الآية ١٧ من سورة الجن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 72 الجن > الآية ١٧ من سورة الجن

لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِۦ يَسْلُكْهُ عَذَابًۭا صَعَدًۭا ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 123 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة الجن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة الجن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وعلى هذا يكون معنى قوله : ( لنفتنهم فيه ) أي : لنختبرهم ، كما قال مالك ، عن زيد بن أسلم : ( لنفتنهم ) لنبتليهم ، من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية ؟

.

ذكر من قال بهذا القول : قال العوفي ، عن ابن عباس : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) يعني بالاستقامة : الطاعة .

وقال مجاهد : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) قال : الإسلام .

وكذا قال سعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، والسدي ، ومحمد بن كعب القرظي .

وقال قتادة : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) يقول : لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا .

وقال مجاهد : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) أي : طريقة الحق .

وكذا قال الضحاك واستشهد على ذلك بالآيتين اللتين ذكرناهما ، وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله : ( لنفتنهم فيه ) أي لنبتليهم به .

وقال مقاتل : فنزلت في كفار قريش حين منعوا المطر سبع سنين .

والقول الثاني : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) الضلالة ( لأسقيناهم ماء غدقا ) أي : لأوسعنا عليهم الرزق استدراجا ، كما قال : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) [ الأنعام : 44 ] وكقوله : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) [ المؤمنون : 55 ، 56 ] وهذا قول أبي مجلز لاحق بن حميد ; فإنه في قوله : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) أي : طريقة الضلالة .

رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وحكاه البغوي ، عن الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان .

وله اتجاه ، ويتأيد بقوله : ( لنفتنهم فيه ) وقوله : ( ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ) أي : عذابا شاقا شديدا موجعا مؤلما .

قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن زيد : ( عذابا صعدا ) أي : مشقة لا راحة معها .

وعن ابن عباس : جبل في جهنم .

وعن سعيد بن جبير : بئر فيها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) قال: لنبتليهم به.

قال ثنا مهران، عن أبي سنان، عن غير واحد، عن مجاهد (مَاءً غَدَقًا) قال الماء.

والغدق: الكثير ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) حتى يرجعوا إلى علمي فيهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قوله: (لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) قال: لأعطيناهم مالا كثيرا، قوله: ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) قال: لنبتليهم.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن بعض أصحابه، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جُبير في قوله: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) قال: الدين (لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) قال: مالا كثيرا( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) يقول: لنبتليهم به.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) قال: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا.

قال الله: ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) يقول: لنبتليهم بها.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) قال: لو اتقوا لوسع عليهم في الرزق ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) قال: لنبتليهم فيه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس (مَاءً غَدَقًا) قال: عيشا رَغدًا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) قال: الغدق الكثير: مال كثير ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) لنختبرهم فيه.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا المطلب بن زياد، عن التيمي، قال، قال عمر رضي الله عنه في قوله: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) قال: أينما كان الماء كان المال وأينما كان المال كانت الفتنة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأن لو استقاموا على الضلالة لأعطيناهم سعة من الرزق لنستدرجهم بها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: وأن لو استقاموا على طريقة الضلالة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأن لو استقاموا على طريقة الحق وآمنوا لوسعنا عليهم.

* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) قال: هذا مثل ضربه الله كقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ والماء الغدق يعني: الماء الكثير ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) لنبتليهم فيه.

وقوله: ( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ) يقول عزّ وجلّ: ومن يُعرض عن ذكَّر ربه الذي ذكره به، وهو هذا القرآن؛ ومعناه: ومن يعرض عن استماع القرآن واستعماله، يسلكه الله عذابا صعدا: يقول: يسلكه الله عذابا شديدا شاقا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ) يقول: مشقة من العذاب يصعد فيها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( عَذَابًا صَعَدًا ) قال: مشقة من العذاب.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرِمة، عن ابن عباس ( عَذَابًا صَعَدًا ) قال: جبل في جهنم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ) عذابا لا راحة فيه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( عَذَابًا صَعَدًا ) قال: صَعودا من عذاب الله لا راحة فيه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ( يَسْلُكْهُ عَذَابًا ) قال: الصعد: العذاب المنصب.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( يَسْلُكْهُ ) فقرأه بعض قرّاء مكة والبصرة ( نَسْلُكْهُ ) بالنون اعتبارا بقوله: ( لِنَفْتِنَهُمْ ) أنها بالنون.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بالياء، بمعنى: يسلكه الله، ردّا على الربّ في قوله: ( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ ).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لنفتنهم فيه أي لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم .

وقال عمر في هذه الآية : أينما كان الماء كان المال ، وأينما كان المال كانت الفتنة .فمعنى لأسقيناهم لوسعنا عليهم في الدنيا ; وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلا ; لأن الخير والرزق كله بالمطر يكون ، فأقيم مقامه ; كقوله تعالى : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض وقوله تعالى : ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم [ ص: 18 ] أي بالمطر .

والله أعلم .وقال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والضحاك وقتادة ومقاتل وعطية وعبيد بن عمير والحسن : كان والله أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - سامعين مطيعين ، ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر والمقوقس والنجاشي ، ففتنوا بها ، فوثبوا على إمامهم فقتلوه .

يعني عثمان بن عفان .وقال الكلبي وغيره : وأن لو استقاموا على الطريقة التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفارا لوسعنا أرزاقهم مكرا بهم واستدراجا لهم ، حتى يفتتنوا بها ، فنعذبهم بها في الدنيا والآخرة .

وهذا قول قاله الربيع بن أنس وزيد بن أسلم وابنه والكلبي والثمالي ويمان بن رباب وابن كيسان وأبو مجلز ، واستدلوا بقوله تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء الآية .

وقوله تعالى : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة الآية ; والأول أشبه ; لأن الطريقة معرفة بالألف واللام ، فالأوجب أن تكون طريقته طريقة الهدى ; ولأن الاستقامة لا تكون إلا مع الهدى .وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا .

قالوا : وما زهرة الدنيا ؟

قال : بركات الأرض وذكر الحديث .

وقال - عليه السلام - : فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، وإنما أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم .قوله تعالى : ومن يعرض عن ذكر ربه يعني القرآن ; قاله ابن زيد .

وفي إعراضه عنه وجهان : أحدهما : عن القبول ، إن قيل إنها في أهل الكفر .

الثاني : عن العمل ، إن قيل إنها في المؤمنين .وقيل : ومن يعرض عن ذكر ربه أي لم يشكر نعمه يسلكه عذابا صعدا قرأ [ ص: 19 ] الكوفيون وعياش عن أبي عمرو يسلكه بالياء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ; لذكر اسم الله أولا فقال : ومن يعرض عن ذكر ربه .

الباقون نسلكه بالنون .

وروي عن مسلم بن جندب ضم النون وكسر اللام .

وكذلك قرأ طلحة والأعرج وهما لغتان ، سلكه وأسلكه بمعنى ; أي ندخله .

عذابا صعدا أي شاقا شديدا .قال ابن عباس : هو جبل ، في جهنم .

[ الخدري : ] كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت .وعن ابن عباس أن المعنى مشقة من العذاب .

وذلك معلوم في اللغة أن الصعد : المشقة ، تقول : تصعدني الأمر : إذا شق عليك ; ومنه قول عمر : ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح ، أي ما شق علي .

وعذاب صعد أي شديد .

والصعد : مصدر صعد ; يقال : صعد صعدا وصعودا ، فوصف به العذاب ; لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه .وقال أبو عبيدة : الصعد مصدر ; أي عذابا ذا صعد ، والمشي في الصعود يشق .

والصعود : العقبة الكئود .

وقال عكرمة : هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها ; فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم .وقال الكلبي : يكلف الوليد بن المغيرة أن يصعد جبلا في النار من صخرة ملساء ، يجذب من أمامه بسلاسل ، ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها ، ولا يبلغ في أربعين سنة .

فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ، ثم يكلف أيضا صعودها ، فذلك دأبه أبدا ، وهو قوله تعالى : سأرهقه صعودا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } أي: لنختبرهم فيه ونمتحنهم ليظهر الصادق من الكاذب.{ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا } أي: من أعرض عن ذكر الله، الذي هو كتابه، فلم يتبعه وينقد له، بل غفل عنه ولهى، يسلكه عذابا صعدا أي: شديدا بليغا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وقوله تعالى : ( لنفتنهم فيه ) أي : لنختبرهم كيف شكرهم فيما خولوا .

وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والضحاك وقتادة ومقاتل والحسن .

وقال آخرون : معناها وأن لو استقاموا على طريقة الكفر والضلالة لأعطيناهم مالا كثيرا ولوسعنا عليهم لنفتنهم فيه ، عقوبة لهم واستدراجا حتى يفتتنوا بها فنعذبهم ، وهذا قول الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان ، كما قال الله : " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء " الآية ( الأنعام - 44 ) .

( ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه ) قرأ أهل الكوفة ويعقوب : " يسلكه " بالياء وقرأ الآخرون بالنون ، أي : ندخله ( عذابا صعدا ) قال ابن عباس : شاقا والمعنى ذا صعد أي : ذا مشقة .

قال قتادة : لا راحة فيه .

وقال مقاتل : لا فرح فيه .

قال الحسن : لا يزداد إلا شدة .

والأصل فيه أن الصعود يشق على [ الناس ] .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لنفتنهم» لنختبرهم «فيه» فنعلم كيف شكرهم علم ظهور «ومن يعرض عن ذكر ربه» القرآن «نسلكه» بالنون والياء ندخله «عذابا صعدا» شاقا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأنه لو سار الكفار من الإنس والجن على طريقة الإسلام، ولم يحيدوا عنها لأنزلنا عليهم ماءً كثيرًا، ولوسَّعنا عليهم الرزق في الدنيا؛ لنختبرهم: كيف يشكرون نعم الله عليهم؟

ومن يُعرض عن طاعة ربه واستماع القرآن وتدبره، والعمل به يدخله عذابًا شديدًا شاقًّا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الحكمة فى هذا العطاء لعباده فقال : ( لِّنَفْتِنَهُمْ ) وأصل الفتن الامتحان والاختبار .

تقول : فتنت الذهب بالنار ، أى : اختبرته لتعرف مقدار جودته .والمعنى : نعطيهم ما نعطيهم من خيراتنا ، لنختبرهم ونمتحنهم ، ليظهر للخلائق موقفهم من هذه النعم ، أيشكروننا عليها فنزيدهم منها ، أم يجحدون ويبطرون فنمحقها من بين أيديهم .

.

؟والجملة الكريمة معترضة بين ما قبلها ، وبين قوله - تعالى - بعد ذلك : ( وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ) .وقوله : ( يَسْلُكْهُ ) من السلك بمعنى إدخال الشئ فى الشئ ومنه قوله - تعالى - : ( كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ) والصَّعَد : الشاق .

يقال : فلان فى صَعَد من أمره ، أى : فى مشقة وتعب ، وهو مصدر صَعِد - كفرح - صعداً وصعودا .أى : ومن يعرض عن طاعة ربه ومراقبته وخشيته .

.

يدخله - سبحانه - فى عذاب شاق أليم ، لا مفر منه ، ولا مهرب له عنه .ومن الحقائق والحكم التى نأخذها من هاتين الآيتين ، أن الاستقامة على أمر الله ، تؤدى إلى السعادة التى ليس بعده سعادة ، وأن رخاء العيش وشظافته هما لون من ألوان الابتلاء والاختبار ، كما قال - تعالى - : ( وَنَبْلُوكُم بالشر والخير ) وأن الإِعراض عن ذكر الله .

.

عاقبته الخسران المبين ، والعذاب الأليم .قال القرطبى ما ملخصه : قوله : ( لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) أى لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم .وقال عمر بن الخطاب فى هذه الآية : أنيما كان الماء كان المال ، وأينما كان المال كانت الفتنة فمعنى ( لأَسْقَيْنَاهُم ) لوسعنا عليهم فى الدنيا ، وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلا ، لأن الخير والرزق كله ، بالمطر يكون ، فأقيم مقامه .وفى صحيح مسلم ، عن أبى سعيد الخدرى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أخوف ما أخاف عليكم ، ما يخرج لكم من زهرة الدنيا ، قالوا : وما زهرة الدنيا؟

قال : بركات الأرض .

.

" .وقال صلى الله عليه وسلم : " والله ما الفقر أخشى عليكم ، وإنما أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم ، فتنافسوها ، كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

هذا من جملة الموحى إليه والتقدير: قل أوحي إلي أنه استمع نفر وأن لو استقاموا فيكون هذا هو النوع الثاني مما أوحي إليه، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: (أن) مخففة من الثقيلة والمعنى: وأوحي إليَّ أن الشأن والحديث لو استقاموا لكان كذا وكذا.

قال الواحدي: وفصل لو بينها وبين الفعل كفصل ولا السين في قوله: ﴿ أَن لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً  ﴾ و ﴿ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ  ﴾ .

المسألة الثانية: الضمير في قوله: ﴿ استقاموا ﴾ إلى من يرجع؟

فيه قولان: قال بعضهم: إلى الجن الذين تقدم ذكرهم ووصفهم، أي هؤلاء القاسطون لو آمنا لفعلنا بهم كذا وكذا.

وقال آخرون: بل المراد الإنس، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أن الترغيب بالانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بالإنس لا بالجن والثاني: أن هذه الآية إنما نزلت بعدما حبس الله المطر عن أهل مكة سنين، أقصى ما في الباب أنه لم يتقدم ذكر الإنس، ولكنه لما كان ذلك معلوماً جرى مجرى قوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر  ﴾ وقال القاضي: الأقرب أن الكل يدخلون فيه.

وأقول: يمكن أن يحتج لصحة قول القاضي بأنه تعالى لما أثبت حكماً معللاً بعلة وهو الاستقامة، وجب أن يعم الحكم بعموم العلة.

المسألة الثالثة: الغدق بفتح الدال وكسرها: الماء الكثير، وقرئ بهما يقال: غدقت العين بالكسر فهي غدقة، وروضة مغدقة أي كثيرة الماء، ومطر مغدوق وغيداق وغيدق إذا كان كثير الماء، وفي المراد بالماء الغدق في هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الغيث والمطر، والثاني: وهو قول أبي مسلم: أنه إشارة إلى الجنة كما قال: ﴿ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار  ﴾ .

وثالثها: أنه المنافع والخيرات جعل الماء كناية عنها، لأن الماء أصل الخيرات كلها في الدنيا.

المسألة الرابعة: إن قلنا: الضمير في قوله: ﴿ استقاموا ﴾ راجع إلى الجن كان في الآية قولان: أحدهما: لو استقام الجن على الطريقة المثلى أي لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب ءامَنُواْ واتقوا  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لأَكَلُواْ  ﴾ وقوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمْرِهِۦ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا  ﴾ وقوله: ﴿ فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ  ﴾ وإنما ذكر الماء كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع، فإن اللائق بالجن هو هذا الماء المشروب والثاني: أن يكون المعنى وأن لو استقام الجن الذين سمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الاستماع ولم ينتقلوا عنها إلى الإسلام لوسعنا عليهم الرزق، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ  ﴾ واختار الزجاج الوجه الأول قال: لأنه تعالى ذكر الطريقة معرفة بالألف واللام فتكون راجعة إلى الطريقة المعروفة المشهورة وهي طريقة الهدى والذاهبون إلى التأويل الثاني استدلوا عليه بقوله بعد هذه الآية ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ فهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً  ﴾ ويمكن الجواب عنه أن من آمن فأنعم الله عليه كان ذلك الإنعام أيضاً ابتلاء واختباراً حتى يظهر أنه هل يشتغل بالشكر أم لا، وهل ينفقه في طلب مراضي الله أو في مراضي الشهوة والشيطان، وأما الذين قالوا: الضمير عائد إلى الإنس، فالوجهان عائدان فيه بعينه وهاهنا يكون إجراء قوله: ﴿ لأسقيناهم مَّاء غَدَقاً ﴾ على ظاهره أولى لأن انتفاع الإنس بذلك أتم وأكمل.

المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بقوله: ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ ﴾ على أنه تعالى يضل عباده، والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هي الاختبار كما يقال: فتنت الذهب بالنار لاخلق الضلال، واستدلت المعتزلة باللام في قوله: ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ ﴾ على أنه تعالى إنما يفعل لغرض، وأصحابنا أجابوا أن الفتنة بالاتفاق ليست مقصودة فدلت هذه الآية على أن اللام ليست للغرض في حق الله.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ ﴾ أي عن عبادته أو عن موعظته، أو عن وحيه.

يسلكه، وقرئ بالنون مفتوحة ومضمومة أي ندخله عذاباً، والأصل نسلكه في عذاب كقوله: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ  ﴾ إلا أن هذه العبارة أيضاً مستقيمة لوجهين: الأول: أن يكون التقدير نسلكه في عذاب، ثم حذف الجار وأوصل الفعل، كقوله: ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ  ﴾ والثاني: أن يكون معنى نسلكه أي ندخله، يقال: سلكه وأسلكه، والصعد مصدر صعد، يقال: صعد صعداً وصعوداً، فوصف به العذاب لأنه (يصعد فوق طاقة) المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه، ومنه قول عمر: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح، يريد ما شق علي ولا غلبني، وفيه قول آخر وهو ما روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن صعداً جبل في جهنم، وهو صخرة ملساء، فيكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، فإذا بلغ أعلاها جذب إلى أسفلها، ثم يكلف الصعود مرة أخرى، فهذا دأبه أبداً، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً  ﴾ .

النوع الثالث: من جملة الموحى قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَأَلَّوِ استقاموا ﴾ أن مخففة من الثقيلة، وهو من جملة الموحى والمعنى: وأوحي إليّ أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريقة المثلى، أي: لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله والطاعة ولم يستكبر عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام، لأنعمنا عليهم ولوسعنا رزقهم.

وذكر الماء الغدق وهو الكثير بفتح الدال وكسرها.

وقرئ بهما، لأنه أصل المعاش وسعة الرزق ﴿ لنفتنهم فِيهِ ﴾ لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خوّلوا منه.

ويجوز أن يكون معناه: وأن لو استقام الجن الذين استمعوا على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الاستماع ولم ينتقلوا عنها إلى الإسلام لوسعنا عليهم الرزق مستدرجين لهم، لنفتنهم فيه: لتكون النعمة سبباً في اتباعهم شهواتهم، ووقوعهم في الفتنة، وازديادهم إثماً؛ أو لنعذبهم في كفران النعمة ﴿ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾ عن عبادته أو عن موعظته أو عن وحيه ﴿ يَسْلُكْهُ ﴾ وقرئ بالنون مضمومة ومفتوحة، أي: ندخله ﴿ عَذَاباً ﴾ والأصل: نسلكه في عذاب، كقوله: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴾ [المدثر: 42] فعدّى إلى مفعولين: إمّا بحذف الجار وإيصال الفعل، كقوله: ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ [الأعراف: 155] وإمّا بتضمينه معنى (ندخله) يقال: سلكه وأسلكه قال: حَتَّى إذَا أسْلَكُوهُمْ في قتَائِدَةٍ والصعد: مصدر صعد، يقال: صعد صعداً وصعوداً، فوصف به العذاب، لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه.

ومنه قول عمر رضي اللَّه عنه: ما تصعدَني شيء ما تصعَّدَتني خطبة النكاح، يريد: ما شق على ولا غلبني.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا ﴾ أيْ أنَّ الشَّأْنَ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ أوِ الإنْسُ أوْ كِلاهُما.

﴿ عَلى الطَّرِيقَةِ ﴾ أيْ عَلى الطَّرِيقَةِ المُثْلى.

﴿ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا ﴾ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، وتَخْصِيصُ الماءِ الغَدَقِ وهو الكَثِيرُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ والسَّعَةِ ولِعِزَّةِ وجُودِهِ بَيْنَ العَرَبِ.

﴿ لِنَفْتِنَهم فِيهِ ﴾ لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنْ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى طَرِيقَتِهِمُ القَدِيمَةِ ولَمْ يُسَلِّمُوا بِاسْتِماعِ القُرْآنِ لِوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ مُسْتَدْرِجِينَ لَهم لِنُوقِعَهم في الفِتْنَةِ ونُعَذِّبَهم في كُفْرانِهِمْ.

﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾ عَنْ عِبادَتِهِ أوْ مَوْعِظَتِهِ أوْ وحْيِهِ.

﴿ يَسْلُكْهُ ﴾ يُدْخِلْهُ وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ بِالنُّونِ.

﴿ عَذابًا صَعَدًا ﴾ شاقًّا يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ} القرآن أو التوحيد أو العبادة {يسلكه} بالباء عراقي غير أبي بكر يدخله {عَذَاباً صَعَداً} شاقاً مصدر صعد يقال صعد صعداً وصعوداً فوصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه ما تصعدني شيء ما تصعدني خطبة النكاح أي ما شق عليّ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِنَفْتِنَهم فِيهِ ﴾ أيْ لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَهُ أيْ لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ وقِيلَ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى الطَّرِيقَةِ المُثْلى أيْ لَوْ ثَبَتَ أبُوهُمُ الجانُّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يَتَكَبَّرْ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ ولَمْ يَكْفُرْ وتَبِعَهُ ولَدُهُ عَلى الإسْلامِ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ ووَسَّعْنا رِزْقَهم لِنَخْتَبِرَهم ويَجُوزُ عَلى هَذا رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى (القاسِطِينَ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ واعْتِبارُ المُثْلى قِيلَ لِأنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودُ طَرِيقَةُ الجِنِّ المُفَضَّلَةُ عَلى غَيْرِها وقِيلَ لِأنَّ جَعْلَها طَرِيقَةً وما عَداها لَيْسَ بِطَرِيقَةٍ يُفْهَمُ مِنهُ كَوْنُهُ مُفَضَّلَةً.

وقِيلَ المَعْنى أنَّهُ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى طَرِيقَتِهِمْ وهي الكُفْرُ ولَمْ يُسَلِّمُوا بِاسْتِماعِ القُرْآنِ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ اسْتِدْراجًا لِنُوقِعَهم في الفِتْنَةِ ونُعَذِّبَهم في كُفْرانِ النِّعْمَةِ ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ الضَّحاكِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وأبِي مِجْلَزٍ بَيْدَ أنَّهم أعادُوا الضَّمِيرَ عَلى مَن أسْلَمَ وقالُوا أيْ لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ ﴿ لأسْقَيْناهُمْ ﴾ إلَخِ وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ لِاسْتِعْمالِ الِاسْتِقامَةِ عَلى الطَّرِيقَةِ في الِاسْتِقامَةِ عَلى الكُفْرِ وكَوْنُ النِّعْمَةِ المَذْكُورَةِ اسْتِدْراجًا مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا  ﴾ إلَخِ يُؤَيِّدُ الأوَّلَ.

وزَعَمَ الطِّيبِيُّ أنَّ التَّذْيِيلَ بِقَوْلِهِ ( عَزَّ وجَلَّ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ) إلَخِ يَنْصُرُ ما قِيلَ قالَ لِأنَّهُ تَوْكِيدٌ لِمَضْمُونِ السّابِقِ مِنَ الوَعِيدِ أيْ لِنَسْتَدْرِجَهم فَيَتَّبِعُوا الشَّهَواتِ الَّتِي هي مُوجِبَةٌ لِلْبَطَرِ والإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ نَظَرٌ والذِّكْرُ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ العِبادَةِ أوْ هو بِمَعْنى التَّذْكِيرِ مُضافٌ لِفاعِلِهِ ويُفَسَّرُ بِالمَوْعِظَةِ وقالَ بَعْضُهُمُ المُرادُ بِالذِّكْرِ الوَحْيُ أنَّ ﴿ ومَن يُعْرِضْ ﴾ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ تَعالى أوْ عَنْ مَوْعِظَتِهِ سُبْحانَهُ أوْ عَنْ وحْيِهِ ( عَزَّ وجَلَّ يَسْلُكْهُ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى نُدْخِلُهُ ولِذا تَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ عَذابًا صَعَدًا ﴾ بِنَفَسِهِ دُونَ في أوْ هو مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ والصَّعَدُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً أوْ تَأْوِيلًا أيْ نُدْخِلُهُ عَذابًا يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ وفُسِّرَ بِشاقٍّ يُقالُ فُلانٌ في صَعَدٍ مِن أمْرِهِ أيْ في مَشَقَّةٍ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ كَما تَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِّكاحِ أيْ ما شَقَّ عَلَيَّ وكَأنَّهُ أخْذٌ إنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ مِن عادَتِهِمْ أنْ يَذْكُرُوا جَمِيعَ ما كانَ في الخاطِبِ مِنَ الأوْصافِ المَوْرُوثَةِ والمُكْتَسَبَةِ فَكانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ ارْتِجالًا، أوْ كانَ يَشُقُّ أنْ يَقُولَ الصِّدْقَ في وجْهِ الخاطِبِ وعَشِيرَتِهِ وقِيلَ إنَّما شَقَّ مِنَ الوُجُوهِ ونَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ: صَعَدٌ جَبَلٌ في النّارِ قالَ الخُدْرِيُّ كُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ وقالَ عِكْرِمَةُ هو صَخْرَةٌ مَلْساءٌ في جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ صُعُودَها فَإذا انْتَهى إلى أعْلاها جُدِرَ إلى جَهَنَّمَ.

فَعَلى هَذا قالَ أبُو حَيّانٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن عَذابٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ عَذابٍ صَعَدَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ نَسْلُكُهُ وعَذابًا مَفْعُولُ مِن أجْلِهِ الكُوفِيُّونَ ﴿ يَسْلُكْهُ ﴾ بِالياءِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ وابْنُ جُنْدُبٍ بِالنُّونِ مِن أسَلُكُ وبَعْضُ التّابِعِينَ بِالياءِ كَذَلِكَ وهُما لُغَتانِ سَلَكَ وأسْلَكَ قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ جَيْشا مَهْزُومِينَ: حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قَتائِدَةٍ شَلًّا كَما تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشُّرْدا وقَرَأ قَوْمٌ «صُعُدًا» بِضَمَّتَيْنِ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ العَيْنِ قالَ الحَسَنُ مَعْناهُ لا راحَةَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَأَنَّا ظَنَنَّا يعني: حسبنا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: نتوهم أن أحداً لا يكذب على الله، وإلى هاهنا حكاية كلام الجن.

يقول الله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يعني: في الجاهلية يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ، وذلك أن الرجل إذا نزل في فضاء من الأرض، كان يقول أعوذ بسيد هذا الوادي، فيكون في أمانهم تلك الليلة.

فَزادُوهُمْ رَهَقاً يعني: زادوا للجن عظمة وتكبروا، ويقولن: بلغ من سُؤُدُدنا أن الجن والإنس يطلبون منا الأمان، وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ يعني: كفار الجن حسبوا كما حسبتم يا أهل مكة، أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً يعني: بعد الموت، يعني: إنهم كانوا غير مؤمنين، كما أنكم لا تؤمنون.

ويقال: إنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً يعني: رسولاً.

فقد أرسل محمدا  .

ثم رجع إلى كلام الجن، فقال: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ يعني: صعدنا وأتينا السماء لاستراق السمع.

فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً يعني: حفاظاً أقوياء من الملائكة.

وَشُهُباً يعني: رُمينا نجماً متوقداً.

وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ يعني: كنا نقعد فيما مضى للاستماع من الملائكة، ما يقولون فيما بينهم من الكوائن.

فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً يعني: نجماً مضيئاً.

والرصد: الذي أرصد للرجم يعني: النجم.

وروى عبد الرزاق، عن معمر قال: قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟

قال: نعم.

قلت: أفرأيت قوله: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً قال: غلظ وشدد أمرها حين بُعث النبيّ  .

قال الجن بعضهم لبعض: وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ؟

يعني: يبعثه فلم يؤمنوا فيهلكوا أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً؟

يعني: خيراً وصواباً، فيؤمنوا ويهتدوا.

ويقال: لا ندري أخيراً أريد بأهل الأرض أو الشرحين حرست السماء، ورُمينا بالنجوم، وَمُنعنا السمع؟

ويقال: أريد عذاباً بمن في الأرض، بإرسال الرسول بالتكذيب له، أو أراد بهم ربهم خيراً ببيان الرسول لهم هدى وبياناً.

ثم قال عز وجل: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ يعني: الموحدين والمسلمين.

وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ يعني: ليسوا بموحدين.

كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً يعني: فينا أهواء مختلفة وملل شتى.

وقال القتبي: يعني: فرقاً مختلفة، وكل فرقة قدة مثل القطعة في التقدير، والطرائق: جمع الطريق.

قوله تعالى: وَأَنَّا ظَنَنَّا يعني: علمنا وأيقنا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ يعني: لا يفوت أحد من الله تعالى.

وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً، لا يقدر الهرب منه.

قال الله عزّ وجلّ: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى يعني: القرآن يقرؤه محمد  ، آمَنَّا بِهِ يعني: صدقنا بالقرآن ويقال: بالنبي  ويقال: صدقنا بالله تعالى فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ قال بعضهم هذا من كلام الله تعالى للنبي  فمن يصدق بوحدانية الله تعالى، فَلا يَخافُ بَخْساً يعني: نقصاناً من ثواب عمله، وَلا رَهَقاً يعني: ذهاب عمله.

وهذا كقوله تعالى فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً.

[طه: 112] ويقال: هذا كلام الجن بعضهم لبعض، فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً.

والرهق: الظلم أن يجعل ثواب عمله لغيره.

والبخس النقصان من ثواب عمله.

قوله تعالى: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ يعني: المصدقين بوحدانية الله تعالى، وَمِنَّا الْقاسِطُونَ يعني: العادلين عن طريق الهدى ويقال: الْقاسِطُونَ يعني: الجائرين.

يقال: قسط الرجل، إذا جار.

وأقسط، إذا عدل.

كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.

ثم قال: فَمَنْ أَسْلَمَ يعني: أقر بوحدانية الله تعالى وأخلص بالتوحيد له، فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً يعني: نوراً وتمنوا وقصدوا ثواباً.

ثم قال عز وجل: أَمَّا الْقاسِطُونَ يعني: العادلين عن الطريق، الجائزين، كانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً يعني: وقوداً- قال الله تعالى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ.

قال مقاتل: لو استقاموا على طريقة الهدى، يعني: أهل مكة، لَأَسْقَيْناهُمْ مَّاء غَدَقاً يعني: كثيراً من السماء، كقوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: 96] ثم قال عز وجل: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ يعني: لنبتليهم به، كقوله: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [الزخرف: 33] الآية.

وقال قتادة: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ، يعني: آمنوا لوسّع الله عليهم الرزق وقال القتبي: هذا مثل ضربه الله تعالى للزيادة في أموالهم ومواشيهم، كقوله: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ ثم قال: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يعني: توحيد ربه ويقال: يكفر بمحمد  والقرآن، يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً يعني: يكلفه الصعود على جبل أملس.

وقال مقاتل: عَذاباً صَعَداً أي: شدة العذاب.

وقال القتبي: يعني: شاقاً وقال قتادة: صعوداً من عذاب الله تعالى، لا راحة فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨)

وقوله سبحانه: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ...

الآية، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير: الضميرُ في قوله: اسْتَقامُوا عائِدٌ عَلى القاسِطينَ، والمعنى: لوِ اسْتَقَامُوا على طريقةِ الإسْلاَمِ والحَقِّ لأَنْعَمْنَا عليهم «١» ، وهذا المعنى نحوُ قوله تعالى:

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ...

[المائدة: ٦٥] الآية إلى قوله: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ والقَاسِطُ الظَّالِم، والماء الغَدَقُ هو الماءُ الكثيرُ، ولِنَفْتِنَهُمْ: معناه: لنختبرَهم، قال عمر بن الخطاب- رضي اللَّه عنه-: حيْثُ يكونُ الماءُ فَثَمَّ المالُ، وحَيْثُ المالُ فَثَمَّ الفِتْنَةُ «٢» ، ونَزَعَ بهذه الآية، وقال الحسن وجماعة من التابعين: كانتِ الصحابَةُ- رضي اللَّه عنهم- سَامِعينَ مُطِيعينَ فَلَمَّا فُتِحْتْ كُنُوزُ كِسْرَى وقَيْصَرَ على الناس، ثَارَتِ الفِتَن «٣» ، و «نسلكه» ندخله، وصَعَداً: معناه: شَاقًّا، وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري: صَعَداً جَبَلٌ في النارِ «٤» ، وأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ قيل:

أرادَ البيوتَ التي للعبادةِ والصلاةِ في كلِّ ملةٍ، وقال الحسن: أرادَ بها كلَّ موضِع يُسْجَدُ فيه إذ الأَرْضُ كلها جُعِلَتْ مَسْجِداً لهذه الأمة «٥» ، ورُوِيَ: أنّ هذه الآيةَ نَزَلَتْ بسبب تَغَلُّبِ قريشٍ عَلى الكعبةِ حينئذ، فقيل للنبي صلّى الله عليه وسلّم: المواضعُ كلُّها لِلَّهِ فَاعْبُدْه حيثُ كنتَ، قال ع «٦» : والمسَاجِدُ المخصوصَةُ بَيِّنَةُ التَمَكُنِ في كونها لِلَّهِ تعالى، فيصلُحُ أنْ تُفْرَدَ للعبادةِ، وكلِّ مَا هُوَ خَالِصٌ لِلَّهِ تعالى، وأنْ لاَ يُتَحَدَّثَ بها في أمورِ الدنيا، ولا يُجْعَلُ فيها لغير الله نصيب.

وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الجِنِّ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ هَمْزَةً في هَذِهِ السُّورَةِ، وهِيَ: "وَأنَّهُ تَعالى"، "وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ"، "وَأنّا ظَنَنّا"، "وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ"، "وَأنَّهم ظَنُّوا"، " وأنّا لَمَسْنا"، "وَأنّا كُنّا"، " وأنّا لا نَدْرِي"، "وَأنّا مِنّا"، " وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ"، "وَأنّا لَمّا سَمِعْنا"، "وَأنّا مِنّا"، فَفَتَحَ الهَمْزَةَ في هَذِهِ المَواضِعِ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ "وَأنَّهُ تَعالى"، "وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ"، "وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ"، وكَسَرَ الباقِياتِ.

وَقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِهِنَّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي يَخْتارُهُ النَّحْوِيُّونَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ ما كانَ مِنَ الوَحْيِ قِيلَ فِيهِ: "أنَّ" بِالفَتْحِ، وما كانَ مِن قَوْلِ الجِنِّ قِيلَ: "إنَّ" بِالكَسْرِ.

مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا ﴾ وعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: وقالُوا: إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا، وقالُوا: إنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا.

فَأمّا مَن فَتَحَ، فَذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: يَعْنِي الفَرّاءَ، أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الهاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمَنّا بِهِ ﴾ وبِأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا.

وكَذَلِكَ ما بَعْدَ هَذا.

وهَذا رَدِيءٌ في القِياسِ، لا يُعْطَفُ عَلى الهاءِ المُتَمَكِّنَةِ المَخْفُوضَةِ إلّا بِإظْهارِ الخافِضِ.

ولَكِنَّ وجْهَهُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى مَعْنى آمَنّا بِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى "تَعالى جَدُّ رَبِّنا" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قُدْرَةُ رَبِّنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: غِنى رَبِّنا، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: جَلالُ رَبِّنا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: عَظَمَةُ رَبِّنا، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أمْرُ رَبِّنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: ارْتِفاعُ ذِكْرِهِ وعَظَمَتِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والسّابِعُ: مُلْكُ رَبِّنا وثَناؤُهُ وسُلْطانُهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ "وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا" فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ كُفّارُهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

و"الشَّطَطُ" الجَوْرَ، والكَذِبُ، وهُوَ: وصْفُهُ بِالشَّرِيكِ، والوَلَدِ.

ثُمَّ قالَتِ الجِنُّ: " ﴿ وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا" ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ: "أنْ لَنْ تَقَوَّلَ" بِفَتْحِ القافِ، وتَشْدِيدِ الواوِ.

والمَعْنى: ظَنَنّاهم صادِقِينَ في قَوْلِهِمْ: لِلَّهِ صاحِبَةٌ ووَلَدٌ، وما ظَنَنّاهم يَكْذِبُونَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ كانَ إذا سافَرَ فَأمْسى في قَفْرٍ مِنَ الأرْضِ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ، فَيَبِيتُ في جِوارٍ مِنهم حَتّى يُصْبِحَ.

ومِنهُ حَدِيثُ كَرَدْمِ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ، قالَ: «خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلَ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ، فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَنادى: يا عامِرَ الوادِي جارُكَ، فَنادى مُنادٍ لا نَراهُ: يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ.

فَإذا الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ لَمْ تُصِبْهُ كَدْمَةٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ  ﴿ وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ.

.

.

﴾ الآيَةُ.» وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَزادُوهم رَهَقًا ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الإنْسَ زادُوا الجِنَّ رَهَقًا لِتَعَوُّذِهِمْ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والمَعْنى: أنَّهم لَمّا اسْتَعاذُوا بِسادَتِهِمْ قالَتِ السّادَةُ: قَدْ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.

والثّانِي: أنَّ الجِنَّ زادُوا الإنْسَ رَهَقًا، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زادُوهم سَفَهًا وطُغْيانًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زادُوهم ضَلالًا.

وأصْلُ الرَّهَقِ: العَيْبُ.

ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ يَرْهَقُ في دِينِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَأنَّهم ظَنُّوا ﴾ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ظَنَّ الجِنُّ "كَما ظَنَنْتُمْ" أيُّها الإنْسُ المُشْرِكُونَ أنَّهُ لا بَعْثَ.

وقالَتِ الجِنُّ: " ﴿ وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ" ﴾ أيْ: أتَيْناها ﴿ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْرُسُونَها مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ ﴿ وَشُهُبًا ﴾ جَمْعُ شِهابٍ، وهو النَّجْمُ المُضِيءُ: ﴿ وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ" ﴾ أيْ: كُنّا نَسْتَمِعُ، فالآنَ حِينَ حاوَلْنا الِاسْتِماعَ بَعْدَ بَعْثِ مُحَمَّدٍ  رُمِينا بِالشُّهُبِ.

ومَعْنى "رَصَدًا" قَدْ أرْصَدَ لَهُ المَرْمى بِهِ " ﴿ وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ" ﴾ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ إلَيْهِمْ، فَيُكَذِّبُونَهُ، فَيَهْلَكُونَ ﴿ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا ﴾ وهو أنْ يُؤْمِنُوا فَيَهْتَدُوا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ كَفَرَةِ الجِنِّ، والمَعْنى: لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ بِحُدُوثِ الرَّجْمِ بِالكَواكِبِ، أمْ صَلاحٌ؟

قالَهُ الفَرّاءُ.

ثُمَّ أخْبَرُوا عَنْ حالِهِمْ، فَقالُوا: ﴿ وَأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ ﴿ وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الشَّرِّ دُونَ الشِّرْكِ ﴿ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: فِرَقًا مُخْتَلِفَةً أهْواؤُنا.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُ الطَّرائِقِ: طَرِيقَةٌ، وواحِدُ القِدَدُ: قِدَةٌ، أيْ: ضُرُوبًا وأجْناسًا ومِلَلًا.

قالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ: الجِنُّ مِثْلُكُمْ، فَمِنهم قَدَرِيَّةٌ، ومُرْجِئَةٌ، ورافِضَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنّا ظَنَنّا ﴾ أيْ: أيْقَنّا ﴿ أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ﴾ أيْ: لَنْ نَفُوتَهُ إذا أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ﴾ أيْ: أنَّهُ يُدْرِكُنا حَيْثُ كُنّا ﴿ وَأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى ﴾ وهو القُرْآنُ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ  ﴿ آمَنّا بِهِ ﴾ أيْ: صَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ﴾ أيْ: نَقْصًا مِنَ الثَّوابِ ﴿ وَلا رَهَقًا ﴾ أيْ: ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ ﴿ وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: المُخْلِصُونَ لِلَّهِ ﴿ وَمِنّا القاسِطُونَ ﴾ وهُمُ المَرَدَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاسِطُونَ: الجائِرُونَ.

يُقالُ: قَسَطَ: إذا جارَ، وأقْسَطَ: إذا عَدَلَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هُمُ الكافِرُونَ ﴿ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴾ أيْ: تَوَخَّوْهُ، وأمُّوهُ.

ثُمَّ انْقَطَعَ كَلامُ الجِنِّ.

قالَ مُقاتِلٌ: ثُمَّ رَجَعَ إلى كُفّارِ مَكَّةَ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ ﴾ يَعْنِي: طَرِيقَةَ الهُدى، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ: لِأنَّ الطَّرِيقَةَ ها هُنا بِالألِفِ واللّامِ مَعْرِفَةٌ، فالأوْجَبُ أنْ تَكُونَ طَرِيقَةَ الهُدى.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِها: طَرِيقَةُ الكُفْرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والرَّبِيعُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ كَيْسانَ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: لَوْ آمَنُوا لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمْ "لِنَفْتِنَهُمْ" أيْ: لِنَخْتَبِرَهم "فِيهِ" فَنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُهُمْ؟، والماءُ الغَدَقُ: الكَثِيرُ.

وإنَّما ذَكَرَ الماءَ مَثَلًا، لِأنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ يَكُونُ بِالمَطَرِ، فَأُقِيمَ مَقامَهُ إذْ كانَ سَبَبَهُ.

وعَلى الثّانِي: يَكُونُ المَعْنى: لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الكُفْرِ فَكانُوا كُفّارًا كُلُّهُمْ، لَأكْثَرْنا لَهُمُ المالَ لِنَفْتِنَهم فِيهِ عُقُوبَةً واسْتِدْراجًا، ثُمَّ نُعَذِّبُهم عَلى ذَلِكَ.

وقِيلَ: لَأكْثَرْنا لَهُمُ الماءَ فَأغْرَقْناهُمْ، كَقَوْمِ نُوحٍ ﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ يَسْلُكْهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ "نَسْلُكْهُ" بِالنُّونِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ.

﴿ عَذابًا صَعَدًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَذابًا شاقًّا.

يُقالُ: تَصَعَّدَنِي الأمْرُ: إذا شَقَّ عَلَيَّ.

ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ: ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ ما تَصَعَّدَتْنِي خِطْبَةُ النِّكاحِ.

وَنَرى أصْلَ هَذا كُلِّهِ مِنَ الصُّعُودِ، لِأنَّهُ شاقٌّ، فَكُنِّيَ بِهِ عَنِ المَشَقّاتِ.

وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ جَبَلٌ في النّارِ يُكَلَّفُ صُعُودُهُ، وسَنَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا  ﴾ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَرِيقَةِ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا ﴾ ﴿ لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا ﴾ ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا ﴾ ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِنَ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "اسْتَقامُوا".

قالَ أبُو مِجْلَزٍ، والفَرّاءُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والضَحّاكُ -بِخِلافٍ عنهُ-: هو عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مَن أسْلَمَ"، "الطَرِيقَةُ" طَرِيقَةُ الكُفْرِ، لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ الناسِ لَأسْقَيْناهم ماءً إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "القاسِطِينَ"، والمَعْنى: عَلى طَرِيقَةِ الإسْلامِ والحَقِّ، وهَذا المَعْنى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عنهم سَيِّئاتِهِمْ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ أبْيَنُ، لِأنَّ اسْتِعارَةَ الِاسْتِقامَةِ لِلْكُفْرِ قَلِقَةٌ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا" بِضَمِّ الواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا تَشْبِيهٌ بِواوِ الجَماعَةِ ﴿ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى  ﴾ ، والماءُ الغَدَقُ هو الماءُ الكَثِيرُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غَدَقًا" بِفَتْحِ الدالِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ الأعْمَشِ عنهُ- بِكَسْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِنَفْتِنَهم فِيهِ" إنْ كانَ المُسْلِمُونَ فَمَعْناهُ: لِنَخْتَبِرَهُمْ، وإنْ كانَ القاسِطُونَ فَمَعْناهُ: لِنَمْتَحِنَهم ونَسْتَدْرِجَهُمْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَيْثُ يَكُونُ الماءُ فَثَمَّ المالُ، وحَيْثُ المالُ فَثَمَّ الفِتْنَةُ"، ونَزَعَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ: كانَتِ الصَحابَةُ مُطِيعِينَ سامِعِينَ، فَلَمّا فَتُحِتْ كُنُوزُ كِسْرى وقَيْصَرَ وثَبَ بِعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقَتَلَ وثارَتِ الفِتَنُ.

و"يَسْلُكْهُ" مَعْناهُ: يَدْخُلْهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَسْلُكْهُ" بِفَتْحِ الياءِ أيْ: يَسْلُكُهُ اللهُ، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "يُسْلِكُهُ" بِضَمِّ الياءِ، مِن أسْلَكَ، وهُما بِمَعْنًى، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "نَسْلُكُهُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: "نَسْلُكُهُ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ ولامٍ مَكْسُورَةٍ، و"صَعَدًا" مَعْناهُ: شاقًّا، تَقُولُ: "فُلانٌ في صَعَدٍ مِن أمْرِهِ" أيْ في مَشَقَّةٍ، و"هَذا أمْرٌ يَتَصَعَّدُنِي"، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ "ما تَصَعَّدَنِي شَيْءُ كَما تَتَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِكاحِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: صَعِدَ: جَبَلٌ في النارِ، وقَرَأ قَوْمٌ: "صُعُدًا" بِضَمِّ الصادِ والعَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الصادِ والعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بِضَمِّ الصادِ وفَتْحِ العَيْنِ، قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: لا راحَةَ فِيهِ.

ومَن فَتَحَ الألِفَ مِن "وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ" جَعَلَها عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ  ﴾ ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، و"المَساجِدَ" قِيلَ: أرادَ بِها البُيُوتَ الَّتِي هي لِلْعِبادَةِ والصَلاةِ في كُلِّ مِلَّةٍ، وقالَ الحَسَنُ: أرادَ كُلَّ مَوْضِعِ سَجَدَ فِيهِ، كانَ مَخْصُوصًا لِذَلِكَ أو لَمْ يَكُنْ؛ إذِ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ تَغَلُّبِ قُرَيْشٍ عَلى الكَعْبَةِ حِينَئِذٍ، فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ  : المَواضِعُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى فاعْبُدْهُ حَيْثُ كانَ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: المَساجِدُ: الآرابُ الَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، واحِدُها مَسْجَدٌ -بِفَتْحِ الجِيمِ-، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ لِأنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عنكَ؟

فَنَزَلَتِ الآيَةُ يُخاطِبُهم بِها عَلى مَعْنى: أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كُنْتُمْ مَقْبُولَةٌ، وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: مَعْنى الآيَةِ: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا -أيْ لِهَذا السَبَبِ-، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ "لِإيلافِ قُرَيْشٍ...

فَلْيَعْبُدُوا"، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً  ﴾ والمَساجِدُ المَخْصُوصَةُ بَيِّنَةُ التَمَكُّنِ في كَوْنِها لِلَّهِ تَعالى فَيَصِحُّ أنَّ تُفْرَدَ لِلصَّلاةِ والدُعاءِ وقِراءَةِ العِلْمِ وكُلِّ ما هو خالِصٌ لِلَّهِ تَعالى، وألّا يَتَحَدَّثَ فِيها في أُمُورِ الدُنْيا، ولا يَتَّجِرُ، وتُتَّخَذُ طُرُقًا، ولا يُجْعَلُ فِيها لِغَيْرِ اللهِ نَصِيبٌ، ولَقَدْ قَعَدْتُ لِلْقَضاءِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في المَسْجِدِ الجامِعِ بِالمِرْيَةِ ثُمَّ رَأيْتُ فِيهِ مِن سُوءِ خُلُقِ المُتَخاصِمِينَ وصِياحِهِمْ وأيْمانِهِمْ وفُجُورِ الخِصامِ وغائِلَتِهِ ودُخُولِ النِسْوانِ ما رَأيْتُ تَنْزِيهَ البَيْتِ عنهُ فَقَطَعَتِ القُعُودُ لِلْأحْكامِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ اللهِ تَعالى ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ الجِنِّ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ -عَلى ما تَقَدَّمَ-: "وَأنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "أنَّهُ اسْتَمَعَ"، و"العَبْدُ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، قالَ قَوْمٌ: هو نُوحٌ والضَمِيرُ في "كادُوا" لِلْجِنِّ، والمَعْنى أنَّهم كادُوا يَتَقَصَّفُونَ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ، وقَرَأ آخَرُونَ: "وَإنَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، و"العَبْدُ" مُحَمَّدٌ  ، والضَمِيرُ في "كادُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْجِنِّ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِكُفّارِ قَوْمِهِ ولِلْعَرَبِ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَدِّ أمْرِهِ، ولا يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "العَبْدُ" نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ إلّا عَلى تَحامُلٍ في تَأْوِيلِ نَسَّقَ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى الآيَةِ إنَّها قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ يَحْكُونَ، و"العَبْد" مُحَمَّد  ، والضَمِيرُ في "كادُوا" لِأصْحابِهِ الَّذِينَ يُطَوِّعُونَ لَهُ وَيَقْتَدُونَ بِهِ في الصَلاةِ، فَهم عَلَيْهِ لِبَدُ، واللُبَدُ الجَماعاتُ، شُبِّهَتْ بِالشَيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ بْنِ مَنافِ بْنِ رُبْعٍ: صابُوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ....

حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جانِيًا لَبَدا يُرِيدُ الجَرادَ، سَمّاهُ جانِيًا لِأنَّهُ يَجْنِي كُلَّ الأشْياءِ بِأكْمَلِهِ، [وَيُرْوى جابِيًا بِالباءِ لِأنَّهُ يَجْبِي الأشْياءَ بِأكْلِهِ].

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لَبَدا" بِكَسْرِ اللامِ، جَمْعُ لُبْدَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْوانًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لَبَدا" بِضَمِّ اللامِ وتَخْفِيفِ الباءِ المَفْتُوحَةِ، وهو جَمْعٌ أيْضًا، ورُوِيَ عَنِ الجَحْدَرِيِّ "لُبُدًا" بِضَمِّ اللامِ والباءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِبَّدا" بِكَسْرِ اللامِ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُما-: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وشَدِّ الباءِ، وهو جَمْعُ "لابُدَ"، فَإنَّ قَدَّرْنا الضَمِيرَ لِلْجِنِّ فَبِتَقَصُّفِهِمْ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ الذِكْرِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَحّاكِ، وإنْ قَدَّرْناهُ لِلْكَفّارِ فَبِتَمالُئِهِمْ عَلَيْهِ وإقْبالِهِمْ عَلى أمْرِهِ بِالتَكْذِيبِ والرَدِّ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

و"يَدْعُوهُ" مَعْناهُ: يَعْبُدُهُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بِنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "قالَ إنَّما أدْعُوا رَبِّي"، وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ السَبْعَةِ، هو جَمْعٌ لا بُدَّ فَإنَّ قَدَّرْنا الضَمِيرَ لِلْجِنِّ فَتَقْصِفُهم عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ الذِكْرِ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وأدْعُوا مَعْناهُ أعْبُدُهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ تُؤَيِّدُ أنَّ "العَبْدَ" هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأيُّوبُ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "قالَ إنَّما أدْعُوا"، وهَذِهِ تُؤَيِّدُ أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، وإنْ كانَ الِاحْتِمالُ باقِيًا مِن كِلَيْهِما، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في فَتْحِ الياءِ مِن "رَبِّي" وفي سُكُونِها.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى مُحَمَّدًا  بِالتَبَرِّي مِنَ القُدْرَةِ، وأنَّهُ لا يَمْلِكُ لِأحَدٍ ضَرًّا ولا رَشَدًا، بَلِ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعالى وقَرَأ الأعْرَجُ "رُشُدا" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لا أمْلِكُ لَكم غَيًّا ولا رُشْدًا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ سِواهُ.

و"المُلْتَحَدُ": المَلْجَأُ الَّذِي يُمالُ إلَيْهِ ويَرْكَنُ، ومِنهُ الإلْحادُ والمَيْلُ، ومِنهُ اللَحْدُ الَّذِي يُمالُ بِهِ إلى أحَدِ شِقَّيِ القَبْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اتفق القراء العشرة على فتح همزة: ﴿ أن لو استقاموا ﴾ ، فجملة ﴿ أن لوِ استقاموا ﴾ معطوفة على جملة ﴿ أنه استمع نفر من الجن ﴾ [الجن: 1]، والواو من الحكاية لا من المحكي، فمضمونها شأن ثاننٍ مما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأمره الله أن يقوله للناس.

والتقدير: وأوحي إليّ أنه لو استقام القاسطون فأسلموا لما أصابهم الله بإمساك الغيث.

و ﴿ أن ﴾ مخففة من الثقيلة، وجيء ب ﴿ أن ﴾ المفتوحة الهمزة لأن ما بعدها معمول لفعل ﴿ أوحي ﴾ [الجن: 1] فهو في تأويل المصدر، واسمها محذوف وهو ضمير الشأن وخبره ﴿ لو استقاموا ﴾ إلى آخر الجملة.

وسبك الكلام: أوحي إليَّ إسقاءُ الله إياهم ماء في فرض استقامتهم.

وضمير ﴿ استقاموا ﴾ يجوز أن يعود إلى القاسطين بدون اعتبار القيد بأنهم من الجن وهو من عود الضمير إلى اللفظ مجرداً عن مَا صْدَقِه كقولك: عندي درهم ونصفه، أي نصف درهم آخر.

ويجوز أن يكون عائداً إلى غير مذكور في الكلام ولكنه معروف من المقام إذ السورة مسوقة للتنبيه على عناد المشركين وطعنهم في القرآن، فضمير ﴿ استقاموا ﴾ عائد إلى المشركين، وذلك كثير في ضمائر الغيبة التي في القرآن، وكذلك أسماء الإِشارة كما تنبهنا إليه ونبهنا عليه، ولا يناسب أن يعاد على القاسطين من الجن إذ لا علاقة للجن بشرب الماء.

والاستقامة على الطريقة: استقامة السير في الطريق وهي السير على بصير بالطريق دون اعوجاج ولا اغترار ببنيات الطريق.

و ﴿ الطريقة ﴾ : الطريق: ولعلها خاصة بالطريق الواسع الواضح كما تقدم آنفاً في قوله ﴿ كُنَّا طرائق قِدداً ﴾ [الجن: 11].

والاستقامة على الطريقة تمثيل لهيئة المتصف بالسلوك الصالح والاعتقاد الحق بهيئة السائر سيراً مستقيماً على طريقة، ولذلك فالتعريف في ﴿ الطريقة ﴾ للجنس لا للعهد.

وقوله: ﴿ لأسقيناهم ماء غدقاً: ﴾ وعد بجزاء على الاستقامة في الدّين جزاءً حسناً في الدنيا يكون عنواناً على رضى الله تعالى وبشارة بثواب الآخرة قال تعالى: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ [النحل: 97].

وفي هذا إنذار بأنه يوشك أن يمسك عنهم المطر فيقعوا في القحط والجوع وهو ما حدث عليهم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ودعائه عليهم بسنين كَسِنِي يوسف فإنه دعا بذلك في المدينة في القنوت كما في حديث «الصحيحين» عن أبي هريرة وقد بينا ذلك في سورة الدخان.

وقد كانوا يوم نزول هذه الآية في بحبوحة من العيش وفي نخيل وجنات فكان جَعْل ترتُّببِ الإِسقاء على الاستقامة على الطريقة كما اقتضاه الشرط بحرف ﴿ لو ﴾ مشيراً إلى أن المراد: لأدَمْنا عليهم الإِسقاء بالماء الغَذَق، وإلى أنهم ليسوا بسالكين سبيل الاستقامة فيوشك أن يُمسك عنهم الري ففي هذا إنذار بأنهم إن استمروا على اعوجاج الطريقة أمسك عنهم الماء.

وبذلك يتناسب التعليل بالإِفتان في قوله: ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ مع الجملة السابقة إذ يكون تعليلاً لما تضمنَه معنى إدامة الإِسقاء فإنه تعليل للإِسقاء الموجود حين نزول الآية وليس تعليلاً للإِسقاء المفروض في جواب ﴿ لو ﴾ لأن جواب ﴿ لو ﴾ منتففٍ فلا يصلح لأن يُعلل به، وإنما هم مفتونون بما هم فيه من النعمة فأراد الله أن يوقظ قلوبهم بأن استمرار النعمة عليهم فتنة لهم فلا تغرنهم.

فلام التعليل في قوله: ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ ظرف مستقر في موضع الحال من ﴿ ماء غدقاً ﴾ وهو الماء الجاري لهم في العيون ومن السماء تحت جناتهم وفي زروعهم فهي حال مقارنة.

وبهذا التفسير تزول الحيرة في استخلاص معنى الآية وتعليلها.

والغدَق: بفتح الغين المعجمة وفتح الدال الماء الغزير الكثير.

وجملة ﴿ لِنَفْتِنَهم فيه ﴾ إدماج فهي معترضة بين جملة ﴿ وأن لو استقاموا على الطريقة ﴾ الخ وبين جملة ﴿ ومن يعرض عن ذكر ربّه ﴾ الخ.

ثم أكدت الكناية عن الإِنذار المأخوذة من قوله: ﴿ وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ﴾ الآية، بصريح الإِنذار بقوله: ﴿ ومن يعرض عن ذكر ربّه نسلكه عذاباً صعداً، ﴾ أي فإن أعرضوا انقلب حالهم إلى العذاب فسلكنا بهم مسالك العذاب.

والسَّلك: حقيقته الإِدخال، وفعله قاصر ومتعد، يقال: سلكه فسلك، قال الأعشى: كما سَلكَ السِّكيَّ في الباب فَيْتق *** أي أدخل المِسمار في الباب نَجَّارٌ.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ﴾ في سورة الحجر (12).

واستعمل السَلك هنا في معنى شدة وقوع الفعل على طريق الاستعارة وهي استعارة عزيزة.

والمعنى: نعذبه عذاباً لا مصرف عنه.

وانتصب عذاباً} على نزع الخافض وهو حرف الظرفية، وهي ظرفية مجازية تدل على أن العذاب إذا حلّ به يحيط به إحاطة الظرف بالمظروف.

والعدول عن الإِضمار إلى الإِظهار في قوله: ﴿ عن ذكر ربّه ﴾ دون أن يقول: عن ذكرنا، أو عن ذكري، لاقتضاء الحال الإِيماءَ إلى وجه بناء الخبر فإن المعرض عن ربّه الذي خلقه وأنشأه ودبره حقيق بأن يسلك عذاباً صعداً.

والصّعَد: الشاق الغالِبُ، وكأنه جاءٍ من مصدر صَعد، كفرح إذا علا وارتفع، أي صَعِد على مفعوله وغلبه، كما يقال: عَلاَه بمعنى تمكن منه، ﴿ وأن لا تعلوا على الله ﴾ [الدخان: 19].

وقرأ الجمهور ﴿ نسلكه ﴾ بنون العظمة ففيه التفات.

وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف ﴿ يسلكه ﴾ بياء الغائب فالضمير المستتر يعود إلى ربّه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.

﴿ وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

وَيَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالصّالِحِينَ أهْلَ الخَيْرِ، وبِـ(دُونَ ذَلِكَ) أهْلَ الشَّرِّ ومَن بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ عَلى تَدْرِيجٍ، وهو أشْبَهُ في حَمْلِهِ عَلى الإيمانِ والشِّرْكِ لِأنَّهُ إخْبارٌ مِنهم عَنْ تَقَدُّمِ حالِهِمْ قَبْلَ إيمانِهِمْ.

﴿ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي فِرَقًا شَتّى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أهْواءٌ مُتَبايِنَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي القابِضُ الباسِطُ الهادِي بِطاعَتِهِ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ ﴿ وَأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ سَمِعُوهُ مِنَ النَّبِيِّ  فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ عَلى رِسالَتِهِ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ مَبْعُوثًا إلى الجِنِّ والإنْسِ.

قالَ الحَسَنُ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا إلى الإنْسِ والجِنِّ ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا مِنَ الجِنِّ ولا مِن أهْلِ البادِيَةِ ولا مِنَ النِّساءِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى ﴾ ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَخافُ نَقْصًا في حَسَناتِهِ، ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ، لِأنَّ البَخْسَ النُّقْصانُ، والرَّهَقَ: العُدْوانُ، وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ اللَّهُ عَنِ الجِنِّ لِقُوَّةِ إيمانِهِمْ وصِحَّةِ إسْلامِهِمْ، وقَدْ رَوى عَمّارُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ جالِسًا ذاتَ يَوْمٍ إذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقِيلَ لَهُ: أتَعْرِفُ المارَّ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟

قالَ: ومَن هُوَ؟

قالُوا: سَوادُ بْنُ قارِبٍ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ لَهُ شَرَفٌ، وكانَ لَهُ رِئْيٌ مِنَ الجِنِّ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقالَ لَهُ: أنْتَ سَوادُ بْنُ قارِبٍ ؟

قالَ: نَعَمْ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قالَ: وأنْتَ الَّذِي أتاكَ رِئْيٌ مِنَ الجِنِّ يَظْهَرُ لَكَ؟

قالَ: نَعَمْ بَيْنَما أنا ذاتَ لَيْلَةٍ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذْ أتانِي رِئْيٌ مِنَ الجِنِّ فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ وقالَ: قُمْ يا سَوادُ بْنُ قارِبٍ فاسْمَعْ مَقالِي واعْقِلْ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، إنَّهُ قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ يَدْعُو إلى اللَّهِ وإلى عِبادَتِهِ، ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتِطْلابِها ∗∗∗ وشَدِّها العِيسَ بِأذْنابِها.

∗∗∗ تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما صادِقُ الجِنِّ كَكُذّابِها.

∗∗∗ فارْحَلْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ فَلَيْسَ قَدْ أتاها كاذِبًا بِها.

فَقُلْتُ دَعْنِي أنامُ فَإنِّي أمْسَيْتُ ناعِسًا، ولَمْ أرْفَعْ بِما قالَهُ رَأْسًا، فَلَمّا كانَ اللَّيْلَةُ الثّانِيَةُ أتانِي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وقالَ: قُمْ يا سَوادُ بْنُ قارِبٍ فاسْمَعْ مَقالَتِي واعْقِلْ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ إنَّهُ قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ يَدْعُو إلى اللَّهِ وإلى عِبادَتِهِ، ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ: عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتِخْيارِها ∗∗∗ وشَدِّها العِيسَ بِأكْوارِها.

∗∗∗ تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهَدْيَ ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَكُفّارِها ∗∗∗ فارْحَلْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ ما بَيْنَ رابِيها وأحْجارِها.

فَقُلْتُ لَهُ دَعْنِي فَإنِّي أمْسَيْتُ ناعِسًا، ولَمْ أرْفَعْ بِما قالَ رَأْسًا، فَلَمّا كانَ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ أتانِي وضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وقالَ قُمْ يا سَوادُ بْنُ قارِبٍ فاسْمَعْ مَقالَتِي واعْقِلْ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، إنَّهُ قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ يَدْعُو إلى اللَّهِ وإلى عِبادَتِهِ، ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وتِحْساسِها ∗∗∗ وشَدِّها العِيسَ بِأحْلاسِها.

∗∗∗ تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهَدْيَ ∗∗∗ ما خَيْرُ الجِنِّ كَأنْجاسِها.

∗∗∗ فارْحَلْ إلى الصَّفْوَةِ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ واسْمُ بِيَدَيْكَ إلى رَأْسِها.

قالَ: فَأصْبَحْتُ قَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبِي بِالإسْلامِ، فَرَحَلْتُ ناقَتِي فَأتَيْتُ المَدِينَةَ، فَإذا رَسُولُ اللَّهِ  وأصْحابُهُ، فَقَلْتُ اسْمَعْ مَقالَتِي يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: هاتِ، فَأنْشَأْتُ أقُولُ: أتانِي نَجِيٌّ بَيْنَ هَدْءٍ ورَقْدَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَكُ فِيما قَدْ تَلَوْتُ بِكاذِبِ ∗∗∗ ثَلاثُ لَيالٍ قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ ∗∗∗ أتاكَ رَسُولٌ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبِ ∗∗∗ فَشَمَّرْتُ مِن ذَيْلَيِ الإزارَ ووَسَّطْتُ ∗∗∗ بِيَ الذُّمْلَ الوَجْناءَ بَيْنَ السَّباسِبِ ∗∗∗ فَأشْهَدُ أنَّ اللَّهَ لا شَيْءَ غَيْرُهُ ∗∗∗ وأنَّكَ مَأْمُولٌ عَلى كُلِّ غالِبِ.

وأنَّكَ أدْنى المُرْسَلِينَ وسِيلَةً ∗∗∗ إلى اللَّهِ يا بْنَ الأكْرَمِينَ الأطايِبِ.

∗∗∗ فَمُرْنا بِما يَأْتِيكَ يا خَيْرَ مَن مَشى ∗∗∗ وإنْ كانَ فِيما جاءَ شَيْبُ الذَّوائِبِ.

∗∗∗ وكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لا ذُو شَفاعَةٍ ∗∗∗ سِواكَ بِمُغْنٍ عَنْ سَوادِ بْنِ قارِبِ.

فَفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ  وأصْحابُهُ فَرَحًا شَدِيدًا، حَتّى رُئِيَ الفَرَحُ في وُجُوهِهِمْ، قالَ: فَوَثَبَ عُمَرُ فالتَزَمَهُ وقالَ: قَدْ كُنْتُ أشْتَهِي أنْ أسْمَعَ مِنكَ هَذا الحَدِيثَ، فَهَلْ يَأْتِيكَ رِئْيُكَ مِنَ الجِنِّ اليَوْمَ؟

قالَ: [أما] وقَدْ قَرَأْتُ القُرْآنَ فَلا، ونَعْمَ العِوَضُ كِتابُ اللَّهِ عَنِ الجِنِّ» .

﴿ وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ ﴾ وهَذا إخْبارٌ عَنْ قَوْلِ الجِنِّ بِحالِ مَن فِيهِمْ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، والقاسِطُ: الجائِرُ، لِأنَّهُ عادِلٌ عَنِ الحَقِّ، ونَظِيرُهُ التَّرِبُ والمُتْرَبُ، فالتَّرِبُ الفَقِيرُ، لِأنَّ ذَهابَ مالِهِ أقْعَدَهُ عَلى التُّرابِ، والمُتْرَبُ الغَنِيُّ لِأنَّ كَثْرَةَ مالِهِ قَدْ صارَ كالتُّرابِ.

وَفي المُرادِ بِالقاسِطِينَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الخاسِرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: الفاجِرُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: النّاكِثُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ ﴾ ذَكَرَ ابْنُ بَحْرٍ أنَّ كُلَّ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِن (إنِ) المَكْسُورَةِ المُثَقَّلَةِ فَهو حِكايَةٌ لِقَوْلِ الجِنِّ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ فَرَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، وكُلَّ ما فِيها مِن (أنِ) المَفْتُوحَةِ المُخَفَّفَةِ أوِ المُثَقَّلَةِ فَهو مِن وحْيِ الرَّسُولِ.

وَفي هَذِهِ الِاسْتِقامَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإقامَةُ عَلى طَرِيقِ الكُفْرِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وأبُو مَجْلِزٍ وغَيْرُهُما.

الثّانِي: الِاسْتِقامَةُ عَلى الهُدى والطّاعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ الإقامَةُ عَلى الكُفْرِ والضَّلالِ فَلَهم في قَوْلِهِ ﴿ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلَوْناهم بِكَثْرَةِ الماءِ الغَدَقِ حَتّى يَهْلَكُوا كَما هَلَكَ قَوْمُ نُوحٍ بِالغَرَقِ، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.

الثّانِي: لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا يَنْبُتُ بِهِ زَرْعُهم ويَكْثُرُ مالُهم.

﴿ لِنَفْتِنَهم فِيهِ ﴾ فَيَكُونُ زِيادَةً في البَلْوى، حَكى السُّدِّيُّ عَنْ عُمَرَ في قَوْلِهِ ﴿ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا ﴾ أنَّهُ قالَ: حَيْثُما كانَ الماءُ كانَ المالُ، وحَيْثُما كانَ المالُ كانَتِ الفِتْنَةُ، فاحْتَمَلَتِ الفِتْنَةُ ها هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: افْتِتانُ أنْفُسِهِمْ.

الثّانِي: وُقُوعُ الفِتْنَةِ والشَّرِّ مِن أجْلِهِ.

وَأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ الِاسْتِقامَةُ عَلى الهُدى والطّاعَةِ فَلَهم في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لَهَدَيْناهُمُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَأوْسَعْنا عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لَأعْطَيْناهم عَيْشًا رَغَدًا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المالُ الواسِعُ، لِما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ بِحَياةِ النُّفُوسِ وخِصْبِ الزُّرُوعِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ.

وَفي الغَدَقِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذْبُ المَعِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَهُ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ مِزاجُها سَلْسَبِيلٌ ماؤُها غَدَقٌ ∗∗∗ عَذْبُ المَذاقَةِ لا مِلْحٌ ولا كَدَرٌ الثّانِي: أنَّهُ الواسِعُ الكَثِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ كَثِيرٍ وهَبْتُ لسُعْدى ماءَهُ ونَباتَهُ ∗∗∗ فَما كُلُّ ذِي وُدٍّ لِمَن ودَّ واهِبُ.

∗∗∗ لِتَرْوى بِهِ سُعْدى ويَرْوى مَحَلُّها ∗∗∗ وتَغْدَقَ أعْدادٌ بِهِ ومَشارِبُ فَعَلى هَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا.

الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ لِنَفْتِنَهم فِيهِ.

فَإنْ قِيلَ إنَّ هَذا وارِدٌ في أهْلِ الكُفْرِ والضَّلالِ كانَ في تَأْوِيلِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: افْتِتانُ أنْفُسِهِمْ بِزِينَةِ الدُّنْيا.

الثّانِي: وُقُوعُ الفِتْنَةِ والِاخْتِلافِ بَيْنَهم بِكَثْرَةِ المالِ.

الثّالِثُ: وُقُوعُ العَذابِ بِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ  ﴾ أيْ يُعَذَّبُونَ.

وَإنْ قِيلَ إنَّهُ وارِدٌ في أهْلِ الهُدى والطّاعَةِ فَهو عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ الوَجْهَيْنِ.

وَهَلْ هو اخْتِبارُهم في الدُّنْيا فَفي تَأْوِيلِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِنَخْتَبِرَهم بِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لِنُطَهِّرَهم مِن دَنَسِ الكُفْرِ.

الثّالِثُ: لِنُخْرِجَهم بِهِ مِنَ الشِّدَّةِ والجَدْبِ إلى السِّعَةِ والخِصْبِ.

فَإنْ قِيلَ إنَّهُ إخْبارٌ عَمّا لَهم في الآخِرَةِ فَفي تَأْوِيلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِنُخَلِّصَهم ونُنْجِيَهم، مَأْخُوذٌ مَن فَتَنَ الذَّهَبَ إذا خَلَّصَهُ مِن غِشِّهِ بِالنّارِ كَما قالَ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا  ﴾ أيْ خَلَّصْناكَ مِن فِرْعَوْنَ.

الثّانِي: مَعْناهُ لَنَصْرِفَنَّهم عَنِ النّارِ، كَما قالَ تَعالى ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ  ﴾ أيْ لَيَصْرِفُونَكَ ﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي القُرْآنَ وفي إعْراضِهِ عَنْهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ القَبُولِ، إنْ قِيلَ إنَّها مِن أهْلِ الكُفْرِ.

الثّانِي: عَنِ العَمَلِ، إنْ قِيلَ إنَّها مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ جُبٌّ في النّارِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ.

الثّانِي: جَبَلٌ في النّارِ إذا وضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ذابَتْ، وإذا رَفَعَها عادَتْ، وهو مَأْثُورٌ، وهَذانَ الوَجْهانِ مِن عَذابِ أهْلِ الضَّلالِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَشَقَّةٌ مِنَ العَذابِ يَتَصَعَّدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ﴾ يقول: منا المسلم ومنا المشرك ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ قال: أهواء شتى.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: ﴿ طرائق قدداً ﴾ قال: المنقطعة في كل وجه.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر وهو يقول: ولقد قلت وزيد حاسر ** يوم ولت خيل زيد قدداً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ قال: أهواء مختلفة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ قال: مسلمين وكافرين.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن السدي في قوله: ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ يعني الجن هم مثلكم قدرية ومرجئة ورافضة وشيعة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ﴾ الآية، قالوا: لن نمتنع منه في الأرض ولا هرباً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا يخاف بخساً ولا رهقاً ﴾ قال: لا يخاف نقصاً من حسناته ﴿ ولا رهقاً ﴾ ولا أن يحمل عليه ذنب غيره.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومنا القاسطون ﴾ قال: العادلون عن الحق.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ومنا القاسطون ﴾ قال: هم الظالمون.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ومنا القاسطون ﴾ قال: هم الجائرون، وفي قوله: ﴿ وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً ﴾ قال: لو آمنوا كلهم ﴿ لأسقيناهم ﴾ لأوسعنا لهم من الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة ﴾ قال: أقاموا ما أمروا به ﴿ لأسقيناهم ماء غدقاً ﴾ قال: معيناً.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ﴾ الآية، قال: يقول لو استقاموا على طاعة الله وما أمروا به لأكثر الله لهم من الأموال حتى يغتنوا بها، ثم يقول الحسن: والله إن كان أصحاب محمد لكذلك، كانوا سامعين لله مطيعين له، فتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر، فتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة ﴾ قال: طريقة الإِسلام ﴿ لأسقيناهم ماء غدقاً ﴾ قال: لأعطيناهم مالاً كثيراً.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ ماء غدقاً ﴾ قال: كثيراً جارياً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت الشاعر يقول: تدني كراديس ملتفاً حدائقها ** كالنبت جادت به أنهارها غدقاً وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السري قال: قال عمر ﴿ وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً ﴾ قال: لأعطيناهم مالاً كثيراً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ لأسقيناهم ماء غدقاً ﴾ قال: كثيراً، والماء المال.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ماء غدقاً ﴾ قال: عيشاً رغداً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ قال: لنبتليهم به.

وفي قوله: ﴿ ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً ﴾ قال: مشقة العذاب يصعد فيها.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ قال: لنبتليهم حتى يرجعوا إلى ما كتب عليهم وفي قوله: ﴿ عذاباً صعداً ﴾ قال: مشقة من العذاب.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسلكه عذاباً صعداً ﴾ قال: جبلاً في جهنم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ عذاباً صعداً ﴾ قال: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ عذاباً صعداً ﴾ قال: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه.

وأخرج هناد عن مجاهد وعكرمة في قوله: ﴿ عذاباً صعداً ﴾ قال: مشقة من العذاب.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ يسلكه ﴾ بالياء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأن المساجد لله ﴾ قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا بيت المقدس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال: قالت الجن: يا رسول الله ائذن لنا فنشهد معك الصلوات في مسجدك، فأنزل الله: ﴿ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ يقول: صلوا لا تخالطوا الناس.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: قالت الجن للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناؤون عنك؟

أو كيف نشهد الصلاة ونحن ناؤون عنك؟

فنزلت ﴿ وأن المساجد لله ﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وأن المساجد لله ﴾ الآية، قال: إن اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بربهم، فأمرهم أن يوحدوه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخلص الدعوة لله إذا دخل المسجد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

(وقوله تعالى) (١) (٢)  - من الموعظة؛ قاله ابن عباس (٣) (٤) ﴿نسلكه (عذابًا) (٥) (٦) ﴿ صَعَدًا ﴾ قال مجاهد (٧) (٨) وقال قتادة: صعوداً من عذاب الله، لا راحة فيه (٩) قال عكرمة عن ابن عباس: هو جبل في جهنم (١٠) قال أبو سعيد الخدري: جبل في النار (١١) وقال الكلبي: يكلف أن يصعد جبلًا في النار (وقال) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) نزلت في الولِد بن المغيرة (١٦) ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)  ﴾ ، قال أبو إسحاق: ومعنى ﴿ صَعَدًا ﴾ في اللغة طريق شاقَّة من العذاب (١٧) قال المبرد (١٨) (١٩) ﴿ صَعَدًا ﴾ شاقًا.

يقال: تَصَعَّدَهُ الأمر إذا شقَّ عليه (٢٠) وقال أبو عبيدة: الصعد مصدر، والمعنى عذابًا ذا صعد (٢١) وسنزيد بيانًا عند قوله: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)  ﴾ إن شاء الله.

قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾ زعم سيبويه أن المفسرين حملوه على "أوحي" كأنه أوحي إليَّ أن المساجد لله، ومذهب الخليل: أنه على معنى: ولأن المساجد لله فلا تدعو (٢٢) ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ  ﴾ ، على معنى: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، (أي لهذا فاعبدون) (٢٣) (٢٤) واختلفوا في معنى المساجد، فالأكثرون (٢٥) قال مقاتل: يعني الكنائس، والبيع، ومساجد المسلمين (٢٦) ﴿ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ ﴾ فلا تعبدوا مع الله أحدًا، وذلك أن أهل الكتاب يشركون في صلاتهم في البيع، والكنائس، فأمر الله المؤمنين.

ونحو هذا قال قتادة: كانت اليهود والنصارى، إذا دخلوا كنائسهم، وبيعهم أشركوا، فأمر الله أن يُخلص الدعوة إذا دخل المسجد (٢٧) (٢٨) وعلى هذا القول واحدها يجوز أن يكون مسجَداً -بفتح الجيم-، وهو موضع السجود من الأرض، ويجوز أن يكون مسجِداً -بكسر الجيم-، وهو اسم جامع للموضع الذي يسجد عليه.

وفيه بُعد أن (٢٩) وقال سعيد بن جبير: المساجد: الأعضاء التي يسجد عليها العبد، وهي سبعة: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه (٣٠) وهذا القول اختيار ابن الأنباري (٣١) وعلى هذا القول معنى المساجد: مواضع السجود من الجسد، واحد ها مسجَد -بالفتح-، (وذكر الكلبي (٣٢) (٣٣) (٣٤) وروي عن الحسن أنه قال: أراد البقاع كلها (٣٥) (٣٦) (٣٧) وروي عنه أيضًا أنه قال: المساجد هي الصلوات (٣٨) قال ابن قتيبة: يريد أن السجود لله، جمع "مَسْجَد" كما تقول: ضربت في الأرض مَضْرَبًا بعيدًا (٣٩) (٤٠) (٤١) وعلى هذا القول "المساجد"، خاصة في مكة، وسميت بذلك؛ لأن كل أحد يسجد إليها.

وواحد المساجد -على الأقوال كلها- مَسْجَد -بفتح الجيم-، إلا قول من يقول إنها المواضع التي بنيت للصلاة، فإن واحدَها مسجِد -بكسر الجيم-؛ لأن المواضع، والمصادر من هذا الباب بفتح العين، إلا في أحرف معدودة، وهي: المسْجِد، والمَطْلِع، والمَنسِك، والمَنْبِت، والمَفْرِق، والمَسْقِط، والمَجْزِر، والمَحْشِر، والمَشْرِق، والمَغْرِب.

وقد جاء في بعضها الفتح، وهو: المنسك، والمسكن، والمفرق، والمطلع.

وهو جائز في كلها، وإن لم تسمع (٤٢) ثم رجع إلى الخبر عن مؤمني الجن: قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ ﴾ (٤٣) (٤٤) (٤٥) وقوله: ﴿ عَبْدُ اللهِ ﴾ يعني النبي -  - في قول الجميع (٤٦) (٤٧) (٤٨) وقوله: ﴿ يَدْعُوهُ ﴾ أي يعبدوه.

﴿ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ كادوا يركبونَهُ حرصًا على القرآن، وحبًّا لاستماعه.

قاله الكلبي (٤٩) (٥٠) (٥١) واختار الفراء: كادوا يركبون النبي -  - رغبة في القرآن وشهوة له (٥٢) وقال الزجاج: كادوا الجن الذين سمعوا القرآن، وتعجبوا منه أن يسقطوا على النبي -  - (٥٣) وقال ابن قتيبة: يعني الجن كانوا (٥٤) (٥٥) ومعنى قوله ﴿ لِبَدًا ﴾ قال أبو عبيدة: (أي جماعات، واحدها (٥٦) (٥٧) صابوا (٥٨) (٥٩) قال: الجابي: الجراد؛ لأنه يجبي (٦٠) (٦١) قال أبو إسحاق: (معنى ﴿ لِبَدًا ﴾ يعني (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) ونحو هذا قال الفراء في اللُّبد، واللِّبد (٦٦) وقال الكسائي: لبدًا: ركامًا، جمعُ لبدة (٦٧) وقال أبو علي الفارسي: (اللُّبَدُ -بضم اللام- الكثير من قوله: ﴿ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا  ﴾ ، وكأنه قيل له: "لُبَد" (٦٨) (٦٩) (٧٠) وقال المبرد: اللُّبَد: الجماعات، واحدها: "لبدة"، وأصله ما وقع بعضه على بعض (٧١) (٧٢) له لِبَدٌ أظْفَارُهُ لم تُقَلَّمِ (٧٣) قال (٧٤) (٧٥) وفي الآية قولان آخران، أحدهما: (إن هذا من قول الجن لما رَجَعوا إلى قومهم، أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب رسول الله -  - وائتمامهم به في الركوع والسجود، واقتدائهم به في الصلاة.

وهو قول سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون بصلاته، ويسجدون بسجوده، تعجبوا من طواعية أصحابه له -  -، فقالوا لقومهم: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ ﴾ الآية (٧٦) الثاني: قول قتادة، قال: لما قام عبد الله بالدعوة تلبدت (٧٧) (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) (١) ساقطة من: (أ).

(٢) ما بين القوسين ساقط من: (ع).

(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٤) "تفسير مقاتل" 212/ أ.

(٥) ما بين القوسين ساقط من: (ع).

(٦) ما ورد في "تفسير مقاتل" 212/ أهو: "شدة العذاب".

(٧) "جامع البيان" 29/ 116، و"النكت والعيون" 6/ 119، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 460، و"الدر المنثور" 8/ 306 وعزاه إلى عبد بن حميد.

(٨) "تفسير مقاتل" 212/ أ.

(٩) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 322، و"جامع البيان" 29/ 116، و"الكشف والبيان" 12/ 195/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"الدر المنثور" 8/ 306، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.

(١٠) "جامع البيان" 29/ 116، و"المحرر الوجيز" 5/ 383، و"التفسير الكبير" 30/ 162 "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 18، و"البحر المحيط" 8/ 352، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 460، و"الدر المنثور" 8/ 306 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

وانظر: "المستدرك" 2/ 504، كتاب التفسير: باب تفسير سورة نوح، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

(١١) ورد قوله في: "المحرر الوجيز" 5/ 383، و"البحر المحيط" 8/ 352.

(١٢) ساقطة من: (ع).

(١٣) المقامع: جمع مِقْمَع ، وهو ما يضرب به ويُذَلَّل، ولذلك يقال: قمعته فانقمع، أي: كففته فكف.

"المفردات في غريب القرآن": 413.

(١٤) دأبه: الدَّأب: العادة والشأن.

انظر مادة: (دأب) في: "الصحاح" 1/ 123، و"القاموس المحيط" 1/ 64.

(١٥) ورد قول الكلبي في: "الكشف والبيان" 12/ 195/ ب، كما ورد عند الفراء من غير نسبة، وإنما ذكروا أن الصعد: صخرة ملساء ..

إلخ.

"معاني القرآن" 3/ 194.

(١٦) قاله الفراء في "معاني القرآن" 3/ 194، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 195/ ب.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 236 بنصه.

والصعد في اللغة يدل على ارتفاع ومشقة من ذلك الصعود خلاف الحدور، ويقال: صَعِد يَصْعَد، والإصعاد مقابله الحدور من مكان أرفع، والصعود: العقبة الكؤود، والمشقة من الأَّمر.

"معجم مقاييس اللغة" 3/ 287 مادة: (صعد).

وجاء في المفردات: 280: (الصعود: الذهاب في المكان العالي، والصَّعود والحدور لمكان الصُّعُود والانحدار، وهما بالذات واحد، وإنما يختلفان بحسب اعتبار من يمر فيهما، فمتى كان المار صاعدًا يقال لمكانه: صَعودٌ، وإذا كان منحدرًا يقال لمكانه: حدور، والصَّعَدُ، والصَّعيدُ، والصعُود في الأصل واحد، لكن الصَّعود، والصَّعَد يقال للعقبة، ويستعار لكل شاق).

(١٨) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٩) "تفسير غريب القرآن" 491، و"تأويل مشكل القرآن" 432.

(٢٠) بياض في: (ع).

(٢١) "مجاز القرآن" 2/ 272، والعبارة عنه: ﴿ عَذَابًا صَعَدًا ﴾ مصدر صعود، وهو أشد العذاب.

(٢٢) في كلا النسختين: تدعوا.

(٢٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٢٤) ورد قول سيبويه في "الحجة"، نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي بتصرف يسير.

"الحجة" 6/ 331 - 332، وانظر: "كتاب سيبويه" 3/ 127.

(٢٥) حكاه الفخر أيضًا عن أكثر المفسرين، انظر: "التفسير الكبير" 30/ 162، وبه قال: عكرمة وابن عباس وقتادة.

انظر: "جامع البيان" 29/ 117، و"النكت والعيون" 6/ 119، و"زاد المسير" 8/ 108.

(٢٦) "تفسير مقاتل" 212/ أ.

(٢٧) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 323، و"جامع البيان" 29/ 117، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 195/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"زاد المسير" 8/ 108، و"لباب التأويل" 4/ 318، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 460، و"الدر المنثور" 8/ 306 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

(٢٨) ورد بمعنى هذه الرواية في: "النكت والعيون" 6/ 119، و"زاد المسير" 8/ 108 ونص العبارة عنه: (أنها المساجد التي هي بيوت الله للصلوات)، وقد وردت رواية ابن عباس بهذا اللفظ عن عكرمة.

انظر: "جامع البيان" 29/ 117، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 460.

(٢٩) أن: جاءت مكررة في: (ع).

(٣٠) ورد بمعنى هذه الرواية في: "النكت والعيون" 6/ 119، و"زاد المسير" 8/ 108 ونص العبارة عنه: (أنها المساجد التي هي بيوت الله للصلوات)، وقد وردت رواية ابن عباس بهذا اللفظ عن عكرمة.

انظر: "جامع البيان" 29/ 117، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 460.

(٣١) "زاد المسير" 8/ 108، و"التفسير الكبير" 30/ 163، وانظر: "الوسيط" 4/ 367.

(٣٢) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣٣) "معاني القرآن" 3/ 194.

(٣٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٣٥) "الكشف والبيان" 12/ 195/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"المحرر الوجيز" 5/ 383، و"زاد المسير" 8/ 108، و"التفسير الكبير" 30/ 162، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 19، و"فتح القدير" 5/ 309.

(٣٦) في (أ): السجود.

(٣٧) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 162.

(٣٨) "الكشف والبيان" 12/ 196/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 20.

(٣٩) "تأويل مشكل القرآن" 433 بتصرف يسير، وانظر: "تفسير غريب القرآن" 491.

(٤٠) في (أ): المصدر، وهي كلمة زائدة في معنى الكلام أثبتت سهوًا.

(٤١) "التفسير الكبير" 30/ 163، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 20.

(٤٢) ما بين القوسين انظر فيه: كتاب "الجمل في النحو" للزجاجي: 388: باب اشتقاق اسم المكان والمصدر.

(٤٣) كلمة (يدعوه) ساقطة من: (ع).

(٤٤) في (ع): في.

(٤٥) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن "الحجة" 6/ 332 بتصرف.

(٤٦) وهو قول ابن عباس، والزبير بن العوام، والضحاك، وقتادة، والحسن.

انظر: "جامع البيان" 29/ 118 - 119، و"الدر المنثور" 8/ 307 - 308 من غير ذكر الضحاك، وعزاه إلى ابن جرير، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وعبد بن حميد.

وممن قال بذلك أيضًا من المفسرين: ابن قتيبة في: "تأويل مشكل القرآن" 433، والفراء في "معاني القرآن" 3/ 194، والزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 337، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 12/ 196/ ب، والماوردي في: == "النكت والعيون" 6/ 120.

وانظر أيضًا: "معالم التنزيل" 4/ 404، و"المحرر الوجيز" 5/ 383، و"زاد المسير" 8/ 108، و"التفسير الكبير" 30/ 163، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 22، و"لباب التأويل" 4/ 318، و"البحر المحيط" 8/ 352.

(٤٧) في (ع): نخلة.

وبطن نخلة: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة.

"معجم البلدان" 1/ 449.

(٤٨) انظر في: "الكشف والبيان" 12/ 196/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"لباب التأويل" 4/ 318.

(٤٩) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٥٠) "تفسير مقاتل" 212/ أ.

(٥١) ساقط من: (ع).

(٥٢) "معاني القرآن" 3/ 194 بنصه.

(٥٣) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 337 بتصرف يسير جدًّا.

(٥٤) غير واضحة في: (ع).

(٥٥) "تأويل مشكل القرآن" 233 بتصرف يسير، وانظر: "تفسير غريب القرآن" 191.

(٥٦) في (أ): واحدتها.

(٥٧) ساقط من: (أ).

(٥٨) في (أ): كانوا.

(٥٩) ورد البيت منسوبًا في: "ديوان الهذليين" 2/ 40، ومادة: (جبي) من كتب اللغة: "لسان العرب" 14/ 131، و"تاج العروس" 10/ 66، وانظر أيضًا: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة: 2/ 272، و"جامع البيان" 29/ 113، المحرر: 5/ 384، و"البحر المحيط" 8/ 353، و"الكشاف" 29/ 93.

ومعنى البيت: صابوا: أي وقعوا، وقوله: حتى كأن عليهم جابيًا لبدًا.

يقال: إن الجابي الجراد نفسه، واللّبد: المتركب بعضه على بعض.

ديوان الهذليين: المرجع السابق.

(٦٠) غير واضحة في: (ع).

(٦١) ما بين القوسين من قول أبي عبيدة.

انظر: "مجاز القرآن" 2/ 272، ولعل الواحدي نقله عن "الحجة" 6/ 333.

(٦٢) ساقط من: (ع).

(٦٣) قرأ هشام بن عمار عن ابن عامر: ﴿ لِبَدًا ﴾ بضم اللام، وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: "لِبدا" بكسر اللام، وكذلك الباقون.

== انظر: "كتاب السبعة" 656، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 721، و"الحجة" 6/ 333، و"حجة القراءات" 729، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 342، و"النشر" 392.

(٦٤) ساقطة من: (أ).

(٦٥) ما بين القوسين من قول أبي إسحاق في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 237 بتصرف.

(٦٦) "معاني القرآن" 3/ 194، وعبارته: " ..

وقرأ بعضهم: "لُبُدا"، والمعنى فيهما -والله أعلم- واحد، يقال: لُبَدة، ولِبدَةٌ".

(٦٧) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٦٨) وردت في "الحجة" 6/ 334: "لُبَّدًا".

(٦٩) في (أ): كانوا.

(٧٠) ما بين القوسين من قول أبي علي الفارسي نقله الإمام الواحدي عنه بتصرف يسير من "الحجة" 6/ 334.

(٧١) اللام والباء والدال أصل كلمة صحيحة تدل على تكرُّس الشيء بعضه فوق بعض، من ذلك: اللِّبْد، وهو معروف، وتَلَبَّدت الأرضُ، ولبَّدها المطر، وصار الناس == عليه لُبَدًا إذا تجمعوا عليه.

قاله ابن فارس.

انظر: "معجم مقاييس اللغة" 5/ 228 - 229: مادة: (لبد).

وجاء في اللسان: لَبَد بالمكان يَلْبُدُ لُبودًا، ولَبَدَ لَبَدًا وألبد: أقام به ولزق، فهو مُلبِدٌ به، ولَبَدَ الشيءُ بالشيء يَلْبُدُ إذا ركب بعضه بعضًا، ومال لُبَد: كثير لا يخاف فناؤه، كأنه التبد بعضه على بعض، واللِّبدة واللُّبدة: الجماعة من الناس يقيمون، وسائرهم يظعنون كأنهم بتجمعهم تلبدوا.

3/ 385 - 387، مادة: (لبد).

وانظر: "تاج العروس" 2/ 491، مادة: (لبد).

(٧٢) "الكامل" 1/ 34 أو العبارة عنه قال: لِبْدَة الأسد: ما يتطارق مع شعره بين كتفيه، ويقال: أسد ذو لِبْدَة، وذو لَبد، وقد أورد الثعلبي بمعناه من غير عزو في "الكثسف والبيان" 12/ 196/ ب.

(٧٣) "ديوانه" 84: دار بيروت، والبيت كاملاً: لدى أسد شاكي السلاح مُقذَّفٍ ...

له لبد أظافره لم تقلم ومعناه: شاكي السلاح، أَي: سلاحه ذو شوكة.

المقذف: الغليظ اللحم.

اللِّبَد: الشعر المتراكب على زبرة الأسد.

أظافره لم تقلم: أي هو تام السلاح.

حديده: يريد الجيش.

"شرح شعر زهير بن أبي سلمى" لأبي العباس ثعلب، تحقيق: فخر الدين قباوة: 30.

(٧٤) أي المبرد.

(٧٥) "الكامل" 3/ 1230 بنحوه، وكذا في "المقتضب" 3/ 323.

(٧٦) ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 118، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 196/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 120، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"زاد المسير" 8/ 109، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 22، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 461، و"الدر" 8/ 307 وعزاه إلى عبد بن حميد، والترمذي، والحاكم، وصححاه، وابن جرير، وابن مردويه، والضياء في المختارة، و"فتح القدير" 5/ 314.

انظر: "سنن الترمذي" 5/ 427: ح 3323، كتاب التفسير: باب ومن سورة الجن، وقال عنه: حديث حسن صحيح، و"المستدرك" 2/ 504، كتاب تفسير سورة الجن، وصححه، ووافقه الذهبي.

(٧٧) في (أ): لبدت.

(٧٨) غير واضحة في: (ع).

(٧٩) ناوأه: النَّوْء، والمناوأة: المعاداة، وناوأت الرَّجُلَ مناوأةً ونِواءً: فاخرْتُه، وعادَيْتُهُ.

"لسان العرب" 1/ 178، مادة: (نوأ).

(٨٠) انظر قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 323، و"جامع البيان" 29/ 118 بنحوه، و"الكشف والبيان" 12/ 196/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"زاد المسير" 8/ 109 ، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 22، و"البحر المحيط" 8/ 352، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 461، و"الدر المنثور" 8/ 830 وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 309، وانظر: "الحجة" 6/ 334.

(٨١) المراجع السابقة.

(٨٢) المراجع السابقة عدا "تفسير عبد الرزاق".

(٨٣) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن ابن جرير 29/ 118 - 119 مختصرًا.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنَّا القاسطون ﴾ يعني الضالمين، يقال قسط الرجل إذا جار، وأقسط بالألف إذا عدل.

هاهنا انتهى ما حكاه الله من كلام الجن، وأما قوله: ﴿ فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئك تَحَرَّوْاْ رَشَداً ﴾ يحتمل أن يكون من بقية كلامهم.

أو يكون ابتداء كلام الله تعالى وهو الذي اختاره ابن عطية، وأما قوله: ﴿ وَأَلَّوِ استقاموا ﴾ فهو من كلام الله باتفاق وليس من كلامهم.

﴿ تَحَرَّوْاْ ﴾ أي قصدوا الرشد ﴿ وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً ﴾ الماء الغدق الكثير وذلك استعارة في توسيع الرزق، والطريقة هي طريقة الإسلام وطاعة الله، فالمعنى لو استقاموا على ذلك لوسع الله أرزاقهم فهو كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض ﴾ [الأعراف: 96] وقيلأ: هي طريقة الكفر، والمعنى على هذا: لو استقاموا على الكفر لوسع الله عليهم في الدنيا أملاكهم استدراجاً، ويؤيد هذا قوله: ﴿ لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ والأول أظهر، والضمير في ﴿ استقاموا ﴾ يحتمل أن يكون للمسلمين أو القاسطين المذكورين، أو لجميع الجن أو للجن الذين سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم أو لجميع الخلق ﴿ لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ إن كانت الطريقة الإيمان والطاعة، فمعنى الفتنة الاختبار هل يسلمون أم لا؟

وإن كانت الطريقة الكفر فمعنى الفتنة الإضلال والاستدراج ﴿ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾ معنى نسلكه ندخله والصعد الشديد المشقة، وهو مصدر صعد يصعد، ووصف بالمصدر للمبالغة يقال: فلان في صعد أي في مشقة.

وقيل: صعداً جبل في النار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات {وأنه  } إلى قوله ﴿ وأنا منا المسلمون ﴾ بالفتح: يزيد وابن عامر وحمزة وعلي وخلف وحفص.

والمشهور عن أبي جعفر أنه كان يفتح الألف في سبعة مواضع ﴿ أنه ﴾ ﴿ وأنه ﴾ في خمسة مواضع، واثنين في قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ ﴿ وأن المساجد ﴾ وهما بالفتح لا غير بالإتفاق.

﴿ تقول الإنس ﴾ بالتشديد من التفعل: يعقوب ﴿ يسلكه ﴾ على الغيبة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب الباقون: بالنون ﴿ وإنه لما قام ﴾ بالكسر: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ لبداً ﴾ بالضم: هشام.

﴿ قل إنما أدعو ﴾ على الأمر: عاصم وحمزة ويزيد الآخرون ﴿ قال ﴾ على صيغة الماضي والضمير لعبد الله ﴿ ربي أمداً ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ليعلم ﴾ مبنياً للمفعول: يعقوب.

الوقوف: ﴿ عجباً ﴾ ه لا ﴿ فآمنا به ﴾ ط للعدول عن الماضي المثبت إلى ضدهما.

ثم الوقف على الآيات التي بعد أن جائز ضرورة انقطاع النفس والوقف في قراءة الكسر أجوز ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ولا ولداً ﴾ ه ﴿ شططاً ﴾ ه لا ﴿ رهقاً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ وشهباً ﴾ ه ﴿ للسمع ﴾ ط ﴿ رصداً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ قدداً ﴾ ه ﴿ هرباً ﴾ ه ﴿ آمنا به ﴾ ط ﴿ رهقاً ﴾ ه ﴿ ومنا القاسطون ﴾ ه ط للابتداء بالشرط ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ حطباً ﴾ ه لا ﴿ غدقاً ﴾ ه لا ﴿ فيه ﴾ ج ﴿ صعداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وأنه ﴾ بالفتح ﴿ لبداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ ورسالاته ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ه لا لأن حتى للابتداء بما بعدها ﴿ عدداً ﴾ ه لا ﴿ أمداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه لا ﴿ رصداً ﴾ ه ﴿ عدداً ﴾ ه.

التفسير: روى يونس وهارون عن أبي عمرو ﴿ وحي ﴾ بضم الواو من غير ألف.

والوحي والإيحاء بمعنى وهو إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء وسرعة كالإلهام وإنزال الملك وقد مر مراراً.

وقرىء ﴿ أحي ﴾ بقلب الواو همزة.

والكلام في الجنِّ اسماً وحقيقته قد سلف في الاستعاذة وكذا بيان اختلاف الروايات أنه  هل رأى الجن أم لا، وذلك في آخر سورة " حم الأحقاف ".

والذي أزيده ههنا ما ذكره بعض حكماء الإسلام أنه لا يبعد أن تكون الجن أرواحاً مجردة كالنفوس الناطقة، ثم يكون لكل واحد منهم تعلق بجزء من أجزاء الهواء كما أن أول متعلق النفس الناطقة هو الروح الحيوني في القلب، ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل التدبير والتصرف فيه كما للنفس الناطقة في البدن، ومنهم من جوز أن يكون الجن عبارة عن النفوس الناطقة التي فارقت أبدان الإنسان فتتصرف فيما يناسبها من الأرواح البشرية التي لم تفارق بعد فتعينها بالإلهام إن كانت خيرة، وبالوسوسة إن كانت بالضد.

أما الذاهبون إلى أن الجن أجسام فمنهم الأشاعرة القائلون بأن البنية ليست شرطاً في الحياة وأنه لا يبعد أن يخلق الله  في الجوهر الفرد علماً بأمور كثيرة وقدرة على أعمال شاقة، فعند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة وسواء كان أجزاؤهم صغاراً أو كباراً.

ثم الأمر بالخروج إليهم وقراءة القرآن عليهم لا أنه رآهم وعرف جوابهم.

والله  أوحى في هذه السورة.

ومنهم من قال: البنية شرط وأنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادراً على الأفعال الشاقة.

ومن الأولين من جوز أن يكون المرئي حاضراً والشرائط حاصلة والموانع مرتفعة، ثم أنا لا نراه.

وأعلم أن ما ذكرنا في تفسير الأحقاف عن ابن عباس أنه  ما رأة الجن.

وعن ابن مسعود أنه رآهم.

فالجمع بين القولين أن ما ذكره ابن عباس لعله وقع أولاً فأوحى الله إليه في هذه السورة أنهم قالوا كذا وكذا، أو رآهم وسمع كلامهم وآمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم وذكروا لقومهم على سبيل الحكاية ﴿ أنا سمعنا قرآناً عجباً ﴾ إلى آخره كقوله في " الأحقاف " ﴿ فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين  ﴾ أوحى الله  إلى نبيه محمد  ما جري بينهم وبين قومهم.

والفائدة فيه أن يعلم أنه مبعوث إلى الثقلين وأن الجن مكلفون كالأنس وأنهم يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا، وأن المؤمن منهم يدعو سائرهم إلى الإيمان.

وأجمع القراء على فتح ﴿ أنه استمع ﴾ لأنه فاعل ﴿ أوحي ﴾ وكذا على فتح ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ ﴿ وأن المساجد ﴾ لأنه يعلم بالوحي فهما معطوفان على ﴿ أنه استمع ﴾ وأجمعوا على كسر ﴿ إنا ﴾ في قوله ﴿ إنا سمعنا ﴾ لأنه وقع بعد القول.

وفي البواقي خلاف، فمن كسر فمحمول على مقول القول وأنه صريح من كلام الجن، ومن فتح فعلى أنه فاعل ﴿ أوحى ﴾ ولا بد من تقدير ما في الحكاية ليكون حكاية كلام الجن كأنه قيل: وحكوا أنه  جد ربنا إلى آخره إلا في قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ فإنه كاللذين تقدماه يصح وقوعه فاعل ﴿ أوحي ﴾ من غير تقدير، وجوز صاحب الكشاف فيمن قرأ بفتح الكل في قوله {وأنه  جد ربنا} ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا ﴾ وكذلك البواقي أن يكون معنا صدقنا.

قلت: وفيه نظر لنبوه عن الطبع في أكثر المواضع إذ لا معنى لقول القائل مثلا: صدقنا أنا لمسنا السماء وصدقنا أنا لما سمعنا الهدى آمنا به.

وبالجملة فكلامه في هذا المقام غير واضح ولا لائق بفضله.قوله  ﴿ عجباً ﴾ مصدر وضع موضع الوصف للمبالغة أي قرآناً عجباً بديعاً خارجاً عن حد أشكاله بحسن مبانيه وصحة معانية ﴿ يهدي إلى الرشد ﴾ أي الصواب أو التوحيد والإيمان ﴿ فآمنا به ﴾ لأن الإيمان بالقرآن إيمان بكل ما فيه من التوحيد والنبوة والمعاد، ويجوز أن يكون الضمير لله لأن قوله ﴿ ولن نشرك بربنا ﴾ يدل عليه بعد دلالة الحال ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك.

ذكر الحسن أن فيهم يهود ونصارى ومجوساً ومشركين.

قلت: ومما يدل على أن فيهم نصارى قوله  {وأنه  جد ربنا} أي عظمته مكن قولهم " جد فلان في عيني " أي عظم.

وفي حديث عمر كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا.

ويحتمل أن يراد ملكه وسلطانه أو غناه استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت لأن الملوك والأغنياء المجودون.

وفي الحديث " "لا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ " قال أبو عبيدة: لا ينفع ذا الغنى منك غناه.

وفي حديث آخر " قمت على باب الجنة فإذا غلقه من يدخلها من الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون " يعني أصحاب الغنى في الدنيا أي ارتفع غنى ربنا عن الاحتياج إلى الصاحبة والاستئناس بالولد كأنهم بسماع القرآن تنبهوا على خطا أهل الشرك من أهل الكتاب وغيرهم.

فقوله ﴿ ما اتخذ ﴾ بيان للأول.

وقيل: الجد أبو الأب وإن علا فهو مجاز عن الأصل أي  أصل ربنا وهو حقيقته المخصوصة عن جميع جهات التعلق بالغير قاله الإمام في التفسير الكبير.

النوع الثالث مما ذكره الجن قوله ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً ﴾ السفه خفة العقل، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره ومنه أشط في السوم إذا أبعد فيه أي يقول قولاً هو في نفسه شطط، وصف بالمصدر للمبالغة.

والسفيه إبليس أو غيره من مردة الجن الذين جاوزا الحد في طرف النفي إلى أن أفضى إلى التعطيل، أو في طرف الإثبات إلى أن أدى إلى الشريك والصاحبة والولد.

الرابع ﴿ وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً ﴾ أي إنما أخذنا قول الغير لأنا ظننا أن لا يفتري الكذب على الله أحد، فلما سمعنا القرآن عرفنا أنهم قد يكذبون.

وقال جار الله ﴿ كذباً ﴾ صفة أي قولاً مكذوباً فيه، أو مصدر لأن الكذب نوع من القول.

ومن قرأ بالتشديد وضع ﴿ كذباً ﴾ موضع تقولا ولم يجعله صفة لأن التقول لا يكون إلا كذباً.

قال بعض العلماء: فيه ذم لطريقة أهل الطريق وحث على الاستدلال والنظر.

الخامس ﴿ وأنه كان رجال من الإنس ﴾ الآية.

قال جمهور المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في واد قفر خاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت في جوار منهم حتى يصبح.

وقال آخرون: إذا قحطوا بعثوا رائدهم فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فسار بهم، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي أن يصيبنا آفة يعنون الجن فإن لم يفزعهم أحد نزلوا وربما أفزعهم الجن فهربوا.

وقيل: المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضاً لكن من شر الجن كأن يقول مثلاً: أعوذ برسول الله  من شر جن هذا الوادي.

وإنما ذهبوا إلى هذا التأويل ظناً منهم بأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن، وضعف بأنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلاً.

أما قوله ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ فمعناه أن الإنس لاستعاذتهم بهم زادوهم إثماً وجراءة وطغياناً وكبراً لأنهم إذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإنس.

وقيل: ضمير الفاعل للجن أي فزاد الجن الإنس خوفاً وغشيان شر بإغوائهم وإضلالهم فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا بالله استولوا واجترؤا عليهم.

السادس ﴿ وأنهم ﴾ أي الإنس ﴿ ظنوا كما ظننتم ﴾ أيها الجن قاله بعضهم لبعض.

وقيل: هذه الآية والتي قبلها من جملة الوحي بلا تقدير الحكاية.

والضمير في ﴿ وأنهم ﴾ للجن، والخطاب في ﴿ ظننتم ﴾ لأهل مكة.

والأولى أن يكون الكلام من كلام الجن لئلا يقع كلام أجنبي في البين.

السابع ﴿ وأنا لمسنا السماء ﴾ قال أهل البيان: اللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب التعرف، والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها.

والحرس إسم مفرد في معنى الحراس كالخدم بمعنى الخدام ولها لم يقل شداد.

الثامن ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد ﴾ إلى آخره وفي قوله ﴿ شهاباً رصداً ﴾ وجوه: قال مقاتل: يعني رمياً بالشهب ورصداً من الملائكة وهو اسم جمع كما قلنا في حرس.

فقوله ﴿ رصداً ﴾ كالخبر بعد الخبر وقال الفراء: هو فعل بمعنى مفعول أي شهاباً قد رصد ليرجم به.

وقيل: بمعنى فاعل أي شهاباً راصداً لأجله.

واعلم أنا قد بينا في هذا الكتاب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث نبينا  وقد جاء ذكرها في الجاهلية وفي كتب الفلاسفة، وإنما غلظت وشدد أمرها عند البعث لئلا يتشوش أمر الوحي بسبب تخليط الكهنة.

وفي قوله ﴿ كنا نقعد منها مقاعد ﴾ إشارة إلى أن الجنّ كانوا يجدون بعض المقاعد خالية عن الشهب والحرس والآن ملئت المقاعد كلها.

التاسع ﴿ وأنا لا ندري ﴾ الآية.

وفيه قولان: أحدهما لا ندري أن المقصود من منع الإستراق شر أريد بمن في الأرض أم خير وصلاح.

وثانيهما لا نعلم أن المقصود من إرسال محمد الذي وقع المنع من الإستراق لأجله هو أن يكذبوه فيهلكوا كما هلك المكذبون من الأمم السالفة، أو أن يؤمنوا فيهتدوا، وفيه اعتراف من الجن بأنهم لا يعلمون الغيب على الإطلاق.

العاشر ﴿ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ﴾ أي قوم أدون حالاً في الصلاح من المذكورين حذف الموصوف واكتفى بالصفة كما في قوله ﴿ وما منا الإله مقام معلوم  ﴾ وهذا القسم يشمل المقتصدين والصالحين.

وقوله ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ بيان للقسمة المذكورة، فالطرائق جمع الطريقة بمعنى السيرة والمذهب، والقدد جمع قدة من قد كالقطعة من قطع أي كنا قبل الإسلام ذوي مذاهب متفرقة مختلفة أوعلى حذف المضاف أي كانت طرائقنا طرائق قدد، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة.

الحادي عشر ﴿ وأنا ظننا ﴾ أي تيقنا وقد استعمل الظن الغالب مكان اليقين ﴿ أن لن نعجز الله في الأرض ﴾ إن أراد بنا أمر ﴿ ولن نعجزه هرباً ﴾ أي هاربين أو بسبب الهرب إن طلبنا وفيه إقرار منهم بأن الله غالب على كل شيء.

الثاني عشر ﴿ وأنا لما سمعنا الهدى ﴾ الآية.

عنوا سماعهم القرآن وإيمانهم به.

وقوله ﴿ فلا يخاف ﴾ في تقدير مبتدأ أو خبر أي فهو لا يخاف وإلا قيل بالجزم وبدون الفاء، والفائدة في هذا المساق تحقيق أن المؤمن ناجٍ لا محالة كأنه وقع فأخبر أنه لا يخاف ودلالة على أنه هو المختص بذلك دون غيره إذ يعلم من بناء الكلام على الضمير أن غيره خائف.

وقوله ﴿ بخساً ولا رهقاً ﴾ على حذف المضاف أي جزاء بخس ولا رهق لأنه لم يبخس أحداً حقاً ولا رهق ظلم أحد، وفيه أن المؤمن ينبغي أن يكون غير باخس ولا ظالماً.

ويجوز أن يراد لا يخاف البخس من الله لأنه يجزي الجزاء الأحسن الأوفر ولا ترهقه ذلة.

الثالث عشر ﴿ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ﴾ أي الجائرون عن طريق الحق بالكفر والعدوان وهو قريب من العاشر إلا أن في هذا النوع تفصيل جزاء الفريقين فذكر الإيعاد صريحاً وفي الوعد اقتصر على ذكر سببه وهو تحري الرشد أي طلب الصواب المستتبع للثواب.

قال المبرد: أصل التحري من قولهم ذلك أحرى وأحق وأقرب.

وقال أبو عبيدة: تحروا توخوا.

وفي العدول عن الحقيقة إلى المجاز في جانب الوعد بشارة وإشارة إلى تحقيق الثواب لما عرفت مراراً أن المجاز أبلغ من الحقيقة.

قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ معطوف على ﴿ إنه استمع ﴾ كما مر ومعناه أوحى إليّ أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريق المثلى.

وجوز جمع من المفسرين أن يعود الضمير في ﴿ استقاموا ﴾ إلى الأنس لأن الترغيب في الانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بهم لا بالجن، ولأن الآية روي أنها نزلت بعدما حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين.

وزعم القاضي أن الثقلين.

يدخلون في الآية لأنه أثبت حكماً معللاً بعلة وهو الاستقامة فوجب أن يعم الحكم بعموم العلة.

وأما قول من يقول إن الضمير عائد إلى الجن فله معنيان: أحدهما لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم.

وذكر الماء الغدق وهو الكثير كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع لأنه أصل البركات، فتكون الآية نظير قوله ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم  ﴾ وثانيهما لو استقام الجن الذين استمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الإستماع ولو ينتقلوا عنها إلى الإسلام لو سعنا عليهم الرزق في الدنيا ليذهبوا بطيباتهم في الحياة الفانية ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا  ﴾ إلى آخره.

وأما الذين قالوا: الضمير عائد إلى الإنس فالوجهان جاريان فيه بعينهما.

وعن أبي مسلم: إن المراد بالماء الغدق جنات تجري من تحتها الأنهار يعني في الجنة.

واحتجاج الأشاعرة بقوله ﴿ لنفتنهم ﴾ على أنه  هو الذي يضل عباده ويوقعهم في الفتن والمحن.

والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هنا بمعنى الاختبار كقوله ﴿ ليبلوكم  ﴾ ثم بين وعيد المعرضين عن عبادة الله ووحيه.

وانتصب ﴿ عذاباً صعداً ﴾ على حذف الجار أي في عذاب صعد كقوله ﴿ ما سلككم في سقر  ﴾ أو على تضمين معنى الإدخال.

الصعد مصدر بمعنى الصعود، ووصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه.

وقد روى عكرمة عن ابن عباس أن ﴿ صعداً ﴾ جبل في جهنم من صخرة ملساء يكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، وإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسلفها ثم يكلف الصعود مرة أخرى، وهكذا أبداً ومن جملة الوحي قوله ﴿ وأن المساجد لله ﴾ ذهب الخليل أن الجار محذوف ومتعلقه ما بعده أي ولأجل أن المساجد لله خاصة ﴿ فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ فيها عن الحسن عني بالمساجد الأرض كلها لأنها جعلت للنبي  مسجداً وهو مناسب لمدح النبي  في هذا المقام أي كما أنه مفضل على الأنبياء ببعثه إلى الثقلين فكذلك خص بهذا المعجز الآخر.

وقال جمع كثير من المفسرين: إنها كل موضع بني للصلاة ويشمل مساجدنا والبيع والكنائس أيضاً.

قال قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله فأمرنا بالإخلاص والتوحيد وعن الحسن أيضاً أن المساجد جمع مسجد بالفتح فيكون مصدراً بمعنى السجود.

وعلى هذا قال سعيد بن جبير: المضاف محذوف أي مواضع السجود من الجسد لله وهي الآراب السبعة: الوجه والكفان والركبتان والقدمان.

وقال عطاء عن ابن عباس: هي مكة بجميع ما فيها من المساجد، وأنها قبة الدنيا فكل أحد يسجد إليها.

قال الحسن: من السنة أن الرجل إذا دخل المسجد أن يقول " لا إله إلا الله " لأن قوله ﴿ لا تدعوا مع الله أحداً ﴾ في ضمنه أمر بذكر الله بدعائه.

قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ هو النبي باتفاق المفسرين.

ثم قال الواحدي: هذا من كلام الجن لأن الرسول لا يليق به أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة.

ولا يخفى ضعفه فإنه وارد على طريق التواضع والأدب في الإفتخار بالانتساب إلى عبودية المعبود الحق، وهذا طريق مسلوك في المحاورات والمكاتبات.

يقولون: عبدك كذا وكذا دون أن يقال " فعلت كذا ".

وفي تخصيص هذا اللفظ بالمقام دون الرسول والنبي نكتة أخرى لطيفة هي أن ما قبله النهي عن عبادة غير الله وما بعده ذكر عبادة النبي إياه.

فإن كان هذا من جملة الوحي فلا إشكال في النسق، وإن كان من كلام الجن وفرض أن ما قبل قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ أيضاً من كلامهم كانت الآيتان المتوسطتان كالاعتراض بين طائفتي كلام الجن.

ومناسبة الاستقامة على الطريقة وتخصيص المساجد بعبادة الله وحده لما قبلها ظاهرة فلا اعتراض على هذا الاعتراض.

وفي قوله ﴿ كادوا ﴾ ثلاثة أوجه أظهرها أن الضمير للجن، والقيام قيام النبي  بصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته متزاحمين عليه متراكمين تعجباً مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه.

والثاني بأن الضمير للمشركين والمعنى لما قام رسولاً يعبد الله وحده مخالفاً للمشركين كاد المشركون لتظاهرهم عليه يزدحمون على عداوته ودفعه.

والثالث قول قتادة أي لما قام عبد الله تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره.

و ﴿ لبداً ﴾ جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد.

والتركيب يدور على الإجتماع ومنه اللبد.

ومن قرأ ﴿ قل إنما أدعو ﴾ فظاهر وهو أمر من الله  لنبيه  بأن يقول لأمته المتظاهرين أو للجن عند ازدحامهم: ليس ما ترون من عبادتي ربي بأمر بديع وإنما يتعجب ممن يدعو غير الله وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام الجن لقومهم حكاية عن رسول الله  .

ثم أمر أن يخبر أمته بكلمات قاطعة للأسباب والوسائل سوى الإيمان والعمل الصالح.

والرشد بمعنى النفع، والضر بمعن الغي، وكل منها إمارة على ضده.

ثم من ههنا إلى قوله ﴿ إلا بلاغاً ﴾ اعتراض أكد به نفي الاستطاعة وإثبات العجز على معنى أن الله إن أراد به سوأ لن يخلصه منه أحد ولن يجد من غير الله ملاذاً ينحرف إليه.

والمقصود أني لا أملك شيئاً إلا البلاغ الكائن من الله ورسالاته، فالجار صفة لا صلة لأن التبليغ إنما يعدى بـ " عن " قال  " بلغوا عني ولو آية " قال الزجاج: انتصب ﴿ بلاغاً ﴾ على البدل أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به.

قلت: على هذا جاز أن يكون استثناء منقطعاً.

وقيل: أن لا أبلغ بلاغاً لم أجد ملتحداً كقولك " أن لا قياماً فقعوداً ".

استدل جمهور المعتزلة بقوله ﴿ ومن يعص الله ﴾ الآية.

على أن الفساق من أهل القبلة مخلدون في النار، ولا يمكن حمل الخلود على المكث الطويل لاقترانه بقوله ﴿ أبداً ﴾ وأجيب بأن الحديث في التبليغ عن الله فلم لا يجوز أن تكون هذه القرينة مخصصة؟

أي ومن يعص الله في تبليغ رسالته وأداء وحيه، ومما يقوي هذه القرينة أن سائر عمومات الوعيد لم يقرن بها لفظ ﴿ أبداً ﴾ فلا بد لتخصيص المقام بها من فائدة وما هي إلا أن التقصير في التبيلغ أعظم الذنوب.

وقد يجاب أيضاً بأن قوله ﴿ ومن يعص الله ﴾ لا يحتمل أن يجري على عمومه كأن يراد ومن يعص الله بجميع أنواع المعاصي.

فمن المحال أن يقول شخص واحد بالتجسيم وبالتعطيل، وإذا صار هذا العام مخصصاً بدليل العقل فلم لا يجوز أن يتطرق إليه تخصيص آخر كأن يقال: ومن يعص اله بالكفر.

وحينئذ لا يبقى للخصم شبهة بل نقول: لا حاجة إلى التزام تخصيص آخر، فإن الآتي بالكفر آت بجميع المعاصي الممكنة الجمع.

قال جار الله: ﴿ حتى إذا ﴾ متعلق بقوله ﴿ يكونون عليه لبداً ﴾ أي يتظاهرون عليه بالعداوة إلى يوم بدر أو إلى يوم القيامة حين يعلم يقيناً أن الكافر أضعف الفريقين.

وجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار واستقلالهم لعدده كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا.

ثم أمره بأن يفوّض علم تعيين الساعة إلى الله لأنه عالم الغيب ﴿ ومن رسول ﴾ بيان ﴿ لمن ارتضى ﴾ وفيه أن الإنسان المرتضى للنبوة قد يطلعه الله  على بعض غيوبه، وعلم الكهنة والمنجمين ظن وتخمين فلا يدخل فيه، وعلم الأولياء إلهامي لا يقوى قوة علوم الأنبياء كنور القمر بالنسبة إلى ضياء الشمس.

وههنا أسرار لا أحب إظهارها فلنرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ فإنه يسلكه ﴾ الأكثرون على أن الضمير لله  .

وسلك بمعنى أسلك.

﴿ رصداً ﴾ مفعول أي يدخل الله من أمام المرتضى ووزائه حفظة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك.

وفي الكلام إضمار التقدير.

إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه على غيبه بطريق الوحي ثم يسلك.

وقيل: الضمير للمرتضى وسلك بمعنى سار وفاعله الملائكة ﴿ ورصداً ﴾ حال.

قال في الكواشي: ثم بين غاية الإظهار والسلك فقال ﴿ ليعلم ﴾ أي ليظهر معلوم الله كما هو الواقع من غير زيادة ولا نقص، ومثل هذا التركيب قد مر مراراً.

قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن قد أبلغ جبرائيل ومن معه من الملائكة الوحي بلا تحريف وتغيير.

وقوله ﴿ من بين يديه ﴾ مع قوله ﴿ أن قد أبلغوا ﴾ كقوله ﴿ فإن له نار جهنم خالدين ﴾ من الحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى.

ثم ما ذكرنا وهو أن المراد بالعلم هو الظهور بقوله ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ من الحكم والشرائع أي وقد أحاط قبل به.

ثم عمم العلم فقال ﴿ وأحصى كل شيء ﴾ من ورق الأشجار وزبد البحار وقطر الأمطار.

و ﴿ عدداً ﴾ مصدر في معنى الإحصاء أو حال أي ضبط كل شيء معدوداً محصوراً أو تمييز والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ هم المؤمنون و ﴿ دُونَ ذَلِكَ ﴾ هم الكافرون.

ويشبه أن يكون ﴿ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ ، و ﴿ دُونَ ذَلِكَ ﴾ ليس على الإيمان والكفر؛ لأن هذا قد ذكر فيما تقدم من الآيات بقوله: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ ﴾ ، ولو كان التأويل على ما ذكروا، لكان يقع موقع التكرار؛ ولكن تأويله عندنا: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ ﴾ ، أي: منا من عرف بالصلاح والستر، ﴿ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ وهم الفسقة؛ فيكون فيه إبانة أن كل أهل دين فيهم الصالح المرضي، وفيهم الفاسق المفسد في دينه؛ قال الله  : ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ  ﴾ ، ولو لم يكن منا غير صالح، لم يكن لاشتراط الصالحين معنى، وكقوله  : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ  ﴾ ، فلو لم يكن منا أهل فسق، لما قال هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً ﴾ .

أي: أهواء متفرقة، ولم يذكروا في الأهواء المتفرقة الأصلح والأدون، وذكروا ذلك عند ذكر الفاسق والصالح؛ لأن أهل الأهواء كلٌّ [يظن] في نفسه: أنه هو المحق، وغيره على الباطل، وأما الفاسق فهو يعرف أنه يتعاطى بفسقه ما لا يحل له، ويرتكب ما نهي عنه، وكذلك كل من شاهد فسقه يعرف أنه على الباطل؛ وإن كان كذلك، ظهر الدون فيه، وظهر الصالح، ولم يظهر ذلك في اعتقاد المذاهب؛ فلم يتكلم فيه بالدون والصلاح.

ثم الطرائق هي المذاهب والأهواء، والقدد: القطع، يقال: قَدَّه، أي: قطعه، فمعناه: أنا كنا على مذاهب متفرقة، وأهواء متشتتة، ففي الآية أن في الجن أهواء متفرقة، كما [أن] ذلك في الإنس، والأصل فيه أن طريق معرفة المذهب والدين الفكر والاجتهاد [ليتوصل به] إلى الحق، والمجتهد قد يصيب الطريق مرة، ويزيغ عنه أخرى؛ فلهذا ما أصاب البعض من الخلائق الطريق المستقيم، ومنهم من زاغ عنه.

ويعلم بهذا أن سبيل الجن في التوحيد وسبيل الإنس واحد، وهو الفكر، وله الاجتهاد، وأن فيهم آيات متشابهة كما في الإنس؛ إذ عن المتشابه يتولد الزيغ؛ لذلك تفرقوا على أهواء [متفرقة] مختلفة، وأما أسباب الفسق مجتمعة، فتعرف بالمعاينة، فيظهر الأدون والأرفع في الدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ﴾ : ذكر أبو بكر الأصم أنه على كفرهم ظنوا ألا يعجزوا الله  .

ولكن أكثر أهل التأويل ذكروا أن الظن هاهنا في موضع العلم، ويؤيد تأويلهم قراءة حفصة -  ا - فإنها كانت تقرأ: ﴿ وأنا علمنا أن لن نعجز الله في الأرض فَرَرَةً ولن نسبقه هربا ﴾ .

فقوله: ﴿ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: لن نفوته، ولا يتهيأ لنا أن نعجز الله بأهل الأرض عن إيصال نقمته وعذابه إلينا.

ويخرج قوله: ﴿ فَرَرَةً ﴾ على ذلك، أي: لو فررنا من عذابه، لن نعجزه ألا يعذبنا.

والفرار قد يكون بدون الطلب؛ قال الله - عز وجل -: ﴿ فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ  ﴾ ، ولم يرد به الفرار من الطلب، وأما الهرب فإنه لا يكون إلا عن طلب؛ فكأنهم قالوا: لا يتهيأ لنا الفرار عن عذاب الله  ؛ لكثرة الأعوان والأنصار، ولا يعجزه هربنا عن طلب.

أو أن يكون قوله عز وجل: ﴿ لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وإن دخلنا تحت تخوم الأرضين، ولن نعجزه بالهرب على وجه الأرض، فيكون فيه إقرار بأنا لا نقدر بالحيل والأسباب أن نحترز من عذاب الله  ، كما يتهيأ الاحتراز عن ملوك الأرض بالحيل والأسباب.

ثم مثل هذا الكلام يصدر عن أهل الإسلام؛ لأن مثل هذا الكلام إنما يتكلم به من يخاف حلول نقم الله  عليه، والذي أيقن بالبعث، ويذكر مقامه بين يدي ربه، وأما أهل الكفر: فلم يؤمنوا بالبعث حتى يحملهم خوف العاقبة على النظر في مثل هذا؛ فثبت أن هذه المقالة صدرت عن أهل الإسلام، ليس عن أهل الكفر؛ كما ذكره أبو بكر الأصم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ ﴾ .

فالهدى هو الدعاء إلى الحق، فيحتمل أن يكون لما دعينا إلى الحق - وهو القرآن - آمنا به؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ  ﴾ ، أي: يدعو إليه، وقال [الله  ] في أول السورة: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ  ﴾ .

ويجوز أن يكون الهدى هو الاهتداء، أي: لما سمعنا ما به اهتدينا.

وظن أبو بكر الأصم أنهم كانوا كفرة إلى أن سمعوا الهدى فآمنوا به؛ لأنه لو كانوا على الهدى من قبل لكان الإيمان منهم سابقا؛ فلا يكون قوله: ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ وقد آمنوا من قبل - معنى، وليس يثبت كفرهم بما ذكر؛ لأنه قد يجوز أن يكونوا على الإيمان فلما سمعوا الهدى، أحدثوا إيمانا بهذا الهدى على ما سبق منهم من الإيمان بالجملة؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ ، وقال: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ  ﴾ ، أي: زادوا إيمانا؛ [بالتفسير على] ما سبق منهم من الإيمان بالجملة لأنهم لم يكونوا من قبل مؤمنين، فأحدثوه للحال، وكذلك قال: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، وقد هدوا الصراط المستقيم، ولكنهم يريدون بهذا الدعاء أن اهدنا بالإشارة والتعيين إليه الصراط [المستقيم] على ما هديتنا في الجملة؛ فكذلك إحداثهم الإيمان بما سمعوا من الهدى لا ينفي عنهم الإيمان فيما سبق من الأوقات، بل يجوز أن يكونوا مؤمنين من قبل، ثم يحدثوا الإيمان بكل أمر يجيئهم من عند الله - عز وجل -، ولا يدل إيمانهم [به] على أنهم لم يكونوا من قبل مسلمين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً ﴾ .

قال - رحمه الله -: إنه لا أحد من أهل الإيمان من جني ولا إنسي يخاف البخس والرهق من الله  إلا المعتزلة؛ فإنهم يخافون ذلك؛ لأنهم ليسوا يخرجون مرتكبي الكبائر من الإيمان، ثم يطلقون القول فيهم: إنهم يخلدون في النار، وفي التخليد خوف البخس والرهق، بل فيه ما يزيد على البخس؛ لأن البخس هو النقصان، وفي التخليد ذهاب منفعة الإيمان ومنفعة الخيرات التي سبقت منهم.

وقال  : ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا  ﴾ ، والمعتزلة تزعم أنه [لو] آخذهم بالخطأ والنسيان، كان جائراً.

وقال: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا  ﴾ وهم يزعمون أنه لو أزاغ قلوبهم بعد الهدى، كان ذلك منه جورا وظلما، فهم أبدا على خوف من جور ربهم.

ونحن نقول بأنه لو آخذهم به، كان يكون ذلك منه عدلا، وإذا عفا عنهم، كان ذلك منه إنعاما وإفضالا، فنحن ندعو الله  ، ونتضرع إليه ألا يعاملنا بعدله فنهلك، بل يعاملنا بالإفضال والإنعام.

وعلى قول المعتزلة من ارتكب كبيرة، ردت عليه حسناته، وصار عدوّاً لله  ، وخلد في النار أبد الآبدين، والله يقول: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا  ﴾ ، وأولى الحسنات التي يستوجب عليها المضاعفة هو الإيمان بالله  ، فلا يجوز أن يخلد في النار، ويذهب عنه منفعة الإيمان،  الله عما يقولون علوّاً كبيرا.

ثم قوله: ﴿ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: البخس: النقصان، أي: لا ينقص من حسناته، والرهق: الظلم؛ كقوله  : ﴿ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً  ﴾ ، وأن يحمل عليه من سيئات ارتكبها غيره.

والثاني: ﴿ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً ﴾ ، أي: ألا تقبل حسناته إذا تاب، ﴿ وَلاَ رَهَقاً ﴾ أي: ظلم؛ فلا يحسب له من حسناته شيئاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ ﴾ .

القاسط: الجائر والمقسط: العادل.

ثم في العدل ثلاث لغات؛ يقال عدل عنه: إذا مال وجار.

وعدل به: إذا جعل له شريكا وعديلا.

وعدل فيه: إذا حكم بالعدل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً ﴾ : التحري والتوخي هو القصد؛ فكأنه يقول: قصد الرشد بالإسلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: دلت الآية على أن للجن لحما ودما كما للإنس؛ [لأنه] قال في الإنس: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ  ﴾ ، فلو لم يكونوا لحما ودما، لم يصيروا لجهنم حطبا.

ولكن هذا لا يدل؛ لأن اللحم من شأنه أن يحترق وينضج، ولا يصلح أن يكون وقودا، ولكن الله  باللطف، صير لحمان الإنس وقودا، ليس أن صار حطبا بما كان لحما، فليس في الآية دلالة ما ذكر.

بل فيها أن الجن قد امتحنوا بالعبادة كما امتحن بها الإنس، وأنهم إذا عصوا ربهم استوجبوا العقاب مثل ما يستوجبه الإنس.

ثم ذكر عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: ليس للجن ثواب، وعليهم العقاب إذا عصوا.

ومعنى قوله: ليس لهم ثواب عندنا، ليس يريد به أن الله  لا يرضى عنهم إذا عبدوه، ولا تعظم منزلتهم عنده، ولكنه يريد به أن الذي وعد للإنس من المآكل والمشارب والأزواج الحسان والحور في الجنة على الخلود - ليس لهم فيها؛ لأن الوعد من الله  بها جرى للإنس، ولم يجر الوعد للجن، ولا ذكر ذلك في شيء من القرآن، والذي وعد به الإنس طريقه الإفضال والإنعام، لا أن يكون ذلك حقّاً للإنس قِبَلَه، فإذا لم يجر لهم الوعد بذلك، لم يجب القول لهم بالموعود.

وأما العقاب فإن الحكمة توجب التعذيب لمن كفر به؛ فلا يجوز أن تكون الحكمة توجب تعذيب الكفرة، ثم لا يعذب الجن إذا كفروا؛ فلذلك وجب القول بعقابهم، ولم يجب القول بالثواب، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً ﴾ ، اختلف فيه: فمنهم من قال: طريقة الهدى.

ومنهم من قال: طريقة الكفر.

فمن قال: المراد: هو طريقة الهدى، قالوا: إن الطريقة المعروفة المعهودة هي طريق الله  ، فعند الإطلاق، تنصرف إليه؛ كالدين متى ذكر مطلقا ينصرف إلى دين الحق، وكذلك: السبيل المطلق؛ قال الله  : ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، وهو الإسلام.

ثم يخرج هذا على وجوه: أحدها: ينصرف إلى الكفرة أنهم: ﴿ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ ﴾ ، أي: لو أجابوا إلى ما يدعون إليه من الهدى، ﴿ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً ﴾ ، أي: وسعنا عليهم العيش، وكثرنا أموالهم، ويكون ذكر الماء هاهنا كناية عن السعة؛ لأن سعة الدنيا كلها تتصل بالماء، والماء أصلها؛ قال الله  : ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  ﴾ ، فأخبر أن رزق الخلق في السماء، والذي ينزل من السماء الماء، وهو المطر، وجعل ذلك رزقا، إذ هو أصل رزق الخلق؛ فكذلك ذكر [الماء] هاهنا كناية عن السعة من الوجه الذي ذكرنا.

فإن كان على هذا؛ فيكون الخطاب راجعا إلى الوقت الذي كانوا ابتلوا فيه بالقحط والسنين؛ فوعد لهم أنهم لو أجابوا إلى ما دعوا إليه يرفع عنهم القحط والسنين، ويوسع عليهم في الرزق، وهو كقول نوح وهود وغيرهما، ووعدهم قومهم بإرسال الأمطار، وتكثير الأنزال والأموال والأولاد ونحوه.

ويجوز أن يكون هذا في أصحاب رسول الله  ؛ فإنهم كانوا في أول الإسلام في ضيق الحال، وشدة من العيش، وكانوا يتفرقون في الشعاب والأودية؛ لشدة ما حل بهم من الجوع؛ ليصيبوا من عشبها، وعند اشتداد الحال تخاف النفس من إهلاكها والتبديل، فوعدوا السعة في العيش ﴿ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ ﴾ التي كانوا عليها، أي: داموا عليها ولم يبدلوا الدين بالهوى والحق بالباطل، كما وعد لهم النصر والظفر على الأعداء، مع قلة أنصارهم إن داموا على الإسلام.

ويحتمل ما قال بعضهم: أن تأويل قوله: ﴿ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ ﴾ أي: لو أسلم أهل الأرض كلهم جميعا، لوسعنا عليهم الدنيا، وكثرنا أموالهم وأولادهم؛ حتى يفتنوا فيها ويمتحنوا بمحن شديدة، فيحتمل البعث منهم فيبقوا مؤمنين، ولا يتحمل البعض فيبغون ويعودون إلى ما كانوا عليه من الكفر؛ حتى لا يقع الخلف في وعدنا؛ فإن الله  وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولا يجوز أن يقع في وعيده خلف، وهم لو استقاموا على الطريقة، ولم يبغوا، أدى ذلك إلى خلف الوعيد؛ لأنه لا يملؤه إذا داموا على الطريقة ولم يبغوا، وتكون الحكمة في بغيهم أن يعرف الخلق أن الله -  - لم يخلقهم لمنافع تحصل له، ولكن خلقهم لأنفسهم: إن أحسنوا [أحسنوا] لأنفسهم، وإن أساءوا فعليهم، ولو أبقاهم على الطريقة المستقيمة، وظهرت الموالاة في الجملة، لكان يسبق إلى الأوهام: أنه إنما خلقهم لمنافع نفسه.

وهذا من الله  بيان علمه بما لا يكون أن لو كان كيف يكون؛ إذ الله  علم الإيمان من البعض، والكفر من البعض؛ للحكمة التي ذكرنا، وغيرها مما يقف على بعضها الخلق دون البعض، وحكم بذلك، ثم أخبر أنه لو حكم بأن يستقيم الكل على طريقة الحق، ويؤمنوا، لم يحكم على طريق الأبد في حق الكل، بل حكمه أن يستقيم عليها البعض إلى مدة، ثم يترك، ويبدل الحق بالباطل ويدوم البعض عليها؛ تحقيقا لما ذكرنا من الحكمة؛ وهو كقوله  : ﴿ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ  ﴾ ، أي: لو لم نفرض عليهم الجهاد والخروج إلى القتال، لبرز الذين [منتهى آجالهم القتل] إلى حوائج أنفسهم، فيقتلون، بيانا منه لحكمه الذي يحكم أنه لو حكم كيف كان؛ فكذا هذا.

وأما من قال: معناه: طريقة الكفر، فهو أن يكون المراد من الاستقامة هاهنا: الإقامة، ولفظة "الإقامة" يعبر بها عن الإقامة على الكفر والإسلام جميعا، وتكون ﴿ ٱلطَّرِيقَةِ ﴾ هاهنا إشارة إلى الطريقة التي كانوا عرفوها قبل الإسلام وهي الكفر، وإن كانت الطريقة إذا أطلق ذكرها، أريد بها طريقة الهدى؛ لأن طريقة الكفر هي التي كانت معروفة فيما بينهم، وكذلك ذكر أهل التأويل: أن الطريقة [هاهنا طريقة الكفر] فقوله: ﴿ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً ﴾ ، أي: وسعنا عليهم، وكثرنا أموالهم؛ ليعلموا جود ربهم؛ حيث بسط عليهم الرزق مع اختيارهم عداوته؛ كما بسط الرزق على أوليائه، وليعلموا أن حلمه يجاوز الحد حيث لم يؤاخذهم بذنوبهم ولم يعجل بإنزال النقمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ فالفتنة: المحنة التي فيها الشدة، فإن كان هذا في أهل الكفر، ففي بسط الرزق عليهم محنة شديدة؛ لأن ذلك يمنعهم عن الخضوع والانقياد لرسول الله  ؛ لما يروا من الفضل على من دونهم في المال والسعة؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ  ﴾ وكذلك قال: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ .

وإن كان التأويل منصرفا إلى أهل الإسلام، ففي التوسيع عليهم محنة شديدة؛ وكذلك جميع ما امتحنا به فيه شدة، قال الله  : ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ فما من حال تعترض الإنسان إلا وله فيها شدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾ : جائز أن يكون: ومن يعرض عن طاعة ربه وعبادته، أو يعرض عن توحيده، أو يعرض عن القرآن؛ إذ هو ذكر.

والإعراض هاهنا عبارة عن الإيثار والاختيار، أي: من يختار ذكر غير الله  على ذكره، أو طاعة غيره على طاعته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً  ﴾ فجائز أن يكون الصعد، والصعود على التحقيق؛ كما ذكره أهل التفسير: أنهم يكلفون الصعود على جبل من نار، فلا يقدرون إلا بعد شدة عظيمة، ثم إذا بلغوا أعلاها يهوون فيها، فيكون ذلك دأبهم.

وجائز أن يكون على التمثيل؛ وذلك لأن الصعود أشد من الهبود؛ فيكون الصعود عبارة عن المشقة هاهنا: أنه يستقبله ما يشق عليه.

وقيل: المشقة التي عليهم هي ما يحل بهم من العذاب متتابعا عذابا بعد عذاب.

وقال القتبي: الصعود: المشقة، يقال: صعد عليَّ هذا الأمر: يشق عليَّ.

وروي عن عمر -  - أنه قال: "ما يصعدني أمر ما يصعدني خطبة النكاح"، أي: ما يشق عليَّ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً ﴾ : أي: ما يسجد فيه، وما يسجد به، فما يسجد فيه هو البقاع، وما يسجد به هو الجوارح؛ فكأنه يقول بأن البقاع التي يسجد فيها والأعضاء التي يسجد بها لله  ؛ لأنه هو الذي خلقها وأنشأها، والمساجد التي بنيت فإنما تبنى لعبادة الله  ، وليدعى فيها فلا يشركوا غيره في العبادة والدعاء.

وقال بعضهم: أراد بالمساجد المسجد الحرام؛ روي ذلك عن الضحاك وغيره؛ فكأنه إنما صرف التأويل إلى المسجد الحرام؛ لأن هذه السورة مكية ولم يكن في غيرها من البقاع مساجد.

وقال بعضهم: المساجد هاهنا البيع والكنائس؛ لأن البيع والكنائس بنيت؛ ليعبد الله  فيها، فنهاهم أن يعبدوا فيها غير الله  ، فيخرج هذا مخرج الاحتجاج أنكم قد علمتم أن المساجد بنيت لتعبدوا الله فيها فلا تعبدوا فيها غيره، وإذا كان الله منشئها وخالقها دون غيره، فكيف تشركون معه غيره في العبادة والدعاء وليس هو بمنشئ لها؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً ﴾ .

جائز أن يكون على الدعاء نفسه، فيكون معناه: ألا تدعوا مع الله أحدا؛ لأن الإله اسم المعبود، [و] كان القوم إذا عبدوا شيئا سموه: إلها؛ فيقول: لا تدعوا مع الله أحداً [إلها؛ فإنه هو الإله، وهو المستحق للعبادة] من كل أحد.

وجائز أن يكون أريد بالدعاء العبادة؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: "الدعاء مخ العبادة" ، وقال  : ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ  ﴾ ؛ فجعل دعاءهم إياه عبادة منهم له؛ فيكون قوله: ﴿ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً ﴾ ، أي: لا تشركوا غيره معه في العبادة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ : [منهم من يقول: إنهم ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ ] على جهة الرغبة فيه [والموالاة] له؛ فقوله ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ ، أي: كاد يلتصق بعضهم إلى بعض مثل اللبد ليتصلوا برسول الله  [أو ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: على رسول الله  ]، كادوا يلتصقون برسول الله؛ حبا لما سمعوا من رسول الله  أو حرصا على حفظ ما سمعوا أو تعجباً مما سمعوا؛ فكانوا يحرصون على حفظ ما سمعوا؛ لأنهم كانوا من منذري الجن؛ فحرصوا على حفظه ووعيه؛ لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم؛ وتعجبوا مما سمعوا؛ لأنهم سمعوه من مكان لم يكن مكان قراءة الكتب، وسمعوا من الأمي الذي لم يقرأ كتابا قط، ولا عرف المكتوب؛ فتعجبوا منه أشد التعجب.

والتلبد: التصاق الشيء بالشيء التصاقا لا يفصل بعضه عن بعض، وسمي اللبد: لبدا من هذا؛ لأن الصوف يلتصق بعضه ببعض حتى لا يميز.

ومنهم من زعم أنهم فعلوا [هذا؛ لشدة] معاداتهم لرسول الله  ؛ فيكون على هذا منصرفا إلى الكفرة؛ الإنس منهم والجن، فيخبر أنهم اجتمعوا وتظاهروا؛ ليطفئوا نور الله، فأبى الله  إلا أن يتم نوره، فإن كان منصرفاً إلى الكفرة، فقوله: ﴿ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾ معناه: [أي]: لما قام محمد  [يدعو إلى الله ويوحده]، ويدعو الخلق إلى عبادته وطاعته - هَمَّ المشركون من [الإنس والجن]، وتلبدوا على هذا الأمر أن يطفئوه؛ فأبى الله  إلا أن ينصره ويمضيه.

وإن كان هذا من أهل الإسلام من الجن، والدعاء راجع إلى العبادة؛ فكأنه يقول: لما قام بعبادة الله  وهي الصلاة، كادوا يكونون عليه لبدا؛ لشدة حرصهم في تحفظ ما سمعوا، وشدة حبهم لرسول الله  ، ولما سمعوا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لنختبرهم فيه أيشكرون نعمة الله أم يكفرونه؟

ومن يُعْرِض عن القرآن، وعما فيه من المواعظ، يدخله ربه عذابًا شاقًّا لا يستطيع تحمّله.

<div class="verse-tafsir" id="91.qZjbL"

مزيد من التفاسير لسورة الجن

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
اللهم صل على محمد