتضمنه معنى الشرط فكأنه قيل: ما للمشركين مع وضوح الدلائل الباهرة لا يؤمنون؟
فأجيب ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ أي في علم الله وسابق قضائه فهم لا يؤمنون في طرف الأبد، فكان امتناعهم الآن عن الإيمان مسبباً عن سبق القضاء عليهم بالخسران والخذلان.
وقال في الكشاف ﴿ الذين خسروا ﴾ نصب أو رفع على الذم بمعنى أريد الذين، أو أنتم الذين.
ثم لما بيّن أن له المكان والمكانيات ارتقى في البيان كما هو شأن الترتيب التعليمي إلى ما هو أخفى من ذلك عند الحس وهو الزمان والزمانيات فقال ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ عن ابن عباس أن كفار مكة أتوا رسول الله فقالوا: يا محمد إنا قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيباً من أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً وترجع عما أنت عليه فنزل ﴿ وله ما سكن ﴾ الآية.
قيل: اشتقاقه من السكون والتقدير كل ما سكن وتحرك كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ أي تقيكم الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر للقرينة.
والأصوب أن يقال: اشتقاقه من السكنى كما يقال: فلان سكن ببلد كذا أي حل فيه.
والمراد كل ما حل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وذلك أن الدخول تحت الزمان يستلزم التغير والحدوث فلا بد له من محدث يتقدم عليه وعلى نفس الزمان ﴿ وهو السميع العليم ﴾ الذي يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين فيوصل كل ممكن إلى كمال يليق به ويستعدّ له.
ثم لما كان لزاعم أن يزعم أن الذي يتعالى عن المكان وعن الزمان قد يكون ممكناً في نفسه كالمفارقات التي يثبتها الفلاسفة فلا جرم قال ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ منكر الاتخاذ غير الله ﴿ ولياً ﴾ ولذلك قدم المفعول لكونه أهم، ولو كان حرف الاستفهام داخلاً على الفعل توجه الإنكار أوّلاً إلى نفس اتخاذ الولي وأنه غير مهم ﴿ فاطر السموات ﴾ عطف بيان من ﴿ الله ﴾ أو بدل.
وقرىء بالرفع على إضمار هو، وبالنصب على المدح.
وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها.
وقال ابن الأنباري: أصل الفطر الشق وقد يكون شق إصلاح كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ أي خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضمه بعض الأشياء إلى بعض.
وقد يكون شق إفساد ومنه قوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.
والرزق والإطعام وإن كانا متغايرين وإلا لم يحسن العطف في قوله ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ﴾ إلا أنهما متقاربان فحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر.
وقرىء ﴿ وهو يطعم ﴾ مبنياً للمفعول على أن الضمير لغير الله وقرىء ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ كلاهما للفاعل.
والمعنى هو يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله ﴿ وإنه يقبض ويبسط ﴾ أو الثاني بمعنى لا يستطعم.
وحاصل الآية أنه يجب شغل القلب كله بالله وقطع العلائق بالكلية عما سواه لأنه الجواد المطلق الذي يهب لا لعوضٍ ولا انتفاع.
ثم بيّن أن النبي أيضاً داخل في تكليف المعرفة بل هو أسبق قدماً في ذلك فقال ﴿ قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم ﴾ وقيل لي ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ وفيه أن الواعظ يجب أن يتعظ أوّلاً بما يقوله، فالمريض لا يتصور منه العلاج.
ثم ذكر أن النبي مع جلالة قدره بصدد المؤاخذة على تقدير المخالفة فقال ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ ولا يلزم من هذا جواز المعصية عنه لأن الفرض قد يتعلق بالمستحيل كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.
من قرأ ﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل فالضمير فيه عائد إلى الله والمفعول وهو العذاب محذوف لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله.
قال في الكشاف: ويجوز أن تنصب يومئذ على أنه مفعول به لـ ﴿ يصرف ﴾ أي من يصرف الله عنه ذلك اليوم أي هو له، ومن قرأ على بناء المفعول فهو مسند إلى ضمير العذاب، ولم يسم الفاعل وهو الله للعلم به ﴿ فقد رحمه ﴾ أي الله الرحمة العظمى كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه يعني كمال الإحسان.
أو المراد فقد أدخله الجنة فإن من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب تفضلاً أو استيجاباً.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن إيصال الثواب على الطاعة غير واجب وإنما هو ابتداء فضل وإحسان وإلا لم يحسن ذكر الرحمة ههنا، ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب زيداً فإذا لم يضربه لا يقال أنه رحمه؟
﴿ وذلك ﴾ أي صرف العذاب وإيصال الثواب على سبيل التفضل أو الاستيجاب ﴿ الفوز المبين ﴾ لأنه المطلب الأعلى والمقصد الأسنى لكل مكلف.
ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في اتخاذ ولي غير الله بقوله ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ من مرض أو فقر أو غير ذلك من البليات ﴿ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ﴾ من غنى أو صحة ﴿ فهو على كل شيء قدير ﴾ عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته، وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل بإيجاده وتكوينه، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ورأس المضارّ هو الكفر، وسنام الخيرات هو الإيمان، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية الإيمان إلا بتوفيقه .
وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع أو الضر، فلا ضارّ ولا نافع بالحقيقة إلا هو .
ثم زاد لهذا المعنى بياناً فقال ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وهو إشارة إلى كمال القدرة ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ وإنه إشارة إلى كمال العلم.
فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم، وكونه خبيراً أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها، فإذا اجتمعت هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت الفوقية لله وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلاً فذلك لا يقوله عاقل، وإن كان ذاهباً في الأقطار كلها كان متجزئاً.
والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون نوراً قائماً بذاته غير متناه لا متجزئاً ولا متبعضاً قاهراً لجميع الأنوار غالباً على جميع الأشياء.
فلا غاية لجوده ولا نهاية لوجوده.
وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم يتبعض فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى النور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ ومنها أنه لو كان غير متناه من كل الجهات لزم اختلاطه بالقاذورات.
والجواب أن هذا كلام مخيل فلا يستعمل في البرهان.
ومنها أنه لو لم يكن خارج العالم خلاء ولا ملاء لم يمكن حصول ذات الله فيه، وإن كان خلاء فحصوله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء دون سائر أجزائه محتاج إلى مخصص، فيكون الواجب مفتقراً فيكون محدثاً هذا خلف.
والجواب أنا ذكرنا أن نور الأنوار لا يتناهى وأنه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى فيسقط هذا الاعتراض.
ومنها أنه موجود قبل الخلاء والحيز والجهة، فلا يكون بعد حصول هذه الأشياء موجوداً فيها وإلا لزم التغير في ذاته.
والجواب بالفرق بين المعية وبين الافتقار.
ومنها أن العالم كرة فإما أن يكون الله فوق أقوام بأعيانهم وحينئذ يلزم أن يكون تحت أقدام من يقابلهم وإما أن يكون فوق الكل فيكون فلكاً محيطاً بسائر الأفلاك وهذا لا يقوله مسلم.
والجواب الإلزامي بعد تسليم كون العالم كرة أنا نختار القسم الأول، ولا يلزم التحتية لأن التحت من جميع الجوانب هو ما يلي المركز، والفوق ما يلي السماء.
أو القسم الثاني ولا يلزم من إحاطته بجميع الأشياء كونه فلكاً كسائر الأفلاك، وأما التحقيق فقد مر.
ومنها أن لفظ الفوق في الآية مسبوق بالقهر ويراد به القدرة والمكنة وملحوق بلفظ عباده، وأنه مشعر بالمملوكية والمقدورية.
فالمناسب أن يراد بالفوق أيضاً فوقية القدرة ولا يلزم التكرار لأن المراد أن القهر والقدرة عام في حق الكل.
والجواب أن حمل الوسط على الطرفين أولى من العكس، بل لا نزاع في مفهوم العباد وإنما النزاع في مفهومي القاهرية والفوقية، وليس حمل أحدهما على الآخر أولى من غيره، ومنها أن الآية سيقت رداً على من اتخذ غير الله ولياً وهذا إنما يحسن لو كان المراد بالفوقية القدرة لا الجهة.
والجواب أن الفوقية بالوجه الذي قررناه في جواب الاعتراض الأول يفيد الاستعلاء المطلق وذلك يوجب أن يكون التعويل عليه في كل الأمور إذ لا وجود ولا ظهور لشيء من الأشياء إلا بفيضه ونوره.
وقد يلوح للمتأمل في هذه الأجوبة بعد التنزية عن التشبيه والتجسيم والحلول والاتحاد أسرار غامضة شريفة إن كان أهلاً لها "وكل ميسر لما خلق له" قال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة.
ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم فنزلت ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة ﴾ الآية.
قال العلماء: إنها دلت على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله.
ثم بيَّن أن شهادة الله حاصلة إلا أنها لم تدل على أن تلك الشهادة لإثبات أيّ المطالب فقيل: إنها لإثبات نبوة محمد لما ذكرنا من سبب النزول.
والمعنى قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة حتى يعترفوا بأن أكبر الأشياء شهادة هو الله ، فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهد لي بالنبوة بأن أظهر على وفق دعواي معجزاً هو القرآن الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته.
وقيل: إن حصول هذه الشهادة في وحدانية الله وذلك أن الوحدانية ليست مما يتوقف صحته على صحة السمع فلا يمتنع إثباتها بالسمع والمعنى ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ في إثبات الوحدانية والبراءة عن الأضداد والأنداد والأمثال والأشباه ﴿ وأوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ وأبلغكم أن الدين هو التوحيد والشرك مردود.
واستدل الجمهور بالآية على أنه يصح إطلاق الشيء على الله وخالف جهم محتجاً بقوله ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ إذ لا يمكن دعوى التخصيص فيه، فإن التخصيص إنما يجوز في صورة شاذة لا يلتفت إليها لقلة اعتبارها فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم.
فلو كان الباري شيئاً لكان أعظم الأشياء وأشرفها فيكون إخراجه من هذا العموم محض الكذب.
وأيضاً احتج بأن الشيء يطلق على المعدوم لقوله ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ﴾ والشيء الذي سيفعله غداً معدوم في الحال، فالشيء لا يفيد صفة مدح فلا يطلق عليه.
والجواب عن الأول أن إخراجالأكثر من العموم جائز عندنا.
ولو سلم فإنه واحد من الأشياء، والمخرج بهذا الاعتبار أقل عدداً من الباقي.
وعن الثاني أن لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص كالذات، والحقيقة صدق العلم بالضرورة.
قال جهم ﴿ قل الله شهيد ﴾ جملة مستقلة بنفسهالا تعلق لها بما قبلها فلا يصح استدلالكم.
قلنا ﴿ قل أي شيء ﴾ سؤال ولا بد له من جواب.
وهو إما مذكور رأي قل الله أكبر الأشياء شهادة ثم ابتدىء فقيل شهيد أي وهو شهيد بيني وبينكم، أو محذوف والمعنى قل هو الله والله شهيد بيني وبينكم.
وحسن الحذف لأنه إذا سأل عن أكبر الأشياء شهادة وذكر بعد ذلك أن الله شهيد علم جزماً أن أكبر الأشياء شهادة هو الله أما قوله ﴿ ومن بلغ ﴾ فمعطوف على ضمير المخاطبين والعائد إلى من محذوف أي لأنذركم يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم.
وقيل: من الثقلين.
وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة.
وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً ، وقيل: ومن بلغ أي من احتلم وبلغ أوان التكليف، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار العائد.
ثم استفهم مبكتاً فقال ﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ﴾ وصف الجمع بصفة الواحدة كما يقال: الرجال فعلت.
ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل: أولاها ﴿ قل لا أشهد ﴾ أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء، وثانيتها ﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ وكلمة "إنما" تفيد الحصر.
وثالثتها ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ ومن هنا قالت العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويضم إليهما التبري عن كل دين سوى دين الإسلام.
ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى عن نعت محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ليس عندنا ذكره كذّبهم الله بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ﴾ أي يعرفون رسول الله بنعوته وحلاه الثابتة في الكتابين ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا يشتبهون بغير أبنائهم.
﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ إما بدل أو بيان من "الذين" الأولى، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين.
وإما مبتدأ والكلام جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين.
والمراد بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر.
وقيل: ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورّث منزلته غيره.
ثم بيَّن سبب خسرانهم مستفهماً على سبيل الإنكار فقال ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين: إثبات الباطل وهو الافتراء على الله، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات الله، فمن الأول أن المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء الله والله أمرهم بذلك، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، واليهود والنصارى كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ.
وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم.
ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق بإزاء الباطل.
ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ وناصبه محذوف أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد.
ويحتمل أن يكون مفعول "واذكر" أو معطوفاً على محذوف أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ويوم الحشر.
﴿ أين شركاؤكم ﴾ آلهتكم التي جعلتموهم شركاء ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ هم شركاء فحذف المفعولان.
والمقصود من هذا الاستفهام التقريع والتبكيت، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم، ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم، ويحتمل أن يقال: أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم؟
والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر في نفوسهم أن الذي يظنونه مأيوس منه فيصير ذلك تنبيهاً لهم في الدنيا على فساد هذه الطريقة ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ من قرأ بالرفع على أنه اسم كان فالخبر ﴿ إلا أن قالوا ﴾ والتقدير شيئاً إلا أن قالوا ومن قرأ بالنصب مع تذكير يكن فبعكس ما قلنا.
والتقدير شيء إلا أن قالوا.
وأما مع تأنيث يكن فلوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمك.
أو بتأويل مقالتهم.
قال الواحدي: الاختيار قراءة من قرأ بالنصب لأن "أن" إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر.
وكما أن المضمر والمظهر إذا اجتمعا كقولك: إن كنت القائم.
كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً فكذلك ههنا.
قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به.
ومثاله أن ترى إنساناً يحب شخصاً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه فيقال له: ما كانت محبتك أي عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته.
فعلى هذا فتنتهم في شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس.
ولكن لا بد من تقدير مضاف وهو العاقبة، ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب، قال القاضيان: الجبائي وأبو بكر: إن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب لأنهم يعرفون الله بالاضطرار فيكونون ملجئين إلى ترك القبيح وكيف لا وإنهم يعلمون أن ذلك لا يروج منهم حينئذ ولا يستفيدون بذلك إلا زيادة المقت والغضب من الله عليهم؟
ولا يجوز أن يقال: إنهم لما عاينوا القيامة اختلت عقولهم واضطربت فلهذا قالوا الكذب، أو أنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا لأنه لا يليق بحكمته أن يوبخهم ثم يحكى عنهم ما يجري مجرى الاعتذار عند اختلال عقولهم.
ولأن تجويز نسيان أمر كان عليه الشخص مدة عمره نوع من السفسطة.
وأيضاً إنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح فإن عوقبوا على ذلك صارتالآخرة دار التكليف وإن لم يعاقبوا كان إذناً من الله في ارتكاب الذنوب وكلاهما محال.
فإذا الوجه في الآية أن يقال: إن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم وظنونهم أنهم موحدون فأجابوا بقولهم ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ أي في اعتقادنا وظنوننا، وعلى هذا فيكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم كانوا غير مشركين عند أنفسهم فيجيب تأويل قوله تعالى ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ بأن المراد كذبهم في دار الدنيا كقولهم إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك وإن آلهتهم شفعاؤهم عند الله فلهذا قال ﴿ وضل عنهم ﴾ أي وانظر كيف غاب عنهم في الآخرة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ أي يفتعلون إلهيته وشفاعته.
والحاصل أن الآية سيقت لبيان تضاد حاليهم في الدنيا وفي الآخرة بالكذب وبالصدق ولكن حيث لا ينفعهم الصدق لأن الصدق في الآخرة إنما يعتبر إذا كان مقروناً بالصدق في الدنيا، هذا جملة كلام القاضيين.
قال جمهور المفسرين: إن قول القائل المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا، وكيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا مخالفة الظاهر وإن الكفار قد يكذبون في القيامة لقوله ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون ﴾ إلى قوله ﴿ ألا إنهم هم الكاذبون ﴾ ولو سلم أنهم لا يكذبون تعمداً إلا أن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه حيرة ودهشاً، ألا تراهم يقولون ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 107\] وقد أيقنوا بالخلود؟
﴿ وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.
واختلال عقولهم حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع كمال عقلهم في سائر الأوقات.
التأويل: ما في الكون سوى الله، لا داع ولا مجيب فلهذا يسأل ويجيب ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل لله ﴾ وله ما سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، وفي نهار الروحانية إلى المواهب الربانية، ﴿ وهو السميع ﴾ أنين من سكن إليه ﴿ العليم ﴾ بحنين من اشتاق إليه ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ اليوم ﴿ ولياً ﴾ وقد اتخذني الله في الأزل حبيباً ﴿ فاطر ﴾ سموات القلوب على محبته وفاطر أرض النفوس على عبوديته ﴿ وهو يطعم ﴾ أرواح العارفين طعام المشاهدات ويسقيهم كؤوس المكاشفات ﴿ ولا يطعم ﴾ لأنه لا يحتاج إلى قبول الفيض من غيره فالأنوار عنده كالذرّات ﴿ أول من أسلم ﴾ لأني خلصت من حبس الوجود بالكلية وحدي ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي وأقول: أمتي أمتي ﴿ إن عصيت ربي ﴾ برؤية الغير يوم قدّر الشرك لاقوام والتوحيد لاقوام ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ إن دائرة أزليته متصلة بدائرة أبديته، وكل نقطة من الدائرة تصلح للبداية والنهاية، فكل ما صدر منه فلن ينتهي إلا به ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ قهر الكفار بموت القلوب فضلوا في ظلمات الطبيعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فخرجوا من ظلمات الطبيعة، وقهر قلوب المحبين بلذعات الأشواق إلى يوم التلاق، وقهر أرواح الصديقين بسطوات الجلال في أوقات الوصال.
﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما يقهره فلا يخلو من حكمة ﴿ الخبير ﴾ بمن يتسأهل كل صنف من قهره فيقهره به ﴿ الله أكبر شهادة ﴾ لأنه محيط بحقائق الأشياء ولا يحيط به شيء من الأشياء ﴿ ومن بلغ ﴾ القرآن ووقف على حقائقه.
ويقول للمشركين ﴿ أئنكم لتشهدون ﴾ ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ يعني العلماء بالقرآن يعرفون الله أو النبي.
وفيه إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله مصدر جميع الأشياء ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ﴾ يعني أهل المعرفة والنكرة ﴿ أين شركاؤكم ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ كذبوا على أنفسهم ﴾ في القيامة لأنهم كذبوا في الدنيا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ .
المطيع والعاصي، والكافر والمؤمن.
﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ .
ذكر - هاهنا - شركاءهم، أضاف ذلك إليهم؛ لأنهم كانوا من جنسهم وجوهرهم، يفنون كما يفنون هم، وذكر في آية أخرى: ﴿ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أنهم شركائي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
قال الحسن: الآية نزلت في المنافقين، وذلك أنهم كانوا يكذبون في الدنيا فيما بينهم، فظنوا أن يتروج كذبهم في الآخرة كما كان يتروج في الدنيا، وسماهم مشركين؛ لأنهم كانوا [مشركين لأنهم] أشركوا في السرّ، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
وقال غيره من أهل التأويل: الآية نزلت في أهل الشرك من العرب؛ وذلك أنهم كانوا يشركون مع الله آلهة، وكانوا ينكرون البعث بعد الموت، وينكرون الرسالة، فلما أن عاينوا ذلك أنكروا أن يكونوا أشركوا غيره في ألوهيته وربوبيته.
وقوله - -: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ .
أي: لم يكن افتتانهم في الدنيا بافترائهم على الله الكذب وإشراك غيره معه، وتكذيبهم آيات الله، إلا أن قالوا في الآخرة: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
وذكر في [بعض] القصة أن المشركين في الآخرة لما رأوا كيف يتجاوز الله عن أهل التوحيد، قال بعضهم لبعض: إذا سئلنا فقولوا: إنا كنا موحدين، فلما جمعهم الله وشركاءهم فقال: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ في الدنيا بأنهم معي شريك.
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ .
قال أهل التأويل: معذرتهم وجوابهم إلا الكذب حين سئلوا فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ تبرءوا من ذلك.
ثم قال الله: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ : في الآخرة، ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ : من الشرك في الدنيا.
قيل: لما أنكروا أن يكونوا مشركين في الدنيا ختم الله على ألسنتهم، وشهدت الجوارح عليهم بالشرك.
وقيل: انظر كيف كذبوا على أنفسهم، يقول: كيف صار وبال كذبهم عليهم؟!.
﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ قيل: واشتغل عنهم.
﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ يقول: يكذبون.
وأصله: أنه يذكر نبيه شدة تعنتهم وسفههم أنهم كيف يكذبون عند معاينة العذاب، فإذا كانوا بنأي منه وبعد كانوا أشدّ تكذيباً وأكثر تعنتاً؛ لأنهم يطلبون الرد إلى الدنيا بقولهم ﴿ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ ، فقال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
واذكر يوم القيامة حين نجمعهم جميعًا، لا نغادر منهم أحدًا، ثم نقول للذين عبدوا مع الله غيره توبيخًا لهم: أين شركاؤكم الذين كنتم تدعون كاذبين أنهم شركاء لله؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.VmowP"