الإسلام > القرآن > سور > سورة 66 التحريم > الآية ٥ من سورة التحريم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 117 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة التحريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فنزلت هذه الآية آية التخيير "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن - وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير" فقلت أطلقتهن؟
قال "لا" فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق نساءه ونزلت هذه الآية "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومقاتل بن حيان والضحاك وغيرهم "وصالح المؤمنين" أبو بكر وعمر زاد الحسن البصري وعثمان قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد "وصالح المؤمنين" قال علي بن أبي طالب وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين ثنا محمد بن أبي عمر ثنا محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين قال أخبرني رجل ثقة يرفعه إلى علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى "وصالح المؤمنين" قال "هو علي بن أبي طالب" إسناده ضعيف وهو منكر جدا وقال البخاري ثنا عمرو بن عون ثنا هشيم عن حميد عن أنس قال: قال عمر اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه فقلت لهن "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن" فنزلت هذه الآية وقد تقدم أنه وافق القرآن في أماكن منها في نزول الحجاب ومنها في أسارى بدر ومنها قوله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله تعالى "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" وقال ابن أبي حاتم ثنا أبي حدثنا الأنصاري ثنا حميد عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي صلى الله عليه وسلم فاستقريتهن أقول لتكفن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن؟.
فأمسكت فأنزل الله عز وجل "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا" وهذه المرأة التي ردته عما كان فيه من وعظ النساء هي أم سلمة كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وقال الطبراني ثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني ثنا إسماعيل البجلي ثنا أبو عوانة عن أبي سنان عن الضحاك عن ابن عباس في قوله "وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا" قال دخلت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها وهو يطأ مارية فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة إن أباك يلي الأمر من بعد أبي بكر إذا أنا مت" فذهبت حفصة فأخبرت عائشة فقالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أنبأك هذا؟
قال "نبأني العليم الخبير" فقالت عائشة لا أنظر إليك حتى تحرم مارية فحرمها فأنزل الله تعالى "يا أيها النبي لم تحرم" إسناده فيه نظر وقد تبين مما أوردناه تفسير هذه الآيات الكريمات ومعنى قوله "مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات" ظاهر وقوله تعالى "سائحات" أي صائمات قاله أبو هريرة وعائشة وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب القرظي وأبو عبدالرحمن السلمي وأبو مالك وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وغيرهم.
وتقدم فيه حديث مرفوع عند قوله "السائحون" في سورة براءة ولفظه "سياحة هذه الأمة الصيام" وقال زيد بن أسلم وابنه عبدالرحمن "سائحات" أي مهاجرات وتلا عبدالرحمن "السائحون" أي المهاجرون والقول الأول أولى والله أعلم.
وقوله تعالى "ثيبات وأبكارا" أي منهن ثيبات ومنهن أبكارا ليكون ذلك أشهى إلى النفس فإن التنوع يبسط النفس ولهذا قال "ثيبات وأبكارا" وقال أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير ثنا أبو بكر بن صدقة ثنا محمد بن محمد بن مرزوق ثنا عبدالله بن أبي أمية ثنا عبدالقدوس عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه "ثيبات وأبكارا" قال وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يزوجه فالثيب آسية امرأة فرعون وبالأبكار مريم بنت عمران.
وذكر الحافظ ابن عساكر فى ترجمة مريم عليها السلام من طريق سويد بن سعيد ثنا محمد بن صالح بن عمر عن الضحاك ومجاهد عن ابن عمر قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت خديجة فقال إن الله يقرئها السلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد من اللهب لا نصب فيه ولا صخب من لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم.
ومن حديث أبي بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة وهي في الموت فقال "يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام" فقالت يا رسول الله وهل تزوجت قبلي؟
قال "لا ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وكلثم أخت موسى" ضعيف أيضا وقال أبو يعلى ثنا إبراهيم بن عرعرة ثنا عبدالنور بن عبدالله ثنا يوسف بن شعيب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعلمت أن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون؟" فقلت هنيئا لك يا رسول الله وهذا أيضا ضعيف وروى مرسلا عن ابن أبي داود.
يقول تعالى ذكره: عسى ربّ محمد إن طلقكنّ يا معشر أزواج محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يبدله منكنّ أزواجًا خيرًا منكن.
وقيل: إن هذه الآية نـزلت على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم تحذيرًا من الله نساءه لما اجتمعن عليه في الغيرة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أَبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا ثنا هشيم، قال: أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اجتمع على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نساؤه في الغيرة فقلت لهنّ: عسى ربه إن طلقهن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ، قال: فنـزل كذلك.
حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن حميد، عن أنس، عن عمر، قال: بلغني عن بعض أمهاتنا، أمهات المؤمنين شدّة على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأذاهنّ إياه، فاستقريتهنّ امرأة امرأة، أعظها وأنهاها عن أذى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وأقول: إن أبيتنّ أبدله الله خيرًا منكنّ، حتى أتيت، حسبت أنه قال على زينب، فقالت: يا ابن الخطاب، أما في رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ما يعظ نساءه حتى تعظهنّ أنت؟
فأمسكت، فأنـزل الله ( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ) .
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أَبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قال عمر بن الخطاب: بلغني عن أمهات المؤمنين شيء، فاستقريتهن أقول: لتكففن عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكنّ، حتى أتيت على إحدى أمهات المؤمنين، فقالت: يا عمر أما في رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ما يعظ نساءه حتى تعظهنّ أنت؟
فكففت، فأنـزل الله ( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ ) ...
الآية.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( أَنْ يُبْدِلَهُ ) فقرأ ذلك بعض قرّاء مكة والمدينة والبصرة بتشديد الدال: " يبدِّله أزواجا " من التبديل .وقرأه عامة قرّاء الكوفة: ( يُبْدِلَهُ ) بتخفيف الدال من الإبدال.
والصواب من القول أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: ( مُسْلِمَاتٍ ) يقول: خاضعات لله بالطاعة ( مُؤْمِنَاتٍ ) يعني مصدّقات بالله ورسوله.
وقوله: ( قَانِتَاتٍ ) يقول: مطيعات لله.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله ( قَانِتَاتٍ ) قال: مطيعات.
حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( قَانِتَاتٌ ) قال مطيعات.
وقوله: ( تَائِبَاتٍ ) يقول: راجعات إلى ما يحبه الله منهنّ من طاعته عما يكرهه منهنّ( عَابِدَاتٍ ) يقول: متذللات لله بطاعته.
وقوله: ( سَائِحَاتٍ ) يقول: صائمات.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( سَائِحَاتٍ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: صائمات.
* ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( سَائِحَاتٍ ) قال: صائمات.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( سَائِحَاتٍ ) قال: صائمات.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: السائحات الصائمات.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( سَائِحَاتٍ ) يعني: صائمات.
وقال آخرون: السائحات: المهاجرات.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، عن زيد بن أسلم، قال: السائحات: المهاجرات.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( سَائِحَاتٍ ) قال: مهاجرات ليس في القرآن، ولا في أمة محمد سياحة إلا الهجرة، وهي التي قال الله السَّائِحُونَ .
وقد بيَّنا الصواب من القول في معنى السائحين فيما مضى قبل بشواهده مع ذكرنا أقوال المختلفين فيه، وكرهنا إعادته.
وكان بعض أهل العربية يقول: نرى أن الصائم إنما سمي سائحًا، لأن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد الطعام، فكأنه أُخذ من ذلك.
وقوله: ( ثَيِّبَاتٍ ) وهن اللواتي قد افترعن وذهبت عذرتهنّ( وَأَبْكَارًا ) وهنّ اللواتي لم يجامعن، ولم يفترعن.
قوله تعالى : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراقوله تعالى : عسى ربه إن طلقكن قد تقدم في الصحيح أن هذه الآية نزلت على لسان عمر رضي الله عنه .
ثم قيل : كل " عسى " في القرآن واجب ; إلا هذا .
وقيل : هو واجب ، ولكن الله عز وجل علقه بشرط وهو التطليق ولم يطلقهن .أن يبدله أزواجا خيرا منكن لأنكن لو كنتن خيرا منهن ما طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال معناه السدي .
وقيل : هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ، لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه في الدنيا نساء خيرا منهن .
وقرئ " أن يبدله " بالتشديد والتخفيف .
والتبديل والإبدال بمعنى ، كالتنزيل والإنزال .
والله كان عالما بأنه كان لا يطلقهن ، ولكن أخبر عن قدرته ، على أنه إن طلقهن أبدله خيرا منهن تخويفا لهن .
وهو كقوله تعالى : وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم .
وهو إخبار عن القدرة وتخويف لهم ، لا أن في الوجود من هو خير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .قوله تعالى : مسلمات يعني مخلصات ، قاله سعيد بن جبير .
وقيل : معناه مسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله .مؤمنات مصدقات بما أمرن به ونهين عنه .قانتات مطيعات .
والقنوت : الطاعة .
وقد تقدم .تائبات أي من ذنوبهن ; قاله السدي .
وقيل : راجعات إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركات لمحاب أنفسهن .عابدات أي كثيرات العبادة لله تعالى .
وقال ابن عباس : كل عبادة في القرآن فهو التوحيد .سائحات صائبات ; قال ابن عباس والحسن وابن جبير .
وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ويمان : مهاجرات .
قال زيد : وليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة .
والسياحة الجولان في الأرض .
وقال الفراء والقتبي وغيرهما : سمي الصائم سائحا لأن السائح لا زاد معه ، وإنما يأكل من حيث يجد الطعام .
وقيل : ذاهبات في طاعة الله عز وجل ; من ساح الماء إذا ذهب .
وقد مضى في سورة " التوبة " والحمد لله .ثيبات وأبكارا أي منهن ثيب ومنهن بكر .
وقيل : إنما سميت الثيب ثيبا لأنها راجعة إلى زوجها إن أقام معها ، أو إلى غيره إن فارقها .
وقيل : لأنها ثابت إلى بيت أبويها .
وهذا أصح ; لأنه ليس كل ثيب تعود إلى زوج .
وأما البكر فهي العذراء ; سميت بكرا [ ص: 179 ] لأنها على أول حالتها التي خلقت بها .
وقال الكلبي : أراد بالثيب مثل آسية امرأة فرعون ، وبالبكر مثل مريم ابنة عمران .قلت : وهذا إنما يمشي على قول من قال : إن التبديل وعد من الله لنبيه لو طلقهن في الدنيا زوجه في الآخرة خيرا منهن .
والله أعلم .
وهذا فيه من التحذير للزوجتين الكريمتين ما لا يخفى، ثم خوفهما أيضا، بحالة تشق على النساء غاية المشقة، وهو الطلاق، الذي هو أكبر شيء عليهن، فقال: { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } .
{ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } أي: فلا ترفعن عليه، فإنه لو طلقكن، لم يضق عليه الأمر، ولم يكن مضطرًا إليكن، فإنه سيلقى ويبدله الله أزواجًا خيرًا منكن، دينا وجمالًا، وهذا من باب التعليق الذي لم يوجد، ولا يلزم وجوده، فإنه ما طلقهن، ولو طلقهن، لكان ما ذكره الله من هذه الأزواج الفاضلات، الجامعات بين الإسلام، وهو القيام بالشرائع الظاهرة، والإيمان، وهو: القيام بالشرائع الباطنة، من العقائد وأعمال القلوب.
القنوت هو دوام الطاعة واستمرارها { تَائِبَاتٍ } عما يكرهه الله، فوصفهن بالقيام بما يحبه الله، والتوبة عما يكرهه الله، { ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا } أي: بعضهن ثيب، وبعضهن أبكار، ليتنوع صلى الله عليه وسلم، فيما يحب، فلما سمعن -رضي الله عنهن- هذا التخويف والتأديب، بادرن إلى رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان هذا الوصف منطبقًا عليهن، فصرن أفضل نساء المؤمنين، وفي هذا دليل على أن الله لا يختار لرسوله صلى الله عليه وسلم إلا أكمل الأحوال وأعلى الأمور، فلما اختار الله لرسوله بقاء نسائه المذكورات معه دل على أنهن خير النساء وأكملهن.
( عسى ربه إن طلقكن ) أي : واجب من الله إن طلقكن رسوله ( أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات ) خاضعات لله بالطاعة ( مؤمنات ) مصدقات بتوحيد الله ( قانتات ) طائعات ، وقيل : داعيات .
وقيل : مصليات ( تائبات عابدات سائحات ) صائمات ، وقال زيد بن أسلم : مهاجرات وقيل : يسحن معه حيث ما ساح ( ثيبات وأبكارا ) وهذا في الإخبار عن القدرة لا عن الكون لأنه قال : " إن طلقكن " وقد علم أنه لا يطلقهن وهذا كقوله : وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ( محمد - 38 ) وهذا في الإخبار عن القدرة لأنه ليس في الوجود أمة خير من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - .
«عسى ربه إن طلقكن» أي طلق النبي أزواجه «أن يبدِّله» بالتشديد والتخفيف «أزواجا خيرا منكن» خبر عسى والجملة جواب الشرط ولم يقع التبديل لعدم وقوع الشرط «مسلمات» مقرات بالإسلام «مؤمنات» مخلصات «قانتات» مطيعات «تائبات عابدات سائحات» صائمات أو مهاجرات «ثيبات وأبكارا».
عسى ربُّه إن طلقكنَّ- أيتها الزوجات- أن يزوِّجه بدلا منكن زوجات خاضعات لله بالطاعة، مؤمنات بالله ورسوله، مطيعات لله، راجعات إلى ما يحبه الله مِن طاعته، كثيرات العبادة له، صائمات، منهنَّ الثيِّبات، ومنهن الأبكار.
ثم أضاف - سبحانه - إلى تكريمه لنبيه تكريما آخر ، وإلى تهديده لمن تسىء إليه من أزواجه تهديدا آخر فقال - تعالى - : ( عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ ) .قال الجمل ما ملخصه : سبب نزولها أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أشاعت حفصة ما أسرها به ، اغتم - صلى الله عليه وسلم - وحلف أن لا يدخل عليهن شهرا مؤاخذة لهن .ولما بلغ عمر - رضى الله عنه - أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد اعتزل نساءه .
.
.
قال له يا رسول الله : لا يشق عليك أمر النساء ، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك .قال عمر : وقلما تكلمت بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولى الذى أقوله فنزلت هذه الآية .فاستأذن عمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له فقام على باب المسجد ، ونادى بأعلى صوته : لم يطلق النبى - صلى الله عليه وسلم - نساءه .و ( عسى ) كلمت تستعمل فى الرجاء ، والمراد بها هنا التحقيق ، لأنها صادرة عن الله - عز وجل - .قال الآلوسى : ( عسى ) فى كلامه - تعالى - للوجوب ، وأن الوجوب هنا إنما هو بعد تحقق الشرط وقيل : هى كذلك إلا هنا ، والشرط معترض بين اسم ( عسى ) وخبرها .والجواب محذوف .
أى : إن طلقكن فعسى .
.
.
و ( أَزْوَاجاً ) مفعلو ثان ل ( يُبْدِلَ ) و ( خَيْراً ) صفته .أى : عسى إن طلقكن رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بإذن ربه ومشيئته ، أن يبدله - سبحانه - أزواجا خيرا منكن .ثم وصف - سبحانه - هؤلاء الأزواج بقوله ( مُسْلِمَاتٍ ) منقادات ومطيعات لله ولرسوله ، ومتصفات بكل الصفات التى أمر بها الإسلام .( مُّؤْمِنَاتٍ ) أى : مذعنات ومصدقات بقلوبهن لكل ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه .( قَانِتَاتٍ ) أى : قائمات بالطاعة لله ولرسوله على أكمل وجه .( تَائِبَاتٍ ) أى : مقلعات عن الذنوب والمعاصى ، وإذا مسهن شىء منها ندمن وتبن إليه - تعالى - توبة صادقة نصوحا .( عَابِدَاتٍ ) أى : مقبلات على عبادته - تعالى - إقبالا عظيما .( سَائِحَاتٍ ) أى : ذاهبات فى طاعة الله أى مذهب ، من ساح الماء : إذا سال فى انحاء متعددة ، وقيل معناه : مهاجرات .
وقيل : صائمات .
تشبيها لهن بالسائح الذى لا يصحب معه الزاد غالبا فلا يزال ممسكا عن الطعام حتى يجده .( ثَيِّبَاتٍ ) جمع ثيب - بوزن سيد - وهى المرأة التى سبق لها الزواج ، من ثاب يثوب ثوبا ، إذا رجع ، وسميت المرأة التى سبق لها الزواج بذلك .
لأنها ثابت إلى بيت أبويها بعد زواجها ، أو رجعت إلى زوج آخر غير زوجها الأول .( وَأَبْكَاراً ) جمع بكر ، وهى الفتاة العذراء التى لم يسبق لها الزواج ، وسميت بذلك لأنها لا تزال على أول حالتها التى خلقت عليها .وهذه الصفات جاءت منصوبة على أنها نعت لقوله ( أَزْوَاجاً ) .
أو حال .ولم يعطف بعضها على بعض بالواو ، لأجل التنصيص على ثبوت جميع تلك الصفات لكل واحدة منهن .وعطف - سبحانه - ( وَأَبْكَاراً ) على ما قبله لتنافى الوصفين ، إذ الثيبات لا يوصفن بالأبكار ، وكذلك الأبكار لا يوصفن بالثيبات ، ولا يجتمع الوصفان فى ذات واحدة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف تكون المبدلات خيراً منهن ، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟قلت : إذا طلقهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعصيانهن له ، وإيذائهن إياه ، لم يبقين على تلك الصفة ، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والنزول على هذاه ورضاه خيرا منهن .فإن قلت : لم أخليت الصفات كلها من العاطف ، ووسط بين الثبات والأبكار؟
قلت : لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات فيهن ، فلم يكن بد من الواو .هذا ، موال متأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها ترسم جانبا من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أزواجه ، وهذا الجانب فيه ما فيه من العظات التى من أبرزها تكريم الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وإرشاده إلى ما هو أهدى وأقوم ، وسمو أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - فى معاملته لأهله ، وتحذير أزواجه من أن يتصرفن أى تصرف لا يرغب فيه ، ولا يميل إليه : وتعليم المؤمنين والمؤمنات - فى كل زمان ومكان - كيف تكون العلاقة الطيبة بين الرجال والنساء .ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداءين إلى المؤمنين ، أمرهم فى أولهما أن يؤدوا واجبهم نحو أنفسهم ونحو أهليهم ، حتى ينجو من عذاب النار ، وأمرهم فى ثانيهما بالمداومة على التوبة الصادقة النصوح ، ووجه نداء إلى الكافرين بين لهم فيه سوء عاقبة كفرهم .
قوله: ﴿ إِن تَتُوبَا إِلَى الله ﴾ خطاب لعائشة وحفصة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما والتوبة من التعاون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيذاء ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ أي عدلت ومالت عن الحق، وهو حق الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك حق عظيم يوجد فيه استحقاق العتاب بأدنى تقصير وجواب الشرط محذوف للعلم به على تقدير: كان خيراً لكما، والمراد بالجمع في قوله تعالى: ﴿ قُلُوبُكُمَا ﴾ التثنية، قال الفراء: وإنما اختير الجمع على التثنية لأن أكثر ما يكون عليه الجوارح إثنان إثنان في الإنسان كاليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على ذلك ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى إثنين مذهب الإثنين، وقد مر هذا، وقوله تعالى: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ أي وإن تعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالإيذاء ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه ﴾ أي لم يضره ذلك التظاهر منكما ﴿ ومولاه ﴾ أي وليه وناصره ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ رأس الكروبيين، قرن ذكره بذكره مفرداً له من الملائكة تعظيماً له وإظهاراً لمكانته (عنده) ﴿ وصالح الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد أبا بكر وعمر مواليين النبي صلى الله عليه وسلم على من عاداه، وناصرين له، وهو قول المقاتلين، وقال الضحاك خيارالمؤمنين، وقيل من صلح من المؤمنين، أي كل من آمن وعمل صالحاً، وقيل: من برئ منهم من النفاق، وقيل: الأنبياء كلهم، وقيل: الخلفاء وقيل: الصحابة، وصالح هاهنا ينوب عن الجمع، ويجوز أن يراد به الواحد والجمع، وقوله تعالى: ﴿ والملائكة بَعْدَ ذلك ﴾ أي بعد حضرة الله وجبريل وصالح المؤمنين ﴿ ظَهِيرٍ ﴾ أي فوج مظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم، وأعوان له وظهير في معنى الظهراء، كقوله: ﴿ وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً ﴾ قال الفراء: والملائكة بعد نصرة هؤلاء ظهير، قال أبو علي: وقد جاء فعيل مفرداً يراد به الكثرة كقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَسْـَٔلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍۭ بِبَنِيهِ ﴾ ثم خوف نساءه بقوله تعالى: ﴿ عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أزواجا خَيْراً مّنكُنَّ ﴾ قال المفسرون: عسى من الله واجب، وقرأ أهل الكوفة ﴿ أَن يُبْدِلَهُ ﴾ بالتخفيف، ثم إنه تعالى كان عالماً أنه لا يطلقهن لكن أخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدله خيراً منهم تخويفاً لهن، والأكثر في قوله: ﴿ طَلَّقَكُنَّ ﴾ الإظهار، وعن أبي عمرو إدغام القاف في الكاف، لأنهما من حروف الفم، ثم وصف الأزواج اللاتي كان يبدله فقال: ﴿ مسلمات ﴾ أي خاضعات لله بالطاعة ﴿ مؤمنات ﴾ مصدقات بتوحيد الله تعالى مخلصات ﴿ قانتات ﴾ طائعات، وقيل: قائمات بالليل للصلاة، وهذا أشبه لأنه ذكر السائحات بعد هذا والسائحات الصائمات، فلزم أن يكون قيام الليل مع صيام النهار، وقرئ (سيحات)، وهي أبلغ وقيل للصائم: سائح لأن السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يطعمه فشبه بالصائم الذي يمسك إلى أن يجيء وقت إفطاره، وقيل: سائحات مهاجرات، ثم قال تعالى: ﴿ ثيبات وَأَبْكَاراً ﴾ لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة بعضها من الثيب وبعضها من الأبكار، فالذكر على حسب ما وقع، وفيه إشارة إلى أن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ليس على حسب الشهوة والرغبة، بل على حسب ابتغاء مرضات الله تعالى وفي الآية مباحث: البحث الأول: قوله: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم، وقرئ ﴿ تَظَاهَرَا ﴾ و ﴿ تتظاهرا ﴾ و ﴿ تَظهرا ﴾ .
البحث الثاني: كيف يكون المبدلات خيراً منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟
نقول: إذا طلقهن الرسول لعصيانهن له، وإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله خيراً منهن.
البحث الثالث: قوله: ﴿ مسلمات مؤمنات ﴾ يوهم التكرار، والمسلمات والمؤمنات على السواء؟
نقول: الإسلام هو التصديق باللسان والإيمان هو التصديق بالقلب، وقد لا يتوافقان فقوله: ﴿ مسلمات مؤمنات ﴾ تحقيق للتصديق بالقلب واللسان.
البحث الرابع: قال تعالى: ﴿ ثيبات وَأَبْكَاراً ﴾ بواو العطف، ولم يقل: فيما عداهما بواو العطف، نقول: قال في الكشاف: إنها صفتان متنافيتان، لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات.
(فلم يكن بد من الواو).
البحث الخامس: ذكر الثيبات في مقام المدح وهي من جملة ما يقلل رغبة الرجال إليهن.
نقول: يمكن أن يكون البعض من الثيب خيراً بالنسبة إلى البعض من الأبكار عند الرسول لاختصاصهن بالمال والجمال، أو النسب، أو المجموع مثلاً، وإذا كان كذلك فلا يقدح ذكر الثيب في المدح لجواز أن يكون المراد مثل ما ذكرناه من الثيب.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ يبدله ﴾ ، بالتخفيف والتشديد للكثرة ﴿ مسلمات مؤمنات ﴾ مقرّات مخلصات ﴿ سائحات ﴾ صائمات.
وقرئ: ﴿ سيحات ﴾ ، وهي أبلغ.
وقيل للصائم: سائح؛ لأنّ السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد ما يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره.
وقيل: سائحات مهاجرات، وعن زيد بن أسلم: لم تكن في هذه الأمّة سياحة إلى الهجرة.
فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيراً منهن، ولم تكن على وجه الأرض نساء خير من أمّهات المؤمنين؟
قلت: إذا طلقهن رسول الله لعصيانهن له وإيذائهن إياه، لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والنزول على هواه ورضاه خيراً منهن، وقد عرض بذلك في قوله: ﴿ قانتات ﴾ لأنّ القنوت هو القيام بطاعة الله، وطاعة الله في طاعة رسوله.
فإن قلت: لم أخليت الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار؟
قلت: لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات، فلم يكن بدّ من الواو.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ ﴾ عَلى التَّغْلِيبِ، أوْ تَعْمِيمِ الخِطابِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ وأنَّ في النِّساءِ خَيْرًا مِنهُنَّ لِأنَّ تَعْلِيقَ طَلاقِ الكُلِّ لا يُنافِي تَطْلِيقَ واحِدَةٍ والمُعَلَّقُ بِما لَمْ يَقَعْ لا يَجِبُ وُقُوعُهُ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو يُبْدِلَهُ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ ﴾ مُقِرّاتٍ مُخْلِصاتٍ أوْ مُنْقاداتٍ مُصَدِّقاتٍ.
﴿ قانِتاتٍ ﴾ مُصَلِّياتٍ أوْ مُواظِباتٍ عَلى الطّاعاتِ.
﴿ تائِباتٍ ﴾ عَنِ الذُّنُوبِ.
﴿ عابِداتٍ ﴾ مُتَعَبِّداتٍ أوْ مُتَذَلِّلاتٍ لِأمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ سائِحاتٍ ﴾ صائِماتٍ سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّهُ يَسِيحُ بِالنَّهارِ بِلا زادٍ، أوْ مُهاجِراتٍ.
﴿ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا ﴾ وسَّطَ العاطِفَ بَيْنَهُما لِتَنافِيهِما ولِأنَّهُما في حُكْمِ صِفَةٍ واحِدَةٍ إذِ المَعْنى مُشْتَمِلاتٌ عَلى الثَّيِّباتِ والأبْكارِ.
<div class="verse-tafsir"
{عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ} يُبْدِلَهُ مني وأبو عمرو فالتشديد للكثرة {أزواجا خَيْراً مّنكُنَّ} فان قلت كيف تكون المبدلات خيرا منها ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين قلت إذا طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة وكان غيرهم من الموصوفات بهذه الأوصاف {خيرا منكن مسلمات مؤمنات} مقرات مخلصات
{قانتات} مطيعات فالقنوت هو القيام بطاعة الله وطاعة الله في طاعة رسوله {تائبات} من الذنوب أو راجعات إلى الله وإلى أمر رسوله {عابدات} لله {سائحات} مهاجرات أو صائمات وقيل للصائم سائح لأن سائح لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد ما يطعمه فشبه به الصائم في أمساكه إلى ان يجئ وقت إفطاره {ثيبات وَأَبْكَاراً} إنما وسط العاطف بين الثيبات والابكاردون سائر الصفات لأنهما صفتان متنافيتان بخلاف سائر الصفات
﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ ﴾ أيْ أنْ يُعْطِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَدَلَكُنَّ ﴿ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ ﴾ والخِطابُ لِجَمِيعِ زَوْجاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وخُوطِبْنَ لِأنَّهُنَّ في مَهْبِطِ الوَحْيِ وساحَةِ العِزِّ والحُضُورِ، ويُرْشِدُ إلى هَذا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: اجْتَمَعَ نِساءُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: ”عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُنَّ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَيْسَ فِيها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ وأنَّ في النِّساءِ خَيْرًا مِنهُنَّ مَعَ أنَّ المَذْهَبَ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ خَيْرٌ مِنهُنَّ لِأنَّ تَعْلِيقَ طَلاقِ الكُلِّ لا يُنافِي تَطْلِيقَ واحِدَةٍ والمُعَلَّقُ بِما لَمْ يَقَعْ لا يَجِبُ وُقُوعُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْجَمِيعِ عَلى التَّغْلِيبِ، وأصْلُ الخِطابِ لِاثْنَتَيْنِ مِنهُنَّ وهُما المَخاطَبَتانِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ إلَخْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُما وغَيْرَكُما أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُما ومِن غَيْرِكُما مِنَ الأزْواجِ، والظّاهِرُ أنَّ عَدَمَ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ وأنَّ في النِّساءِ خَيْرًا مِن أزْواجِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى حالِهِ لِأنَّ التَّعْلِيقَ عَلى طَلاقِ الِاثْنَتَيْنِ ولَمْ يَقَعْ فَلا يَجِبُ وُقُوعُ المُعَلَّقِ ولا يُنافِي تَطْلِيقَ واحِدَةٍ، وقالَ الخَفاجِيُّ والتَّغْلِيبُ في خِطابِ الكُلِّ مَعَ أنَّ المُخاطَبَ أوَّلًا اثْنَتانِ، وفي لَفْظَةِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ أيْضًا الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاقِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلَّقَ حَفْصَةَ فَغُلِّبَ ما لَمْ يَقَعْ مِنَ الطَّلاقِ عَلى الواقِعِ وعَلى التَّعْمِيمِ لا تَغْلِيبَ في الخِطابِ ولا في ”إنْ“ .
انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ، ثُمَّ إنَّ المَشْهُورَ أنَّ ﴿ عَسى ﴾ في كَلامِهِ تَعالى لِلْوُجُوبِ، وأنَّ الوُجُوبَ هُنا إنَّما هو بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ، وقِيلَ: هي كَذَلِكَ إلّا هُنا، والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اسْمِ ﴿ عَسى ﴾ وخَبَرِها.
والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ إنْ طَلَّقَكُنَّ فَعَسى إلَخْ، و ﴿ أزْواجًا ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ - لِيُبْدِلَ - و ﴿ خَيْرًا ﴾ صِفَتُهُ وكَذا ما بَعْدُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَيّاشٍ «طَلَّقَكُّنَّ» بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ «يُبَدِّلَهُ» بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿ مُسْلِماتٍ ﴾ مُقِرّاتٍ ﴿ مُؤْمِناتٍ ﴾ مُخْلِصاتٍ لِأنَّهُ يُعْتَبَرُ في الإيمانِ تَصْدِيقُ القَلْبِ، وهو لا يَكُونُ إلّا مُخْلِصًا، أوْ مُنْقاداتٍ عَلى أنَّ الإسْلامَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ مُصَدِّقاتٌ ﴿ قانِتاتٍ ﴾ مُصَلِّياتٍ أوْ مُواظِباتٍ عَلى الطّاعَةِ مُطْلَقًا ﴿ تائِباتٍ ﴾ مُقْلِعاتٍ عَنِ الذَّنْبِ ﴿ عابِداتٍ ﴾ مُتَعَبِّداتٍ أوْ مُتَذَلِّلاتٍ لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ سائِحاتٍ ﴾ صائِماتٍ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ الفَرّاءُ: وسُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ.
وإنَّما يَأْكُلُ مِن حَيْثُ يَجِدُ الطَّعامَ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ويَمانُ: مُهاجِراتٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةَ، وقِيلَ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أيَّ مَذْهَبٍ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ «سَيِّحاتٍ» ﴿ ثَيِّباتٍ ﴾ جَمْعُ ثَيِّبٍ مِن ثابَ يَثُوبُ ثَوْبًا، وزْنُهُ فَيْعَلٌ كَسَيِّدٍ وهي الَّتِي تَثُوبُ أيْ تَرْجِعُ عَنِ الزَّوْجِ أيْ بَعْدَ زَوالِ عُذْرَتِها ﴿ وأبْكارًا ﴾ جَمْعُ بِكْرٍ مِن بَكَرَ إذا خَرَجَ بُكْرَةً وهي أوَّلُ النَّهارِ، وفِيها مَعْنى التَّقَدُّمِ سُمِّيَتْ بِها الَّتِي لَمْ تُفْتَضَّ اعْتِبارًا بِالثَّيِّبِ لِتَقَدُّمِها عَلَيْها فِيما يُرادُ لَهُ النِّساءُ، وتُرِكَ العَطْفُ فِي الصِّفاتِ السّابِقَةِ لِأنَّها صِفاتٌ تَجْتَمِعُ في شَيْءٍ واحِدٍ وبَيْنَها شِدَّةُ اتِّصالٍ يَقْتَضِي تَرْكَ العَطْفِ ووَسَّطَ العاطِفَ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَغايُرِ الصِّفَتَيْنِ وعَدَمِ اجْتِماعِهِما في ذاتٍ واحِدَةٍ، ولَمْ يُؤْتَ - بِأوْ - قِيلَ: لِيَكُونَ المَعْنى أزْواجًا بَعْضُهُنَّ ثَيِّباتٌ وبَعْضُهُنَّ أبْكارٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: وسَّطَ العاطِفَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ لِأنَّهُما في حُكْمِ صِفَةٍ واحِدَةٍ إذِ المَعْنى مُشْتَمِلاتٌ عَلى الثَّيِّباتِ والأبْكارِ فَتَدَبَّرْ، وفي الِانْتِصافِ لِابْنِ المُنِيرِ ذَكَرَ لِيَ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ أنَّ القاضِيَ الفاضِلَ عَبْدَ الرَّحِيمِ البِيسانِيَّ الكاتِبَ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الواوَ في الآيَةِ هي الواوُ الَّتِي سَمّاها بَعْضُ ضَعْفَةِ النُّحاةِ واوَ الثَّمانِيَةِ لِأنَّها ذُكِرَتْ مَعَ الصِّفَةِ الثّامِنَةِ، وكانَ الفاضِلُ يَتَبَجَّحُ بِاسْتِخْراجِها زائِدَةً عَلى المَواضِعِ الثَّلاثَةِ المَشْهُورَةِ قَبْلَهُ: أحَدُها في التَّوْبَةِ ﴿ التّائِبُونَ العابِدُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ ، والثّانِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ ، والثّالِثُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ إلى أنْ ذَكَرَ ذَلِكَ يَوْمًا بِحَضْرَةِ أبِي الجُودِ النَّحْوِيِّ المُقْرِئِ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ واهِمٌ في عَدِّها مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، وأحالَ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن دُعاءِ الضَّرُورَةِ إلى الإتْيانِ بِها ها هُنا لِامْتِناعِ اجْتِماعِ الصِّفَتَيْنِ في مَوْصُوفٍ واحِدٍ وواوُ الثَّمانِيَةِ إنْ ثَبَتَتْ فَإنَّما تَرِدُ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلَيْها إلّا الإشْعارَ بِتَمامِ نِهايَةِ العَدَدِ الَّذِي هو السَّبْعَةُ فَأنْصَفَهُ الفاضِلُ واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنهُ، وقالَ: أرْشَدْتَنا يا أبا الجُودِ.
انْتَهى.
وذُكِرَ الجِنْسانِ لِأنَّ في أزْواجِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَن تَزَوَّجَها ثَيِّبًا وفِيهِنَّ مَن تَزَوَّجَها بِكْرًا، وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا إلّا عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَتْ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ عَلى صَواحِباتِها، ورَدَّتْ عَلَيْها الزَّهْراءُ عَلى أبِيها وعَلَيْها الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاها حِينَ افْتَخَرَتْ عَلى أُمِّها خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِقَوْلِها: إنَّ أُمِّي تَزَوَّجَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِكْرٌ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ مِنَ النِّساءِ غَيْرَها ولا كَذَلِكَ أنْتُنَّ فَسَكَتَتْ <div class="verse-tafsir"
ثم قال: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ، فخوفهن الله تعالى بفراق النبيّ إياهن، وعسى من الله واجب إِنْ طَلَّقَكُنَّ عسى ربه أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً.
قرأ نافع، وأبو عمرو يُبْدِلَهُ بتشديد الدال، والباقون بالتخفيف ومعناهما واحد.
يقال: بدَّل وأبدل.
خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ يعني: مستسلمات لأمر النبيّ .
ويقال: يعني: معينات.
ثم قال: مُؤْمِناتٍ يعني: مصدقات في إيمانهن، قانِتاتٍ يعني: مطيعات لله تعالى ولرسوله ، تائِباتٍ يعني: راجعات عن الذنوب، عابِداتٍ يعني: موحدات مطيعات، سائِحاتٍ يعني: صائمات.
وقال أهل اللغة: إنما سمي الصائم سائحاً، لأن الذي يسيح للعبادة لا زاد معه، يمضي نهاره لا يطعم شيئاً ولذلك سمي الصائم سائحاً، ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً.
الثيبات: جمع الثيب والأبكار: جمع البكر.
وهن العذارى.
ويقال: هذا وعد من الله تعالى للنبي بأن يزوجه في الجنة، والثيب: هي آسية امرأة فرعون، والبكر: هي مريم أم عيسى- - وهي ابنة عمران تكون وليته في الجنة، ويجتمع عليها أهل الجنة فيزوج الله تعالى هاتين المرأتين محمدا .
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ يعني: بعدوا أنفسكم عن النار بطاعة الله وطاعة رسوله .
وَأَهْلِيكُمْ يعني: أهليكم نَارًا بتعليمهم ما ينجيهم منها.
وقال قتادة: مروهم بطاعة الله تعالى، وانهوهم عن معصية الله.
وقال مجاهد: يعني: أوصوا أهليكم بتقوى الله ويقال: أدبوهم وعلموهم خيراً، تقوهم بذلك ناراً وَقُودُهَا يعني: حطبها.
والوقود: ما توقد به النار يعني: حطبها النَّاسُ إذا صاروا إليها وحطبها، وَالْحِجارَةُ قبل أن يصير الناس إليها، وهي حجارة الكبريت.
ثم قال: عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ يعني: على النار ملائكة موكلين غلاظ يعني: أقوياء يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ يعني: ليسوا كأعوان ملوك الدنيا يمتنعون بالرشوة، ولكن يفعلون مَا يُؤْمَرُونَ يعني: لا يفعلون غير ما أمرهم الله تعالى.
ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ يعني: يقول لهم الملائكة يوم القيامة حين يعتذرون: لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ يعني: لا يقبل منكم العذر.
إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: تعاقبون بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي.
ثم أمر المؤمنين بالتوبة عن الذنوب.
فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً يعني: صادقاً في توبته، ويقال: تنصحون لله فيها من غير مداهنة.
وروى سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير قال: سئل عمر بن الخطاب- - عن التوبة النصوح، فقال: هو الرجل يتوب من عمل السوء، ثم لا يعود إليه أبداً.
وروي، عن ابن عباس أنه قال: توبة النصوح: الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإضمار أن لا يعود إليها.
قرأ نافع، وعاصم في إحدى الروايتين تَوْبَةً نَصُوحاً بضم النون، والباقون بالنصب.
فمن قرأ بالنصب، فهو صفة التوبة يعني: توبة بالغة في النصح، كما يقال: رجل صبور وشكور.
ومن قرأ بالضم، يعني: ينصحوا بها نصوحاً، كما يقال: نصحت له نصحاً ونصوحاً.
ثم قَالَ: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني: يغفر لكم ما مضى من ذنوبكم إن تبتم.
وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ صار اليوم نصاً لنزع الخافض يعني.
يكفر عنكم في يوم لا يخزي الله النبي.
قال الكلبي: يعني: لا يعذب الله النبي، ويقال: يوم لا يخزيه فيما أراد من الشفاعة.
وغيره، وتم الكلام.
ثم قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني: على الصراط.
وروى الحسن، عن النبي أنه قال: «مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْ نُورُهُ أَبْعَدُ ما بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدنِ أبْيَنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُوُرُه لَا يُجَاوِزُ قَدَمَيْهِ» ، فقال: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني: يضيء بين أيديهم.
وَبِأَيْمانِهِمْ يعني: عن أيمانهم وعن شمائلهم على وجه الإضمار.
يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا، ذلك حين طفئت أنوار المنافقين، أشفق المؤمنون على نورهم، ويتفكرون فيما مضى منهم من العذاب، فيقولون: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا يعني: احفظ علينا نورنا، وَاغْفِرْ لَنا ما مضى من ذنوبنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من إتمام النور والمغفرة.
<div class="verse-tafsir"
ومَا بعدَه يحتملُ أنْ يكونَ عَطْفاً على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ جبريلُ رَفْعاً بالابتداء وما بعده عطف عليه وظَهِيرٌ هُو الخَبَرُ، وخَرّجَ البخاريّ بسنده عن أنس قال: قال عمر:
اجتمع نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم في الغِيرَةِ عليه فقلتُ لَهُنَّ: عسى ربُّه إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يبدله أزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ، فنزلت هذه الآية «١» ، انتهى، وقانِتاتٍ معناه مُطِيعَات، والسائحاتُ قِيل: معناه:
صَائِمَاتٌ، وقيل: معناه: / مُهَاجِرَاتٌ، وقيل: معناه ذَاهِبَاتٌ في طَاعَةِ اللَّهِ، وشُبِّه الصَّائِمُ بالسائِحِ من حيثُ يَنْهَمِلُ السائِحُ وَلا يَنْظُرُ في زادٍ ولاَ مَطْعَمٍ، وكذلك الصائم يُمْسِك عن ذلك، فيستوي هو والسائِح في الامْتِنَاعِ، وشَظَفِ العَيْشِ لِفَقْدِ الطَّعَام.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ...
الآيةُ، قُوا معناه اجْعَلُوا وِقَايَةً بينكم وبينَ النارِ، وقوله: وَأَهْلِيكُمْ معناه بالوَصِيَّةِ لهم والتقويم والحَمْلِ على طاعةِ اللَّه، وفي الحديثِ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَال: يا أهْلاَهُ صَلاَتَكُمْ، صِيَامَكُمْ، [زَكَاتَكُمْ] ، مِسْكِينَكُمْ، يَتِيمَكُمْ» «٢» ت: وفي «العتبية» عن مالكٍ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللَّهَ أذِنَ لي أنْ أتَحَدَّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ، إنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ لَمَخْفِقَ الطَّيْرِ سَبْعِينَ عَاماً» «٣» ، انتهى، وباقي الآية في غَايَةِ الوضوحِ، نَجَانَا اللَّهُ مِنْ عَذَابه بِفَضْلِه، والتوبةُ فَرْضٌ على كلِّ مسلمٍ، وهي الندمُ على فَارِطِ المعصيةِ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ مِثلِها في المستقبل، هذا من المتمكن، وأما غيرُ المتمكِّنِ كالمَجْبُوبِ في الزِّنَا فالندمُ وحدَه يكفيه، والتوبةُ عِبادَةٌ كالصَّلاَةِ، وغيرها، فإذا تَابَ العبدُ وَحَصَلَتْ توبتُه بشروطِها وقبلت، ثم عَاوَدَ الذنبَ فتوبتُه الأولَى لا تفسدُها عَوْدَةٌ بل هي كسَائِرِ مَا تَحَصَّلَ من
سُورَةُ التَّحْرِيمِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ حَفْصَةً ذَهَبَتْ إلى أبِيها تَتَحَدَّثُ عِنْدَهُ، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ إلى جارِيَتِهِ، فَظَلَّتْ مَعَهُ في بَيْتِ حَفْصَةَ، وكانَ اليَوْمَ [الَّذِي] يَأْتِي فِيهِ عائِشَةَ، فَرَجَعَتْ حَفْصَةُ، فَوَجَدَتْها في بَيْتِها، فَجَعَلَتْ تَنْتَظِرُ خُرُوجَها، وغارَتْ غَيْرَةً شَدِيدَةً.
فَلَمّا دَخَلَتْ حَفْصَةُ قالَتْ: قَدْ رَأيْتُ مَن كانَ عِنْدَكَ.
واللَّهِ لَقَدْ سُؤْتَنِي، فَقالَ النَّبِيُّ : "واللَّهِ لَأُرْضِيَنَّكِ، وإنِّي مُسِرٌّ إلَيْكِ سِرًّا فاحْفَظِيهِ" قالَتْ: وما هُوَ؟
قالَ "إنِّي أُشْهِدُكِ أنَّ سُرِّيَّتِي هَذِهِ عَلَيَّ حَرامٌ رِضًى لَكِ"، وكانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ مُتَظاهِرَتَيْنِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ، فانْطَلَقَتْ حَفْصَةُ إلى عائِشَةَ، فَقالَتْ لَها: أبْشِرِي، إنَّ النَّبِيَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ فَتاتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمْرٍ نَحْوُ هَذا المَعْنى، وقالَ فِيهِ: «فَقالَتْ حَفْصَةُ: كَيْفَ تُحَرِّمُها عَلَيْكَ، وهي جارِيَتُكَ؟!
فَحَلَفَ لَها أنْ لا يَقْرَبَها، فَقالَ لَها: "لا تَذْكُرِيهِ لِأحَدٍ" فَذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ، فَآلى أنْ لا يَدْخُلَ عَلى نِسائِهِ شَهْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» وقالَ الضَّحّاكُ: «قالَ لَها: "لا تَذْكُرِي لِعائِشَةَ ما رَأيْتِ"، فَذَكَرَتْهُ، فَغَضِبَتْ عائِشَةُ، ولَمْ تَزَلْ بِنَبِيِّ اللَّهِ حَتّى حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، ومَسْرُوقٌ، ومُقاتِلٌ، والأكْثَرُونَ.
والثّانِي: ما رَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّ الحَلْواءَ والعَسَلَ، وكانَ إذا انْصَرَفَ مِن صَلاةِ العَصْرِ دَخَلَ عَلى نِسائِهِ، فَدَخَلَ عَلى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، واحْتَبَسَ عِنْدَها، فَسَألَتْ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: أهَدَتْ لَها امْرَأةٌ مِن قَوْمِها عُكَّةً مِن عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ، فَقُلْتُ: أما واللَّهِ لَنَحْتالَنَّ لَهُ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ: إنَّهُ سَيَدْنُو مِنكِ إذا دَخَلَ عَلَيْكِ، فَقُولِي لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكَلْتَ مَغافِيرَ، فَإنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ وسَأقُولُ ذَلِكَ، وقَوْلِي أنْتِ يا صَفِيَّةُ ذَلِكَ، فَلَمّا دارَ إلى حَفْصَةَ قالَتْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسْقِيكَ مِنهُ؟
قالَ: لا حاجَةَ لِي فِيهِ، قالَتْ: تَقُولُ: سَوْدَةُ سُبْحانَ اللَّهِ، واللَّهِ لَقَدْ حَرَمْناهُ قُلْتُ لَها: اسْكُتِي،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" .
وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدَها العَسَلَ سَوْدَةُ، فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ: إنِّي لَأجِدُ مِنكَ رِيحًا، ثُمَّ دَخَلَ عَلى حَفْصَةَ، فَقالَتْ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحًا فَقالَ: " إنِّي أراهُ مِن شَرابٍ شَرِبْتُهُ عِنْدَ سَوْدَةَ، واللَّهِ لا أشْرَبُهُ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وفي حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدَها العَسَلَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَتَواطَأتْ حَفْصَةُ وعائِشَةُ أنْ تَقُولا لَهُ ذَلِكَ القَوْلَ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَغافِيرُ: شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالصَّمْغِ فِيهِ حَلاوَةٌ.
وخَرَجَ النّاسُ يَتَمَغْفَرُونَ: إذا خَرَجُوا يَجْتَنُونَهُ.
ويُقالُ: المَغاثِيرُ بِالثّاءِ، مِثْلُ جَدَثٍ، وجَدَفٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَغافِيرُ: صَمْغٌ مُتَغَيِّرُ الرّائِحَةِ، فَخَرَجَ في المُرادِ بِالَّذِي أحَلَّ اللَّهُ لَهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جارِيَتُهُ.
والثّانِي: العَسَلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ أيْ: تَطْلُبُ رِضاهُنَّ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ.
﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ التَّحْرِيمَ.
﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكم ﴿ تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ أيْ: كَفّارَةَ أيْمانِكُمْ، وذَلِكَ البَيانُ في [المائِدَةِ: ٨٩] قالَ المُفَسِّرُونَ: وأصْلُ "تَحِلَّةٍ" تَحْلِلَةٌ عَلى وزْنِ تَفْعِلَةٍ، فَأُدْغِمَتْ، والمَعْنى: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكم تَحْلِيلَ أيْمانِكم بِالكَفّارَةِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ، فَأعْتَقَ رَقَبَةً.
واخْتَلَفُوا هَلْ حَرَّمَ مارِيَّةَ عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ، أمْ لا؟
عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: حَرَّمَها مِن غَيْرِ ذِكْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، قالَهُ الحَسَنُ.
والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ﴿ واللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ أيْ: ولِيُّكم وناصِرُكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا ﴾ يَعْنِي: حَفْصَةَ مِن غَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ.
وَفِي هَذا السِّرِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قالَ لَها: " إنِّي مُسِرٌّ إلَيْكِ سِرًّا فاحْفَظِيهِ، سُرِّيَّتِي هَذِهِ عَلَيَّ حَرامٌ "، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ لَها: " أبُوكِ، وأبُو عائِشَةَ، والِيا النّاسِ مِن بَعْدِي، فَإيّاكِ أنْ تُخْبِرِي أحَدًا "، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أسَرَّ إلَيْها أنَّ أبا بَكْرٍ خَلِيفَتِي مِن بَعْدِي، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ ﴾ أيْ: أخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ "وَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ" أيْ: أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى قَوْلِهِ حَفْصَةَ لِعائِشَةَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ غَضَبًا شَدِيدًا، لِأنَّهُ اسْتَكْتَمَ حَفْصَةَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَعاها، فَأخْبَرَها بِبَعْضِ ما قالَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ وفي الَّذِي عَرَّفَها إيّاهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ حَدَّثَها ما حَدَّثَتْها عائِشَةُ مِن شَأْنِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وسَكَتَ عَمّا أخْبَرَتْ عائِشَةَ مِن تَحْرِيمِ مارِيَّةَ، لِأنَّهُ لَمْ يُبالِ ما أظْهَرَتْ مِن ذَلِكَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الَّذِي عَرَّفَ: تَحْرِيمُ مارِيَّةَ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ: ذِكْرُ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
قالَ: ومَعْنى "عَرَّفَ بَعْضَهُ" عَرَّفَ حَفْصَةَ بَعْضَهُ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ، "عَرَفَ" بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ الزَّجّاجُ: عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قَدْ عَرَفَ كُلَّ ما أسَرَّهُ، غَيْرَ أنَّ المَعْنى جارٍ عَلى بَعْضِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ ، أيْ: يَعْلَمْهُ ويُجازِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ أيْ: يَرَ جَزاءَهُ.
فَقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ طَلَّقَ حَفْصَةَ تَطْلِيقَةً، فَكانَ ذَلِكَ جَزاءَها عِنْدَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُراجِعَها.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لَمْ يُطَلِّقْها، وإنَّما هَمَّ بِطَلاقِها، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: لا تُطَلِّقْها، فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ.
وقالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "عُرّافُ" بِرَفْعِ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ الرّاءِ وبِألِفٍ "بَعْضِهِ" بِالخَفْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ ﴾ أيْ: أخْبَرَ حَفْصَةَ بِإفْشائِها السِّرَّ ﴿ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا ﴾ أيْ: مَن أخْبَرَكَ بِأنِّي أفْشَيْتُ سِرَّكَ؟
﴿ قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ ﴾ ثُمَّ خاطَبَ عائِشَةَ وحَفْصَةَ، فَقالَ: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: مِنَ التَّعاوُنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ بِالإيذاءِ ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زاغَتْ، وأثِمَتْ.
قالَ الزَّجّاجُ: عَدَلَتْ، وزاغَتْ عَنِ الحَقِّ.
قالَ مُجاهِدٌ: كُنّا نَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ شَيْئًا هَيِّنًا حَتّى وجَدْناهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَقَدْ زاغَتْ قُلُوبُكُما.
وإنَّما جَعَلَ القَلْبَيْنِ جَماعَةً لِأنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ فَما فَوْقَهُما جَماعَةٌ.
وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ ﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ أنَّهُما أحَبّا ما كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ مِنِ اجْتِنابِ جارِيَتِهِ، "وَإنْ تَظاهَرا" وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ "تَظاهَرا" بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، أيْ: تَعاوَنا عَلى النَّبِيِّ بِالإيذاءِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ ﴾ أيْ: ولِيُّهُ في العَوْنِ، والنُّصْرَةِ ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ ولِيُّهُ ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ وفي المُرادِ بِصالِحِ المُؤْمِنِينَ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أبُو بَكْرٍ، رَواهُ مَكْحُولٌ عَنْ أبِي أُمامَةَ.
والثّالِثُ: عُمَرُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: خِيارُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والخامِسُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ، والعَلاءُ بْنُ زِيادٍ العَدَوِيُّ، وسُفْيانُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قالَهُ الفَرّاءُ: ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ مُوَحَّدٌ في مَذْهَبِ جَمِيعٍ، كَما تَقُولُ: لا يَأْتِينِي إلّا سائِسُ الحَرْبِ، فَمَن كانَ ذا ساسَةٍ لِلْحَرْبِ، فَقَدْ أُمِرَ بِالمَجِيءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ يُؤَدِّي مَعْنى الواحِدِ عَنِ الجَمِيعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ أيْ: ظَهْرًا، وهَذا مِمّا لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ الجَمِيعُ، ومِثْلُهُ ﴿ يُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ ، وقَدْ شَرَحْناهُ هُناكَ.
ثُمَّ خَوَّفَ نِساءَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ وسَبَبُ نُزُولِها ما رَوى أنَسٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: بَلَغَنِي بَعْضُ ما آذى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ نِساؤُهُ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِنَّ، فَجَعَلْتُ أسْتَقْرِئُهُنَّ واحِدَةً واحِدَةً، فَقُلْتُ: واللَّهِ لَتَنْتَهِنَّ، أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والمَعْنى: واجِبٌ مِنَ اللَّهِ ﴿ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ رَسُولُهُ ﴿ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ ﴾ أيْ: خاضِعاتٍ لِلَّهِ بِالطّاعَةِ ﴿ مُؤْمِناتٍ ﴾ مُصَدِّقاتٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ قانِتاتٍ ﴾ أيْ: طائِعاتٍ ﴿ سائِحاتٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ السّائِحُونَ ﴾ .
والثّانِي: مُهاجِراتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ.
"والثَّيِّباتُ" جَمْعُ ثَيِّبٍ، وهي المَرْأةُ الَّتِي قَدْ تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، فَعادَتْ كَما كانَتْ غَيْرَ ذاتِ زَوْجٍ.
"والأبْكارُ": العَذارى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللهِ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا ﴾ المُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللهِ ﴾ هي لِحَفْصَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ: مَنِ اللَتانِ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللهِ ؟
قالَ: حَفْصَةُ وعائِشَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ مَعْناهُ: مالَتْ عَنِ المَعْدَلَةِ والصَوابِ، والصَغا: المَيْلُ، ومِنهُ صاغِيَةُ الرَجُلِ، وهم حَواشِيهِ الَّذِينَ يَمِيلُونَ إلَيْهِ، ومِنهُ: أصْغى إلَيْهِ بِسَمْعِهِ، وأصْغى الإناءُ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَقَدْ زاغَتْ قُلُوبُكُما"، والزَيْغُ: المَيْلُ، وعُرْفُهُ في خِلافِ الحَقِّ، قالَ مُجاهِدٌ: كَما نَرى "صُغْتُ" شَيْئًا هَيِّنًا حَتّى سَمِعْنا قِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ: "زاغَتْ"، وجَمْعُ القُلُوبِ مِن حَيْثُ الِاثْنانِ جَمْعٌ ومِن حَيْثُ لا لَبْسَ في اللَفْظِ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: ...............
ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التُرْسَيْنِ وَمَعْنى الآيَةِ: إنْ تُبْتُما فَقَدْ كانَ مِنكُما ما يَنْبَغِي أنْ يُتابَ مِنهُ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي هو لِلشَّرْطِ هو مُتَقَدِّمٌ في المَعْنى، وإنَّما تَرَتَّبَ جَوابًا في اللَفْظِ، و"إنْ تَظاهَرا" مَعْناهُ: تَتَعاوَنا، فَأُدْغِمَتِ التاءُ في الظاءِ بَعْدَ البَدَلِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ بِتاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وطَلْحَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِتَخْفِيفِ الظاءِ عَلى حَذْفِ التاءِ الواحِدَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ بِتَشْدِيدِ الظاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ، و"المَوْلى": الناصِرُ والمُعِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ: "هُوَ"، فَيَكُونُ ﴿ وَجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ في الوِلايَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جِبْرِيلُ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ و"ظَهِيرٌ" الخَبَرُ، فَيَكُونُونَ حِينَئِذٍ مِنَ الظَهْرِ لا في الوِلايَةِ، ويَخْتَصُّ بِأنَّهُ مَوْلى اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
واخْتَلَفَ الناسُ في "صالِحُ المُؤْمِنِينَ"، فَقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ: ذَلِكَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ صالِحٍ، وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: المُرادُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ، وقالَ مُجاهِدٌ نَحْوَهُ، وقالَ أيْضًا: وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "صالِحُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ "» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، وقالَ قَتادَةُ، والعَلاءُ بْنُ زِيادٍ، وغَيْرُهُما: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ بِأنْ تَكُونَ مُظاهَرَتُهم بِأنَّهم قُدْوَةٌ وأُسْوَةٌ، فَهم عَوْنٌ بِهَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ مُفْرَدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "وَصالِحُوا" فَحُذِفَتِ الواوُ في خَطِّ المُصْحَفِ كَما حَذَفُوها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ويُرْوى عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ لِلنَّبِيِّ : يا رَسُولَ اللهِ، لا تَكْتَرِثْ بِأمْرِ نِسائِكَ، واللهُ مَعَكَ وجِبْرِيلُ مَعَكَ وأبُو بَكْرٍ مَعَكَ، وأنا مَعَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُوافِقَةً نَحْوًا مِن قَوْلِ عُمَرَ.» قالَ المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذا رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ لِزَوْجاتِ النَبِيِّ : "عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: قالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ: "يا ابْنَ الخَطّابِ أدْخَلْتَ نَفْسَكَ في كُلِّ شَيْءٍ حَتّى دَخَلْتَ بَيْنَ الرَسُولِ وبَيْنَ نِسائِهِ"، فَأخَذْتَنِي أخْذًا كَسَرْتَنِي بِهِ، وقالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: يا عُمَرُ: أما يَقْدِرُ رَسُولُ اللهِ أنْ يَعِظَ نِساءَهُ حَتّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ؟
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "طَلَّقَكُنَّ" بِفَتْحِ القافِ وإظْهارِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عنهُ- بِإدْغامِها في الكافِ وشَدِّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وإدْغامُ القافِ في الكافِ حَسَنٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أنْ يُبْدِلَهُ" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "أنْ يُبَدِّلَهُ" بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الدالِ، وهَذِهِ لُغَةُ القُرْآنِ في هَذا الفِعْلِ.
وكَرَّرَ اللهُ تَعالى الصِفاتِ مُبالَغَةً وإنْ كانَ بَعْضُها يَتَضَمَّنُ بَعْضًا، فالإسْلامُ إشارَةٌ إلى التَصْدِيقِ والعَمَلِ، والإيمانُ تَخْصِيصٌ وتَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ وقْعِهِ، و"قانِتاتٍ" مَعْناهُ: مُطِيعاتٍ، و"السائِحاتُ" قِيلَ: مَعْناهُ صائِماتٌ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ والضَحّاكُ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ النَبِيَّ قالَهُ: وقِيلَ: مَعْناهُ: مُهاجِراتٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةً إلّا الهِجْرَةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللهِ، وشَبَّهَ الصائِمُ بِالسائِحِ مِن حَيْثُ يَنْهَمِكُ السائِحُ ولا يَنْظُرُ في زادٍ ولا مَطْعَمٍ، وكَذَلِكَ الصائِمُ يُمْسِكُ عن ذَلِكَ فَيَسْتَوِي هو والسائِحُ في الِامْتِناعِ وشَظَفِ العَيْشِ لِفَقْدِ الطَعامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ثَيِّباتٍ وأبْكارًا" تَقْسِيمٌ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الصِفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الواوُ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيها: واوُ الثَمانِيَةِ؛ لِأنَّها هُنا ضَرُورِيَّةٌ ولَوْ سَقَطَتْ لاخْتَلَّ المَعْنى.
<div class="verse-tafsir"
ليس هذا مما يتعلق بالشرط في قوله: ﴿ وإن تظاهرا عليه ﴾ [التحريم: 4] بل هو كلام مستأنف عدل به إلى تذكير جميع أزواجه بالحذر من أن يضيق صدره عن تحمل أمثال هذا الصنيع فيفارقهن لتقلع المتلبسة وتحذر غيرها من مثل فعلها.
فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً عقبت بها جملة ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ [التحريم: 4] التي أفادت التحذير من عقاب في الآخرة إن لم تتوبا مما جرى منهما في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاد هذا الإِيماء إلى التحذير من عقوبة دنيوية لهن يأمر الله فيها نبيئه صلى الله عليه وسلم وهي عقوبة الطلاق عليه ما يحصل من المؤاخذة في الآخرة إن لم تتوبا، ولذلك فصلت عن التي قبلها لاختلاف الغرضين.
وفي قوله: ﴿ عسى ربه إن طلقكن ﴾ إيجاز بحذف ما يترتب عليه إبدالهن من تقدير إن فارقكن.
فالتقدير: عسى أن يطلقكن هو (وإنما يطلق بإذن ربه) أن يُبدله ربُّه بأزواج خيرٍ منكن.
وفي هذا ما يشير إلى المعْنى الرابع عشر والخامس عشر من معاني الموعظة والإِرشاد التي ذكرناها آنفاً.
و ﴿ عسى ﴾ هنا مستعملة في التحقيق وإيثارها هنا لأن هذا التبديل مجرد فرض وليس بالواقع لأنهن لا يظن بهن عدم الارعواء عما حذرن منه، وفي قوله: ﴿ خيراً منكن ﴾ تذكير لهن بأنهن ما اكتسبن التفضيل على النساء إلا من فضل زوجهن عند الله وإجراء الأوصاف المفصلة بعد الوصف المجمل وهو ﴿ خيراً منكن ﴾ للتنبيه على أن أصول التفضيل موجودة فيهن فيكمل اللاء يتزوجهن النبي صلى الله عليه وسلم فضل على بقية النساء بأنهن صرن أزواجاً للنبيء صلى الله عليه وسلم وهذه الآية إلى قوله: ﴿ خيراً منكن ﴾ نزلت موافِقة لقول عمر لابنته حفصة رضي الله عنهما مثل هذا اللفظ وهذا من القرآن الذي نزل وفاقاً لقول عمر أو رأيه تنويهاً بفضله.
وقد وردت في حديث في «الصحيحين» واللفظ للبخاري «عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ [البقرة: 125]، وقلت: «يدخلُ عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمهاتتِ المؤمنين بالحجاب» فأنزل الله آية الحجاب.
وبلغنِي معاتبة النبي بعضَ نسائه فدخلت عليهن فقلت: إن انتهيتن أو ليبدلَنَّ الله رسولَه خيراً منكن فأنزل الله ﴿ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات ﴾ الآية.
وهي موعظة بأن يأذن الله له بطلاقهن وأنه تصير له أزواجٌ خيرٌ منهن.
وهذا إشارة إلى المعنى السادس عشر من مواعظ هذه الآي..
وقرأ الجمهور ﴿ أن يبدّله ﴾ بتشديد الدال مضارع بدّل.
وقرأه يعقوب بتخفيف مضارع أبدل.
والمسلمات: المتصفات بالإِسلام.
والمؤمنات: المصدّقات في نفوسهن.
والقانتات: القائمات بالطاعة أحسن قيام.
وتقدم القنوت في قوله تعالى: ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ في سورة [البقرة: 238].
وقوله: ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله ﴾ في سورة [الأحزاب: 31].
وفي هذا الوصف إشعار بأنهن مطيعات لله ورسوله ففيه تعريض لما وقع من تقصير إحداهن في ذلك فعاتبها الله وأيقظها للتوبة.
والتائبات: المقلعات عن الذنب إذا وقعن فيه.
وفيه تعريض بإعادة التحريض على التوبة من ذنبهما التي أُمرتا بها بقوله: ﴿ إن تتوبا إلى الله ﴾ [التحريم: 4].
والعابدات: المقبلات على عبادة الله وهذه الصفات تفيد الإِشارة إلى فضل هذه التقوى وهو المعنى السابع عشر من معاني العبرة في هذه الآيات.
والسائحات: المهاجرات وإنما ذكر هذا الوصف لتنبيههن على أنهنّ إن كنّ يمتُنّ بالهجرة فإن المهاجرات غيرَهن كثير، والمهاجرات أفضل من غيرهن، وهذه الصفة تشير إلى المعنى الثامن عشر من معاني الاعتبار في هذه الآي.
وهذه الصفات انتصبت على أنها نعوت ل ﴿ أزواجاً ﴾ ، ولم يعطف بعضُها على بعض الواو، لأجل التنصيص على ثبوت جميع تلك الصفات لكل واحدة منهن ولو عطفت بالواو لاحتمل أن تكون الواو للتقسيم، أي تقسيم الأزواج إلى من يثبت لهن بعض تلك الصفات دون بعض، ألا ترى أنه لما أريدت إفادة ثبوت إحدى صفتين دون أخرى من النعتين الواقعين بعد ذلك كيف عطف بالواو قولُه: ﴿ وأبكاراً ﴾ لأن الثّيبات لا يوصفن بأبكار.
والأبكار لا يوصفن بالثيّبات.
قُلت وفي قوله تعالى: ﴿ مسلمات ﴾ ، إلى قوله: ﴿ سائحات ﴾ مُحسن الكلام المتزن إذْ يَلتئم من ذلك بيت من بحر الرمل التام: فاعلتن فاعلتن فاعلتن *** فاعلاتن فاعلاتن فاعلتن ووجه هذا التفصيل في الزوجات المقدرات لأن كلتا الصفتين محاسنها عند الرجال؛ فالثيب أرعى لواجبات الزوج وأميل مع أهوائه وأقوم على بيته وأحسن لِعاباً وأبهى زينة وأحلى غنجاً.
والبكر أشد حياء وأكثر غرارة ودلاً وفي ذلك مجلبة للنفس، والبكر لا تعرف رجلاً قبل زوجها ففي نفوس الرجال خلق من التنافس في المرأة التي لم يسبق إليها غيرهم.
فما اعتزت واحدة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بمزية إلا وقد أنبأها الله بأن سيبدله خيراً منها في تلك المزية أيضاً.
وهذا هو المعنى التاسع عشر من معاني الموعظة والتأديب في هذه الآيات.
وتقديم وصف ﴿ ثيبات ﴾ لأن أكثر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لمّا تزوجهن كن ثيبات.
ولعله إشارة إلى أن الملام الأشد موجه إلى حفصة قبل عائشة وكانت حفصة ممن تزوجهن ثيبات وعائشة هي التي تزوجها بكراً.
وهذا التعريض أسلوب من أساليب التأديب كما قيل: «الحر تكفيه الإِشارة».
وهذا هو المعنى العشرون من مغزى آداب هذه الآيات.
ومن غرائب المسائل الأدبية المتعلقة بهذه الآية أن الواو في قوله تعالى: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ زَعمها ابنُ خَالويه واواً لها استعمال خاص ولقبها بواو الثمانية (بفتح المثلثة وتخفيف التحتية بعد النون) وتبعهُ جماعة ذكروا منهم الحريري والثعلبي النيسابوري المفسر والقاضي الفاضل.
أنهم استخرجوا من القرآن أن ما فيه معنى عدد ثمانية تدخل عليه واو ويظهر من الأمثلة التي مثلوا بها أنهم يعتبرون ما دل على أمر معدود بعدد كما فيه سواء كان وصفاً مشتقاً من عدد ثمانية أو كان ذاتاً ثامنة أو كان يشتمل على ثمانية سواء كان ذلك مفرداً أو كان جملة.
فقد مثلوا بقوله تعالى في سورة [براءة: 112]: ﴿ التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ قالوا لم يعطف الصفات المسرودة بالواو إلا عند البلوغ إلى الصفة الثامنة وهي الناهون عن المنكر } .
وجعلوا من هذا القبيل آية سورة التحريم إذ لم يعطف من الصفات المبدوءة بقوله: ﴿ مسلمات ﴾ إلا الثامنة وهي ﴿ وأبكاراً ﴾ ومثلوا لما وصف فيه بوصف ثامن بقوله تعالى: ﴿ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ في سورة [الكهف: 22].
فلم يعطف رابعهم } ولا ﴿ سادسهم ﴾ وعطفت الجملة التي وقع فيها وصف الثامن بواو عطف الجمل.
ومثلوا لما فيه كلمة ثمانية بقوله تعالى: ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً ﴾ في سورة [الحاقة: 7].
ومثلوا لما يشتمل على ثمانية أسماء بقوله تعالى في سورة [الزمر: 73]: ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها قالوا جاءت جملة وفتحت ﴾ هذه بالواو ولم تجئ أختها المذكورة قبلها وهي ﴿ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها ﴾ [الزمر: 71].
لأن أبواب الجنة ثمانية.
وترددت كلماتهم في أن هذه الواو من صنف الواو العاطفة يمتاز عن الصنف الآخر يلزم ذكره إذا كان في المعطوف معنى الثامن أو من صنف الواو الزائدة.
وذكر الدمَاميني في الحواشي} الهندية على «المغني» أنه رأى في «تفسير العماد الكندي» قاضي الإِسكندرية (المتوفى في نحو عشرين وسبعمائة) نسبة القول بإثبات واو الثمانية إلى عبد الله الكفيف المالقي النحوي الغرناطي من علماء غرناطة في مدة الأمير ابن حَبوس (بموحدة بعد الحاء المهملة) هو باديس بن حبوس صاحب غرناطة سنة 420.
وذكر السهيلي في «الروض الأنف» عند الكلام على نزول سورة الكهف أنه أفرد الكلام على الواو التي يسميها بعض الناس واو الثمانية باباً طويلاً ولم يبد رأيه في إثباتها ولم أقف على الموضع الذي أفرد فيه الكلام عليها.
ويظهر أنه غير موافق على إثبات هذا الاستعمال لها.
ومن عجيب الصدف ما اتفق في هذه الآيات الأربع من مثير شبهة للذين أثبتوا هذا المعنى في معاني الواو.
ومن غريب الفطنة تنبه الذي أنبأ بهذا.
وذكر ابن المنير في «الانتصاف» أن شيخه ابن الحاجب ذكر له أن القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الكاتب كان يعتقد أن الواو في قوله تعالى: ﴿ وأبكاراً ﴾ هي الواو التي سماها بعض ضعفة النحاة واو الثمانية.
وكان الفاضلُ يتبجح باستخراجها زائدة على المواضع الثلاثة المشهورة إلى أن ذكره يوماً بحضيرة أبي الجود النحوي المقري، فبين لهم أنه واهم في عدها من ذلك القبيل وأحال البيان على المعنى الذي ذكره الزمخشري في دعاء اللزوم إلى الإِتيان بالواو هنا لامتناع اجتماع هذين الصنفين في موصوف واحد.
فأنصفه الفاضل وقال: أرشدتنا يا أبا الجود.
قلت: وأرى أن القاضي الفاضل تعجل التسليم لأبي الجُود إذ كان له أن يقول: إنا لم نلتزم أن يكون المعدود الثامن مستقلاً أو قسيماً لغيره وإنما تتبعنا ما فيه إشعار بعدد ثمانية.
ونقل الطيبي والقزويني في «حاشيتي الكشاف» أنه روى عن صاحب «الكشاف» أنه قال: الواو تدخل في الثامن كقوله تعالى: ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ [الكهف: 22]، وقوله: ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ [الزمر: 73] ويسمونه واو الثمانية وهي كذلك، وليس بشيء.
قال الراوي عنه وقد قال لنا عند قراءة هذا الموضع: أنسيتم واو الثمانية عند جوابي هذا (أي يلومهم على إهمالهم ذلك المعنى في تلك الآية) أي هو جواب حسن وذلك خطأ محض لا يجوز أن يؤخذ به اه.
قلت: وهذا يخالف صريح كلامه في «الكشاف» فلعل الراوي لم يحسن تحرير مراد صاحب «الكشاف»، أو لعل صاحب «الكشاف» لم ير منافاة بين لزوم ذكر الواوين اقتضاء المقام ذكرها بأن المعطوف بها ثامن في الذكر فإن النكت لا تتزاحم فتأمل بتدقيق.
وتقدم الكلام على واو الثمانية عند قوله تعالى: ﴿ التائبون العابدون ﴾ الآية في سورة [براءة: 112].
وعند قوله: ﴿ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ في سورة [الكهف: 22]، وتقدمت في سورة الزمر وفي سورة الحاقة.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ المَرْأةَ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ فَلَمْ يَقْبَلْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَسَلٌ شَرِبَهُ النَّبِيُّ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، واخْتُلِفَ فِيها فَرَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ حَفْصَةَ ورَوى ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ سَوْدَةَ.
وَرَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ يَعْنِي نِساؤُهُ عَدا مَن شَرِبَ ذَلِكَ عِنْدَها: إنّا لِنَجِدُ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، وكانَ يَكْرَهُ أنْ يُوجَدَ مِنهُ الرِّيحُ، وقُلْنَ لَهُ: جَرَسْتَ نَحْلَةَ العُرْفُطِ، فَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن ذَكَرْنا.
الثّالِثُ: أنَّها مارِيَةُ أُمُّ إبْراهِيمَ خَلا بِها رَسُولُ اللَّهِ في بَيْتِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وقَدْ خَرَجَتْ لِزِيارَةِ أبِيها، فَلَمّا عادَتْ وعَلِمَتْ عَتَبَتْ عَلى النَّبِيِّ فَحَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ أرِضاءً لِحَفْصَةَ، وأمَرَها أنْ لا تُخْبِرَ أحَدًا مِن نِسائِهِ، فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ لِمُصافاةٍ كانَتْ بَيْنَهُما وكانَتْ تَتَظاهَرانِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ أيْ تَتَعاوَنانِ، فَحَرَّمَ مارِيَةَ وطَلَّقَ حَفْصَةَ واعْتَزَلَ سائِرَ نِسائِهِ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وكانَ جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يُحَرِّمَهُنَّ شَهْرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَراجَعَ حَفْصَةَ واسْتَحَلَّ مارِيَةَ وعادَ إلى سائِرِ نِسائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ والكَلْبِيُّ وهو ناقِلُ السِّيرَةِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، هَلْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ آلى بِها أمْ لا، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، فَعُوتِبَ في التَّحْرِيمِ وأُمِرَ بِالكَفّارَةِ في اليَمِينِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمُ المَخْرَجَ مِن أيْمانِكم.
الثّانِي: قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَكُمُ الكَفّارَةَ في الحِنْثِ في أيْمانِكم.
﴿ وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أسَرَّ إلى حَفْصَةَ تَحْرِيمَ ما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَلَمّا ذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ وأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ عَرَّفَها بَعْضَ ما ذَكَرَتْ، وأعْرَضَ عَنْ بَعْضِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أسَرَّ إلَيْها تَحْرِيمَ مارِيَةَ، وقالَ لَها: اكْتُمِيهِ عَنْ عائِشَةَ وكانَ يَوْمَها مِنهُ، وأُسِرُّكِ أنَّ أبا بَكْرٍ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِي، وعُمَرَ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِهِ، فَذَكَرَتْها لِعائِشَةَ، فَلَمّا أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ فَكانَ الَّذِي عَرَّفَ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وكانَ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ ما ذَكَرَهُ مِنَ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَقَرَأ الحَسَنُ: (عَرَفَ بَعْضَهُ) بِالتَّخَفُّفِ، وقالَ الفَرّاءُ: وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: عَرَفَ بَعْضَهُ بِالتَّخْفِيفِ أيْ غَضِبَ مِنهُ وجازى عَلَيْهِ، ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا وتَعاوَنَتا مِن نِساءِ النَّبِيِّ عَلى سائِرِهِنَّ وهُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ.
وَفي (صَغَتْ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي زاغَتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مالَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ تُصْغِي القُلُوبُ إلى أغَرَّ مُبارَكٍ مِن نَسْلِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ والثّالِثُ: أثِمَتْ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
وَفِيما أُوخِذَتا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الإذاعَةِ والمُظاهَرَةِ.
الثّانِي: مِن سُرُورِهِما بِما ذَكَرَهُ النَّبِيُّ مِنَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ﴾ يِعْنِي تَعاوُنًا عَلى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ .
﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ أيْضًا.
﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ وسُفْيانُ.
الثّانِي: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: لِأنَّهُما كانا أبَوَيْ عائِشَةَ وحَفْصَةَ وقَدْ كانا عَوْنًا لَهُ عَلَيْهِما.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلِيٌّ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ أصْحابُ النَّبِيِّ ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ صالِحَ المُؤْمِنِينَ مَن وقى دِينَهُ بِدُنْياهُ.
﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ يَعْنِي أعْوانًا لِلنَّبِيِّ ، ويَحْتَمِلُ تَحْقِيقُ تَأْوِيلِهِ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُمُ المُسْتَظْهَرُ بِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ.
﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ ﴾ أمّا نِساؤُهُ فَخَيْرُ نِساءِ الأُمَّةِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ خَيْرًا مِنكُنَّ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أطْوَعَ مِنكُنَّ.
والثّانِي: أحَبَّ إلَيْهِ مِنكُنَّ.
والثّالِثُ: خَيْرًا مِنكُنَّ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ مُسْلِماتٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُخْلِصاتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ونَرى ألّا يَسْتَبِيحَ الرَّسُولُ إلّا مُسْلِمَةً.
الثّانِي: يُقِمْنَ الصَّلاةَ ويُؤْتِينَ الزَّكاةَ كَثِيرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ مُسَلِّماتٌ لِأمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
﴿ مُؤْمِناتٍ ﴾ يَعْنِي مُصَدِّقاتٍ بِما أُمِرْنَ بِهِ ونُهِينَ عَنْهُ.
﴿ قانِتاتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُطِيعاتٌ.
الثّانِي: راجِعاتٌ عَمّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إلى ما يُحِبُّهُ.
﴿ تائِباتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: راجِعاتٌ لِأمْرِ الرَّسُولِ تارِكاتٌ لِمَحابِّ أنْفُسِهِنَّ.
﴿ عابِداتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عابِداتٌ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مُتَذَلِّلاتٌ لِلرَّسُولِ بِالطّاعَةِ، ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ العَبْدِ لِتَذَلُّلِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ سائِحاتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّي الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّهُ كالسّائِحِ في السَّفَرِ بِغَيْرِ زادٍ.
وَقالَ الزُّهْرِيُّ: قِيلَ لِلصّائِمِ سائِحٌ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ مُتَعَبِّدًا لا زادَ مَعَهُ كانَ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ، والصّائِمُ يُمْسِكُ عَنِ الأكْلِ، فَلِهَذِهِ المُشابَهَةِ سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا، وإنَّ أصْلَ السِّياحَةِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الذَّهابِ في الأرْضِ كالماءِ الَّذِي يَسِيحُ، والصّائِمُ مُسْتَمِرٌّ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المُشْتَهى، وهو الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ.
وَعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إذا امْتَنَعَ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وسَدَّ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ الشَّهَواتِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحِكَمِ وتَجَلَّتْ لَهُ أنْوارُ المُتَنَقِّلِينَ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ ومِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ فَتَحْصُلُ لَهُ سِياحَةٌ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ.
الثّانِي: مُهاجِراتٌ لِأنَّهُنَّ بِسَفَرِ الهِجْرَةِ سائِحاتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا ﴾ أمّا الثَّيِّبُ فَإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها راجِعَةٌ إلى زَوْجِها إنْ أقامَ مَعَها، أوْ إلى غَيْرِهِ إنْ فارَقَها، وقِيلَ لِأنَّها ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، وهَذا أصَحُّ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ثَيِّبٍ تَعُودُ إلى زَوْجٍ.
وَأمّا البِكْرُ فَهي العَذْراءُ سُمِّيَتْ بِكْرًا لِأنَّها عَلى أوَّلِ حالَتِها الَّتِي خُلِقَتْ بِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: أرادَ بِالثَّيِّبِ مِثْلَ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والبِكْرِ مِثْلَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.
رَوى خِداشٌ عَنْ حَمِيدٍ عَنْ أنَسٍ «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقامَ إبْراهِيمَ مُصَلّى، وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ يَدْخُلُ إلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ حَجَبْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ، وبَلَغَنِي عَنْ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ شَيْءٌ [فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ]: لَتَكُفُّنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ حَتّى دَخَلْتُ عَلى إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَتْ: يا عُمَرُ أما في رَسُولِ اللَّهِ ما يَعِظُ نِساءَهُ حَتّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ، فَأمْسَكْتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ الآيَةَ» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة وأبي مالك وقتادة في قوله: ﴿ قانتات ﴾ قال: مطيعات، وفي قوله: ﴿ سائحات ﴾ قالوا: صائمات.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قرأ ﴿ سيحات ﴾ مثقلة بغير ألف.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن بريدة في قوله: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ قال: وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يزوّجه بالثيب آسية امرأة فرعون وبالبكر مريم بنت عمران.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في المدخل عن عليّ بن أبي طالب في قوله: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ قال: علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ قال: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ قال: وأهليكم فليقوا أنفسهم.
وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أسلم قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ فقالوا: يا رسول الله كيف نقي أهلنا ناراً؟
قال: تأمرونهم بما يحبه الله وتنهونهم عما يكره الله» .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ قال: أدبوا أهليكم.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ قال: أوصوا أهليكم بتقوى الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ قال: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصية الله.
وأخرج ابن المنذر عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: مر عيسى عليه السلام بجبل معلق بين السماء والأرض، فدخل فيه وبكى وتعجب منه، ثم خرج منه إلى من حوله، فسأل: ما قصة هذا الجبل؟
فقالوا: ما لنا به علم، كذلك أدركنا آباءنا، فقال: يا رب، ائذن لهذا الجبل يخبرني ما قصته؟
فأذن له فقال: لما قال الله: ﴿ ناراً وقودها الناس والحجارة ﴾ اضطربت خفت أن أكون من وقودها، فأدع الله أن يؤمنني، فدعا الله تعالى فأمنه، فقال: الآن قررت، فقرَّ على الأرض.
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن قدامة في كتاب البكاء والرقة عن محمد بن هاشم قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ قرأها النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعها شاب إلى جنبه، فصعق، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في حجره رحمة له، فمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم فتح عينيه، فإذا رأسه في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بأبي أنت وأمي مثل أي شيء الحجر؟
فقال: أما يكفيك ما أصابك، على أن الحجر منها لو وضع على جبال الدنيا لذابت منه، وإن مع كل إنسان منهم حجراً أو شيطاناً والله أعلم» .
قوله تعالى: ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم...
﴾ .
أخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر ما بين منكب أحدهم مسيرة مائتي خريف ليس في قلوبهم رحمة، إنما خلقوا للعذاب، ويضرب الملك منهم الرجل من أهل النار الضربة فيتركه طحناً من لدن قرنه إلى قدمه.
وأخرج ابن جرير عن كعب قال: ما بين منكب الخازن من خزنتها مسيرة ما بين سنة، مع كل واحد منهم عمود وشعبتان يدفع به الدفعة يصدع في الناس سبعمائة ألف.
<div class="verse-tafsir"
ثم خوف نساءه بقوله: ﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ الآية.
قال الضحاك: كل عسى في القرآن فهو واجب.
والمفسرون يقولون: عسى من الله واجب (١) ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ ، والأكثر في قوله: ﴿ طَلَّقَكُنَّ ﴾ الإظهار، وروي عن أبي عمرو الإدغام (٢) ولإدغام القاف في الكاف حسن ، لأنهما من حروف الفم، وأصل الإدغام أن يكون فيما دون حرف الطرفين الحلق والشفة، فإن ترك الإدغام فيهما حسن ، لأنهما من أول مخارج الحرف فأشبها حرف الحلق لقربهما منها كما أن الخاء والغين لما كانتا من أول مخارج الحلق وأقربهما إلى الفم أجريا مجرى حروف الفم في أن لم تبين النون معهما في بعض اللغات.
وهو رواية أبي نشيط (٣) (٤) ثم نعت تلك الأزواج التي كان يبدله لو طلق نساءه، فقال: ﴿ مُسْلِمَاتٍ ﴾ أي: خاضعات لله بالطاعة، ﴿ مُؤْمِنَاتٍ ﴾ مصدقات بتوحيد الله، ﴿ قَانِتَاتٍ ﴾ طائعات، ﴿ سَائِحَاتٍ ﴾ قال المفسرون: صائمات.
وذكرنا تفسير الكلام فيه عند قوله: ﴿ السَّائِحُونَ ﴾ (٥) ﴿ ثَيِّبَاتٍ ﴾ جمع ثيب.
قال الليث: وهي المرأة التي قد تزوجت فبانت بأي وجه (٦) (٧) (٨) قال الأزهري: كأنه قيل لها ثيب؛ لأنها عادت إلى حالتها الأولى قبل أن تزوج، وكل شيء عاد بعد ذهابه فقد ثاب يثوب ثؤوبًا، ويقال: تثيب المرأة تثيبًا إذا صارت ثيبًا (٩) قوله تعالى: ﴿ وَأَبْكَارًا ﴾ يريد عذارى.
(١) انظر: "جامع البيان" 5/ 117، و"المحرر الوجيز" 2/ 159، و"تهذيب اللغة" 3/ 85، و"اللسان" 2/ 781 (عسى).
(٢) انظر: "النشر" 1/ 286، و"الإتحاف" 22 - 23.
(٣) هو محمد بن هارون، مقرئ جليل ضابط مشهور.
قال ابن أبي حاتم: صدوق، سمعت مه مع أبي ببغداد، قلت: وسمع منه أبوه -وأثنى عليه- ومحمد بن مؤمل الناقد وجماعة.
وكان ثقةً.
توفي سنة 258 هـ ووهم من قال غير ذلك.
انظر: "غاية النهاية" 2/ 272، و"سير النبلاء" 12/ 324، و"تاريخ بغداد" 3/ 352، و"تهذيب التهذيب" 9/ 493.
(٤) من قوله (وإدغام القاف في الكاف حسن) إلى هنا، من كلام أبي علي الفارسي وفيه تصرف.
انظر: "الحجة" 6/ 303.
(٥) وممن فسرها بالصائمات ابن عباس، والحسن، وابن جبير، وقتادة.
انظر: "جامع البيان" 28/ 106، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 193.
ونسبه الزجاج لأهل التفسير وأهل اللغة.
"معاني القرآن" 5/ 194، و"اللسان" 3/ 323 (سيح).
وقال الفراء: ونرى أن الصائم إنما سمي سائحًا أن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد، فكأنه أخذ من ذلك.
"معاني القرآن" 3/ 167.
(٦) في (ك): (بوجه ما) بدلاً من (بأي وجه)، والصواب ما أثبته.
(٧) في (س): (قبل التزوج، أو تزوجت بعد ذلك) زيادة وبعدها عبارة مطموسة.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عن مسروق عن أبي بن كعب (البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يجلدان ويرجمان)، وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن مسروق: (البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يرجمان ولا يجلدان، والشيخان يجلدان ثم يرجمان) ورجاله رجال الصحيح.
"فتح الباري" 12/ 157.
(٩) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 152 (ثاب)، و"اللسان" 1/ 388 (ثيب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ ﴾ الآية، نصرة للنبي صلى الله عليه وسلم، وروي أن عمر قال ذلك ونزل القرآن بموافقته، ولقد قال عمر حينئذ للنبي صلى الله عليه وسلم: والله يا رسول الله لئن أمرتني بضر عنق حفصة لضربت عنقها، وقد ذكرنا معنى الإسلام والإيمان والقنوت، والسائحات: معناه الصائمات قاله ابن عباس: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل معناه مهاجرات وقيل ذاهبات إلى الله، لأن أصل السياحة الذهاب في الأرض، وقوله: ﴿ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ﴾ قال بعضهم: المراد بالأبكار هنا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون؛ فإن الله يزوج النبي صلى الله عليه وسلم إياهما في الجنة وهذا يفتقر إلى نقل صحيح، ودخلت الواو هنا للتقسيم.
ولو سقطت لاختل المعنى لأن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان، وقال الكوفيون: هي واو الثمانية وذلك ضعيف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ عرف ﴾ بالتخفيف: عليّ ﴿ تظاهرا ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.
﴿ أن يبدله ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصوحاً ﴾ بضم النون: يحيى وحماد ﴿ وكتبه ﴾ على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.
الوقوف ﴿ لك ﴾ ج لاحتمال أن الجملة بعده حال أو استفهامية بحذف الحرف وهذا أحسن، لأن تحريم الحلال بغير ابتغاء مرضاتهن أيضاً غير جائز ﴿ أزواجك ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أيمانكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ مولاكم ﴾ ط للابتداء بذكر ما لم يزل من الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ حديثاً ﴾ ج ﴿ عن بعض ﴾ ج ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ قلوبكما ﴾ ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه لتناهي الشرط إلى الإخبار ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ وأبكاراً ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ نصوحاً ﴾ ط ﴿ الأنهار ﴾ لا بناء على أن الظرف يتعلق بقوله ﴿ ويدخلكم ﴾ وج لاحتمال أن ﴿ يوم ﴾ متعلق بقوله ﴿ يسعى ﴾ بعد ﴿ واغفر لنا ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال اللام ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لابتداء الحكاية ﴿ الداخلين ﴾ ه ﴿ فرعون ﴾ ج لئلا يتوهم أن الظرف متعلق بـ ﴿ ضرب ﴾ بل التقدير " اذكروا " ﴿ الظالمين ﴾ ه لأن ما بعده معطوف على امرأة فرعون ﴿ القانتين ﴾ ه.
التفسير: كان النبي يأتي زينب بنت جحش فيشرب عندها العسل، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنما نشم منك ريح المغافير.
والمغفور والمغثور شيء واحد ينضحه العرفط والرمث مثل الصمغ وهو حلو كالعسل ويؤكل وله ريح كريهة.
وكان النبي يكره التفل فحرم لقولهما على نفسه العسل.
الثاني أنه ما أحل الله له من ملك اليمين.
وههنا روايتان: الأولى "أنه خلا بمارية القبطية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي عليّ وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي" ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.
الثانية أنه خلا بمارية في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية فقال عمر لابنته: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك.
فنزل جبريل وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة.
قال جمع من العلماء: لم يثبت عن رسول الله تحريم حلال بأن يقول: هو عليّ حرام ولكنه كان يميناً كقوله " والله لا أشرب العسل ولا أقرب الجارية بعد اليوم" فقيل له: لم تحرم أي لم تمتنع منه بسبب اليمين يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفر عن يمينك ﴿ والله غفور ﴾ لك ﴿ رحيم ﴾ بك والدليل عليه ظاهر.
قوله ﴿ قد فرض الله لكم تحلة ﴾ بمعنى التحليل كالتكرمة ﴿ أيمانكم ﴾ أي شرع لكم تحليلها بالكفارة.
وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول: إن شاء الله عقبها حتى لا يحنث.
والتحلة تفعلة بمعنى التحليل كالتكرمة بمعنى التكريم.
عن الحسن أنه لم يكفر عن يمينه لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين.
وعن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية.
وما حكم تحريم الحلال؟
قال أبو حنيفة: هو يمين على الامتناع من الانتفاع المقصود، فلو حرم طعاماً فهو يمين على الامتناع من أكله، أو أمه فعلى الامتناع من وطئها، أو زوجة فمحمول على ما نوى، فإن نوى الظهار فظهار، أو الطلاق فطلاق بائن، وإن لم ينو شيئاً فعلى الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى.
وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد أن الحرام يمين.
وقال الشافعي: هو في النساء من صرائح ألفاظ الطلاق.
وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي.
وعن علي رضي الله عنه: ثلاث.
وعن عثمان: ظهار.
وعن مسروق والشعبي أنه ليس بشيء فما لم يحرمه الله ليس لأحد أن يحرمه ﴿ والله مولاكم ﴾ متولي أموركم وقيل: أولى بكم من أنفسكم ونصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم ﴿ وهو العليم ﴾ بما يصلحكم ﴿ الحكيم ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ إذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه ﴾ وهي حفصة ﴿ حديثاً ﴾ هو حديث مارية وإمامة الشيخين ﴿ فلما نبأت به ﴾ حفصة عائشة ﴿ وأظهره الله ﴾ على نبيه أي أطلعه على إفشائه على لسان جبريل.
وقيل: أظهر الله الحديث على النبي فيكون من الظهور ﴿ عرف بعضه ﴾ أعلم ببعض الحديث.
ومن قرأ بالتخفيف من العرفان فمعناه المجازاة من قولك للمسيء " لأعرفنّ لك ذلك" وكان جزاؤه تطليقه إياها.
وقيل: المعرف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية.
وإنما أعرض عن البعض تكرماً.
قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام.
وروي أنه قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ؟
قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله بها أبي.
وإنما ترك المفعول ولم يقل " فلما نبأت به بعضهنّ وعرفها بعضه لأن ذلك ليس بمقصود وإنما الغرض ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به"، وأن رسول الله بكرمه وحلمه لم يوجد منه إلا الإعلام بالبعض وهو حديث الإمامة.
ولما كان المقصود في قوله ﴿ من أنبأك هذا ﴾ ذكر المنبأ به أتى بالمفعولين جميعاً.
ثم وبخ عائشة وحفصة على طريقة الالتفات قائلاً ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن إخلاص رسول الله من حب ما يحبه وبغض ما يكرهه والأصل قلباكما.
ووجه الجمع ما مر في قوله ﴿ فاقطعوا أيديهما ﴾ ﴿ وإن تظاهرا ﴾ أي تعاونا على ما يوجب غيظه فلم يعدم هو من يظاهره كيف والله ﴿ مولاه ﴾ أي ناصره ﴿ وجبريل ﴾ خاصة من بين الملائكة ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال أكثر العلماء: هو واحد في معنى الجمع لأنه أريد الجنس لشمول كل من آمن وعمل صالحاً.
وجوز أن يكون جمعاً وقد أسقط الواو في الخط لسقوطه في اللفظ.
عن سعيد بن جبير: هو كل من برىء من النفاق.
وقيل: الأنبياء والصحابة والخلفاء.
﴿ والملائكة ﴾ على كثرة جموعهم ﴿ بعد ذلك ﴾ الذي عرف من نصرة المذكورين ﴿ ظهير ﴾ فوج مظاهر له كأنهم يد واحدة فأي وزن لاتفاق امرأتين بعد تظاهر هؤلاء على ضد مطلوبهما.
ولا يخفى أن الكلام مسوق للمبالغة في الظاهر وإلا فكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً.
ثم وبخهما بنوع آخر وهو قوله ﴿ عسى ربه إن طلقكنّ ﴾ الآية.
والسائحات الصائمات كما في آخر التوبة.
قال جار الله: شبه الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره بالسائح الذي لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يطعمه.
وقيل: السائحات المهاجرات فانظر في شؤم العصيان فإن أمهات المؤمنين وهنّ خير نساء العالمين يصير غيرهن بفرض عدم العصيان خيراً منهن بفرض العصيان وتطليق الرسول إياهن.
وقد عرفت في النظائر أن الواو في قوله ﴿ وأبكاراً ﴾ يقال لها " واو الثمانية " إلا أن للواو في هذا المقام فائدة أخرى وهي أن وصفي الثيابة والبكارة متنافيان لا يكون إلا أحدهما بخلاف الصفات المتقدمة فإنها ممكنة الاجتماع، فالمراد أن أولئك النساء جامعات للأوصاف المتقدمة ولأحد هذين.
ثم عمم التحذير فقال ﴿ قوا أنفسكم ﴾ وهو أمر من الوقاية في الحديث " "رحم الله رجلاً قال يا أهلاه صلاتكم وصيامكم وزكاتكم مسكينكم ويتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعهم معه في الجنة " وتفسير قوله ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ قد مر في أول " البقرة ".
وكونها معدّة للكافرين لا ينافي تعذيب المؤمنين الفسقة بها إن استحقوها.
وجوز أن يكون أمراً بالتوقي من الارتداد وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم ﴿ عليها ملائكة ﴾ أي موكل على أهلها الزبانية التسعة عشر الموصوفون بالغلظة والشدة في الإجرام أو في الأفعال أو فيهما لأنه لا تأخذهم رأفة بمن عصى الله.
وقوله ﴿ ما أمرهم ﴾ نصب على البدل أي لا يعصون أمر الله.ولا يخفى أن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر فصرح بما عرف ضمناً قائلاً ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ ويجوز أن يكون الأوّل عائداً إلى الماضي والثاني إلى المستقبل.
ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار وهو قوله ﴿ لا تعتذروا ﴾ لأنه لا عذر لكم أو لا عذر مقبولاً لكم، وليس هذا من قبيل الظلم ولكنه جزاء أعمالهم.
ثم أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة، ووصفت بالنصوح على الإسناد المجازي لأن النصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا أنفسهم بالتوبة لا يكون فيها شوب رياء ولا نفاق.
وقيل: هو من نصاحة الثوب أي توبة ترفأ خروقك في دينك.
وقيل: خالصة عسل ناصح إذا خلص من الشمع.
وقيل: توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها.
و ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع ولئلا يتكلوا.
قوله ﴿ لا يخزي ﴾ تعريض لمن أخزاهم من أهل النار ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ كأنه استحمد المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم.
قوله ﴿ نورهم يسعى ﴾ قد مرّ في الحديد قوله ﴿ يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ أي قائلين ذلك إذا طفىء نور المنافقين خوفاً من زواله على عادة البشرية، أو لأن الإخلاص والنفاق من صفة الباطن لا يعرفه إلا الله على أنه يجوز أن يدعو المؤمن بما هو حاصل له مثل اهدنا، ويجوز أن يدعو به من هو أدنى منزلة لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلاً لا مجازاة لانقطاع التكليف والعمل يومئذ.
ثم أمر نبيه بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة أو بإقامة الحدود عليهم، وأمر باستعمال الغلظة والخشونة على الفريقين هذا عذابهم في الدنيا ولهم في الآخرة جهنم وقد سبق نظير الآية في " التوبة ".
ثم ضرب مثلاً لأهل الكفر امرأة نوح واسمها قيل واعلة وامرأة لوط.
واسمها قيل واهلة ومثلاً لأهل الإيمان امرأة فرعون واسمها آسية وهي عمة موسى ومريم ابنة عمران.
وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مرّ في أول السورة من حال عائشة وحفصة وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة ﴿ ادخلا النار مع ﴾ سائر ﴿ الداخلين ﴾ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء من قوم نوح وقوم لوط أو من كل قوم.
وفي قوله ﴿ عبدين من عبادنا ﴾ إشارة إلى أن سبب المزية والرجحان عند الله ليس إلا الصلاح كائناً من كان.
وخيانة المرأتين ليست هي الفجور وإنما هي نفاقهما وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين.
فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه.
قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط.
عن أبى هريرة أن آسية حين آمنت بموسى وتدها فرعون باربعة أوتاد واستقبل بها الشمس وأضجعها على ظهرها ووضع الرحى على صدرها.
قال الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها.
وقيل: لما ﴿ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ بنى من درّة.
ومعنى ﴿ عندك بيتاً في الجنة ﴾ أنها طلبت القرب من الله والبعد عن عدوّه في مقام القرب، أو أرادت أعلى موضع في الجنة.
وقولها ﴿ من فرعون وعمله ﴾ كقولك " أعجبني زيد وكرمه " وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين.
والضمير في ﴿ فيه ﴾ للفرج.
وقيل: هو جيب الدرع وقد مرّ في " الأنبياء".
وكلمات الله صحف إبراهيم وغيره أو جميع ما كلم الله به وكتبه اللوح أو الكتب الأربعة ومن وحد فهو الإنجيل.
وقرىء ﴿ بكلمة الله ﴾ أي بعيسى ﴿ وكانت من القانتين ﴾ من باب التغليب كما مرّ في قوله ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ وقيل: " من " للابتداء أي ولدت منهم لأنهم من أعقاب هارون .
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ .
هذا في الظاهر فظيع بأن يحرم رسول الله ما أحل الله له، ومن قال بأنه حرم ما أحل الله، فقد قال قولا منكراً، ولو اعتقد ذلك كان كفرا منه؛ إذ من حرم ما أحل الله كان كافرا، ومن كان اعتقاده في رسول الله هذا، فهو كافر.
وقال أبو بكر الأصم: دلت هذه الآية على أن ليس لأحد أن يحرم ما أحله الله ؛ لأن الله منع رسوله عن ذلك.
لكن الأمر عندنا ليس على ما ظنه أبو بكر، ولا على ما سبق إليه ظن بعض الجهال: أن رسول الله حرم شيئاً أحله الله ، ومن توهم هذا في رسول الله ، فقد حكم على رسول الله بالكفر.
وتأويله عندنا - والله أعلم -: على وجهين: أحدهما: أن تحريم ما أحل هو أن يعتقد تحريم المحلل، وتحليل المحرم فيما حرم الله مطلقاً، فمن اعتقد تحريمه حكم عليه بالكفر، ورسول الله لم يعتقد تحريم ما أحل الله ؛ إذ لم ير جماعها عليه محرما، بل امتنع عن الانتفاع بها باليمين، والحرمة التي ثبتت بسبب اليمين، لم تكن من فعل الآدمي، وإن ثبتت بمباشرة السبب منه؛ كالتحريم بالطلاق وبغيره من الأسباب، وإنما تثبت من الله عقيب مباشرة الأسباب من العباد، كسائر الأحكام، كيف وأنه باليمين لا تثبت حرمة نفس الفعل، وإنما المحرم ترك تعظيم الله الواجب بسبب اليمين، وهذا لا يعد تحريم الحلال وتحليل الحرام.
أو أريد بالتحريم منع النفس عن ذلك مع اعتقاده بكونه حلالا، لا أن يكون قصد به قصد تحريم عينه، وقد يمتنع المرء عن تناول الحلال؛ لغرض له في ذلك؛ وهو كقوله : ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ ﴾ ، ولم يرد به تحريم عينه، ولا التحريم الشرعي؛ إذ الصبي ليس من أهله، وإنما أريد به امتناعه من الارتضاع إلا من ثدي أمه، [فعلى ذلك] هاهنا، والله أعلم.
والثاني: أن رسول الله كان ندب إلى حسن العشرة مع أزواجه، وإلى الشفقة عليهن، والرحمة [بهن، فبلغ] في حسن [العشرة والصحبة] معهن مبلغا امتنع عن الانتفاع بما أحل الله له، وأباح له التلذذ به؛ يبتغي به حسن عشرتهن، ويطلب به مرضاتهن، فقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ ، أي: لا يبلغنَّ بك الشفقة عليهن وحسن العشرة معهن مبلغا تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله لك؛ فيخرج هذا مخرج تخفيف المؤنة على رسول الله في حسن العشرة معهن، لا مخرج النهي والعتاب عن الزلة؛ وهو كقوله : ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ تخفيفاً للأمر عليه، وكذلك قال: ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ ليس في الحقيقة نهياً عن السخاء على النهاية، لكن تخفيفاً للأمر عليه: أن ليس عليك الإسراف في السخاء والنهاية في ذلك؛ بحيث لم تُبق لنفسك وعيالك شيئاً وتؤثر غيرك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ خارج مخرج تخفيف المؤنة عليه في حسن العشرة، لا مخرج النهي، والله أعلم.
ثم اختلف أهل التأويل في سبب التحريم: فمنهم من ذكر "أن حفصة - ا - زارت أهلها، والنبي - - في بيت حفصة، فجاءت أم إبراهيم مارية القبطية حتى دخلت على رسول الله فواقعها، فجاءت حفصة، وهما نائمان فرجعت إلى بيت أهلها، فمكثت عامة الليل ...
القصة، وقالت حفصة في آخر هذا الخبر: ما رأيت لي حرمة، وما عرفت لي حقّاً، فقال لها النبي - -: اكتمي عليَّ، وهي علَيَّ حرام" ، فنزلت هذه الآية.
ومنهم من يذكر: أن ذلك اليوم كان يوم عائشة - ا - فاطلعت حفصة على رسول الله وجاريته مارية، فأمرها رسول الله أن تكتم عليه، فأخبرت حفصةُ بما رأت عائشةَ - ا - فغضبت عائشة، فلم تزل بنبي الله حتى حرمها، [فأنزل الله ] هذه الآية.
وقال عكرمة: نزلت الآية في امرأة يقال لها: أم شريك وهبت نفسها للنبي ؛ فلم يقبلها النبي - - طلبا مرضاة أزواجه؛ فنزلت الآية، والله أعلم.
ومنهم من قال: إن الذي حرمه النبي كان عسلا، كان رسول الله - - شربه عند بعض نسائه، فقالت امرأة من نسائه لصاحبتها: إذا جاءك النبي فقولي له: ما ريح المغافير فيك؟
فقالت للنبي؛ فحرمه النبي - - فنزلت هذه الآية.
وليس لنا إلى تعرف السبب الذي وقع التحريم به، ولا إلى تعيين الشيء الذي حرمه النبي - - حاجة، ولكنا نعلم أن الأمر الذي كان فهو جرى بينه وبين زوجاته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
أي: غفور لما تقدم من ذنبك وما تأخر لو كان.
أو يكون رحيما؛ حيث لم يعاقبك بما اجترأت من الإقدام على اليمين؛ لا بإذن سبق من الله لك فيه.
أو غفور رحيم عليك وعلى زوجتيك إن تابتا ولم تعودا إلى صنيعهما.
أو غفور رحيم بما خفف عليك من مؤنة العشرة، ولم يحمل عليك ما حملت على نفسك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ .
فمنهم من يحمل هذا على ابتداء الخطاب، ويصرف المراد إلى غير رسول الله ؛ لأن رسول الله [قد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر]؛ بحكم وعد الله - - فلم يكن يحتاج إلى التكفير؛ لإزالة المأثم.
ولكن نحن نقول: إن رسول الله وإن كان هذا محله، فهو وأمته في أحكام الشرائع مأخوذون، ويكون على هذا مغفرة زلاته: ما تقدم وما تأخر بمباشرة أسبابها من التوبة والكفارة، ونحو ذلك؛ فيكون قوله : ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ منصرفا إلى النبي - - وأمته.
ثم يجوز أن يكون رسول الله قصد إلى التحريم أعني: منع نفسه عن الانتفاع بها مع اعتقاد الحل لا إلى اليمين؛ فجعل الله ذلك منه يمينا؛ فيكون فيه دلالة على أن التحريم يمين؛ ولهذا قال أصحابنا - رحمهم الله -: إن من قال لامرأته: "أنت عليَّ حرام"، ولا نية له، فهو يمين.
وجائز أن يكون أفصح بالحلف؛ فكنى عنه باليمين.
ثم قوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ على قراءة العامة، وفي بعض القراءات: ﴿ قد فرض الله لكم كفارة أيمانكم ﴾ .
ووجه الفرض فيه: أن الأمم من قبل، لم تكن يؤذن لهم بالحنث في اليمين، ولا أن يحلوا منها بالكفارة، ألا ترى إلى قوله : ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ ﴾ ، فلم يأذن له بالحنث وأباح له الضرب، ثم أباح لهذه الأمة حل اليمين بالحنث والكفارة، فنسب الحل إلى الكفارة، ومرة إلى انحلالها بنفسها من جهة الحنث.
ثم قوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي: وسع عليكم، وأحل لكم تحلة اليمين؛ ففي هذا أن كل ما ذكر فيه (كتب لكم)، أو: (فرض لكم)، فهو في موضع الإباحة والتوسيع، وما ذكر فيه ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ فهو على الإيجاب والإلزام؛ قال الله : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ ﴾ ، وقال: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ ﴾ ، وذلك كله في موضع الوجوب، وقال الله : ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ معناه: أباح لكم الدخول فيها.
وقوله : ﴿ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ ﴾ .
أي: أولى بكم فيما امتحنكم من الكفارة وغيرها.
أو ﴿ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: أولى بكم في نصركم والدفع عنكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
أي: ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بمصالحكم أو مقاصدكم، أو بما تسرون وما تعلنون، أو بما كان ويكون، ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : وهو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، أو حكيم بما حكم عليكم من تحلة الأيمان، والله أعلم.
ثم في قوله: ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ إلزام المراقبة والمحافظة، ودعاء [إلى التبصر] والتيقظ في كل ما يتعاطاه المرء من الأفعال، ويأتي به من الأقوال.
وفي قوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ دعاء إلى التسليم بحكم الله ؛ إذ الحكيم لا يحكم على أحد إلا بما فيه حكمة وفائدة؛ فلزمه تسليم النفس لحكمه على وجه الحكمة فيه أو جهله.
ثم الأصل بعد هذا: أن رسول الله أبيح له نكاح التسع، وأمر بأن يحسن صحبتهن ويبتغي مرضاتهن، والمرء يعسر عليه صحبة الأربع بحسن العشرة، ويتعذر عليه القسم والقيام بمرضاتهن جميعاً، فكيف إذا امتحن بصحبة التسع؟!
فكانت المحنة على رسول الله في أمر النساء أعسر منه على غيره، وأمر مع هذا أيضاً بمعاملة الخلق مع اختلاف هممهم وأطوارهم بأحسن المعاملة، ولكن الله لما امتحنه بما ذكرنا آتاه من الأخلاق الحميدة والشمائل المرضية ما خف بها عليه هذه المحنة، وسهل عليه المعاملة مع الجملة، وآتاه من القوة ما ملك بها حفظ حقوقهن وإرضاء جملتهن، حتى بلغ في حسن العشرة وابتغاء المرضاة ما عوتب عليه، وبلغ من جهده في الإسلام إلى أن قيل: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ ، وبلغ في الشفقة والرحمة على الأمة إلى أن قيل له: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ، وقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ، وكان من عظيم خلقه ما جاوز خلقه قوة نفسه، فكادت نفسه تهلك فيه.
ثم في قيامه - - بما يوفي حقوق التسع ويرضيهن دلالةُ نبوته ورسالته؛ لأن الناس إنما يقوون على الجماع بما يصيبون من فضل الأطعمة والأغذية، ثم هو مع أصابتهم فضول الأطعمة والأشياء اللذيذة يفْتُرون عن إيفاء [حقوق الأربع]، وقد كان رسول الله آثر الزهدَ في الدنيا، وقلت رغبته في مطاعمها ومشاربها، وكان مع ذلك يفي بحقوقهن، فعلم بهذا أنه إنما وصل إلى ما ذكرنا بما قواه الله - - عليه وأقدره، لا بالحيل والأسباب، ثم أزواج رسول الله امتُحِنَّ بالقيام بوفاء حق رسول الله ، وأن ينظرن إليه بعين التبجيل والتعظيم، فكانت المحنة عليهن أشد من المحنة على غيرهن من النساء مع أزواجهن؛ لأن المرأة قلما تسلم عن رفع أصواتها على صوت زوجها، إذا لم يكن له امرأة سواها، فكيف إذا كانت معها أخرى، ثم هن لو رفعن أصواتهن على صوت رسول الله أوجب ذلك إحباط عملهن؛ على ما قال : ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ ؛ فلا يجوز أن يمتحن بهذه الكلفة الشديدة والمحنة العظيمة إلا بما شرح الله صدورهن ويفسح قلوبهن؛ لاحتمال ذلك.
ثم المحنة علينا بعد هذا أشد من المحنتين اللتين ذكرناهما؛ لأنا امتحنا بمعرفة ما ضمنته هذه الآية والاعتقاد بذلك وهي قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ فالذي علينا من المحنة أن نصرف الأمر إلى وجه لا يلحق رسول الله به ثم بنقص؛ فيسلم من المؤاخذة؛ فجائز أن يصرف إلى ما ذكرنا من تخفيف الأمر على رسول الله فتكون الآية في موضع تخفيف الأمر عليه ليس في موضع النهي، وإن خرجت مخرج النهي في الظاهر.
وجائز أن يكون العتاب؛ لمكان مارية، إن كانت [قصة التحريم] من أجلها؛ لأن رسول الله لما أذن له بإمساك مارية، ولم يندب إلى تزويجها لتصل إلى قضاء شهوتها من قبل الأزواج، فإنما تتوصل إلى قضاء شهوتها برسول الله ، ثم هو بتحريمها على نفسه لم يمنع عنها الحق، إذ الأمة لا حظ لها في القسم؛ فيلحقه العتاب من هذه الجهة، ولكن لما كان لها فيه مطمع، وهو بالتحريم قطع طمعها، فقيل له: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ قضاء تلك الشهوة، أي: لم تمنع نفسك عن قضاء شهوة أباحها الله لها، فيكون في العتاب دعاء له إلى [أن يعمل] بأحد الوجهين: أحدهما: وهو أن يوصلها إلى ما طمعت منه لا أن يقطع طمعها عنه، وإن لم يكن لها فيما طمعت حق، والله أعلم.
والمحنة الثانية علينا: ألا ننسب إلى أزواج رسول الله ما تكره أنفسنا نسبة مثله إلى الأمهات؛ لأن لأزواجه علينا حق الأمهات، فإن أمكنا أن نخرج من أمرهن وجهاً يسلم عن تنقصهن فعلنا، وإلا أمسكنا عن ذكره؛ خشية التنقص، وترك التبجيل والتعظيم؛ ألا ترى إلى قول الله : ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ، وهكذا الواجب على كل مؤمن ألا يظن بأزواج رسول الله ورضي عنهن إلا خيراً، وألا ينظر إليهن إلا بعين التعظيم، وقال أيضاً: ﴿ سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ ، وإذا كان هذا حقهن علينا فلا يجب أن نذكر زلتهن كانت كيت وكيت؛ لما يتوهم أن يكون زلتهن دون الذي خطر على بالنا فنكون قد أعظمنا القول فيهن؛ فيصيبنا من ذلك عذاب عظيم؛ كما قال: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .
ولقائل أن يقول في قوله: ﴿ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ : من أي وجه صار بهتانا عظيما، ونساء رسول الله لم يكن معصومات، بل كان يتوهم منهن الصنع الذي رمين به؟!
فجوابه: أن أزواجه كن بالمحل الذي إذا ابتلين بزلة: سرّاً، أو جهراً أطلع الله ذلك نبيه - - ألا ترى أن إحداهن لما أفشت سر رسول الله إلى أخرى أطلع الله - - نبيه على ذلك، فإذا كان لا يستر عليهن هذا القدر من الزلة، فكيف يستر عليهن فعل الزنى منهن؟!
ولو وجد من التي رميت فعل الزنى، لكان يسبق الاطلاع من الله لرسوله - - قبل أن يجري به التحدث على ألسن الخلق، فإذا لم يسبق أوجب ذلك المعنى براءة ساحتها عما رميت به، وصار الرامي لها به قائلا بالبهتان والزور.
وفي هذه الآية دلالة جواز العمل بالاجتهاد لرسول الله لا بإذن سبق من الله ؛ إذ لو كان الإذن سابقاً، لما عوتب عليه؛ لما ذكرنا: أنه لم يعاتب لزلة ارتكبها حتى يكون فيه منع عن العمل بالاجتهاد، وإنما عوتب لمكان ما حمل على نفسه من فضل المؤنة في العشرة.
ثم الأصل: أن الإماء لا حظ لهن في القسم، ولسن لهن من الأيام ما يكون مثله للحرائر حتى كان يقسم لها فيؤدي فيه حقها، وقد أذن له في إمساكها وألا يزوجها؛ فلا يجوز ألا يؤمر بتزويجها، ثم هو لا يسكن شهوتها، ثم هو إنما يصل إلى قضاء وطرها وتسكين شهوتها في يوم ذلك اليومُ لزوجة من زوجاته، فجائز أن يكون الله أكرمه أن يسكن شهوتها ويأتيها من حيث لا يعلم أزواجه بذلك، ثم أطلع بعض نسائه على فعله ليعلمن أن المحنة عليهن بعد العلم وقبل العلم واحدة، وأن عليهن أن يعظمن رسول الله ، وألا يحملهن الغيرة على الاستقبال له بالمكروه والنظر إليه بالتنقص؛ إذ لم يكن عليهن فيما يأتي تلك الأمة في أيامهن تقصير في حقهن؛ إذ كان رسول الله أعطي من القوة في الجماع ما يطوف على جميع نسائه في ليلة واحدة.
وأما ما ذكر أن رسول الله كان كف نفسه عن شرب العسل، فذلك يحتمل أيضاً، ولكن ما ذكر من تحريم مارية أمكن؛ لأنه لا يحتمل أن يكون لرسول الله في شرب العسل من الرغبة ما يدخل على نسائه المكروه لأجله، وجائز أن يلحقهن في استمتاعه بأمته مكروه فيحملهن ذلك على ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ﴾ .
دل قوله: ﴿ فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ﴾ أنه قد طلب منها إسرار ذلك الحديث الذي أسر إليها، وليس بنا حاجة إلى تعرف الحديث الذي أسر إليها.
وفيه دلالة: أن رسول الله إنما علم بإفشائها سره إلى صاحبتها بالله ، وهو قوله: ﴿ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ﴾ .
فقوله: [ ﴿ عَرَّفَ ﴾ ] قرئ بالتخفيف والتشديد، فمن قرأه بالتشديد، فهو على أن رسول الله عرفها بعض ما أنبأت من القصة التي أسر إليها، ولم يعرفها البعض؛ لأنه لم يكن القصد من رسول الله أن يخبرها بذلك النبأ الذي [أسر به] إليها، وإنما كان المقصود منه تنبيهها بما أظهرت من السر، وأفشت إلى صاحبتها؛ لتنزجر إلى المعاودة إلى مثله، والبعض من ذلك يعلمها ما يعلم الكل، فلم يكن إلى إظهار الكل حاجة.
وذكر في بعض الأخبار أن رسول الله قال لها: "ألم أقل لك"؟!
وسكت عليه، وفي هذا آية لرسالته ومنعهن عن إسرار ما يحتشمن عن إبداء مثله لرسول الله فإنهن إن فعلن ذلك، أظهر الله - عز وجل - لنبيه ذلك؛ فيعلم ما يسرون.
ومن قرأه ﴿ عَرَفَ ﴾ بالتخفيف، فهو يحمله على الجزاء فيقول: ﴿ عَرَفَ بَعْضَهُ ﴾ أي: جزى عن بعض ما استوجبته بإفشاء السر، وأعرض عن بعض الجزاء؛ يقول الرجل لآخر: عرف حقي فعرفت له حقه، أو عرفت حقي فسأعرف حقك، أي: أقوم بجزاء ذلك، وذكر في الأخبار أن رسول الله طلق حفصة تطليقة، ثم نزل جبريل - - فقال له: راجعها؛ فإنها صوامة قوامة، وإنها لزوجتك في الجنة [؛ فجائز أن يكون] طلاقه إياها جزاء لبعض صنيعها.
ثم من الناس من يختار إحدى القراءتين على الأخرى، فيقرأ إحداهما ويرغب عن الأخرى، وذلك مما لا يحل؛ لأن الأمرين جميعاً قد وجدا، وهو الجزاء والتعريف، فجمع الله الأمرين جميعاً في آية واحدة، وفصل بين الأمرين بالإعراب؛ فليس لأحد أن يؤثر إحدى القراءتين على الأخرى؛ وهذا كقوله في قصة موسى - - ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُ ﴾ ، و ﴿ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقد علم موسى - - وعلم فرعون اللعين، فقد كان الأمران جميعاً، فجمع الله بين الأمرين جميعاً في آية واحدة؛ فلا يحل لأحد أن يقرأ بأحد الوجهين ويمتنع عن [الوجه] الآخر؛ فكذلك هذا في قوله : ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ و ﴿ بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ ، فمن قرأه ﴿ باعِدْ بين أسفارنا ﴾ حمله على الدعاء، ومن قرأه ﴿ باعَدَ ﴾ حمله على الإخبار، وقد كان الأمران جميعاً: الدعاء والإخبار؛ فليس لأحد أن يؤثر أحدهما على الآخر، فعلى ذلك الحكم في قوله: [ ﴿ عَرَفَ بعضه ﴾ و ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ ﴾ ]، والله أعلم.
وقد وصفنا تأويل قوله: ﴿ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ فيهما ما يدعو الإنسان إلى المراقبة والتيقظ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ .
في هذه الآية دلالة أن الحديث الذي أفشي كان بين زوجتين؛ لأن قوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ يدل على ذلك، فإنه كان أسر النبي - - عند إحداهما، ومنعها أن تفشي إلى الأخرى فأفشت، لكنا لا نعلم أن ذلك الحديث كان ماذا؟
لكنه كان منهما ما يجوز أن تعاتبا به وتدعيا إلى التوبة؛ لقوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، [وإن خفي ذلك علينا]، ثم إذا عرفنا أن الله - - جعل عقوبتهن وتأديبهن أشد من العقوبة على غيرهن بقوله: ﴿ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ ، فيجوز أن يندبن إلى التوبة بأدنى زلة حقها التجاوز عن غيرهن.
ثم قوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ فجائز أن يكون قوله: ﴿ إِن ﴾ زيادة في الكلام، وحقه الحذف، فيكون معناه: توبا إلى الله؛ فقد صغت قلوبكما، ويوقف عليه ثم يبدأ بقوله: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ .
وجائز أن يكون حقه الإثبات، فلا يكون حرف ﴿ إِن ﴾ زيادة، ويكون معناه: إن تتوبا إلى الله، وإلا فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين فيكون الجزاء فيه مضمراً.
وجائز أن يكون جزاء صنيعهن أن يطلقهن، فكأنه قال: إن تتوبا إلى الله وإلا طلقكن، فيكون في هذا أنه حبب رسول الله إليهن حتى اشتد عليهن الطلاق، وخرج الطلاق مخرج العقوبة لهن على صنيعهن، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ .
أي: مالت عن الحق الذي لرسول الله عليكما، وحق الرسول - - حق عظيم يرد فيه العتاب بأدنى تقصير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ .
هذا في الظاهر معاتبة؛ فينبغي أن يذكر على المخاطبة، فيقال: وإن تظاهرتما عليه، كما قال : ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، قيل: جائز أن يكون معنى قوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ تامّاً ورجعت على إرادة المعاتبة، وإن كان اللفظ لفظ المخاطبة، ولكن الصحيح: أن قوله: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا ﴾ على المخاطبة، معناه: وإن تتظاهرا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ ﴾ .
حق هذا أن يقف عليه ثم يقول: ﴿ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ ؛ حتى لا يتوهم أن غير الله مولاه، ثم ذكر هذا إبلاغ في التهويل، وإلا فالواحد من هؤلاء المذكورين يكفي لأزواج رسول الله ، وكذلك في ذكر عقوبتهن إذا وجد منهن الخلاف [في قوله]: ﴿ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ .
والأصل: أن المبالغة في [التأديب مما يعين المؤدب على حفظ الحدود، وكذلك المجاوزة في] حد العقوبة معونة له في تأديب النفس؛ حتى يملك حفظ نفسه عما تدعو إليه نفسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
قيل: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ : أبو بكر وعمر - ما - وذكر أن رسول الله لما طلق حفصة دخل عليها عمر - - فقال: "لو علم الله - - في آل عمر خيرا ما طلقك رسول الله"، فنزل جبريل - - على رسول الله يأمره بمراجعتها، وذكر أنها صوامة قوامة؛ فجائز أن تكون حفصة - ا - تصوم النهار وتقوم الليل في غير نوبتها؛ فلا يعلم بذلك رسول الله فأطلعه جبريل - - على ذلك.
وروي عن أبي أمامة الباهلي - - أن رسول الله قال: " ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أبو بكر وعمر" ، ما.
وقيل: هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
وذكر عن الحسن أنه قال: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ من لم يسر نفاقا ولا أظهر فسقا، ثم خص من المؤمنين الصالحين منهم، ولم يعم جملة المؤمنين، فهذا - والله أعلم - لأنه لو ذكر المؤمنين على الإجمال لدخل فيه الزوجان اللتان تظاهرتا؛ لأن إصغاء القلب لا يخرجهما عن أن تكونا من جملة المؤمنين؛ ولأنه ذكر هذا في موضع المعونة في أمر الدين، وصالح المؤمنين هم الذين يقومون بالمعونات في أمر الدين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ ﴾ .
وعلى قول المعتزلة: لا يملك أن يبدل خيرا منهن؛ إذ لا يقدر على أن يجعل في أحد خيرا على قولهم، ولا يملك أن يبدله أزواجا؛ لأنه لا يقدر - على زعمهم - على أن يجعل أحدا من النسوان زوجة لأحد من الرجال، وإنما المشيئة والاختيار إلى المتزوج والمتزوجة، والفعل منهما.
وعلى قولنا: يملك أن يجعل الخير لمن شاء فيما شاء، وله أن يجعل من النسوان زوجة لمن شاء من الرجال، فهذه الآية تشهد بالصدق؛ لمقالتنا، وترد على المعتزلة قولهم؛ لأنه جعل الإبدال إلى نفسه؛ بقوله: ﴿ يُبْدِلَهُ ﴾ ، وعلى قولهم لا يملك أن يفي بما وعد، ثم في هذه الآية إباحة الإبدال وإباحة الطلاق لرسول الله ، وفي قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ﴾ حظر الإبدال؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ مقدما، وقوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ ﴾ متأخراً؛ فيصير ما تقدم منسوخا بهذه الآية، والذي يدل على صحة هذا ما روي عن عائشة - ا - أنها قالت: "ما خرج رسول الله من الدنيا حتى أحلت له النساء"، فثبت أن الحظر كان متقدما ثم وردت الإباحة من بعد، فتحمل الآيتان على التناسخ؛ ليرتفع التناقض من بينهما.
وجائز أن يكون حظر عليه الإبدال إذا قصد بالطلاق قصد الإبدال بما أعجبه من الحسن؛ كما قال: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ...
﴾ الآية [الأحزاب: 52]، فإذا كان قصده من الطلاق الإبدال، كان ذلك محظورا عليه، وإذا لم يقصد بالطلاق قصد الإبدال، ولكن يقصد به قصد المجازاة للخلاف الذي ظهر، أبيح له ذلك، [ثم الله يبدله خيرا من المطلقة وهو ليس يقصد] بالطلاق في قوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ ﴾ قصد الإبدال، وإذا كان كذلك، سلمت الآيتان عن التناقض.
وذكر عن أُبي بن كعب - رضي الله عنه - أنه سئل: أكان يحل لرسول الله إبدال امرأة بامرأة؟
فقال: بلى، فسئل عن قوله : ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ﴾ فقال: هذا منصرف إلى من هن من وراء المسميات؛ وهو كقوله : ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﴾ ، فذكر بنات العم وبنات الخال والأجنبيات، وحظر عليه من سواهن من المحارم [، فيكون فيه إبانة] أن رسول الله قد كان حظر عليه تزوج محارمه من ذوي الرحم كما حظر على غيره؛ إذ هو موضع الإشكال: أنه لما حل له زيادة على الأربع، يحل له ذوات الأرحام من المحارم، فزال الإشكال به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَيْراً مِّنكُنَّ ﴾ .
فجائز أن يكون خيرا منهن للرسول - - لا أن يكن خيرا في أنفسهن؛ لأنه قال: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ ﴾ ، وقد كان أزواجه على هذا الوجه: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ ﴾ ؛ ألا ترى إلى ما ذكر أن جبريل - - قال لرسول الله : راجع حفصة؛ فإنها صوامة قوامة، والذي يدل على هذا أيضاً في آخر هذه الآية: ﴿ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ﴾ وقد وجدت هاتان الصفتان في أزواجه؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا.
وجائز أن يكن خيرا منهن أيضاً في أنفسهن من حيث الجمال والنسب، ونحو ذلك.
أو يصرف ﴿ خَيْراً مِّنكُنَّ ﴾ لما يتركن الخلاف لرسول الله ، ولا يتظاهرن عليه، ويكن هؤلاء دونهن إذا التزمن الخلاف، ودُمْنَ على التظاهر، فأما إذا أمسكن عن الخلاف وتُبْنَ عما سبق من الخلاف فهن وغيرهن بمحل واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ ﴾ .
قد بينا أن كل مسلم مؤمن في التحصيل؛ لأن معنى [الإسلام والإيمان] واحد؛ إذ الإسلام: هو أن يجعل الأشياء كلها لله خالصة سالمة لا يشرك فيها غيره، والإيمان: التصديق، وهو أن يصدق أن الله رب كل شيء، وإذا صدقته أنه رب كل شيء فقد جعلت [الأشياء] كلها سالمة له، أو تصدق [كلاًّ فيما] يشهد لله في الربوبية [بجوهره]، فثبت أن كل واحد منهما يقتضي ما يقتضيه الآخر من المعنى، فإذا ذكر أحدهما بالإفراد، ففي ذكره ذكر الآخر، وإذا جمع في الذكر، صرف هذا إلى وجه، وهذا إلى وجه، وهذا كما ذكرنا في التقوى أنه يقتضي معنى الإحسان إذا ذكر مفردا؛ لأن التقوى هو أن يتقي من المهالك، والاتقاء عن المهالك يقع باكتساب المحاسن، وإذا ذكرا معا صرف التقوى إلى [الاتقاء من الكفر] والإحسان إلى فعل الخيرات، وروي عن النبي أنه قال: "لم يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه" ، وقال: "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده" ، فصرف هذا إلى وجه وهذا إلى وجه، وهما في التحصيل واحد؛ لأنهم إذا أمنوا بوائقه فقد سلموا من لسانه ويده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَانِتَاتٍ ﴾ .
قيل: مطيعات.
وقيل: القائمات بالليالي للصلاة، وهذا أشبه؛ لأنه ذكر السائحات بعد هذا، والسائحات الصائمات، وذكر الصيام بالنهار، فيكون تأويل القانتات راجعا إلى قيام الليل؛ ليكون فيه إحياء الليل والنهار بالعبادة؛ ولذلك قال جبريل - - في وصف حفصة - ا -: "إنها صوامة قوامة" أي: صوامة بالنهار وقوامة بالليل، وذكر عن رسول الله أنه سئل عن أفضل الأعمال، فقال: "طول القنوت"، وهو القيام بالليل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَائِبَاتٍ ﴾ .
هن اللائي لا يصررن على الذنب، بل يفزعن إلى الله بالتوبة والتضرع إذا ابتلين بالخطيئة.
قوله: ﴿ عَابِدَاتٍ ﴾ .
ذكر أبو بكر أن العابد لا يسمى: عابدا حتى يتطوع، فإن كان على هذا، ففيه أنهن يقمن بأداء الفرائض، ويتطوعن مع ذلك.
وعن ابن عباس - ما - أنه قال: "كل عبادة في القرآن فهي توحيد؛ فالعابدات: الموحدات"، والموحد هو الذي يصدق أن خالق الخلق كله واحد لا شريك له؛ فجائز أن يكون العابد موحدا؛ لأنه يعمل لله خالصا لا يشرك في عبادته أحدا؛ فيكون فيه معنى التوحيد ولكن من حيث الفعل؛ فيكون أحد التوحيدين بالقول والثاني بالمعاملة والفعل.
وقيل: العابد هو الذي يؤدي الفرائض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَائِحَاتٍ ﴾ .
هو الذي يسيح في الأرض بغير زاد، فسمي الصائم: سائحا؛ لما كف نفسه عن التناول من الزاد، فقوله: ﴿ سَائِحَاتٍ ﴾ أي: صائمات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ﴾ لم يرد بهذا أنه ينشيء نسوة أبكارا وثيبات، ولكن معناه: أنه يبدله من كن بهذا الوصف، ثم جمع بين الثيبات والأبكار؛ لأن الثيبات مما يقل رغبة الخلق فيهن، وينفر عنه الطبع، فجمع بينهما في موضع الامتنان على الرسول ؛ لئلا تصرف كل الرغبة إلى الأبكار، بل يتزوجوا الثيبات كما يتزوجون الأبكار، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
عسى ربه سبحانه إن طلّقكن نبيه أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ، منقادات لأمره، مؤمنات به وبرسوله، مطيعات لله، تائبات من ذنوبهن، عابدات لربهن، صائمات، ثَيِّبات، وأبكارًا لم يدخل بهنّ غيره، لكنه لم يطلقهن.
<div class="verse-tafsir" id="91.O28yX"