الآية ٨٩ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٨٩ من سورة الأنعام

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًۭا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ ٨٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٩ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ) أي : أنعمنا عليهم بذلك رحمة للعباد بهم ، ولطفا منا بالخليقة ( فإن يكفر بها ) أي : بالنبوة .

ويحتمل أن يكون الضمير عائدا على هذه الأشياء الثلاثة : الكتاب ، والحكم ، والنبوة .

وقوله : ( هؤلاء ) يعني : أهل مكة .

قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب والضحاك وقتادة والسدي .

) فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) أي : إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض ، من عرب وعجم ، ومليين وكتابيين ، فقد وكلنا بها قوما ) آخرين ) يعني : المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة ( ليسوا بها بكافرين ) أي : لا يجحدون شيئا منها ، ولا يردون منها حرفا واحدا ، بل يؤمنون بجميعها محكمها ومتشابهها ، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وإحسانه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك "، هؤلاء الذين سميناهم من أنبيائه ورسله، نوحًا وذريته الذين هداهم لدين الإسلام، واختارهم لرسالته إلى خلقه, هم " الذين آتيناهم الكتاب "، يعني بذلك: صحفَ إبراهيم وموسى، وزبور داود، وإنجيل عيسى صلوات الله عليهم أجمعين =" والحكم "، يعني: الفهم بالكتاب، ومعرفة ما فيه من الأحكام.

وروي عن مجاهد في ذلك ما:- 13518 - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا أبان قال، حدثنا مالك بن شداد, عن مجاهد: " والحكم والنبوة "، قال: " الحكم "، هو اللبُّ.

(59) وعنى بذلك مجاهد، إن شاء الله، ما قلت، لأن " اللب " هو " العقل ", فكأنه أراد: أن الله آتاهم العقل بالكتاب, وهو بمعنى ما قلنا أنه الفهم به.

* * * وقد بينا معنى " النبوة " و " الحكم "، فيما مضى بشواهدهما, فأغنى ذلك عن إعادته.

(60) * * * القول في تأويل قوله : فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فإن يكفر: يا محمد، بآيات كتابي الذي أنـزلته إليك فيجحد هؤلاء المشركون العادلون بربهم, كالذي:- 13519 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " فإن يكفر بها هؤلاء "، يقول: إن يكفروا بالقرآن.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في المعنيّ ب " هؤلاء ".

فقال بعضهم: عُني بهم كفار قريش = وعنى بقوله: " فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، الأنصار.

* ذكر من قال ذلك: 13520 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال, عن قتادة في قول الله تعالى ذكره: " فإن يكفر بها هؤلاء "، قال: أهل مكة =" فقد وكلنا بها "، أهل المدينة.

13521 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان, عن جويبر, عن الضحاك،" فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، قال : الأنصار.

13522- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء, عن جويبر, عن الضحاك: " فإن يكفر بها هؤلاء "، قال: إن يكفر بها أهل مكة =" فقد وكلنا بها "، أهل المدينة الأنصار=" ليسوا بها بكافرين " .

13523 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فإن يكفر بها هؤلاء "، يقول: إن تكفر بها قريش =" فقد وكلنا بها "، الأنصار.

13524 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " فإن يكفر بها هؤلاء "، أهل مكة =" فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، أهلَ المدينة.

13525 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، قال: كان أهل المدينة قد تبوءوا الدار والإيمان قبل أن يقدم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما أنـزل الله عليهم الآيات، جحد بها أهل مكة.

فقال الله تعالى ذكره: " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين ".

قال عطية: ولم أسمع هذا من ابن عباس, ولكن سمعته من غيره.

(61) 13526- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " فإن يكفر بها هؤلاء "، يعني أهل مكة.

يقول: إن يكفروا بالقرآن =" فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، يعني أهلَ المدينة والأنصار.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: فإن يكفر بها أهل مكة, فقد وكلنا بها الملائكة.

* ذكر من قال ذلك: 13527 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن عوف, عن أبي رجاء: " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، قال: هم الملائكة .

13528- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وابن أبي عدي وعبد الوهاب, عن عوف, عن أبي رجاء, مثله .

* * * وقال آخرون: عنى بقوله: " فإن يكفر بها هؤلاء "، يعني قريشًا= وبقوله: " فقد وكلنا بها قومًا "، الأنبياء الذين سماهم في الآيات التي مضت قبلَ هذه الآية.

* ذكر من قال ذلك: 13529- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " فإن يكفر بها هؤلاء "، يعني أهل مكة =" فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ .

13530- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " فإن يكفر بها هؤلاء "، قال: يعني قوم محمد.

ثم قال: " فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، يعني: النبيين الذين قص قبل هذه الآية قصصهم.

ثم قال: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب, قولُ من قال: عنى بقوله: " فإن يكفر بها هؤلاء "، كفار قريش =" فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، يعني به الأنبياء الثمانية عشر الذين سماهم الله تعالى ذكره في الآيات قبل هذه الآية.

وذلك أن الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى، وفي التي بعدها عنهم ذكر, فما بينها بأن يكون خبرًا عنهم، (62) أولى وأحق من أن يكون خبرًا عن غيرهم.

* * * فتأويل الكلام، إذ كان ذلك كذلك: فإن كفر قومك من قريش، يا محمد، بآياتنا, (63) وكذبوا وجحدوا حقيقتها, فقد استحفظناها واسترعينا القيام بها رُسلَنا وأنبياءنا من قبلك، الذين لا يجحدون حقيقتها، ولا يكذبون بها, ولكنهم يصدقون بها ويؤمنون بصحتها.

* * * وقد قال بعضهم: معنى قوله: " فقد وكّلنا بها قومًا "، رزقناها قومًا.

------------------ الهوامش : (58) انظر تفسير"حبط" فيما سلف 4: 317/6 : 287/9 : 592/10 : 409.

(59) الأثر: 13518 -"مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي" ، مضى مرارًا آخرها رقم: 7487.

و"أبان" هو: "أبان بن يزيد العطار" ، مضى برقم: 3832 ، 9656.

"مالك بن شداد" هكذا هو في المطبوعة والمخطوطة ، ولم أجد له ذكرًا فيما بين يدي في الكتب ، ولعله محرف عن شيء لا أعرفه.

(60) انظر تفسير"النبوة" فيما سلف: 2: 140 - 142/6 : 284 ، 380 .

= وتفسير"الحكم" فيما سلف 3: 86 - 88 ، 211/6 : 538.

(61) الأثر: 13525 -"عطية" ، هو"عطية بن سعد العوفي" ، جد"محمد بن سعد" الأعلى ، وهو مفسر في شرح هذا الإسناد رقم: 305.

(62) في المطبوعة: "ففيما بينها" ، وفي المخطوطة""فما بينهم" ، والصواب بينهما ما أثبت .

(63) في المطبوعة: "فإن يكفر قومك من قريش" ، وفي المخطوطة: "فإن يكفر بها قومك" والكلام لا يستقيم إلا بحذف"بها" ولكن الجملة لا تستقيم أيضًا في العطوف المتتابعة حتى تكون"فإن كفر قومك" ، فعلا ماضيًا كالذي عطف عليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ابتداء وخبر والحكم العلم والفقه .فإن يكفر بها أي بآياتنا .هؤلاء أي كفار عصرك يا محمد .فقد وكلنا بها جواب الشرط ; أي وكلنا بالإيمان بهاقوما ليسوا بها بكافرين يريد الأنصار من أهل المدينة والمهاجرين من أهل مكة .

وقال قتادة : يعني النبيين الذين قص الله عز وجل .

قال النحاس : وهذا القول أشبه بالمعنى ; لأنه قال بعد : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده .

وقال أبو رجاء : هم الملائكة .

وقيل : هو عام في كل مؤمن من الجن والإنس والملائكة .

والباء في " بكافرين " زائدة على جهة التأكيد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ذَلِكَ} الهدى المذكور {هُدَى اللَّهِ} الذي لا هدى إلا هداه.

{يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} فاطلبوا منه الهدى فإنه إن لم يهدكم فلا هادي لكم غيره، وممن شاء هدايته هؤلاء المذكورون.

{وَلَوْ أَشْرَكُوا} على الفرض والتقدير {لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فإن الشرك محبط للعمل، موجب للخلود في النار.

فإذا كان هؤلاء الصفوة الأخيار، لو أشركوا -وحاشاهم- لحبطت أعمالهم فغيرهم أولى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أولئك الذين آتيناهم الكتاب ) أي : الكتب المنزلة عليهم ، ( والحكم ) يعني : العلم والفقه ، ( والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء ) الكفار يعني : أهل مكة ، ( فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) يعني : الأنصار وأهل المدينة ، قاله ابن عباس ومجاهد ، وقال قتادة : فإن يكفر بها هؤلاء الكفار فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ، يعني : الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله هاهنا ، وقال أبو رجاء العطاردي : معناه فإن يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل السماء ، وهم الملائكة ، ليسوا بها بكافرين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولئك الذين آتيناهم الكتاب» بمعنى الكتب «والحكم» الحكمة «والنبوة فإن يكفر بها» أي بهذه الثلاثة «هؤلاء» أي أهل مكة «فقد وكَّلنا بها» أرصدنا لها «قوما ليسوا بها بكافرين» هم المهاجرون والأنصار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولئك الأنبياء الذين أنعمنا عليهم بالهداية والنبوة هم الذين آتيناهم الكتاب كصحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى، وآتيناهم فَهْمَ هذه الكتب، واخترناهم لإبلاغ وحينا، فإن يجحد -أيها الرسول- بآيات هذا القرآن الكفارُ من قومك، فقد وكلنا بها قومًا آخرين -أي: المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة- ليسوا بها بكافرين، بل مؤمنون بها، عاملون بما تدل عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله { أولئك الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب والحكم والنبوة }اسم الإشارة فيه يعود إلى المذكورين من الأنبياء الثمانية عشرة والمعطوفين عليهم باعتبار اتصافهم بما ذكر من الهداية وغيرها من النعوت الجليلة .وقصر بعضهم عودته على الأنبياء فحسب وإليه ذهب ابن جرير والرازى أى : أولئك المصطفون الأخيار هم الذين آتيناهم الكتاب أى جنسه المتحقق فى ضمن أى فرد كان من أفراد الكتب السماوية .والمرد بإيتائه : التفهيم التام لما اشتمل عليه من حقائق وأحكام ، وذلك أعم من أن يكون بالإنزال ابتداء أو بالإيراث بقاء ، فإن المذكورين لم ينزل على كل واحد منهم كتاب معين .والحكم أى : الحكمة وهى علم الكتاب ومعرفة ما فيه من الأحكام .

أو الإصابة فى القول والعمل .

أو القضاء بين الناس بالحق .و { والنبوة } أى : الرسالة .وقوله { فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ } أى : فإن يكفر بهذه الثلاث التى اجتمعت فيك يا محمد هؤلاء المشركون من أهل مكة ، فلن يضرك كفرهم لأنا قد وفقنا للإيمان بها قوما كراما ليسوا بها بكافرين فى وقت من الأوقات وإنما هم مستمرون على الإيمان بك والتصديق برسالتك وفى ذلك ما فيه من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن إعراض بعض قومه عن دعوته .والمراد بالقوم الذين وكلوا بالقيام بحق هذه الرسالة ووفقوا للإيمان بها أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار مطلقاً ، لأنهم هم الذين دافعوا عن دعوة الإسلام وبذلوا فى سبيل إعلانها نفوسهم وأموالهم ، ويدخل معهم كل من سار على نهجهم فى كل زمان ومكان .وقيل : المراد بهم أهل المدينة من الأنصار .

وقيل : المراد بهم الأنبياء المذكورون وأتباعهم ، وقيل غير ذلك .والذى نراه أن الرأى الأول ارجح لأن أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم هم المقابلون لكفار قريش الذين كفروا بها .وفى التكنية عن توفيقهم للإيمان بها بالتوكيل الذى أصله الحفظ للشىء ومراعاته ، وإيذان بفخامة وعلو قدرها .قال الإمام الرازى : " دلت هذه الآية على أن الله - تعالى - سينصر نبيه ، ويقوى دينه ، ويجعله مستعليا على كل من عاداه ، قاهراً لكل من نازعه ، وقد وقع هذا الذى أخبر الله عنه فى هذا الموضع ، فكان جاريا مجرى الإخبار عن الغيب فيكون معجزاً " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الذين مضى ذكرهم قبل ذلك وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله تعالى قبل ذلك، ثم ذكر تعالى أنه آتاهم الكتاب والحكم والنبوة.

واعلم أن العطف يوجب المغايرة، فهذه الألفاظ الثلاثة لابد وأن تدل على أمور ثلاثة متغايرة.

واعلم أن الحكام على الخلق ثلاث طوائف: أحدها: الذين يحكمون على بواطن الناس وعلى أرواحهم، وهم العلماء.

وثانيها: الذين يحكمون على ظواهر الخلق، وهم السلاطين يحكمون على الناس بالقهر والسلطنة.

وثالثها: الأنبياء، وهم الذين أعطاهم الله تعالى من العلوم والمعارف ما لأجله بها يقدرون على التصرف في بواطن الخلق وأرواحهم، وأيضاً أعطاهم من القدرة والمكنة ما لأجله يقدرون على التصرف في ظواهر الخلق، ولما استجمعوا هذين الوصفين لا جرم كانوا هم الحكام على الإطلاق.

إذا عرفت هذه المقدمة فقوله: ﴿ آتيناهم الكتاب ﴾ إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم العلم الكثير وقوله: ﴿ والحكم ﴾ إشارة إلى أنه تعالى جعلهم حكاماً على الناس نافذي الحكم فيهم بحسب الظاهر.

وقوله: ﴿ والنبوة ﴾ إشارة إلى المرتبة الثالثة، وهي الدرجة العالية الرفيعة الشريفة التي يتفرع على حصولها حصول المرتبتين المقدمتين المذكورتين، وللناس في هذه الألفاظ الثلاثة تفسيرات كثيرة، والمختار عندنا ما ذكرناه.

واعلم أن قوله: ﴿ آتيناهم الكتاب ﴾ يحتمل أن يكون المراد من هذا الإيتاء الابتداء بالوحي والتنزيل عليه كما في صحف إبراهيم وتوراة موسى، وإنجيل عيسى عليه السلام، وقرآن محمد صلى الله عليه وسلم.

ويحتمل أن يكون المراد منه أن يؤتيه الله تعالى فهماً تاماً لما في الكتاب وعلماً محيطاً بحقائقه وأسراره، وهذا هو الأولى.

لأن الأنبياء الثمانية عشر المذكورين ما أنزل الله تعالى على كل واحد منهم كتاباً إلهياً على التعيين والتخصيص.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤلاء ﴾ والمرادفان يكفر بهذا التوحيد والطعن في الشرك كفار قريش ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن ذلك القوم من هم؟

على وجوه، فقيل: هم أهل المدينة وهم الأنصار، وقيل: المهاجرون والأنصار، وقال الحسن: هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم وهو اختيار الزجاج.

قال الزجاج: والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ وقال أبو رجاء: يعني الملائكة وهو بعيد لأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم، وقال مجاهد هم الفرس، وقال ابن زيد: كل من لم يكفر فهو منهم سواء كان ملكاً أو نبياً أو من الصحابة أو من التابعين.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين ﴾ يدل على أنه إنما خلقهم للإيمان.

وأما غيرهم فهو تعالى ما خلقهم للإيمان، لأنه تعالى لو خلق الكل للإيمان كان البيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركاً فيه بين المؤمن وغير المؤمن، وحينئذ لا يبقى لقوله: ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين ﴾ معنى.

وأجاب الكعبي عنه من وجهين: الأول: أنه تعالى زاد المؤمنين عند إيمانهم وبعده من ألطافه وفوائده وشريف أحكامه ما لا يحصيه إلا الله، وذكر في الجواب وجهاً ثانياً، فقال: وبتقدير: أن يسوى لكان بعضهم إذا قصر ولم ينتفع صح أن يقال بحسب الظاهر أن لم يحصل له نعم الله كالوالد الذي يسوي بين الولدين في العطية، فإنه يصح أن يقال: إنه أعطى أحدهما دون الآخر إذا كان ذلك الآخر ضيعه وأفسده.

واعلم أن الجواب الأول ضعيف، لأن الألطاف الداعية إلى الإيمان مشتركة فيما بين الكافر والمؤمن؛ والتخصيص عند المعتزلة غير جائز، والثاني: أيضاً فاسد.

لأن الوالد لما سوى بين الولدين في العطية، ثم إن أحدهما ضيع نصيبه، فأي عاقل يجوز أن يقال أن الأب ما أنعم عليه، وما أعطاه شيئاً.

المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أنه تعالى سينصر نبيه ويقوي دينه، ويجعله مستعلياً على كل من عاداه، قاهراً لكل من نازعه، وقد وقع هذا الذي أخبر الله تعالى عنه في هذا الموضع، فكان هذا جارياً مجرى الأخبار عن الغيب، فيكون معجزاً.

والله أعلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِي الله ﴾ وكانوا حاجوه في توحيد الله ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك ﴿ وَقَدْ هدان ﴾ يعني إلى التوحيد ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ وقد خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً ﴾ إلاّ وقت مشيئة ربي شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعني لا أخاف معبوداتكم في وقت قط؛ لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة، إلاّ إذا شاء ربي أن يصيبني بمخوف من جهتها إن أصبت ذنباً استوجب به إنزال المكروه، مثل أن يرجمني بكوكب أو بشقة من الشمس أو القمر، أو يجلعها قادرة على مضرتي ﴿ وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَيْء عِلْماً ﴾ أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها ﴿ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ ﴾ لتخويفكم شيئاً مأمون الخوف لا يتعلق به ضرر بوجه ﴿ و ﴾ أنتم ﴿ لا تخافون ﴾ ما يتعلق به كل مخوف وهو إشراككم بالله ما لم ينزل بإشراكه ﴿ سلطانا ﴾ أي حجة، لأن الإشراك لا يصحّ أن يكون عليه حجة، كأنه قال: وما لكم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف.

ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم، احترازاً من تزكيته نفسه، فعدل عنه إلى قوله: ﴿ فَأَىُّ الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ثم استأنف الجواب على السؤال بقوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم.

وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس ﴿ وَتِلْكَ ﴾ إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ إلى قوله: ﴿ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ .

ومعنى ﴿ ءاتيناهآ ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ يعني في العلم والحكمة.

وقرئ بالتنوين ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِ ﴾ الضمير لنوح أو لإبراهيم.

و ﴿ دَاوُودُ ﴾ عطف على نوحاً، أي وهدينا داود ﴿ وَمِنْ ءابَائِهِمْ ﴾ في موضع النصب عطفاً على كلاًّ، بمعنى: وفضلنا بعض آبائهم ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ ﴾ مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات.

لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى وتقدّس ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: 65] .

﴿ ءاتيناهمالكتاب ﴾ يريد الجنس ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا ﴾ بالكتاب والحكمة والنبوّة.

أو بالنبوّة ﴿ هؤلاء ﴾ يعني أهل مكة ﴿ قَوْماً ﴾ هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ وبدليل وصل قوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء ﴾ بما قبله.

وقيل: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكل من آمن به.

وقيل: كل مؤمن من بني آدم.

وقيل: الملائكة وادّعى الأنصار أنها لهم.

وعن مجاهد: هم الفرس.

ومعنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكّل الرجل بالشيء ليقوم به، ويتعهده ويحافظ عليه.

والباء في ﴿ بِهَا ﴾ صلة كافرين.

وفي ﴿ بكافرين ﴾ تأكيد النفي.

﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ فاختص هداهم بالاقتداء، ولا تقتد إلاّ بهم.

وهذا معنى تقديم المفعول، والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة وهي هدى، ما لم تنسخ.

فإذا نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبداً.

والهاء في ﴿ اقتده ﴾ للوقف تسقط في الدرج.

واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما دانُوا بِهِ.

﴿ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ.

﴿ وَلَوْ أشْرَكُوا ﴾ أيْ ولَوْ أشْرَكَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ فَضْلِهِمْ وعُلُوِّ شَأْنِهِمْ.

﴿ لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ لَكانُوا كَغَيْرِهِمْ في حُبُوطِ أعْمالِهِمْ بِسُقُوطِ ثَوابِها.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجِنْسَ.

﴿ والحُكْمَ ﴾ الحِكْمَةُ أوْ فَصْلُ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحَقُّ.

﴿ والنُّبُوَّةَ ﴾ والرِّسالَةَ.

﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها ﴾ أيْ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ.

﴿ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا.

﴿ فَقَدْ وكَّلْنا بِها ﴾ أيْ بِمُراعاتِها.

﴿ قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُورُونَ ومُتابِعُوهم.

وقِيلَ هُمُ الأنْصارُ أوْ أصْحابُ النَّبِيِّ  ، أوْ كُلُّ مَن آمَنَ بِهِ أوِ الفُرْسُ.

وقِيلَ المَلائِكَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أولئك الذين آتيناهم الكتاب} يريد الجنس {والحكم} والحكمة او

فهم الكتاب {والنبوة} وهي أعلى مراتب البشر {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا} بالكتاب والحكم والنبوة أو بآيات القرآن {هؤلاء} أي أهل مكة {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً} هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده أو أصحاب النبى عليه السلام أو كل من آمن به أو العجم ومعنى توكيلهم بها أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشئ ليقوم به ويتعهد ويحافظ عليه والباء في {لَّيْسُواْ بِهَا} صلة كافرين وفي {بكافرين} لتأكيد النفي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ الأنْبِياءِ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ والمَعْطُوفِينَ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الهِدايَةِ وغَيْرِها مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ كَما قِيلَ.

واقْتَصَرَ الإمامُ عَلى المَذْكُورِينَ مِنَ الأنْبِياءِ.

وعَنِ ابْنِ بَشِيرٍ قالَ: ”سَمِعْتُ رَجُلًا سَألَ الحَسَنَ عَنْ (أُولَئِكَ) فَقالَ لَهُ: مَن في صَدْرِ الآيَةِ“.

وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ أيْ جِنْسَهُ.

والمُرادُ بَإيتائِهِ التَّفْهِيمُ التّامُّ لِما فِيهِ مِنَ الحَقائِقِ والتَّمْكِينُ مِنَ الإحاطَةِ بِالجَلائِلِ والدَّقائِقِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالإنْزالِ ابْتِداءً وبِالإيراثِ بَقاءً فَإنَّ مِمَّنْ ذُكِرَ مَن لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ كُتّابٌ مُعَيَّنٌ ﴿ والحُكْمَ ﴾ أيْ فَصْلَ الأمْرِ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ أوِ الحِكْمَةَ وهي مَعْرِفَةُ حَقائِقِ الأشْياءِ ﴿ والنُّبُوَّةَ ﴾ فَسَّرَها بَعْضُهم بِالرِّسالَةِ.

وعُلِّلَ بِأنَّ المَذْكُورِينَ هُنا رُسُلٌ لَكِنْ في المُحاكَماتِ لِمَوْلانا أحْمَدَ بْنِ حَيْدَرٍ الصَّفَوِيِّ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِرَسُولٍ وإنْ كانَ لَهُ كِتابٌ ولَمْ أجِدْ في ذَلِكَ نَصًّا.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِرَسُولٍ أيْضًا، (ويُوسُفَ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ ﴾ لَيْسَ هو يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ وإنَّما هو يُوسُفُ بْنُ أفْراثِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وهو غَرِيبٌ.

وأغْرَبُ مِنهُ بِأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ رَسُولًا إلَيْهِمْ.

وقالَ الشِّهابُ: قَدْ يُقالُ إنَّما ذُكِرَ الأعَمُّ في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ بَعْضَ مَن دَخَلَ في عُمُومِ آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ لَيْسُوا بِرُسُلٍ ﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها ﴾ أيْ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ أوِ النُّبُوَّةِ الجامِعَةِ لِلْباقِينَ ﴿ هَؤُلاءِ ﴾ أيْ أهْلُ مَكَّةَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ مَعَ دَلالَةِ الإشارَةِ والمَقامِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ الَّذِينَ جَحَدُوا بِنُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُطْلَقًا.

وأيًّا ما كانَ فَكُفْرُهم بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ كُفْرَهم بِما يُصَدِّقُهُ جَمِيعًا.

وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ فَقَدْ وكَّلْنا بِها ﴾ أيْ أمَرْنا بِرِعايَتِها ووَفَّقَنا لِلْإيمانِ بِها والقِيامِ بِحُقُوقِها ﴿ قَوْمًا ﴾ فِخامًا ﴿ لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ 89 - في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإيمانِ بِها، والمُرادُ بِهِمْ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعَبَدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أهْلُ المَدِينَةِ مِنَ الأنْصارِ، وقِيلَ: أصْحابُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُطْلَقًا، وقِيلَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ مِن بَنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: الفُرْسُ فَإنَّ كُلًّا مِن هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ مُوَفَّقُونَ لِلْإيمانِ بِالأنْبِياءِ وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ إلَيْهِمْ عامِلُونَ بِما فِيها مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ وفُرُوعِها الباقِيَةِ في شَرِيعَتِنا.

وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُورُونَ.

وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِالتَّوْكِيلِ الأمْرُ بِما هو أعَمُّ مِن إجْراءِ أحْكامِها كَما هو شَأْنُهم في حَقِّ كِتابِهِمْ ومِنِ اعْتِقادِ حَقِّيَّتِها كَما هو شَأْنُهم في حَقِّ سائِرِ الكُتُبِ الَّتِي نُورُ فَرَقِها القُرْآنُ.

ورَجَّحَ واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ.

ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَ إشارَةٍ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنْ لَمْ يَكُنِ المُوَكَّلُونَ هم لَزِمَ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ، الثّانِي: أنَّهُ مُرَتَّبٌ بِالفاءِ عَلى ما قَبْلَهُ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ.

واسْتَبْعَدَهُ بَعْضُهم فَإنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ مُصَدِّقِ النُّبُوَّةِ ومُنْكِرِها مُغايِرًا لِمَن أُوتِيها وأخْرَجَ ابْنُ حَمِيدٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي رَجاءٍ العَطّارِيِّ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ فالتَّوْكِيلُ حِينَئِذٍ هو الأمْرُ بِإنْزالِها وحِفْظِها واعْتِقادِ حَقِّيَّتِها، واسْتَبْعَدَهُ الإمامُ لِأنَّ القَوْمَ قَلَّما يَقَعُ عَلى غَيْرِ بَنِي آدَمَ،وأيًّا ما كانَ فَتَنْوِينُ قَوْمًا لِلتَّفْخِيمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

وهو مَفْعُولُ ﴿ وكَّلْنا ﴾ و (بِها) قَبْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ، ولِأنَّ فِيهِ طُولًا رُبَّما يُؤَدِّي تَقْدِيمُهُ إلى الإخْلالِ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أوْ إلى الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ.

والباءُ الَّتِي بَعْدَ صِلَةِ ﴿ بِكافِرِينَ ﴾ قُدِّمَتْ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ والَّتِي بَعْدَها لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.

وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿ فَقَدْ وكَّلْنا ﴾ إلَخْ أيْ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَلا اعْتِدادَ بِهِ أصْلًا فَقَدْ وفَّقْنا لِلْإيمانِ قَوْمًا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الإيمانِ بِها والعَمَلِ بِما فِيها، فَفي إيمانِهِمْ مَندُوحَةٌ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ الأرْجَحَ -كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ- تَفْسِيرُ القَوْمِ بِإحْدى الطَّوائِفِ مِمَّنْ عَدا الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ بِإيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ والعَمَلِ بِأحْكامِهِ يَتَحَقَّقُ الغُنْيَةُ عَنْ إيمانِ الكَفَرَةِ بِهِ والعَمَلِ بِأحْكامِهِ ولا كَذَلِكَ إيمانُ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَوَهَبْنا لَهُ يعني: لإبراهيم إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ قال الضحاك: ولدت سارة إسحاق ولها تسعة وتسعون سنة.

ولإبراهيم مائة وعشرون سنة ثم ولد لإسحاق يعقوب كُلًّا هَدَيْنا يعني: إسحاق ويعقوب هديناهما بالنبوة والإسلام وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ يعني: هديناه للنبوة والإسلام من قبل إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ قال الكلبي: يعني من ذرية نوح.

وقال الضحاك: يعني من ذرية إبراهيم داوُدَ النبي-  - وَسُلَيْمانَ وهو ابن داود وَأَيُّوبَ وهو من ولد عيصو بن إسحاق وَيُوسُفَ وهو ابن يعقوب وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يعني: نعطيهم أفضل الثواب وَزَكَرِيَّا يعني: من ذرية إبراهيم زكريا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ قال الضحاك: كان إلياس من ولد إسماعيل.

وذكر عن القتبي أنه كان من سبط يوشع بن نون كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: من المرسلين وَإِسْماعِيلَ وهو من صلب إبراهيم-  - وَالْيَسَعَ قرأ حمزة والكسائي والليسع مشددا.

وقرأ الباقون وَالْيَسَعَ بالتخفيف.

فمن قرأ بالتشديد فالاسم منه ليسع ثم أدخلت الألف واللام للتعريف فصار الليسع.

ومن قرأ بالتخفيف فالاسم منه يسع.

ثم أدخلت الألف واللام للتعريف فصار اليسع.

وكذا هذا الاختلاف في سورة ص وكان اليسع تلميذ إلياس وكان خليفته من بعده.

وَيُونُسَ ابن متى وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ بالرسالة والنبوة في ذلك الزمان ثم ذكر آباءهم فقال: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ يعني: وقد اصطفيناهم بالنبوة يعني: آدم ونوحاً وإدريس وهوداً وصالحاً- عليهم السلام- وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو دين الإسلام ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يعني: دين الله يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني: يكرم بدينه من يشاء من عباده وَلَوْ أَشْرَكُوا يعني: هؤلاء النبيين لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا يعني: إنما فضلهم الله بالطاعة.

ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ يعني: العلم والفهم والفقه وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها أي: الأنبياء هؤُلاءِ يعني: أهل مكة فَقَدْ وَكَّلْنا بِها يعني: ألزمنا بها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ.

قال سعيد بن جبير هم الأنصار.

ويقال فَإِنْ يَكْفُرْ بِها يعني: بآياتنا فَقَدْ وَكَّلْنا بِها يعني: بالإيمان بها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ يعني: الأنبياء الذين سبق ذكرهم.

ويقال: الملائكة.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ يعني: أمة محمد-  - فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قوما ليسوا بها كافرين.

يعني: النبيين الذين قصّ الله عنهم.

ثم قال أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ يعني الأنبياء فَبِهُداهُمُ يعني: بسنتهم وتوحيدهم اقْتَدِهْ على دينهم استقم واعمل به.

وفي هذه الآية دليل أن شرائع المتقدمين واجبة علينا ما لم يظهر نسخها إذا ثبت ذلك في الكتاب، أو على لسان الرسول  لأن الله تعالى أمرنا بأن نقتدي بهداهم، واسم الهدى يقع على التوحيد والشرائع.

مثل قوله: الم.

ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 1- 2] والكتاب يشتمل على الشرائع وغيرها.

قرأ حمزة والكسائي: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ بالهاء في الوقف والوصل جميعاً وقرأ الباقون: بالهاء في الوصل والوقف جميعاً لأنها هاء الوقف.

مثل قوله: كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ ثم قال: قُلْ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً يعني: قل للمشركين لا أسألكم على الإيمان والقرآن جَعْلاً إِنْ هُوَ يعني: ما هو وهو القرآن إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ يعني: موعظة للعالمين الإنس والجن.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تستعملُ في المراتِبِ والمنازل المعنويَّة.

وقوله سبحانه: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ...

الآية: وَوَهَبْنا: عطْفٌ على «آتينا» وإسحاق ابنُهُ من سارَّة، ويعقوبُ هو ابْنُ إسحاقَ، وقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ: المعنى:

وهَدَيْنَا من ذرِّيته، والضمير في ذُرِّيَّتِهِ، قال الزَّجَّاج «١» : جائزٌ أنْ يعود على إبراهيم، ويعترض هذا بذكْرِ لوطٍ- عليه السلام- إذ ليس هو مِنْ ذرِّيَّة إبراهيم، بل هو ابْنُ أخيه، وقيلَ: ابنُ أختِهِ، ويتخرَّج ذلك عند مَنْ يرى الخالَ أباً، وقيل: يعود الضميرُ على نوح، وهذا هو الجيّد، ونصب/ داوُدَ: يحتملُ أنْ يكون ب وَهَبْنا، ويحتمل أنْ يكون ب هَدَيْنا، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: وعدٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ لمن أحْسَنَ في عبادته، وترغيبٌ في الإحسان، وفي هذه الآية أنَّ عيسى- عليه السلام- مِنْ ذرِّية نوحٍ أو إبراهيم بحَسَب الاختلاف في عَوْد الضمير من ذُرِّيَّتِهِ، وهو ابنُ ابنة وبهذا يستدلُّ في الأحباس على أنَّ ولد البنْتِ من الذِّرِّيَّة، ويُونُسُ هو ابن متى، وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ: معناه:

عالمي زمانهم.

وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)

وقوله سبحانه: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ: المعنى: وهدَيْنا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعاتٍ، ف «مِنْ» للتبعيض، والمراد: مَنْ آمن منهم، نبيّا كان أو غير نبيّ، واجْتَبَيْناهُمْ، أي: تخيَّرناهم وهَدَيْنَاهم، أيْ: أرشدْناهم إلى الإيمان، والفوز برضا اللَّه عزَّ وجلَّ، والذرية: الأبناءُ، ويطلَقُ على جميعِ البَشَر ذرِّيَّة لأنهم أبناء.

وقوله تعالى: ذلِكَ هُدَى اللَّهِ ...

الآية: ذلِكَ: إشارة إلى النعمة في قوله:

وَاجْتَبَيْناهُمْ وأُولئِكَ: إشارة إلى مَنْ تقدَّم ذكره، والكتابُ يراد به الصُّحُفُ والتوراةُ والإنجيل والزَّبُور.

وقوله سبحانه: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ: إشارة إلى كُفَّار قريشٍ، وإلى كلِّ كافر في ذلك العَصْر قاله ابن عباس وغيره «٢» ، وقوله: فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ:

هم مؤمنو أهْل المدينة قاله ابن عباس وغيره «١» ، والآية على هذا التأويلِ، وإن كان القصْدُ بنزولها هذَيْن الصِّنْفَيْن، فهي تعم الكَفَرة والمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال الحسن وغيره:

المراد ب «القَوْم» : مَنْ تَقَدَّم ذكْره من الأنبياء والمؤمنين «٢» ، وقال أبو رجاء: المرادُ:

الملائكةُ «٣» .

قلتُ: ويحتمل أنْ يكون المراد الجميعَ.

وقوله سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ، والظاهر في الإشارة ب أُولئِكَ إلى المذكورين قبلُ من الأنبياء ومَنْ معهم من المؤمنين المهدِّيين، ومعنى الاقتداء: اتباع الأثر في القول والفعل والسّيرة، وإنما يصحّ اقتداؤه صلّى الله عليه وسلّم بجميعهم في العقودِ، والإيمان، والتوحيدِ الذي ليْسَ بينهم فيه اختلاف، وأما أعمالُ الشرائع فمختلفةٌ، وقد قال عزَّ وجلَّ: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨] ، واعلم أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو وغيره مخاطَبٌ بشَرْع مَنْ قبله في العقود والإيمانِ والتوحيدِ «٤» لأنا نجد شرعنا ينبىء أنّ الكفار الذين كانوا قبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَأَبَوَيْهِ وغيرهما في النَّار، ولا يُدْخِلُ اللَّهُ تعالى أحداً النار إلا بتَرْك ما كُلِّفَ، وذلك في قوله سبحانه: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] ، وغير ذلك، وقاعدةُ المتكلِّمين: أن العقل لا يوجِبُ ولا يكلِّف، وإنما يوجب «٥» الشرْعُ، فالوجه في هذا أنْ يقال: إنَّ آدم- عليه السلام- فَمَنْ بعده، دعا إلى توحيد اللَّه (عزَّ وجلَّ) دعاءً عامًّا، واستمر ذلك على العالَمِ، فواجبٌ على الآدميّ أن

يبحث عن الشرْعِ الآمِرِ بتوحيدِ اللَّهِ تعالى، وينظر في الأَدلَّة المنصوبة على ذلك بحسب إيجاب الشرعِ النَّظَرَ فيها، ويؤمنَ، ولا يَعْبُدَ غير اللَّه، فمَنْ فَرَضْناه لم يجدْ سبيلاً إلى العلْمِ بشرعٍ آمِرٍ بتوحيد اللَّهِ، وهو مع ذلك لم يَكْفُرْ، ولا عَبَدَ صنماً، بل تخلى، فأولئك أَهْلُ الفَتراتِ الذين أَطْلَقَ عليهم أهل العلْمِ أنهم في الجَنَّة، وهم بمنزلةِ الأطفالِ والمجانينِ، ومَنْ قَصَّرَ في النظر والبَحْث، فعبد صنماً أو غيره، وكَفَرَ، فهو تاركٌ للواجب عليه، مستوجِبٌ للعقاب بالنَّار، فالنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قَبْلَ مبعثِهِ ومَنْ كان معه مِنَ النَّاس وقَبْلَه- مخاطَبُونَ على أَلْسِنَةِ الأنبياء قَبْلُ بالتوحيد، وغيرُ مخاطبين بفُرُوعِ «١» شرائعهم إذ هي مختلفةٌ، وإذ لم يدعهم إليها نبيٌّ قال/ الفَخْر «٢» : واحتجَّ العلماءُ بهذه الآية على أن محمداً صلّى الله عليه وسلّم أَفْضَلُ من جميع الأنبياءِ- عليهم السلام- وتقريره: أنا بيَّنَّا أنَّ خصال الكمالِ وصفاتِ الشَّرَفِ كانَتْ مفرَّقة فيهم، ثم إنه تعالى، لمَّا ذكر الكل، أمر محمدا صلّى الله عليه وسلّم أنْ يجمع من خصال الطاعة والعبوديَّة والأخلاقِ الحميدة كُلَّ الصفاتِ التي كانَتْ مفرَّقة فيهم بأجمعهم، ولمَّا أمره اللَّه تعالى بذلك، امتنع أنْ يقال: إنه قصَّر في تحصيلها فثبت أنه حَصَّلها، ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أنه اجتمع فيه مِنْ خصال الخَيْر ما كان فيهم مفرَّقاً بأسرهم، ومتى كان الأمر كذلك، وجب أنْ يقال: إنه أفضلهم بكلِّيَّتهم واللَّه أعلم.

انتهى.

وقرأ حمزة «٣» والكسائيُّ: «فَبِهُدَاهُمُ اقتد» - بحذف الهاءِ في الوَصْل، وإثباتها في الوَقْف-، وهذا هو القياسُ شبيهة بألفِ الوَصْل في أنها تُقْطَعُ في الابتداء، وتَسْقُط في الوصل.

وقوله سبحانه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً، أي: قل لهؤلاء الكفرة المعاندين: لا أسألكم على دعائي إياكم بالقُرآن إلى عبادة اللَّه تعالى- أُجْرَةً إن هو إلا موعظة وذكرى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي الكُتُبَ الَّتِي أنْزَلَها عَلَيْهِمْ.

والحُكْمُ: الفِقْهُ، والعِلْمُ ﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها ﴾ يَعْنِي بِآَياتِنا.

وَفِيمَن أُشِيرَ إلَيْهِ بِـ" هَؤُلاءِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهم قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أُمَّةُ النَّبِيِّ  .

قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ وكَّلْنا بِها ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَقَدْ رَزَقْناها قَوْمًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: وكُلُّنا بِالإيمانِ بِها قَوْمًا.

وفي هَؤُلاءِ القَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أهْلُ المَدِينَةِ مِنَ الأنْصارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: الأنْبِياءُ والصّالِحُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ قَتادَةُ: هُمُ النَّبِيُّونَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ، المَذْكُورُونَ في هَذا المَكانِ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، وابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ أبُو رَجاءٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ ذَلِكَ هُدى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عنهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ﴾ والمَعْنى: "وَهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ؛ وذُرِّيّاتِهِمْ؛ وإخْوانِهِمْ؛ جَماعاتٍ"؛ فَـ "مِن"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ والمُرادُ: "مَن آمَنَ مِنهُمْ؛ نَبِيًّا كانَ؛ أو غَيْرَ نَبِيٍّ"؛ ويَدْخُلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - في ضَمِيرِ قَوْلِهِ: "وَمِن آبائِهِمْ"؛ ولِهَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: اَلْخالُ أبٌ؛ والخالَةُ أُمٌّ.

"واجْتَبَيْناهُمْ"؛ مَعْناهُ: تَخَيَّرْناهُمْ؛ وأرْشَدْناهُمْ؛ وضَمَمْناهم إلى خاصَّتِنا؛ وأرْشَدْناهم إلى الإيمانِ؛ والفَوْزِ بِرِضا اللهِ تَعالى ؛ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أخْلَصْناهم.

و"اَلذُّرِّيَّةُ": اَلْأبْناءُ؛ ويُطْلَقُ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ "ذُرِّيَّةٌ"؛ لِأنَّهم أبْناءٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: "اَلذُّرِّيَّةُ"؛ تَقَعُ عَلى الآباءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ  ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ نَوْعُ البَشَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ هُدى اللهِ يَهْدِي بِهِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "ذَلِكَ": إشارَةٌ إلى النِعْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ "واجْتَبَيْناهُمْ"؛ ﴾ وإضافَةُ الهُدى إلى اللهِ تَعالى إضافَةُ مِلْكٍ؛ و"لَحَبِطَ"؛ مَعْناهُ: تَلَفَ؛ وذَهَبَ؛ لِسُوءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ.

و"أُولَئِكَ": إشارَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ و"الكِتابَ"؛ يُرادُ بِهِ المُصْحَفُ؛ والتَوْراةُ؛ والإنْجِيلُ؛ والزَبُورُ؛ "والحُكْمَ"؛ يُرادُ بِهِ اللُبُّ؛ والفِطْنَةُ؛ والفَقْهُ في دِينِ اللهِ تَعالى ؛ و"هَؤُلاءِ": إشارَةٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ المُعادِينَ لِرَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإلى كُلِّ كُفّارٍ في ذَلِكَ العَصْرِ؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ و"قَوْمًا"؛ يُرادُ بِهِ مُؤْمِنُو أهْلِ المَدِينَةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ فالآيَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - وإنْ كانَ القَصْدُ في نُزُولِها هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ - فَهي تَعُمُّ الكَفَرَةَ والمُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقالَ قَتادَةُ أيْضًا؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْمُرادُ بِالقَوْمِ: مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ وقالَ أبُو رَجاءٍ: اَلْمُرادُ: اَلْمَلائِكَةُ؛ والباءُ في "بِها"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "بِكافِرِينَ"؛ والباءُ في "بِكافِرِينَ"؛ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الظاهِرُ في الإشارَةِ؛ بِـ "أُولَئِكَ"؛ أنَّها إلى المَذْكُورِينَ قَبْلُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ ومَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ المَهْدِيِّينَ؛ ومَعْنى الِاقْتِداءِ: اِتِّباعُ الأثَرِ في القَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ والسِيرَةِ؛ وإنَّما يَصِحُّ اقْتِداؤُهُ بِجَمِيعِهِمْ في العُقُودِ؛ والأيْمانِ والتَوْحِيدِ؛ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَهم فِيهِ اخْتِلافٌ؛ وأمّا أعْمالُ الشَرائِعِ فَمُخْتَلِفَةٌ؛ وقَدْ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا  ﴾ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِـ "أُولَئِكَ"؛ إلى قَوْلِهِ: "قَوْمًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في المُرادِ بِالقَوْمِ؛ ويُقْلِقُ بَعْضَها.

قالَ القاضِي ابْنُ الباقِلّانِيِّ: واخْتَلَفَ الناسُ: هَلْ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ مَبْعَثِهِ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ؟

فَقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ مُتَعَبِّدًا؛ واخْتُلِفَ: بِشَرْعِ مَن؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِشَرْعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفِرْقَةٌ: بِشَرْعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفِرْقَةٌ: بِشَرْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالوَقْفِ في ذَلِكَ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمْ يَكُنْ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ؛ وهو الَّذِي يُتَرَجَّحُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا يُحْمَلُ كَلامُ القاضِي عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ في تَوْحِيدٍ؛ ولا مُعْتَقَدٍ؛ لِأنّا نَجِدُ شَرْعَنا يُنَبِّئُ أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كَأبَوَيْهِ؛ وغَيْرِهِما - في النارِ؛ ولا يُدْخِلُ اللهُ تَعالى أحَدًا النارَ إلّا بِتَرْكِ ما كُلِّفَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا  ﴾ ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقاعِدَةُ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ العَقْلَ لا يُوجِبُ؛ ولا يُكَلِّفُ؛ وإنَّما يُوجِبُ الشَرْعُ؛ فالوَجْهُ في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَمَن بَعْدَهُ؛ دَعا إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى دُعاءً عامًّا؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ عَلى العالَمِ؛ فَواجِبٌ عَلى الآدَمِيِّ البالِغِ أنْ يَبْحَثَ عَلى الشَرْعِ الآمِرِ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ ويَنْظُرَ في الأدِلَّةِ المَنصُوبَةِ عَلى ذَلِكَ؛ بِحَسَبِ إيجابِ الشَرْعِ النَظَرَ فِيها؛ ولا يَعْبُدَ غَيْرَ اللهِ تَعالى ؛ فَمَن فَرَضْناهُ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلى العِلْمِ بِشَرْعٍ آمِرٍ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَكْفُرْ؛ ولا عَبَدَ صَنَمًا؛ بَلْ تَخَلّى؛ فَأُولَئِكَ أهْلُ الفَتْراتِ؛ الَّذِينَ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ أهْلُ العِلْمِ أنَّهم في الجَنَّةِ؛ وهم بِمَنزِلَةِ الأطْفالِ؛ والمَجانِينِ؛ ومَن قَصَّرَ في النَظَرِ؛ والبَحْثِ؛ فَعَبَدَ صَنَمًا؛ وكَفَرَ؛ فَهَذا تارِكٌ لِلْواجِبِ عَلَيْهِ؛ مُسْتَوْجِبٌ العِقابَ بِالنارِ؛ فالنَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ المَبْعَثِ؛ ومَن كانَ مَعَهُ مِنَ الناسِ؛ وقَبْلَهُ؛ مُخاطَبُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - قَبْلُ بِتَوْحِيدِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وغَيْرُ مُخاطَبِينَ بِفُرُوعِ شَرائِعِهِمْ؛ إذْ هي مُخْتَلِفَةٌ؛ وإذْ لَمْ يَدْعُهم إلَيْها نَبِيٌّ؛ وأمّا بَعْدَ مَبْعَثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَهَلْ هو وأُمَّتُهُ مُخاطَبُونَ بِشَرْعِ مَن تَقَدَّمَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَسْنا مُخاطَبِينَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَحْنُ مُخاطَبُونَ بِشَرْعِ مَن قَبْلَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن قالَ مِن هَذِهِ الطائِفَةِ: إنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وأُمَّتَهُ مُخاطَبُونَ بِكُلِّ شَرائِعِ مَن تَقَدَّمَ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ فَقَدْ أحالَ؛ لِأنَّ أحْكامَ الشَرائِعِ تَأْتِي مُخْتَلِفَةً؛ وإنَّما يَتَّخِذُونَ قَوْلَ مَن قالَ مِنها: إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِما صَحَّ نَقْلُهُ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَنا؛ ولَمْ تَخْتَلِفْ فِيهِ الشَرائِعُ؛ وبِالآخِرِ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ؛ لِأنَّهُ الناسِخُ المُتَقَدِّمُ؛ ويُرْتَكَزُ في صِحَّةِ نَقْلِ ذَلِكَ إلى ما وقَعَ في القُرْآنِ؛ وفي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن حِكايَةِ أحْكامٍ سالِفَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ  ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ: أقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي؛ وكَحِكايَةِ تَزْوِيجِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنَتَهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وكَحَدِيثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في قَضِيَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بَيْنَ المَرْأتَيْنِ في الوَلَدِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ.

ولا يَقْتَضِي قَوْلُهم أكْثَرَ مِن جَوازِ أنْ يُتَعَبَّدَ بِذَلِكَ؛ وأمّا وُجُوبُ أنْ يُتَعَبَّدَ [بِهِ] فَغَيْرُ لازِمٍ؛ ولا يَتَعَلَّقَ عِنْدِي أشْبَهَ في ذَلِكَ مِن أنْ يُقالَ: اَلنَّبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَرَعَ لِأُمَّتِهِ أنْ يُصَلِّيَ [الواحِدُ مِنَ] الناسِ صَلاتَهُ إذا ذَكَرَها؛ ثُمَّ مَثَّلَ في ذَلِكَ - لا عَلى طَرِيقِ التَعْلِيلِ - بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى: ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي  ﴾ ؛ فَنَنْقُلُ نَحْنُ هَذا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَوازِلِ؛ ونَقُولُ: إنَّهُ كَما شَرَعَ عِنْدَنا المِثالَ في نِسْيانِ الصَلاةِ؛ كَذَلِكَ نُشَرِّعُ هَذِهِ الأمْثِلَةَ كُلَّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قِياسٌ ضَعِيفٌ؛ ولَوْ ذَكَرَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَوْلَهُ تَعالى ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي  ﴾ ؛ عَلى جِهَةِ التَعْلِيلِ؛ لَكانَتِ الحُجَّةُ بِهِ قَوِيَّةً؛ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَصِحُّ عِنْدَنا نَقْلُ ما في الشَرائِعِ مِن جِهَةِ مَن أسْلَمَ مِنهُمْ؛ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ؛ وغَيْرِهِ؛ صِحَّةً نَنْقُلُها؛ وكَذَلِكَ ما شَرَعَهُ الحَوارِيُّونَ لا سَبِيلَ إلى صِحَّةِ شَرْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأهْلُ مَكَّةَ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وأهْلُ المَدِينَةِ؛ وعاصِمٌ: "اِقْتَدِهْ"؛ بِهاءِ السَكْتِ؛ ثابِتَةً في الوَصْلِ؛ والوَقْفِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "اِقْتَدِ"؛ قالَ: بِحَذْفِ الهاءِ في الوَصْلِ؛ وإثْباتِها في الوَقْفِ؛ وهَذا هو القِياسُ؛ وهي تُشْبِهُ ألِفَ الوَصْلِ في أنَّها تُقْطَعُ في الِابْتِداءِ؛ وتُوصَلُ غَيْرَ مُبْتَدَإٍ بِها؛ فَكَذَلِكَ هَذِهِ؛ تَثْبُتُ في الوَقْفِ؛ وتُحْذَفُ في الوَصْلِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "اِقْتَدِهِ"؛ بِكَسْرِ الهاءِ؛ دُونَ بُلُوغِ الياءِ؛ قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّها هاءُ وقْفٍ؛ لا تُعْرَبُ عَلى حالٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِقْتَدِ الِاقْتِداءَ"؛ وقَرَأ ابْنُ ذِكْوانَ عَلى هَذِهِ: "اِقْتَدِهِ"؛ بِإشْباعِ الياءِ بَعْدَ الهاءِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ كَسْرَ الهاءِ إنَّما هو في هاءِ السَكْتِ؛ كَما قَدْ تُسَكَّنُ هاءُ الضَمِيرِ أحْيانًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ ولا تَجُوزُ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِإشْباعِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ لا أسْألُكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعانِدِينَ: لا أسْألُكم عَلى دُعائِي إيّاكم بِالقُرْآنِ إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ؛ أسْتَكْثِرُ بِها؛ وأُخْتَصُّ بِدُنْياها؛ إنِ القُرْآنُ إلّا مَوْعِظَةٌ؛ وذِكْرى؛ ودُعاءٌ لِجَمِيعِ العالَمِينَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي للتّنويه بهم، فهي فذلكة ثانية، لأنّ الفذلكة الأولى راجعة إلى ما في الجمل السابقة من الهدى وهذه راجعة إلى ما فيها من المهديّين.

واسم الإشارة لزيادة الاعتناء بتمييزهم وإخطار سيرتهم في الأذهان.

والمشار إليهم هم المعيَّنون بأسمائهم والمذكورون إجمالاً في قوله: ﴿ ومن آبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم ﴾ [الأنعام: 87].

و ﴿ الّذين آتيناهم الكتاب ﴾ خبر عن اسم الإشارة.

والمراد بالكتاب الجنس: أي الكتب.

وإيتاء الكتاب يكون بإنزال ما يكتب، كما أنزل على الرسل وبعضضِ الأنبياء، وما أنزل عليهم يعتبر كتاباً، لأنّ شأنه أن يكتب سواء كتب أم لم يكتب.

وقد نصّ القرآن على أنّ إبراهيم كانت له صُحُف بقوله: ﴿ صحف إبراهيم وموسى ﴾ [الأعلى: 19] وكان لعيسى كلامه الذي كتب في الإنجيل.

ولداوود الكلام الصادر منه تبليغاً عن الله تعالى، وكان نبيئاً ولم يكن رسولاً، ولسليمان الأمثال، والجامعة، والنشيد المنسوب في ثلاثتها أحكامٌ أمر الله بها.

ويقال: إنّ إدريس كتب الحكمة في صحف وهو الّذي يُسمّيه الإسرائليون (أخنوخ) ويدعوه القبط (توت) ويدعوه الحكماء (هُرْمس).

ويكون إيتاء الكتاب بإيتاء الّنبيء فهْم ونبيِينَ الكتب المنزّلة قبله، كما أوتي أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى أمثال يحيى فقد قال تعالى له ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوّة ﴾ [مريم: 12].

والحُكم هو الحكمة، أي العلم بطرق الخير ودفع الشرّ.

قال تعالى في شأن يحيى ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ [مريم: 12]، ولم يكن يحيى حاكماً أي قاضياً، وقد يفسّر الحكم بالقضاء بالحقّ كما في قوله تعالى في شأن داوود وسليمان ﴿ وكلاً آتينا حُكماً وعلماً ﴾ [الأنبياء: 79].

وإيتاء هذه الثلاث على التّوزيع، فمنهم من أوتي جميعها وهم الرسل منهم والأنبياء الّذين حكموا بين النّاس مثل داوود وسليمان، ومنهم من أوتي بعضَها وهم الأنبياء غير الرّسل والصّالحون منهم غير الأنبياء، وهذا باعتبار شمول اسم الإشارة لآبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم.

والفاء في قوله: ﴿ فإن يكفر ﴾ عاطفة جملة الشّرط على جملة ﴿ أولئك الّذين آتيناهم الكتاب ﴾ عقّبت بجملة الشّرط وفرّعت عليها لأنّ الغرض من الجمل السابقة من قوله ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ﴾ [الأنعام: 74] هو تشويه أمر الشرك بالاستدلال على فساده بنبذ أهل الفضل والخير إيّاه، فكان للفاء العاطفة عقب ذلك موقع بديع من أحكام نظم الكلام.

وضمير ﴿ بها ﴾ عائد إلى المذكورات: الكتاب والحكم والنّبوءة.

والإشارة في قوله: ﴿ هؤلاء ﴾ إلى المشركين من أهل مكّة، وهي إشارة إلى حاضر في أذهان السّامعين، كما ورد في حديث سؤال القبر " فيقال له ما علمك بهذا الرجل " (يعني النّبيء صلى الله عليه وسلم.

وفي «البخاري» قال الأحنف بن قيس: ذهبتُ لأنصر هذا الرجل (يعني عليّ بن أبي طالب).

وقد تقصيت مواقع آي القرآن فوجدته يعبّر عن مشركي قريش كثيراً بكلمة (هؤلاء)، كقوله ﴿ بل متّعت هؤلاء وآباءهم ﴾ [الزخرف: 29] ولم أر من نبّه عليه من قبل.

وكُفر المشركين بنبوءة أولئك الأنبياء تابع لكفرهم بمحمّد صلى الله عليه وسلم ولذلك حكى الله عنهم بعْدُ أنّهم ﴿ قالوا ما أنزل الله على بشر مِن شيء ﴾ [الأنعام: 91].

ومعنى: ﴿ وكَّلْنا بها ﴾ وفّقْنا للإيمان بها ومراعاتها والقياممِ بحقّها.

فالتّوكيل هنا استعارة، لأنّ حقيقة التّوكيل إسناد صاحب الشيء تدبيرَ شيئه إلى من يتولّى تدبيره ويكفيه كلفةَ حفظه ورعاية ما به بقاؤُه وصلاحُه ونماؤُه.

يقال: وكَّلته على الشيء ووكَّلته بالشيء فيتعدّى بعلى وبالباء.

وقد استعير في هذه الآية للتّوفيق إلى الإيمان بالنّبوءة والكتاب والحكم والنّظر في ما تدعو إليه ورعايته تشبيهاً لتلك الرّعاية برعاية الوكيل، وتشبيهاً للتّوفيق إليها بإسناد النّظر إلى الوكيل، لأنّ الوكالة تقتضي وُجود الشيء الموكّل بيد الوكيل مع حفظه ورعايته، فكانت استعارةُ ﴿ وكَّلنا ﴾ لهذا المعنى إيجازاً بديعاً يقابل ما يتضمّنه معنى الكفر بها من إنكارها الّذي فيه إضاعة حدودها.

والقوم هم المؤمنون الّذين آمنوا برسالة محمّد صلى الله عليه وسلم والقرآن وبمَن قبله من الرّسل وما جاءهم من الكتب والحكم والنّبوءة.

والمقصود الأوّل منهم المؤمنون الّذين كانوا بمكّة ومن آمن من الأنصار بالمدينة إذ كانت هذه السّورة قد نزلت قُبيل الهجرة.

وقد فسّر في «الكشاف» القوم بالأنبياء المتقدّم ذكرُهم وادّعى أنّ نظم الآية حمله عليه، وهو تكلّف لا حامل إليه.

ووصفُ القوم بأنّهم ﴿ ليسوا بها بكافرين ﴾ للدّلالة على أنّهم سارعوا إلى الإيمان بها بمجرّد دعوتهم إلى ذلك فلذلك جيء في وصفهم بالجملة الإسميّة المؤلّفة من اسم (ليس) وخبرها لأنّ ليس بمنزلة حرف نفي إذ هي فعل غير متصرّف فجملتها تدلّ على دوام نفي الكفر عنهم، وأدخلت الباء في خبر (ليس) لتأكيد ذلك النّفي فصار دوامَ نفي مؤكّداً.

والمعنى إنْ يكفر المشركون بنبوءتك ونبوءةِ مَن قبلك فلا يضرّك كفرهم لأنَّا قد وفّقنا قوماً مؤمنين للإيمان بك وبهم، فهذا تسلية للرّسول صلى الله عليه وسلم على إعراض بعض قومه عن دعوته.

وتقديم المجرور على عامله في قوله ﴿ ليسوا بها بكافرين ﴾ لرعاية الفاصلة مع الاهتمام بمعاد الضمير: الكتاب والحكم والنّبوءة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَإنْ تَكْفُرْ بِها قُرَيْشٌ فَقَدْ وكَّلْنا بِها الأنْصارَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: فَإنْ يَكْفُرْ بِها أهْلُ مَكَّةَ فَقَدْ وكَّلْنا بِها أهْلَ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: فَإنْ تَكْفُرْ بِها قُرَيْشٌ فَقَدْ وكَّلْنا بِها المَلائِكَةَ، قالَهُ أبُو رَجاءٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهم كُلُّ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَقَدْ وكَّلْنا بِها ﴾ أيْ أقَمْنا بِحِفْظِها ونُصْرَتِها، يَعْنِي: كُتُبَ اللَّهِ وشَرِيعَةَ دِينِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن حوثرة بن بشير.

سمعت رجلاً سأل الحسن عن قوله: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوّة ﴾ من هم يا أبا سعيد؟

قال: هم الذين في صدر هذه الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم ﴾ قال: الحكم اللب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء ﴾ يعني أهل مكة يقول: أن يكفروا بالقرآن ﴿ فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ يعني أهل المدينة والأنصار.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء ﴾ قال: أهل مكة كفار قريش ﴿ فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ وهم الأنبياء الذين قص الله على نبيه الثمانية عشر، الذين قال الله: ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي رجاء العطاردي في قوله: ﴿ فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ قال: هم الملائكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان أهل الإيمان قد تبوّأوا الدار والإِيمان قبل أن يقدم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أنزل الله الآيات جحد بها أهل مكة، فقال الله: ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب في الآية قال: إن يكفر بها أهل مكة فقد وكلنا بها أهل المدينة من الأنصار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله عز وجل: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾ قال ابن عباس: (يعني: الكتب التي أنزلها الله عليهم التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى وكتبًا أنزلها الله تعالى كثيرة، وهو أعلم بها.

وقوله تعالى: ﴿ وَالْحُكْمَ ﴾ قال: يعني: العلم والفقه) (١) ﴿ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا ﴾ أي: بآياتنا؛ قاله الفراء (٢) (٣) ﴿ هَؤُلَاءِ ﴾ يعني: أهل مكة، في قول ابن عباس (٤) (٥) (٦) ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا ﴾ قال عبد العزيز بن يحيى: (يعني: أرصدنا لها قوماً وفقناهم لها، وفي هذا دليل على أنهم خلقوا للإيمان بها مخصوصين دون من كفروا فهم آمنوا بتوفيق الله؛ لأنه قال: ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا ﴾ ولم يقل: فقد قام بها، فأضاف ذلك إلى نفسه لا إليهم) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) وقال عطاء عن ابن عباس: ( ﴿ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا ﴾ : اختصصنا بها المهاجرين والأنصار (١٢) [وقال الحسن (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ  ﴾ أي: اصبر كما صبروا، فإن قومهم قد كذبوهم فصبروا على ما كُذبوا وأوذوا فاقتدِ بهم) (١٦) وقال أبو رجاء: (يعني الملائكة) (١٧) (١٨) وقال مجاهد: (هم الفرس) (١٩) وقال الزهري: (هم العجم) (٢٠) (٢١) (٢٢) قال أهل المعاني: (هذه الآية تتضمن البيان عن أن الله تعالى سيحوط نبيه  وينصر دينه بهؤلاء المؤمنين الذين أرصدهم للإيمان به حتى يستعلي على كل من عاداه وناوأه، ولا يضرّه كفر هؤلاء، وفيه تقريظ للمؤمنين وتقريع لهؤلاء الكافرين) (٢٣) (١) ذكر في "تنوير المقباس" 2/ 39 نحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 166، و"زاد المسير" 3/ 81.

(٢) "معاني الفراء" 1/ 342.

(٣) "معاني الزجاج" 2/ 270.

ولم يصرح بأن المراد الآيات، ولكن يظهر من كلامه ذلك فقد قال: (أي: قد وكلنا بالإيمان بها).

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 264، وابن أبي حاتم 4/ 1339 بسند جد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 312.

(٥) منهم مقاتل في "تفسيره" 1/ 574، الفراء في "معانيه" 1/ 342.

وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 264، عن قتادة والضحاك وابن جريج.

وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1339 عن سعيد بن المسيب.

وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 455 عن مجاهد.

واقتصر على هذا القول السمرقندي في "تفسيره" 1/ 499، والبغوي 3/ 166.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) لم أقف عليه.

وذكر نحوه الرازي 13/ 68 بلا نسبة.

(٨) أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1339 بسند جيد.

(٩) أخرجه الطبري 7/ 264 من طرق جيدة عن ابن عباس والسدي وابن جريج، وبسند ضعيف عن الضحاك.

وانظر: "الدر المنثور" 3/ 52.

(١٠) "تنوير المقباس" 2/ 39.

(١١) "معاني الفراء" 1/ 342.

(١٢) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 81، والقرطبي 7/ 35 بدون نسبة.

(١٣) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 140، وابن عطية 5/ 274، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1339 عن الحسن قال: (الأنبياء والصالحون).

(١٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 213، والطبري 7/ 265، وابن أبي هاشم 4/ 1339 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 52.

(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(١٦) "معاني الزجاج" 2/ 270، وهذا أيضًا اختيار الطبري في "تفسيره" 7/ 266، والنحاس في "معانيه" 2/ 456.

(١٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 265، وابن أبي حاتم 4/ 1339 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 52.

(١٨) ونحو هذا قال الرازي 13/ 68، وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 158: (هذا قول ضعيف جدًّا لا يدل عليه السياق وتأباه لفظه (قوما)، إذ الغالب في القرآن بل المطرد تخصيص القوم ببني آدم دون الملائكة) اهـ وانظر: "اللسان" 12/ 505 (قوم).

(١٩) لم أقف عليه.

(٢٠) لم أقف عليه.

(٢١) ذكره الرازي 13/ 68، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 219 قال: (النبيين والصالحين)، وحكى البغوي في "تفسيره" 3/ 166 عن مجاهد قال: (يعني: الأنصار وأهل المدينة)، وذكره ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 161 عن ابن عباس ومجاهد، وقال الإمام أحمد كما في مروياته في "التفسير" 2/ 120: (هم أهل المدينة) اهـ.

(٢٢) ذكره الرازي 13/ 68، والخازن 2/ 156، والظاهر أن الآية عامة فيمن كفر ومن آمن إلى يوم القيامة، ويحمل ما ورد على التمثيل، وأول من يدخل كفار مكة ومن آمن من المهاجرين والأنصار، وهو اختيار ابن عطية 5/ 274، وابن كثير 2/ 174، وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 158 - 162: (الإشارة بقوله: (هؤلاء) إلى من كفر به من قومه أصلاً ومن عداهم تبعاً، فيدخل فيها كل من كفر بما جاء به من هذه الأمة، والقوم الموكلون بها هم الأنبياء أصلاً، والمؤمنون بهم تبعًا فيدخل كل من قام بحفظها والذب عنها والدعوة إليها، ولا ريب أن هذا للأنبياء أصلًا وللمؤمنين بهم تبعًا، وأحق من دخل فيها من أتباع الرسول خلفاؤه في أمته وورثته، فهم الموكلون بها وهذا ينتظم في الأقوال التي قيلت في الآية) اهـ.

(٢٣) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 69، والخازن 2/ 156.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْ آبَائِهِمْ ﴾ في موضع نصب عطف على كلا أي وهدينا بعض آبائهم ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤلاء ﴾ أي أهل مكة ﴿ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً ﴾ هم الأنبياء المذكورون، وقيل: الصحابة، وقيل: كل مؤمن.

والأول أرجح لدلالة ما بعده على ذلك، ومعنى توكيلهم بها: توفيقهم للإيمان بها والقيام بحقوقها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ واليسع ﴾ بتشديد اللام: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالتخفيف، ﴿ اقتده ﴾ بإشباع الهاء: ابن عامر الحلواني عن هشام مختلسة، وبحذف الهاء في الوصل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بسكون هاء السكت على الأصل.

الوقوف: ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ كلاً هدينا ﴾ ج لأن ﴿ ونوحاً ﴾ مفعول ما بعده، ولو وصل التبس بأنه مفعول ما قبله مع اتفاق الجملتين ﴿ وهارون ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ وإلياس ﴾ ط ﴿ من الصالحين ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولوطا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للعطف.

﴿ وإخوانهم ﴾ ج لبيان أن قوله ﴿ واجتبيناهم ﴾ يعود إلى قوله ﴿ كلاً هدينا ﴾ كقوله ﴿ وممن هدينا واجتبينا  ﴾ ولاحتمال الواو الحال أي وقد اجتبيناهم وذكر هديناهم بعده ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ والنبوّة ﴾ ج ﴿ بكافرين ﴾ ه ﴿ اقتده ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: لما حكى حجج إبراهيم صلوات الرحمن عليه في التوحد والذب عن الدين الحنيفي عدّد وجوه نعمه وإحسانه عليه بعد نعمة إيتاء الحجة ورفع الدرجة فقال ﴿ ووهبنا له ﴾ باللفظ الدال على العظمة كما يقوله عظماء الملوك ليدل بذلك على عظم العطية، وذلك أنه جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله وعقبه.

قيل: وإنما لم يذكر إسماعيل مع إسحق وإن كان هو أيضاً ابنه لصلبه، لأن المقصود بالذكر ههنا أنبياء بني إسرائيل وهم بأسرهم أولاد إسحق ويعقوب، وأما إسماعيل فإنه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد  ، ولا يجوز ذكر محمد  في هذا المقام لأنه أمر محمداً أن يحتج على العرب بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد شرفه الله بالنعم الجسام في الدين والدنيا، ومن جملة ذلك أن آتاه أولاداً كانوا ملوكاً وأنبياء، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض، فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحق.

أما قوله ﴿ ونوحاً هدينا من قبل ﴾ فالمقصود منه بيان كرامة إبراهيم بحسب الآباء أيضاً مثل نوح وإدريس وشيث، وأما الضمير في قوله ﴿ ومن ذريته ﴾ فقد قيل: إنه يعود إلى "نوح" لأنه أقرب ولأنه  ذكر في جملتهم لوطاً وهو كان ابن أخي إبراهيم وما كان من ذريته، بل كان من ذرية نوح، ولأن ولد الإنسان لا يقال إنه ذريته فعلى هذا إسماعيل ما كان من ذرية إبراهيم وكان من ذرية نوح، ولأن يونس  لم يكن من ذرية إبراهيم على قول بعضهم.

وقيل: الضمير عائد إلى إبراهيم لأنه هو المقصود بالذكر هو هذا المقام.

واعلم أن الله  ذكر أربعة من الأنبياء وهم: نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب.

ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر نبياً: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً.

فالمجموع ثمانية عشر.

وأنه لم يراع الترتيب بينهم في الآية لا بحسب الفضل والشرف ولا بحسب الزمان والمدة، فاستدل العلماء بذلك على أن الواو لا تفيد الترتيب.

وقال في التفسير الكبير: إن وجه الترتيب أنه  خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الكرامة.

فمن المراتب المعتبرة عند الجمهور الملك والسلطنة وقد أعطى داود وسليمان من ذلك نصيباً عظيماً، والمرتبة الثانية البلاء والمحنة وقد خص أيوب بذلك، والثالثة استجماع الحالتين وذلك في حق يوسف فإنه ابتلي أوّلاً ثم أوتي الملك ثانياً.

الرابعة قوّة المعجزات وكثرة البراهين والبينات وذلك حال موسى وهارون الخامسة الزهد الكامل كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ولهذا وصفهم بأنهم من الصالحين.

السادسة الأنبياء الذين ليس لهم في الخلق أتباع ولا أشياع وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط.

وأما المراد بقوله ﴿ كلاً هدينا ونوحاً هدينا ﴾ قيل: المراد الهداية إلى طريق الجنة بدليل قوله ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فإن جزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب.

وقيل: لا يبعد أن يقال: المراد الهداية إلى الدين والمعرفة لأنهم اجتهدوا في طلب الحق فجازاهم الله بالوصال والوصول كما قال ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا  ﴾ وقيل: إنها الإرشاد إلى النبوّة والرسالة لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك، وهذا إنما يصح عند من جوز أن تكون الرسالة جزاء على عمل.

واستدل بعضهم بقوله ﴿ وكلاً فضلنا على العالمين ﴾ على أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وذلك أن العالم اسم لكل موجود سوى الله  فيدخل فيه الملائكة وكذا الأولياء.

وقيل: فضلناهم على عالمي زمانهم فلا يتم الاستدلال.

قال القاضي: ويمكن أن يقال: المراد وكل من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين.

ثم الكلام في أن أي الأنبياء أفضل من بعض كلام آخر لا تعلق له بالأول.

ثم قال ﴿ ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ﴾ معطوف على ﴿ كلاً ﴾ أي فضلنا بعض آبائهم.

فالآباء هم الأصول، والذريات هم الفروع، والإخوان فروعالأصول.

وفيه دليل على أنه  خص كل من تعلق بهؤلاء بنوع من الشرف والكرامة.

ثم إن قلنا المراد من الهداية الهداية إلى الثواب والجنة فقوله ﴿ من آبائهم ﴾ وكلمة "من" للتبعيض يدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن ولا واصل إلى الجنة، وإن فسرنا الهداية بالنبوة لم يفد ذلك إلا أنه يفيد أن لا تكون المرأة رسولاً ولا نبياً ﴿ واجتبيناهم ﴾ أي اصطفيناهم من جبيت الماء في الحوض وجبوته في جمعته، ﴿ ذلك هدى الله ﴾ إشارة إلى معرفة التوحيد والتنزيه بدليل قوله ﴿ ولو أشركوا لحبط ﴾ وفيه دليل على أن الهداية من الله  وليس للعبد فيها اختيار.

وفيه تهديد عظيم كقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ والغرض من ذلك زجر الأمة.

﴿ أولئك ﴾ يعني الأنبياء الثمانية عشر.

﴿ الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ﴾ ولا بد بحكم العطف من تغاير الأمور الثلاثة.

ووجه بأن الحكام على الخلق ثلاث طوائف: الحكام على بواطن الناس وهم العلماء، والحكام على ظواهر الخلق وهم السلاطين، والجامعون بين الأمرين وهم الأنبياء.

فالأمور الثلاثة إشارة إلى هذه الأصناف الثلاثة.

ومعنى إيتاء الكتاب الفهم التام بما في هذا الجنس والعلم المحيط بحقائقه وأسراره.

ولو قيل: المراد بالإيتاء الإبتداء بالوحي والتنزيل كصحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى لم يشمل كل المذكورين لأنه تعالى ما أنزل على كل واحد منهم كتاباً على التعيين.

﴿ فإن يكفر بها ﴾ أي بالأمور الثلاثة أو بالنبوة ﴿ هؤلاء ﴾ يعني أهل مكة ﴿ فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ أي ليسوا كافرين بها ومن توكيلهم بها أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه.

ومن القوم؟

قيل: كل مؤمن وقيل: أهل المدينة وهم الأنصار.

وقيل: هم المهاجرون.

وقال الحسن: هم الأنبياء الذين تقدم ذكرهم واختاره الزجاج لقوله عقيب ذلك ﴿ أولئك الذين هدى الله ﴾ وقال أبو رجاء: يعني الملائكة وضعف بأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم.

وفي الآية دلالة على أنه  سينصر نبيه ويظاهر دين الإسلام على كل الأديان وقد وقع ما وعد وكان إخباراً بالغيب فصح إعجاز القرآن.

وفيها استدلال للأشاعرة على أنه  خلق قوماً للإيمان ولو كان خلق الكل للإيمان والبيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركاً بين الكل لم يصح هذا التخصيص.

أجاب الكعبي بأنه زاد المؤمنين من الألطاف ما لا يحصيه إلا الله، وبتقدير أن يستوي فإذا لم ينتفع به الكافر صح بحسب الظاهر أن يقال إنه لم يحصل له تلك الألطاف.

ورد بأن الألطاف الداعية إلى الإيمان مشترك فيها بين الكافر والمؤمن، وبأن الوالد لما سوّى بين الولدين في العطية ثم إن أحدهما ضيع نصيبه فأي عاقل يجوّز أن يقول أحد إن الأب ما أنعم عليه وما أعطاه شيئاً ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ من حذف الهاء في الوصل فعلى الأصل، ومن أثبتها في الوصل كما في الوقف أراد موافقة المصحف فإن الهاء ثابتة في الخط فكره مخالفة الخط في الحالين.

وأما قراءة ابن عامر بكسر الهاء بغير إشباع فقال أبو بكر بن مجاهد: إنها غلط.

وقال أبو علي الفارسي: ليست بغلط ووجهها أن يجعل الهاء كناية عن المصدر الدال عليه الفعل.

والتقدير: فبهداهم اقتد الاقتداء.

وتقديم المفعول للاختصاص أي لا تقتد إلا بهم.

ولا خلاف في أنه أمر لمحمد  بالاقتداء بالأنبياء المذكورين.

إنما الكلام في تفسير الهدى.

فمن الناس من قال: المراد الذي أجمعوا عليه وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به في الذات والصفات والأفعال.

وقال آخرون: المراد به الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما خصه الدليل، وعلى هذا فيلزمنا شرع من قبلنا، وقيل: اللفظ مطلق فيحمل على الكل إلا ما خصه الدليل المفصل.

وقال القاضي: هذا بعيد لأن شرائعهم مختلفة متناقضة ولا يمكن الإتيان بالأمور المتناقضة معاً، ولأن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العمل، ودليل إثبات شرعهم كان مخصوصاً بتلك الأوقات، ولأن منصبهم يلزم أن يكون أجل من منصبه وأنه باطل بالإجماع، وأجيب بأن العام يجب تخصيصه في الصورة المتناقضة فيبقى فيما عداها حجة، وبأن المستدل بالدليل فصل في ذلك الحكم فلا معنى للاقتداء بالدليل إلا إذا كان فعل الأول سبباً لوجوب الفعل على الثاني، وبأنه يلزم أن يكون منصبه أجل من منصبهم لأنه أمر باستجماع خصال الكمال وصفات الشرف التي كانت متفرقة فيها كالشكر في داود وسليمان، والصبر في أيوب، والزهد في زكريا ويحيى وعيسى، والصدق في إسماعيل، والتضرع في يونس، والمعجزات الباهرة في موسى وهارون، ولهذا قال "لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي" ولما أمره بالاقتداء بالأنبياء وكان من جملة هداهم أن لا يطلبوا الأجر أي المال والجعل في ايصال الدين وإبلاغ الشريعة قيل له: ﴿ قل لا أسألكم ﴾ أيها الأمة ﴿ عليه ﴾ على البلاغ ﴿ أجراً إن هو ﴾ يعني القرآن ﴿ إلا ذكرى للعالمين ﴾ يريد كونه مشتملاً على كل ما يحتاجون إليه في المعاش والمعاد.

وفيه دليل على أنه  كان مبعوثاً إلى الناس كافة لا إلى قوم دون قوم.

التأويل: ومما رفعنا به درجات إبراهيم أنا وهبنا له إسحق ويعقوب.

ولعله أفرد ذكر إسماعيل لمكان محمد  وآله كيلا يقع ذكره تبعاً لموهبة إبراهيم، فإن الكائنات تبيع لوجود محمد  وآله، ومن آبائهم إلى آدم ومن ذرياتهم إلى محمد ﴿ واجتبيناهم ﴾ في الأزل لهذا الشأن ﴿ وهديناهم ﴾ إلى الأبد ﴿ ولو أشركوا ﴾ بأن لاحظوا غيرنا فأثبتوا شيئاً من دوننا ونسبوا شيئاً من الحوادث إلى غير قدرتنا، أو لم يبدلوا أنانيتهم في هويتنا ﴿ لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ لأنهم سلكوا حتى انتهى مسير كل منهم إلى ما قدر له: آدم في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، وجميع الملائكة المقربين إلى سدرة المنتهى، وأنت محمد إلى مقام قاب قوسين أو أدنى ﴿ قل لا أسألكم ﴾ أيها الأنبياء على الاقتداء ﴿ أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين ﴾ ليعلموا أن الطريق إلى الله لا يسلك إلا بالاقتداء، أو ﴿ لا أسألكم ﴾ أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق ﴿ أجراً أن هو إلا ذكرى للعالمين ﴾ من الله وبه وإليه وهو المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ أي: ذلك الهدي الذي هدى هؤلاء فبهداه اهتدوا.

وفي الآية [دلالة] نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله قد شاء أن يهدي الخلائق كلهم لكن لم يهتدوا، وعلى قولهم لم يكن من الله إلى الرسل والأنبياء من الهداية والفضل إلا كان ذلك إلى جميع الكفرة، فالآية تكون مسلوبة الفائدة على قولهم؛ لأنه ذكر أنه يهدي من يشاء وهم يقولون: شاء أن يهدي الكل لكن لم يهتدوا، فإن كان كما ذكروا لم يكن لقوله: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ فائدة؛ دل أنه من الخلائق من قد شاء ألا يهديهم إذا علم منهم أنهم لا يهتدون ولا يختارون الهدى، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

هذا بناء على الحكم فيهم لو أشركوا إلا أنهم [لا] يشركون؛ لأن الله قد عصمهم واختارهم لرسالته واختصهم لنبوته، فلا يحتمل أن يشركوا، لكن ذكر هذا؛ ليعلموا أن حكمه واحد فيمن أشرك في الله غيره وضيعا كان أو شريفاً.

وقوله: ﴿ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : من الحسنات والخيرات التي كانت قبل الإشراك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ : قيل: الكتب التي أعطى الرسل.

﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ قيل: العلم والفقه والفهم.

وقيل: الأحكام التي أعطاهم، والنبوة هي أنباء الغيب؛ وقد ذكرنا [هذا].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

قيل: ﴿ بِهَا ﴾ كناية عن أنباء الغيب، والنبوة التي ذكر.

وقيل: ﴿ بِهَا ﴾ كناية عن الكتب التي أنزلها على الرسل.

وقيل: هي كناية عن الآيات والحجج التي أعطى رسوله.

وقوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ .

اختلف فيه قال بعضهم: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا ﴾ - يعني: أهل مكة - ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ : أهل المدينة من الأنصار والمهاجرين؛ وهو قول ابن عباس.

وقيل: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ ، يعني: من عد من الرسل والأنبياء.

وقيل: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ ، يعني: أهل قرابتك وأهل وصلتك، فقد وكلنا بها قوماً من غير أهل قرابتك ليسوا بها بكافرين.

وقيل: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: أهل زمانك، ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً ﴾ : من تقدمهم من آبائهم وأجدادهم، ﴿ لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ .

وقيل: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: أهل الأرض، ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً ﴾ ، يعني: أهل السماء، ﴿ لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ .

قال الحسن - رحمه الله -: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: أمتك، فقد وكل الله بها النبيين والصالحين من الأمم الخالية، ﴿ لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ ، والله أعلم بذلك وهو كما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ ﴾ .

يحتمل [فبهديهم الذي هدوا هم] أهدِ أنت أمتك.

ويحتمل: فبهداهم الذي هدوا هم اهتد أنت؛ يأمره - عز وجل بالاقتداء بإخوانه الذين مضوا من الرسل.

والهدى: هو اسم ما يدان به ليس هو اسم الأفعال، لا يقال: لتارك الصلاة والزكاة والصيام: هداك، إنما يقال ذلك لمن دان بضد الهدى.

أمر رسوله أن يقتدي بهم بذلك، وذلك يدل على أن الأنبياء والرسل كانوا على دين واحد، وأن الدين لا يحتمل النسخ والتغيير.

ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً  ﴾ أخبر [أنه شرع لنا الدين الذي وصى به نوحاً]، وذلك يدل [على] أن الدين واحد لا يحتمل النسخ، وأما الشرائع: فهي مختلفة؛ لأنها تحتمل النسخ، وتحتمل الأمر بالاقتداء بهم ما ذكر.

﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ أي: اقتد بمن تقدم من الرسل، ولا تأخذ على تبليغ الرسالة أجرا كما لم يأخذوا هم.

وفي قوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ دليل نقض قول من يجيز أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم ورواية الحديث وغير ذلك من العبادات؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ ؛ كأنه - والله أعلم - يجعل لهم العذر في ترك الإجابة له بما يلحقهم من ثقل الأجر والغرم، والله أعلم.

وفيه - أيضاً - دلالة تنقض مذهب القرامطة؛ لأنهم يعرضون مذهبهم على الناس، ويأخذون منهم المواثيق والجعل في ذلك، وإنما أخذ المواثيق من الرسل على تبليغ الرسالة إلى قومهم، وأمروا بتأليف قلوب الخلق، وهي أخذ الجعل منهم نفور قلوبهم وطباعهم عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ ﴾ .

أي: ما هذا القرآن إلا ذكرى، أي: عظة وزجر للعالمين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أولئك الأنبياء المذكورون هم الذين أعطيناهم الكتب، وأعطيناهم الحكمة، وأعطيناهم النبوة، فإن يكفر قومك بما أعطيناهم من هذه الثلاثة فقد هيأنا لها وأرصدنا قومًا ليسوا بكافرين بها، بل هم مؤمنون مستمسكون بها، وهم المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.

<div class="verse-tafsir" id="91.dKD9m"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله