الآية ٥٥ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٥٥ من سورة الأنعام

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٥ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : وكما بينا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد ، وذم المجادلة والعناد ( وكذلك نفصل الآيات ) أي : التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها ( ولتستبين سبيل المجرمين ) أي : ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل ، وقرئ : " وليستبين سبيل المجرمين " أي : وليستبين يا محمد - أو يا مخاطب - سبيل المجرمين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وكذلك نفصل الآيات "، وكما فصلنا لك في هذه السورة من ابتدائها وفاتحتها، يا محمد، إلى هذا الموضع، حجتَنا على المشركين من عبدة الأوثان، وأدلتَنا, وميَّزناها لك وبيَّناها, كذلك نفصِّل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حقّ ينكره أهل الباطل من سائر أهل الملل غيرهم, فنبينها لك، حتى تبين حقه من باطله، وصحيحهُ من سقيمه.

* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " ولتستبين سبيل المجرمين " .

فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة: (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء (سَبِيلَ الْمُجِرمِينَ) بنصب " السبيل ", على أن " تستبين "، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، كأن معناه عندهم: ولتستبين، أنت يا محمد، سبيل المجرمين.

* * * وكان ابن زيد يتأول ذلك: ولتستبين، أنت يا محمد، سبيلَ المجرمين الذين سألوك طردَ النفر الذين سألوه طردهم عنه من أصحابه .

13299 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن ريد : " ولتستبين سبيلَ المجرمين "، قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء .

* * * وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصرين: (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء (سَبِيلُ الْمُجِرمِينَ) برفع " السبيل "، على أن القصد للسبيل, ولكنه يؤنثها = وكأن معنى الكلام عندهم: وكذلك نفصل الآيات، ولتتضح لك وللمؤمنين طريقُ المجرمين.

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: (وَلِيَسْتَبِينَ) بالياء (سَبِيلُ الْمُجِرمِينَ) برفع " السبيل " على أن الفعل للسبيل، ولكنهم يذكرونه = ومعنى هؤلاء في هذا الكلام, ومعنى من قرأ ذلك بالتاء في: " ولتستبين " ورفع " السبيل "، واحدٌ, وإنما الاختلاف بينهم في تذكير " السبيل " وتأنيثها.

(15) * * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب عندي في" السبيل " الرفع, لأن الله تعالى ذكره فصَّل آياته في كتابه وتنـزيله, ليتبين الحقَّ بها من الباطل جميعُ من خوطب بها, لا بعضٌ دون بعض.

ومن قرأ " السبيل " بالنصب, فإنما جعل تبيين ذلك محصورًا على النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما القراءة في قوله: " ولتستبين "، فسواء قرئت بالتاء أو بالياء, لأن من العرب من يذكر " السبيل " = وهم تميم وأهل نجد = ومنهم من يؤنث " السبيل " = وهم أهل الحجاز.

وهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، ولغتان مشهورتان من لغات العرب, وليس في قراءة ذلك بإحداهما خلافٌ لقراءته بالأخرى، ولا وجه لاختيار إحداهما على الأخرى = بعد أن يرفع " السبيل " = للعلة التي ذكرنا.

(16) * * * وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: " نفصل الآيات " قال أهل التأويل.

13300 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " وكذلك نفصل الآيات "، نبين الآيات .

13301 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في : " نفصل الآيات "، نبين.

-------------- الهوامش : (15) انظر معاني القرآن للفراء 1: 337.

(16) انظر تفسير"السبيل" فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) = وتفسير"استبان" في مادة (بين) من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين قوله تعالى : وكذلك نفصل الآيات التفصيل التبيين الذي تظهر به المعاني ; والمعنى : وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا ومحاجتنا مع المشركين كذلك نفصل لكم الآيات في كل ما تحتاجون إليه من أمر الدين ، ونبين لكم أدلتنا وحججنا في كل حق ينكره أهل الباطل .

وقال القتبي : نفصل الآيات نأتي بها شيئا بعد شيء ، ولا ننزلها جملة متصلة .

ولتستبين سبيل المجرمين يقال : هذه اللام تتعلق بالفعل فأين الفعل الذي تتعلق به ؟

فقال الكوفيون : هو مقدر ; أي : وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم ولتستبين ; قال النحاس : وهذا الحذف كله لا يحتاج إليه ، والتقدير : وكذلك نفصل الآيات فصلناها .وقيل : إن دخول الواو للعطف على المعنى ; أي : ليظهر الحق وليستبين ، قرئ بالياء والتاء .

( سبيل ) برفع اللام ونصبها ، وقراءة التاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي : ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين .

فإن قيل : فقد كان النبي عليه السلام يستبينها ؟

فالجواب عند الزجاج - أن الخطاب للنبي عليه السلام خطاب لأمته ; فالمعنى : ولتستبينوا سبيل المجرمين .

فإن قيل : فلم لم يذكر سبيل المؤمنين ؟

ففي هذا جوابان ; أحدهما : أن يكون مثل قوله : [ ص: 343 ] سرابيل تقيكم الحر فالمعنى ; وتقيكم البرد ثم حذف ; وكذلك يكون هذا المعنى ولتستبين سبيل المؤمنين ثم حذف .

والجواب الآخر : أن يقال : استبان الشيء واستبنته ; وإذا بان سبيل المجرمين فقد بان سبيل المؤمنين .

والسبيل يذكر ويؤنث ; فتميم تذكره ، وأهل الحجاز تؤنثه ; وفي التنزيل وإن يروا سبيل الرشد مذكر ( لم تصدون عن سبيل الله ) مؤنث ; وكذلك قرئ ( ولتستبين ) بالياء والتاء ; فالتاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ } أي: نوضحها ونبينها، ونميز بين طريق الهدى من الضلال، والغي والرشاد، ليهتدي بذلك المهتدون، ويتبين الحق الذي ينبغي سلوكه.

{ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } الموصلة إلى سخط الله وعذابه، فإن سبيل المجرمين إذا استبانت واتضحت، أمكن اجتنابها، والبعد منها، بخلاف ما لو كانت مشتبهة ملتبسة، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكذلك نفصل الآيات ) أي : وهكذا ، وقيل : معناه وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا وإعلامنا على المشركين كذلك نفصل الآيات ، أي : نميز ونبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل ، ( ولتستبين سبيل المجرمين ) أي : طريق المجرمين ، وقرأ أهل المدينة " ولتستبين " بالتاء ، " سبيل " نصب على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أي : ولتعرف يا محمد سبيل المجرمين ، يقال : استبنت الشيء وتبينته إذا عرفته ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر " وليستبين " بالياء " سبيل " بالرفع ، وقرأ الآخرون ( ولتستبين ) بالتاء " سبيل " رفع ، أي : ليظهر ويتضح السبيل ، يذكر ويؤنث ، فدليل التذكير قوله تعالى : " وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا " ( الأعراف ، 146 ) ، ودليل التأنيت قوله تعالى : " لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا " ( آل عمران ، 99 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكذلك» كما بينا ما ذكر «نفصِّل» نبين «الآيات» القرآن ليظهر الحق فيعمل به «ولتستبين» تظهر «سبيلُ» طريق «المجرمين» فتجتنب، وفي قراءة بالتحتانية، وفي أخرى بالفوقانية ونصب سبيل خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومثل هذا البيان الذي بيَّنَّاه لك -أيها الرسول- نبيِّن الحجج الواضحة على كل حق ينكره أهل الباطل؛ ليتبين الحق، وليظهر طريق أهل الباطل المخالفين للرسل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال تعالى { وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيات } المنزلة فى بيان الحقائق التى يهتدى بها أهل النظر الصحيح والفقه الدقيق .{ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين } أى ولأجل أن يظهر بها طريق المجرمين فيمتازوا بها عن جماعة المسلمين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الأيات وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين ﴾ .

المراد كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد والنبوة والقضاء والقدر، فكذلك نميز ونفصل لك دلائلنا وحججنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل وقوله: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين ﴾ عطف على المعنى كأنه قيل ليظهر الحق وليستبين، وحسن هذا الحذف لكونه معلوماً واختلف القراء في قوله: ﴿ ليستبين ﴾ فقرأ نافع ﴿ لتستبين ﴾ بالتاء ﴿ وسبيل ﴾ بالنصب والمعنى لتستبين يا محمد سبيل هؤلاء المجرمين.

وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ ليستبين ﴾ بالياء ﴿ مّن سَبِيلٍ ﴾ بالرفع والباقون بالتاء ﴿ وسبيل ﴾ بالرفع على تأنيث سبيل.

وأهل الحجاز يؤنثون السبيل، وبنو تميم يذكرونه.

وقد نطق القرآن بهما فقال سبحانه: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً  ﴾ وقال: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا  ﴾ .

فإن قيل: لم قال: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين ﴾ ولم يذكر سبيل المؤمنين.

قلنا: ذكر أحد القسمين يدل على الثاني.

كقوله: ﴿ سَرَابِيلَ تقيكم الحر  ﴾ ولم يذكر البرد.

وأيضاً فالضدان إذا كانا بحيث لا يحصل بينهما واسطة، فمتى بانت خاصية أحد القسمين بانت خاصية القسم الآخر والحق والباطل لا واسطة بينهما، فمتى استبانت طريقة المجرمين فقد استبانت طريقة المحقين أيضاً لا محالة.

قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ من المهتدين قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين، ذكر في هذه الآية أنه تعالى نهى عن سلوك سبيلهم.

فقال: ﴿ قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ وبين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد، لا على سبيل الحجة والدليل، لأنها جمادات وأحجار وهي أخس مرتبة من الإنسان بكثير، وكون الأشرف مشتغلاً بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل.

وأيضاً أن القوم كانوا ينحتون تلك الأصنام ويركبونها، ومن المعلوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه.

فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى.

ومضادة للهدى، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ ﴾ ثم قال: ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ المهتدين ﴾ أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وما أنا من المهتدين في شيء.

والمقصود كأنه يقول لهم أنتم كذلك.

ولما نفى أن يكون الهوى متبعاً، على ما يجب اتباعه بقوله: ﴿ قُلْ إِنّى على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ أي في أنه لا معبود سواه.

وكذبتم أنتم حيث أشركتم به غيره.

واعلم أنه عليه الصلاة والسلام، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك.

والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب.

فقال تعالى قل يا محمد: ﴿ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ يعني قولهم: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ والمراد أن ذلك العذاب ينزله الله في الوقت الذي أراد إنزاله فيه.

ولا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره.

ثم قال: ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ وهذا مطلق يتناول الكل.

والمراد هاهنا إن الحكم إلا لله فقط في تأخير عذابهم ﴿ يَقْضِى الحق ﴾ أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين ﴾ أي القاضين، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بقوله: ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ على أنه لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله به، فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله به وحكم به.

وكذلك في جميع الأفعال.

والدليل عليه أنه تعالى قال: ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ وهذا يفيد الحصر، بمعنى أنه لا حكم إلا لله.

واحتج المعتزلة بقوله: ﴿ يَقْضِى الحق ﴾ ومعناه أن كل ما قضى به فهو الحق.

وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر.

ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس الحق.

والله أعلم.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ونافع وعاصم ﴿ يَقُصُّ الحق ﴾ بالصاد من القصص، يعني أن كل ما أنبأ الله به وأمر به فهو من أقاصيص الحق، كقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص  ﴾ وقرأ الباقون ﴿ يَقْضِ الحق ﴾ والمكتوب في المصاحف يقض بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين كما كتبوا ﴿ سَنَدْعُ الزبانية  ﴾ ﴿ فما تغن النذر  ﴾ وقوله: ﴿ يقضى الحق ﴾ قال الزجاج: فيه وجهان: جائز أن يكون ﴿ الحق ﴾ صفة المصدر والتقدير: يقض القضاء الحق.

ويجوز أن يكون ﴿ يقضى الحق ﴾ يصنع الحق، لأن كل شيء صنعه الله فهو حق.

وعلى هذا التقدير ﴿ الحق ﴾ يكون مفعولاً به وقضى بمعنى صنع.

قال الهذلي: وعليهما مسرودتان قضاهما *** داود أو صنع السوابغ تبع أي صنعهما داود واحتج أبو عمرو على هذه القراءة بقوله: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين ﴾ قال والفصل يكون في القضاء، لا في القصص.

أجاب أبو علي الفارسي فقال القصص هاهنا بمعنى القول.

وقد جاء الفصل في القول قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ  ﴾ وقال: ﴿ أُحْكِمَتْ ءاياته ثم فُصِلَتْ  ﴾ وقال: ﴿ نُفَصِّلُ الآيات  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ ولتستبين ﴾ بالتاء والياء مع رفع السبيل لأنها تذكر وتؤنث.

وبالتاء على خطاب الرسول مع نصب السبيل.

يقال: استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته.

والمعنى: ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين.

من هو مطبوع على قلبه لا يرجى إسلامه، ومن يرى فيه إمارة القبول وهو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة، ومن دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده، ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلاً منهم بما يجب أن يعامل به، فصلنا ذلك التفصيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ الواضِحِ.

﴿ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيْ آياتِ القُرْآنِ في صِفَةِ المُطِيعِينَ والمُجْرِمِينَ المُصِرِّينَ مِنهم والأوّابِينَ.

" ولِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ " قَرَأ نافِعٌ بِالتّاءِ ونَصَبَ السَّبِيلَ عَلى مَعْنى ولِتَسْتَوْضِحَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَهم فَتُعامِلَ كُلًّا مِنهم بِما يَحِقُّ لَهُ فَصَّلْنا هَذا التَّفْصِيلَ، وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِرَفْعِهِ عَلى مَعْنى ولِنُبَيِّنَ سَبِيلَهُمْ، والباقُونَ بِالياءِ والرَّفْعِ عَلى تَذْكِيرِ السَّبِيلِ فَإنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ أيْ نُفَصِّلُ الآياتِ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكذلك نُفَصَّلُ الآياتِ وَلتستبينَ} وبالياء حمزة وعلي وأبو بكر {سَبِيلُ المجرمين} بالنصب مدني غيره بالرفع فرفع السبيل مع التاء والياء لأنها تذكر وتؤنث ونصب السبيل مع التاء على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم يقال استبان الأمر وتبين واستبنته وتبيته والمعى ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين من هو مطبوع على قلبه ومن يرجى إسلامه ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلاً منهم بما يجب أن يعامل به

الأنعام (٥٦ _ ٥٩)

فصلنا ذلك التفصيل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ ﴾ أيْ دائِمًا ﴿ الآياتِ ﴾ أيِ القُرْآنِيَّةَ في صِفَةِ أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ الإجْرامِ المُصِرِّينَ مِنهم والأوّابِينَ، والتَّشْبِيهُ هُنا مِثْلُهُ فِيما تَقَدَّمَ آنِفًا، ﴿ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ﴾ 55 - بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ بِناءً عَلى تَأْنِيثِ الفاعِلِ وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ وهو عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ لَمْ يُقْصَدْ تَعْلِيلُهُ بِها بِخُصُوصِها، وإنَّما قُصِدَ الإشْعارُ بِأنَّ لَهُ فَوائِدَ جَمَّةً مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو عِبارَةٌ عَنِ المَذْكُورِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ فَيَكُونُ مُسْتَأْنَفًا أيْ ولِتَتَبَيَّنَ سَبِيلُهم نَفْعَلُ ما نَفْعَلُ مِنَ التَّفْصِيلِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالتّاءِ ونَصَبَ السَّبِيلَ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُتَعَدٍّ أيْ ولِتَسْتَوْضِحَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ فَتُعامِلَهم بِما يَلِيقُ بِهِمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ورَفْعِ السَّبِيلِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ لِلْمُذَكَّرِ.

وتَأْنِيثِ السَّبِيلِ وتَذْكِيرِهِ لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ * * * هَذا ”ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ“ ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ السَّماعِ هُمُ الأحْياءُ وهم أهْلُ الخِطابِ والجَوابِ؛ وأخْبَرَ أنَّ الآخَرِينَ هُمُ الأمْواتُ، وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَجِيبُ إلّا مَن فَتَحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ سَمْعَ قَلْبِهِ بِالهِدايَةِ الأصْلِيَّةِ ووَهَبَ لَهُ الحَياةَ الحَقِيقِيَّةَ بِصَفاءِ الِاسْتِعْدادِ ونُورِ الفِطْرَةِ لا مَوْتى الجَهْلِ الَّذِينَ ماتَتْ غَرائِزُهم بِالجَهْلِ المُرَكَّبِ أوْ بِالحُجُبِ الجِبِلِّيَّةِ أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْتِعْدادٌ بِحَسْبَ الفِطْرَةِ فَإنَّهم قَدْ صُمُّوا عَنِ السَّماعِ ولا يُمْكِنُهم ذَلِكَ بَلْ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِالنَّشْأةِ الثّانِيَةِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ لِلْجَزاءِ والمُكافَأةِ مَعَ احْتِجابِهِمْ، وقِيلَ: الآيَةُ إشارَةٌ إلى أهْلِ الصَّحْوِ وأهْلِ المَحْوِ ﴿ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ ﴾ حَيْثُ فُطِرُوا عَلى التَّوْحِيدِ وجُبِلُوا عَلى المَعْرِفَةِ ولَهم مَشارِبُ مِن بَحْرِ خِطابِ اللَّهِ تَعالى وأفْنانٌ مِن أشْجارِ رِياضِ كَلِماتِهِ سُبْحانَهُ وحَنِينٌ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وتَغْرِيدٌ بِاسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ، قِيلَ: إنَّ سَمْنُونَ المُحِبَّ كانَ إذا تَكَلَّمَ في المَحَبَّةِ يَسْقُطُ الطَّيْرُ مِنَ الهَواءِ.

ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ الضَّبَّ بَعْدَ أنْ تَكَلَّمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَهِدَ بِرِسالَتِهِ أنْشَأ يَقُولُ: ألّا يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ صادِقٌ فَبُورِكْتَ مَهْدِيًّا وبُورِكْتَ هادِيًا وبُورِكْتَ في الآزالِ حَيًّا ومَيِّتًا ∗∗∗ وبُورِكْتَ مَوْلُودًا وبُورِكْتَ ناشِيًا.

وإنَّ فِيهِمْ أيْضًا المُحْتَجِبِينَ ومُرْتَكِبِي الرَّذائِلِ وغَيْرَ ذَلِكَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا المَبْحَثِ مُفَصَّلًا ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ ﴾ أيْ كِتابِ أعْمالِهِمْ ﴿ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ في عَيْنِ الجَمْعِ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِغَواشِي صِفاتِ نُفُوسِهِمْ ﴿ بِآياتِنا ﴾ وهي تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ ﴿ صُمٌّ ﴾ فَلا يَسْمَعُونَ بِآذانِ القُلُوبِ ﴿ وبُكْمٌ ﴾ فَلا يَنْطِقُونَ بِألْسِنَةِ العُقُولِ ﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ وهي ظُلُماتُ الطَّبِيعَةِ وغَياهِبُ الجَهْلِ ﴿ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾ بِإسْبالِ حُجُبِ جَلالِهِ ﴿ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ بِإشْراقِ سُبُحاتِ جَمالِهِ ﴿ قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ ﴾ مِنَ المَرَضِ وسائِرِ أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ ﴾ الصُّغْرى أوِ الكُبْرى ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ لِكَشْفِ ما يَنالُكم ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.

﴾ ﴿ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ ﴾ لِكَشْفِ ذَلِكَ.

قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: مَرْجِعُ الخَواصِّ إلى الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ مِن أوَّلِ البِدايَةِ؛ ومَرْجِعُ العَوامِّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ اليَأْسِ مِنَ الخَلْقِ، وكانَ هَذا في وقْتِ هَذا العارِفِ.

وأمّا في وقْتِنا فَنَرى العامَّةَ إذا ضاقَ بِهِمُ الخِناقُ تَرَكُوا دُعاءَ المَلِكِ الخَلّاقِ ودَعَوْا سُكّانَ الثَّرى ومَن لا يَسْمَعُ ولا يَرى ﴿ ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ ﴾ أيْ لِيُطِيعُوا ويَبْرُزُوا مِنَ الحِجابِ ويَنْقادُوا مُتَضَرِّعِينَ عَنْ تَجَلِّي صِفَةِ القَهْرِ ﴿ ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أيْ ما تَضَرَّعُوا لِقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ بِكَثافَةِ الحِجابِ وغَلَبَةِ غَشْيِ الهَوى وحُبِّ الدُّنْيا، وأصْلُ كُلِّ ذَلِكَ سُوءُ الِاسْتِعْدادِ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ ﴾ فَلَمْ تَسْمَعُوا خِطابَهُ ﴿ وأبْصارَكُمْ ﴾ فَلَمْ تُشاهِدُوا عَجائِبَ قُدْرَتِهِ وأسْرارَ صَنْعَتِهِ ﴿ وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾ فَلَمْ يَدْخُلْها شَيْءٌ مِن مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ ﴾ أيْ هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ سِواهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ عَلى فَتْحِ بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ؟

كَلّا بَلْ هو القادِرُ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ ﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي ﴾ أيْ مِن حَيْثُ أنا ﴿ خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ أيْ مَقْدُوراتِهِ ﴿ ولا أعْلَمُ ﴾ أيْ مِن حَيْثُ أنا أيْضًا ﴿ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ أيْ رُوحٌ مُجَرَّدٌ لا أحْتاجُ إلى طَعامٍ ولا شَرابٍ ﴿ إنْ أتَّبِعُ ﴾ أيْ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ ﴿ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

ولَهُ  مُقامُ ﴿ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ .

و ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ ولَيْسَ لِطَيْرِ العَقْلِ طَيَرانٌ في ذَلِكَ الجَوِّ ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى ﴾ عَنْ نُورِ اللَّهِ تَعالى وإحاطَتِهِ بِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنَ العَرْشِ إلى الثَّرى وظُهُورِهِ بِما شاءَ حَسَبَ الحِكْمَةِ وعَدَمِ تَقَيُّدِهِ سُبْحانَهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَظاهِرِ ﴿ والبَصِيرُ ﴾ بِذَلِكَ فَيَتَكَلَّمُ في كُلِّ مَقامٍ بِمَقالِ ﴿ ولا تَطْرُدِ ﴾ أيْ لِأجْلِ التَّرْبِيَةِ والتَّهْذِيبِ والِامْتِحانِ ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ الَّذِي أوْصَلَهم حَيْثُ أوْصَلَهم مِن مَعارِجِ الكَمالِ ﴿ بِالغَداةِ ﴾ أيْ وقْتِ تَجَلِّي الجِمالِ ﴿ والعَشِيِّ ﴾ أيْ وقْتِ تَجَلِّي العَظَمَةِ والجَلالِ ﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ أيْ يُرِيدُونَهُ سُبْحانَهُ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ ويَطْلُبُونَ تَجَلِّيهِ عَزَّ وجَلَّ لِقُلُوبِهِمْ ﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ ﴾ أيْ حِسابِ أعْمالِهِمُ القَلْبِيَّةِ ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ تَوَلّى حِفْظَ قُلُوبِهِمْ وأمْطَرَ عَلَيْها سَحائِبَ عِنايَتِهِ فاهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى سابِقِهِ أُتِيَ بِهِ لِلْمُبالِغَةِ عَلى ما مَرَّ في العِبارَةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ لا تَطْرُدِ السّالِكِينَ لِأجْلِ المَحْجُوبِينَ فَما عَلَيْكَ مِن حِسابِ السّالِكِينَ أوِ المَحْجُوبِينَ شَيْءٌ، ومَعْنى ذَلِكَ يُعْرَفُ بِأدْنى التِفاتٍ ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ عَنِ الجُلُوسِ مَعَكَ ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ لَهم بِنَقْصِ حُقُوقِهِمْ وعَدَمِ القِيامِ بِرِعايَةِ شَأْنِهِمْ.

ومِنَ المُؤَوِّلِينَ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ في أهْلِ الوَحْدَةِ أيْ لا تَزْجُرُ الواصِلِينَ الكامِلِينَ ولا تُنْذِرُهم فَإنَّ الإنْذارَ كَما لا يَنْجَعُ في الَّذِينَ قَسَتْ قُلُوبُهم لا يَنْجَعُ في الَّذِينَ طاشُوا وتَلاشَوْا في اللَّهِ تَعالى وهُمُ الَّذِينَ يَخُصُّونَهُ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ دائِمًا بِحُضُورِ القَلْبِ وعَدَمِ مُشاهَدَةِ شَيْءٍ سِواهُ حَتّى ذَواتِهِمْ ﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ ﴾ فِيما يَعْمَلُونَ ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ ﴿ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ لا يَخُوضُونَ في أُمُورِ دَعْوَتِكَ بِنَصْرٍ وإعانَةٍ لِاشْتِغالِهِمْ بِهِ سُبْحانَهُ عَمَّنْ سِواهُ ودَوامِ حُضُورِهِمْ مَعَهُ ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن دَوامِ الحُضُورِ بِدَعْوَتِكَ لَهم لِشُغْلِ دِينِيٍّ ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ لِتَشْوِيشِكَ عَلَيْهِمْ أوْقاتَهم.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ كَلامِهِ ﴿ وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ ﴾ أيِ النّاسَ وهُمُ المَحْجُوبُونَ ﴿ بِبَعْضٍ ﴾ وهْمُ العارِفُونَ ﴿ لِيَقُولُوا ﴾ أيِ المَحْجُوبُونَ مُشِيرِينَ إلى العارِفِينَ مُسْتَحْقِرِينَ لَهم حَيْثُ لَمْ يَرَوْا مِنهم سِوى حالِهِمْ في الظّاهِرِ وفَقْرَهُمْ، ولَمْ يَرَوْا قَدْرَهم ومَرْتَبَتَهم وحُسْنَ حالِهِمْ في الباطِنِ؛ وغَرَّهم ما هم فِيهِ مِنَ المالِ والجاهِ والتَّنَعُّمِ وخَفْضِ العَيْشِ ﴿ أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِالهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ ﴿ مِن بَيْنِنا ﴾ أرادُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ يَشْكُرُونَهُ حَقَّ شُكْرِهِ فَيَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِعَظِيمِ جَوْدِهِ ﴿ وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ أيْ بِواسِطَتِها ﴿ فَقُلْ ﴾ لَهم أنْتَ أيُّها الوَسِيلَةُ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ وهَذا لِأنَّهم في مَقامِ الوَسائِطِ ولَوْ بَلَغُوا إلى دَرَجَةِ أهْلِ المُشاهَدَةِ لِمَنَحَهم سُبْحانَهُ بِسَلامِهِ كَما قالَ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ وباقِي الآيَةِ ظاهِرٌ وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذا جاءَكَ ﴾ إلَخْ مُشْتَمِلٌ عَلى أسْرارٍ عالِيَةٍ وذَلِكَ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو آياتُ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وآياتُ صِفاتِ جَلالِهِ وإكْرامِهِ وآياتُ وحْدانِيَّتِهِ وما سِواهُ سُبْحانَهُ لا نِهايَةَ لَهُ فَلا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلى الوُقُوفِ عَلَيْهِ عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ إلّا أنَّ المُمْكِنَ هو أنْ يَطَّلِعَ عَلى بَعْضِ الآياتِ ويَتَوَسَّلَ بِمَعْرِفَتِها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ يُؤْمِنُ بِالبَقِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ثُمَّ أنَّهُ يَكُونُ مُدَّةَ حَياتِهِ كالسّابِحِ في تِلْكَ البِحارِ وكالسّائِحِ في تِلْكَ القِفارِ.

ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لَها فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِتَرَقِّي العَبْدِ في مَعارِجِ تِلْكَ الآياتِ.

وهَذا شَرْحٌ إجْمالِيٌّ لا نِهايَةَ لِتَفاصِيلِهِ.

ثُمَّأنَّ العَبْدَ إذا صارَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَعِنْدَ هَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِأنْ يَقُولَ لَهم: سَلامٌ عَلَيْكم فَيَكُونُ هَذا التَّسْلِيمُ بِشارَةً بِحُصُولِ السَّلامَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ بِشارَةٌ بِحُصُولِ الكَرامَةِ عُقَيْبَ تِلْكَ السَّلامَةِ.

أمّا السَّلامَةُ فَبِالنَّجاةِ مِن بَحْرِ عالَمِ الظُّلُماتِ ومَرْكَزِ الجُسْمانِيّاتِ ومَعْدِنِ الآفاتِ والمُخافاتِ ومَوْضِعِ التَّغَيُّراتِ والتَّبَدُّلاتِ، وأمّا الكَرامَةُ فَبِالوُصُولِ إلى الباقِياتِ الصّالِحاتِ والمُجَرَّداتِ القُدْسِيّاتِ والوُصُولِ إلى فُسْحَةِ عالَمِ الأنْوارِ والتَّرَقِّي إلى مَعارِجِ سُرادِقاتِ الجَلالِ، انْتَهى.

وقالَ آخَرُ: الإشارَةُ إلى نَوْعٍ مِنَ السّالِكِينَ أيْ إذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا بِمَحْوِ صِفاتِهِمْ في صِفاتِنا ﴿ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ لِتَنَزُّهِكم عَنْ عُيُوبِ صِفاتِكم وتَجَرُّدِكم عَنْ مَلابِسِها ﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أيْ ألْزَمْ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ رَحْمَةً إبْدالِ صِفاتِكم بِصِفاتِهِ لَكم لِأنَّ في اللَّهِ سُبْحانَهُ خَلَفًا عَنْ كُلِّ ما فاتَ ﴿ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ﴾ أيْ ظَهَرَ عَلَيْهِ في تَلْوِينِهِ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ بِغَيْبَةٍ أوْ غَفْلَةٍ ﴿ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ بَعْدَ ظُهُورِ تِلْكَ الصِّفَةِ بِأنْ رَجَعَ عَنْ تَلْوِينِهِ وفاءً إلى الحُضُورِ ﴿ وأصْلَحَ ﴾ أيْ ما ظَهَرَ مِنهُ بِالخُضُوعِ والتَّضَرُّعِ بَيْنَ يَدَيْهِ سُبْحانَهُ والرِّياضَةِ ﴿ فَأنَّهُ ﴾ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ غَفُورٌ ﴾ يَسْتُرُها عَنْهُ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ يَرْحَمُهُ بِهِبَةِ التَّمْكِينِ ونِعْمَةِ الِاسْتِقامَةِ ﴿ وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ الَّذِي بَيَّنّاهُ لِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ نُبَيِّنُ لَكَ صِفاتِنا ﴿ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ بِصِفاتِهِمُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ لِذَلِكَ ما يَفْعَلُونَ.

واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ قال القتبي: يعني: نأتي بها متفرقة شيئاً بعد شيء، ولا ننزلها جملة متصلة.

ويقال: نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني: نبيّن الآيات بالقرآن وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ يعني: طريق المشركين لماذا لا يؤمنون، لأنهم إذا رأوا الضعفاء يسلمون قبلهم، امتنعوا.

ويقال: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ يعني: تفرقهم.

قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ بالتاء وسَبِيلُ بالضم لأن السبيل مؤنث كقوله: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ [يوسف: 108] ومعناه: ليظهر لكم طريق المشركين.

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: وليستبين بالياء سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ بالضم لأن السبيل هو الطريق.

والطريق يذكر ويؤنث.

وقرأ نافع: وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء سَبِيلُ بالنصب يعني: لتعرف يا محمد طريق المشركين.

قوله تعالى: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام ويقال: معناه قل إني نهيت عن طرد الضعفاء عن مجلسي، كما نهيت عن عبادة الأصنام.

ثم قال: قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ يعني: لا أذهب مذهبكم.

ويقال: لا أتبع هواكم يعني: لا أرجع إلى دينكم في بغض الفقراء ومجانبتهم قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً يعني: إن فعلت ذلك فقد ضللت إذاً.

قرأ بعضهم: ضَلَلْتُ بالكسر وهو شاذ يعني: ضللت سبيل الهدى وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يعني لم أكن على الحق.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قلتُ: قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهر» : النيةُ والعَمَلُ بهما تمامُ العبادةِ، فالنِّيَّة أحد جُزْأيِ العبَادةِ، لكنها خير الجزأَيْن، ومعنى النيَّة إرادةُ وَجْه اللَّه سبحانه بالعَمَلِ، قال اللَّه تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، ومعنى إخلاصها تصفيةُ الباعِثِ عن الشوائِبِ، ثم قال الغَزَّالِيُّ: وإذا عرفْتَ فَضْل النية، وأنَّها تحلُّ حَدَقَةَ المقْصود، فاجتهد أنْ تستكثر مِنَ النِّيَّة في جميع أعمالِكَ حتى تنوي بعملٍ واحدٍ نيَّاتٍ كثيرة، ولو صَدَقَتْ رغبتُكَ، لَهُدِيتَ لطريقِ رشدك.

انتهى.

وقوله سبحانه: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، قال الحَسَنُ والجمهورُ: أيْ: مِنْ حسابِ عملهم، والمعنى: أنك لم تُكَلَّفْ شيئاً غيْرَ دعائهم «١» ، وقوله: فَتَطْرُدَهُمْ: هو جوابُ النفْيِ في قوله: مَا عَلَيْكَ، وقوله: فَتَكُونَ: جوابُ النهْيِ في قوله: وَلا تَطْرُدِ.

وفَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أي: ابتلينا، ولِيَقُولُوا: معناه: ليصيرَ بحُكْم القَدَرِ أمرُهُمْ إلى أن يقولُوا على جهة الاِستخْفَافِ والهُزْء: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، فاللامُ في لِيَقُولُوا: لامُ الصَّيْرورة.

وقوله سبحانه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، أي: يا أيّها المستخفُّون، ليس الأمر أمر استخفاف، فاللَّه أعلَمُ بمن يشكر نعمه.

وقوله سبحانه: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ...

الآية: قال جمهور المفسِّرين: هؤلاءِ هم الذينَ نَهَى اللَّهُ عَنْ طردهم، وشَفَعَ ذلك بِأنْ أَمَرَ سبحانه أنْ يسلِّم النبيُّ- عليه السلام- عليهم، ويُؤْنِسَهُمْ، قال خَبَّابُ بْنُ الأَرَتَّ: لما نزلَتْ: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ...

الآية، فكنّا نأتي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيقولُ لنا: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، ونقعُدُ معه، فإذا أراد أنْ يقوم، قَامَ، وتركَنا، فأنزل اللَّه تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ

يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ...

«١» [الكهف: ٢٨] الآية، فكان يَقْعُدُ معنا، فإذا بَلَغَ الوقْتَ الذي يقوم فيه، قمنا وتركناه، حتّى يقوم، وسَلامٌ عَلَيْكُمْ: ابتداءٌ، والتقديرُ: سَلاَمٌ ثابتٌ أو واجبٌ عليكم، والمعنَى: أمَنَةً لكُمْ مِنْ عذاب اللَّه في الدنيا والآخرة، ولفظه لفظُ الخَبَر، وهو في معنى الدُّعَاء، قال الفَخْر «٢» قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: النّفس هاهنا:

بمعنى الذَّات، والحقيقةِ، لا بمعنى الجِسْمِ، واللَّهُ تعالى مقدَّس عنه.

انتهى.

قلتُ: قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في كتاب «تفسير الأَفْعَال الواقعة في القُرآن» : قوله تعالى:

كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، قال علماؤنا: كَتَبَ: معناه أَوْجَبَ، وعندي أنه كتب حقيقة، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكتب، فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» «٣» .

انتهى.

وقرأ عاصمٌ «١» ، وابنُ عَامِرٍ أنَّهُ- بفَتْحِ الهَمْزةِ في الأولى- والثانيةِ «فأنَّهُ» : الأولى بدلٌ من الرَّحْمَةَ، و «أنّه» الثانية: خبر ابتداء مضمر، تقديره: فأمره أنّه عفور رحيمٌ، هذا مذْهَبُ سيبَوَيْه، وقرأ ابنُ كَثِيرٍ، وأبو عَمْرٍو، وحمزة، والكسائي «إنَّهُ» - بكسر الهمزة في الأولى والثانية-، وقرأ نافعٌ بفَتْح الأولى وكَسْر الثانية، والجهالةُ في هذا الموضِعِ: تعمُّ التي تُضَادُّ العِلْمَ، والتي تُشَبَّه بها وذلك أنَّ المتعمِّد لفعْلِ الشيء الذي قَدْ نُهِيَ عنه تسمى معصيته تِلْكَ جِهَالَةً، قال مجاهدٌ: مِنَ الجهالةِ ألاَّ يعلم حَلاَلاً مِنْ حرامٍ «٢» ، ومن جهالته أنْ يركِّب الأمر.

قُلْتُ: أيْ: يتعمَّده، ومن الجهالة الَّتي لا تُضَادُّ العلم قوله صلّى الله عليه وسلّم في استعاذته: «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» «٣» ومنها قولُ الشَّاعر: [الوافر]

أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أحد علينا ...

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

«٤»

قال الفخْر «١» : قال الحَسَنُ: كُلُّ مَنْ عَمِلَ معصيةً، فهو جاهلٌ، فقيل: المعنى أنه جاهلٌ بمقدارِ ما فاتَهُ منَ الثَّواب، وما استحقه من العقابِ، قلْتُ: وأيضاً فهو جاهلٌ بقَدْر مَنْ عصاه.

انتهى.

والإشارةُ بقوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ، إلى ما تقدَّم من النهْيِ عن طَرْدِ المؤمنين، وبَيَانِ فَسَادِ مَنْزَعِ العارضين لذلك، وتفضيل الآياتِ: تبيينُها وشَرْحُها وإظهارُها، قلْتُ: ومما يناسِبُ هذا المَحَلَّ ذِكْرُ شيء ممَّا ورد في فَضْلِ المُصَافَحَة، وقد أسند أبُو عُمَر في «التمهيد» ، عن عبد الرحْمَنِ بْنِ الأسود «٢» ، عن أَبِيهِ وعلقمة أنهما قَالاَ: «مَنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ المُصَافَحَةُ» ، وروى مالكٌ في «الموطإ» ، عن عطاءٍ الخراسانيّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَب «٣» الشَّحْنَاءُ» ، قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يتَّصلُ مِنْ وجوه شتى حِسَانٍ كلُّها، ثم أسند أبو عُمَر من طريقِ أبي دَاوُد وغَيْره، عن البَرَاءِ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لهما قبل أن يتفرّقا» «٤» ، ثم أسند أبو عُمَرَ عن البَرَاء بنِ عازب، قال:

«لقيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ كُنْتُ لأحْسِبُ أَنَّ المُصَافَحَةَ لِلْعَجَمِ فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالمُصَافَحَةِ مِنْهُمْ مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُمَا، ونَصِيحَةً، إلاَّ أُلْقِيَتْ ذُنُوبُهُمَا بَيْنَهُمَا» «٥» ، وأسند أبو عُمَرَ عن عمر بْنِ الخَطَّابِ، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ بِالمُصَافَحَةِ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ، وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ أحسنهما بشرا بصاحبه» «٦» .

انتهى.

وقد ذكرنا/ طَرَفاً مِنْ آدَابِ المُصَافحة فِي غَيْرِ هذا الموضعِ، فَقِفْ عليه، واعمل به، تَرْشَدْ، فإنَّ العلْم إنما يرادُ للعَمَل، وباللَّه التوفيق.

وخُصَّ سبيلُ المُجْرمينَ بالذِّكْر لأنهم الذين آثَرُوا ما تقدَّم من الأقوال، وهو أهَمُّ في هذا الموضِعِ لأنها آياتُ رَدٍّ علَيْهم.

وأيضاً: فتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يتضمَّن بيانَ سَبِيلِ المُؤْمنين، وتَأوَّلَ ابنُ زَيْد أنَّ قوله:

الْمُجْرِمِينَ مَعْنِيٌّ به الآمِرُونَ بطَرْد الضَّعَفَةِ «١» .

وقوله سبحانه: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ...

الآية: أَمَرَ اللَّهُ سبحانه نَبيَّه- عليه السلام- أنْ يجاهرهم بالتبرّي ممّا هم فيه، وتَدْعُونَ: معناه تعبدون، ويْحْتَمَلُ أنْ يريدَ: تَدْعُونَ في أموركُمْ، وذلك مِنْ معنى العبَادةِ، واعتقادهم الأصنامَ آلهة.

وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي: المعنى: قل إني على أمْر بيِّن، وَكَذَّبْتُمْ بِهِ، الضمير في «بِهِ» عائدٌ على «بَيِّن» ، أو علَى الرَّبِّ، وقيل: على القُرآن، وهو جليٌّ، وقال بعضُ المفسِّرين: الضميرُ في «به» الثانِي عائدٌ على «مَا» ، والمُرَادُ بها الآياتُ المقْتَرَحَةُ على ما قال بعض المفسِّرين، وقيل: المرادُ به العذابُ، وهو يترجَّح من وجْهَيْن:

أحدهما: مِنْ جهة المعنى وذلك أنَّ قوله: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ يتضمَّن أنَّكم واقعتم مَا تَسْتَوْجِبُون به العَذَابَ إلاَّ أنه ليس عنْدِي.

والآخَرُ: مِنْ جهة لَفْظِ الاستعجالِ الذي لَمْ يأت في القُرآن إلاَّ للعذابِ.

وأما اقتراحهم للآيَاتِ، فَلمْ يكُنْ باستعجال.

وقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، أي: القضاء والإنفاذ، ويَقُصُّ الْحَقَّ، أيْ: يخبر به والمعنى: يقُصُّ القَصَص الحَقَّ، وقرأ حمزةُ «٢» والكِسَائيُّ وغيرهما: «يَقْضِي الحَقَّ» ، أي: ينفذه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيْ: وكَما فَصَّلْنا لَكَ في هَذِهِ السُّورَةِ دَلائِلَنا وأعْلامَنا عَلى المُشْرِكِينَ، كَذَلِكَ نُبَيِّنُ لَكَ حُجَّتَنا في كُلِّ حَقٍّ يُنْكِرُهُ أهْلُ الباطِلِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى تَفْصِيلُها: إتْيانُها مُتَفَرِّقَةً شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

قَوْلُهُ تَعالى "وَلِتَسْتَبِينَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَلِتَسْتَبِينَ" بِالتّاءِ، "سَبِيلُ" بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِالتّاءِ أيْضًا، إلّا أنَّهُما نَصَبا السَّبِيلَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَلِيَسْتَبِينَ" بِالياءِ، "سَبِيلُ" بِالرَّفْعِ.

فَمَن قَرَأ "وَلِتَسْتَبِينَ" بِالياءِ أوِ التّاءِ، فَلِأنَّ السَّبِيلَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ عَلى ما بَيَّنّا في (آَلِ عِمْرانَ) ومَن نَصَبَ اللّامَ، فالمَعْنى: ولِتَسْتَبِينَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ.

وفي سَبِيلِهِمُ الَّتِي بُيِّنَتْ لَهُ، قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها طَرِيقُهم في الشِّرْكِ، ومَصِيرُهم إلى الخِزْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها مَقْصُودُهم في طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْهُ، وذَلِكَ إنَّما هو الحَسَدُ، لا إيثارُ مُجالَسَتِهِ واتِّباعِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ انْفَرَدَتْ لامُ "كَيْ" في قَوْلِهِ: "وَلِتَسْتَبِينَ" وسَبِيلُها أنْ تَكُونَ شَرْطًا لَفِعْلٍ يَتَقَدَّمُها أوْ يَأْتِيَ بَعْدَها؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِجَوابَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها شَرْطٌ لَفِعْلٍ مُضْمَرٍ، يُرادُ بِهِ: ونَفْعَلُ ذَلِكَ لَكَيْ تَسْتَبِينَ.

والثّانِي: أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى لامٍ مُضْمَرَةٍ، تَأْوِيلُهُ: نُفَصِّلُ الآَياتِ لَيَتَكَشَّفَ أمْرُهم، ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مَن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: "اَلَّذِينَ"؛ يُرادُ بِهِمُ القَوْمُ الَّذِينَ كانَ عُرِضَ طَرْدُهُمْ؛ فَنَهى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عن طَرْدِهِمْ؛ وشَفَعَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ بِأنْ يُسَلِّمَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَيْهِمْ؛ ويُؤْنِسَهم.

وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: "اَلَّذِينَ"؛ يُرادُ بِهِمُ القَوْمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَوَّبُوا رَأْيَ أبِي طالِبٍ في طَرْدِ الضَعَفَةِ؛ فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ؛ ويُعْلِمَهم أنَّ اللهَ تَعالى يَغْفِرُ لَهُمْ؛ مَعَ تَوْبَتِهِمْ مِن ذَلِكَ السُوءِ؛ وغَيْرِهِ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن ماهانَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ اسْتَفْتَوُا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في ذُنُوبٍ سَلَفَتْ مِنهُمْ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي - عَلى هَذا - تَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ؛ دُونَ أنْ تُشِيرَ إلى فِرْقَةٍ.

وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: «قالَ قَوْمٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: إنّا قَدْ أصَبْنا ذُنُوبًا؛ فاسْتَغْفِرْ لَنا؛ فَأعْرَضَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عنهُمْ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» وقَوْلُهُ: ﴿ "بِآياتِنا"؛ ﴾ يَعُمُّ آياتِ القُرْآنِ؛ وأيْضًا عَلاماتِ النُبُوَّةِ كُلَّها؛ و ﴿ "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"؛ ﴾ اِبْتِداءٌ؛ والتَقْدِيرُ: "سَلامٌ ثابِتٌ - أو واجِبٌ - عَلَيْكُمْ"؛ والمَعْنى: "أمَنَةٌ لَكم مِن عَذابِ اللهِ تَعالى في الدُنْيا؛ والآخِرَةِ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "إنَّ اللهَ تَعالى يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَعْنًى لا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الآيَةِ؛ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ؛ ولَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ؛ وهو في مَعْنى الدُعاءِ؛ وهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جازَ فِيها الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ؛ إذْ قَدْ تَخَصَّصَتْ؛ و"كَتَبَ"؛ بِمَعْنى "أوجَبَ"؛ واللهُ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَقْلًا؛ إلّا إذا أعْلَمَنا أنَّهُ قَدْ حَتَّمَ بِشَيْءٍ ما؛ فَذَلِكَ الشَيْءُ واجِبٌ؛ وفي "أيْنَ هَذا الكِتابُ؟"؛ اِخْتِلافٌ؛ قِيلَ: في اللَوْحِ المَحْفُوظِ؛ وقِيلَ: في كِتابٍ غَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في صَحِيحِ البُخارِيِّ: « "إنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - كَتَبَ كِتابًا - فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ -: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي".» وَقَرَأ عاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أنَّهُ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ فَـ "أنَّهُ"؛ اَلْأُولى بَدَلٌ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ و"أنَّهُ"؛ اَلثّانِيَةُ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَأمْرُهُ أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"؛ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: "فَأنَّهُ"؛ اِبْتِداءٌ؛ ولا يَجُوزُ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ النَحّاسُ: هي عَطْفٌ عَلى الأُولى؛ وتَكْرِيرٌ لَها؛ لِطُولِ الكَلامِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ "مَن"؛ لا يَخْلُو أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ بِمَعْنى: "اَلَّذِي"؛ فَتَحْتاجَ إلى خَبَرٍ؛ أو تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ فَتَحْتاجَ إلى جَوابٍ؛ وإذا جَعَلْنا "فَأنَّهُ"؛ تَكْرِيرًا لِلْأُولى؛ عَطْفًا عَلَيْها؛ بَقِيَ المُبْتَدَأُ بِلا خَبَرٍ؛ أوِ الشَرْطُ بِلا جَوابٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "إنَّهُ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ في الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ وهَذا عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ لِـ "اَلرَّحْمَةَ"؛ في الأُولى؛ والقَطْعِ فِيها؛ وفي الثانِيَةِ: إمّا في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ أو مَوْضِعِ جَوابِ الشَرْطِ؛ وحُكْمُ ما بَعْدَ الفاءِ إنَّما هو الِابْتِداءُ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِ الأُولى؛ وكَسْرِ الثانِيَةِ؛ وهَذا عَلى أنْ أبْدَلَ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ واسْتَأْنَفَ بَعْدَ الفاءِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ الأُولى؛ وفَتْحِ الثانِيَةِ؛ حَكاهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ ؛ وأظُنُّهُ وهْمًا؛ لِأنَّ سِيبَوَيْهِ حَكاهُ عَنِ الأعْرَجِ مِثْلَ قِراءَةِ نافِعٍ ؛ وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: قِراءَةُ الأعْرَجِ ضِدُّ قِراءَةِ نافِعٍ.

والجَهالَةُ - في هَذا المَوْضِعِ - تَعُمُّ الَّتِي تُضادُّ العِلْمَ؛ والَّتِي تُشَبَّهُ بِها؛ وذَلِكَ أنَّ المُتَعَمِّدَ لِفِعْلِ الشَيْءِ الَّذِي قَدْ نُهِيَ عنهُ تَشْمَلُ مَعْصِيَتُهُ تِلْكَ جَهالَةً؛ إذْ قَدْ فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ؛ قالَ مُجاهِدٌ: "مِنَ الجَهالَةِ ألّا يَعْلَمَ حَلالًا مِن حَرامٍ؛ ومِن جَهالَتِهِ أنْ يَرْكَبَ الأمْرَ"؛ ومِن هَذا الَّذِي لا يُضادُّ العِلْمَ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في اسْتِعاذَتِهِ: "أنْ أجْهَلَ؛ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والجَهالَةُ المُشَبَّهَةُ لَيْسَتْ بِعُذْرٍ في الشَرْعِ جُمْلَةً؛ والجَهالَةُ الحَقِيقِيَّةُ يُعْذَرُ بِها في بَعْضِ ما يَخِفُّ مِنَ الذُنُوبِ؛ ولا يُعْذَرُ بِها في كَبِيرَةٍ.

و"اَلتَّوْبَةُ": اَلرُّجُوعُ؛ وصِحَّتُها مَشْرُوطَةٌ بِاسْتِدامَةِ الإصْلاحِ بَعْدَها في الشَيْءِ الَّذِي تِيبَ مِنهُ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "وَكَذَلِكَ"؛ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ النَهْيِ عن طَرْدِ المُؤْمِنِينَ؛ وبَيانِ فَسادِ مَنزَعِ العارِضِينَ لِذَلِكَ؛ وتَفْصِيلُ الآياتِ: تَبْيِينُها؛ وشَرْحُها؛ وإظْهارُها؛ واللامُ في قَوْلِهِ: "وَلِتَسْتَبِينَ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ فَصَّلْناها".

وقَرَأ نافِعٌ: "وَلِيَسْتَبِينَ"؛ بِالياءِ؛ أيِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ "سَبِيلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ حَكاهُ مَكِّيٌّ في "اَلْمُشْكِلُ"؛ لَهُ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ"؛ بِرَفْعِ "اَلسَّبِيلُ"؛ وتَأْنِيثِها؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَـهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ"؛ بِرَفْعِ "اَلسَّبِيلُ"؛ وتَذْكِيرِها؛ وعَرَبُ الحِجازِ تُؤَنِّثُ "اَلسَّبِيلُ"؛ وتَمِيمٌ وأهْلُ نَجْدٍ يُذَكِّرُونَها؛ وخُصَّ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أثارُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ الأقْوالِ؛ وهم أهَمُّ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّها آياتُ رَدٍّ عَلَيْهِمْ؛ وأيْضًا فَتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يَتَضَمَّنُ بَيانَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ وتَأوَّلَ ابْنُ زَيْدٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "المُجْرِمِينَ"؛ ﴾ يَعْنِي بِهِ الآمِرِينَ بِطَرْدِ الضَعَفَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الواو استئنافية كما تقدّم في قوله: ﴿ وكذلك فتنَّا بعضهم ببعض ﴾ [الأنعام: 53].

والجملة تذييل للكلام الذي مضى مبتدئاً بقوله تعالى: ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم ﴾ [الأنعام: 51].

والتفصيل: التبيين والتوضيح، مشتقّ من الفصل، وهو تفرّق الشيء عن الشيء.

ولمّا كانت الأشياء المختلطة إذا فُصلت يتبيّن بعضها من بعض أطلق التفصيل على التبيين بعلاقة اللزوم، وشاع ذلك حتَّى صار حقيقة، ومن هذا القبيل أيضاً تسمية الإيضاح تبييناً وإبانة، فإنّ أصل الإبانة القطع.

والمراد بالتفصيل الإيضاح، أي الإتيان بالآيات الواضحة الدلالة على المقصود منها.

والآيات: آيات القرآن.

والمعنى نفصّل الآيات ونبيِّنها تفصيلاً مثل هذا التفصيل الذي لا فوقه تفصيل، وهو تفصيل يحصل به علم المراد منها بَيّنا.

وقوله: ﴿ ولتستبين ﴾ عطف على علَّة مقدّرة دلّ عليها قوله: ﴿ وكذلك نفصّل الآيات ﴾ لأنّ المشار إليه التفصيل البالغ غاية البيان، فيُعلم من الإشارة إليه أنّ الغرض منه اتِّضاح العلم للرسول.

فلمَّا كان ذلك التفصيل بهذه المثابة علم منه أنَّه علَّة لشيء يناسبه وهو تبيّن الرسول ذلك التفصيل، فصحّ أن تعطف عليه علّة أخرى من علم الرسول صلى الله عليه وسلم وهي استبانته سبيل المجرمين.

فالتقدير مثلاً: وكذلك التفصيل نفصّل الآيات لتعلم بتفصيلها كنهها، ولتستبين سبيل المجرمين، ففي الكلام إيجاز الحذف.

وهكذا كلّما كان استعمال (كذلك) نفعل بعد ذكر أفعال عظيمة صالحاً الفعل المذكور بعد الإشارة لأن يكون علَّة لأمر من شأنه أن يعلّل بمثله صحّ أن تعطف عليه علَّة أخرى كما هنا، وكما في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ﴾ [الأنعام: 75] بخلاف ما لا يصلح، ولذلك فإنَّه إذا أريد ذكر علَّة بعده ذكرت بدون عطف، نحو قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمَّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ [البقرة: 143].

و ﴿ سبيل المجرمين ﴾ طريقهم وسيرتهم في الظلم والحسد والكبر واحتقار الناس والتصلّب في الكفر.

والمجرمون هم المشركون.

وضع الظاهر موضع المضمر للتنصيص على أنَّهم المراد ولإجراء وصف الإجرام عليهم.

وخصّ المجرمين لأنَّهم المقصود من هذه الآيات كلِّها لإيضاح خفيّ أحوالهم للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين.

وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وأبُو جعفر، ويعقوب بتاء مثنّاة فوقية في أول الفعل على أنَّها تاء خطاب.

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وقرأه حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف بياء الغائب، ثم إنّ نافعاً، وأبا جعفر قرآ ﴿ سبيل ﴾ بفتح اللام على أنَّه مفعول ﴿ تستبين ﴾ فالسين والتاء للطلب.

وقرأه البقية برفع اللام على أنَّه فاعل «يستبينَ» أو «تستبينَ».

فالسين والتاء ليسا للطلب بل للمبالغة مثل استجاب.

وقرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو عَمرو، وحفص، على عاصم برفع ﴿ سبيل ﴾ على أنّ تاء المضارعة تاء المؤنَّثة.

لأنّ السبيل مؤنَّثة في لغة عرب الحجاز، وعلى أنَّه من استبان القاصر بمعنى بَانَ ف ﴿ سبيل ﴾ فاعل ﴿ تستبين ﴾ ، أي لتتّضح سبيلهم لك وللمؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ في البَيِّنَةِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الحَقُّ الَّذِي بانَ لَهُ.

والثّانِي: المُعْجِزُ في القُرْآنِ.

﴿ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وكَذَّبْتُمْ بِالبَيِّنَةِ.

والثّانِي: وكَذَّبْتُمْ بِرَبِّكم.

﴿ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي أُوعِدُوا بِهِ قَبْلَ وقْتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنِ اقْتِراحِ الآياتِ لِأنَّهُ طَلَبُ الشَّيْءِ في غَيْرِ وقْتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الحُكْمُ في الثَّوابِ والعِقابِ.

والثّانِي: الحُكْمُ في تَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ.

﴿ يَقُصُّ الحَقَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ ﴿ يَقُصُّ ﴾ بِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مِنَ القَصَصِ وهو الإخْبارُ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ "يَقْضِي" بِالضّادِ مُعْجَمَةً مِنَ القَضاءِ، وهو صُنْعُ الحَقِّ وإتْمامُهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ والأرْزاقِ والأقْدارِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الوُصُولُ إلى العِلْمِ بِالغَيْبِ.

﴿ وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما في البَرِّ ما عَلى الأرْضِ، وما في البَحْرِ ما عَلى الماءِ، وهو الظّاهِرُ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ البَرَّ القَفْرُ، والبَحْرَ القُرى لِوُجُودِ الماءِ فِيها، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بَحْرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ﴾ يَعْنِي قَبْلَ يُبْسِها وسُقُوطِها.

﴿ وَلا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما في بَطْنِها مِن بَذْرٍ.

والثّانِي: ما تُخْرِجُهُ مِن زَرْعٍ.

﴿ وَلا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّطْبَ النَّباتُ واليابِسَ الجَواهِرُ.

والثّانِي: أنَّ الرَّطْبَ الحَيُّ، واليابِسَ المَيِّتُ.

﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ يَعْنِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود قال: مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب، وعمار، وبلال، وخباب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك منّ الله عليهم من بيننا، أو نحن نكون تبعاً لهؤلاء؟

أطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك.

فأنزل فيهم القرآن ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ .

وأخرج أبن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال مشى عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وقرظة بن عبد، عمر، وابن نوفل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل، في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد فانهم عبيدنا وعسفاؤنا كان أعظم له في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب: لو فلعت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل الله: ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ قالوا: وكانوا بلالاً، وعمار بن ياسر، وسالماً مولى أبي حذيفة، وصبحاً مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمر، وذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأشباههم ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ﴾ الآية.

فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل الله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن خباب قال «جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، في أناس ضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به، فقالوا: انا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب ستأتيك فنستحي أن ترانا العرب قعوداً مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت.

قال: نعم.

قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى قوله: ﴿ فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعا فأتيناه وهو يقول ﴿ سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه...

﴾ [ الكهف: 28] الآية.

قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، تركناه حتى يقوم» .

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عمر بن عبد الله بن المهاجر مولى غفرة، أنه قال في أسطوان التوبة: كان أكثر نافلة النبي صلى الله عليه وسلم إليها، وكان إذا صلى الصبح انصرف إليها وقد سبق إليها الضعفاء، والمساكين، وأهل الضر، وضيفان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤلفة قلوبهم، ومن لا مبيت له إلا المسجد.

قال: وقد تحلقوا حولها حلقاً بعضها دون بعض فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح، فيتلو عليهم ما أنزل الله عليه من ليلته، ويحدثهم ويحدثونه حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول والشرف والغني فلم يجدوا إليه مخلصاً، فتاقت أنفسهم إليه وتاقت نفسه إليهم، فأنزل الله عز وجل ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه....

﴾ [ الكهف: 28] إلى منتهى الآيتين، فلما نزل ذلك فيهم قالوا: يا رسول الله لو طردتهم عنا ونكون نحن جلساءك وإخوانك لا نفارقك، فأنزل الله عز وجل ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى منتهى الآيتين.

وأخرج الفربابي وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة، أنا، وعبد الله بن مسعود، وبلال، ورجل من هذيل، واثنين، قالوا: يا رسول الله أطردهم فانا نستحي أن نكون تبعاً لهؤلاء، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: المصلين بلال، وابن أم عبد، كانا يجالسان محمداً صلى الله عليه وسلم فقالت قريش تحقره لهما: لولاهما واشباههما لجالسناه، فنهى عن طردهم حتى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: كان رجال يستبقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم بلال، وصهيب، وسلمان، فيجيء أشراف قومه وسادتهم وقد أخذ هؤلاء المجلس فيجلسون ناحية فقالوا: صهيب رومي، وسلمان فارسي، وبلال حبشي، يجلسون عنده ونحن نجيء فنجلس ناحية، حتى ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انا سادة قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك إذا جئنا؟

قال: فهم إن فعل، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كان أشراف قريش يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بلال، وسلمان، وصهيب، وغيرهم مثل ابن أم عبد، وعمار، وخباب، فإذا أحاطوا به قال أشراف قريش: بلال حبشي، وسلمان فارسي، وصهيب رومي، فلو نحاهم لأتيناه، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي، يعني الصلاة المكتوبة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر قال سفيان: هم أهل الفقر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ يعني أنه جعل بعضهم اغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغيناء للفقراء ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ يعني هؤلاء هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسخرياً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ يقول: ابتلينا بعضهم ببعض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ لو كان بهم كرامة على الله ما أصابهم هذا من الجهد.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض...

﴾ الآية.

قال: هم أناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء، فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك، فإذا صلينا معك فأخر هؤلاء الذين معك فليصلوا خلفنا.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ومسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ماهان قال: أتى قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: انا أصبنا ذنوباً عضاماً؟

فما رد عليهم شيئاً، فانصرفوا فأنزل الله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا...

﴾ الآية.

فدعاهم فقرأها عليهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير قال: أخبرت أن قوله: ﴿ سلام عليكم ﴾ قال: كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بدأهم فقال: سلام عليكم، وإذا لقيهم فكذلك أيضاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ﴾ قال: نبين الآليات.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.

قوله تعالى ﴿ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ أخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم عن هزيل بن شرحبيل قال: جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت؟

فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت عبد الله فإنه سيتابعنا، فأتى عبد الله فأخبره فقال: ﴿ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ ﴾ الآية، يقول: وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا وأعلامنا على المشركين كذلك نميّز ونبيّن لك حجتنا وأدلتنا في كل حق ينكره أهل الباطل (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ نُفَصِّلُ ﴾ : (نبيّن).

وقوله تعالى: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ ﴾ عطف على المعنى كأنه قيل ليظهر الحق [وليستبين] (٥) (٦) واختلف القراء في قوله: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ﴾ فقرأ بعضهم (٧) (٨) ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي  ﴾ والتذكير كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا  ﴾ ويقال: استبان الشيء (٩) ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ ﴾ بالتاء (سَبِيلَ) نصبًا، والتاء في هذه القراءة للخطاب أي: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ ﴾ أيها المخاطب (١٠) قال أهل المعاني: (وخص ﴿ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ بالذكر، والمعنى: ﴿ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ وسبيل المؤمنين فحذف؛ لأن ذكر أحد القبيلين يدل على الآخر، كقوله تعالى: ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ  ﴾ ولم يذكر البرد لدلالة الفحوى عليه.

وهذا قول الزجاج (١١) (١٢) ودل كلام الزجاج على وجه آخر وهو: (أن يكون سبيل المؤمنين مضمنا به الكلام؛ لأن ﴿ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ إذا بانت فقد بانت معها سبيل المؤمنين كما تقول: زيد ضاربٌ، تضمن هذا الكلام ذكر المضروب) (١٣) ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ ﴾ يا محمد ﴿ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ يريد: ما جعلوا لله في الدنيا من الشرك وما بيّنت من سبيلهم يوم القيامة ومصيرهم إلى الخزي) (١٤) (١) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 148، الرازي 13/ 6، القرطبي 6/ 436.

(٢) الفَصْل: إبانة أحد الشيئين من الآخر حتى يكون بينهما فُرجة، ويستعمل في الأقوال والأفعال، فهو أصل يدل على تمييز الشيء من الشيء وإبانته وتمييزه عنه، ويقال: تفصيل الآيات بيانها، وتفصيلها بالفواصل.

انظر: "العين" 7/ 126، و"الجمهرة" 2/ 891، و"تهذيب اللغة" 3/ 2794، و"الصحاح" 5/ 1790، و"المجمل" 3/ 722، و"مقاييس اللغة" 4/ 505، و"المفردات" ص 638، و"اللسان" 6/ 3422 (فصل).

(٣) "تنوير المقباس" 2/ 24.

(٤) أخرجه الطبري 7/ 210 بسند جيد عن قتادة وابن زيد.

وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 276.

(٥) في (ش): ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ ﴾ بالتاء.

(٦) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 6.

(٧) قرأ نافع: (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء، و (سَبِيلَ) بالنصب.

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية: (وليستبين) بالياء، و (سبيلُ) بالرفع.

وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم في رواية: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ ﴾ بالتاء، و (سبيلُ) بالرفع.

انظر: "السبعة" ص 258، و"المبسوط" ص 169، و"التذكرة" 2/ 399، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 258.

(٨) انظر: "المذكر والمؤنث للفراء" ص 87، ولابن الأنباري 1/ 423، ولابن التستري الكاتب ص 81.

(٩) هذه القراءات دائرة على تعدي استبان ولزومه وتذكير سبيل وتأنيثه، وكل ذلك لغة فصيحة، وتذكيره لغة تميم ونجد، والتأنيث لغة الحجاز، ويقال: استبان الصبح واستبنت الشيء، والخطاب للنبي  ولأمته، أي: لتستبينوا ﴿ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ .

انظر: "معاني الفراء" 1/ 337، والأخفش 2/ 276، والزجاج 2/ 254، والزاهر 2/ 179، و"الدر المصون" 4/ 655.

(١٠) ما تقدم قول أبي علي في "الحجة" 3/ 314 - 316، بتصرف واختصار، وانظر: "إعراب القراءات" 1/ 158، و"الحجة لابن خالويه" ص 141، ولابن زنجلة ص 253، و"الكشف" 1/ 433.

(١١) "معاني الزجاج" 2/ 255.

(١٢) "الحجة" لأبي علي 3/ 316.

(١٣) وذكر هذا الوجه أيضاً النحاس في "معانيه" 2/ 432 - 433، واقتصر عليه الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 358.

(١٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 50، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 50.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من النهي عن الطرد وغير ذلك، وتفصيل الآيات شرحها وبيانها ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين ﴾ بتاء الخطاب ونصب السبيل على أنه مفعول به، وقرئ بتاء التأنيث ورفع السبيل على أنه فاعل مؤنث وبالباء والرفع على تذكير السبيل، لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث ﴿ الذين تَدْعُونَ ﴾ أي تعبدون ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً ﴾ أي إن اتبعت أهواءكم ضللت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بالغدوة ﴾ مضموم الغين ساكن الدال مفتوح الواو وكذا في الكهف: ابن عامر الباقون: بفتح الغين والدال وبالألف ﴿ أنه ﴾ بالفتح ﴿ فإنه ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع.

وقرأ ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب جميعاً بالفتح.

الباقون: بالكسر فيهما ﴿ وليستبين ﴾ بياء الغيبة: زيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ سبيل ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وزيد.

الباقون: بالرفع ﴿ يقص ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وعاصم.

الباقون ﴿ يقضي الحق ﴾ .

الوقوف: ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بكس الألف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ أهواءكم ﴾ لا لتعيين "إذا" بما قبله أي قد ضللت "إذا" اتبعت ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ وكذبتم به ﴾ ط ﴿ تستعجلون به ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الفاصلين ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد المقصود.

﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول  بالإنذار وهو الإعلام بموضع المخافة فقال له ﴿ وأنذر به ﴾ قال ابن عباس والزجاج: أي بالقرآن وهو المذكور هنا في قوله ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليّ  ﴾ وقال الضحاك: أي بالله.

قيل: والأول أولى لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وفيه نظر، لأن الإنذار لا نزاع فيه أنه قول ولكن المنذر به قلما يكون قولاً لقوله ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة  ﴾ ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى  ﴾ ولو زعم أن المراد وأنذرهم النار والعذاب بواسطة القرآن قلنا: فقدر مثله ههنا، والمعنى أنذرهم العذاب بقول ينبىء عن شدة سخط الله وعقوبته.

أما ﴿ الذين يخافون أن يحشروا ﴾ فقيل: إنهم الكافرون الذين سبق ذكرهم، فلعل ناساً من المشركين من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار فأمر أن ينذر هؤلاء دون المتمردين منهم.

ثم قال هذا القائل ولا يجوز حمله على المؤمنين لأنهم يعلمون أنهم يحشرون، والعلم خلاف الخوف والظن.

وضعف بأن الخوف شامل للناس كافة لعدم الجزم بالثواب وقبول الطاعة وإن كانوا مقرين بصحة الحشر والنشر فالظاهر أن الضمير يتناول الكل لأن العاقل لا بد أن يخاف الحشر سواء كان جازماً به أو شاكاً فيه.

وأيضاً إنه مأمور بتبليغ الكل فلا وجه للتخصيص.

وقيل: إنهم قوم مسلمون مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه لعلهم يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين.

وقيل: هم أهل الكتاب لأنهم مقرون بالعبث.

ومعنى ﴿ إلى ربهم ﴾ إلى حكمه وقضائه فلا يلزم منه مكان ولا جهة.

أما قوله ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴾ فقال الزجاج: إن الجملة في موضع الحال من ضمير ﴿ يحشروا ﴾ أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم.

فإن كان الضمير للكفار فظاهر، وإن كان للمؤمنين فشفاعة الملائكة والرسل إذا كانت بإذن الله  فإنها تكون بالحقيقة من الله  فصح أنه ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، ولا بد من هذه الحال لأن الحشر مطلقاً ليس مخوفا وإنما المخوف هو الحشر على هذه الحالة لأنهم اعتقدوا أن لا ناصر ولا شفيع إلا الله وإذا لم يكن الله ناصراً وشفيعاً لزم أن لا يكون ناصراً أصلاً.

﴿ لعلهم يتقون ﴾ قال ابن عباس: لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي.

قالت المعتزلة: فيه دلالة على أنه أراد من الكفار التقوى والطاعة.

وأجيب بأن الترجي راجع إلى العباد.

ولما أمر بإنذار عموم المكلفين ليتقوا أردفهم بذكر المتقين وأمر بتقريبهم وإكرامهم.

"روي عن ابن مسعود أن الملأ من قريش مروا على رسول الله  - وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين - فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء أتريد أن نكون تبعاً لهؤلاء؟

اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك.

فقال  : ما أنا بطارد المؤمنين.

فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت.

فقال: نعم طمعاً في إيمانهم" .

وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون.

ثم إنهم قالوا للرسول  : اكتب بذلك كتاباً، فدعا الصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت ﴿ ولا تطرد ﴾ الآية.

فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته.

قال سلمان وخباب: فينا نزلت.

فكان رسول الله  يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم  ﴾ فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه.

وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات، أثنى الله عليهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي.

قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي يصلون صلاة الصبح والعصر.

وقيل: أي يذكرون ربهم طرفي النهار، والمراد بالغداة والعشي الدوام.

والغداة لغة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي ما بين الزوال إلى الغروب.

قال الجوهري: غدوة بالتنوين نكرة وبدونه معرفة غير مصروفة كسحر.

ومحل ﴿ يريدون وجهه ﴾ نصب على الحال أو على الاستئناف كأنه قيل: ما أرادوا بالمواظبة على الدعاء؟

فأجيب بقوله ﴿ يريدون وجهه ﴾ ولا يثبت به لله  عضو كما زعمت المجسمة ولكن المراد به التعظيم، فقد يعبر به عن ذات الشيء أو حقيقته كما يقال: هذا وجه الرأي وذاك وجه الدليل.

وأيضاً المحبة تستلزم طلب رؤية الوجه فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا.

ثم علل النهي بقوله ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ قيل: الضمير عائد إلى المشركين أي لا يؤاخذوا بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك ذلك إلى أن تطرد المؤمنين، والأولى أن يعود إلى الفقراء ليناسب قوله ﴿ فتطردهم ﴾ كما في قصة نوح ﴿ إن حسابهم إلا على ربي  ﴾ وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم كان الأمر على ما زعموا فيما يلزمك إلا اعتبار الظاهر إن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم لا يتعدى إليك كما أن حسابك لا يتعدى إليهم، فالجملتان لهما مؤدى واحد وهو المفهوم من قوله ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى  ﴾ كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.

وقيل: ما عليك من حساب رزقهم من شيء ولا من حساب رزقك عليهم من شيء.

وإنما الرازق لك ولهم هو الله  فدعهم يكونوا عندك، أما قوله ﴿ فتطردهم ﴾ فهو جواب النفي في ﴿ ما عليك ﴾ وفي انتصاب ﴿ فتكون ﴾ وجهان: أحدهما أنه جواب النهي، والثاني أنه عطف على ﴿ فتطردهم ﴾ على وجه التسبب، لأن كونه ظالماً معلوم من طردهم ومسبب عنه، فإن طرد من يستوجب التقريب والترحيب وضع للشيء في غير موضعه ومن هنا طعن بعض الناس في عصمة النبي  قالوا: كان يقول كلما دخل أولئك الفقراء عليه بعد هذه الواقعة مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم أو لفظ هذا معناه.

والجواب أنه ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما أفرد لهم مجلساً تألفاً لقلوبالمشركين وتكثيراً لسواد الإسلام مع علمه بأنه لا يفوت الفقراء بهذه المصالحة أمر مهم في الدنيا ولا في الدين، فغاية ذلك أنه يكون من باب تبرك الأولى والأفضل، ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الفتن العظيم ﴿ فتنا ﴾ ابتلينا بعض الناس ببعض، فأحد الفريقين وهم الكفار يرى الآخر مقدماً عليه في المناصب الدينية فيقول ﴿ أهؤلاء ﴾ المسترذلون ﴿ منّ الله عليهم من بيننا ﴾ كقوله: ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا  ﴾ والفريق الآخر يرى الأول مقدماً عليه في الخيرات العاجلة والخصب والسعة الراحة والدعة فيقول: أهذا هو الذي فضله الله علينا.

وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله فهو صواب، ولا اعتراض عليه بحكم المالكية وبحسب رعاية الأصلح.

وبالجملة فصفات الكمال غير محصورة ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة بل هي موزعة على الخلائق وكلها محبوبة لذاتها.

فكل إنسان يحسد صاحبه على ما آتاه الله  من صفة الكمال، فمن عرف سر القدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض لغيره وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة.

قال هشام بن الحكم الافتتان الاختبار والامتحان، وفيه دليل على أنه  لا يعلم الجزيئات إلا عن حدوثها.

والجواب أنه يعامل المكلف معاملة المختبر وقد مر مراراً.

وقالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال لأن تلك الفتنة التي ألقاها الله  ليست إلا اعتراضهم على الله والاعتراض عليه كفر.

فهو  خالق للكفر.

وأيضاً منة الله عليهم ليست إلا بالإيمان ومتابعة الرسول، فلو كان الموجد للإيمان هو العبد كان العبد هو المان على نفسه.

أجاب المعتزلة بأن معنى فتناهم ليقولوا خذلناهم حتى آل أمرهم إلى أن قالوا: فتكون اللام لام العاقبة، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع أنا ننقل الكلام إلى الخذلان فلا بد من الانتهاء إليه تعالى ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ بمن يصرف كل ما أنعم به عليه فيما أعطاه لأجله فيظهر أفعاله على حسب معلوم الله  .

وقال في الكشاف: أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.

﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيّه  عن طردهم وكان إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" .

وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النبي  فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، وأظهروا الندامة والأسف فما أخاله رد عليهم بشيء.

فلما ذهبوا وتولوا نزلت الآية.

قال في التفسير الكبير: الأقرب أن تحمل الآية على عمومها، فكل من آمن بآيات الله  يدخل تحت هذا التشريف والإكرام ثم أبدى إشكالاً وهو أن المفسرين اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من جميع آي هذه السورة إنها نزلت بسبب الأمر الفلاني؟

قلت: لا استبعاد في أن تنزل السورة دفعة وينزل الصحابة كل آية منها على واقعة تناسبها، كيف وهم أعرف بحقائق التنزيل وأعلم بدقائق التأويل لأنهم أهل مشاهدة الوحي وأرباب مزاولة الأمر والنهي؟!

واعلم أن ما سوى الله  فهو آيات وجود الله،وأنها لا تكاد تنحصر فيجب على المكلف أن يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار والسائح في هذه القفار ليكون دائماً مترقياً في معارجها مترقباً أن تفيض عليه الأنوار من مدارجها فيستعد لبشارة ﴿ سلام عليكم ﴾ ويستأهل لكرامة ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم.

قال الزجاج: ﴿ سلام ﴾ إما مصدر "سلمت سلاماً وتسليماً" مثل: كلمت كلاماً وتكليماً.

ومعناه الدعاء بأن يسلم من الآفات في نفسه ودينه، وإما أن يكون جمع سلامة.

وقيل: السلام هو الله أي الله عليكم أي على حفظكم ولعل هذا الوجه إنما يتأتى في المعرف لا في المنكر.

﴿ كتب ربكم ﴾ من جملة المقول لهم تبشيراً بسعة رحمة الله وقبوله التوبة.

ومعنى كتب على نفسه أوجب على ذاته إيجاب الكرم لا إيجاباً يستحق بتركه الذم.

وقالت المعتزلة: كونه عالماً بقبح القبائح وباستغنائه عنها يمنعه عن الإقدام عليها ولو فعل كان ظلماً، وإيجاب الرحمة ينافي القول بأنه منع الكافر من الإيمان ثم أمره حال ذلك المنع بالإيمان ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان، وأجيب بأنه فاعل لما يشاء ولا اعتراض عليه.

﴿ أنه من عمل ﴾ من قرأ بالفتح فعلى الإبدال من الرحمة، ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل ﴿ منكم سوءاً بجهالة ﴾ وهو في موضع الحال أي عمله وهو جاهل.

والمراد أنه فاعل فعل الجهال لأن من عمل ما يضره في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه لا من أهل الحكمة والتدبير، أو أنه جاهل بعاقبته ومن حق الحكيم أن لا يقدم على ما لا يعرف مآل حاله.

﴿ ثم تاب من بعده ﴾ بأن يندم على ما فعله ﴿ وأصلح ﴾ العمل في المستقبل ﴿ فأنه غفور ﴾ يزيل العقاب عنه ﴿ رحيم ﴾ يوصل الثواب إليه من قرأ بالكسر فعلى: أن الجملة جزاء للشرط، ومن قرأ بالفتحفعلى أن الخبر أو المبتدأ محذوف أي فغفرانه كائن أو فأمره أنه غفور.

قيل: إن الآية نزلتفي عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما طلبوا ولم يعلم أنها مفسدة.

﴿ وكذلك ﴾ أي كما فصلنا في هذه السورة دلائلنا على التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ﴿ نفصل الآيات ﴾ ونميزها لك في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل ﴿ وليستبين ﴾ معطوف على محذوف كأنه قيل: ليظهر الحق وليستبين، أو معلق بمحذوف أي وليستبين سبيل المجرمين فصلنا ذلك التفصيل البين.

من رفع "السبيل" قرأ ﴿ ليستبين ﴾ بالياء أو بالتاء لأن السبيل يذكر ويؤنث، ومن نصب السبيل قرأ ﴿ لتستبين ﴾ بتاء الخطاب مع الرسول يقال: استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته واستبانة سبيل المجرمين تستلزم استبانة طريق المحقين، فلذلك اقتصر على أحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ ولم يذكر البرد.

وإنما ذكر المجرمين دون المحقين لأن طريق الحق واحد والمجرمون أصناف يشتبه أمرهم، فمنهم من هو مطبوع على قلبه، ومنهم من يرجى فيهم قبول الإسلام، ومنهم من دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده فينبغي أن يستوضح سبيلهم ليعامل كلاً منهم بما يجب، ومن جملة ذلك أنه نهى عن عبادة معبوداتهم وذلك قوله ﴿ قل إني نهيت ﴾ أي صرفت بدلائل العقلية والسمعية ﴿ أن أعبد الذين تدعون ﴾ تعبدون ﴿ من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ﴾ لأن عبادة المصنوع والمخلوف محض التقليد وعين الهواى ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ أثبت الضلال إذ ذاك ونفى الهدى مع أنهما متلازمان للتقرير والتأكيد، وفيه تعريض بهم أنهم كذلك.

ثم نبه على ما يجب اتباعه بقوله ﴿ قل إني على بينة من ربي ﴾ على حجة واضحة من مغفرة ربي وأنه لا معبود سواه ﴿ وكذبتم ﴾ أنتم به حيث أشركتم به غيره.

يقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتاً عنده بدليل.

وقيل: أي على حجة من جهة ربي وهي القرآن ﴿ وكذبتم به ﴾ أي بالبينة وذكر الضمير على تأويل القرآن أو البيان.

﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ﴾ قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحرث ورؤساء قريش كانوا يقولون: يا محمد آتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم.

﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ مطلق يتناول الكل.

فقال الأشاعرة: لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله  فيمتنع منه فعل الكفر إلا بإرادة الله، واحتجت المعتزلة بقوله ﴿ يقضي الحق ﴾ أي كل ما قضى به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق.

ويمكن أن يقال: إن جميع أحكامه حق وصدق ولا اعتراض لأحد عليه بحكم المالكية.

وانتصاب ﴿ الحق ﴾ على أنه صفة مصدر أي يقضي القضاء الحق، أو مفعول به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره.

ومثله من قرأ ﴿ يقصر الحق ﴾ كقوله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص  ﴾ أي يقول الحق أو يتبعه من قص أثره ﴿ وهو خير الفاصلين ﴾ أي القاضي، وإنما كتب ﴿ يقض ﴾ في المصاحف بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وليوافق قراءة ﴿ يقص ﴾ ﴿ قل لو أن عندي ﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ ما تستعجلون ﴾ من العذاب ﴿ لقضي الأمر ﴾ أمر الإهلاك ﴿ بيني وبينكم ﴾ عاجلاً غضباً لربي ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ فيؤخر عقابهم إلى وقته وأنا لا أعلم ما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره.

فإن قلت: أما يناقض هذا قوله ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا  ﴾ فإن استعجال الهلاك ينافي الحرص على الإيمان، لأن من حرص على إيمان أحد حرص على طول حياته طمعاً في إيمانه.

قلت: لا، بل يؤكده لاشتراك كل من الحكمين في الاستعجال اللازم للبشرية في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولا  ﴾ ثم بين  أعلميته بقوله على سبيل الاستعارة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ أراد أن المتوصل إلى المغيبات وحده كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها ولم يمنعه من ذلك مانع، والمفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، أو جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن، قال الحكيم في بيانه: إن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول وكل ما سوى الواجب فإنه موجود بإيجاده وتكوينه بواسطة أو بوسائط، فعلمه بذاته يوجب العلم بجميع آثاره على ترتيبها المعتبر - كليات كانت أو جزيئات - وعلمه بذاته لم يحصل إلا لذاته فصح ان يقال: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.

وفيه أنه لا ضد له ولا ند إذ لو كان في الوجود واجب آخر لكانت مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عنده فيبطل هذا الحصر، ولا يمكن أن تكون هذه المفاتح عند شيء من الممكنات لأن المحاط لا يحيط بمحيطه فلا يحيط ما دون الواجب بالواجب، فلا يكون المفتاح الأوّل للعلم بجميع المعلومات إلا عنده.

ثم إن قوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ قضية معقولة مجردة، والإنسان الذي يقوي على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً والقرآن إنما نزل لينتفع به جميع الناس فذكر من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية الكلية أمثالاً لها ليعين الحس العقل فقال ﴿ ويعلم ما في البر والبحر ﴾ لأن ذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظيمة لذلك المعقول، وقدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والجبال والتلال والمعادن والنبات والحيوان، وأما البحر فإحاطة الحس بأحواله أقل مع كثرة ما فيها من العجائب والغرائب أيضاً.

ثم أفرد من هذه المحسوسات قسماً فقال ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ أي لا يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها.

ثم عدل عن التعجيب من كثرة المدركات إلى التعجيب من صغر المدرك وخفائه فقال ﴿ ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ وفي تخصيص الحبة والورقة تنبيه للمكلفين على أمر الحساب لأنه إذا كان بحيث لا يهمل أمر الأشياء التي ليس لها ثواب ولا عقاب فلأن لا يهمل أمر المكلفين أولى.

ثم عاد إلى ذكر القضية الكلية المجردة بعبارة أخرى فقال ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ قال في الكشاف: ولا حبة ولا رطب ولا يابس عطف على ورقة وداخل في حكمها كأنه قيل: وما يسقط شيء من هذه الأشياء إلا وهو يعلمه.

وقوله ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ إلا يعلمها ﴾ ومعنى ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ واحد.

والكتاب المبين علم الله أو اللوح.

قال علماء التفسير: يجوز أن يكون الله جل شأنه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق لتقف الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات وأنه لا يغيب عنه شيء، فيكون في ذلك عبرة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في العالم فيجدونه موافقاً له.

أو لأنه إذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع تغيرها وإلا لزم الكذب أو الجهل فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب سبباً تاماً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم.

ثم لما بين كمال علمه أردفه ببيان كمال قدرته بقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم ﴾ أي يتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز.

وذلك أن الأرواح الجسمانية تغور حالة النوم من الظاهر إلى الباطن فتتعطل الحواس عن بعض الاعمال، وأما عند الموت فتصير جملة البدن معطلة عن كل الأعمال فلهذا كان النوم أخا الموت فصح إطلاق لفظ الوفاة على النوم من هذا الوجه ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ أي ما كسبتم من العمل بالنهار ومنه الجوارح للأعضاء وللسباع ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ أي يردّ إليكم أرواحكم بالنهار ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ أي أعماركم المكتوبة.

وقضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت.

ثم لما ذكر أنه يميتهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة فلا جرم استدل بذلك على صحة البعث في القيامة فقال ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ في ليلكم ونهاركم وجميع أحوالكم وأوقاتكم.

واعلم أن في هذه الآية إشكالاً لأن قوله ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ كان ينبغي أن يكون بعد قوله ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ فإن البعث في النهار مقدم على الكسب فيه بل على تعلق العلم بالكسب.

ويمكن أن يجاب بأن المراد ويعلم ما جرحتم في النهار الماضي بدليل قوله ﴿ جرحتم ﴾ دون "تجرحون" ثم يبعثكم في النهار الآتي.

والغرض بيان إحاطة علمه وقدرته بالزمانين المحيطين بالليل.

ولعل صاحب الكشاف لمكان هذا الإشكال عدل عن هذا التفسير إلى أن قال: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ والخطاب للكفرة أي أنتم منسدحون الليل كالحيف.

والانسداح الانبطاح أو الاستلقاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ ما كسبتم من الآثام فيه ﴿ ثم يبعثكم ﴾ من القبور ﴿ فيه ﴾ أي في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام في النهار ومن أجله كقولك: فيم دغوتني؟

فيقول: في أمر كذا ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم ﴿ ثم إليه مرجعكم ﴾ وهو المرجع إلى موقف الحساب.

والأصوب عندي أن يقال: الخطاب عام، وكذا الكسب في النهار فينبغي أن لا يقيد بالآثام.

أما الضمير في ﴿ فيه ﴾ فيكون جارياً مجرى اسم الإشارة إلى الكسب.

والبعث هو البعث من القبور إلى آخر ما قال والله علم.

التأويل: ﴿ وأنذر به ﴾ أي بهذه الحقائق والمعاني ﴿ الذين يخافون ﴾ أي يرجون ﴿ أن يحشروا إلى ربهم ﴾ بجذبات العناية ويتحقق لهم أن ﴿ ليس لهم ﴾ في الوصول إلى الله ﴿ من دونه ولي ﴾ من الأولياء ﴿ ولا شفيع ﴾ يعني من الأنبياء، لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق.

﴿ ولا تطرد الذين يدعون ﴾ أخبر عن الفقراء أنهم جلساؤه بالغداة والعشي كما قال "أنا جليس من ذكرني" فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك لا يريدون الدنيا ولا الآخرة ولكن يريدون وجهه.

وكل له سؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سؤلي وديني رضاكم قال المحققون: الإرادة اهتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصلإلى الله.

فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون الوصول إلى الله  سكوناً ولا قراراً ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ يعني الذي لنا معك في الحساب من المواصلة والتوحيد في الخلوة فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك ثقلاً ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ أي الذي لنا معهم في الحساب من التفرد للوصول والوصال ليس لك إلى ذلك حاجة ليثقل عليهم ﴿ فتطردهم ﴾ فتكسر قلوبهم بالطرد ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ بوضع الكسر مقام الجبر فإنك بعثت لجبر قلوبهم لا لكسر قلوبهم كقوله ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين  ﴾ ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ ليشكر الفاضل وليصبر المفضول فيستويان في الفضل فلهذا قيل: لسليمان ولأيوب كليهما: نعم العبد.

مع قدرة سليمان على أسباب الطاعة وعجز أيوب عنها.

ومن فتنة الفاضل في المفضول رؤية فضله على المفضول أو تحقيره، ومنع حقه عنه في فضله، ومن فتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخطه عليه في منع حقه من فضله عنه، فإن المعطي والمانع هو الله.

ومنه أن لا يرىالفاضل مستحقاً للفضل ليقولوا ﴿ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إنه  من كمال فضله على الفقراء حملهم محمل الأكابر والملوك في الدنيا فقال لنبيه  : "كن مبتدئاً بالسلام عليهم وفي الآخرة فألهم الملائكة أن يسلموا عليهم في الجنة" { ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ بل سلم بذاته عليهم ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ وكل ذلك نتيجة سلامتهم من ظلمة الخلقة بإصابة رشاش النور في الأزل فلهذا قال ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ أي الرحمة الخاصة كما خص الخضر في قوله ﴿ وآتيناه رحمة من عندنا  ﴾ والرحمة العامة كما في الحديث الرباني للجنة "إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" ﴿ أنه من عمل منكم ﴾ أي من المؤمنين ﴿ سوءاً بجهالة ﴾ أي بجهالة الجهولية التي جبل الإنسان عليها لا بجهالة الضلالة التي هي نتيجة إخطاء النور فإن هذه لا توبة لها ﴿ ثم تاب من بعده ﴾ أي رجع إلى الله بقدم السير من بعد إفساد الاستعداد الفطري وأصلح الاستعداد بالأعمال الصالحة لقبول الفيض.

﴿ قل إني نهيت ﴾ في الأزل بإصابة النور المرشش.

﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ من عبادة الهوى ﴿ لقضي الأمر ﴾ يعني أمر القتال والخصومات ولاسترحت من أذيتكم لأن الشيء إنما ينفعل عن ضده لا عن شبيهه ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ يعني العلوم العقلية التي هي سبب فتح باب صور عالم الشهادة كالنقاش ينشيء الصور في ذهنه ثم يصوّرها في الخارج.

وإنما وحد الغيب وجمع المفاتح لأن عالم الغيب عالم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة يعلم التكوين ﴿ ويعلم ما في البر ﴾ وهو عالم الشهادة ﴿ والبحر ﴾ وهو عالم الغيب ﴿ و ﴾ بهذا العلم ﴿ ما تسقط من ورقة ﴾ عن شجرة الوجود ﴿ إلا يعلمها ﴾ لأنه مكونها ومسقطها ﴿ ولا حبة ﴾ هي حبة الروح ﴿ في ظلمات ﴾ صفات أرض النفس، أو حبة المحبة في ظلمات أرض القلب ﴿ ولا رطب ولا يابس ﴾ الرطب المؤمن، واليابس ما سيصير موجوداً وما قد صار.

أو الرطب الروحانيات.

واليابس الجمادات.

أو الرطب المؤمن، واليابس الكافر.

أو الرطب العالم، واليابس الجاهل.

أو الرطب العارف، واليابس الزاهد.

أو الرطب أهل المحبة، واليابس أهل السلوة.

أو الرطب صاحب الشهود، اليابس صاحب الوجود.

أو الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنصيبه ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ ليل القضاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ نهار القدر أو الليل، ليل صفات البشرية والنهار نهار الشهود في عالم الوحدة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ هذا يدل على أن النهي عن الطرد ليس للإبعاد خاصة في المجلس، ولكن في كل شيء في بشاشة الوجه واللطف في الكلام وفي كل شيء؛ لأنه قال ﴿ فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ قال بعضهم ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ هو أن يبدأهم بالسلام فذلك الذي كتب على نفسه الرحمة.

وقال بعضهم قوله ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ أي: لم يأخذهم في أول ما وقعوا في المعصية ولكن أمهلهم إلى وقت وجعل لهم المخرج من ذلك بالتوبة وعلى ذلك ما روي عن ابن عباس -  - أنه قال: "فتح الله للعبد التوبة إلى أن يأتيه الموت".

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي: كل من عمل سوءاً بجهالة ثم تاب من بعد ذلك وأصلح أنه يغفر له ما كان منه.

ومن قرأها بالنصب عطفه على قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لذلك.

وجائز أن يكون قوله ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ أي: كتب على خلقه الرحمة أن يرحم بعضهم بعضاً.

وجائز ما ذكرنا أنه كتب على نفسه الرحمة أي: أوجب أن يرحم ويغفر لمن تاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ﴾ جائز أن يكون الآية في الكافر إذا تاب يغفر الله له ما كان منه في حال الكفر والشرك كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ...

 ﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وجائز أن تكون في المؤمنين.

ثم ذكر عملا بجهالة وإن لم يكن يعمل بالجهل لأن الفعل فعل الجهل وإن كان فعله لم يكن على الجهل؛ وكذلك ما ذكر من النسيان والخطأ في الفعل؛ لأن فعله فعل ناس وفعل مخطىء وإن لم يفعله الكافر على النسيان والخطأ، وإلا لو كان على حقيقة الخطأ والنسيان لكان لا يؤاخذ به؛ لقوله ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ  ﴾ لكن الوجه ما ذكرنا أن الفعل فعل نسيان وخطأ وإن لم يكن ناسياً ولا مخطئاً فيه، وعلى ذلك [الفعل] فعل جهل وإن لم يكن جاهلا والفعل فعل جهل وإن لم يكن بالجهل، والمؤمن جميع ما يتعاطى من المساوي يكون لجهالة؛ لأنه إنما يعمل السوء إما لغلبة شهوة أو للاعتماد على كرم ربه بالعفو عنه والصفح عن ذلك ويعمل السوء على نية التوبة والعزم عليها في آخره.

على هذه الوجوه الثلاثة يقع المؤمن في المعصية وأما على التعمد فلا يعمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ قرئ بالياء والتاء جميعاً.

فمن قرأ بالتاء نصب السبيل بجعل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه سلم، أي: لتعرف سبيل المجرمين.

ومن قرأ بالياء رفع "السبيل" كأنه قال نفصل الآيات وجوهاً.

أي: نبين الآيات ما يعرف السامعون أنها آيات من عند الله غير مخترعة من عند الخالق ولا مفتراة ما يبين سبيل المجرمين من سبيل المهتدين.

والثاني: نفصل الآيات ما بالخلق حاجة إليها وإلى معرفتها.

والثالث: نبين من الآيات ما بين المختلفين، أي: بين سبيل المجرمين وبين سبيل المهتدين.

﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ تأويله ما ذكرنا أن من قرأ بالتاء حمله على خطاب رسول الله  أي: نبين من الآيات لتعرف سبيل المجرمين بالنصب.

ومن قرأ بالياء نبين من الآيات ليتبين سبيل المجرمين من سبيل غير المجرمين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ معناه - والله أعلم -: إني نهيت بما أكرمت من العقل واللب أن أعبد الذين تعبدون من دون الله.

أو يقول: إني نهيت بما أكرمت من الوحي والرسالة أن أعبد الذين تدعون من دون الله.

﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ ثم أخبر أن ما يعبدون هم من دون الله إنما يعبدونه اتباعاً لهوى أنفسهم وأن ما يعبده هو ليس يتبع هوى نفسه، ولكن إنما يتبع الحجة والسمع وما يستحسنه العقل؛ ألا ترى أنه قال ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي ﴾ أي: على حجة من ربي؟!

يخبر أن ما يعبده هو يعبده اتباعاً للحجة والعقل، وما يعبدون اتباعاً لهوى أنفسهم، وما يتبع بالهوى يجوز أن يترك أتباعه ويتبع غيره لما تهوى نفسه هذا ولا تهوى الأول وأما ما يتبع بالحجة والسمع وما يستحسنه العقل فإنه لا يجوز أن يترك اتباعه ويتبع غيره وفيه تعريض بسفههم؛ لأنه قال ﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ أي: لو اتبعت هواكم لضللت أنا، وأنتم إذا اتبعتم أهواءكم لعبادتكم غير الله ضلال ولستم من المهتدين؛ فهو تعريض بالتسفيه لهم والشتم منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ قيل: على بيان من ربي وحجة، وقيل على دين من ربي.

وقوله عز وجل ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ قيل بالقرآن، وقيل: العذاب ما أوعدتكم ويحتمل كذبتم ما وعدتكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ أي: العذاب كقوله -  -: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ  ﴾ وغيره فقال ما عندي ما تستعجلون به من العذاب.

ثم هذا يدل على أن قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ أن المراد بالخزائن العذاب أي: ليس عندي ذلك، إنما ذلك إلى الله وعنده ذلك وهو قوله: ﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ ، أي: ما الحكم والقضاء إلا لله.

﴿ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ﴾ اختلف في تلاوته وتأويله: قرأ بعضهم بالضاد وآخرون بالصاد.

فمن قرأ بالصاد ﴿ يَقُصُّ ﴾ يقول يبين الحق؛ لأن القصص هو البيان.

وقال آخر ﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ﴾ أي: خير المبينين.

ومن قرأ بالضاد يقول يقضي بحكم.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم أي: يقضي بالحق وكذلك روي في حرف ابن مسعود  أنه قرأ (يقضي بالحق) وقيل فيه إضمار، أي: يقضي ويحكم وحكمه الحق.

﴿ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ﴾ أي: القاضين والفصل والقضاء واحد؛ لأنه بالقضاء يفصل والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ عن ابن عباس -  -: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ لأهلكتكم.

وقيل: ﴿ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ ، أي: لعجلته لكم بالقضاء [فيما بيننا، يخبر] عن رحمة الله وحلمه، أي: لو كان بيدي لأرسلته عليكم، لكن الله بفضله ورحمته يؤخر ذلك عنكم.

ثم فيه نقض على المعتزلة في قولهم بأن الله لا يفعل بالعبد إلا الأصلح في الدين؛ لأنه قال: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ ، ثم لا يحتمل أن تأخير العذاب والهلاك خير لهم وأصلح، ثم هو يهلكهم ويكون عظة لغيرهم وزجراً لهم، ثم إن الله -  - أخر ذلك العذاب عنهم وإن كان فيه شر لهم؛ فدل أن الله قد يفعل بالعبد ما ليس ذلك بأصلح له في الدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أي: عليم بمن الظالم منا؟

وهم كانوا ظلمة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكما بينَّا لك ما ذكر نبين أدلتنا وحججتنا على أهل الباطل، ولإيضاح طريق المجرمين ومنهجهم؛ لاجتنابه والحذر منه.

<div class="verse-tafsir" id="91.WmR7w"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد