الآية ٨٨ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٨٨ من سورة الأنعام

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٨ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ) أي : إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم ( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ) تشديد لأمر الشرك ، وتغليظ لشأنه ، وتعظيم لملابسته ، كما قال [ تعالى ] ( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ) الآية [ الزمر : 65 ] ، وهذا شرط ، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع ، كقوله [ تعالى ] ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) [ الزخرف : 81 ] ، وكقوله ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ) [ الأنبياء : 17 ] وكقوله ( لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار ) [ الزمر : 4 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ذلك هدى الله "، هذا الهدي الذي هديت به من سميت من الأنبياء والرسل، فوفقتهم به لإصابة الدين الحقّ الذي نالوا بإصابتهم إياه رضا ربهم، وشرفَ الدنيا، وكرامة الآخرة, هو " هدى الله ", يقول: هو توفيق الله ولطفه, الذي يوفق به من يشاء، ويلطف به لمن أحب من خلقه, حتى ينيب إلى طاعة الله، وإخلاص العمل له، وإقراره بالتوحيد، ورفضِ الأوثان والأصنام (57) =" ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون "، يقول: ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم، بربهم تعالى ذكره, فعبدوا معه غيره =" لحبط عنهم "، يقول: لبطل فذهبَ عنهم أجرُ أعمالهم التي كانوا يعملون, (58) لأن الله لا يقبل مع الشرك به عملا .

-------------------- الهوامش : (57) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون قوله تعالى : ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا أي لو عبدوا غيري لحبطت أعمالهم ، ولكني عصمتهم .

والحبوط البطلان .

وقد تقدم في " البقرة " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ذَلِكَ } الهدى المذكور { هُدَى اللَّهِ } الذي لا هدى إلا هداه.

{ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } فاطلبوا منه الهدى فإنه إن لم يهدكم فلا هادي لكم غيره، وممن شاء هدايته هؤلاء المذكورون.

{ وَلَوْ أَشْرَكُوا } على الفرض والتقدير { لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فإن الشرك محبط للعمل، موجب للخلود في النار.

فإذا كان هؤلاء الصفوة الأخيار، لو أشركوا -وحاشاهم- لحبطت أعمالهم فغيرهم أولى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك هدى الله ) دين الله ، ( يهدي به ) يرشد به ، ( من يشاء من عباده ولو أشركوا ) أي : هؤلاء الذين سميناهم ، ( لحبط ) لبطل وذهب ، ( عنهم ما كانوا يعملون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك» الذين هُدوا إليه «هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا» فرضا «لحبط عنهم ما كانوا يعلمون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلك الهدى هو توفيق الله، الذي يوفق به من يشاء من عباده.

ولو أن هؤلاء الأنبياء أشركوا بالله -على سبيل الفرض والتقدير- لبطل عملهم؛ لأن الله تعالى لا يقبل مع الشرك عملا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : { ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } أى : ذلك الهدى إلى صراط مستقيم الذى اهتدى إليه أولئك الأخيار هو هدى الله الذى يهدى به من يشاء هدايته من عباده وهم المستعدون لذلك .وفى قوله : { مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } من الإبهام ما يبعث النفوس على طلب هدى الله - تعالى - والتعرض لنفحاته .وقوله { وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أى ، ولو فرض أن أشرك بالله أولئك المهديون المختارون لبطل وسقط عنهم ثواب ما كانوا يعملونه من أعمال صالحة فكيف بغيرهم .قال ابن كثير : فى هذه الآية تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه ، وتعظيم لملابسته ، كقوله - تعالى - { وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } والشرط لا يقتضى جواز الوقوع ، فهو كقوله ، { قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين } وكقوله : { لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ } وقوله { أولئك الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب والحكم والنبوة }

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه أظهر حجة الله تعالى في التوحيد ونصرها وذب عنها عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه.

فأولها: قوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم ﴾ والمراد إنا نحن آتيناه تلك الحجة وهديناه إليها وأوقفنا عقله على حقيقتها.

وذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة وهو كناية الجمع على وفق ما يقوله عظماء الملوك.

فعلنا، وقلنا، وذكرنا.

ولما ذكر نفسه تعالى هاهنا باللفظ الدال على العظمة وجب أن تكون تلك العظمة عظمة كاملة رفيعة شريفة، وذلك يدل على أن إيتاء الله تعالى إبراهيم عليه السلام تلك الحجة من أشرف النعم، ومن أجل مراتب العطايا والمواهب.

وثانيها: أنه تعالى خصه بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة.

وهي قوله: ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ .

وثالثها: أنه جعله عزيزاً في الدنيا، وذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله، ومن ذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك، والمقصود من هذه الآيات تعديد أنواع نعم الله على إبراهيم عليه السلام جزاء على قيامه بالذب عن دلائل التوحيد، فقال: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق ﴾ لصلبه ﴿ وَيَعْقُوبَ ﴾ بعده من إسحاق.

فإن قالوا: لم لم يذكر إسماعيل عليه السلام مع إسحاق، بل أخر ذكره عنه بدرجات؟

قلنا: لأن المقصود بالذكر هاهنا أنبياء بني إسرائيل، وهم بأسرهم أولاد إسحاق ويعقوب.

وأما إسماعيل فإنه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز ذكر محمد عليه الصلاة والسلام في هذا المقام، لأنه تعالى أمر محمداً عليه الصلاة والسلام أن يحتج على العرب في نفي الشرك بالله بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا، ومن النعم العظيمة في الدنيا أن آتاه الله أولاداً كانوا أنبياء وملوكاً، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد عليه الصلاة والسلام امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض، فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق.

وأما قوله: ﴿ وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ﴾ فالمراد أنه سبحانه جعل إبراهيم في أشرف الأنساب، وذلك لأنه رزقه أولاداً مثل إسحاق، ويعقوب.

وجعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما، وأخرجه من أصلاب آباء طاهرين مثل نوح.

وإدريس، وشيث.

فالمقصود بيان كرامة إبراهيم عليه السلام بحسب الأولاد وبحسب الآباء.

أما قوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وسليمان ﴾ فقيل المراد ومن ذرية نوح، ويدل عليه وجوه: الأول: أن نوحاً أقرب المذكورين وعود الضمير إلى الأقرب واجب.

الثاني: أنه تعالى ذكر في جملتهم لوطاً وهو كان ابن أخ إبراهيم وما كان من ذريته، بل كان من ذرية نوح عليه السلام، وكان رسولاً في زمان إبراهيم.

الثالث: أن ولد الإنسان لا يقال أنه ذريته، فعلى هذا إسماعيل عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم، بل هو من ذرية نوح عليه السلام.

الرابع: قيل إن يونس عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم عليه السلام، وكان من ذريةنوح عليه السلام.

والقول الثاني: أن الضمير عائد إلى إبراهيم عليه السلام، والتقدير: ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان.

واحتج القائلون بهذا القول: بأن إبراهيم هو المقصود بالذكر في هذه الآيات وإنما ذكر الله تعالى نوحاً لأن كون إبراهيم عليه السلام من أولاده أحد موجبات رفعة إبراهيم.

واعلم أنه تعالى ذكر أولاً أربعة من الأنبياء، وهم: نوح، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب.

ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر من الأنبياء: داود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهرون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسمعيل، واليسع، ويونس، ولوطاً، والمجموع ثمانية عشر.

فإن قيل: رعاية الترتيب واجبة، والترتيب إما أن يعتبر بحسب الفضل والدرجة وإما أن يعتبر بحسب الزمان والمدة، والترتيب بحسب هذين النوعين غير معتبر في هذه الآية فما السبب فيه؟

قلنا: الحق أن حرف الواو لا يوجب الترتيب، وأحد الدلائل على صحة هذا المطلوب هذه الآية فإن حرف الواو حاصل هاهنا مع أنه لا يفيد الترتيب ألبتة، لا بحسب الشرف ولا بحسب الزمان وأقول عندي فيه وجه من وجوه الترتيب، وذلك لأنه تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الإكرام والفضل.

فمن المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق: الملك والسلطان والقدرة، والله تعالى قد أعطى داود وسليمان من هذا الباب نصيباً عظيماً.

والمرتبة الثانية: البلاء الشديد والمحنة العظيمة، وقد خص الله أيوب بهذه المرتبة والخاصية.

والمرتبة الثالثة: من كان مستجمعاً لهاتين الحالتين، وهو يوسف عليه السلام، فإنه نال البلاء الشديد الكثير في أول الأمر، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر.

والمرتبة الرابعة: من فضائل الأنبياء عليهم السلام وخواصهم قوة المعجزات وكثرة البراهين والمهابة العظيمة والصولة الشديدة وتخصيص الله تعالى إياهم بالتقريب العظيم والتكريم التام، وذلك كان في حق موسى وهرون.

والمرتبة الخامسة: الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا، وترك مخالطة الخلق، وذلك كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، ولهذا السبب وصفهم الله بأنهم من الصالحين.

والمرتبة السادسة: الأنبياء الذين لم يبق لهم فيما بين الخلق أتباع وأشياع، وهم إسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط.

فإذا اعتبرنا هذا الوجه الذي راعيناه ظهر أن الترتيب حاصل في ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام بحسب هذا الوجه الذي شرحناه.

المسألة الثانية: قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا ﴾ اختلفوا في أنه تعالى إلى ماذا هداهم؟

وكذا الكلام في قوله: ﴿ وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ﴾ وكذا قوله في آخر الآية: ﴿ ذلك هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .

قال بعض المحققين: المراد من هذه الهداية الثواب العظيم، وهي الهداية إلى طريق الجنة، وذلك لأنه تعالى لما ذكر هذه الهداية قال بعدها: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ وذلك يدل على أن تلك الهداية كانت جزاء المحسنين على إحسانهم وجزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب، فثبت أن المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الجنة.

فأما الإرشاد إلى الدين وتحصيل المعرفة في قلبه، فإنه لا يكون جزاء له على عمله، وأيضاً لا يبعد أن يقال: المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الدين والمعرفة، وإنما ذلك كان جزاء على الإحسان الصادر منهم، لأنهم اجتهدوا في طلب الحق، فالله تعالى جازاهم على حسن طلبهم بإيصالهم إلى الحق، كما قال: ﴿ والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ  ﴾ .

والقول الثالث: أن المراد من هذه الهداية: الإرشاد إلى النبوة والرسالة، لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك.

فإن قالوا: لو كان الأمر كذلك لكان قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ يقتضي أن تكون الرسالة جزاء على عمل، وذلك عندكم باطل.

قلنا: يحمل قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ على الجزاء الذي هو الثواب والكرامة، فيزول الإشكال.

والله أعلم.

المسألة الثالثة: احتج القائلون بأن الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة بقوله تعالى بعد ذكر هؤلاء عليهم السلام: ﴿ وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين ﴾ وذلك لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى، فيدخل في لفظ العالم الملائكة، فقوله تعالى: ﴿ وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين ﴾ يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين.

وذلك يقتضي كونهم أفضل من الملائكة، ومن الأحكام المستنبطة من هذه الآية: أن الأنبياء عليهم السلام يجب أن يكونوا أفضل من كل الأولياء، لأن عموم قوله تعالى: ﴿ وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين ﴾ يوجب ذلك.

قال بعضهم: ﴿ وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين ﴾ معناه فضلناه على عالمي زمانهم.

قال القاضي: ويمكن أن يقال المراد: وكلاًّ من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين.

ثم الكلام بعد ذلك في أن أي الأنبياء أفضل من بعض، كلام واقع في نوع آخر لا تعلق به بالأول والله أعلم.

المسألة الرابعة: قرأ حمزة والكسائي ﴿ واللسيع ﴾ بتشديد اللام وسكون الياء، والباقون ﴿ واليسع ﴾ بلام واحدة.

قال الزجاج: يقال فيه الليسع واليسع بتشديد اللام وتخفيفها.

المسألة الخامسة: الآية تدل على أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أنه لا ينتسب إلى إبراهيم إلا بالأم، فكذلك الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن انتسبا إلى رسول الله بالأم وجب كونهما من ذريته، ويقال: إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف.

المسألة السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءابَائِهِمْ وذرياتهم وإخوانهم ﴾ يفيد أحكاماً كثيرة: الأول: أنه تعالى ذكر الآباء والذريات والأخوان، فالآباء هم الأصول، والذريات هم الفروع، والاخوان فروع الأصول، وذلك يدل على أنه تعالى خص كل من تعلق بهؤلاء الأنبياء بنوع من الشرف والكرامة، والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ وَمِنْ ءابَائِهِمْ ﴾ وكلمة من للتبعيض.

فإن قلنا: المراد من تلك الهداية الهداية إلى الثواب والجنة والهداية إلى الإيمان والمعرفة، فهذه الكلمة تدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن ولا واصل إلى الجنة.

أما لو قلنا: المراد بهذه الهداية النبوة لم يفد ذلك.

الثالث: أنا إذا فسرنا هذه الهداية بالنبوة كان قوله: ﴿ وَمِنْ ءَابَائِهِمْ وذرياتهم وإخوانهم ﴾ كالدلالة على أن شرط كون الإنسان رسولاً من عند الله أن يكون رجلاً، وأن المرأة لا يجوز أن تكون رسولاً من عند الله تعالى، وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿ واجتبيناهم ﴾ يفيد النبوة، لأن الاجتباء إذا ذكر في حق الأنبياء عليهم السلام لا يليق به إلا الحمل على النبوة والرسالة.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ واعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الهدى هو معرفة التوحيد وتنزيه الله تعالى عن الشرك، لأنه قال بعده: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وذلك يدل على أن المراد من ذلك الهدي ما يكون جارياً مجرى الأمر المضاد للشرك.

وإذا ثبت أن المراد بهذا الهدى معرفة الله بوحدانيته.

ثم إنه تعالى صرح بأن ذلك الهدى من الله تعالى، ثبت أن الإيمان لا يحصل إلا بخلق الله تعالى، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بنفي الشرك فقال: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ ﴾ والمعنى أن هؤلاء الأنبياء لو أشركوا لحبط عنهم طاعاتهم وعباداتهم.

والمقصود منه تقرير التوحيد وإبطال طريقة الشرك.

وأما الكلام في حقيقة الإحباط فقد ذكرناه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِي الله ﴾ وكانوا حاجوه في توحيد الله ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك ﴿ وَقَدْ هدان ﴾ يعني إلى التوحيد ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ وقد خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً ﴾ إلاّ وقت مشيئة ربي شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعني لا أخاف معبوداتكم في وقت قط؛ لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة، إلاّ إذا شاء ربي أن يصيبني بمخوف من جهتها إن أصبت ذنباً استوجب به إنزال المكروه، مثل أن يرجمني بكوكب أو بشقة من الشمس أو القمر، أو يجلعها قادرة على مضرتي ﴿ وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَيْء عِلْماً ﴾ أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها ﴿ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ ﴾ لتخويفكم شيئاً مأمون الخوف لا يتعلق به ضرر بوجه ﴿ و ﴾ أنتم ﴿ لا تخافون ﴾ ما يتعلق به كل مخوف وهو إشراككم بالله ما لم ينزل بإشراكه ﴿ سلطانا ﴾ أي حجة، لأن الإشراك لا يصحّ أن يكون عليه حجة، كأنه قال: وما لكم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف.

ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم، احترازاً من تزكيته نفسه، فعدل عنه إلى قوله: ﴿ فَأَىُّ الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ثم استأنف الجواب على السؤال بقوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم.

وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس ﴿ وَتِلْكَ ﴾ إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ إلى قوله: ﴿ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ .

ومعنى ﴿ ءاتيناهآ ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ يعني في العلم والحكمة.

وقرئ بالتنوين ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِ ﴾ الضمير لنوح أو لإبراهيم.

و ﴿ دَاوُودُ ﴾ عطف على نوحاً، أي وهدينا داود ﴿ وَمِنْ ءابَائِهِمْ ﴾ في موضع النصب عطفاً على كلاًّ، بمعنى: وفضلنا بعض آبائهم ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ ﴾ مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات.

لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى وتقدّس ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: 65] .

﴿ ءاتيناهمالكتاب ﴾ يريد الجنس ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا ﴾ بالكتاب والحكمة والنبوّة.

أو بالنبوّة ﴿ هؤلاء ﴾ يعني أهل مكة ﴿ قَوْماً ﴾ هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ وبدليل وصل قوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء ﴾ بما قبله.

وقيل: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكل من آمن به.

وقيل: كل مؤمن من بني آدم.

وقيل: الملائكة وادّعى الأنصار أنها لهم.

وعن مجاهد: هم الفرس.

ومعنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكّل الرجل بالشيء ليقوم به، ويتعهده ويحافظ عليه.

والباء في ﴿ بِهَا ﴾ صلة كافرين.

وفي ﴿ بكافرين ﴾ تأكيد النفي.

﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ فاختص هداهم بالاقتداء، ولا تقتد إلاّ بهم.

وهذا معنى تقديم المفعول، والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة وهي هدى، ما لم تنسخ.

فإذا نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبداً.

والهاء في ﴿ اقتده ﴾ للوقف تسقط في الدرج.

واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما دانُوا بِهِ.

﴿ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ.

﴿ وَلَوْ أشْرَكُوا ﴾ أيْ ولَوْ أشْرَكَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ فَضْلِهِمْ وعُلُوِّ شَأْنِهِمْ.

﴿ لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ لَكانُوا كَغَيْرِهِمْ في حُبُوطِ أعْمالِهِمْ بِسُقُوطِ ثَوابِها.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجِنْسَ.

﴿ والحُكْمَ ﴾ الحِكْمَةُ أوْ فَصْلُ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحَقُّ.

﴿ والنُّبُوَّةَ ﴾ والرِّسالَةَ.

﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها ﴾ أيْ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ.

﴿ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا.

﴿ فَقَدْ وكَّلْنا بِها ﴾ أيْ بِمُراعاتِها.

﴿ قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُورُونَ ومُتابِعُوهم.

وقِيلَ هُمُ الأنْصارُ أوْ أصْحابُ النَّبِيِّ  ، أوْ كُلُّ مَن آمَنَ بِهِ أوِ الفُرْسُ.

وقِيلَ المَلائِكَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذلك} أى مادان به هؤلاء المذكورون {هُدَى الله} دين الله {يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} فيه نقض قول المعتزلة لأنهم يقولون إن الله شاء هداية الخلق كلهم لكنهم لم يهتدوا {وَلَوْ أَشْرَكُواْ} مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات العلى {لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} لبطلت أعمالهم كما قال لئن أشركت ليحبطن عملك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الهُدى إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ أوْ ما يُفْهَمُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن مَصادِرِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ أوْ ما دانُوا بِهِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا ﴿ هُدى اللَّهِ ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ ﴿ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ مِن عِبادِهِ وهُمُ المُسْتَعِدُّونَ لِذَلِكَ.

وفي تَعْلِيقِ الهِدايَةِ بِالمَوْصُولِ إشارَةٌ إلى عِلْيَةِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ ويُفِيدُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى مُتَفَضِّلٌ بِالهِدايَةِ ﴿ ولَوْ أشْرَكُوا ﴾ أيْ أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ ﴿ لَحَبِطَ ﴾ أيْ لَبَطُلَ وسَقَطَ ﴿ عَنْهُمْ ﴾ مَعَ فَضْلِهِمْ وعُلُوِّ شَأْنِهِمْ ﴿ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ 88 - أيْ ثَوابُ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهم وهم هم وأعْمالُهم أعْمالُهُمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَوَهَبْنا لَهُ يعني: لإبراهيم إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ قال الضحاك: ولدت سارة إسحاق ولها تسعة وتسعون سنة.

ولإبراهيم مائة وعشرون سنة ثم ولد لإسحاق يعقوب كُلًّا هَدَيْنا يعني: إسحاق ويعقوب هديناهما بالنبوة والإسلام وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ يعني: هديناه للنبوة والإسلام من قبل إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ قال الكلبي: يعني من ذرية نوح.

وقال الضحاك: يعني من ذرية إبراهيم داوُدَ النبي-  - وَسُلَيْمانَ وهو ابن داود وَأَيُّوبَ وهو من ولد عيصو بن إسحاق وَيُوسُفَ وهو ابن يعقوب وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يعني: نعطيهم أفضل الثواب وَزَكَرِيَّا يعني: من ذرية إبراهيم زكريا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ قال الضحاك: كان إلياس من ولد إسماعيل.

وذكر عن القتبي أنه كان من سبط يوشع بن نون كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: من المرسلين وَإِسْماعِيلَ وهو من صلب إبراهيم-  - وَالْيَسَعَ قرأ حمزة والكسائي والليسع مشددا.

وقرأ الباقون وَالْيَسَعَ بالتخفيف.

فمن قرأ بالتشديد فالاسم منه ليسع ثم أدخلت الألف واللام للتعريف فصار الليسع.

ومن قرأ بالتخفيف فالاسم منه يسع.

ثم أدخلت الألف واللام للتعريف فصار اليسع.

وكذا هذا الاختلاف في سورة ص وكان اليسع تلميذ إلياس وكان خليفته من بعده.

وَيُونُسَ ابن متى وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ بالرسالة والنبوة في ذلك الزمان ثم ذكر آباءهم فقال: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ يعني: وقد اصطفيناهم بالنبوة يعني: آدم ونوحاً وإدريس وهوداً وصالحاً- عليهم السلام- وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو دين الإسلام ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يعني: دين الله يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني: يكرم بدينه من يشاء من عباده وَلَوْ أَشْرَكُوا يعني: هؤلاء النبيين لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا يعني: إنما فضلهم الله بالطاعة.

ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ يعني: العلم والفهم والفقه وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها أي: الأنبياء هؤُلاءِ يعني: أهل مكة فَقَدْ وَكَّلْنا بِها يعني: ألزمنا بها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ.

قال سعيد بن جبير هم الأنصار.

ويقال فَإِنْ يَكْفُرْ بِها يعني: بآياتنا فَقَدْ وَكَّلْنا بِها يعني: بالإيمان بها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ يعني: الأنبياء الذين سبق ذكرهم.

ويقال: الملائكة.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ يعني: أمة محمد-  - فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قوما ليسوا بها كافرين.

يعني: النبيين الذين قصّ الله عنهم.

ثم قال أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ يعني الأنبياء فَبِهُداهُمُ يعني: بسنتهم وتوحيدهم اقْتَدِهْ على دينهم استقم واعمل به.

وفي هذه الآية دليل أن شرائع المتقدمين واجبة علينا ما لم يظهر نسخها إذا ثبت ذلك في الكتاب، أو على لسان الرسول  لأن الله تعالى أمرنا بأن نقتدي بهداهم، واسم الهدى يقع على التوحيد والشرائع.

مثل قوله: الم.

ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 1- 2] والكتاب يشتمل على الشرائع وغيرها.

قرأ حمزة والكسائي: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ بالهاء في الوقف والوصل جميعاً وقرأ الباقون: بالهاء في الوصل والوقف جميعاً لأنها هاء الوقف.

مثل قوله: كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ ثم قال: قُلْ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً يعني: قل للمشركين لا أسألكم على الإيمان والقرآن جَعْلاً إِنْ هُوَ يعني: ما هو وهو القرآن إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ يعني: موعظة للعالمين الإنس والجن.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تستعملُ في المراتِبِ والمنازل المعنويَّة.

وقوله سبحانه: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ...

الآية: وَوَهَبْنا: عطْفٌ على «آتينا» وإسحاق ابنُهُ من سارَّة، ويعقوبُ هو ابْنُ إسحاقَ، وقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ: المعنى:

وهَدَيْنَا من ذرِّيته، والضمير في ذُرِّيَّتِهِ، قال الزَّجَّاج «١» : جائزٌ أنْ يعود على إبراهيم، ويعترض هذا بذكْرِ لوطٍ- عليه السلام- إذ ليس هو مِنْ ذرِّيَّة إبراهيم، بل هو ابْنُ أخيه، وقيلَ: ابنُ أختِهِ، ويتخرَّج ذلك عند مَنْ يرى الخالَ أباً، وقيل: يعود الضميرُ على نوح، وهذا هو الجيّد، ونصب/ داوُدَ: يحتملُ أنْ يكون ب وَهَبْنا، ويحتمل أنْ يكون ب هَدَيْنا، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: وعدٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ لمن أحْسَنَ في عبادته، وترغيبٌ في الإحسان، وفي هذه الآية أنَّ عيسى- عليه السلام- مِنْ ذرِّية نوحٍ أو إبراهيم بحَسَب الاختلاف في عَوْد الضمير من ذُرِّيَّتِهِ، وهو ابنُ ابنة وبهذا يستدلُّ في الأحباس على أنَّ ولد البنْتِ من الذِّرِّيَّة، ويُونُسُ هو ابن متى، وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ: معناه:

عالمي زمانهم.

وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)

وقوله سبحانه: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ: المعنى: وهدَيْنا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعاتٍ، ف «مِنْ» للتبعيض، والمراد: مَنْ آمن منهم، نبيّا كان أو غير نبيّ، واجْتَبَيْناهُمْ، أي: تخيَّرناهم وهَدَيْنَاهم، أيْ: أرشدْناهم إلى الإيمان، والفوز برضا اللَّه عزَّ وجلَّ، والذرية: الأبناءُ، ويطلَقُ على جميعِ البَشَر ذرِّيَّة لأنهم أبناء.

وقوله تعالى: ذلِكَ هُدَى اللَّهِ ...

الآية: ذلِكَ: إشارة إلى النعمة في قوله:

وَاجْتَبَيْناهُمْ وأُولئِكَ: إشارة إلى مَنْ تقدَّم ذكره، والكتابُ يراد به الصُّحُفُ والتوراةُ والإنجيل والزَّبُور.

وقوله سبحانه: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ: إشارة إلى كُفَّار قريشٍ، وإلى كلِّ كافر في ذلك العَصْر قاله ابن عباس وغيره «٢» ، وقوله: فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ:

هم مؤمنو أهْل المدينة قاله ابن عباس وغيره «١» ، والآية على هذا التأويلِ، وإن كان القصْدُ بنزولها هذَيْن الصِّنْفَيْن، فهي تعم الكَفَرة والمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال الحسن وغيره:

المراد ب «القَوْم» : مَنْ تَقَدَّم ذكْره من الأنبياء والمؤمنين «٢» ، وقال أبو رجاء: المرادُ:

الملائكةُ «٣» .

قلتُ: ويحتمل أنْ يكون المراد الجميعَ.

وقوله سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ، والظاهر في الإشارة ب أُولئِكَ إلى المذكورين قبلُ من الأنبياء ومَنْ معهم من المؤمنين المهدِّيين، ومعنى الاقتداء: اتباع الأثر في القول والفعل والسّيرة، وإنما يصحّ اقتداؤه صلّى الله عليه وسلّم بجميعهم في العقودِ، والإيمان، والتوحيدِ الذي ليْسَ بينهم فيه اختلاف، وأما أعمالُ الشرائع فمختلفةٌ، وقد قال عزَّ وجلَّ: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨] ، واعلم أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو وغيره مخاطَبٌ بشَرْع مَنْ قبله في العقود والإيمانِ والتوحيدِ «٤» لأنا نجد شرعنا ينبىء أنّ الكفار الذين كانوا قبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَأَبَوَيْهِ وغيرهما في النَّار، ولا يُدْخِلُ اللَّهُ تعالى أحداً النار إلا بتَرْك ما كُلِّفَ، وذلك في قوله سبحانه: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] ، وغير ذلك، وقاعدةُ المتكلِّمين: أن العقل لا يوجِبُ ولا يكلِّف، وإنما يوجب «٥» الشرْعُ، فالوجه في هذا أنْ يقال: إنَّ آدم- عليه السلام- فَمَنْ بعده، دعا إلى توحيد اللَّه (عزَّ وجلَّ) دعاءً عامًّا، واستمر ذلك على العالَمِ، فواجبٌ على الآدميّ أن

يبحث عن الشرْعِ الآمِرِ بتوحيدِ اللَّهِ تعالى، وينظر في الأَدلَّة المنصوبة على ذلك بحسب إيجاب الشرعِ النَّظَرَ فيها، ويؤمنَ، ولا يَعْبُدَ غير اللَّه، فمَنْ فَرَضْناه لم يجدْ سبيلاً إلى العلْمِ بشرعٍ آمِرٍ بتوحيد اللَّهِ، وهو مع ذلك لم يَكْفُرْ، ولا عَبَدَ صنماً، بل تخلى، فأولئك أَهْلُ الفَتراتِ الذين أَطْلَقَ عليهم أهل العلْمِ أنهم في الجَنَّة، وهم بمنزلةِ الأطفالِ والمجانينِ، ومَنْ قَصَّرَ في النظر والبَحْث، فعبد صنماً أو غيره، وكَفَرَ، فهو تاركٌ للواجب عليه، مستوجِبٌ للعقاب بالنَّار، فالنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قَبْلَ مبعثِهِ ومَنْ كان معه مِنَ النَّاس وقَبْلَه- مخاطَبُونَ على أَلْسِنَةِ الأنبياء قَبْلُ بالتوحيد، وغيرُ مخاطبين بفُرُوعِ «١» شرائعهم إذ هي مختلفةٌ، وإذ لم يدعهم إليها نبيٌّ قال/ الفَخْر «٢» : واحتجَّ العلماءُ بهذه الآية على أن محمداً صلّى الله عليه وسلّم أَفْضَلُ من جميع الأنبياءِ- عليهم السلام- وتقريره: أنا بيَّنَّا أنَّ خصال الكمالِ وصفاتِ الشَّرَفِ كانَتْ مفرَّقة فيهم، ثم إنه تعالى، لمَّا ذكر الكل، أمر محمدا صلّى الله عليه وسلّم أنْ يجمع من خصال الطاعة والعبوديَّة والأخلاقِ الحميدة كُلَّ الصفاتِ التي كانَتْ مفرَّقة فيهم بأجمعهم، ولمَّا أمره اللَّه تعالى بذلك، امتنع أنْ يقال: إنه قصَّر في تحصيلها فثبت أنه حَصَّلها، ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أنه اجتمع فيه مِنْ خصال الخَيْر ما كان فيهم مفرَّقاً بأسرهم، ومتى كان الأمر كذلك، وجب أنْ يقال: إنه أفضلهم بكلِّيَّتهم واللَّه أعلم.

انتهى.

وقرأ حمزة «٣» والكسائيُّ: «فَبِهُدَاهُمُ اقتد» - بحذف الهاءِ في الوَصْل، وإثباتها في الوَقْف-، وهذا هو القياسُ شبيهة بألفِ الوَصْل في أنها تُقْطَعُ في الابتداء، وتَسْقُط في الوصل.

وقوله سبحانه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً، أي: قل لهؤلاء الكفرة المعاندين: لا أسألكم على دعائي إياكم بالقُرآن إلى عبادة اللَّه تعالى- أُجْرَةً إن هو إلا موعظة وذكرى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي هم عَلَيْهِ ﴿ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ .

"وَلَوْ أشْرَكُوا" يَعْنِي الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ "لَحَبِطَ" أيْ: لَبَطَلَ وزالَ عَمَلُهم، لِأنَّهُ لا يُقْبَلُ عَمَلُ مُشْرِكٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ ذَلِكَ هُدى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عنهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ﴾ والمَعْنى: "وَهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ؛ وذُرِّيّاتِهِمْ؛ وإخْوانِهِمْ؛ جَماعاتٍ"؛ فَـ "مِن"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ والمُرادُ: "مَن آمَنَ مِنهُمْ؛ نَبِيًّا كانَ؛ أو غَيْرَ نَبِيٍّ"؛ ويَدْخُلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - في ضَمِيرِ قَوْلِهِ: "وَمِن آبائِهِمْ"؛ ولِهَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: اَلْخالُ أبٌ؛ والخالَةُ أُمٌّ.

"واجْتَبَيْناهُمْ"؛ مَعْناهُ: تَخَيَّرْناهُمْ؛ وأرْشَدْناهُمْ؛ وضَمَمْناهم إلى خاصَّتِنا؛ وأرْشَدْناهم إلى الإيمانِ؛ والفَوْزِ بِرِضا اللهِ تَعالى ؛ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أخْلَصْناهم.

و"اَلذُّرِّيَّةُ": اَلْأبْناءُ؛ ويُطْلَقُ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ "ذُرِّيَّةٌ"؛ لِأنَّهم أبْناءٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: "اَلذُّرِّيَّةُ"؛ تَقَعُ عَلى الآباءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ  ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ نَوْعُ البَشَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ هُدى اللهِ يَهْدِي بِهِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "ذَلِكَ": إشارَةٌ إلى النِعْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ "واجْتَبَيْناهُمْ"؛ ﴾ وإضافَةُ الهُدى إلى اللهِ تَعالى إضافَةُ مِلْكٍ؛ و"لَحَبِطَ"؛ مَعْناهُ: تَلَفَ؛ وذَهَبَ؛ لِسُوءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ.

و"أُولَئِكَ": إشارَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ و"الكِتابَ"؛ يُرادُ بِهِ المُصْحَفُ؛ والتَوْراةُ؛ والإنْجِيلُ؛ والزَبُورُ؛ "والحُكْمَ"؛ يُرادُ بِهِ اللُبُّ؛ والفِطْنَةُ؛ والفَقْهُ في دِينِ اللهِ تَعالى ؛ و"هَؤُلاءِ": إشارَةٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ المُعادِينَ لِرَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإلى كُلِّ كُفّارٍ في ذَلِكَ العَصْرِ؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ و"قَوْمًا"؛ يُرادُ بِهِ مُؤْمِنُو أهْلِ المَدِينَةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ فالآيَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - وإنْ كانَ القَصْدُ في نُزُولِها هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ - فَهي تَعُمُّ الكَفَرَةَ والمُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقالَ قَتادَةُ أيْضًا؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْمُرادُ بِالقَوْمِ: مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ وقالَ أبُو رَجاءٍ: اَلْمُرادُ: اَلْمَلائِكَةُ؛ والباءُ في "بِها"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "بِكافِرِينَ"؛ والباءُ في "بِكافِرِينَ"؛ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الظاهِرُ في الإشارَةِ؛ بِـ "أُولَئِكَ"؛ أنَّها إلى المَذْكُورِينَ قَبْلُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ ومَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ المَهْدِيِّينَ؛ ومَعْنى الِاقْتِداءِ: اِتِّباعُ الأثَرِ في القَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ والسِيرَةِ؛ وإنَّما يَصِحُّ اقْتِداؤُهُ بِجَمِيعِهِمْ في العُقُودِ؛ والأيْمانِ والتَوْحِيدِ؛ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَهم فِيهِ اخْتِلافٌ؛ وأمّا أعْمالُ الشَرائِعِ فَمُخْتَلِفَةٌ؛ وقَدْ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا  ﴾ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِـ "أُولَئِكَ"؛ إلى قَوْلِهِ: "قَوْمًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في المُرادِ بِالقَوْمِ؛ ويُقْلِقُ بَعْضَها.

قالَ القاضِي ابْنُ الباقِلّانِيِّ: واخْتَلَفَ الناسُ: هَلْ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ مَبْعَثِهِ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ؟

فَقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ مُتَعَبِّدًا؛ واخْتُلِفَ: بِشَرْعِ مَن؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِشَرْعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفِرْقَةٌ: بِشَرْعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفِرْقَةٌ: بِشَرْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالوَقْفِ في ذَلِكَ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمْ يَكُنْ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ؛ وهو الَّذِي يُتَرَجَّحُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا يُحْمَلُ كَلامُ القاضِي عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ في تَوْحِيدٍ؛ ولا مُعْتَقَدٍ؛ لِأنّا نَجِدُ شَرْعَنا يُنَبِّئُ أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كَأبَوَيْهِ؛ وغَيْرِهِما - في النارِ؛ ولا يُدْخِلُ اللهُ تَعالى أحَدًا النارَ إلّا بِتَرْكِ ما كُلِّفَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا  ﴾ ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقاعِدَةُ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ العَقْلَ لا يُوجِبُ؛ ولا يُكَلِّفُ؛ وإنَّما يُوجِبُ الشَرْعُ؛ فالوَجْهُ في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَمَن بَعْدَهُ؛ دَعا إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى دُعاءً عامًّا؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ عَلى العالَمِ؛ فَواجِبٌ عَلى الآدَمِيِّ البالِغِ أنْ يَبْحَثَ عَلى الشَرْعِ الآمِرِ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ ويَنْظُرَ في الأدِلَّةِ المَنصُوبَةِ عَلى ذَلِكَ؛ بِحَسَبِ إيجابِ الشَرْعِ النَظَرَ فِيها؛ ولا يَعْبُدَ غَيْرَ اللهِ تَعالى ؛ فَمَن فَرَضْناهُ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلى العِلْمِ بِشَرْعٍ آمِرٍ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَكْفُرْ؛ ولا عَبَدَ صَنَمًا؛ بَلْ تَخَلّى؛ فَأُولَئِكَ أهْلُ الفَتْراتِ؛ الَّذِينَ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ أهْلُ العِلْمِ أنَّهم في الجَنَّةِ؛ وهم بِمَنزِلَةِ الأطْفالِ؛ والمَجانِينِ؛ ومَن قَصَّرَ في النَظَرِ؛ والبَحْثِ؛ فَعَبَدَ صَنَمًا؛ وكَفَرَ؛ فَهَذا تارِكٌ لِلْواجِبِ عَلَيْهِ؛ مُسْتَوْجِبٌ العِقابَ بِالنارِ؛ فالنَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ المَبْعَثِ؛ ومَن كانَ مَعَهُ مِنَ الناسِ؛ وقَبْلَهُ؛ مُخاطَبُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - قَبْلُ بِتَوْحِيدِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وغَيْرُ مُخاطَبِينَ بِفُرُوعِ شَرائِعِهِمْ؛ إذْ هي مُخْتَلِفَةٌ؛ وإذْ لَمْ يَدْعُهم إلَيْها نَبِيٌّ؛ وأمّا بَعْدَ مَبْعَثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَهَلْ هو وأُمَّتُهُ مُخاطَبُونَ بِشَرْعِ مَن تَقَدَّمَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَسْنا مُخاطَبِينَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَحْنُ مُخاطَبُونَ بِشَرْعِ مَن قَبْلَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن قالَ مِن هَذِهِ الطائِفَةِ: إنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وأُمَّتَهُ مُخاطَبُونَ بِكُلِّ شَرائِعِ مَن تَقَدَّمَ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ فَقَدْ أحالَ؛ لِأنَّ أحْكامَ الشَرائِعِ تَأْتِي مُخْتَلِفَةً؛ وإنَّما يَتَّخِذُونَ قَوْلَ مَن قالَ مِنها: إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِما صَحَّ نَقْلُهُ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَنا؛ ولَمْ تَخْتَلِفْ فِيهِ الشَرائِعُ؛ وبِالآخِرِ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ؛ لِأنَّهُ الناسِخُ المُتَقَدِّمُ؛ ويُرْتَكَزُ في صِحَّةِ نَقْلِ ذَلِكَ إلى ما وقَعَ في القُرْآنِ؛ وفي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن حِكايَةِ أحْكامٍ سالِفَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ  ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ: أقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي؛ وكَحِكايَةِ تَزْوِيجِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنَتَهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وكَحَدِيثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في قَضِيَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بَيْنَ المَرْأتَيْنِ في الوَلَدِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ.

ولا يَقْتَضِي قَوْلُهم أكْثَرَ مِن جَوازِ أنْ يُتَعَبَّدَ بِذَلِكَ؛ وأمّا وُجُوبُ أنْ يُتَعَبَّدَ [بِهِ] فَغَيْرُ لازِمٍ؛ ولا يَتَعَلَّقَ عِنْدِي أشْبَهَ في ذَلِكَ مِن أنْ يُقالَ: اَلنَّبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَرَعَ لِأُمَّتِهِ أنْ يُصَلِّيَ [الواحِدُ مِنَ] الناسِ صَلاتَهُ إذا ذَكَرَها؛ ثُمَّ مَثَّلَ في ذَلِكَ - لا عَلى طَرِيقِ التَعْلِيلِ - بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى: ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي  ﴾ ؛ فَنَنْقُلُ نَحْنُ هَذا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَوازِلِ؛ ونَقُولُ: إنَّهُ كَما شَرَعَ عِنْدَنا المِثالَ في نِسْيانِ الصَلاةِ؛ كَذَلِكَ نُشَرِّعُ هَذِهِ الأمْثِلَةَ كُلَّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قِياسٌ ضَعِيفٌ؛ ولَوْ ذَكَرَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَوْلَهُ تَعالى ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي  ﴾ ؛ عَلى جِهَةِ التَعْلِيلِ؛ لَكانَتِ الحُجَّةُ بِهِ قَوِيَّةً؛ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَصِحُّ عِنْدَنا نَقْلُ ما في الشَرائِعِ مِن جِهَةِ مَن أسْلَمَ مِنهُمْ؛ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ؛ وغَيْرِهِ؛ صِحَّةً نَنْقُلُها؛ وكَذَلِكَ ما شَرَعَهُ الحَوارِيُّونَ لا سَبِيلَ إلى صِحَّةِ شَرْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأهْلُ مَكَّةَ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وأهْلُ المَدِينَةِ؛ وعاصِمٌ: "اِقْتَدِهْ"؛ بِهاءِ السَكْتِ؛ ثابِتَةً في الوَصْلِ؛ والوَقْفِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "اِقْتَدِ"؛ قالَ: بِحَذْفِ الهاءِ في الوَصْلِ؛ وإثْباتِها في الوَقْفِ؛ وهَذا هو القِياسُ؛ وهي تُشْبِهُ ألِفَ الوَصْلِ في أنَّها تُقْطَعُ في الِابْتِداءِ؛ وتُوصَلُ غَيْرَ مُبْتَدَإٍ بِها؛ فَكَذَلِكَ هَذِهِ؛ تَثْبُتُ في الوَقْفِ؛ وتُحْذَفُ في الوَصْلِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "اِقْتَدِهِ"؛ بِكَسْرِ الهاءِ؛ دُونَ بُلُوغِ الياءِ؛ قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّها هاءُ وقْفٍ؛ لا تُعْرَبُ عَلى حالٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِقْتَدِ الِاقْتِداءَ"؛ وقَرَأ ابْنُ ذِكْوانَ عَلى هَذِهِ: "اِقْتَدِهِ"؛ بِإشْباعِ الياءِ بَعْدَ الهاءِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ كَسْرَ الهاءِ إنَّما هو في هاءِ السَكْتِ؛ كَما قَدْ تُسَكَّنُ هاءُ الضَمِيرِ أحْيانًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ ولا تَجُوزُ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِإشْباعِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ لا أسْألُكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعانِدِينَ: لا أسْألُكم عَلى دُعائِي إيّاكم بِالقُرْآنِ إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ؛ أسْتَكْثِرُ بِها؛ وأُخْتَصُّ بِدُنْياها؛ إنِ القُرْآنُ إلّا مَوْعِظَةٌ؛ وذِكْرى؛ ودُعاءٌ لِجَمِيعِ العالَمِينَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني، أي لا تعجبوا من هديهم وضلال غيرهم.

والإشارة إلى الهُدى الّذي هو مصدر مأخوذ من أفعال الهداية الثلاثة المذكورة في الآية قبلها، وخصوصاً المذكور آخراً بقوله ﴿ وهديناهم إلى صراط مستقيم ﴾ [الأنعام: 87].

وقد زاد اسمُ الإشارة اهتماماً بشأن الهدي إذ جعل كالشيء المشاهد فزيد باسم الإشارة كمالُ تمييز، وأخبِر عن الهدي بأنّه هدى الله لتشريف أمره وبيان عصمته من الخطأ والضلال، وفيه تعريض بما عليه المشركون ممّا يزعمونه هدى ويتلقّونه عن كبرائهم، أمثاللِ عَمْرو بن لُحَيّ الذي وضع لهم عبادة الأصنام، ومثللِ الكهّان وأضرابهم.

وقد جاء هذا الكلام على طريقة الفذلكة لأحوال الهداية الّتي تكرّر ذكرها كأبيات حاتم الطائي: وللّهِ صُعلوك يُساوِر هَمَّهُ *** ويمضي على الأحداث والدهرِ مُقدماً إلى أن قال بعد أبيات سبعة في محامد ذلك الصّعلوك: فذَلك إنْ يهلِكْ فحسنى ثَناؤه *** وإن عاش لم يقْعد ضعيفاً مذمَّماً وقوله تعالى: ﴿ يهدي به من يشاء من عباده ﴾ جملة في موضع الحال من ﴿ هُدى الله ﴾ .

والمراد ب ﴿ من يشاء ﴾ الّذين اصطفاهم الله واجتباهم وهو أعلم بهم وباستعدادهم لهديه ونبذهم المكابرة وإقبالهم على طلب الخير وتطلّعهم إليه وتدرّجهم فيه إلى أن يبلغوا مرتبة إفاضة الله عليهم الوحيَ أو التّوفيق والإلهام الصادق.

ففي قوله: ﴿ من يشاء ﴾ من الإبهام ما يبعث النّفوس على تطلّب هُدى الله تعالى والتّعرّض لنفحاته، وفيه تعريض بالمشركين الّذين أنكروا نبوءة محمّد صلى الله عليه وسلم حسداً، ولذلك أعقبه بقوله ﴿ ولو أشركوا لحَبِط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ تفظيعاً لأمر الشرك وأنّه لا يغتفر لأحد ولو بلغ من فضائل الأعمال مبلغاً عظيماً مثل هؤلاء المعدودين المنوّه بهم.

والواو للحال.

و«حبط» معناه تلف، أي بطل ثوابه.

وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم ﴾ في سورة [البقرة: 217].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَإنْ تَكْفُرْ بِها قُرَيْشٌ فَقَدْ وكَّلْنا بِها الأنْصارَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: فَإنْ يَكْفُرْ بِها أهْلُ مَكَّةَ فَقَدْ وكَّلْنا بِها أهْلَ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: فَإنْ تَكْفُرْ بِها قُرَيْشٌ فَقَدْ وكَّلْنا بِها المَلائِكَةَ، قالَهُ أبُو رَجاءٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهم كُلُّ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَقَدْ وكَّلْنا بِها ﴾ أيْ أقَمْنا بِحِفْظِها ونُصْرَتِها، يَعْنِي: كُتُبَ اللَّهِ وشَرِيعَةَ دِينِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده.

قال ألست تقرأ سورة الأنعام ﴿ ومن ذريته داود وسليمان ﴾ حتى بلغ ﴿ ويحيى وعيسى ﴾ قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟

قال: صدقت.

وأخرج أبو الشيخ والحاكم والبيهقي عن عبد الملك بن عمير قال: دخل يحيى بن يعمر على الحجاج، فذكر الحسين فقال الحجاج: لم يكن من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم: فقال يحيى: كذبت.

فقال لتأتيني على ما قلت ببينة.

فتلا ﴿ ومن ذريته داود وسليمان ﴾ إلى قوله: ﴿ وعيسى وإلياس ﴾ فأخبر تعالى أن عيسى من ذرية إبراهيم بأمه.

قال صدقت.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: الخال والد، والعم، والد، نسب الله عيسى إلى أخواله قال: ﴿ ومن ذريته ﴾ حتى بلغ إلى قوله: ﴿ وزكريا ويحيى وعيسى ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحاً هدينا من قبل ﴾ ثم قال في إبراهيم ﴿ ومن ذريته داود وسليمان ﴾ إلى قوله: ﴿ وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلا فضلنا على العالمين ﴾ ثم قال في الأنبياء الذين سماهم الله في هذه الآية ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ واجتبيناهم ﴾ قال أخلصناهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ قال: يريد هؤلاء الذين قال: هديناهم وفضلناهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ذلك دين الله الذي هم عليه، ﴿ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ يريد: يرشد إليه من يشاء، ﴿ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ يريد: من أوليائه، ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا ﴾ يريد: ولو (١) ﴿ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ولكني عصمتك وعصمتهم، واخترتك واخترتهم (٢) (٣) (١) (الواو): ساقط من (أ).

(٢) في (أ): (واخترهم)، وهو تحريف.

(٣) في "تنوير المقباس" 2/ 39 نحوه، وذكر الواحدي في "الوسيط" 1/ 77، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 80، عن ابن عباس نحوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْ آبَائِهِمْ ﴾ في موضع نصب عطف على كلا أي وهدينا بعض آبائهم ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤلاء ﴾ أي أهل مكة ﴿ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً ﴾ هم الأنبياء المذكورون، وقيل: الصحابة، وقيل: كل مؤمن.

والأول أرجح لدلالة ما بعده على ذلك، ومعنى توكيلهم بها: توفيقهم للإيمان بها والقيام بحقوقها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ واليسع ﴾ بتشديد اللام: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالتخفيف، ﴿ اقتده ﴾ بإشباع الهاء: ابن عامر الحلواني عن هشام مختلسة، وبحذف الهاء في الوصل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بسكون هاء السكت على الأصل.

الوقوف: ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ كلاً هدينا ﴾ ج لأن ﴿ ونوحاً ﴾ مفعول ما بعده، ولو وصل التبس بأنه مفعول ما قبله مع اتفاق الجملتين ﴿ وهارون ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ وإلياس ﴾ ط ﴿ من الصالحين ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولوطا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للعطف.

﴿ وإخوانهم ﴾ ج لبيان أن قوله ﴿ واجتبيناهم ﴾ يعود إلى قوله ﴿ كلاً هدينا ﴾ كقوله ﴿ وممن هدينا واجتبينا  ﴾ ولاحتمال الواو الحال أي وقد اجتبيناهم وذكر هديناهم بعده ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ والنبوّة ﴾ ج ﴿ بكافرين ﴾ ه ﴿ اقتده ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: لما حكى حجج إبراهيم صلوات الرحمن عليه في التوحد والذب عن الدين الحنيفي عدّد وجوه نعمه وإحسانه عليه بعد نعمة إيتاء الحجة ورفع الدرجة فقال ﴿ ووهبنا له ﴾ باللفظ الدال على العظمة كما يقوله عظماء الملوك ليدل بذلك على عظم العطية، وذلك أنه جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله وعقبه.

قيل: وإنما لم يذكر إسماعيل مع إسحق وإن كان هو أيضاً ابنه لصلبه، لأن المقصود بالذكر ههنا أنبياء بني إسرائيل وهم بأسرهم أولاد إسحق ويعقوب، وأما إسماعيل فإنه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد  ، ولا يجوز ذكر محمد  في هذا المقام لأنه أمر محمداً أن يحتج على العرب بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد شرفه الله بالنعم الجسام في الدين والدنيا، ومن جملة ذلك أن آتاه أولاداً كانوا ملوكاً وأنبياء، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض، فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحق.

أما قوله ﴿ ونوحاً هدينا من قبل ﴾ فالمقصود منه بيان كرامة إبراهيم بحسب الآباء أيضاً مثل نوح وإدريس وشيث، وأما الضمير في قوله ﴿ ومن ذريته ﴾ فقد قيل: إنه يعود إلى "نوح" لأنه أقرب ولأنه  ذكر في جملتهم لوطاً وهو كان ابن أخي إبراهيم وما كان من ذريته، بل كان من ذرية نوح، ولأن ولد الإنسان لا يقال إنه ذريته فعلى هذا إسماعيل ما كان من ذرية إبراهيم وكان من ذرية نوح، ولأن يونس  لم يكن من ذرية إبراهيم على قول بعضهم.

وقيل: الضمير عائد إلى إبراهيم لأنه هو المقصود بالذكر هو هذا المقام.

واعلم أن الله  ذكر أربعة من الأنبياء وهم: نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب.

ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر نبياً: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً.

فالمجموع ثمانية عشر.

وأنه لم يراع الترتيب بينهم في الآية لا بحسب الفضل والشرف ولا بحسب الزمان والمدة، فاستدل العلماء بذلك على أن الواو لا تفيد الترتيب.

وقال في التفسير الكبير: إن وجه الترتيب أنه  خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الكرامة.

فمن المراتب المعتبرة عند الجمهور الملك والسلطنة وقد أعطى داود وسليمان من ذلك نصيباً عظيماً، والمرتبة الثانية البلاء والمحنة وقد خص أيوب بذلك، والثالثة استجماع الحالتين وذلك في حق يوسف فإنه ابتلي أوّلاً ثم أوتي الملك ثانياً.

الرابعة قوّة المعجزات وكثرة البراهين والبينات وذلك حال موسى وهارون الخامسة الزهد الكامل كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ولهذا وصفهم بأنهم من الصالحين.

السادسة الأنبياء الذين ليس لهم في الخلق أتباع ولا أشياع وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط.

وأما المراد بقوله ﴿ كلاً هدينا ونوحاً هدينا ﴾ قيل: المراد الهداية إلى طريق الجنة بدليل قوله ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فإن جزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب.

وقيل: لا يبعد أن يقال: المراد الهداية إلى الدين والمعرفة لأنهم اجتهدوا في طلب الحق فجازاهم الله بالوصال والوصول كما قال ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا  ﴾ وقيل: إنها الإرشاد إلى النبوّة والرسالة لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك، وهذا إنما يصح عند من جوز أن تكون الرسالة جزاء على عمل.

واستدل بعضهم بقوله ﴿ وكلاً فضلنا على العالمين ﴾ على أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وذلك أن العالم اسم لكل موجود سوى الله  فيدخل فيه الملائكة وكذا الأولياء.

وقيل: فضلناهم على عالمي زمانهم فلا يتم الاستدلال.

قال القاضي: ويمكن أن يقال: المراد وكل من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين.

ثم الكلام في أن أي الأنبياء أفضل من بعض كلام آخر لا تعلق له بالأول.

ثم قال ﴿ ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ﴾ معطوف على ﴿ كلاً ﴾ أي فضلنا بعض آبائهم.

فالآباء هم الأصول، والذريات هم الفروع، والإخوان فروعالأصول.

وفيه دليل على أنه  خص كل من تعلق بهؤلاء بنوع من الشرف والكرامة.

ثم إن قلنا المراد من الهداية الهداية إلى الثواب والجنة فقوله ﴿ من آبائهم ﴾ وكلمة "من" للتبعيض يدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن ولا واصل إلى الجنة، وإن فسرنا الهداية بالنبوة لم يفد ذلك إلا أنه يفيد أن لا تكون المرأة رسولاً ولا نبياً ﴿ واجتبيناهم ﴾ أي اصطفيناهم من جبيت الماء في الحوض وجبوته في جمعته، ﴿ ذلك هدى الله ﴾ إشارة إلى معرفة التوحيد والتنزيه بدليل قوله ﴿ ولو أشركوا لحبط ﴾ وفيه دليل على أن الهداية من الله  وليس للعبد فيها اختيار.

وفيه تهديد عظيم كقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ والغرض من ذلك زجر الأمة.

﴿ أولئك ﴾ يعني الأنبياء الثمانية عشر.

﴿ الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ﴾ ولا بد بحكم العطف من تغاير الأمور الثلاثة.

ووجه بأن الحكام على الخلق ثلاث طوائف: الحكام على بواطن الناس وهم العلماء، والحكام على ظواهر الخلق وهم السلاطين، والجامعون بين الأمرين وهم الأنبياء.

فالأمور الثلاثة إشارة إلى هذه الأصناف الثلاثة.

ومعنى إيتاء الكتاب الفهم التام بما في هذا الجنس والعلم المحيط بحقائقه وأسراره.

ولو قيل: المراد بالإيتاء الإبتداء بالوحي والتنزيل كصحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى لم يشمل كل المذكورين لأنه تعالى ما أنزل على كل واحد منهم كتاباً على التعيين.

﴿ فإن يكفر بها ﴾ أي بالأمور الثلاثة أو بالنبوة ﴿ هؤلاء ﴾ يعني أهل مكة ﴿ فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ أي ليسوا كافرين بها ومن توكيلهم بها أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه.

ومن القوم؟

قيل: كل مؤمن وقيل: أهل المدينة وهم الأنصار.

وقيل: هم المهاجرون.

وقال الحسن: هم الأنبياء الذين تقدم ذكرهم واختاره الزجاج لقوله عقيب ذلك ﴿ أولئك الذين هدى الله ﴾ وقال أبو رجاء: يعني الملائكة وضعف بأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم.

وفي الآية دلالة على أنه  سينصر نبيه ويظاهر دين الإسلام على كل الأديان وقد وقع ما وعد وكان إخباراً بالغيب فصح إعجاز القرآن.

وفيها استدلال للأشاعرة على أنه  خلق قوماً للإيمان ولو كان خلق الكل للإيمان والبيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركاً بين الكل لم يصح هذا التخصيص.

أجاب الكعبي بأنه زاد المؤمنين من الألطاف ما لا يحصيه إلا الله، وبتقدير أن يستوي فإذا لم ينتفع به الكافر صح بحسب الظاهر أن يقال إنه لم يحصل له تلك الألطاف.

ورد بأن الألطاف الداعية إلى الإيمان مشترك فيها بين الكافر والمؤمن، وبأن الوالد لما سوّى بين الولدين في العطية ثم إن أحدهما ضيع نصيبه فأي عاقل يجوّز أن يقول أحد إن الأب ما أنعم عليه وما أعطاه شيئاً ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ من حذف الهاء في الوصل فعلى الأصل، ومن أثبتها في الوصل كما في الوقف أراد موافقة المصحف فإن الهاء ثابتة في الخط فكره مخالفة الخط في الحالين.

وأما قراءة ابن عامر بكسر الهاء بغير إشباع فقال أبو بكر بن مجاهد: إنها غلط.

وقال أبو علي الفارسي: ليست بغلط ووجهها أن يجعل الهاء كناية عن المصدر الدال عليه الفعل.

والتقدير: فبهداهم اقتد الاقتداء.

وتقديم المفعول للاختصاص أي لا تقتد إلا بهم.

ولا خلاف في أنه أمر لمحمد  بالاقتداء بالأنبياء المذكورين.

إنما الكلام في تفسير الهدى.

فمن الناس من قال: المراد الذي أجمعوا عليه وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به في الذات والصفات والأفعال.

وقال آخرون: المراد به الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما خصه الدليل، وعلى هذا فيلزمنا شرع من قبلنا، وقيل: اللفظ مطلق فيحمل على الكل إلا ما خصه الدليل المفصل.

وقال القاضي: هذا بعيد لأن شرائعهم مختلفة متناقضة ولا يمكن الإتيان بالأمور المتناقضة معاً، ولأن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العمل، ودليل إثبات شرعهم كان مخصوصاً بتلك الأوقات، ولأن منصبهم يلزم أن يكون أجل من منصبه وأنه باطل بالإجماع، وأجيب بأن العام يجب تخصيصه في الصورة المتناقضة فيبقى فيما عداها حجة، وبأن المستدل بالدليل فصل في ذلك الحكم فلا معنى للاقتداء بالدليل إلا إذا كان فعل الأول سبباً لوجوب الفعل على الثاني، وبأنه يلزم أن يكون منصبه أجل من منصبهم لأنه أمر باستجماع خصال الكمال وصفات الشرف التي كانت متفرقة فيها كالشكر في داود وسليمان، والصبر في أيوب، والزهد في زكريا ويحيى وعيسى، والصدق في إسماعيل، والتضرع في يونس، والمعجزات الباهرة في موسى وهارون، ولهذا قال "لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي" ولما أمره بالاقتداء بالأنبياء وكان من جملة هداهم أن لا يطلبوا الأجر أي المال والجعل في ايصال الدين وإبلاغ الشريعة قيل له: ﴿ قل لا أسألكم ﴾ أيها الأمة ﴿ عليه ﴾ على البلاغ ﴿ أجراً إن هو ﴾ يعني القرآن ﴿ إلا ذكرى للعالمين ﴾ يريد كونه مشتملاً على كل ما يحتاجون إليه في المعاش والمعاد.

وفيه دليل على أنه  كان مبعوثاً إلى الناس كافة لا إلى قوم دون قوم.

التأويل: ومما رفعنا به درجات إبراهيم أنا وهبنا له إسحق ويعقوب.

ولعله أفرد ذكر إسماعيل لمكان محمد  وآله كيلا يقع ذكره تبعاً لموهبة إبراهيم، فإن الكائنات تبيع لوجود محمد  وآله، ومن آبائهم إلى آدم ومن ذرياتهم إلى محمد ﴿ واجتبيناهم ﴾ في الأزل لهذا الشأن ﴿ وهديناهم ﴾ إلى الأبد ﴿ ولو أشركوا ﴾ بأن لاحظوا غيرنا فأثبتوا شيئاً من دوننا ونسبوا شيئاً من الحوادث إلى غير قدرتنا، أو لم يبدلوا أنانيتهم في هويتنا ﴿ لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ لأنهم سلكوا حتى انتهى مسير كل منهم إلى ما قدر له: آدم في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، وجميع الملائكة المقربين إلى سدرة المنتهى، وأنت محمد إلى مقام قاب قوسين أو أدنى ﴿ قل لا أسألكم ﴾ أيها الأنبياء على الاقتداء ﴿ أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين ﴾ ليعلموا أن الطريق إلى الله لا يسلك إلا بالاقتداء، أو ﴿ لا أسألكم ﴾ أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق ﴿ أجراً أن هو إلا ذكرى للعالمين ﴾ من الله وبه وإليه وهو المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ أي: ذلك الهدي الذي هدى هؤلاء فبهداه اهتدوا.

وفي الآية [دلالة] نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله قد شاء أن يهدي الخلائق كلهم لكن لم يهتدوا، وعلى قولهم لم يكن من الله إلى الرسل والأنبياء من الهداية والفضل إلا كان ذلك إلى جميع الكفرة، فالآية تكون مسلوبة الفائدة على قولهم؛ لأنه ذكر أنه يهدي من يشاء وهم يقولون: شاء أن يهدي الكل لكن لم يهتدوا، فإن كان كما ذكروا لم يكن لقوله: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ فائدة؛ دل أنه من الخلائق من قد شاء ألا يهديهم إذا علم منهم أنهم لا يهتدون ولا يختارون الهدى، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

هذا بناء على الحكم فيهم لو أشركوا إلا أنهم [لا] يشركون؛ لأن الله قد عصمهم واختارهم لرسالته واختصهم لنبوته، فلا يحتمل أن يشركوا، لكن ذكر هذا؛ ليعلموا أن حكمه واحد فيمن أشرك في الله غيره وضيعا كان أو شريفاً.

وقوله: ﴿ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : من الحسنات والخيرات التي كانت قبل الإشراك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ : قيل: الكتب التي أعطى الرسل.

﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ قيل: العلم والفقه والفهم.

وقيل: الأحكام التي أعطاهم، والنبوة هي أنباء الغيب؛ وقد ذكرنا [هذا].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

قيل: ﴿ بِهَا ﴾ كناية عن أنباء الغيب، والنبوة التي ذكر.

وقيل: ﴿ بِهَا ﴾ كناية عن الكتب التي أنزلها على الرسل.

وقيل: هي كناية عن الآيات والحجج التي أعطى رسوله.

وقوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ .

اختلف فيه قال بعضهم: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا ﴾ - يعني: أهل مكة - ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ : أهل المدينة من الأنصار والمهاجرين؛ وهو قول ابن عباس.

وقيل: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ ، يعني: من عد من الرسل والأنبياء.

وقيل: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ ، يعني: أهل قرابتك وأهل وصلتك، فقد وكلنا بها قوماً من غير أهل قرابتك ليسوا بها بكافرين.

وقيل: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: أهل زمانك، ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً ﴾ : من تقدمهم من آبائهم وأجدادهم، ﴿ لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ .

وقيل: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: أهل الأرض، ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً ﴾ ، يعني: أهل السماء، ﴿ لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ .

قال الحسن - رحمه الله -: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: أمتك، فقد وكل الله بها النبيين والصالحين من الأمم الخالية، ﴿ لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ ، والله أعلم بذلك وهو كما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ ﴾ .

يحتمل [فبهديهم الذي هدوا هم] أهدِ أنت أمتك.

ويحتمل: فبهداهم الذي هدوا هم اهتد أنت؛ يأمره - عز وجل بالاقتداء بإخوانه الذين مضوا من الرسل.

والهدى: هو اسم ما يدان به ليس هو اسم الأفعال، لا يقال: لتارك الصلاة والزكاة والصيام: هداك، إنما يقال ذلك لمن دان بضد الهدى.

أمر رسوله أن يقتدي بهم بذلك، وذلك يدل على أن الأنبياء والرسل كانوا على دين واحد، وأن الدين لا يحتمل النسخ والتغيير.

ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً  ﴾ أخبر [أنه شرع لنا الدين الذي وصى به نوحاً]، وذلك يدل [على] أن الدين واحد لا يحتمل النسخ، وأما الشرائع: فهي مختلفة؛ لأنها تحتمل النسخ، وتحتمل الأمر بالاقتداء بهم ما ذكر.

﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ أي: اقتد بمن تقدم من الرسل، ولا تأخذ على تبليغ الرسالة أجرا كما لم يأخذوا هم.

وفي قوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ دليل نقض قول من يجيز أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم ورواية الحديث وغير ذلك من العبادات؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ ؛ كأنه - والله أعلم - يجعل لهم العذر في ترك الإجابة له بما يلحقهم من ثقل الأجر والغرم، والله أعلم.

وفيه - أيضاً - دلالة تنقض مذهب القرامطة؛ لأنهم يعرضون مذهبهم على الناس، ويأخذون منهم المواثيق والجعل في ذلك، وإنما أخذ المواثيق من الرسل على تبليغ الرسالة إلى قومهم، وأمروا بتأليف قلوب الخلق، وهي أخذ الجعل منهم نفور قلوبهم وطباعهم عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ ﴾ .

أي: ما هذا القرآن إلا ذكرى، أي: عظة وزجر للعالمين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك الذي حصل لهم من التوفيق هو توفيق الله يوفق له من شاء من عباده، ولو أشركوا مع الله غيره لبطل عملهم؛ لأن الشرك مبطل للعمل الصالح.

<div class="verse-tafsir" id="91.VA1yL"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله