الآية ٧١ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٧١ من سورة الأنعام

قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَـٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٧١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 110 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧١ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧١ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال السدي : قال المشركون للمؤمنين : اتبعوا سبيلنا ، واتركوا دين محمد فأنزل الله ، عز وجل : ( قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ) أي : في الكفر ( بعد إذ هدانا الله ) فيكون مثلنا مثل الذي ( استهوته الشياطين في الأرض [ حيران ] ) يقول : مثلكم ، إن كفرتم بعد الإيمان ، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق ، فضل الطريق ، فحيرته الشياطين ، واستهوته في الأرض ، وأصحابه على الطريق ، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون : " ائتنا فإنا على الطريق " ، فأبى أن يأتيهم .

فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق ، والطريق هو الإسلام .

رواه ابن جرير .

وقال قتادة : ( استهوته الشياطين في الأرض ) أضلته في الأرض ، يعني : استهوته مثل قوله : ( تهوي إليهم ) [ إبراهيم : 37 ] .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ) الآية .

هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها ، والدعاة الذين يدعون إلى الله ، عز وجل ، كمثل رجل ضل عن طريق تائها ضالا إذ ناداه مناد : " يا فلان بن فلان ، هلم إلى الطريق " ، وله أصحاب يدعونه : " يا فلان ، هلم إلى الطريق " ، فإن اتبع الداعي الأول ، انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى ، اهتدى إلى الطريق .

وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان ، يقول : مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله ، فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت ، فيستقبل الهلكة والندامة .

وقوله : ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض ) هم " الغيلان " ، يدعونه باسمه واسم أبيه وجده ، فيتبعها وهو يرى أنه في شيء ، فيصبح وقد ألقته في هلكة ، وربما أكلته - أو تلقيه في مضلة من الأرض ، يهلك فيها عطشا ، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله ، عز وجل .

رواه ابن جرير .

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ) قال : رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق ، وذلك مثل من يضل بعد أن هدي .

وقال العوفي عن ابن عباس قوله : ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ) هو الذي لا يستجيب لهدى الله ، وهو رجل أطاع الشيطان ، وعمل في الأرض بالمعصية ، وجار عن الحق وضل عنه ، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى ، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس ، يقول [ الله ] ( إن هدى الله هو الهدى ) والضلال ما يدعو إليه الجن .

رواه ابن جرير ، ثم قال : وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ، ويزعمون أنه هدى .

قالت : وهذا خلاف ظاهر الآية ; فإن الله أخبر أن أصحابه يدعونه إلى الهدى ، فغير جائز أن يكون ضلالا وقد أخبر الله أنه هدى .

وهو كما قال ابن جرير ، وكان سياق الآية يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ، وهو منصوب على الحال ، أي : في حال حيرته وضلاله وجهله وجه المحجة ، وله أصحاب على المحجة سائرون ، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى .

وتقدير الكلام : فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم ، ولو شاء الله لهداه ، ولرد به إلى الطريق ; ولهذا قال : ( قل إن هدى الله هو الهدى ) كما قال : ( ومن يهد الله فما له من مضل ) [ الزمر : 37 ] ، وقال : ( إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ) [ النحل : 37 ] ، وقوله ( وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) أي : نخلص له العبادة وحده لا شريك له .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قال أبو جعفر: وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم على حجته على مشركي قومه من عبدة الأوثان.

يقول له تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثانَ والأنداد، والآمرين لك باتباع دينهم وعبادة الأصنام معهم: أندعو من دون الله حجرًا أو خشبًا لا يقدر على نفعنا أو ضرنا, فنخصه بالعبادة دون الله, وندع عبادة الذي بيده الضر والنفع والحياة والموت, إن كنتم تعقلون فتميزون بين الخير والشر؟

فلا شك أنكم تعلمون أن خدمة ما يرتجى نفعه ويرهب ضره، أحق وأولى من خدمة من لا يرجى نفعه ولا يخشى ضره!

* * * =" ونرد على أعقابنا "، يقول: ونرد إلى أدبارنا، فنرجع القهقري خلفنا، لم نظفر بحاجتنا.

* * * وقد بينا معنى: " الرد على العقب ", وأن العرب تقول لكل طالب حاجة لم يظفر بها: " رد على عقبيه "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(24) * * * وإنما يراد به في هذا الموضع: ونرد من الإسلام إلى الكفر =" بعد إذ هدانا الله، فوفقنا له, فيكون مثلنا في ذلك مثل الرجل الذي استتبعه الشيطان، يهوي في الأرض حيران.

* * * وقوله: " استهوته "،" استفعلته ", من قول القائل: " هوى فلان إلى كذا يهوي إليه ", ومن قول الله تعالى ذكره: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ، [سورة إبراهيم: 37] ، بمعنى: تنـزع إليهم وتريدهم.

* * * وأما " حيران "، فإنه " فعلان " من قول القائل: " قد حار فلان في الطريق، فهو يَحَار فيه حَيرة وحَيَرَانًا وَحيرُورة ", (25) وذلك إذ ضل فلم يهتد للمحجَّة.

=" له أصحاب يدعونه إلى الهدى ", يقول: لهذا الحيران الذي قد استهوته الشياطين في الأرض، أصحابٌ على المحجة واستقامة السبيل, يدعونه إلى المحجة لطريق الهدى الذي هم عليه, يقولون له : ائتنا.

* * * وترك إجراء " حيران ", لأنه " فعلان ", وكل اسم كان على " فعلان " مما أنثاه " فعلى " فإنه لا يجري في كلام العرب في معرفة ولا نكرة.

* * * قال أبو جعفر: وهذا مثل ضربه الله تعالى ذكره لمن كفَر بالله بعد إيمانه، فاتبع الشياطين، من أهل الشرك بالله = وأصحابه الذين كانوا أصحابه في حال إسلامه، المقيمون على الدين الحق، يدعونه إلى الهدى الذي هم عليه مقيمون، والصواب الذي هم به متمسكون, وهو له مفارق وعنه زائل, يقولون له: " ائتنا فكن معنا على استقامة وهدى "!

وهو يأبى ذلك, ويتبع دواعي الشيطان، ويعبد الآلهة والأوثان.

* * * وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل, وخالف في ذلك جماعة.

* ذكر من قال ذلك مثل ما قلنا: 13422 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا "، قال: قال المشركون للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا, واتركوا دين محمد = صلى الله عليه وسلم.

فقال الله تعالى ذكره: " قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا "، هذه الآلهة =" ونردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ", فيكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن كفرتم بعد الإيمان، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق, فضلّ الطريق, فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض, وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم, يقولون: " ائتنا، فإنا على الطريق ", فأبى أن يأتيهم.

فذلك مثل من يتبعكم بعد المعرفة بمحمد, ومحمد الذي يدعو إلى الطريق, والطريق هو الإسلام.

13423 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا "، قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، وللدعاة الذين يدعونَ إلى الله, كمثل رجل ضل عن الطريق تائهًا ضالا (26) إذ ناداه مناد: " يا فلان بن فلان، هلمّ إلى الطريق "، وله أصحاب يدعونه: " يا فلان، هلم إلى الطريق " !

فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة, وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق.

وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان.

يقول: مثل من يعبد هؤلاء الآلهة من دون الله, فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت، فيستقبل الهلكة والندامة.

وقوله: " كالذي استهوته الشياطين في الأرض "، وهم " الغيلان " يدعونه باسمه واسم أبيه واسم جده, فيتبعها، فيرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في الهلكة، وربما أكلته = أو تلقيه في مضلّة من الأرض يهلك فيها عطشًا.

فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تُعبد من دون الله عز وجل.

13424 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة: " استهوته الشياطين في الأرض "، قال: أضلته في الأرض حيران.

13425 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " ما لا ينفعنا ولا يضرنا "، قال: الأوثان .

13426 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل = عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " استهوته الشياطين في الأرض حيران "، قال: رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق, فذلك مثل من يضلّ بعد إذ هدي.

(27) 13427- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، حدثنا رجل, عن مجاهد قال،" حيران "، هذا مثل ضربه الله للكافر, يقول: الكافر حيران، يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب.

13428 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا "، حتى بلغ لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، علمها الله محمدًا وأصحابه، يخاصمون بها أهلَ الضلالة.

* * * وقال آخرون في تأويل ذلك، بما:- 13429 - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى "، فهو الرجل الذي لا يستجيب لهدى الله, وهو رجل أطاعَ الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحار عن الحقّ وضل عنه, وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه هدًى.

يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس: إن الهدى هدى الله, والضلالة ما تدعو إليه الجنّ.

* * * فكأنّ ابن عباس = على هذه الرواية = يرى أن أصحاب هذا الحيران الذين يدعونه إنما يدعونه إلى الضلال، ويزعمون أنّ ذلك هدى, وأنّ الله أكذبهم بقوله: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ، لا ما يدعوه إليه أصحابه.

وهذا تأويل له وجه، لو لم يكن الله سمى الذي دعا الحيرانَ إليه أصحابه " هدى ", وكان الخبر بذلك عن أصحابه الدعاة له إلى ما دعوه إليه: أنهم هم الذين سموه, ولكن الله سماه " هدى ", وأخبر عن أصحاب الحيران أنهم يدعونه إليه.

وغير جائز أن يسمي الله " الضلال " هدى، لأن ذلك كذب, وغير جائز وصف الله بالكذب، لأن ذلك وصفه بما ليس من صفته.

وإنما كان يجوز توجيه ذلك إلى الصواب، لو كان ذلك خبرًا من الله عن الداعي الحيران أنهم قالوا له: " تعال إلى الهدى "، فأما وهو قائل: " يدعونه إلى الهدى ", فغير جائز أن يكون ذلك، وهم كانوا يدعونه إلى الضلال.

* * * وأما قوله: " ائتنا "، فإن معناه: يقولون: ائتنا، هلم إلينا = فحذف " القول "، لدلالة الكلام عليه.

* * * وذكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: (يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى بَيِّنًا) .

13430 - حدثنا بذلك ابن وكيع قال، حدثنا غندر, عن شعبة, عن أبي إسحاق قال: في قراءة عبد الله: (يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى بَيِّنًا).

13431 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدًا يقول: في قراءة ابن مسعود: (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى بَيِّنًا) ، قال: " الهدى " الطريق, أنه بين.

* * * وإذا قرئ ذلك كذلك, كان " البين " من صفة " الهدى ", ويكون نصب " البين " على القطع من " الهدى ", (28) كأنه قيل: يدعونه إلى الهدى البين, ثم نصب " البين " لما حذفت " الألف واللام " , وصار نكرة من صفة المعرفة.

* * * وهذه القراءة التي ذكرناها عن ابن مسعود تؤيد قول من قال: " الهدى " في هذا الموضع، هو الهدى على الحقيقة.

* * * القول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان، القائلين لأصحابك: " اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم، فإنا على هدى " =: ليس الأمر كما زعمتم =" إن هدى الله هو الهدى "، يقول: إن طريق الله الذي بينه لنا وأوضحه، وسبيلنا الذي أمرنا بلزومه، ودينه الذي شرعه لنا فبينه, هو الهدى والاستقامة التي لا شك فيها, لا عبادة الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع, فلا نترك الحق ونتبع الباطل =" وأمرنا لنسلم لرب العالمين "، يقول: وأمرَنا ربنا وربّ كل شيء تعالى وجهه, (29) لنسلم له، لنخضع له بالذلة والطاعة والعبودية, فنخلص ذلك له دون ما سواه من الأنداد والآلهة.

* * * وقد بينا معنى " الإسلام " بشواهده فيما مضى من كتابنا، بما أغنى عن إعادته.

(30) * * * وقيل: " وأمرنا لنسلم "، بمعنى: وأمرنا كي نسلم, وأن نسلم لرب العالمين = لأن العرب تضع " كي" و " اللام " التي بمعنى " كي"، مكان " أن " و " أن " مكانها .

-------------------------- الهوامش : (24) انظر تفسير"الرد على الأعقاب" فيما سلف 3: 163 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 196.

(25) "حيرورة" ، مصدر مثل"صيرورة" ، ولم تذكره كتب اللغة ، فهذا مما يستفاد من أبي جعفر ، ويزاد على كتب اللغة.

(26) قوله"تائهًا ضالا" ، ساقطة من المطبوعة ، ثابتة في المخطوطة.

(27) في المطبوعة: "كذلك مثل" ، وفي المخطوطة: "لذلك مثل .

.

." ، والصواب ما أثبت.

(28) انظر تفسير"القطع" فيما سلف من فهارس المصطلحات ، وهذا بيان صريح أن"القطع" هو النكرة إذا صار صفة لمعرفة.

(29) انظر تفسير"العالمين" فيما سلف من فهارس اللغة (علم).

(30) انظر تفسير"الإسلام" فيما سلف من فهارس اللغة (سلم).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمينقوله تعالى : قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا أي ما لا ينفعنا إن دعوناه .ولا يضرنا إن تركناه ; يريد الأصنام .ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله أي نرجع إلى الضلالة بعد الهدى .

وواحد الأعقاب عقب وهو مؤنث ، وتصغيره عقيبة .

يقال : رجع فلان على عقبيه ، إذا أدبر .

قال أبو عبيدة : يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها : قد رد على عقبيه .

وقال المبرد : معناه تعقب بالشر بعد الخير .

وأصله من العاقبة والعقبى وهما ما كان تاليا للشيء واجبا أن يتبعه ; ومنه والعاقبة للمتقين ومنه عقب الرجل .

ومنه العقوبة ، لأنها تالية للذنب ، وعنه تكون .قوله تعالى : " كالذي " الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف .استهوته الشياطين في الأرض حيران أي استغوته وزينت له هواه ودعته إليه .

يقال : هوى يهوي إلى الشيء أسرع إليه .

وقال الزجاج : هو من هوى يهوى ، من هوى النفس ; أي زين له الشيطان هواه .

وقراءة الجماعة استهوته أي هوت به ، على تأنيث الجماعة .

وقرأ حمزة " استهواه الشياطين " على تذكير الجمع .

وروي عن ابن مسعود " استهواه الشيطان " وروي عن الحسن ، وهو كذلك في حرف أبي .

ومعنى ائتنا تابعنا .

وفي قراءة عبد الله أيضا " يدعونه إلى الهدى بينا " .

وعن الحسن أيضا " استهوته الشياطون " .

حيران نصب على الحال ، ولم ينصرف لأن أنثاه حيرى كسكران وسكرى وغضبان وغضبى .

والحيران هو الذي لا يهتدي لجهة أمره .

وقد حار يحار حيرا وحيرة وحيرورة ، أي تردد .

وبه سمي الماء المستنقع الذي لا منفذ له حائرا ، والجمع حوران .

والحائر الموضع الذي يتحير فيه الماء .

قال الشاعر : تخطو على برديتين غذاهما غدق بساحة حائر يعبوب قال ابن عباس : أي مثل عابد الصنم مثل من دعاه الغول فيتبعه فيصبح وقد ألقته في مضلة ومهلكة ; فهو حائر في تلك المهامه .

وقال في رواية أبي صالح : نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، كان يدعو أباه إلى الكفر وأبواه يدعوانه إلى الإسلام .

والمسلمون له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى فيأبى .

قال أبو عمر : أمه أم رومان بنت الحارث بن غنم الكنانية ; فهو شقيق عائشة .

وشهد عبد الرحمن بن أبي بكر بدرا [ ص: 19 ] وأحدا مع قومه وهو كافر ، ودعا إلى البراز فقام إليه أبوه ليبارزه فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له متعني بنفسك .

ثم أسلم وحسن إسلامه ، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية .

هذا قول أهل السير .

قالوا : كان اسمه عبد الكعبة فغير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه عبد الرحمن ، وكان أسن ولد أبي بكر .

ويقال : إنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ولاء - أب وبنوه - إلا أبا قحافة وابنه أبا بكر وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابنه أبا عتيق محمد بن عبد الرحمن .

والله أعلم .قوله تعالى وأمرنا لنسلم لرب العالمين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قُلْ } يا أيها الرسول للمشركين بالله، الداعين معه غيره، الذين يدعونكم إلى دينهم، مبينا وشارحا لوصف آلهتهم، التي يكتفي العاقل بذكر وصفها، عن النهي عنها، فإن كل عاقل إذا تصور مذهب المشركين جزم ببطلانه، قبل أن تقام البراهين على ذلك، فقال: { أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا } وهذا وصف، يدخل فيه كل مَن عُبِد مِنْ دون الله، فإنه لا ينفع ولا يضر، وليس له من الأمر شيء، إن الأمر إلا لله.

{ وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ } أي: وننقلب بعد هداية الله لنا إلى الضلال، ومن الرشد إلى الغي، ومن الصراط الموصل إلى جنات النعيم، إلى الطرق التي تفضي بسالكها إلى العذاب الأليم.

فهذه حال لا يرتضيها ذو رشد، وصاحبها { كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ } أي: أضلته وتيهته عن طريقه ومنهجه له الموصل إلى مقصده.

فبقي { حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى } والشياطين يدعونه إلى الردى، فبقي بين الداعيين حائرا وهذه حال الناس كلهم، إلا من عصمه الله تعالى، فإنهم يجدون فيهم جواذب ودواعي متعارضة، دواعي الرسالة والعقل الصحيح، والفطرة المستقيمة { يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى } والصعود إلى أعلى عليين.

ودواعي الشيطان، ومن سلك مسلكه، والنفس الأمارة بالسوء، يدعونه إلى الضلال، والنزول إلى أسفل سافلين، فمن الناس من يكون مع داعي الهدى، في أموره كلها أو أغلبها، ومنهم من بالعكس من ذلك.

ومنهم من يتساوى لديه الداعيان، ويتعارض عنده الجاذبان، وفي هذا الموضع، تعرف أهل السعادة من أهل الشقاوة.

وقوله: { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } أي: ليس الهدى إلا الطريق التي شرعها الله على لسان رسوله، وما عداه، فهو ضلال وردى وهلاك.

{ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } بأن ننقاد لتوحيده، ونستسلم لأوامره ونواهيه، وندخل تحت عبوديته، فإن هذا أفضل نعمة أنعم الله بها على العباد، وأكمل تربية أوصلها إليهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ) إن عبدناه ، ( ولا يضرنا ) إن تركناه ، يعني : الأصنام ليس إليها نفع ولا ضر ، ( ونرد على أعقابنا ) إلى الشرك [ مرتدين ] ( بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض ) ، أي : يكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين ، أي : أضلته ، ( حيران ) قال ابن عباس : كالذي استهوته الغيلان في المهامة فأضلوه فهو حائر بائر ، والحيران : المتردد في الأمر ، لا يهتدي إلى مخرج منه ، ( له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا ) هذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعو إلى الآلهة ولمن يدعو إلى الله تعالى ، كمثل رجل في رفقة ضل به الغول عن الطريق يدعوه أصحابه من أهل الرفقة هلم إلى الطريق ، ويدعوه الغول [ هلم ] فيبقى حيران لا يدري أين يذهب ، فإن أجاب الغول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة ، وإن أجاب من يدعوه إلى الطريق اهتدى .

( قل إن هدى الله هو الهدى ) يزجر عن عبادة الأصنام ، كأنه يقول : لا تفعل ذلك فإن الهدى هدى الله ، لا هدى غيره ، ( وأمرنا لنسلم ) أي : أن نسلم ، ( لرب العالمين ) والعرب تقول : أمرتك لتفعل وأن تفعل وبأن تفعل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل أندعوا» أنعبد «من دون الله ما لا ينفعنا» بعبادته «ولا يضرنا» بتركها وهو الأصنام «ونُرد على أعقابنا» نرجع مشركين «بعد إذ هدانا الله» إلى الإسلام «كالذي استهوته» أضلته «الشياطين في الأرض حيران» متحيرا لا يدري أين يذهب حال من الهاء «له أصحاب» رفقة «يدعونه إلى الهدى» أي ليهدوه الطريق يقولون له «ائتنا» فلا يجيبهم فيهلك والاستفهام للإنكار وجمله التشبيه حال من ضمير نرد «قل إن هدى الله» الذي هو الإسلام «هو الهدى» وما عداه ضلال «وأمرنا لنسلم» أي بأن نسلم «لرب العالمين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أنعبد من دون الله تعالى أوثانًا لا تنفع ولا تضر؟

ونرجع إلى الكفر بعد هداية الله تعالى لنا إلى الإسلام، فنشبه -في رجوعنا إلى الكفر- مَن فسد عقله باستهواء الشياطين له، فَضَلَّ في الأرض، وله رفقة عقلاء مؤمنون يدعونه إلى الطريق الصحيح الذي هم عليه فيأبى.

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إنَّ هدى الله الذي بعثني به هو الهدى الحق، وأُمِرنا جميعًا لنسلم لله تعالى رب العالمين بعبادته وحده لا شريك له، فهو رب كل شيء ومالكه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق القرآن صورة منفرة للشرك والمشركين تدعو المؤمنين إلى أن يزدادوا إيماناً على إيمانهم فقال - تعالى - : { قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا } .قال ابن كثير : قال السدى : قال المشركون للمؤمنين اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله - عز وجل - { قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ على أَعْقَابِنَا } .والمعنى : قل يا محمد أو أيها العاقل لهؤلاء المشركين الذين يحاولون رد المسلمين عن الإسلام ، قل لهم : أنعبد من دون الله مالا يقدر على نفعنا إن دعوناه ولا على ضرنا إن تركناه { وَنُرَدُّ على أَعْقَابِنَا } أى نرجع إلى الشرك الذى كنا فيه ، بعد أن هدانا الله إلى الإسلام وأنقذنا من الكفر والضلال .

يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها : قد رد على عقبيه .والاستفهام فى الآية الكريمة للإنكار والنفى ، وجىء بنون المتكلم ومعه غيره ، لأن الكلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن المسلمين كلهم .والمراد بما لا ينفع ولا يضر : تلك الأصنام فإنها مشاهد عدم نفعها وعجزها عن الضر ، ولو كانت تستطيع الضر لأضرت بالمسلمين لأنهم خلعوا عبادتها ، وسفهوا أتباعها ، وأعلنوا حقارتها .وجملة { وَنُرَدُّ على أَعْقَابِنَا } معطوفة على { أَنَدْعُواْ } و " على " داخلة فى حيز الإنكار والنفى .

والتعبير عن الشرك بالرد على الأعقاب لزيادة تقبيحه بتصويره ما هو علم فى القبح مع ما فيه من الإشارة إلى أن الشرك حالة قد تركت ونبذت وراء الظهر ، ومن المستحيل أن يرجع إليها من ذاق حلاوة الإيمان .وحرف { على } { وَنُرَدُّ على أَعْقَابِنَا } للاستعلاء ، أى رجع على طريق هى جهة عقبه أى مؤخر قدمه كما يقال : رجع وراءه ثم استعمل هذا التعبير فى التمثيل للتلبس بحالة ذميمة كان قد فارقها صاحبها ثم عاد إليها وتلبس بها .وفى الحديث الشريف " اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم " .ثم ساق القرآن صورة مؤثرة دقيقة للضلالة والحيرة التى تناسب من يشرك بعد التوحيد فقال : { كالذي استهوته الشياطين فِي الأرض حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى ائتنا } .{ استهوته الشياطين } أى استغوته وزينت هواه ودعته إليه ، والعرب تقول : استهوته الشياطين ، لمن اختطف الجن عقله فسيرته كما تريد دون أن يعرف له وجهة فى الأرض .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : أتريدون منا أن نعود إلى الكفر بعد أن نجانا الله منه فيكون مثلنا كمثل الذى ذهبت به مردة الشياطين فألقته فى صحراء مقفرة وتركته تائها ضالا عن الطريق القويم ولا يدرى ماذا يصنع وله أصحاب يدعونه إلى الطريق المستقيم قائلين له : ائتنا لكى تنجو من الهلاك ولكنه لحيرته وضلاله لا يجيبهم ولا يأتيهم .قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : " إن مثل من يكفر بالله بعد إيمانه كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته فى الأرض وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم ويقولون : ائتنا فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم ، فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم .

ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذى يدعو إلى الطريق ، والطريق هو الإسلام " .ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد على الكفار بما يخرس ألسنتهم فقال :{ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين } أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين إن هدى الله الذى أرسلت به رسله هو الهدى وحده وما وراءه ضلال وخذلان ، وأمرنا لنسلم وجوهنا لله رب العالمين .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فما محل الكاف فى قوله " كالذى استهوته " قلت : النصب على الحال من الضميرى فى { نُرَدُّ على أَعْقَابِنَا } أى : أننكص مشبهين من استهوته الشياطين؟

فإن قلت ما معنى { استهوته } ؟

قلت هو استفعال من هوى فى الأرض أى ذهب فيها ، كأن معناه : طلبت هويه وحرصت عليه ، فإن قلت : فما محل أمرنا؟

قلت : النصب عطفاً على محل قوله : { إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى } على أنهما مقولان كأنه قيل : قل هذا القول وقل أمرنا لنسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك: ﴿ قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ فقال: ﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله ﴾ أي أنعبد من دون الله النافع الضار ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا، ونرد على أعقابنا راجعين إلى الشرك بعد أن أنقدنا الله منه وهدانا للإسلام؟

ويقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل أنه رجع إلى خلف، ورجع على عقبيه ورجع القهقرى، والسبب فيه أن الأصل في الإنسان هو الجهل، ثم إذا ترقى وتكامل حصل له العلم.

قال تعالى: ﴿ والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة  ﴾ فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى فكأنه رجع إلى أول مرة، فلهذا السبب يقال: فلان رد على عقبيه.

وأما قوله: ﴿ كالذى استهوته الشياطين فِي الأرض ﴾ فاعلم أنه تعالى وصف هذا الإنسان بثلاثة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله: ﴿ استهوته الشياطين ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة ﴿ استهواه ﴾ بألف ممالة على التذكير والباقون بالتاء، لأن الجمع يصلح أن يذكر على معنى الجمع، ويصلح أن يؤنث على معنى الجماعة.

المسألة الثانية: اختلفوا في اشتقاق ﴿ استهوته ﴾ على قولين: القول الأول: أنه مشتق من الهوى في الأرض، وهو النزول من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة في قعر الأرض، فشبه الله تعالى حال هذا الضال به وهو قوله: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السماء  ﴾ ولا شك أن حال هذا الإنسان عند هويه من المكان العالي إلى الوهدة العميقة المظلمة يكون في غاية الاضطراب والضعف والدهشة.

والقول الثاني: أنه مشتق من اتباع الهوى والميل، فإن من كان كذلك فإنه ربما بلغ النهاية في الحيرة، والقول الأول أولى، لأنه أكمل في الدلالة على الدهشة والضعف.

الصفة الثانية: قوله: ﴿ حَيْرَانَ ﴾ قال الأصمعي: يقال حار يحار حيرة وحيراً، وزاد الفراء حيراناً وحيرورة، ومعنى الحيرة هي التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه.

ومنه يقال: الماء يتحير في الغيم أي يتردد، وتحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.

واعلم أن هذا المثل في غاية الحسن، وذلك لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه، لأن الحجر حال نزوله من الأعلى إلى الأسفل ينزل على الاستدارة، وذلك يوجب كمال التردد والتحير، وأيضاً فعند نزوله لا يعرف أنه يسقط على موضع يزداد بلاؤه بسبب سقوطه عليه أو يقل، فإذا اعتبرت مجموع هذه الأحوال علمت أنك لا تجد مثالاً للمتحير المتردد الخائف أحسن ولا أكمل من هذا المثال.

الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ لَهُ أصحاب يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى ائتنا ﴾ قالوا: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه كان يدعو أباه إلى الكفر وأبوه كان يدعوه إلى الإيمان ويأمره بأن يرجع من طريق الجهالة إلى الهداية ومن ظلمة الكفر إلى نور الإيمان.

وقيل: المراد أن لذلك الكافر الضال أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى وهذا بعيد.

والقول الصحيح هو الأول.

ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى ﴾ يعني هو الهدى الكامل النافع الشريف كما إذا قلت علم زيد هو العلم وملك عمرو هو الملك كان معناه ما ذكرناه من تقرير أمر الكمال والشرف.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين ﴾ واعلم أن قوله: ﴿ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى ﴾ دخل فيه جميع أقسام المأمورات والاحتراز عن كل المنهيات، وتقرير الكلام أن كل ما تعلق أمر الله به، فإما أن يكون من باب الأفعال، وإما أن يكون من باب التروك.

أما القسم الأول: فإما أن يكون من باب أعمال القلوب وإما أن يكون من باب أفعال الجوارح، ورئيس أعمال القلوب الإيمان بالله والإسلام له، ورئيس أعمال الجوارح الصلاة، وأما الذي يكون من باب التروك فهو التقوى وهو عبارة عن الاتقاء عن كل ما لا ينبغي، والله سبحانه لما بين أولاً أن الهدى النافع هو هدى الله، أردف ذلك الكلام الكلي بذكر أشرف أقسامه على الترتيب وهو الإسلام الذي هو رئيس الطاعات الروحانية، والصلاة التي هي رئيسة الطاعات الجسمانية، والتقوى التي هي رئيسة لباب التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغي، ثم بين منافع هذه الأعمال فقال: ﴿ وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ يعني أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر والبعث والقيامة.

فإن قيل: كيف حسن عطف قوله: ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة ﴾ على قوله: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين ﴾ ؟

قلنا: ذكر الزجاج فيه وجهين: الأول: أن يكون التقدير، وأمرنا فقيل لنا أسلموا لرب العالمين وأقيموا الصلاة.

فإن قيل: هب أن المراد ما ذكرتم، لكن ما الحكمة في العدول عن هذا اللفظ الظاهر والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى معناه إلا بالتأويل؟

قلنا: وذلك لأن الكافر ما دام يبقى على كفره، كان كالغائب الأجنبي فلا جرم يخاطب بخطاب الغائبين، فيقال له: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين ﴾ وإذا أسلم وآمن ودخل في الإيمان صار كالقريب الحاضر، فلا جرم يخاطب بخطاب الحاضرين، ويقال له: ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب التنبيه على الفرق بين حالتي الكفر والإيمان، وتقريره أن الكافر بعيد غائب والمؤمن قريب حاضر.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ ﴾ أنعبد ﴿ مِن دُونِ الله ﴾ الضارّ النافع ما لا يقدر على نفعنا ولا مضرتنا ﴿ وَنُرَدُّ على أعقابنا ﴾ راجعين إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله منه وهدانا للإسلام ﴿ كالذى استهوته الشياطين ﴾ كالذي ذهبت به مردة الجن والغيلان ﴿ فِى الأرض ﴾ المهمه ﴿ حَيْرَانَ ﴾ تائهاً ضالاً عن الجادة لا يدري كيف يصنع ﴿ لَهُ ﴾ أي لهذا المستهوى ﴿ أصحاب ﴾ رفقة ﴿ يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى ﴾ إلى أن يهدوه الطريق المستوي.

أو سمي الطريق المستقيم بالهدى، يقولون له ﴿ ائتنا ﴾ وقد اعتسف المهمه تابعاً للجن لا يجيبهم ولا يأتيهم.

وهذا مبني على ما تزعمه العرب وتعتقده: أن الجنّ تستهوي الإنسان.

والغيلان تستولي عليه، كقوله: ﴿ كالذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ﴾ [البقرة: 275] فشبه الضالّ عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان والمسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى الله ﴾ وهو الإسلام ﴿ هُوَ الهدى ﴾ وحده وما وراءه ضلال وغيّ ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا ﴾ [آل عمران: 85] .

﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال ﴾ [يونس: 32] .

فإن قلت: فما محل الكاف في قوله: ﴿ كالذى استهوته ﴾ ؟

قلت النصب على الحال من الضمير في ﴿ نُرَدُّ على أعقابنا ﴾ أي: أننكص مشبهين من استهوته الشياطين؟

فإن قلت: ما معنى ﴿ استهوته ﴾ ؟

قلت: هو استفعال، من هوى في الأرض إذا ذهب فيها، كأن معناه: طلبت هويه وحرصت عليه.

فإن قلت: ما محل: ﴿ أَمْرُنَا ﴾ قلت: النصب عطفاً على محل قوله: ﴿ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى ﴾ على أنهما مقولان، كأنه قيل: قل هذا القول وقل أمرنا لنسلم.

فإن قلت: ما معنى اللام في ﴿ لِنُسْلِمَ ﴾ ؟

قلت: هي تعليل للأمر، بمعنى: أمرنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم.

فإن قلت: فإذا كان هذا وارداً في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فكيف قيل للرسول عليه الصلاة والسلام قل أندعو؟

قلت: للاتحاد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، خصوصاً بينه وبين الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ أنَدْعُو ﴾ أنَعْبُدُ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ﴾ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا وضُرِّنا.

﴿ وَنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا ﴾ ونَرْجِعُ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ فَأنْقَذَنا مِنهُ ورَزَقَنا الإسْلامَ.

﴿ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ ﴾ كالَّذِي ذَهَبَتْ بِهِ مَرَدَةُ الجِنِّ في المَهامَةِ، اسْتِفْعالٌ مِن هَوى يَهْوِي هَوْيًا إذا ذَهَبَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ «اسْتَهْواهُ» بِألْفِ مُمالَةٍ ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ نَرُدُّ أيْ: مُشْبِهِينَ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ، أوْ عَلى المَصْدَرِ أيْ رَدًّا مِثْلَ رَدِّ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ.

﴿ فِي الأرْضِ حَيْرانَ ﴾ مُتَحَيِّرًا ضالًّا عَنِ الطَّرِيقِ.

﴿ لَهُ أصْحابٌ ﴾ لِهَذا المُسْتَهْوى رُفْقَةٌ.

﴿ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ﴾ إلى أنْ يَهْدُوهُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ، أوْ إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ وسَمّاهُ هُدًى تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ.

﴿ ائْتِنا ﴾ يَقُولُونَ لَهُ ائْتِنا.

﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ ﴾ الَّذِي هو الإسْلامُ.

﴿ هُوَ الهُدى ﴾ وحْدَهُ وما عَداهُ ضَلالٌ.

﴿ وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ عَطْفٌ عَلى أنَّ هُدى اللَّهِ، واللّامُ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ أيْ أُمِرْنا بِذَلِكَ لِنُسْلِمَ.

وقِيلَ هي بِمَعْنى الباءِ وقِيلَ هي زائِدَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)

{قُلْ} لأبي بكر يقل لابنه عبد الرحمن وكان يدعوا أباه إلى عبادة الأوثان أَنَدْعُواْ أنعبد مِن دُونِ الله الضار النافع {مَا لاَ يَنفَعُنَا} مالايقدر على نفعنا إن دعوناه {وَلاَ يَضُرُّنَا} إن تركناه {وَنُرَدُّ} وأنرد {على أعقابنا} راجعين إلى الشرك {بعد إذ هدانا الله} للاسلام

الأنعام (٧١ _ ٧٤)

وأنقذنا من عبادة الأصنام {كالذي استهوته الشياطين} كالذي ذهبت به الغيلان ومردة الجن والكاف في محل النصب على الحال من الضمير في نُرَدُّ على أعقابنا أي أننكص مشبهين من استهوته الشياطين وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هو يه {فِي الأرض} في المهمه {حَيْرَانَ} حال من مفعول استهوته أي تائهاً ضالاً عن الجادة لا يدرى كيف يصنع {له} لهذا المستوى {أصحاب} رفقة {يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى} إلى أن يهدوه الطريق سمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له {ائتنا} رقد اعتسف المهمة تابعاً للجن لا يجيبهم ولا يأتيهم وهذا مبني على ما يقال إن الجن تستهوي الإنسان والغيلان تستولي عليه فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان والمسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم {قُلْ إِنَّ هُدَى الله} وهو الإسلام {هُوَ الهدى} وحده وما وراءه ضلال {وَأُمِرْنَا} محله

النصب بالعطف على محل إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى على أنهما مقولان كأنه قيل قل هذا القول وقل أمرنا {لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا واتْرُكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ  فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ إلَخْ وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ دَعاهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ.

وفي تَوْجِيهِ الأمْرِ إلَيْهِ  ما لا يَخْفى مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ المُؤْمِنِينَ أوْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْ أنَعْبُدُ مُتَجاوِزِينَ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُدْرَةُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا إنْ عَبَدْناهُ ولا عَلى ضُرِّنا إذا تَرَكْناهُ، وأدْنى مَراتِبِ المَعْبُودِيَّةِ القُدْرَةُ عَلى ذَلِكَ.

وفاعِلُ (نَدْعُوا) وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا ﴾ عامٌّ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ  ولِغَيْرِهِ ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ.

وفي الآيَةِ تَغْلِيبٌ إذْ لا يُتَصَوَّرُ الرَّدُّ عَلى العَقِبِ المُرادُ بِهِ الرُّجُوعُ إلى الشِّرْكِ مِنهُ  .

والمَعْنى ألْيَقُ بِنا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ ذَلِكَ.

والأعْقابُ جَمْعُ عَقِبٍ وهو مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ، يُقالُ: رَجَعَ عَلى عَقِبِهِ إذا انْثَنى راجِعًا، ويُكَنّى بِهِ -كَما قِيلَ- عَنِ الذَّهابِ مِن غَيْرِ رُؤْيَةِ مَوْضِعِ القَدَمِ وهو ذَهابٌ بِلا عِلْمٍ بِخِلافِ الذَّهابِ مَعَ الإقْبالِ، وقِيلَ: الرَّدُّ عَلى الأعْقابِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى الضَّلالِ والجَهْلِ شِرْكًا أوْ غَيْرِهِ.

والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ بِالرَّدِّ عَلى الأعْقابِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما هو عَلَمٌ في القُبْحِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى كَوْنِ الشِّرْكِ حالَةً قَدْ تُرِكَتْ ونُبِذَتْ وراءَ الظَّهْرِ.

وإيثارُ (نُرَدُّ) عَلى نَرْتَدُّ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى الِارْتِدادِ بَرَدِّ الغَيْرِ تَصْرِيحًا بِمُخالَفَةِ المُضِلِّينَ وقَطْعًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ وإيذانًا بِأنَّ الِارْتِدادَ مِن غَيْرِ رادٍّ لَيْسَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ لِيُحْتاجَ إلى نَفْيِهِ وإنْكارِهِ ﴿ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ ﴾ أيْ إلى التَّوْحِيدِ والإسْلامِ أوْ إلى سائِرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الفَوْزُ في الآخِرَةِ عَلى ما قِيلَ.

والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (نُرَدُّ) مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ لا لِتَحْقِيقِ مَعْنى الرَّدِّ وتَصْوِيرِهِ فَقَطْ وإلّا لَكَفى أنْ يُقالَ: بَعْدَ إذِ اهْتَدَيْنا كَأنَّهُ قِيلَ: أنُرَدُّ إلى ذَلِكَ بِإضْلالِ المُضِلِّ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ الَّذِي لا هادِيَ سِواهُ.

ولَيْسَتِ الآيَةُ مِن بابِ التَّنازُعِ فِيما يَظْهَرُ ولا أنَّ جُمْلَةَ (نُرَدُّ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (نَدْعُو) أيْ ونَحْنُ نُرَدُّ وجَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ أنُرَدُّ رَدًّا مِثْلَ رَدِّ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ إلَخْ وقَدَّرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَدْعُوا دُعاءً مِثْلَ دُعاءِ الَّذِي إلَخْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (نُرَدُّ) أيْ أنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا مُشَبَّهِينَ بِذَلِكَ.

واعْتَرَضَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ حاصِلَ الحالِيَّةِ أنُرَدُّ في حالِ مُشابَهَتِنا كَقَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا أيْ في حالِ رُكُوبِهِ، والرَّدُّ لَيْسَ في حالِ المُشابَهَةِ كَما أنَّ المَجِيءَ في حالِ الرُّكُوبِ وأجابَ عَنْهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ الحالَ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ، والِاسْتِهْواءُ اسْتِفْعالٌ مِن هَوى في الأرْضِ يَهْوِي إذا ذَهَبَ كَما هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ كَأنَّها طَلَبَتْ هَوِيَّهُ وحَرَصَتْ عَلَيْهِ أيْ كالَّذِي ذَهَبَتْ بِهِ مَرَدَةُ الجِنِّ في المَهامَةِ والقِفارِ، والكَلامُ في المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ أوْ مِنَ التَّمْثِيلِ حَيْثُ شُبِّهَ فِيهِ مَن خَلُصَ مِنَ الشِّرْكِ ثُمَّ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ بِحالِ مَن ذَهَبَتْ بِهِ الشَّياطِينُ في المُهِمَّةِ وأضَلَّتْهُ بَعْدَ ما كانَ عَلى الجادَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، ولَيْسَ هَذا مَبْنِيًّا عَلى زَعَماتِ العَرَبِ كَما زَعَمَ مَنِ اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ اسْتَهْوى مِن هَوى بِمَعْنى سَقْطِهِ، يُقالُ: هَوى يَهْوِي هَوِيًّا بِفَتْحِ الهاءِ إذا سَقَطَ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ حالِ هَذا الضّالِّ بِحالِ مَن سَقَطَ مِنَ المَوْضِعِ العالِي إلى الوَهْدَةِ السّافِلَةِ العَمِيقَةِ لِأنَّهُ في غايَةِ الِاضْطِرابِ والضَّعْفِ والدَّهْشَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ ﴾ وفِيهِ بَعْدٌ وإنْ قالَ الإمامُ إنَّهُ أوْلى مِنَ المَعْنى الأوَّلِ مَعَ أنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى وُرُودِ الِاسْتِفْعالِ مِن هَوى بِهَذِي المَعْنى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ في (الَّذِي) أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا أيْ كالرَّجُلِ أوْ كالفَرِيقِ الَّذِي وأنْ يَكُونَ جِنْسًا، والمُرادُ (الَّذِينَ) وقَرَأ حَمْزَةُ (اسْتَهْواهُ) بِألِفٍ مُمالَةٍ مَعَ التَّذْكِيرِ (فِي الأرْضِ) أيْ جِنْسِها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ اسْتَهْوَتْهُ ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ أيْ كائِنًا في الأرْضِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَيْرانَ ﴾ حالٌ مِنهُ أيْضًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الأُولى أوْ حالٌ ثانِيَةٌ عِنْدَ مَن يُجِيزُها أوْ مِنَ (الَّذِي) أوْ مِنَ المُسْتِكُنِّ في الظَّرْفِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الجارُّ حالًا مِن (حَيْرانَ) وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ ومُؤَنَّثُهُ حَيْرى أيْ تائِهًا ضالًّا عَنِ الجادَّةِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ ﴿ لَهُ ﴾ أيْ لِلْمُسْتَهْوى ﴿ أصْحابٌ ﴾ أرى رُفْقَةً ﴿ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ﴾ أيِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ مُبالَغَةً عَلى حَدِّ: زَيْدٌ عَدْلٌ، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا و (أصْحابٌ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِحَيْرانَ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ أوْ بَدَلٌ مِنَ الحالِ الَّتِي قَبْلَها وإمّا لا مَحَلَّ لَها عَلى أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُمْلَةُ (يَدْعُونَهُ) صِفَةٌ لِـ (أصْحابٌ)، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (ائْتِنا) يُقَدَّرُ فِيهِ قَوْلٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (يَدْعُونَهُ) أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، وقِيلَ: مَحْكِيٌّ بِالدُّعاءِ لِأنَّهُ بِمَعْنى القَوْلِ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ في أمْثالِ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ التَّقْدِيرُ أيْ يَقُولُ ائْتِنا وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم مُهْتَدُونَ ثابِتُونَ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ وإنَّ مَن يَدْعُونَهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ لِيُدْعى إلى إتْيانِهِ، وإنَّما يُدْرِكُ سَمْتَ الدّاعِي ومَوْرِدَ النَّعِيقِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي إسْحاقَ (ائْتِنا) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الهُدى أيْ واضِحًا قُلْ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ إنَّ هُدى اللَّهِ الَّذِي هَدانا إلَيْهِ وهو الإسْلامُ هو الهُدى أيْ وحْدَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ أوْ ضَمِيرُ الفَصْلِ، وما عَداهُ ضَلالٌ مَحْضٌ وغَيٌّ صِرْفٌ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ أوْ لِأنَّ ما سَبَقَ لِلزَّجْرِ عَنِ الشِّرْكِ، وهَذا حَثٌّ عَلى الإسْلامِ وهو تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدَهُ، فَإنَّ اخْتِصاصَ الهُدى بِهُداهُ تَعالى مِمّا يُوجِبُ امْتِثالَ الأوامِرِ بَعْدَهُ ﴿ وأُمِرْنا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ﴾ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ القَوْلِ، واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِنُسْلِمَ ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، ومَفْعُولُ (أُمِرْنا) الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ أُمِرْنا بِالإخْلاصِ لِكَيْ نَنْقادَ ونَسْتَسْلِمَ ﴿ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ 71 - وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ أيْ أُمِرْنا بِالإسْلامِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ غَرِيبٌ لا تَعْرِفُهُ النُّحاةُ، وقِيلَ: زائِدَةٌ أيْ أُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ عَلى حَذْفِ الباءِ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ومَن تابَعَهُما: الفِعْلُ في هَذا وفي نَحْوِ ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ مُؤَوَّلٌ بِالمَصْدَرِ، وهو مُبْتَدَأٌ واللّامُ وما بَعْدَها خَبَرُهُ أيْ أُمِرْنا لِلْإسْلامِ، وهو نَظِيرُ -تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ- ولا يَخْفى بُعْدُهُ وذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ إلى أنَّ اللّامَ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ بِمَعْنى (أنْ) بَعْدَ أرَدْتُ وأُمِرْتُ خاصَّةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا قال مقاتل: وذلك أن كفار مكة عذبوا نفراً من المسلمين، وراودوهم على الكفر.

قال الله تعالى للمسلمين: قولوا لهم أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأوثان مَا لاَ يَنْفَعُنا في الآخرة وَلا يَضُرُّنا في الدنيا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا نعود ونرجع إلى الشرك بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ إلى الإسلام كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ يعني: كمثل رجل كان مع قوم، فضلَّ الطريق، فحيره الشياطين ولَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى يعني: إلى الطريق أن ائْتِنا فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم.

فذلك مثلنا إن تركنا دين محمد-  -.

وقال مجاهد: هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار، يقول: الكافر حيران يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب الكافر.

وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر، كان أبوه وأمه يدعوانه إلى الإسلام، فأبى أن يأتيهما وهو يدعوهما إلى الشرك.

فضرب الله تعالى له المثل بالذي استهوته الشياطين يعني: أضلته.

قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى يعني: دين الله هو الإسلام وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ يعني: لنخلص بالعبادة والتوحيد بالله تعالى.

قرأ حمزة استهواه بلفظ التذكير بالإمالة.

وقرأ الباقون اسْتَهْوَتْهُ بلفظ التأنيث، لأن فعل الجماعة مقدم، فيجوز أن يذكر ويؤنث كقوله: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [الأنعام: 61] قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ذكِّروهم ذكرى، وينبغي للمؤمن أنْ يمتثل حكم هذه الآية مع المُلْحِدِين، وأهْلِ الجدلِ والخَوْضِ فيه، وحكى الطبريُّ «١» ، عن أبي جعفر أنه قال: «لاَ تُجَالِسُوا أَهْلَ الخُصُومَاتِ فإنَّهُمْ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ «٢» اللَّهِ» ، وفي الحديث، عنه صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإنْ كَانَ مَازِحاً، وبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقه» ، خَرَّجه أبو داود «٣» .

انتهى من «الكوكب الدري» ، وقد ذكرنا هذا الحديثَ من غير طريقِ أبي داود بلفظ أوضَحَ من هذا.

وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)

وقوله سبحانه: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً: هذا أمر بالمتاركة، وكان ذلك بحَسَب قلَّة المسلمين يومَئِذٍ، قال قتادة: ثم نُسِخَ ذلك، وما جرى مجراه بالقتَالِ «٤» ، وقال مجاهد: الآيةُ إنما هي للتهديدِ والوعيدِ، فهي كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً «٥» [المدثر: ١١] ، وليس فيها نَسْخٌ لأنها متضمنة خبراً، وهو التهديدُ، وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، أيْ: خدعتهم من الغُرُور، وهو الأطماعُ بما لا يتحصَّل فاغتروا بنعم/ الله

وإمهاله، وطَمَعُهُمْ ذلك فيما لم يتحصَّل من رحمته، واعلم أنَّ أعقلَ العقلاء مؤمنٌ مقبِلٌ على آخرته قد جَعَلَ الموْتَ نُصْبَ عينيه، ولم يغترَّ بزخارف الدنيا كما اغتر بها الحمقى، بل جعل همَّهُ واحداً هَمَّ المعادِ وما هو صائرٌ إليه وقد روى البَزَّار في مسنده، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِداً هَمَّ المَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ هُمُومُ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ تعالى فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ» «١» .

انتهى من «الكوكب الدريِّ» .

وقوله سبحانه: وَذَكِّرْ بِهِ: أي بالقرآن، وقيل: الضمير في بِهِ عائد على الدّين، وأَنْ تُبْسَلَ في موضع المفعولِ له، أي: لَئِلاَّ تُبْسَلَ، ومعناه: تُسْلَمَ قاله الحسن وعكرمة «٢» وقال قتادةُ: تُحْبَسَ وتُرْهَنْ «٣» ، وقال ابن عبَّاس: تُفْضَح «٤» ، وقال ابن زيد «٥» : تجزى، وهذه كلُّها متقاربةُ المعنى ومنه قول الشّنفرى «٦» : [الطويل]

هُنَالِكَ لاَ أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي ...

سَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلاً بِالْجَرَائِرِ «١»

وباقي الآية بيِّن.

وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ، أي: وإن تعط كلَّ فدية، وإنْ عظُمت، فتجعلها عِدْلاً لها، لا يُقْبَل منها، وقال أبو عُبَيْدة: وَإِنْ «٢» تَعْدِلْ، هو من العَدْلِ المضادِّ للجور وردَّه الطبريُّ «٣» بالإجماع على أنَّ توبة الكافر مقبولةً.

قال ع «٤» : ولا يلزم هذا الردُّ، لأنَّ الأمر إنما هو يوم القيامة، ولا تقبلُ فيه توبة، ولا عملٌ.

قلْتُ: وأجلى من هذا أنْ يحمل كلامُ أبي عُبَيْدة على معنى أنَّه لا يقبلُ منها عدلُها لاختلال شَرْطه، وهو الإيمان، وأُبْسِلُوا: معناه: أُسْلِمُوا بما اجترحوه من الكُفْر، والحميمُ: الماءُ الحارُّ ومنه: الحَمَّام، والحَمَّة.

وقوله سبحانه: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا، المعنى: قل في احتجاجك: أنطيع رأيكم في أنْ ندعو من دون اللَّه، والدعاءُ: يعم العبادة وغيرها لأن مَنْ جعل شيئاً موضعَ دعائه، فإياه يَعْبُدُ، وعليه يتوكّل، وما لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا: يعني:

الأصنام، وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا: تشبيهٌ بمَشْيِ القهقرى، وهي المِشْية الدنيَّة فاستعمل المَثَل بها فيمَنْ رجَعَ مِنْ خيرٍ إلى شَرٍّ.

وقوله سبحانه: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الكلام حذفٌ، تقديره: ردًّا كَرَدِّ الذي، واسْتَهْوَتْهُ: بمعنى: استدعت هواه وأمالته، وهَدانَا: بمعنى: أرشَدَنَا، فسياقُ هذا المثل كأنه قال: أيَصْلُحُ أن نكون بعد الهدى نعبد الأصنام فيكون ذلك منَّا ارتدادا على العَقِبِ فنكون كَرَجُلٍ على طريق واضحٍ، فاستهوته عنه الشياطينُ، فخرج عنه إلى دعوتهم، فبقي حائرا.

وقوله: لَهُ أَصْحابٌ: يريد: له أصحابٌ على الطريق الذي خَرَجَ منه، فيشبَّه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يَدْعُونَ مَن ارتد إلى الرجوع إلى الهدى، وهذا تأويلُ مجاهد وابن عباس «١» ، وائْتِنا: من الإتيان، بمعنى المجيء، وقول من قال: إن المراد بالذي في هذه الآية: عبدُ الرحمنِ بْنُ أبي بَكْرٍ: وبالأصحاب: أبواه- قول ضعيفٌ يردُّه قول عائشة في الصحيحِ: «مَا نَزَلَ فِينَا مِنَ القُرآنِ شَيْءٌ إلاَّ بَرَاءَتِي» ، قلتُ: تريد وقصَّة الغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ [التوبة: ٤٠] ، وقوله: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ...

[النور: ٢٢] إذ نزلَتْ في شأن أبي بكر، وشأن مِسْطَحٍ «٢» .

قال ع «٣» : حدثني أبي (رضي الله عنه) قال: سمعْتُ الفقيه الإمام أبا عبد اللَّه المعروفَ بالنحْويِّ المجاوِرِ بمكَّة، يقول: مَنْ نازع أحداً من المُلْحِدِينَ، فإنما ينبغي أن يردَّ عليه بالقرآن والحديث فيكونُ كَمَنْ يدعو إلى الهدى بقوله: ائْتِنا، ومَنْ ينازعهم بالجَدَل، ويحلِّق عليهم به، فكأنه بَعُدَ من الطريق الواضح أكْثَرَ، ليردَّ هذا الزائغَ/، فهو يخافُ علَيْه أنْ يضلَّ.

قال ع «٤» : وهذال انتزاعٌ حسنٌ جدًّا، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، أي: لم يخلقْها باطلاً لغير معنًى، بل لمعانٍ مفيدةٍ، وحقائقَ بيِّنة.

وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَقُولُ «يوم» : نصب على الظرْفِ، وتقديرُ الكلامِ: واذكر الخَلْق والإعادة يَوْمَ، وتحتمل الآية مع هذا أنْ يكون معناها، واذكر الإعادة يَوْمَ يقولُ اللَّه للأجساد: كوني معادةً.

وقوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، الجمهورُ أنَّ الصُّورَ هو القَرْن الذي قال فيه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ: أنَعْبُدُ ما لا يَضُرُّنا إنْ لَمْ نَعْبُدْهُ، ولا يَنْفَعُنا إنْ عَبَدْناهُ، وهي الأصْنامُ.

﴿ وَنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا ﴾ أيْ: نَرْجِعُ إلى الكُفْرِ ﴿ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ ﴾ إلى الإسْلامِ، فَنَكُونُ ﴿ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ ﴾ .

وقَرَأ حَمْزَةُ: "اسْتَهْواهُ الشَّياطِينُ" عَلى قِياسِ قِراءَتِهِ: ( تُوَفّاهُ رُسُلُنا ) .

وفي مَعْنى "اسْتِهْوائِها" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها هَوَتْ بِهِ وذَهَبَتْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُشَبِّهُ لَهُ الشَّياطِينُ، فَيُتْبِعُها حَتّى تَهْوِيَ بِهِ في الأرْضِ، فَتُضِلَّهُ.

والثّانِي: زَيَّنَتْ لَهُ هَواهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ: و"حَيْرانَ" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيِ: اسْتَهْوَتْهُ في حالِ حِيرَتِهِ.

قالَ السُّدِّيُّ: قالَ المُشْرِكُونَ لَلْمُسْلِمِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا، واتْرُكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهِ ﴾ فَنَكُونُ كَرَجُلٍ كانَ مَعَ قَوْمٍ عَلى طَرِيقِ، فَضْلٌ، فَخَيَّرَتْهُ الشَّياطِينُ، وأصْحابُهُ عَلى الطَّرِيقِ يَدْعُونَهُ: يا فُلانُ هَلُمَّ إلَيْنا، فَإنّا عَلى الطَّرِيقِ، فَيَأْبى.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، دَعاهُ أبُوهُ وأُمُّهُ إلى الإسْلامِ فَأبى.

قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِأصْحابِهِ: أبَواهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ﴾ هَذا رَدٌّ عَلى مَن دَعا إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وزَجَرَ عَنْ إجابَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ ذَلِكَ، لِأنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى، لا هُدى غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ أمَرْتُكَ أنْ تَفْعَلَ: وأمَرْتُكَ لَتَفْعَلَ، وأمَرْتُكَ بِأنْ تَفْعَلَ، فَمَن قالَ: "بِأنَّ" فالباءُ؛ لِلْإلْصاقِ.

والمَعْنى: وقَعَ الأمْرُ بِهَذا الفِعْلِ، ومَن قالَ: "أنْ تَفْعَلَ" فَعَلى خَذْفِ الباءِ؛ ومَن قالَ: "لِتَفْعَلَ" فَقَدْ أخْبَرَ بِالعِلَّةِ الَّتِي لَها وقَعَ الأمْرُ.

قالَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أمَرَنا لِأنْ نُسْلِمَ، ولِأنْ نُقِيمَ الصَّلاةَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: أُمِرْنا بِالإسْلامِ، وبِإقامَةِ الصَّلاةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللهِ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ اَلْمَعْنى: "قُلْ في احْتِجاجِكَ: أنْطِيعَ رَأْيَكم في أنْ نَدْعُوَ مِن دُونِ اللهِ...؟"؛ والدُعاءُ يَعُمُّ العِبادَةَ وغَيْرَها؛ لِأنَّ مَن جَعَلَ شَيْئًا مَوْضِعَ دُعائِهِ؛ فَإيّاهُ يَعْبُدُ؛ وعَلَيْهِ يَتَّكِلُ.

﴿ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ﴾ ؛ يَعْنِي الأصْنامَ؛ إذْ هي جَماداتٌ؛ حِجارَةٌ؛ وخَشَبٌ؛ ونَحْوُهُ؛ وضَرَرُ الأصْنامِ في الدِينِ لا يَفْهَمُهُ الكُفّارُ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ "وَلا يَضُرُّنا"؛ ﴾ إنَّما الضَرَرُ الَّذِي يَفْهَمُونَهُ مِن نُزُولِ المَكارِهِ الدُنْيَوِيَّةِ.

ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا ؛ تَشْبِيهٌ؛ وذَلِكَ أنَّ المَرْدُودَ عَلى العَقِبِ هو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَمْشِي قُدُمًا - وهي المِشْيَةُ الجَيِّدَةُ -؛ فَيُرَدُّ يَمْشِي القَهْقَرى - وهي المِشْيَةُ الدَنِيَّةُ -؛ فاسْتُعْمِلَ المَثَلُ بِها فِيمَن رَجَعَ مِن خَيْرٍ إلى شَرٍّ؛ ووَقَعَتْ في هَذِهِ الآيَةِ؛ في تَمْثِيلِ الراجِعِ مِنَ الهُدى إلى عِبادَةِ الأصْنامِ؛ و"هَدانا"؛ بِمَعْنى: أرْشَدَنا؛ قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: اَلرَّدُّ عَلى العَقِبِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن أمَّلَ أمْرًا؛ فَخابَ أمَلُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "رَدًّا كَرَدِّ الَّذِي..."؛ و"اِسْتَهْوَتْهُ": "اِسْتَفْعَلَتْهُ"؛ بِمَعْنى: "اِسْتَدْعَتْ هَواهُ؛ وأمالَتْهُ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُحْتَمَلُ هُوِيُّهُ؛ وهو جِدُّهُ؛ ورُكُوبُ رَأْسِهِ في النُزُوعِ إلَيْهِمْ؛ و"اَلْهَوى" - مِن "هَوى؛ يَهْوِي" - يُسْتَعْمَلُ في السُقُوطِ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: هَوى ابْنِي مِن ذُرى شَرَفٍ ∗∗∗ فَزَلَّتْ رِجْلُهُ ويَدُهْ وهَذا المَعْنى لا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنْ تُتَأوَّلَ اللَفْظَةُ بِمَعْنى: "ألْقَتْهُ الشَياطِينُ في هُوَّةٍ"؛ وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ ؛ وقالَ: هو بِمَعْنى: "أهْوى"؛ كَما أنَّ "اِسْتَزَلَّ"؛ بِمَعْنى: "أزَلَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَحْرِيرُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "هَوى"؛ و"أهْواهُ غَيْرُهُ"؛ و"اِسْتَهْواهُ"؛ بِمَعْنى: "طَلَبِ مِنهُ أنْ يَهْوِيَ هُوَ"؛ أو: "طَلَبَ مِنهُ أنْ يُهْوِيَ شَيْئًا"؛ ويُسْتَعْمَلُ الهَوى أيْضًا في رُكُوبِ الرَأْسِ؛ في النُزُوعِ إلى الشَيْءِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ الناسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ  ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُ شاعِرِ الجِنِّ: تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَأنْجاسِها وَهَذا المَعْنى هو الَّذِي يَلِيقُ بِالآيَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "اِسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "اِسْتَهْوَتْهُ الشَياطُونَ"؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو لَحْنٌ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هو شاذٌّ قَبِيحٌ؛ وإنَّما هو مَحْمُولٌ عَلى قَوْلِهِمْ: "سُنُونَ"؛ و"أرْضُونَ"؛ إلّا أنَّ هَذِهِ في جَمْعٍ مُسَلَّمٍ ؛ و"شَياطُونَ"؛ في جَمْعٍ مُكَسَّرٍ؛ فَهَذا مَوْضِعُ الشُذُوذِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ: "اِسْتَهْواهُ الشَياطِينُ"؛ وأمالَ "اِسْتَهْواهُ"؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ وطَلْحَةُ: "اِسْتَهْوِيهِ الشَيْطانُ"؛ بِالياءِ؛ وإفْرادِ "اَلشَّيْطانُ"؛ وذَكَرَ الكِسائِيُّ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "فِي الأرْضِ"؛ ﴾ يَحْكُمُ بِأنَّ "اِسْتَهْوَتْهُ"؛ إنَّما هو بِمَعْنى: "اِسْتَدْعَتْ هُوِيَّهُ؛ الَّذِي هو الجِدُّ في النُزُوعِ"؛ و"حَيْرانَ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ ومُؤَنَّثُهُ "حَيْرى"؛ فَهو لا يَنْصَرِفُ في مَعْرِفَةٍ؛ ولا نَكِرَةٍ؛ ومَعْناهُ: "ضالًّا؛ مُتَحَيِّرًا"؛ وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "اِسْتَهْوَتْهُ"؛ والعامِلُ فِيهِ: "اِسْتَهْوَتْهُ"؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن "كالَّذِي"؛ والعامِلُ فِيهِ المُقَدَّرُ بَعْدَ الكافِ؛ وقَوْلُهُ: "اِسْتَهْوَتْهُ"؛ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ عَلى طَرِيقٍ؛ فاسْتَدْعَتْهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَسِياقُ هَذا المَثَلِ كَأنَّهُ قالَ: "أيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ الهُدى نَعْبُدُ الأصْنامَ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنّا ارْتِدادًا عَلى العَقِبِ؛ فَيَكُونَ كَرَجُلٍ عَلى طَرِيقٍ واضِحٍ؛ فاسْتَهْوَتْهُ عنهُ الشَياطِينُ؛ فَخَرَجَ عنهُ إلى دَعْوَتِهِمْ؛ فَبَقِيَ حائِرًا؟"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ لَهُ أصْحابٌ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "لَهُ أصْحابٌ عَلى الطَرِيقِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ"؛ فَيُشَبَّهُ بِالأصْحابِ - عَلى هَذا - المُؤْمِنُونَ؛ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَنِ ارْتَدَّ إلى الرُجُوعِ إلى الهُدى؛ وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "لَهُ أصْحابٌ؛ أيْ مِنَ الشَياطِينِ الدُعاةِ؛ أو لا يَدْعُونَهُ إلى الهُدى؛ بِزَعْمِهِمْ؛ وإنَّما يُوهِمُونَهُ"؛ فَيُشَبَّهُ بِالأصْحابِ - عَلى هَذا - الكَفَرَةُ؛ الَّذِينَ يُثَبِّتُونَ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ عَلى ارْتِدادِهِ؛ ورُوِيَ هَذا التَأْوِيلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا.

و"اِئْتِنا"؛ مِن "اَلْإتْيانُ"؛ بِمَعْنى: "اَلْمَجِيءُ"؛ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "إلى الهُدى بَيِّنًا"؛ وَهَذِهِ تُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَ "اَلْهُدى"؛ حَقِيقَةَ إخْبارٍ مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وحَكى مَكِّيٌّ ؛ وغَيْرُهُ؛ أنَّ المُرادَ بِـ "كالَّذِي"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وبِالأصْحابِ أبُوهُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وأُمُّهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ في الصَحِيحِ أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - لَمّا سَمِعَتْ قَوْلَ قائِلٍ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما  ﴾ ؛ نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ قالَتْ: "كَذَبُوا واللهِ؛ ما نَزَلَ فِينا مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ إلّا بَراءَتِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: حَدَّثَنِي أبِي - رَحِمَهُ اللهُ - قالَ: سَمِعْتُ الفَقِيهَ الإمامَ أبا عَبْدِ اللهِ ؛ المَعْرُوفِ بِـ "اَلنَّحْوِيُّ"؛ اَلْمُجاوِرَ بِمَكَّةَ يَقُولُ: مَن نازَعَ أحَدًا مِنَ المُلْحِدَةِ فَإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ؛ ويُنازِعَهُ بِالقُرْآنِ؛ والحَدِيثِ؛ فَيَكُونَ كَمَن يَدْعُو إلى الهُدى بِقَوْلِهِ: "اِئْتِنا"؛ ومَن يُنازِعْهم بِالجَدَلِ؛ ويُحَلِّقْ عَلَيْهِمْ بِهِ؛ فَكَأنَّهُ بَعُدَ عَنِ الطَرِيقِ الواضِحِ أكْثَرَ؛ لِيَرُدَّ هَذا الزائِغَ؛ فَهو يَخافُ عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا انْتِزاعٌ حَسَنٌ جِدًّا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللهِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مَن قالَ: "إنَّ الأصْحابَ هم مِنَ الشَياطِينِ المُسْتَهْزِئِينَ"؛ وتَأوَّلَ: ﴿ إلى الهُدى ﴾ : "بِزَعْمِهِمْ"؛ قالَ: "إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ﴾ ؛ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في زَعْمِهِمْ؛ فَلَيْسَ ما زَعَمُوهُ صَحِيحًا؛ ولَيْسَ بِهَدْيٍ؛ بَلْ هو نَفْسُهُ كُفْرٌ؛ وضَلالٌ؛ وإنَّما الهُدى هُدى اللهِ تَعالى ؛ وهو الإيمانُ"؛ ومَن قالَ: "إنَّ الأصْحابَ هم عَلى الطَرِيقِ المَدْعُوِّ إلَيْها؛ وإنَّ المُؤْمِنِينَ الداعِينَ لِلْمُرْتَدِّينَ شُبِّهُوا بِهِمْ؛ وإنَّ الهُدى هو هُدًى عَلى حَقِيقَتِهِ"؛ يَجِيءُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللهِ ﴾ ؛ بِمَعْنى: "إنَّ دُعاءَ الأصْحابِ؛ وإنْ كانَ إلى هُدًى؛ فَلَيْسَ بِنَفْسِ دُعائِهِمْ تَقَعُ الهِدايَةُ؛ وإنَّما يَهْتَدِي بِذَلِكَ الدُعاءِ مَن هَداهُ اللهُ تَعالى بِهُداهُ".

﴿ وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ ﴾ ؛ اَللّامُ لامُ "كَيْ"؛ ومَعَها "أنْ"؛ مُقَدَّرَةٌ؛ ويُقَدَّرُ مَفْعُولٌ لِـ "أُمِرْنا"؛ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَأُمِرْنا بِالإخْلاصِ"؛ أو "بِالإيمانِ"؛ ونَحْوُ هَذا؛ فَتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ كُلِّها: "وَأُمِرْنا بِالإخْلاصِ لِأنْ نُسْلِمَ"؛ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في هَذا أنَّ "لِنُسْلِمَ"؛ هو مَوْضِعُ المَفْعُولِ؛ وأنَّ قَوْلَكَ: "أُمِرْتُ لِأقُومَ"؛ و"أُمِرْتُ أنْ أقُومَ"؛ يَجْرِيانِ سَواءً؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أرَدْتُ لِأنْسى ذِكْرَها [فَكَأنَّما] ∗∗∗ ∗∗∗................

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ؛ و"لِنُسْلِمَ"؛ يَعُمُّ الدِينَ؛ والِاسْتِسْلامَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي لتأييس المشركين من ارتداد بعض المسلمين عن الدين، فقد كان المشركون يحاولون ارتداد بعض قرابتهم أو من لهم به صلة.

كما ورد في خبر سعيد بن زيد وما لَقي من عُمر بن الخطاب.

وقد روي أنّ عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق دعا أباه إلى عبادة الأصنام، وأنّ الآية نزلت في ذلك، ومعنى ذلك أنّ الآية نزلت مشيرة إلى ذلك وغيره وإلاّ فإنّ سورة الأنعام نزلت جملة واحدة.

وحاول المشركون صرف النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعوة إلى الإسلام وهم يُرْضُونه بما أحبّ كما ورد في خبر أبي طالب.

والاستفهام إنكار وتأييس، وجيء بنون المتكلّم ومعه غيره لأنّ الكلام من الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن المسلمين كلّهم.

و ﴿ من دون الله ﴾ متعلّق ب ﴿ ندعوا ﴾ .

والمراد بما لا ينفع ولا يضرّ الأصنامُ، فإنَّها حجارة مشاهد عدمُ نفعها وعجزُها عن الضرّ، ولو كانت تستطيع الضرّ لأضرّت بالمسلمين لأنَّهم خلعوا عبادتها وسفَّهوا أتباعها وأعلنوا حقارتها، فلمَّا جعلوا عدَم النفع ولا الضرّ علَّة لنفي عبادة الأصنام فقد كنّوا بذلك عن عبادتهم النافع الضارّ وهو الله سبحانه.

وقوله: ﴿ ونُردّ على أعقابنا ﴾ عطف على ﴿ ندعوا ﴾ فهو داخل في حيّز الإنكار.

والردّ: الإرجاع إلى المكان الذي يؤتى منه، كقوله تعالى: ﴿ رُدّوها عليّ ﴾ [ص: 33].

والأعقاب جمع عَقِب وهي مؤخّر القدم.

وعقب كلّ شيء طَرفه وآخره ويقال: رجع على عَقِبه وعلى عَقِبَيْه ونكص على عقبيه بمعنى رجع إلى المكان الذي جاء منه لأنَّه كان جاعلاً إيَّاه وراءه فرَجَع.

وحرف (على) فيه للاستعلاء، أي رجع على طريق جهة عقبه، كما يقال: رجع وراءه، ثم استعمل تمثيلاً شائعاً في التَّلبّس بحالة ذميمة كان فارقها صاحبُها ثم عاد إليها وتلبّس بها، وذلك أنّ الخارج إلى سفر أو حاجة فإنَّما يمشي إلى غرض يريده فهو يمشي القُدُمية فإذا رجع قبل الوصول إلى غرضه فقد أضاع مشيَه؛ فيمثّل حاله بحال من رجع على عقبيه.

وفي الحديث: «اللهمّ أمْض لأصحابي هِجْرتهم ولا تَرُدّهم على أعقابهم» فكذلك في الآية هو تمثيل لحال المرتدّ إلى الشرك بعد أن أسلَم بحال من خرج في مهمّ فرجع على عقبيه ولم يقض ما خرج له.

وهذا أبلغ في تمثيل سوء الحالة من أن يُقال: ونرجعُ إلى الكفر بعد الإيمان.

وقد أضيف (بعد) إلى ﴿ إذْ هدانا ﴾ وكلاهما اسم زمان، فإنّ (بعد) يدلّ على الزمان المتأخِّر عن شيء كقوله: ﴿ ومن بعد صلاة العشاء ﴾ [النور: 58] و(إذا) يدلّ على زمان معرّف بشيء، ف (إذا) اسم زمن متصرّف مراد به الزمان وليس مفعولاً فيه.

والمعنى بعدَ الزمن الذي هدانا الله فيه، ونظيره ﴿ ربّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ﴾ في سورة [آل عمران: 8].

ارتقى في تمثيل حالهم لو فُرض رجوعهم على أعقابهم بتمثيل آخر أدقّ، بقوله: ﴿ كالذي استهوته الشياطين في الأرض ﴾ ، وهو تمثيل بهيئة متخيّلة مبنيّة على اعتقاد المخاطبين في أحوال الممسُوسينَ.

فالكاف في موضع الحال من الضمير في ﴿ نُردّ على أعقابنا ﴾ ، أي حال كوننا مشْبهينَ للذي استهوته الشياطين فهذه الحال مؤكّدة لما في ﴿ نردّ على أعقابنا ﴾ من معنى التَمثيل بالمرتدّ على أعقابه.

والاستهواء استفعال، أي طلب هَوى المرء ومحبّتِه، أي استجلاب هَوى المرء إلى شيء يحاوله المستجلِب.

وقرّبه أبو علي الفارسي بمعنى همزة التعدية.

فقال: استهواه بمعنى أهواه مثل استزلّ بمعنى أزلّ.

ووقع في «الكشَّاف» أنَّه استفعال من هَوَى في الأرض إذا ذهب فيها، ولا يعرف هذا المعنى من كلام أئمَّة اللغة ولِم يذكره هو في «الأساس» مع كونه ذكر ﴿ كالذي استهوته الشياطين ﴾ ولم ينبِّه على هذا مَن جاء بعده.

والعرب يقولون: استهوته الشياطين، إذا اختطفت الجنّ عقله فسيَّرتْه كما تريد.

وذلك قريب من قولهم: سَحَرتْه، وهم يعتقدون أنّ الغيلان هي سحرة الجنْ، وتسمَّى السعالي أيضاً، واحدتُها سَعْلاة، ويقولون أيضاً: استهامته الجنّ إذا طلبت هُيامه بطاعتها.

وقوله: ﴿ في الأرض ﴾ متعلّق ب ﴿ استهوته ﴾ ، لأنَّه يتضمَّن معنى ذهبت به وضلّ في الأرض.

وذلك لأنّ الحالة التي تتوهَّمها العرب استهواء الجنّ يصاحبها التوحّش وذهاب المجنون على وجهه في الأرض راكباً رأسه لا ينتصح لأحد، كما وقع لكثير من مجانينهم ومَن يزعمون أنّ الجنّ اختطفتهم.

ومن أشهرهم عَمْرو بن عَدي الأيادي اللخمي ابن أخت جُذيمة بن مالك ملك الحيرة.

وجوّز بعضهم أن يكون ﴿ في الأرض ﴾ متعلِّقاً ب ﴿ حَيْران ﴾ ، وهو بعيد لعدم وجود مقتض لتقديم المعمول.

و ﴿ حَيْرانَ ﴾ حال من ﴿ الذي استهوتْه ﴾ ، وهو وصف من الحَيْرة، وهي عدم الاهتداء إلى السبيل.

يقال: حارَ يحَار إذ تاهَ في الأرض فلم يعلم الطريق.

وتطلق مجازاً على التردّد في الأمر بحيث لا يعلم مخرجه، وانتصب ﴿ حيران ﴾ على الحال من ﴿ الذي ﴾ .

وجملة: ﴿ له أصحاب ﴾ حال ثانية، أي له رفقة معه حين أصابه استهواء الجنّ.

فجملة ﴿ يدعونه ﴾ صفة ل ﴿ أصحاب ﴾ .

والدعاء: القول الدالّ على طلب عمل من المخاطب.

والهدى: ضدّ الضلال.

أي يدعونه إلى ما فيه هدَاه.

وإيثارُ لفظ ﴿ الهُدى ﴾ هنا لما فيه من المناسبة للحالة المشبَّهة.

ففي هذا اللفظ تجريد للتمثيلية كقوله تعالى: ﴿ فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ﴾ في سورة [البقرة: 17].

ولذلك كان لتعقيبه بقوله: قل إنّ هدى الله هو الهدى } وقع بديع.

وجوّز في «الكشاف» أن يكون الهدى مستعاراً للطريق المستقيم.

وجملة: ﴿ ائتنا ﴾ بيان ل ﴿ يدعونه إلى الهدى ﴾ لأنّ الدعاء فيه معنى القول.

فصحّ أن يبيّن بما يقولونه إذا دعَوه، ولكونها بياناً فُصلت عن التي قبلها، وإنَّما احتاج إلى بيان الدعاء إلى الهدى لتمكِين التمثيل من ذهن السامع، لأنّ المجنون لا يخاطب بصريح المقصد فلا يدعى إلى الهدى بما يَفهم منه أنَّه ضالّ لأنّ من خُلق المجانين العناد والمكابرة، فلذلك يدعونه بما يفهم منه رغبتُهم في صحبته ومحبتُهم إيَّاه، فيقولون: ايتنا، حتَّى إذا تمكَّنوا منه أوثقوه وعادوا به إلى بيته.

وقد شبّهت بهذا التمثيل العجيب حالة من فُرض ارتدادُه إلى ضلالة الشرك بعد هدى الإسلام لدعوة المشركين إيَّاه وتركه أصحابه المسلمين الذين يصدّونه عنه، بحَال الذي فسد عقله باستهواء من الشياطين والجنّ، فتاه في الأرض بعد أن كان عاقلاً عارفاً بمسالكها، وترك رفقته العقلاء يدعونه إلى موافقتهم، وهذا التركيب البديع صالح للتفكيك بأن يشبّه كل جزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بها، بأن يشبه الارتداد بعد الإيمان بذهاب عقل المجنون، ويشبّه الكفر بالهُيام في الأرض، ويشبّه المشركون الذين دعَوْهم إلى الارتداد بالشياطين وتُشَبّه دعوة الله الناس للإيمان ونزولُ الملائكة بوحيه بالأصحاب الذين يدعون إلى الهدى.

وعلى هذا التفسير يكون ﴿ الذي ﴾ صادقاً على غير معيّن، فهو بمنزلة المعرّف بلام الجنس.

وروي عن ابن عباس أنّ الآية نزلت في عبد الرحمان بن أبي بكر الصدّيق حين كان كافراً وكان أبوه وأمّه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى، وقد أسلم في صلح الحديبية وحسن إسلامه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ، وفي دُعائِها في هَذا المَوْضِعِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عِبادَتُها.

والثّانِي: طَلَبُ النَّجاحِ مِنها.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ ولا يَضُرُّنا؟

ودُعاؤُها لِما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِنَ العِقابِ ضارٌّ؟

قِيلَ: مَعْناهُ ما لا يَمْلِكُ لَنا ضَرًّا ولا نَفْعًا.

﴿ وَنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ ﴾ بِالإسْلامِ.

﴿ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِدْعاؤُها إلى قَصْدِها واتِّباعِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ  ﴾ أيْ تَقْصِدُهم وتَتْبَعُهم.

والثّانِي: أنَّها أمْرُها بِالهَوى.

وَحَكى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وامْرَأتِهِ حِينَ دَعَوا ابْنَهُما عَبْدَ الرَّحْمَنِ إلى الإسْلامِ والهُدى أنْ يَأْتِيَهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ في الحَقِّ الَّذِي خَلَقَ بِهِ السَّماواتِ والأرْضَ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الحِكْمَةُ.

والثّانِي: الإحْسانُ إلى العِبادِ.

والثّالِثُ: نَفْسُ خُلُقِها فَإنَّهُ حَقٌّ.

والرّابِعُ: يَعْنِي بِكَلِمَةِ الحَقِّ.

﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ لِيَوْمِ القِيامَةِ: كُنْ فَيَكُونُ، لا يُثَنِّي إلَيْهِ القَوْلَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ يَقُولُ لِلسَّماواتِ كُونِي صُورًا يُنْفَخُ فِيهِ لِقِيامِ السّاعَةِ، فَتَكُونُ صُورًا مِثْلَ القُرْآنِ، وتُبَدَّلُ سَماءً أُخْرى، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصُّورَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ النَّفْخَةَ الأُولى لِلْفَناءِ، والثّانِيَةَ لِلْإنْشاءِ عَلامَةً لِلِانْتِهاءِ والِابْتِداءِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّ الصُّورَ جَمْعُ صُورَةٍ تُنْفَخُ فِيها رُوحُها فَتَحْيا.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والغَيْبُ ما يَغِيبُ عَنْكم، والشَّهادَةُ ما تُشاهِدُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى نَفْخِ الصُّورِ هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ المُتَوَلِّي لِلنَّفْخَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ هذا مثل ضربه الله للآلهة وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل ضل عن الطريق تائهاً ضالاً إذ ناداه مناد فلان بن فلان هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في هلكة، وإن أجاب من يدعو إلى الهدى اهتدى إلى الطريق، وهذه الداعية التي تدعو في البرية الغيلان.

يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت فيستقبل الهلكة والندامة.

وقوله: ﴿ كالذي استهوته الشياطين في الأرض ﴾ يقول: أضلته وهم الغيلان، يدعونه باسمه واسم أبيه وجده فيتبعها ويرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في هلكه وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشاً، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ قل أندعوا من دون الله...

﴾ الآية.

قال: قال المشركون للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد.

فقال الله: ﴿ قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ﴾ فهذه الآلهة ﴿ ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ﴾ فيكون مثلنا ﴿ كمثل الذي استهوته الشياطين في الأرض ﴾ يقول: مثلكم إن كفرتم بعد الإِيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم يقولون ائتنا فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل من تبعكم بعد المعرفة لمحمد، ومحمد الذي يدعو إلى الطريق والطريق هو الإِسلام.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ﴾ قال: الأوثان.

وفي قوله: ﴿ كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ﴾ قالِ: رجل حيران يدعو أصحابه إلى الطريق، فذلك مثل من يضل بعد إذ هدى.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كالذي استهوته الشياطين...

﴾ الآية.

قال: هو الرجل الذي لا يستجيب لهدي الله، وهو رجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية وجار عن الحق وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى يزعمون أن الذي يأمرونه به هدى الله، ويقول الله ذلك لأوليائهم من الإِنس بقول ﴿ إن الهدى هدى الله ﴾ والضلالة ما يدعوا إليه الجن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: خصومة علمها الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يخاصمون بها أهل الضلالة.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي إسحاق قال: في قراءة عبد الله ﴿ كالذي استهواه الشيطان ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن أبي إسحاق قال: في قراءة عبد الله ﴿ يدعونه إلى الهدى بينا ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ يدعونه إلى الهدى بينا ﴾ قال: الهدى الطريق، أنه بين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا ﴾ الآية ﴿ أَنَدْعُو ﴾ ] (١) (٢) (٣) قال ابن عباس: (يقول: أنعبد ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ ما ليس عنده لنا منفعة، وإن عصينا لم يكن عنده لنا مضرة) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ قال الكلبي: (أي: نرد وراءنا إلى الشرك بالله) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ ﴾ اختلف أهل اللغة في معنى (٨) ﴿ اسْتَهْوَتْهُ ﴾ فقال الزجاج: (أي: كالذي زينت له الشياطين هواه) (٩) (١٠) ﴿ اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ ﴾ استمالته).

وقال الليث (١١) وقال غيره: ( ﴿ اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ ﴾ بمعنى استغوته ودعته إلى الضلال واستتبعته (١٢) (١٣) ﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ  ﴾ أي: تنزع إليهم وتقعدهم) (١٤) قال أبو علي الفارسي: (أرى قولهم: استهواه كذا، إنما هو من قولهم: هوى من حالق (١٥) ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ  ﴾ ، وكذلك هوى هو وأهواه غيره، وتقول (١٦) ﴿ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى  ﴾ ، كما تقول: أزله واستزله؛ قال تعالى: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ  ﴾ ، فكما أن استزله بمنزلة أزله، كذلك استهواه بمنزلة أهواه، كما أن استجاب بمنزلة أجاب) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وانفرد أبو إسحاق بقوله (٢٣) وقوله تعالى ﴿ حَيْرَانَ ﴾ ، قال الأصمعي (٢٤) (٢٥) (٢٦) ومعنى الحيرة (٢٧) ومنه قول لبيدٍ (٢٨) (٢٩) يقول: امتلأت ماءً فتردد على جوانبها.

قال ابن عباس: (هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل تائه ضال عن الطريق له أصحاب يدعونه إلى الطريق: هلم يا فلان إلى الطريق، فإن أتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في هلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الطريق اهتدى.

يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة مثل من دعاه الغيلان في المفازة باسمه واسم أبيه فيتبعها، ويرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في هلكة أو في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشًا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله) (٣٠) وقال مجاهد (٣١) (٣٢)  -، كان يدعو أباه إلى الكفر وأبوه يدعوه إلى الإِسلام) (٣٣) ﴿ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ ﴾ يريد: عبد الرحمن بن أبي بكر، قال الكلبي: (استفزّته الشياطين فعمل بالمعاصي ﴿ حَيْرَانَ ﴾ : ضال عن الهدى ﴿ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ﴾ يعني أبويه وأصحاب محمد  ) (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾ هذا جواب لعبد الرحمن حين دعا أباه إلى دين آبائه، قال ابن عباس في رواية عطاء: (وأبو بكر يقول: أَتبع ديني، ويخبره أن دين الله الهدى الذي هو عليه) (٣٥) قال أهل المعاني: (الآية من أولها إلى قوله ﴿ اَئتِنَا ﴾ إنكار على من دعا إلى الضلال وعبادة الأصنام، من آمن بالله وسلك طريق الهدى، وتشبيه حاله لو أجاب داعي الضلال بتشبيه حال التائه بسلوكه غير المحجة).

وقوله بعد هذا: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾ رد على من دعا إلى عبادة الأصنام، وكأنه بمنزلة: لا تفعل (٣٦) ﴿ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾ لا هدى غيره (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قال أبو إسحاق (٣٨) (٣٩) (١) لفظ: ﴿ أَنَدْعُو ﴾ ساقط من (أ).

(٢) قال ابن عطية 5/ 241، في الآية: (الدعاء يعم العبادة وغيرها لأن من جعل شيئًا موضع دعائه فإياه يعبد وعليه يتكل).

(٣) انظر: الطبري 7/ 235، والسمرقندي 1/ 493، والبغوي 3/ 156.

(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 63، وفي "تنوير المقباس" 2/ 30 نحوه، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 66 بدون نسبة.

(٥) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 236، و"معاني النحاس" 2/ 445، و"تفسير ابن عطية" 5/ 241.

(٦) "تنوير المقباس" 2/ 30، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 63.

(٧) "معاني القرآن" 2/ 262، والنص فيه: (أي: نرجع إلى الكفر، ويقال لكل من أدبر: قد رجع إلى خلف، ورجع القَهْقَرى) اهـ.

وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 196، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 138، و"تفسير الطبري" 7/ 235 - 236، و"معاني النحاس" 2/ 445، و"تفسير ابن عطية" 5/ 241.

(٨) هوى أصل يدل على خُلُوٍّ وسقوط، والهَوَى بالفتح مقصور: هوى النفس؛ وهَوِيَ، بكسر الواو: أحَبَّ، وهَوَى، بالفتح أيضًا: سقط، واستهواه الشيطان: اسْتَهَامه، انظر: "البارع" ص 166، و"الصحاح" 6/ 2537، و"المجمل" 4/ 893، و"مقاييس اللغة" 6/ 15، وقال الراغب في "المفردات" ص 749 معنى الآية: (حملته على اتباع الهوى) اهـ.

(٩) "معاني القرآن" 2/ 262، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 446.

(١٠) ذكره أبو علي في "الحجة" 3/ 325، وهو قول اليزيدي في "غريب القرآن" ص 138، وقال أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 196: (هو الحيران الذي يشبه له الشياطين فيتبعها حتى يهوى في الأرض فيضل) اهـ.

(١١) "تهذيب اللغة" 4/ 3814، وانظر: "العين" 4/ 105 (هوى).

(١٢) في (ش): (فاستتبعته).

(١٣) انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 18.

(١٤) هذا قول الطبري في "تفسيره" 13/ 234، وفي "تفسير غريب القرآن" ص 237 قال: (هوت به وذهبت).

(١٥) في (ش): (خالق)، وهو تصحيف.

(١٦) في (ش): (ويقول).

(١٧) "الحجة" لأبي علي 3/ 325 - 326 بتصرف يسير.

وقال ابن عطية 5/ 242، وأبو حيان في "البحر" 4/ 157: (ذهب أبو علي إلى أنه بمعنى: أهوى من هوى يهوي إذا سقط من علو، أي: ألقته الشياطين في هوة) ا.

هـ.

بتصرف.

(١٨) انظر: "الجمهرة" 2/ 998، و"اللسان" 8/ 4728 (هوى) والمراجع السابقة.

(١٩) في (أ): (وعلى هذا كلام ابن عباس: يدل).

(٢٠) في (ش): (استغوته).

(٢١) غيلان: جمع غول بالضم، وهو شيطان يأكل الناس، وسحرة الجن، والداهية.

انظر: القاموس ص 1040 (غول).

(٢٢) ذكره الثعلبي 179 ب بلفظ: (استفزته)، والبغوي 3/ 156.

بلفظ: (استهوته)، والسيوطي في "الدر" 3/ 40 بلفظ (أضلته) وفي "تنوير المقباس" 2/ 31 بلفظ (استزلته).

(٢٣) قال الأزهري في "تهذيبه" 4/ 3813: (جعله الزجاج من هوِي بفتح الهاء وكسر الواو يَهْوَى بالفتح) اهـ.

فيكون من هوى النفس، وليس من هَوَى بالفتح يَهْوِي بكسر الواو إلى الشيء إذا أسرع إليه.

وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 155: (جعله الزمخشري من الهوى، وهو الميل والمودة، أي: أمالته الشياطين عن الطريق الواضح إلى المهمه القفر) ا.

هـ.

بتصرف، وانظر: "الكشاف" 2/ 28، والقرطبي 7/ 18.

(٢٤) "تهذيب اللغة" 1/ 695 (حار).

(٢٥) في (ش): (يحار، حيرة وحيرة)، ولعل حيرة الثانية تحريف عن: وحيرًا.

(٢٦) ذكره الرازي 13/ 30، والمصدر: حيرورة، ذكره القرطبي 7/ 18، والشوكاني 2/ 188، وفي "البحر" 4/ 144 قال: (حارَ يحَارُ حَيْرَة وحَيْرًا وحيرانًا وحيرورة) ا.

هـ.

والنص عن الفراء لعله من كتاب المصادر المفقود.

(٢٧) انظر: "العين" 3/ 288، و"الصحاح" 2/ 640، و"مقاييس اللغة" 2/ 23، و"المفردات" ص 263، و"عمدة الحفاظ" ص 145 (حير).

(٢٨) "ديوانه"ص 153، و"تهذيب اللغة" 1/ 698، و"اللسان" 2/ 1067 (حار)، وتحيرت: امتلأت وأقام فيها الماء ولم يشرب، والدبار: جمع دبرة، وهي الساقية ومجاري الماء في المزرعة، والزلف: جمع زلفة، وهي مصانع الماء، والقِتْبُ -بالكسر-: السانية وأدواتها، والمحزوم: المربوط بالحزام.

انظر: "اللسان" 6/ 3524 (قتب).

(٢٩) في النسخ الديار.

وفي (ش): (المخزوم)، وهو تصحيف وخلاف ما في المراجع.

(٣٠) أخرجه الطبري 7/ 236، وابن أبي حاتم 4/ 1312 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 259.

(٣١) "تفسير مجاهد" 1/ 218، وأخرج الطبري 7/ 236، وابن أبي حاتم 4/ 132 من طرق جيدة نحوه، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 41.

(٣٢) عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن عامر التيمي القرشي أبو محمد صحابي جليل، أكبر ولد الصديق، وشقيق عائشة  ما، أسلم قبيل الفتح، وكان فارسًا من أشجع قريش وأرماهم بسهم، شهد اليمامة والفتوح.

وتوفي سنة 53 هـ أو بعدها.

انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري 5/ 242، و"الاستيعاب" 2/ 382، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 294، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 471، و"الإصابة" 2/ 407، و"تهذيب التهذيب" 2/ 525.

(٣٣) "تنوير المقباس" 2/ 31، وذكره السمرقندي 1/ 494، والماوردي 2/ 132، وابن الجوزي 3/ 67، والقرطبي 7/ 18، وذكره أكثرهم بلا نسبة.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 568، و"معاني الزجاج" 2/ 262، والثعلبي 179 ب، و"الكشاف" 2/ 29، والرازي 13/ 30، وضعف هذا القول ابن عطية 5/ 244، وأبو حيان في "البحر" 4/ 157 لما في "صحيح البخاري" (4827) كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحقاف عن عائشة  ا قالت: (ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عُذري) ا.

هـ.

وانظر: شرحه في "فتح الباري" 8/ 576.

(٣٤) "تنوير المقباس" 2/ 31، وفي "معاني الفراء" 1/ 339، قال: (كان أبو بكر الصديق وامرأته يدعوان عبد الرحمن ابنهما إلى الإسلام فهو قوله: ﴿ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ﴾ أي: أطعنا) اهـ.

(٣٥) سبق تخريجه في الفقرة السابقة.

(٣٦) في (ش): (يفعل).

(٣٧) انظر: "الطبري" 7/ 238، والبغوي 3/ 156، و"البحر المحيط" 4/ 157 - 158.

(٣٨) "معاني الزجاج" 2/ 262، وزاد: (أي: يدعونه ويقولون له: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: أمرنا للإسلام ...) اهـ.

(٣٩) انظر: "معاني الفراء" 1/ 339، والأخفش 2/ 277، والطبري 7/ 238، و"إعراب النحاس" 1/ 556، و"الدر المصون" 4/ 686.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله ﴾ الآية: إقامة حجة وتوبيخ للكفار ﴿ وَنُرَدُّ على أَعْقَابِنَا ﴾ أي نرجع من الهدى إلى الضلال وأصل الرجوع على العقب في المشي، ثم استعير في المعاني، وهذه جملةمعطوفة على أندعوا، والهمزة فيه للإنكار والتوبيخ ﴿ كالذي استهوته الشياطين ﴾ الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير في نرد: أي كيف نرجع مشبهين من استهوته الشياطين، أو نعت لمصدر محذوف تقديره رداً كرج الذ، ومعنى استهوته الشياطين: ذهبت به في مهامه الأرض، وأخرجته عن الطريق فهو: استفعال من هوى يهوي في الأرض إذا ذهب فيها، وقال الفارسي: استهوى بمعنى: أهوى ومثل استذل بمعنى أذل ﴿ حَيْرَانَ ﴾ أي ضال عن الطريق، وهو نصب على الحال من المفعول في استهوته ﴿ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى ائتنا ﴾ أي لهذا المستهوي أصحاب وهم رفقة يدعونه إلى الهدى، أي إلى أن يهدوه إلى الطريق، يقولون له: ائتنا، وهو قد تاه وبعد عنهم فلا يجيبهم؛ وهذا كله تمثيل لمن ضل في الدين عن الهدى، وهو يدعى إلى الإسلام فلا يجيب، وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين كان أبوه يدعوه إلى الإسلام، ويبطل هذا قول عائشة: ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن إلا براءتي.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ توفته ﴾ و ﴿ استهوته ﴾ ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث ﴿ قل من ينجيكم ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس.

الباقون: بالتشديد ﴿ وخفية ﴾ بالكسر حيث كان: أبو بكر وحماد.

الباقون: بالضم ﴿ أنجانا ﴾ ممالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ أنجانا ﴾ بدون الإمالة: عاصم.

الباقون ﴿ أنجيتنا ﴾ ﴿ قل الله ينجيكم ﴾ بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف وعاصم وهشام.

الباقون: بالتخفيف ﴿ بعضٍ انظر ﴾ وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان ﴿ ينسينك ﴾ بالتشديد: ابن عامر.

الوقوف: ﴿ حفظة ﴾ ط ﴿ لا يفرطون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الحاسبين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط لاحتمال الإضمار أي يقولون لئن أنجيتنا، وتعلق "لئن" بمعنى القول في ﴿ تدعونه ﴾ أصح ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ بأس بعض ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ وهو الحق ﴾ ط ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ط للإبتداء بــ"سوف" على التهديد مع شدة اتصال المعنى ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ ولا شفيع ﴾ ط للشرط مع العطف ﴿ بما كسبوا ﴾ لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ وقوله ﴿ لهم شراب ﴾ خبر ﴿ الهدى ائتنا ﴾ ج ﴿ هو الهدى ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ في الصور ﴾ ط ﴿ والشهادة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه.

التفسير: من الدلائل الدالة على كمال قدرته وحكمته قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ والمراد منه الفوقية بالقدرة والتسخير كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان أي أنه أعلى وأنفذ منه، ولا ريب أن الممكنات بأسرها تحت تصرف الواجب ينقلها من حيز العدم إلى حالة الوجود وبالعكس، ويتصرف فيها كيف يشاء، علويات كن أو سفليات، ذوات أو صفات، نفوساً أو أبداناً، أخلاطاً وأركاناً.

ومن جملة قهره إرسال الحفظة - وهي جمع حافظ - على عبيده بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي والمباحات لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  ﴾ وعلى أفعالهم بقوله ﴿ يعلمون ما تفعلون  ﴾ وأما صفات القلوب كالجهل والعلم فليس في الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها.

وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: انتظر لعله يتوب عنها فإن لم يتوب عنها فإن لم يتب كتب عليه.

قالت العلماء: من فوائد هذه الكتبة أن المكلف إذا علم أن الملائكة الموكلين عليه يكتبون أعماله في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك زجراً له عن القبائح.

ومنها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة فإن وزن الأعمال غير ممكن.

ومنها التعبد فعلى الملكلف أن يؤمن بكل ما ورد به الشرع وإن لم يعرف وجه الحكمة في بعض ذلك.

وقال بعض الحكماء: الحفظة النفوس والقوى الجسمانية التي تحفظ الأركان مع طبائعها المتضادة على امتزاجها.

وقال بعض القدماء: منهم النفوس البشرية والأرواح السفلية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والخساسة، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومنامها على سبيل الرؤيا تارة، وعلى سبيل الإلهامات أخرى.

فالأرواح الخيرة لها مبادٍ من عالم الأفلاك وكذا الأرواح الشريرة وتلك المبادىء في مصطلحهم تسمى بالطباع التام لأن تلك الأرواح في تلك الطبائع والأخلاق تامة كلها وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته، لأصحاب الطلسمات والعزائم في هذا الباب كلام كثير.

وقيل: إن النفوس المفارقة تميل إلى ما يناسبها ويساويها في الطبيعة والماهية من النفوس المتعلقة بالأبدان فتحفظها وتعينها ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ أي وقته أو أماراته ﴿ توفته رسلنا ﴾ أي بإذننا وتفويضنا فالمتوفى بالحقيقة هو الله  كما قال الله ﴿ يتوفى الأنفس حين موتها  ﴾ .

وهؤلاء الرسل أتباع ملك الموت في قوله ﴿ يتوفاكم ملك الموت  ﴾ وهل هم الحفظة بأعيانهم أم غيرهم فيه قولان: أشهرهما الثاني لكون ملائكة الروح والريحان وهم الريحانيون غير ملائكة الكرب والأحزان وهم الكروبيون.

وعن مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين.

﴿ وهم لا يفرطون ﴾ لا يقصرون فيما أمرهم الله  به وفيه مدح لهم بالعصمة ﴿ ثم ردوا إلى الله ﴾ أي إلى حكمه وجزائه ﴿ مولاهم الحق ﴾ صفتان والضمير في ﴿ ردوا ﴾ إما للملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أولئك الملائكة، أو إلى البشر أي أنهم بعد موتهم يردون إلى الله  والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب، فإذا ماتوا انتقلوا إلى تصرف المولى الحق.

وفيه إشعار بأن الإنسان شيء آخر وراء هذا الهيكل المحسوس فإن هذا الهيكل يبقى ميتاً والإنسان مردود إليه  .

وفي لفظ الرد إشارة إلى أن الروح كان موجوداً قبل البدن وقد تعلق به زماناً ثم ردّ إلى موضعه الأصلي وهو عالم الأرواح بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ألا له الحكم ﴾ كقوله: ﴿ إن الحكم إلا لله  ﴾ ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ حساباً قيل: إنه  يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة فلا يشغله كلام عن كلام.

وقيل: يحاسب كل إنسان واحد من الملائكة بإذن الله تعالى لأنه لو حاسب الكفار بذاته لتكلم معهم وهو محال لقوله ﴿ ولا يكلمهم الله  ﴾ وقال الحكيم: معنى سرعة المحاسبة ظهور الملكات في الهيآت على النفس في آن قطع التعلق، قليلة كانت أو كثيرة، حميدة أو ذميمة، وبعد تعارض البعض بالبعض يبقى ما هو أغلب وبحسب ذلك يكون الثواب أو ضده.

وذلك أنه لا يحصل للإنسان لحظة ولا لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويظهر منها في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو ضدها قل أو كثر وهو المراد بكتبة الأعمال.

قال الجبائي - ههنا: لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة الآن وقبل خلقه وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم.

وعورض بالعلم فإنه كان قبل العالم عالماً بأنه سيوجد وبعد وجوده صار عالماً بأنه وجد ولا يلزم منه تغير العلم.

ثم عدّد لطفه وإحسانه بقوله ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ مجازاً عن مخاوفهما وأهوالهما يقال ليوم الكربة: يوم مظلم وذو كواكب كأنه أظلم عليه وجه الخلاص، ويحتمل أن تكون الظلمات بالحقيقة.

وظلمات البر ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمات البحر هما مع ظلمة الماء.

﴿ تدعونه ﴾ في موضع الحال ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ مفعول لأجلهما أو تمييز أو مصدر خاص.

والمراد أن الإنسان عند حصول هذه الشدائد يأتي بأمور: أحدها الدعاء.

الثاني التضرع.

والثالث: الإخلاص بالقلب وهو المعني بقوله ﴿ وخفية ﴾ ورابعها: التزام الشكر هو المراد من قوله ﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الظلم والشدة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ فبين الله  أنه إذا شهدت الفطرة السليمة في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ولا معول إلا عليه وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات.

ثم بين أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الحزن والكرب، ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك الجلي وهو عبادة الأوثان أو الخفي وهو اتباع الهوى.

وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الخوف أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا.

ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل التوحيد مقروناً بنوع من التخويف فقال ﴿ قل هو القادر ﴾ واللام للعهد أو للجنس فيفيد أنه هو الذي عرفتموه قادر، وهو الكامل القدرة ﴿ على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ كالمطر أو الحجارة مثل ما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ كما أغرق فرعون وخسف بقارون.

وقيل: من قبل أكابركم وسلاطينكم أو من جهة سفلتكم وعبيدكم.

وقيل: هو حبس المطر والنبات ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ هي جمع شيعة أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام.

ومعنى خلطهم أن يوقع القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال.

عن رسول الله  "سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ دلالة على أن الأهواء المختلفة والآراء الفاسدة والبدع كلها من الله  وفي قوله ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ إشارة إلى أن أن المعاصي وأنواع الظلم مستندة إلى الله  وقالت المعتزلة: الآية لا تدل إلا على أنه تعالى قادر على القبيح والنزاع في أنه هل يفعل ذلك أم لا؟

وأجيب بأن الآية دلت على أن القدرة على هذه الأمور تختص به، وهذه الأمور واقعة فيكون هو فاعلها بالضرورة ﴿ انظر كيف نصرف الآيات ﴾ نقرر الدلائل الواضحات.

وقد قال مثل ذلك فيما قبل فالتقدير: انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون فلا نعرض عنهم بل نكررها ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ ﴿ وكذب به ﴾ أي بالعذاب المذكور في الآية السابقة ﴿ قومك ﴾ يعني قريشاً ومن دان بدينهم ﴿ وهو الحق ﴾ أي لا بد أن ينزل بهم.

وقيل: أي بالقرآن وهو الحق لأنه كتاب منزل من عند الله.

وقيل: أي بتصريف الآيات لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات.

﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ أي بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر.

﴿ لكل نبأ لكل ﴾ خبره يخبره الله  ﴿ مستقر ﴾ أي استقرار أو موضع استقرار.

والمراد بالنبأ المنبأ به لأن النبأ قد حصل، والمقصود أن لعذاب الله  أو لاستيلاء المسلمين على الكفار بالقتل والأسر والقهر وقتاً ومكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير ﴿ وسوف تعلمون ﴾ فيه من التهديد ما فيه.

ثم بين أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مجالستهم فقال ﴿ وإذا رأيت ﴾ أيها السامع ﴿ الذين يخوضون في آياتنا ﴾ والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللغو والعبث، ويقرب منه قول المفسرين إنه في الآية الشروع في آيات الله على سبيل الطعن والاستهزاء وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك ﴿ فأعرض عنهم ﴾ بالقيام عنهم لقوله بعد ذلك ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ وقيل: المطلوب إظهار الإنكار وكل طريق أفاد هذا الغرض وإن كان غير القيام عن مجلسهم فإنه يجوز المصير إليه، هذا عند عدم الخوف، أما مع الخوف فهذا الفرض ساقط والتقية واجبة.

نعم كل ما أوجب على الرسول  فعله وجب عليه، سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر وإلا لم يبق الاعتماد على التكاليف التي يبلغها ﴿ وإما ينسينك الشيطان ﴾ أي يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ بعد أن تذكر النهي ﴿ مع القوم الظالمين ﴾ أي معهم فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم.

قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.

وقال الفراء: هي الذكر.

قال في الكشاف بناء على مذهبه: يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى، بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم.

قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لم يكن الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان.

قال ابن عباس: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزلت الرخصة أن يقعدوا معهم ويذكروهم ويفهموهم بقوله ﴿ وما على الذين يتقون ﴾ أي الشرك والكبائر والفواحش ﴿ من حسابهم ﴾ من ذنوبهم التي يحاسبون عليها ﴿ من شيء ولكن ذكرى ﴾ أي ولكن يذكرونهم تذكيراً، أو ولكن عليهم أن يذكروهم، أو ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى.

ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿ من شيء ﴾ كقول القائل: ما في الدار من أحد ولكن زيد لأن قوله ﴿ من حسابهم ﴾ يأبى ذلك فإن الذكرى ليس من حساب المشركين.

ثم أكد الإعراض عنهم بقوله ﴿ وذر الذين ﴾ والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم والمبالاة بهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم كقوله ﴿ فأعرض عنهم وعظهم  ﴾ وصفهم بوصفين الأوّل أنهم ﴿ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ وفيه وجوه: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤا، أو أتخذوا ما هو لعب ولهو يعني عبادة الأوثان وغيرها ديناً لهم، أو المراد ما كانوا يحكمون به بمجرد التقليد والهوى كتحريم البحائر والسوائب، أو المراد أن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا أعيادهم لعباً ولهواً لا كالمسلمين حيث اتخذوا عيدهم كما شرعه الله  .

قال ابن عباس: أو هو إشارة إلى من جعل دين الإسلام وسيلة إلى المناصب والرياسات والغلبة والجلال لا لأنه حق وصدق في نفسه.

ويؤكد هذا الوجه الوصف الثاني وهو قوله ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ كأنهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا ﴿ وذكر به ﴾ أي بالقرآن أو بالدين القويم مخافة ﴿ أن تبسل نفس ﴾ قال الحسن ومجاهد: أن تسلم إلى الهلاك والعذاب وترتهن بسوء فعلها وأصله المنع فالمسلم إليه وهو العذاب يمنع المسلم ومنه الباسل الشجاع لامتناعه من قرنه.

وقال قتادة: تحبس في جهنم.

وعن ابن عباس: تفتضح ﴿ ليس لها ﴾ أي النفس ﴿ من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ﴾ إن تفد كل فداء لأن الفادي يعدل المفدى بمثله ﴿ لا يؤخذ منها ﴾ قال في الكشاف: فاعل ﴿ يؤخذ ﴾ قوله ﴿ منها ﴾ لا ضمير العدل لأن العدل ههنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ.

وأما في قوله ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ فبمعنى المفدى به فصح إسناده.

قلت: إن فسر الأخذ بالقبول كما في قوله ﴿ ويأخذ الصدقات  ﴾ ارتفع الفرق.

﴿ أولئك ﴾ المتخذون ﴿ هم الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ ثم بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين بقوله ﴿ لهم شراب من حميم ﴾ ثم رد على عبدة الأصنام بقوله ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ النافع الضار ﴿ ما لا ينفعنا ولا يضرنا ﴾ أي لا يقدر على النفع والضر ﴿ ونرد ﴾ داخل في الاستفهام أي أنرجع إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله  منه وهدانا للإسلام، فإن الردة عود إلى الحالة الأولى التي كان الإنسان عليها من الجهل كقوله ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً  ﴾ ﴿ كالذي استهوته ﴾ محله النصب على الحال من الضمير في ﴿ نرد ﴾ أي أننكص على العقبين مشبهين من استهوته وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه أي سقوطه من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة كقوله: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء  ﴾ وقيل: اشتقاقه من اتباع الهوى و ﴿ حيران ﴾ حال أخرى لكن من الضمير في ﴿ استهوته ﴾ وكذا الجملة بعده.

ومعنى الحيرة التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه منه.

ومنه تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.

﴿ له ﴾ أي لهذا المستهوي ﴿ أصحاب ﴾ رفقة ﴿ يدعونه إلى الهدى ﴾ أي إن يهدوه الطريق المستوي فيكون مصدراً.

وسمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له ﴿ ائتنا ﴾ أو الدعاء في معنى القول وهذا بناء على ما تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن والغيلان تستهوي الإنسان وتستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الحق وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن غير ملتفت اليهم.

وقيل: إن لذلك الكافر أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى.

وروي أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فإنه كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان ﴿ قل إن هدى الله ﴾ وهو الإسلام ﴿ هو ﴾ الذي يحق أن يسمى هدى وما وراءه غي وضلال ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا ﴾ قال الزجاج: لا بد من تأويل ليستقيم العطف فالتقدير: وأمرنا لنسلم ولنقيم، أو أمرنا أن أسلموا وأن أقيموا: قيل: والسر في العدول عن الظاهر أن المكلف كالغائب ما لم يسلم فإذا أسلم صار كالحاضر.

وتقرير الآية أن متعلق الأمر إما أن يكون من باب الأفعال أو من باب التروك.

والأول إما أن يكون من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح، ورئيس أفعال القلوب الإيمان بالله والإسلام وهو قوله ﴿ لنسلم ﴾ ورئيس أعمال الجوارح الصلاة وهو قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ ثم أشار إلى جوامع التروك بقوله ﴿ واتقوه ﴾ ثم قال ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ ليعلم أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر.

ثم دل على وجود الحاشر بقوله ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض ﴾ قائما أو ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ بالحكم اللطيفة والغايات الصحيحة والأغراض المطابقة، وذلك أنه أودع في هذه الأجرام قوى وخواص وآثاراً تتضمن مصالح الأبدان ومباهج نوع الإنسان وهكذا خلق ﴿ يوم يقول كن فيكون قوله الحق ﴾ فقوله فاعل ﴿ يكون ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ والمعنى أنه  خلق العالم من الأفلاك والطبائع والعناصر والمواليد، وخلق يوم القيامة لرد الأرواح إلى الأجساد بطريق "كن فيكون" وعلى هذا يجوز أن يكون قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ وخبراً مستأنفاً، أو قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ يوم يقول ﴾ ظرف دال على الخبر مثل "يوم الجمعة القتال" أي القتال واقع يوم الجمعة.

والمراد أن قضاءه في ذلك اليوم حق وصدق خالٍ عن الجور والعبث ﴿ ويوم ينفخ ﴾ ظرف لقوله ﴿ وله الملك ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم  ﴾ والمقصود أنه لا ملك في ذلك اليوم إلا له من غير دافع ولا منازع.

والصور باتفاق أكثر أهل الإسلام قرن ينفخ فيه ملك من الملائكة كما جاء في مواضع من القرآن ﴿ ونفخ في الصور فصعق  ﴾ ففزع ﴿ فإذا نقر في الناقور  ﴾ وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة.

وخطأه الأئمة فقالوا: كل جمع على لفظ الواحد سبق جمعه واحده فواحده بزيادة هاء فيه كالصوف، أما إذا سبق الواحد الجمع فليس كذلك كغرفة وغرف ولهذا يجمع صورة الإنسان على صور بالفتح كقوله ﴿ فأحسن صوركم  ﴾ ومن أسكن فقد أخطأ، ومما يدل على أن الصور هو القرن لا جمع صورة الإنسان أنه  لم يضف النفخ إلى نفسه كما قال ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ﴿ فنفخنا فيها من روحنا  ﴾ ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] ثم لما بين كمال قدرته بقوله وله الملك ذكر كمال علمه بقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ﴿ وهو الحكيم ﴾ المصيب في أقواله وأفعاله ﴿ الخبير ﴾ النافذ علمه في بواطن الحقائق من غير اشتباه والتباس، فإن أمر البعث لا يتم إلا بقدرة كاملة وعلم تام كيلا يشتبه المطيع والعاصي والصديق والزنديق.

التأويل: ﴿ وهو القاهر ﴾ بوصف الجلال للأولياء، قهار بوصف الجبروت للأعداء.

﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ من صفات قهره حتى لو أرادت نفسه الخروج عن قيد مجاهدتها قهرتها سطوات العتاب فردتها إلى بذل الجهد، وإن أراد قلبه فرجة عن مطالبات العزة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرقات قهرته بوارق التجلي فردته إلى بذل المهجة ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ يعني الفناء عن أوصاف الوجود ﴿ توفته ﴾ رسل صفات قهرنا وهم لا يقصرون في إفناء الأوصاف ﴿ ثم ردوا ﴾ إلى البقاء بالله ﴿ قل الله ينجيكم من ظلمات ﴾ بر الأجسام وبحر الأرواح فإن عالم الأرواح بالنسبة إلى عالم الألوهية ظلمانية.

﴿ تدعونه تضرعا ﴾ بالجسم ﴿ وخفية ﴾ بالروح ﴿ ومن كل كرب ﴾ آفة وفتنة ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ حين يتجلى لكم نور من أنوار صفاته، فبعضكم يقول: أنا الحق وبعضكم يقول: سبحاني ما أعظم شأني ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ بسدل حجاب العزة والغيرة بينه وبينكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ حجاباً من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ بجعل الخلق فيكم فرقاً.

فمن قائل هم الصديقون، ومن قائل هم الزنديقون ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ بالقتل والصلب وقطع الأطراف ﴿ انظر كيف نصرف ﴾ آيات المصارف للسائرين إلى الله ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ لشرائط السير ولا يفقهون في مقام دون الفناء عن كلية الوجود بالبقاء بشهود المعبود ﴿ وكذب ﴾ بهذا المقام ﴿ قومك ﴾ المنكرون ﴿ وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ﴾ لا أسلك طريق هذا المقام بوكالتكم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى كما قال ﴿ لكل نبأ مستقر ﴾ أي لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب أو دركات البعد ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون ﴾ في أحوال الرجال ولا حظ لهم منها ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ولا تجالسهم ﴿ حتى يخوضوا في حديث ﴾ غير تلك الطامات التي هي ريح في شبح.

﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ لأن همهم من لبس الخرقة والتزيي بزي الطالبين إنما هو الدنيا وقبول الحق ﴿ أن تبسل نفس ﴾ أي كراهة أن يبطل استعدادها بالكلية ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ بمقامات الرجال من الوصول والوصال ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ أنطلب غير الله الذي هو النافع الضار.

والنفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه، والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه.

﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ إلى مقام الإثنينية التي كنا فيها بعد أن هدانا الله إلى الوحدة كالذي أضلته شياطين الجن والإنس في أرض البشرية باتباع الهوى ﴿ حيران ﴾ من إغوائهم.

﴿ وأمرنا لنسلم ﴾ بترك الوجود كالكرة في ميدان القدرة مستسلماً لصولجان القضاء ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ بمحافظة الأسرار عن الأغيار والاتقاء به عن غيره ليحشر إليه لا إلى الجنة أو النار كما قال: ألا من طلبني وجدني.

﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي لإظهار صفاته، فجعل المخلوقات مرآة لجماله وجلاله وإذا أراد أن يرى عبداً من عباده تلك الصفات يقول له: كن رائياً فيكون، ولن يصير رائياً بمجرد سعيه لأن قوله في حق الإنسان كن رائياً هو الحق وله ملك الإراءة وملك الرؤية، ينفخ الإراءة في صور القلب ﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما اختص الإنسان بإراءة الآيات ﴿ الخبير ﴾ بمن يخصه من بين الناس بالإراءة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ﴾ : يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل: أن يكون أولئك الكفرة دعوا رسول الله أو المؤمنين إلى عبادة الأصنام التي كانوا يعبدونها، فقال عند ذلك: ﴿ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ﴾ ، بعدما عبدنا الله الذي يملك نفعنا وضرنا.

أو كان أهل الكفر يدعون أهل الإسلام إلى عبادة الأوثان التي كانوا يعبدونها: إما طمعاً بشيء يبذلونه؛ ليرجعوا إلى عبادة الأوثان [والأصنام] عن عبادة الله، أو تخويفاً منهم لهم، فقال: قل يا محمد أندعو من دون الله ما لا يملك نفعنا إن عبدناه، ولا يملك ضرنا إن تركنا عبادته، بعدما عبدنا الذي يملك نفعنا إن عبدناه، ويملك ضرنا إن تركنا عبادته؟!

وعن ابن عباس -  -: ﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ﴾ : هذا مثل ضربه الله للأصنام التي عبدوها دون الله، ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله وإلى عبادته؛ كمثل رجل ضل به الطريق؛ فبينما هو ضال إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق وله أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا ﴾ : في الكفر والشرك.

﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ ﴾ .

يقول: مثلهم إن كفروا بعد الإيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل الطريق فحيرته الشياطين [واستهوته] في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا؛ فإنا على الطريق، قال: فلم يأتهم؛ فذلك مثل من تبعكم بعد المعرفة بمحمد، ومحمد  هو الذي يدعوهم إلى الطريق وهو الهدى.

ويحتمل أن يكون المثل الذي ضربه من وجه آخر، وهو أن مثل هؤلاء كمثل من كان في بعض المفاوز والبراري، فضل الطريق [به]، فذهب به الغيلان حتى أوقعوه في الهلكة؛ وهو الذي تقدم ذكره.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ﴾ أنه ما من أحد: من مشرك ومؤمن، إلا وله أصحاب يدعونه: أما المؤمن: فله أصحاب من الملائكة يدعونه إلى الهدى، والكافر: له شياطين يدعونه إلى الشرك؛ هذا أشبه أن يحمل عليه، لكن أهل التأويل حملوا [الآية] على ما ذكرنا.

قال قتادة: هذه خصومة علمها الله محمدا [يخاصم بها] أهل الشرك؛ لأن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك.

قال ابن عباس -  -: ﴿ ٱسْتَهْوَتْهُ ﴾ : أضلته.

قال أبو عوسجة: أي: ذهبت به، استهوته وأهوته واحد، أي: دعته إلى الهلكة، وقيل: أضلته.

وقوله: ﴿ وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا ﴾ .

أي: نرجع عن الإيمان إلى الشرك، ﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .

قيل: بيان الله هو البيان.

وقيل: إن دين الله هو الهدى وهو الدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

قيل: هذا صلة قوله: ﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ﴾ ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

وقال بعضهم: ليس على الصلة، ولكن على الابتداء: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، وقل لهم: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ .

﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: خلق السماوات والأرض بالحق لم يخلقهما باطلا؛ كقوله  : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً  ﴾ .

قيل: لم يخلقهما باطلا، ولكن خلقهما بالحق، وهو يحتمل وجوهاً: قيل: خلقهما للعاقبة؛ لأن كل أمر لا عاقبة له فهو باطل ليس بحق، فإنما خلق السماوات والأرض وما بينهما للعاقبة وذلك لأمر عظيم؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ .

وقيل: قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: خلقهما ليمتحن فيهما ولمحنة سكانهما، لم يخلقهما لغير شيء.

وقيل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: خلقهما بالحكمة من نظر فيهما وتدبر؛ للدلالة على أن لهما خالقاً ومدبراً، والدلالة على أن مدبرهما ومنشئهما واحد، فإذا كان كذلك كان خلقهما بالحق بالحكمة والعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُن فَيَكُونُ ﴾ .

قد ذكرنا أن قوله: ﴿ كُن ﴾ هو أوجز كلام في لسان العرب يعبر به فيفهم منه، لا أَنْ كَانَ مِنَ اللهِ كافٌ أو نونٌ، لكنه ذكر - والله أعلم - ليعلموا أن ليس على الله في الإحياء والإنشاء بعد الموت مؤنة؛ كما لم يكن على الخلق في التكلم بـ "كن" مؤنة، ولا يصعب عليهم ذلك؛ فعلى ذلك ليس على الله في البعث بعد الموت مؤنة ولا صعوبة.

والثاني: ذكر هذا لسرعة نفاذ البعث؛ كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ أخبر أن خلقهم وبعثهم ليس إلا كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة، وكقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ يخبر لسرعة نفاذ الساعة وبعثهم، وذلك أن الرجل قد يلمح البصر وهو لا يشعر به؛ فعلى ذلك القيامة قد تقوم وهم لا يشعرون.

والثالث: يذكر هذا - والله أعلم - أن البعث بعد الموت والإحياء إعادة، وإعادة الشيء عندكم أهون من ابتداء إنشائه؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ أي: هو أهون عليه عندكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ﴾ .

يحتمل: ﴿ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ﴾ ، أي: البعث بعد الموت حق على ما أخبر.

ويحتمل: ﴿ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ﴾ ، أي: ذلك القول منه حق يكون كما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ \[أي\]: ملك ذلك اليوم؛ كقوله: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ  ﴾ ذكر هذا - والله أعلم - لما لا ينازعه أحد في ملك ذلك اليوم، وقد نازعه الجبابرة في الملك في الدنيا، وإن لم يكن لهم ملك ولا ألوهية.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ ، أي: ملك جميع الملوك له في الحقيقة؛ كقوله: ﴿ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّور ﴾ : قال بعضهم: النفخ: هو الروح، والروح من الريح، والروح إنما تدخل بالنفخ ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ .

وقال بعضهم: لا يكون هناك في الحقيقة نفخ، ولكن يذكر لسرعة نفاذ الساعة؛ لأن الرجل قد يتنفس وهو لا يشعر به، فذكر هذا لسرعة نفاذ الساعة؛ لأنه ليس شيء أسرع جرياناً ونفاذاً من الريح.

وقال بعضهم: هو على حقيقة النفخ وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلصُّورِ ﴾ قال بعضهم: في صور الخلق، وقال بعضهم: الصور قرن ينفخ [فيه] إسرافيل فلا ندري كيف هو، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى أن فيه ما ذكرنا من سرعة نفاذ البعث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ ﴾ .

أي: يعلم ما يغيب الخلق بعضهم من بعض.

﴿ وَٱلشَّهَٰدَةِ ﴾ ، ما يشهد بعضهم بعضاً.

أو يحتمل عالم الغيب، أي: يعلم ما يكون إذا كان كيف كان، أو يعلم وقت كونه، والشهادة: ما كان وشوهد؛ يخبر أنه لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه.

﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : في خلق السماوات والأرض، وخلق ما فيهما، والحكيم: في بعثهم، و [الحكيم] هو واضع الشيء موضعه.

﴿ ٱلْخَبِيرُ ﴾ بكل شيء.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أنعبد من دون الله أوثانًا لا تملك نفعًا فتنفعنا ولا ضرًّا فتضرنا، ونرتد عن الإيمان بعد أن وفقنا الله له، فنكون مثل الذي أضلَّته الشياطين، فتركته حيران لا يهتدي سبيلًا، وله أصحاب على الطريق المستقيم يدعونه إلى الحق، وهو يمتنع عن إجابتهم إلى ما يدعونه إليه؟

قل لهم -أيها الرسول-: إنَّ هدى الله هو الهدى الحق، وقد أمرنا الله أن ننقاد له سبحانه وتعالى بالتزام توحيده وعبادته وحده، فهو رب العالمين.

<div class="verse-tafsir" id="91.d6WQV"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله