الإسلام > القرآن > سور > سورة 72 الجن > الآية ٢٨ من سورة الجن
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 114 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٨ من سورة الجن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ) وقد اختلف المفسرون في الضمير الذي في قوله : ( ليعلم ) إلى من يعود ؟
فقيل : إنه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ) قال : أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل ، ) ليعلم ) محمد صلى الله عليه وسلم ( أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ) ورواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به .
وهكذا رواه الضحاك والسدي ويزيد بن أبي حبيب .
وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) قال : ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله ، وأن الملائكة حفظتها ودفعت عنها .
وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة .
واختاره ابن جرير .
وقيل غير ذلك ، كما رواه العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ) قال : هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشيطان ، حتى يتبين الذي أرسل به إليهم ، وذلك حين يقول ، ليعلم أهل الشرك أن قد أبلغوا رسالات ربهم .
وكذا قال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) قال : ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم .
وفي هذا نظر .
وقال البغوي : قرأ يعقوب : " ليعلم " بالضم ، أي : ليعلم الناس أن الرسل بلغوا .
ويحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى الله عز وجل ، وهو قول حكاه ابن الجوزي في " زاد المسير " ويكون المعنى في ذلك : أنه يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته ، ويحفظ ما بين إليهم من الوحي ; ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ، ويكون ذلك كقوله : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) [ البقرة : 143 ] وكقوله : ( وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ) [ العنكبوت : 11 ] إلى أمثال ذلك ، مع العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لا محالة ; ولهذا قال بعد هذا : ( وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ) .
وقوله: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ ) اختلف أهل التأويل في الذي عُنِي بقوله: (لِيَعْلَمَ ) فقال بعضهم: عُنِي بذلك رسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: معنى الكلام: ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد أبلغت الرسل قبله عن ربها.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ ) ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرسل قبله قد أبلغت عن ربها وحفظت.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ ) قاله: ليعلم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أن الرسل قد أبلغت عن الله، وأن الله حفظها، ودفع عنها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليعلم المشركون أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ ) قال ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليعلم محمد أن قد بلغت الملائكة رسالات ربهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ) قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبرائيل (لِيَعْلَمَ ) محمد (أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ) قال: وما نـزل جبريل عليه السلام بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة.
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندنا بالصواب، قول من قال: ليعلم الرسول أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم؛ وذلك أن قوله: (لِيَعْلَمَ ) من سبب قوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ) وذلك خبر عن الرسول، فمعلوم بذلك أن قوله ليعلم من سببه إذ كان ذلك خبرا عنه.
وقوله: (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ) يقول: وعلم بكلّ ما عندهم (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ) يقول: علم عدد الأشياء كلها، فلم يخف عليه منها شيء.
وقد حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير أنه قال في هذه الآية (إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ )...
إلى قوله: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ) قال: ليعلم الرسل أن ربهم أحاط بهم، فبلغوا رسالاتهم.
آخر تفسير سورة الجن.
قوله تعالى : ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا قوله تعالى : ليعلم قال قتادة ومقاتل : أي ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة .
وفيه حذف يتعلق به اللام ; أي أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ بالحق والصدق .وقيل : ليعلم محمد أن قد أبلغ جبريل ومن معه إليه رسالة ربه ; قاله ابن جبير .
قال : ولم ينزل الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة عليهم السلام .
وقيل : ليعلم الرسل أن الملائكة بلغوا رسالات ربهم .وقيل : ليعلم الرسول أي رسول كان أن الرسل سواه بلغوا .وقيل : أي ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه واستراق أصحابه .وقال ابن قتيبة : أي ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما نزل عليهم ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم .وقال مجاهد : ليعلم [ ص: 29 ] من كذب الرسل أن المرسلين قد بلغوا رسالات ربهم .
وقراءة الجماعة ليعلم بفتح الياء وتأويله ما ذكرناه .
وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد ويعقوب بضم الياء أي ليعلم الناس أن الرسل قد أبلغوا .وقال الزجاج : أي ليعلم الله أن رسله قد أبلغوا رسالاته بفتح الياء ; كقوله تعالى : ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين المعنى ليعلم الله ذلك علم مشاهدة كما علمه غيبا .وأحاط بما لديهم أي أحاط علمه بما عندهم ، أي بما عند الرسل وما عند الملائكة .
وقال ابن جبير : المعنى : ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط علمه بما لديهم ، فيبلغوا رسالاته .وأحصى كل شيء عددا أي أحاط بعدد كل شيء وعرفه وعلمه فلم يخف عليه منه شيء .
و ( عددا ) نصب على الحال ، أي أحصى كل شيء في حال العدد ، وإن شئت على المصدر ، أي أحصى وعد كل شيء عددا ، فيكون مصدر الفعل المحذوف .
فهو سبحانه المحصي المحيط العالم الحافظ لكل شيء وقد بينا جميعه في الكتاب الأسنى ، في شرح أسماء الله الحسنى .
والحمد لله وحده .
{ لِيَعْلَمَ } بذلك { أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ } بما جعله لهم من الأسباب، { وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } أي: بما عندهم، وما أسروه وأعلنوه، { وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا } وفي هذه السورة فوائد كثيرة: منها: وجود الجن، وأنهم مكلفون مأمورون مكلفون منهيون، مجازون بأعمالهم، كما هو صريح في هذه السورة.ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول إلى الجن، كما هو رسول إلى الإنس ، فإن الله صرف نفر الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلغوا قومهم.ومنها: ذكاء الجن ومعرفتهم بالحق، وأن الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحققوه من هداية القرآن، وحسن أدبهم في خطابهم.ومنها: اعتناء الله برسوله، وحفظه لما جاء به، فحين ابتدأت بشائر نبوته، والسماء محروسة بالنجوم، والشياطين قد هربت عن أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأن الله رحم به الأرض وأهلها رحمة ما يقدر لها قدر، وأراد بهم ربهم رشدا، فأراد أن يظهر من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض، ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائر الإسلام، وينقمع به أهل الأوثان والأصنام.ومنها: شدة حرص الجن لاستماع الرسول صلى الله عليه وسلم، وتراكمهم عليه.ومنها: أن هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وبينت حالة الخلق، وأن كل أحد منهم لا يستحق من العبادة مثقال ذرة، لأن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم، إذا كان لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا، بل ولا يملك لنفسه، علم أن الخلق كلهم كذلك، فمن الخطأ والغلط اتخاذ من هذا وصفه إلها آخر مع الله.
ومنها: أن علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها، فلا يعلمها أحد من الخلق، إلا من ارتضاه الله وخصه بعلم شيء منها.
تم تفسير سورة قل أوحي إلي، ولله الحمد
( ليعلم ) قرأ يعقوب : " ليعلم " بضم الياء أي ليعلم الناس ( أن ) الرسل ( قد أبلغوا ) وقرأ الآخرون بفتح الياء أي : " ليعلم " الرسول ، أن الملائكة قد أبلغوا ( رسالات ربهم وأحاط بما لديهم ) أي : علم الله ما عند الرسل فلم يخف عليه شيء ( وأحصى كل شيء عددا ) قال ابن عباس : أحصى ما خلق وعرف عدد ما خلق فلم يفته علم شيء حتى مثاقيل الذر والخردل .
ونصب " عددا " على الحال ، وإن شئت على المصدر ، أي عد [ عدا ] .
«ليعلم» الله علم ظهور «أن» مخففة من الثقيلة أي أنه «قد أبلغوا» أي الرسل «رسالات ربهم» روعي بجمع الضمير معنى من «وأحاط بما لديهم» عطف على مقدر، أي فعلم ذلك «وأحصى كل شيء عددا» تمييز وهو محول من المفعول والأصل أحصى عدد كل شيء.
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: ما أدري أهذا العذاب الذي وُعدتم به قريب زمنه، أم يجعل له ربي مدة طويلة؟
وهو سبحانه عالم بما غاب عن الأبصار، فلا يظهر على غيبه أحدًا من خلقه، إلا من اختاره الله لرسالته وارتضاه، فإنه يُطلعهم على بعض الغيب، ويرسل من أمام الرسول ومن خلفه ملائكة يحفظونه من الجن؛ لئلا يسترقوه ويهمسوا به إلى الكهنة؛ ليعلم الرسول صلى الله عليه وسلم، أن الرسل قبله كانوا على مثل حاله من التبليغ بالحق والصدق، وأنه حُفظ كما حُفظوا من الجن، وأن الله سبحانه أحاط علمه بما عندهم ظاهرًا وباطنًا من الشرائع والأحكام وغيرها، لا يفوته منها شيء، وأنه تعالى أحصى كل شيء عددًا، فلم يَخْفَ عليه منه شيء.
واللام فى قوله - تعالى - : ( لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ ..
) متعلقة بقوله ( يَسْلُكُ ) .والضمير فى ( يعلم ) يعود إلى الله - تعالى - ، والمراد بالعلم : علم المشاهدة الذى يترتب عليه الجزاء ، أى : أطلع الله - تعالى - من ارتضاهم على بعض غيوبه ، وحرسهم من وصول الشياطين إلى هذا الذى أظهرهم عليه من غيوب .
.
ليعلم - تعالى - علم مشاهدة يترتب عليه الجزاء ، أن الرسل قد أبلغو رسالته - سبحانه - إلى خلقه ، وأنه - تعالى - قد ( وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ) أى : أحاط علمه - تعالى - بكل ما لدى الرسل وغيرهم من أقوال وأفعال ، ( وأحصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ) أى : وأحصى كل شئ فى هذا الكون إحصاء تاما ، وعلما كاملا .قال الشوكانى : قوله : ( لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ .
.
.
) اللام متعلقة بيسلك ، والمراد به العلم المتعلق بالإِبلاغ الموجود بالفعل ، و " أن " هى المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن ، والخبر الجملة ، والرسالات عبارة عن الغيب الذى أريد إظهاره لمن ارتضاه الله من رسول .
.وقال قتادة : ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو ، وفيه حذف تتعلق به اللام ، أى : أخبرناه صلى الله عليه وسلم بحفظنا الوحى ، ليعلم أن الرسل قبله كانوا على حالته من التبليغ بالحق والصدق .وقيل : ليعلم الرسل أن الملائكة قد بلغوا رسالات ربهم .
.ويبدو لنا أن عودة الضمير فى " ليعلم " إلى الله - تعالى - هو الأظهر ، أى : ليعلم الله - تعالى - أن رسله قد أبلغوا رسالاته علم مشاهدة كما علمه غيبا ، لأن علم الله بذلك لا يكون إلا على وفق ما وقع .
.وهكذا ساقت لنا سورة " الجن " الكثير من الحقائق التى تتعلق بإصلاح العقائد والأخلاق والسلوك والأفكار التى طغى كثير منها على العقول والأفهام .
.وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
قوله تعالى: ﴿ لّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رسالات رَبّهِمْ ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: وحَّد الرسول في قوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ ثم جمع في قوله: ﴿ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رسالات رَبّهِمْ ﴾ ونظيره ما تقدم من قوله: ﴿ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين ﴾ .
المسألة الثانية: احتج من قال بحدوث علم الله تعالى بهذه الآية لأن معنى الآية ليعلم الله أن قد أبلغوا الرسالة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ حتى نَعْلَمَ المجاهدين ﴾ والجواب من وجهين: الأول: قال قتادة ومقاتل: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة، وعلى هذا، اللام في قوله: ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ متعلق بمحذوف يدل عليه الكلام كأنه قيل: أخبرناه بحفظ الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ الحق، ويجوز أن يكون المعنى ليعلم الرسول أن قد أبلغوا أي جبريل والملائكة الذين يبعثون إلى الرسل رسالات ربهم، فلا يشك فيها ويعلم أنها حق من الله الثاني: وهو اختيار أكثر المحققين أن المعنى ليعلم الله أن قد أبلغ الأنبياء رسالات ربهم، والعلم هاهنا مثله في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ ﴾ والمعنى ليبلغوا رسالات ربهم فيعلم ذلك منهم.
المسألة الثالثة: قرئ ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ على البناء للمفعول.
أما قوله: ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ فهو يدل على كونه تعالى عالماً بالجزئيات، وأما قوله: ﴿ وأحصى كُلَّ شَيء عَدَداً ﴾ فهو يدل على كونه عالماً بجميع الموجودات، فإن قيل: إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي، وقوله: ﴿ كُلّ شَيء ﴾ يدل على كونه غير متناه، فلزم وقوع التناقض في الآية، قلنا: لا شك أن إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي، فأما لفظة ﴿ كُلّ شَيء ﴾ فإنها لا تدل على كونه غير متناه، لأن الشيء عندنا هو الموجودات، والموجودات متناهية في العدد، وهذه الآية أحد ما يحتج به على أن المعدوم ليس بشيء، وذلك لأن المعدوم لو كان شيئاً، لكانت الأشياء غير متناهية، وقوله: ﴿ وأحصى كُلَّ شَيء عَدَداً ﴾ يقتضي كون تلك المحصيات متناهية، فيلزم الجمع بين كونها متناهية وغير متناهية وذلك محال، فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشيء حتى يندفع هذا التناقض.
والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيد المرسلين، وخاتم النبيين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين.
(قال) للمتظاهرين عليه ﴿ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّى ﴾ يريد: ما أتيتكم بأمر منكر، إنما أعبد ربي وحده ﴿ وَلآ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾ وليس ذاك مما يوجب إطباقكم على مقتى وعداوتي.
أو قال للجن عند ازدحامهم متعجبين: ليس ما ترون من عبادتي الله ورفضي الإشراك به بأمر يتعجب منه، إنما يتعجب ممن يدعو غير الله ويجعل له شريكاً.
أو قال الجن لقومهم ذلك حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَلاَ رَشَداً ﴾ ولا نفعاً أو أراد بالضر: الغيّ، ويدل عليه قراءة أبيّ ﴿ غياً ولا رشداً ﴾ والمعنى لا أستطيع أن أضركم وأن أنفعكم، إنما الضارّ والنافع الله.
أو لا أستطيع أن أقسركم على الغيّ والرشد، إنما القادر على ذلك الله عز وجل: و ﴿ إِلاَّ بلاغا ﴾ استثناء منه.
أي لا أملك إلا بلاغاً من الله و ﴿ قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى ﴾ جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه، على معنى أنّ الله إن أراد به سوءاً من مرض أو موت أو غيرهما: لم يصح أن يجيره منه أحد أو يجد من دونه ملاذا يأوي إليه: والملتحد: الملتجأ، وأصله المدَّخل، من اللحد.
وقيل: محيصاً ومعدلاً وقرئ ﴿ قال لا أملك ﴾ أي قال عبد الله للمشركين أو للجن.
ويجوز أن يكون من حكاية الجن لقومهم.
وقيل: (بلاغاً) بدل من ﴿ مُلْتَحَدًا ﴾ أي: لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به.
وقيل: ﴿ إِلاَّ ﴾ هي ﴿ أن لا ﴾ ومعناه: أن لا أبلغ بلاغاً كقولك: إن لا قياماً فقعوداً ﴿ ورسالاته ﴾ عطف على بلاغاً، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات.
والمعنى: إلا أن أبلغ عن الله فأقول: قال الله كذا، ناسباً لقوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان.
فإن قلت: ألا يقال: بلغ عنه ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني بلغوا عني» ؟
قلت: من ليست بصلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: ﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله ﴾ [التوبة: 1] بمعنى بلاعاً كائناً من الله.
وقرئ ﴿ فأن له نار جهنم ﴾ على: فجزاؤه أنّ له نار جهنم كقوله: ﴿ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ [الأنفال: 41] أي: فحكمه أنّ لله خمسه.
وقال: ﴿ خالدين ﴾ حملا على معنى الجمع في من.
فإن قلت: بم تعلق (حتى)، وجعل ما بعده غاية له؟
قلت: بقوله: ﴿ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ [الجن: 19] على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة، ويستضعفون أنصاره ويستقلون عددهم ﴿ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ ﴾ من يوم بدر وإظهار الله له عليهم.
أو من يوم القيامة ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ ﴾ حينئذ أنهم ﴿ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ﴾ ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال: من استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده، كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه ﴿ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ ﴾ قال المشركون: متى يكون هذا الموعود؟
إنكاراً له، فقيل ﴿ قُلْ ﴾ إنه كائن لا ريب فيه، فلا تنكروه؛ فإن الله قد وعد ذلك وهو لا يخلف الميعاد.
وأما وقته فما أدري متى يكون؛ لأنّ الله لم يبينه لما رأى في إخفاء وقته من المصلحة.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ربى أَمَداً ﴾ والأمد يكون قريباً وبعيداً ألا ترى إلى قوله: ﴿ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا ﴾ [آل عمران: 30] ؟
قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقرب الموعد، فكأنه قال: ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم مؤجل ضربت له غاية أي: هو ﴿ عالم الغيب فَلاَ يُظْهِرُ ﴾ فلا يطلع و ﴿ مِن رَّسُولٍ ﴾ تبيين لمن ارتضى، يعني: أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى للنبوة خاصة، لا كل مرتضى.
وفي هذا إبطال للكرامات؛ لأنّ الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين، فليسوا برسل.
وقد خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم، لأنّ أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ يدي من ارتضى للرسالة ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين يطردونهم عنه ويعصمونه من وساوسهم وتخاليطهم، حتى يبلغ ما أوحى به إليه.
وعن الضحاك: ما بعث نبيّ إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك ﴿ لِّيَعْلَمَ ﴾ الله ﴿ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رسالات رَبِّهِمْ ﴾ يعني الأنبياء: وحد أولا على اللفظ في قوله: (من بين يديه ومن خلفه) ثم جمع على المعنى، كقوله: ﴿ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين ﴾ [الجن: 23] ، والمعنى: ليبلغوا رسالات ربهم كما هي، محروسة من الزيادة والنقصان؛ وذكر العلم كذكره في قوله تعالى: ﴿ حتى نَعْلَمَ المجاهدين ﴾ [محمد: 31] ، وقرئ: ﴿ ليعلم ﴾ على البناء للمفعول ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ بما عند الرسل من الحكم والشرائع، لا يفوته منها شيء ولا ينسى منها حرفاً، فهو مهيمن عليها حافظ لها ﴿ وأحصى كُلَّ شَيْء عَدَداً ﴾ من القطر والرمل وورق الأشجار، وزبد البحار، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه وعدداً: حال، أي: وضبط كل شيء معدوداً محصوراً.
أو مصدر في معنى إحصاء.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الجن كان له بعدد كل جنيّ صدق محمداً صلى الله عليه وسلم وكذب به عتق رقبة» .
﴿ لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا ﴾ أيْ لِيَعْلَمَ النَّبِيُّ المُوحى إلَيْهِ أنْ قَدْ أبْلَغَ جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ، أوْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنْ قَدْ أبْلَغَ الأنْبِياءُ بِمَعْنى لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِهِ مَوْجُودًا.
﴿ رِسالاتِ رَبِّهِمْ ﴾ كَما هي مَحْرُوسَةٌ مِنَ التَّغْيِيرِ.
﴿ وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ ﴾ بِما عِنْدَ الرُّسُلِ.
﴿ وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ حَتّى القَطْرَ والرَّمْلَ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ الجِنِّ كانَ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ جِنِّيٍّ صَدَّقَ مُحَمَّدًا أوْ كَذَّبَ بِهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ».»
{لِيَعْلَمَ} الله {أَن قَدْ أَبْلَغُواْ} أي الرسل {رسالات رَبِّهِمْ} كاملة بلا زيادة ولا نقصان إلى المرسل إليهم أي ليعلم الله ذلك موجوداً حال وجوده كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنه يوجد وحد الضمير في مِن بَيْنِ يَدَيْهِ للفظ من وجمع في أَبْلَغُواْ لمعناه {وَأَحَاطَ} الله {بِمَا لَدَيْهِمْ} بما عند الرسل من العلم {وأحصى كُلَّ شَىْءٍ عددا}
من الفطر والرمل وورق الأشجار وزبد البحار فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه وعددا حال أي وعلم كل شيء معدوداً محصوراً أو مصدر في معنى إحصاء والله أعلم
سورة المزمل صلى الله عليه وسلم مكية وهي تسع عشرة آية بصري وثمان عشرة شامي
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿ يَسْلُكُ ﴾ وعِلَّةٌ لَهُ والضَّمِيرُ لِمَن أيْ لِأجْلِ أنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ المُرْتَضى الرَّسُولُ ويُصَدَّقَ تَصْدِيقًا جازِمًا ثابِتًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ ﴿ أنْ قَدْ أبْلَغُوا ﴾ أيِ الشَّأْنَ قَدْ أبْلَغَ إلَيْهِ الرَّصَدُ وهو مِن قَبِيلِ: بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا زَيْدًا فَإنَّ المُبَلِّغَ في الحَقِيقَةِ واحِدٌ مَعَهم وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو المَشْهُورُ مِن أنَّهُ المُبَلِّغُ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى الأنْبِياءِ ﴿ رِسالاتِ رَبِّهِمْ ﴾ وهي الغُيُوبُ المُظْهَرِ عَلَيْها كَما هي مِن غَيْرِ اخْتِطافٍ ولا تَخْلِيطٍ، وعَلى هَذا فَلْيَكُنْ مِن مُبْتَدَأٍ وجُمْلَةُ إنَّهُ ﴿ يَسْلُكُ ﴾ خَبَرُهُ وجِيءَ بِالفاءِ لِكَوْنِهِ اسْمَ مَوْصُولٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ ﴾ أيْ بِما عِنْدَ الرَّصَدِ ﴿ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيْ مِمّا كانَ ومِمّا سَيَكُونُ ﴿ عَدَدًا ﴾ أيْ فَرْدًا فَرْدًا حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ يَسْلُكُ ﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ جِيءَ بِهِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ عِلْمِهِ تَعالى بِجَمِيعِ الأشْياءِ وتَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِحَيْثُ لا يُشارِكُهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم وسائِطُ العِلْمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَكِنَّ المُرْتَضى الرَّسُولُ يُعْلِمُهُ اللَّهُ تَعالى بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ بَعْضَ الغُيُوبِ مِمّا لَهُ تَعَلُّقٌ ما بِرِسالَتِهِ والحالُ أنَّهُ تَعالى قَدْ أحاطَ عِلْمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ أُولَئِكَ الوَسائِطِ وعَلِمَ جَلَّ وعَلا جَمِيعَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ جُزْئِيٍّ تَفْصِيلِيٍّ فَأيْنَ الوَسائِطُ مِنهُ تَعالى أوْ حالٌ مِن فاعِلِ أبْلَغُوا جِيءَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرَّصَدَ أنْفُسَهم لَمْ يَزِيدُوا ولَمْ يَنْقُصُوا فِيما بَلَّغُوا كَأنَّهُ قِيلَ لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ أنْ قَدْ أبْلَغَ الرَّصَدُ إلَيْهِ رِسالاتِ رَبِّهِ في حالِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ وعَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ فَلَوْ أنَّهم زادُوا أوْ نَقَصُوا عِنْدَ الإبْلاغِ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ فَما كانَ يَخْتارُهم لِلرَّصْدِيَّةِ والحِفْظِ هَذا ما سَنَحَ لِذِهْنِي القاصِرِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ ولَسْتُ عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِهِ بَيْدَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَلا يُظْهِرُ ﴾ إلَخِ عَلى نَفْيِ كَرامَةِ الأوْلِياءِ بِالِاطِّلاعِ عَلى بَعْضِ الغُيُوبِ لا يُتِمُّ عَلَيْهِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا ﴾ في قُوَّةِ قَضِيَّةٍ سالِبَةٍ جُزْئِيَّةٍ لِدُخُولِ ما يُفِيدُ العُمُومَ في حَيِّزِ السَّلْبِ وأكْثَرُ اسْتِعْمالاتِهِ لِسَلْبِ العُمُومِ وصَرَّحَ بِهِ فِيما هُنا في شَرْحِ المَقاصِدِ لا لِعُمُومِ السَّلْبِ وهو سَلْبٌ جُزْئِيٌّ فَلا يُنافِي الإيجابَ الجُزْئِيَّ كَأنْ يَظْهَرُ بَعْضُ الغَيْبِ عَلى ولِيٍّ عَلى نَحْوِ ما قالَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى لا ﴿ تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ .
ولا يُرِدْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرْتَضى الرَّسُولُ مُظْهَرًا عَلى جَمِيعِ غَيْبِهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ يَقْتَضِي إيجابَ نَقِيضِهِ لِلْمُسْتَثْنى ونَقِيضُ السّالِبَةِ الجُزْئِيَّةِ المُوجِبَةُ الكُلِّيَّةُ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُظْهِرُ أحَدًا كائِنًا مَن كانَ عَلى جَمِيعِ ما يَعْلَمُهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الغَيْبِ وذَلِكَ لِانْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ المُصَرِّحِ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ وكَذا لا يُرِدْ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى إظْهارَ شَيْءٍ مِن غَيْبِهِ عَلى أحَدٍ إلّا عَلى الرَّسُولِ فَيَلْزَمُ أنْ لا يُظْهِرُ سُبْحانَهُ أحَدًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلى شَيْءٍ مِنهُ لِأنَّ الرَّسُولَ هَنا ظاهِرٌ في الرَّسُولِ البَشَرِيِّ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَإنَّهُ يَسْلُكُ ﴾ إلَخِ وذَلِكَ لَيْسَ إلّا فِيهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن عَلِمَ حِكْمَةَ ذَلِكَ ويَلْزَمُ أنْ لا يُظْهِرُ أيْضًا أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِرُسُلٍ بِناءً عَلى إرادَةِ المَعْنى الخاصِّ مِنَ الرَّسُولِ هُنا وذَلِكَ لِما ذَكَرْنا أوَّلًا وكَذا لا يُرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يُظْهِرَ المُرْتَضى الرَّسُولَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا تَتَعَلَّقُ بِرِسالَتِهِ ولا يَخْلُ الإظْهارُ عَلَيْها بِالحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ إذْ لا حَصْرَ لِلْبَعْضِ المُظْهِرِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالرِّسالَةِ وإنَّما أُشِيرَ إلى المُتَعَلِّقِ بِها لِاقْتِضاءِ المَقامِ لِذَلِكَ وكَوْنِ كُلِّ غَيْبٍ يَظْهَرُ عَلَيْهِ الرَّسُولُ لا يَكُونُ إلّا مُتَعَلِّقًا بِرِسالَتِهِ مَحَلَّ تَوَقُّفٍ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ هاهُنا كَلامٌ لا بَأْسَ بِذِكْرِهِ بِما لَهُ وما عَلَيْهِ حَسَبَ الإمْكانِ ثُمَّ الأمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَيْكَ فَنَقُولُ لَمّا كانَ مَذْهَبُ أكْثَرِ أهْلِ السُّنَّةِ القَوْلَ بِكَرامَةِ الوَلِيِّ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وكانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ ﴾ إلَخِ دالًّا عَلى نَفْيِها ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ إنَّ في هَذا إبْطالَ الكَراماتِ أيْ في الجُمْلَةِ وهي ما كانَ مِنَ الإظْهارِ عَلى الغَيْبِ لِأنَّ الَّذِينَ تُضافُ إلَيْهِمْ وإنْ كانُوا أوْلِياءَ مُرْتَضِينَ فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ، وقَدْ خَصَّ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ مِن بَيْنِ المُرْتَضِينَ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وإبْطالِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ لِأنَّ أصْحابَهُما أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضاءِ وأدْخَلَهُ في السُّخْطِ انْتَهى.
أنْجَدُوا وأتْهَمُوا وأيْمَنُوا وأشْأمُوا في تَفْسِيرِ الآيَةِ عَلى وجْهٍ لا يُنافِي مَذْهَبَهم ولا يَتِمُّ عَلَيْهِ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلِيِّ عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ الإمامُ لَيْسَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ عَلى غَيْبِهِ ﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ أنْ لا يُظْهِرَ تَعالى خَلْقَهُ عَلى غَيْبٍ واحِدٍ مِن غُيُوبِهِ فَنَحْمِلُهُ عَلى وقْتِ وُقُوعِ القِيامَةِ فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُظْهِرُ هَذا الغَيْبَ لِأحَدٍ فَلا يَبْقى في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنَ الغُيُوبِ لِأحَدٍ ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ وُقُوعُ الآيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ ﴾ والمُرادُ بِهِ وُقُوعُ يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ قالَ فَإنْ قِيلَ إذا حَمَلْتُمْ ذَلِكَ عَلى القِيامَةِ فَكَيْفَ قالَ سُبْحانَهُ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ ﴾ مَعَ أنَّهُ لا يُظْهِرُ هَذا الغَيْبَ لِأحَدٍ مِن رُسُلِهِ قُلْنا بَلْ يُظْهِرُهُ عِنْدَ القُرْبِ مِن إقامَةِ القِيامَةِ وكَيْفَ لا وقَدْ قالَ تَعالى ﴿ ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا ﴾ ولا شَكَّ أنَّ المَلائِكَةَ يَعْلَمُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا كَأنَّهُ قِيلَ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ ﴾ المَخْصُوصِ وهو قِيامُ القِيامَةِ ﴿ أحَدًا ﴾ ثُمَّ قِيلَ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مَنِ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ حَفَظَةً يَحْفَظُونَهُ مِن شَرِّ مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ انْتَهى.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ في غَيْبِهِ ما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ كَما سَمِعْتَ أوَّلًا والسِّياقُ لا يَأْباهُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَطْعَنُ في ذَلِكَ.
وأيْضًا ظاهِرُ جَوابِهِ الأوَّلِ عَنِ القِيلِ كَوْنُ المُرادِ بِالرَّسُولِ في الآيَةِ الرَّسُولَ المَلَكِيَّ ويَأْباهُ ما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَإنَّهُ يَسْلُكُ ﴾ إلَخِ عَلى أنَّ عِلْمَ المَلائِكَةِ بِوَقْتِ السّاعَةِ يَوْمَ تَشَقُّقُ السَّماءُ لَيْسَ مِنَ الإظْهارِ عَلى الغَيْبِ بَلْ هو مِن إظْهارِ الغَيْبِ وإبْرازِهِ لِلشَّهادَةِ كَإظْهارِ المَطَرِ عِنْدَ نُزُولِهِ وما في الأرْحامِ عِنْدَ وضْعِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأيْضًا الِانْقِطاعُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ فِيهِ قَطَعَ المُناسَبَةَ بَيْنَ السّابِقِ واللّاحِقِ بِالكُلِّيَّةِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ مِثْلُهُ لا يَضُرُّ في المُنْقَطِعِ وقِيلَ إنَّ الإظْهارَ عَلى الغَيْبِ بِمَعْنى الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِ أعْلى مَراتِبِ العِلْمِ والمُرادُ عُمُومُ السَّلْبِ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ دُخُولُ ما يُفِيدُ العُمُومَ في حَيِّزِ النَّفْيِ لِأنَّ القاعِدَةَ أكْثَرِيَّةٌ لا مُطَّرِدَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ ﴾ .
وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ فَيَكُونُ المَعْنى ﴿ فَلا يُظْهِرُ عَلى ﴾ شَيْءٍ مِن ﴿ غَيْبِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُظْهِرُهُ عَلى شَيْءٍ مِن غَيْبِهِ بِأنْ يَسَلُكَ إلَخِ ولا يَرِدُ كَرامَةُ الوَلِيِّ إذْ لَيْسَتْ مِنَ الإظْهارِ المَذْكُورِ إذْ لا يَحْصُلُ لَهُ أعْلى مَراتِبِ العِلْمِ بِالغَيْبِ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ وإنَّما يَحْصُلُ لَهُ ظُنُونٌ صادِقَةٌ أوْ نَحْوُها وكَذا شَأْنُ غَيْرِهِ مِن أرْبابِ الرِّياضاتِ مِنَ الكَفَرَةِ وغَيْرِهِمْ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مِنَ الصُّوفِيَّةِ مَن قالَ كالشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِنُزُولِ المَلَكِ عَلى الوَلِيِّ وإخْبارِهِ إيّاهُ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ أحْيانًا ويُرْشِدُ إلى نُزُولِهِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ الآيَةِ وكَوْنِ ما يَحْصُلُ لَهُ إذْ ذاكَ ظَنًّا أوْ نَحْوَهُ لا عِلْمَ كالعِلْمِ الحاصِلِ لِلرَّسُولِ بِواسِطَةِ المَلَكِ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ بِواسِطَةِ الإلْهامِ والنَّفْثِ في الرَّوْعِ نَحْوُ ما يَحْصُلُ لِلرَّسُولِ وأيْضًا يَلْزَمُ أنْ لا يُظْهَرُ المَلَكُ عَلى الغَيْبِ إذِ الرَّسُولُ المُسْتَثْنى رَسُولُ البَشَرِ عَلى ما هو الظّاهِرُ والتِزامُ أنَّهُ لا يَظْهَرُ بِالمَعْنى السّابِقِ ويَظْهَرُ بِواسِطَتِهِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ أصْلًا وأيْضًا يَلْزَمُ أنَّ ما يَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ غَيْرِ الرَّسُولِ بِالمَعْنى الأخَصِّ المُتَبادِرِ هُنا لَيْسَ بِعِلْمٍ بِالمَعْنى المَذْكُورِ وهو كَما تَرى.
وقِيلَ المُرادُ بِالغَيْبِ في المَوْضِعَيْنِ الجِنْسُ والإظْهارُ عَلَيْهِ عَلى ما سَمِعْتَ وكَذا عَدَمُ وُرُودِ الكَرامَةِ والبَحْثِ فِيهِ كالبَحْثِ في سابِقِهِ وزِيادَةٌ وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ في الرَّدِّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ الغَيْبُ إنْ كانَ مُفَسَّرًا بِما فَسَّرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ﴾ فالآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ جَوَّزَ هُنالِكَ أنْ يُعْلَمَ بِإعْلامِهِ تَعالى أوْ بِنَصْبِهِ الدَّلِيلَ.
وهَذا الثّانِي أعْنِي القِسْمَ العَقْلِيَّ تَنْفِيهِ الآيَةُ وتُرْشِدُ إلى أنَّ تَهْذِيبَ طُرُقِ الأدِلَّةِ أيْضًا بِواسِطَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ والعَقْلُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ وأهْلُ السُّنَّةِ عَنْ آخِرِهِمْ عَلى أنَّ الغَيْبَ بِذَلِكَ المَعْنى لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا رَسُولٌ أوْ آخِذٌ مِنهم ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الكَرامَةِ أصْلًا وإنْ أرادَ الغائِبُ عَنِ الحِسِّ في الحالِ مُطْلَقًا فَلا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ بِالِاتِّفاقِ فَلَيْسَ فِيهِ ما يَنْفِيها أيْضًا وإنْ فُسِّرَ بِالمَعْدُومِ كَما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ وغَيْرِها فَلا بُدَّ أيْضًا مِنَ التَّخْصِيصِ وكَذَلِكَ لَوْ فُسِّرَ بِما غابَ عَنِ العِبادِ أوْ بِالسِّرِّ عَلى أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عالِمُ كُلِّ غَيْبٍ وحْدَهُ لا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ المُخْتَصِّ بِهِ وهو يَتَعَلَّقُ بِذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِدَلالَةِ الإضافَةِ إلّا رَسُولًا وهو كَذَلِكَ فَإنَّ غَيْبَهُ تَعالى لا يُطْلَعُ عَلَيْهِ إلّا بِالإعْلامِ مِن رَسُولٍ مَلَكِيٍّ أوْ بَشَرِيٍّ ولا كُلُّ غَيْبِهِ تَعالى الخاصِّ مُطَّلَعٌ عَلَيْهِ بَلْ بَعْضُهُ وأقَلُّ القَلِيلِ مِنهُ فَدَلَّ المَفْهُومُ عَلى أنَّ غَيْرَ هَذا النَّوْعِ الخاصِّ مِنَ الغَيْبِ لا مَنعَ مِن إطْلاعِ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ فَهَذا ظاهِرُ الآيَةِ دُونَ تَعَسُّفٍ.
ثُمَّ لَوْ سَلَّمَ فالثّانِي إمّا مُسْتَغْرِقٌ وإذا قالَ سُبْحانَهُ لا يُطْلِعُ عَلى جَمِيعِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ لَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ اطِّلاعُ غَيْرِ الرَّسُولِ عَلى البَعْضِ وإمّا مُطْلَقٌ يَنْزِلُ عَلى الكامِلِ مِنهُ فَيَرْجِعُ إلى ما اخْتَرْناهُ وتَعاضَدَ دَلالَتا تَشْرِيفِ الإضافَةِ والإطْلاقِ فَلا وجْهَ لِتَعْلِيقِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ ومِنهُ يَظْهَرُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ مِنَ الآيَةِ عَلى إبْطالِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ غَيْرُ ناهِضٍ وإنْ كانَ إبْطالُهُما حَقًّا لِأنْكَرَهُ فَضْلًا عَنْ تَكْفِيرِ مَن قالَ بِدَلالَتِهِ عَلى حَياةٍ أوْ مَوْتٍ لِأنَّهُ كَفَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَما نَقَلَهُ شَيْخُنا الطِّيبِيُّ عَنِ الواحِدِيِّ والزَّجاجِ وصاحِبِ المُطْلِعِ انْتَهى.
وبَحَثَ فِيهِ بِأنَّ حَمْلَ غَيْبِهِ عَلى الغَيْبِ الخاصِّ بِمَعْنى ما يَتَعَلَّقُ بِذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا لا يُناسِبُ السِّياقَ وبِأنَّ ظاهِرَ ما قَرَّرَهُ عَلى احْتِمالِ الِاسْتِغْراقِ يَقْتَضِي عَلى تَقْدِيرِ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ وإيجابِ ضِدِّ ما نَفى لِلْمُسْتَثْنى أنْ يَظْهَرَ الرَّسُولُ عَلى جَمِيعِ غَيْبِهِ تَعالى إلى ما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ وذَكَرَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ أوَّلًا ما يُفْهَمُ مِنهُ عَلى ما قِيلَ حَمْلُ غَيْبِهِ عَلى العُمُومِ مَعَ الِاخْتِصاصِ أيْ عُمُومِ الغَيْبِ المَخْصُوصِ بِهِ عِلْمُهُ تَعالى وحَمَلَ فَلا يُظْهِرُ عَلى سَلْبِ العُمُومِ وحَمْلِ الرَّسُولِ عَلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ واعْتِبارِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا عَلى أنَّ المَعْنى ﴿ فَلا يُظْهِرُ ﴾ عَلى جَمِيعِ ﴿ غَيْبِهِ ﴾ المُخْتَصِّ بِهِ عِلْمُهُ تَعالى ﴿ أحَدًا ﴾ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ ﴾ فَيُظْهِرُهُ عَلى بَعْضِ غَيْبِهِ حَتّى يَكُونَ إخْبارُهُ بِهِ مُعْجِزَةً فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الكَرامَةِ.
وفُسِّرَ الِاخْتِصاصُ بِأنَّهُ لا يَعْلَمُهُ بِالذّاتِ ولَكِنَّهُ عِلْمًا حَقِيقِيًّا يَقِينِيًّا بِغَيْرِ سَبَبٍ كاطِّلاعِ الغَيْرِ إلّا هو سُبْحانَهُ وأمّا عِلْمُ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لِبَعْضِهِ فَلَيْسَ عِلْمًا لِلْغَيْبِ إلّا بِحَسَبِ الظّاهِرِ وبِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ البَشَرِ وقِيلَ أرادَ بِالغَيْبِ المَخْصُوصَ بِهِ تَعالى ما لَمْ يَنْصَبْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ولا يَقْدَحْ في الِاخْتِصاصِ عِلْمُ الغَيْرِ بِهِ بِإعْلامِهِ تَعالى إذْ هو إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن لَمْ يَعْلَمْ.
وقالَ ثانِيًا في الجَوابِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ ولَعَلَّهُ أرادَ الجَوابَ عِنْدَ القَوْمِ ما نَصُّهُ وجَوابُهُ تَخْصِيصُ الرَّسُولِ بِالمُلْكِ والإظْهارِ بِما يَكُونُ بِغَيْرِ تَوَسُّطٍ وكَراماتُ الأوْلِياءِ عَلى المُغَيَّباتِ إنَّما تَكُونُ تَلَقِّيًا مِنَ المَلائِكَةِ أيْ بِالنَّفْثِ في الرَّوْعِ ونَحْوِهِ.
وحاصِلُهُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ إنَّما يَتِمُّ أنْ لَوْ تَحَقَّقَ كَوْنُ المُرادِ بِالرَّسُولِ رَسُولَ البَشَرِ والمَلَكِ جَمِيعًا أوْ رَسُولَ البَشَرِ فَقَطْ وبِالإظْهارِ الإظْهارُ بِواسِطَةٍ أوْ لا والكُلُّ مَمْنُوعٌ إذْ يَجُوزُ أنْ يَخُصَّ الرَّسُولَ بِرَسُولِ المَلَكِ وأنْ يُرادَ بِالإظْهارِ الإظْهارُ بِلا واسِطَةٍ ويَكُونُ المَعْنى فَلا يُظْهِرُ بِلا واسِطَةٍ عَلى غَيْبِهِ إلّا رُسُلَ المَلائِكَةِ ولا يُنافِي ذَلِكَ إظْهارَ الأوْلِياءِ عَلى غَيْبِهِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بِالواسِطَةِ وهو جَوابٌ بِمَنعِ المُقَدِمَتَيْنِ وإنْ كانَ يَكْفِي فِيهِ مَنعُ أحَدِهِما كَما فَعَلَ الإمامُ والتَّفْتازانِيُّ في شَرْحِ المَقاصِدِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ رُسُلَ البَشَرِ قَدْ يَطَّلِعُونَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ أيْضًا وفي قِصَّةِ المِعْراجِ وتَكْلِيمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَكْفِي في ذَلِكَ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ما قِيلَ وأغْرَبُ ما قِيلَ في هَذا المَقامِ كَوْنُ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى ﴾ لِلْعَطْفِ.
والمَعْنى فَلا يَظْهَرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدٌ ولا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولِ وحالُهُ لا يَخْفى ثُمَّ إنْ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَإنَّهُ يَسْلُكُ ﴾ إلَخِ بِما سَمِعْتَ هو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وكانَتْ الحَفَظَةُ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَبِيِّنا عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أرْبَعَةٌ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ آيَةً مِنَ القُرْآنِ إلّا ومَعَها أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَها حَتّى يُؤَدُّونَها إلى النَّبِيِّ ثُمَّ قَرَأ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ الآيَةَ.
وقَدْ يَكُونُ مَعَ الوَحْيِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ فَفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ نَزَلَ مَعَ سُورَةِ الأنْعامِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ وجاءَ في شَأْنِ آيَةِ الكُرْسِيِّ ما جاءَ وقالَ ابْنُ كَمالٍ لاحَتْ دَقِيقَةٌ بِخاطِرِي الفاتِرِ قَلَّما يُوجَدُ مِثْلُها في بُطُونِ الدَّفاتِرِ وهي أنَّ المُرادَ ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ في الآيَةِ القُوى الظّاهِرَةُ ﴿ ومِن خَلْفِهِ ﴾ القُوى الباطِنَةُ ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ ﴿ يَسْلُكُ ﴾ إلَخِ أيْ يَدْخُلُ حَفَظَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ قُواهُ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ مِنَ الشَّياطِينِ ويَعْصِمُونَهُ مِن وساوِسِهِمْ مِن تِينِكَ الجِهَتَيْنِ ولَوْ كانَ المُرادُ حَفَظَةً مِنَ الجَوانِبِ كَيْ لا يَقْرَبَهُ الشَّياطِينُ عِنْدَ إنْزالِ الوَحْيِ فَتَلْقى غَيْرَ الوَحْيِ أوْ تَسْمَعُهُ فَتُلْقِيَهُ إلى الكَهَنَةِ فَتُخْبِرُ بِهِ قَبْلَ إخْبارِ الرَّسُولِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّيْسِيرِ وغَيْرُهُ لِما كانَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ فَإنَّ عِبارَةَ ﴿ يَسْلُكُ ﴾ .
وتَخْصِيصُ الجِهَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ إنَّما يُناسِبُ ما ذَكَرْناهُ لا ما ذَكَرُوهُ انْتَهى ولا يَخْفى أنَّهُ نَحْوٌ مِنِ الإشارَةِ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِيَسْلُكُ عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ لِتَصْوِيرِ الجِهاتِ الَّتِي تَأْتِي مِنها الشَّياطِينُ بِالثُّغُورِ الضَّيِّقَةِ والمَسالِكِ الدَّقِيقَةِ وفي ذَلِكَ مِنَ الحُسْنِ ما فِيهِ وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ ضَمِيرَ ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ لِلَّهِ تَعالى وضَمِيرَ ﴿ أبْلَغُوا ﴾ إمّا لِلرَّصَدِ أوْ لِمَنِ ارْتَضى والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمِيرَيْنِ قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَسْلُكُهم لِيَعْلَمَ أنَّ الشَّأْنَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ عِلْمًا مُسْتَتْبِعًا لِلْجَزاءِ وهو أنْ يَعْلَمَهُ تَعالى مَوْجُودًا حاصِلًا بِالفِعْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ ﴾ فالغايَةُ في الحَقِيقَةِ هو الإبْلاغُ والجِهادُ وإيرادُ عِلْمِهِ تَعالى لِإبْرازِ اعْتِنائِهِ تَعالى بِأمْرِهِما والإشْعارِ بِتَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلَيْهِما والمُبالَغَةِ في الحَثِّ عَلَيْهِما والتَّحْذِيرِ عَنِ التَّفْرِيطِ فِيهِما وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وأحاطَ ﴾ إلَخِ إمّا عَطْفٌ عَلى لا يُظْهِرُ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ يَسْلُكُ ﴾ جِيءَ بِهِ لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ وتَحْقِيقِ اسْتِغْنائِهِ تَعالى في العِلْمِ بِالإبْلاغِ عَمّا ذَكَرَ مِن سَلْكِ الرَّصَدِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ أوْ عَطْفٌ كَما زَعَمَ بَعْضٌ عَلى مُضْمَرٍ لِأنَّ ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى عَلِمَ فَصارَ المَعْنى قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ وأحاطَ إلَخِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ يَعْلَمَ لِلرَّسُولِ المُوحى إلَيْهِ وضَمِيرُ ﴿ أبْلَغُوا ﴾ لِلرَّصِدِ النّازِلِينَ إلَيْهِ بِالوَحْيِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ما يُؤَيِّدُهُ أوْ لِلرُّسُلِ سِواهُ ﴿ وأحاطَ ﴾ إلَخِ عَطْفٌ عَلى ﴿ أبْلَغُوا ﴾ أوْ عَلى لا ﴿ يُظْهِرُ ﴾ وعَنْ مُجاهِدٍ لِيَعْلَمَ مَن كَذَّبَ وأشْرَكَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ وعَلَيْهِ لا يَقَعُ هَذا العِلْمُ عَلى ما في البَحْرِ إلّا في الآخِرَةِ وقِيلَ لِيَعْلَمَ إبْلِيسُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا وقِيلَ لِيَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَكُونُوا هُمُ المُتَلَقِّينَ بِاسْتِراقِ السَّمْعِ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى ونَصْبُ ﴿ عَدَدًا ﴾ عِنْدَ جَمْعٍ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ بِهِ والأصْلُ أحْصى عَدَدَ كُلِّ شَيْءٍ إلّا أنَّهُ قالَ أبُو حَيّانٍ في كَوْنِهِ ثابِتًا مِن لِسانِ العَرَبِ خِلافٌ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّحْوِيلَ في مِثْلِهِ تَقْدِيرِيٌّ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ مَعْدُودًا مَحْصُورًا ولا يَضُرُّ تَنْكِيرُ صاحِبِها لِلْعُمُومِ وأنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ بِمَعْنى إحْصاءٍ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِسُلُوكِ أحْسَنِ المَسالِكِ.
وقُرِئَ «عالِمَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ «وعَلِمَ» فِعْلًا ماضِيًا «الغَيْبَ» بِالنَّصْبِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «لِيُعْلَمَ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «لِيُعْلِمَ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ مِنَ الإعْلامِ أيْ لِيُعْلِمَ اللَّهُ تَعالى مَن شاءَ أنْ يُعْلِمَهُ أنَّ قَدْ أبْلَغُوا إلَخِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «رِسالَةَ» بِالإفْرادِ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ و«أُحِيطَ» و«أُحْصِيَ» كُلُّ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ في الفِعْلَيْنِ.
ورَفْعِ « ﴿ كُلَّ ﴾ » عَلى النِّيابَةِ والفاعِلُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَهو سُبْحانُهُ المُحِيطُ بِالأحْوالِ عِلْمًا والمُحْصِي لِكُلِّ شَيْءٍ عَدَدًا.
ثم قال عز وجل: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ.
قال الحسن: يعني: الصلاة لله تعالى وقال قتادة: كانت اليهود والنصارى يدخلون كنائسهم، ويشركون بالله تعالى.
فأمر الله تعالى نبيه أن يخلص الدعوة له إذا دخل المسجد.
وقال القتبي: قوله: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ يعني: السجود لله.
ويقال: هي المساجد بعينها يعني: بنيت المساجد، ليعبدوا الله تعالى فيها.
فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً يعني: لا تعبدوا أحداً غير الله تعالى.
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم يَسْلُكْهُ بالياء، والباقون بالنون، وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.
يقال: سلكت الخيط في الإبرة وأسلكته، إذا أدخلته.
قوله عز وجل: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يعني: محمدا لما قام إلى الصلاة ببطن نخلة.
يَدْعُوهُ يعني: يصلي لله تعالى، ويقرأ كتابه.
كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً يعني: يركب بعضهم بعضاً، ويقع بعضهم على بعض.
ثم قال عز وجل: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي.
قرأ حمزة، وعاصم: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي على معنى الأمر، يعني: قل يا محمد إنما أدعوا ربي، يعني: أعبده.
وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً.
قرأ الباقون على معنى الخبر عنهم.
قرأ ابن عامر في رواية هشام عَلَيْهِ لِبَداً بضم اللام، والباقون بكسرها ومعناهما واحد.
وقال القتبي: يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً أي: يتلبدون به رغبة في استماع القرآن.
يقال: لبدت به، أي: لصقت به، ومعناه: كادوا أن يلصقوا به.
قوله تعالى: قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً يعني: لا أقدر لكم خذلاناً ولا هداية.
قوله تعالى: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ يعني: لن يمنعني من عذاب الله أحد إن عصيته، وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً يعني: ملجأ ولا مفراً.
إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ يعني: فذلك الذي يجيرني من عذاب الله ويقال في الآية تقديم، ومعناه قل: لا أملك لكم ضرا إلا أن أبلغكم رسالات ربي، يعني: ليس بيدي شيء من الضر والنفع والهداية، إلا بتبليغ الرسالة.
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في التوحيد، ولم يؤمن به، فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً أي: مقيمين في النار أبداً، يعني: دائماً.
وقد تم الكلام.
ثم قال عز وجل: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ من العذاب يعني: لما رأوا العذاب، ويقال: معناه أمهلهم حتى إذا رأوا ما يوعدون في الدنيا وفي الآخرة، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً يعني: مانعاً من العذاب.
وَأَقَلُّ عَدَداً يعني: رجالاً.
فقالوا: متى هذا العذاب الذي تعدنا يا محمد؟
فنزل: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ يعني: ما أدري أقريب ما توعدون من العذاب، أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً؟
يعني: أجلاً ينتهي إليه.
قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ يعني: هو عالم الغيب، فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً يعني: هو الذي يعلم وقت نزول العذاب، ولا يطلع على غيبه أحداً من خلقه.
قوله تعالى: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ يعني: إلا من اختار لرسالته، فإنه يطلعه على ما يشاء من الغيب، ليكون دلالة لنبوته.
فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً يعني: من الملائكة بين يدي رسول الله ومن خلفه، ليحفظوه من الشياطين لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ يعني: ليعلموا الرسول أن الذي أنزل إليه من رسالات الله وذلك أن الملائكة لو لم يرصدوهم، لما يستمعوا حين يقرأ جبريل، ثم يفشون ذلك قبل أن يخبرهم الرسول، فلا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق، ولا يكون للأنبياء دلالة، ثم لا يقبل قولهم.
وروى أسباط، عن السدي في قوله: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً إذا بعث إليه تعالى نبياً، جعل معه حفظة من الملائكة.
فإذا جاء الوحي من الله تعالى، قالت الملائكة: هذا من الله.
فإذا جاءه الشيطان، قالت الحفظة: هذا من الشيطان.
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ يعني: ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا الرسالة لأنهم تمازحوا من استراق السمع.
وقال سعيد بن جبير: لم يجيء جبريل قط بالقرآن، إلا ومعه أربعة من الحفظة.
ثم قال عز وجل: وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ يعني: الله تعالى عالم بما عند الأنبياء ويقال: عالم بهم.
وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً يعني: عدد الملائكة، وعلم نزول العذاب ووقته وغير ذلك والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللَّه أحَدٌ إلا بلاغاً «١» فإنّي إنْ بَلَّغْتُ، رَحِمَنِي بذلك، أي: بِسَبَبِ ذلك.
وقوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ يريدُ: بالكفر، بدليلِ تَأبِيدِ الخلود.
وقوله تعالى: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ يعني عَذَابَهم الذي وُعِدُوا به، والأمدُ المُدَّةُ والغايةُ.
وقوله تعالى: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ معناه فإنه يُظْهِرُه عَلَى ما شَاءَ مما هو قليلٌ من كثير، [ثم] يَبُثُّ تعالى حَوْلَ ذلك الملَكِ الرَّسُولِ حَفَظَةً رَصَداً لإبليسَ وحِزْبِه من الجنِ والإنْس.
وقوله تعالى: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا ...
الآية، قال ابنُ جُبَيْرٍ: لِيعْلَمَ محمدٌ أنَّ الملائِكَة الحَفَظَةَ الرَّصَد النازِلينَ بَيْنَ يدي جبريلَ وخَلْفَه قَدْ أبلغوا رسالاتِ رَبِّهم «٢» ، وقال مجاهد: معناه لِيَعْلَمَ مَنْ كَذَّبَ أو أشْرَكَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ «٣» ، وقيل: المعنى لِيَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى رُسُلَه مُبَلِّغَةً خَارِجَةً إلى الوُجُودِ، لأَنَّ عِلْمَه بكلِّ شيء قد تقدّم، والضمير في أَحاطَ وأَحْصى لله سبحانه لا غير.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَساجِدُ الَّتِي هي بُيُوتُ الصَّلَواتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ قَتادَةُ: كانَتِ اليَهُودُ والنَّصارى إذا دَخَلُوا كَنائِسَهم وبِيَعَهم أشْرَكُوا، فَأمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُسْلِمِينَ أنْ يُخْلِصُوا لَهُ إذا دَخَلُوا مَساجِدَهم.
والثّانِي: الأعْضاءُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْها العَبْدُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وذَكَرَهُ الفَرّاءُ.
فَيَكُونُ المَعْنى، لا تَسْجُدُوا عَلَيْها لِغَيْرِهِ.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالمَساجِدِ ها هُنا: البِقاعُ كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ.
فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ الأرْضَ كُلَّها مَواضِعُ لِلسُّجُودِ، فَلا تَسْجُدُوا عَلَيْها لِغَيْرِ خالِقِها.
والرّابِعُ: أنَّ المَساجِدَ: السُّجُودُ، فَإنَّهُ جَمْعُ مَسْجِدٍ.
يُقالُ: سَجَدْتُ سُجُودًا، ومَسْجِدًا، كَما يُقالُ: ضَرَبْتُ في الأرْضِ ضَرْبًا، ومَضْرِبًا، ثُمَّ يُجْمَعُ، فَيُقالُ: المَساجِدُ، والمَضارِبُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ واحِدُها: مَسْجَدًا: بِفَتْحِ الجِيمِ.
والمَعْنى: أخْلِصُوا لَهُ، ولا تَسْجُدُوا لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ الجِنِّ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا "يَدْعُوهُ" أيْ: يَعْبُدُهُ.
وكانَ يُصَلِّي بِبَطْنِ نَخْلَةَ عَلى ما سَبَقَ بَيانُهُ في [الأحْقافِ: ٢٩] ﴿ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: "لِبَدًا" بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ.
وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ "لُبَدًا" بِضَمِّ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مَعَ تَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
يُقالُ: لِبَدَةٌ، ولُبَدَةٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: كادَ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا.
ومِنهُ اشْتِقاقُ اللِّبَدِ الَّذِي يُفْتَرَشُ.
وكُلُّ شَيْءٍ أضَفْتَهُ إلى شَيْءٍ فَقَدْ لَبَّدْتَهُ.
وقَرَأ قَوْمٌ مِنهُمُ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللّامِ مَعَ تَشْدِيدِ الباءِ.
قالَ الفَرّاءُ: فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ صِفَةً لِلرِّجالِ، كَقَوْلِكَ: رُكَّعًا ورُكُوعًا، وسُجَّدًا وسُجُودًا.
قالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ لابِدٍ، مِثْلُ راكِعٍ، ورُكَّعٍ.
وفي مَعْنى الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الجِنِّ يَحْكِي حالَهم.
والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا قامَ يُصَلِّي كادَ الجِنُّ لِازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا، حِرْصًا عَلى سَماعِ القُرْآنِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، فَوَصَفُوا لَهم طاعَةَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وائْتِمامَهم بِهِ في الرُّكُوعِ، والسُّجُودِ فَكَأنَّهم قالُوا: لَمّا قامَ يُصَلِّي كادَ أصْحابُهُ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا.
وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لَمّا قامَ رَسُولُ اللَّهِ بِالدَّعْوَةِ تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ، وتَظاهَرُوا عَلَيْهِ، لِيُبْطِلُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ "قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي" بِغَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ الباقُونَ "قالَ" عَلى الخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ .
قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلنَّبِيِّ : إنَّكَ جِئْتَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فارْجِعْ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ﴾ أيْ: لا أدْفَعُهُ عَنْكم "وَلا" أسُوقُ إلَيْكم "رَشَدًا" أيْ: خَيْرًا، أيْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْلِكُ ذَلِكَ، لا أنا ﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ﴾ أيْ: إنْ عَصَيْتُهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنهُ أحَدٌ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ ﴿ وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ وقَدْ بَيَّنّاهُ في [الكَهْفِ ٢٧] ﴿ إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ إلّا أنْ أُبَلِّغَكم.
والثّانِي: لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ إنْ لَمْ أُبْلِغْ رِسالَتَهُ.
وبِالأوَّلِ قالَ ابْنُ السّائِبِ.
وَبِالثّانِي قالَ مُقاتِلٌ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: لَنْ يُجِيرَنِي مِن عَذابِ اللَّهِ إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما أُرْسِلْتُ، فَذَلِكَ البَلاغُ هو الَّذِي يُجِيرُنِي ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا رَأوْا ﴾ يَعْنِي: الكَفّارَ ﴿ ما يُوعَدُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا، وهو القَتْلُ، وفي الآخِرَةِ ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا ﴾ أيْ: جُنْدًا ونَصْرًا، أهُمْ، أمِ المُؤْمِنُونَ؟
﴿ قُلْ إنْ أدْرِي ﴾ أيْ: ما أدْرِي ﴿ أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا ﴾ أيْ: غايَةً وبُعْدًا.
وذَلِكَ لِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لِلَّهِ وحْدَهُ ﴿ فَلا يُظْهِرُ ﴾ أيْ: فَلا يُطْلِعُ عَلى غَيْبِهِ الَّذِي يَعْلَمُهُ أحَدًا مِنَ النّاسِ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ ﴾ لِأنَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ إخْبارَهم بِالغَيْبِ.
والمَعْنى: أنَّ مَنِ ارْتَضاهُ لِلرِّسالَةِ أطْلَعَهُ عَلى ما شاءَ مِن غَيْبِهِ.
وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن زَعَمَ أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّ عَلى الغَيْبِ فَهو كافِرٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ يَحْفَظُ ذَلِكَ الَّذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ الرَّسُولَ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ يَدَيِ الرَّسُولِ ﴿ وَمِن خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ أيْ: يَجْعَلُ لَهُ حَفَظَةً مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ الوَحْيَ مِن أنْ تَسْتَرِقَهُ الشَّياطِينُ، فَتُلْقِيَهُ إلى الكَهَنَةِ، فَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ النّاسَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيِ المَلَكِ ومِن خَلْفِهِ رَصْدًا.
وقِيلَ: يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيِ الوَحْيِ.
فالرَّصَدُ مِنَ المَلائِكَةِ يَدْفَعُونَ الشَّياطِينَ عَنْ أنْ تَسْتَمِعَ ما يَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ جِبْرائِيلَ قَدْ بَلَّغَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ "قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ" وأنَّ اللَّهَ قَدْ حَفِظَها فَدَفَعَ عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: لِيَعْلَمَ مُكَذِّبُو الرُّسُلِ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ مَوْجُودًا ظاهِرًا يَجِبُ بِهِ الثَّوابُ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والخامِسُ: لِيَعْلَمَ النَّبِيُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهُ، ولَمْ تَصِلْ إلى غَيْرِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ "لِيُعْلَمَ" بِضَمِّ الياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقْرَأُ "لِتَعْلَمَ" بِالتّاءَ، يُرِيدُ: لِتَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ عَنْ إلِاهِهِمْ بِما رَجَوْا مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ "وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ" أيْ: عَلِمَ اللَّهُ ما عِنْدَ الرُّسُلِ "وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا" فَلَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ حَتّى الذَّرُّ والخَرْدَلُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلا بَلاغًا مِنَ اللهِ ورِسالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللهِ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ ﴿ حَتّى إذا رَأوا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا ﴾ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مَنِ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ ﴿ لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى "إلّا بَلاغًا"، فَقالَ الحَسَنُ ما مَعْناهُ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أحَدٌ إلّا بَلاغًا، فَإنِّي إنْ بَلَغْتُ رَحِمَنِي بِذَلِكَ، والإجارَةُ لِلْبَلاغِ مُسْتَعارَةٌ إذْ هو سَبَبُ إجارَةِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: عَلى هَذا المَعْنى هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لَنْ أجِدَ مُلْتَحَدًا إلّا بَلاغًا، أيْ: شَيْئًا أمِيلُ إلَيْهِ وأعْتَصِمُ بِهِ إلّا أنَّ أُبَلِّغَ وأُطِيعَ فَيُجِيرُنِي اللهُ.
وقالَ قَتادَةُ: التَقْدِيرُ: لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا فَأمّا الإيمانُ أوِ الكُفْرُ فَلا أمْلِكُهُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "إلّا" بِتَقْدِيرِ الِانْفِصالِ، و"لَنْ" شَرْطٌ، و"لا" نافِيَةٌ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ولَنْ أجِدَ مُلْتَحَدًا إنْ لَمْ أبْلُغْ مِنَ اللهِ ورِسالاتِهِ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ.
"مِنَ اللهِ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن يَعْصِ اللهَ ﴾ يُرِيدُ الكُفْرَ بِدَلِيلِ الخُلُودِ المَذْكُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ وابْنُ مُصَرِّفٍ: "فَإنَّ لَهُ" عَلى مَعْنى: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا رَأوا ﴾ ، ساقَ الفِعْلَ في صِيغَةِ الماضِي تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن أضْعَفُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ والِابْتِداءِ، و"أضْعَفُ" خَبَرُها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مِن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ: "فَسَيَعْلَمُونَ"، و"أضْعَفُ" خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالتَبَرِّي مِن مَعْرِفَةِ الغَيْبِ في وقْتِ عَذابِهِمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ، و"الأمَدُ: المُدَّةُ والغايَةُ، و"عالِمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "رَبِّي"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ عَلى القَطْعِ، وقَرَأ السُدِّيُّ: "عالَمُ" عَلى الفِعْلِ الماضِي ونَصْبِ الباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَلا يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ "أحَدٌ" بِالرَفْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ ﴾ مَعْناهُ: فَإنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى ما شاءَ مِمّا هو قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، ثُمَّ يَبُثُّ اللهُ تَعالى حَوْلَ ذَلِكَ المَلَكِ الرَسُولِ حَفَظَةً رَصَدًا لِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيَعْلَمَ"، ﴾ قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ الرُسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وحَفِظُوا ومَنَعَ مِنهُمْ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ: يَعْلَمُ مُحَمَّدٌ أنَّ المَلائِكَةَ الحَفَظَةَ الرُصَّدَ النازِلِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ- وخَلْفَهُ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: لِيَعْلَمَ مَن كَذَبَ أوَ أنْكَرَ أنَّ الرُسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا العِلْمُ لا يَقَعُ لَهم إلّا في الآخِرَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لِيَعْلَمَ اللهُ رُسُلَهُ مُبَلِّغِينَ خارِجِينَ إلى الوُجُودِ، لِأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَعْلَمَ" بِفَتْحِ اللامِ أيْ: لِيَعْلَمَ اللهُ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِيُعْلَمَ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رِسالَةَ رَبِّهِمْ" عَلى التَوْحِيدِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَأُحِيطَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ مَعْناهُ: كُلُّ شَيْءٍ مَعْدُودٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ ﴾ الآيَةُ، مُضَمِّنُهُ أنَّهُ تَعالى قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَعَلى هَذا الفِعْلِ المُضْمَرِ انْعَطَفَ "أحاطَ أحْصى"، واللهُ تَعالى المُرْشِدُ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الجِنِّ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
كان المشركون يكثرون أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ متى هذا الوعد ﴾ [النمل: 71]، و ﴿ عن الساعة أيان مرساها ﴾ [الأعراف: 187]، وتكررت نسبة ذلك إليهم في القرآن، فلما قال الله تعالى: ﴿ حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً ﴾ [الجن: 24] الآية علِم أنهم سيعيدون ما اعتادوا قوله من السؤال عن وقت حلول الوعيد فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعيد عليهم ما سبق من جوابه.
فجملة ﴿ قل إن أدري أقريب ما توعدون ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن القول المأمور بأن يقوله جواب لسؤالهم المقدر.
والأمد: الغاية وأصله في الأمكنة.
ومنه قول ابن عمر في حديث «الصحيحين»: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقَ بين الخيل التي لم تُضَمَّر وجعل أمدَها ثنيةَ الوداع " (أي غاية المسابقة).
ويستعار الأمد لمدة من الزمان معينة قال تعالى: ﴿ فطال عليهم الأمد ﴾ [الحديد: 16] وهو كذلك هنا.
ومقابلته ب«قريب» يفيد أن المعنى أم يجعل له أمداً بعيداً.
وجملة ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً ﴾ في موضع العلة لجملة ﴿ إن أدري أقريب ما توعدون ﴾ الآية.
و ﴿ عالم الغيب ﴾ : خبر مبتدأ محذوف، أي هو عالم الغيب والضمير المحذوف عائد إلى قوله ﴿ ربي ﴾ .
وهذا الحذف من قبيل حذف المسند إليه حذفاً اتُّبع فيه الاستعمال إذا كان الكلام قد اشتمل على ذكر المسند إليه وصفاته كما نبه عليه السكاكي في «المفتاح».
و ﴿ الغيب ﴾ : مصدر غاب إذا استتر وخفي عن الأنظار وتعريفه تعريف الجنس.
وإضافة صفة ﴿ عالم ﴾ إلى ﴿ الغيب ﴾ تفيد العلم بكل الحقائق المغيبة سواء كانت ماهيات أو أفراداً فيشمل المعنى المصدري للغيب مثل علم الله بذاته وصفاته، ويشمل الأمور الغائبة بذاتها مثل الملائكة والجن.
ويشمل الذوات المغيبة عن علم الناس مثل الوقائع المستقبلة التي يخبر عنها أو التي لا يخبر عنها، فإيثار المصدر هنا لأنه أشمل لإِحاطة علم الله بجميع ذلك.
وتقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ في سورة البقرة (3).
وتعريف المسند مع تعريف المسند إليه المقدر يفيد القصر، أي هو عالم الغيب لا أنا.
وفرع على معنى تخصيص الله تعالى بعلم الغيب جملة فلا يُظْهر على غيبه أحداً}، فالفاء لتفريع حكم على حكم والحكم المفرع إتمام للتعليل وتفصيل لأحوال عدم الاطلاع على غيبه.
ومعنى ﴿ لا يظهر على غيبه أحداً ﴾ : لا يُطلع ولا ينبئ به، وهو أقوى من يطلع لأن ﴿ يظهر ﴾ جاء من الظهور وهو المشاهدة ولتضمينه معنى: يطلع، عدي بحرف ﴿ على ﴾ .
ووقوع الفعل في حيّز النفي يفيد العموم، وكذلك وقوع مفعوله وهو نكرة في حيّزه يفيد العموم.
وحرف ﴿ على ﴾ مستعمل في التمكن من الاطلاع على الغيب وهو كقوله تعالى ﴿ وأظهره الله عليه ﴾ [التحريم: 3] فهو استعلاء مجازي.
واستثنى من هذا النفي من ارتضاه ليطلعه على بعض الغيب، أي على غيب أراد الله إظهاره من الوحي فإنه من غيب الله، وكذلك ما أراد الله أن يؤيد به رسوله صلى الله عليه وسلم من إِخبار بما سيحدث أو إطلاع على ضمائر بعض الناس.
فقوله: ﴿ ارتضى ﴾ مستثنى من عموم ﴿ أحداً ﴾ .
والتقدير: إلاّ أحداً ارتضاه، أي اختاره للاطلاع على شيء من الغيب لحكمة أرادها الله تعالى.
والإِتيان بالموصول والصلة في قوله: ﴿ إلاّ مَن ارتضَى مِن رسول ﴾ لقصد ما تؤذن به الصلة من الإِيماء إلى تعليل الخبر، أي يطلع الله بعض رسله لأجل ما أراده الله من الرسالة إلى النّاس، فيُعْلم من هذا الإِيمان أن الغيب الذي يطلع الله عليه الرسل هو من نوع ما له تعلق بالرسالة، وهو غيب ما أراد الله إبلاغه إلى الخلق أن يعتقدوه أو أن يفعلوه، وما له تعلق بذلك من الوعد والوعيد من أمور الآخرة، أو أمور الدنيا، وما يؤيد به الرسل عن الإِخبار بأمور مغيبة كقوله تعالى: ﴿ غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ﴾ [الروم: 24].
والمراد بهذا الإِطلاعُ المحقق المفيد علماً كعلم المشاهدة.
فلا تشمل الآية ما قد يحصل لبعض الصالحين من شرح صدر بالرؤيا الصادقة، ففي الحديث: «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوءة، أو بالإِلهام» قال النبي صلى الله عليه وسلم «قد كان يكون في الأمم قبلكم محدِّثون فإن يَكُنْ في أمتِي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم» رواه مسلم.
قال مسلم: قال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهِمون.
وقد قال مالك في الرؤيا الحسنة: أنها تسرُّ ولا تغرُّ، يريد لأنها قد يقع الخطأ في تأويلها.
و ﴿ مِن رسول ﴾ بيان لإِبهام ﴿ مَنْ ﴾ الموصولة، فدل على أن مَا صْدَقَ ﴿ مَن ﴾ جماعةٌ من الرسل، أي إلاّ الرسل الذين ارتضاهم، أي اصطفاهم.
وشمل ﴿ رسول ﴾ كلّ مرسل من الله تعالى فيشمل الملائكة المرسلين إلى الرسل بإبلاغ وحي إليهم مثل جبريل عليه السلام.
وشمل الرسل من البشر المرسلين إلى الناس بإبلاغ أمر الله تعالى إليهم من شريعة أو غيرها مما به صلاحهم.
وهنا أربعة ضمائر غيبة: الأول ضمير ﴿ فإنه ﴾ وهو عائد إلى الله تعالى.
والثاني الضمير المستتِر في ﴿ يسلك ﴾ وهو لا محالة عائد إلى الله تعالى كما عاد إليه ضمير ﴿ فإنه ﴾ .
والثالث والرابع ضميرَا ﴿ من بين يديه ومن خلفه ﴾ ، وهما عائدان إلى ﴿ رسول ﴾ أي فإن الله يسلك أي يرسل للرسول رصَداً من بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم ومن خلفه رصداً، أي ملائكة يحفظون الرسول صلى الله عليه وسلم من إلقاء الشياطين إليه ما يخلط عليه ما أطلعه الله عليه من غيبه.
والسّلْك حقيقته: الإِدخال كما في قوله تعالى: ﴿ كذلك نسْلكه في قلوب المجرمين ﴾ في سورة الحجر (12).
وأطلق السَّلك على الإِيصال المباشر تشبيهاً له بالدخول في الشيء بحيث لا مصرف له عنه كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ ومن يعرض عن ذكر ربه نسلكه عذاباً صعَدَاً ﴾ [الجن: 17] أي يرسل إليه ملائكة متجهين إليه لا يبتعدون عنه حتى يَبْلُغَ إليه ما أُوحي إليه من الغيب، كأنّهم شبه اتصالهم به وحراستهم إياه بشيء داخل في أجزاء جسم.
وهذا من جملة الحفظ الذي حفظ الله به ذكره في قوله: ﴿ إنا نحن نزلنا الذّكر وإنا له لحافظون ﴾ [الحجر: 9].
والمراد ب ﴿ مِن بين يديه ومن خلفه ﴾ الكناية عن جميع الجهات، ومن تلك الكناية ينتقل إلى كناية أخرى عن السلامة من التغيير والتحريف.
والرصد: اسم جمع كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ يجد له شهاباً رصداً ﴾ [الجن: 9].
وانتصب ﴿ رصداً ﴾ على أنه مفعول به لفعل ويتعلق ليعلم } بقوله: ﴿ يسلك، ﴾ أي يفعل الله ذلك ليبلّغ الغيب إلى الرسول كما أرسل إليه لا يخالطه شيء مما يلبس عليه الوحي فيعلم الله أن الرسُل أبلغوا ما أوحي إليه كما بعثَه دون تغيير، فلما كان علم الله بتبليغ الرسول الوحي مفرعاً ومسبباً عن تبليغ الوحي كما أنزل الله، جعل المُسَبب علّة وأقيم مقام السَّبب إيجازاً في الكلام لأن علم الله بذلك لا يكون إلاّ على وفق ما وقع، وهذا كقول إياس بن قبيصة: وأقبلتُ والخطّيُّ يخطِر بيننَا *** لأعلَمَ مَنْ جَبَانُها مِن شجاعها أي ليظهر من هو شجاع ومن هو جبان فأعلمَ ذلك.
وهذه العلة هي المقصد الأهم من اطلاع من ارتضى من رسول على الغيب، وذكر هذه العلة لا يقتضي انحصار علل الاطلاع فيها.
وجيء بضمير الإِفراد في قوله: ﴿ من بين يديه ومن خلفه ﴾ مراعاة للفظ ﴿ رَسول، ﴾ ثم جيء له بضمير الجمع في قوله: ﴿ أن قد أبلغُوا ﴾ مراعاة لمعنى رسول وهو الجنس، أي الرسل على طريقة قوله تعالى السابق آنفاً ﴿ فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً ﴾ [الجن: 23].
والمراد: ليَعلم الله أن قد أبلغوا رسالات الله وأدوا الأمانة علماً يترتب عليه جزاؤهم الجزيل.
وفهم من قوله: ﴿ أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ أن الغيب المتحدث عنه في هذه الآية هو الغيب المتعلق بالشريعة وأصولها من البعثثِ والجزاء، لأن الكلام المستثنى منه هو نفي علم الرسول صلى الله عليه وسلم بقرب ما يوعدون به أو بعده وذلك من علائق الجزاء والبعث.
ويلحق به ما يوحى به إلى الأنبياء الذين ليسوا رسلاً لأن ما يوحى إليهم لا يخلو من أن يكون تأييداً لشرع سابق كأنبياء بني إسرائيل والحواريين أو أن يكون لإِصلاح أنفسهم وأهليهم مثل آدم وأيوب.
واعلم أن الاستثناء من النفي ليس بمقتض أن يثبت للمستثنى جميع نقائض أحوال الحكم الذي للمستثَنى منه، بل قصارى ما يقتضيه أنه كالنقض في المناظرة يحصل بإثبات جزئي من جزئيات ما نفاه الكلام المنقوص، فليس قوله تعالى: ﴿ إلاّ من ارتضى من رسول ﴾ بمقتض أن الرسول يطلع على جميع غيب الله، وقد بين النوع المطلع عليه بقوله: وقرأ رويس عن يعقوب ليُعلم } بضم الياء وفتح اللام مبنياً للمفعول على أنّ ﴿ أنْ قد أبلغوا ﴾ نائب عن الفاعل، والفاعل المحذوف حذف للعلم به، أي ليعلَم الله أن قد أبلغوا.
الواو واو الحال أو اعتراضية لأن مضمونها تذييل لجملة ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ﴾ أي أحاط بجميع ما لدى الرسل من تبليغ وغيره، وأحاط بكل شيء مما عدا ذلك، فقوله: ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ تعميم بعد تخصيص ما قبله بعلمِه بتبليغهم ما أرسل إليهم، وقوله: ﴿ وأحصى كل شيء عدداً ﴾ تعميم أشمل بعد تعميممٍ مَّا.
وعبر عن العلم بالإِحصاء على طريق الاستعارة تشبيهاً لعلم الأشياء بمعرفة الأعداد لأن معرفة الأعداد أقوى، وقوله: ﴿ عدداً ﴾ ترشيح للاستعارة.
والعدد: بالفك اسم لمعدود وبالإدغام مصدر عَدّ، فالمعنى هنا: وأحصى كل شيء معدوداً، وهو نصب على الحال، بخلاف قوله تعالى: ﴿ وعدَّهم عَدَّا ﴾ [مريم: 94].
وفرق العرب بين المصدر والمفعول لأن المفعول أوغل في الاسمية من المصدر فهو أبعد عن الإِدغام لأن الأصل في الإِدغام للأفعال.
﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عالَمُ السِّرِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما لَمْ تَرَوْهُ مِمّا غابَ عَنْكم، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّ الغَيْبَ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّ الغَيْبَ القِيامَةُ وما يَكُونُ فِيها، حَكاهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.
﴿ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولِ اللَّهِ هو جِبْرِيلُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: إلّا مَنِ ارْتَضى مِن نَبِيٍّ فِيما يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ مَن غَيْبٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الطَّرِيقُ، ويَكُونُ مَعْناهُ فَإنَّهُ يَجْعَلُ لَهُ إلى عِلْمِ بَعْضِ ما كانَ قَبْلَهُ وما يَكُونُ بَعْدَهُ طَرِيقًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّ الرَّصَدَ المَلائِكَةُ، وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَ النَّبِيَّ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ مِن أمامِهِ ووَرائِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ، قالَ قَتادَةُ: هم أرْبَعَةٌ.
الثّانِي: أنَّهم يَحْفَظُونَ الوَحْيَ فَما جاءَ مِنَ اللَّهِ قالُوا إنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وما ألْقاهُ الشَّيْطانُ قالُوا إنَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: يَحْفَظُونَ جِبْرِيلَ إذا نَزَلَ بِالوَحْيِ مِنَ السَّماءِ أنْ يَسْمَعَهُ الجِنُّ إذا اسْتَرَقُوا السَّمْعَ لِيُلْقُوهُ إلى كَهَنَتِهِمْ قَبْلَ أنْ يُبَلِّغَهُ الرَّسُولُ إلى أُمَّتِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿ لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ قَدْ بَلَّغَ جِبْرِيلُ إلَيْهِ رِسالاتِ رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ: ما نَزَلَ جِبْرِيلُ بِشَيْءٍ مِنَ الوَحْيِ إلّا ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ قَدْ بَلَّغَتْ رِسالاتِ اللَّهِ وحَفِظَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: لِيَعْلَمَ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ عَنْ رَبِّها ما أُمِرَتْ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: لِيَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَكُونُوا هُمُ المُبَلِّغِينَ بِاسْتِراقِ السَّمْعِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الخامِسُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنَّ رُسُلَهُ قَدْ بَلَّغُوا عَنْهُ رِسالاتِهِ، لِأنْبِيائِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أحاطَ عِلْمًا.
﴿ وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ يَعْنِي مِن خَلْقِهِ الَّذِي يَعْزُبُ إحْصاؤُهُ عَنْ غَيْرِهِ.
أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى نواحي مكة فخط لي خطاً وقال: لا تحدثن شيئاً حتى آتيك» ، ثم قال: «لا يهولنك شيء تراه» .
فتقدم شيئاً ثم جلس فإذا رجال سود كأنهم رجال الزطّ، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿ كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنه لما قدم عبد الله كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ قال: لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلوا القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه ﴿ قل أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الزبير بن العوام مثله.
وأخرج عبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ قال: لما أتى الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده فعجبوا من طواعية أصحابه له، فقالوا لقومهم: ﴿ لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه ﴾ أي يدعو إليه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ قال: لما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم تلبدت الإِنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من ناوأه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه ﴾ قال: لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا إله إلا الله، ويدعو الناس إلى ربهم كادت العرب تلبد عليه جميعاً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ قال: أعواناً.
وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي بكر عن أبي عاصم أنه قرأ ﴿ يكونون عليه لبداً ﴾ بكسر اللام ونصب الباء وفي ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ ﴿ مالاً لبداً ﴾ [ البلد: 6] برفع اللام ونصب الباء، وفسرها أبو بكر فقال: ﴿ لبداً ﴾ كثيراً و ﴿ لبداً ﴾ بعضها على بعض.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ قل إنما أدعو ربي ﴾ بغير ألف.
وأخرج ابن جرير عن حضرمي.
قال: ذكر لنا أن جنياً من الجن من أشرافهم ذا تبع قال: إنما يريد محمد أن نجيره وأنا أجيره فأنزل الله: ﴿ قل إني لن يجيرني من الله أحد ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن حتى أتى الحجون فخط علي خطاً ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيدهم، يقال له وردان: الا أرجلهم عنك يا رسول الله؟
قال: ﴿ إني لن يجيرني من الله أحد ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: ﴿ ولن أجد من دونه ملتحداً ﴾ قال: ملجأ.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ولن أجد من دونه ملتحداً ﴾ قال: ملجأ ولا نصيراً إلا بلاغاً من الله ورسالاته.
قال: هذا الذي يملك بلاغاً من الله ورسالاته، وفي قوله: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: فإنه إذا ارتضى الرسول اصطفاه، وأطلعه على ما شاء من غيبه وانتخبه.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: أعلم الله الرسل من الغيب الوحي وأظهرهم عليه فيما أوحي إليهم من غيبه وما يحكم الله فإنه لا يعلم ذلك غيره.
وأخرج ابن حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: هي معقبات من الملائكة يحفظونه من الشيطان حتى يبين الذي أرسل إليهم به، وذلك حين يقول أهل الشرك قد أبلغوا رسالات ربهم.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: جبريل.
وأخرج ابن مردويه عن عباس قال: ما أنزل الله على نبيه آية من القرآن إلا ومعها أربعة من الأملاك يحفظونها حتى يؤدوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قرأ ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ يعني الملائكة الأربعة ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقى الشيطان في أمنيته يدنون منه فلما ألقى الشيطان في أمنيته أمرهم أن يتنحوا عنه قليلاً ليعلم أن الوحي إذا نزل من عند الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل ليعلم محمد ﴿ أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ قال: وما جاء جبريل إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة.
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: الملائكة يحفظونه من الجن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه نفراً من الملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه أن يتشبه الشيطان على صورة الملك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: يظهره من الغيب على ما شاء إذا ارتضاه وفي قوله: ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: من الملائكة وفي قوله: ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله وأن الله حفظها ودفع عنها.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ليعلم ﴾ قال: ليعلم ذلك من كذب الرسل ﴿ أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ .
قوله تعالى (١) ﴿ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ (٢) اختلفوا في قوله: "ليعلم" فقال قتادة (٣) ومقاتل (٤) ويجوز أن يكون المعنى: ليعلم الرسول أن قد بلغوا، إلى جبريل، والملائكة الذين يبعثون إلى الرسل، أبلغوا رسالات ربهم، فلا يشك فيها، ويعلم أنها حق من الله (٥) والمعنى: حفظنا الرسول من الشياطين ليعلم أن الذين أتوه أبلغوا رسالات ربهم، وهذا تأكيد لقول الضحاك ومقاتل في الآية الأولى.
ويجوز أن يكون المعنى: ليعلم الرسل أنهم بلغوا رسالات ربهم على التحقيق من غير شك فيها؛ إذ كانوا محروسين عن الشياطين، فالذي يبلغونه (٦) وعلى هذا إنما قال: "أبلغوا".
لأن المراد بقوله: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ (٧) ويجوز أن يكون المعنى: ليعلم الله أن قد أبلغوا يعني الرسل.
وهذا القول اختيار (٨) (٩) (١٠) قال ابن قتيبة: أي ليبلّغوا رسالات ربهم (العلم) هاهنا، مثله قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ﴾ ، أي: ولما تجاهدوا وتصبروا (١١) (١٢) وقال أبو إسحاق: وما بعد قوله: (ليعلم) يدل على صحة هذا (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وهذه الأقوال ذكرها أهل المعاني والتفسير، وذكرت أقوال بعيدة لم أحكها (١٨) ومعنى: ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ علم الله ما عند الرسل، فلم يَخف عليه شيء.
(قوله تعالى) (١٩) ﴿ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ قال ابن عباس: أحصى ما خلق، وعرف عدد ما خلق، لم يفته علم شيء، ولم يعزب (٢٠) (٢١) (٢٢) والخردل (٢٣) (٢٤) قال أبو إسحاق: و (نصب "عدداً" على ضربين: أحدهما: على معنى: وأحصى كل شيء في حال العَدَد، فلم تخف عليه سقوط ورقة، ولا حبَّة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس.
قال: ويجوز أن يكون (عدداً) في موضع المصدر المحمول على معنى: أحصى؛ لأن معنى وأحصى: وعد كل شيء عدداً) (٢٥) (والله أعلم بالصواب) (٢٦) (١) بياض في: (ع).
(٢) قوله (رسالات ربهم) ساقط من: (ع).
(٣) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 323، و"جامع البيان" 29/ 123، و"النكت والعيون" 6/ 123 ، و"زاد المسير" 8/ 110، و"التفسير الكبير" 30/ 170، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 29، و"الدر المنثور" 8/ 310 وعزاه إلى عبد بن حميد.
(٤) "التفسير الكبير" 30/ 170، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 29.
(٥) وهو معنى قول ابن عباس، وابن جبير.
انظر: "جامع البيان" 29/ 23، و"النكت والعيون" 6/ 123.
وقال به ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن" 492، والفراء في: "معاني القرآن" 3/ 196.
(٦) غير واضحة في: (ع).
(٧) قوله: إلا من ارتضى: بياض في: (ع).
(٨) بياض في: (ع).
(٩) "تفسير غريب القرآن" 492 وعبارته: "ليعلم محمد أن الرسل قد بلغت عن الله، وأن الله حفظها، ودفع عنها، وأحاط بها".
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 238 وعبارته: (ليعلم الله أن قد أبلغوا رسالاته).
(١١) في (أ): تصابروا.
(١٢) إلى قوله على ما بينا في غير هذا الموضع ينتهي قول ابن قتيبة.
انظر: "تأويل مشكل القرآن" 434، ويعني بغير هذا الموضع أي الموضع الذي بين فيه علم الله تعالى، وأنه نوعان: أحدهما: علم ما يكون من إيمان المؤمنين وكفر الكافرين، وذنوب العاصين، وطاعات المطيعين قبل أن تكون.
قال: وهذا علم لا تجب به حجة، ولا تقع عليه مثوبة ولا عقوبة.
والآخر: علم هذه الأمور ظاهرة موجودة، فيحق القول، ويقع بوقوعها الجزاء، فأراد جل وعز: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهرًا موجودًا، وكفر الكافرين ظاهرًا موجودًا، وكذلك قوله سبحانه: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ الآية: آل عمران: 142.
"تأويل مشكل القرآن" 311 - 312.
(١٣) بياض في: (ع).
(١٤) قوله تعالى: ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ .
(١٥) ﴿ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ .
(١٦) في (أ): كذلك.
(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 238 بتصرف.
(١٨) في (أ): أحكمها.
ومن هذه الأقوال التي أشار إليها: ليعلم من كذب الرسل أنهم قد أبلغوا رسالات ربهم.
قاله مجاهد.
انظر: "جامع البيان" 29/ 123، و"المحرر الوجيز" 5/ 385، و"زاد المسير" 8/ 110.
وأيضا: ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما أنزل الله عليهم ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم.
"النكت والعيون" 6/ 123.
وأيضًا ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليصه، واستراق أصحابه.
"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 29 (١٩) ساقط من: (ع).
(٢٠) يعزب: يراد به البعد.
انظر: مادة: (عزب) في: "لسان العرب" 1/ 597، "القاموس المحيط" 1/ 104.
(٢١) مثاقيل: جمع مثقال، أي وزن.
"المصباح المنير" 1/ 102 - 103 مادة: (ثقل).
(٢٢) الذر: هو النمل الأحمر الصغير، واحدتها ذرة.
"النهاية في غريب الحديث" 2/ 157، و"المصباح المنير" 1/ 246، مادة: (ذر).
(٢٣) الخردل: حب شجر مسخن مُلطف جاذب، قالع للبلغم، ملين، هاضم، والخردل الفارسي: نبات بمصر يُعرف بحشيشة السلطان.
"القاموس المحيط" 3/ 367، مادة: (خردل).
(٢٤) "معالم التنزيل" 4/ 406، و"لباب التأويل" 4/ 320.
(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 238 نقله عنه بنصه.
(٢٦) ما بين القوسين ساقط من: (ع).
﴿ قُلْ إِنْ أدري أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ ﴾ إن هنا نافية.
والمعنى قل: لا أدري أقريب ما توعدون أم بعيد وعبر عن بُعده بقوله: أم يجعل له ربي أمداً ويعني بما توعدون قتلهم يوم بدر، أو يوم القيامة.
﴿ فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ﴾ أي لا يطلع أحداً على علم الغيب ﴿ إِلاَّ مَنِ ارتضى ﴾ ، وهم الرسل فإنه يطلعهم على ما شاء من ذلك.
ومن في قوله: ﴿ مِن رَّسُولٍ ﴾ لبيان الجنس لا للتبعيض، والرسل هنا يحتمل أن يراد بها الرسل من الملائكة، وعلى هذا حملها ابن عطية، أو الرسل من بني آدم، وعلى هذا حملها الزمخشري.
واستدل بها على نفي كرامات الأولياء الذين يدعون المكاشفات، فإن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم.
وفيها أيضاً دليل على إبطال الكهانة والتنجيم وسائر الوجوه التي يدعي أهلها الاطلاع على الغيب؛ لأنهم ليسوا من الرسل ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ المعنى أن الله يسلك من بين يدي الرسل ومن خلفه ملائكة يكونون رصداً يحفظونه من الشياطين، وقد ذكرنا رصداً في هذه السورة، قال بعضهم: ما بعث الله رسولاً إلا ومعه ملائكة يحرسونه حتى يبلغ رسالة ربه ﴿ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ ﴾ في الفاعل بيعلم ثلاثة أقوال: الأولى أي ليعلم الله أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم، أي يعلمه موجوداً وقد كان علم ذلك قبل كونه.
الثاني ليعلم محمد أن الملائكة الرصد أبلغوا رسالات ربهم.
الثالث ليعلم من كفر أن الرسل قد بلغوا الرسالة.
والأول أظهر، وجَمَعَ الضمير في أبلغوا في ربهم حملاً على المعنى، لأن من ارتضى من رسول يراد به جماعة ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ أي أحاط الله بما عند الرسل من العلوم والشرائع، وهذه الجملة معطوفة على قوله: ليعلم، لأن معناه أنه قد علم، قال ذلك ابن عطية، ويحتمل أن تكون هذه الجملة في موضع الحال ﴿ وأحصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ﴾ هذا عموم في جميع الأشياء، وعدداً منصوب على الحال أو تمييز أو مصدر من معنى أحصى.
القراءات {وأنه } إلى قوله ﴿ وأنا منا المسلمون ﴾ بالفتح: يزيد وابن عامر وحمزة وعلي وخلف وحفص.
والمشهور عن أبي جعفر أنه كان يفتح الألف في سبعة مواضع ﴿ أنه ﴾ ﴿ وأنه ﴾ في خمسة مواضع، واثنين في قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ ﴿ وأن المساجد ﴾ وهما بالفتح لا غير بالإتفاق.
﴿ تقول الإنس ﴾ بالتشديد من التفعل: يعقوب ﴿ يسلكه ﴾ على الغيبة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب الباقون: بالنون ﴿ وإنه لما قام ﴾ بالكسر: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ لبداً ﴾ بالضم: هشام.
﴿ قل إنما أدعو ﴾ على الأمر: عاصم وحمزة ويزيد الآخرون ﴿ قال ﴾ على صيغة الماضي والضمير لعبد الله ﴿ ربي أمداً ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ليعلم ﴾ مبنياً للمفعول: يعقوب.
الوقوف: ﴿ عجباً ﴾ ه لا ﴿ فآمنا به ﴾ ط للعدول عن الماضي المثبت إلى ضدهما.
ثم الوقف على الآيات التي بعد أن جائز ضرورة انقطاع النفس والوقف في قراءة الكسر أجوز ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ولا ولداً ﴾ ه ﴿ شططاً ﴾ ه لا ﴿ رهقاً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ وشهباً ﴾ ه ﴿ للسمع ﴾ ط ﴿ رصداً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ قدداً ﴾ ه ﴿ هرباً ﴾ ه ﴿ آمنا به ﴾ ط ﴿ رهقاً ﴾ ه ﴿ ومنا القاسطون ﴾ ه ط للابتداء بالشرط ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ حطباً ﴾ ه لا ﴿ غدقاً ﴾ ه لا ﴿ فيه ﴾ ج ﴿ صعداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وأنه ﴾ بالفتح ﴿ لبداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ ورسالاته ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ه لا لأن حتى للابتداء بما بعدها ﴿ عدداً ﴾ ه لا ﴿ أمداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه لا ﴿ رصداً ﴾ ه ﴿ عدداً ﴾ ه.
التفسير: روى يونس وهارون عن أبي عمرو ﴿ وحي ﴾ بضم الواو من غير ألف.
والوحي والإيحاء بمعنى وهو إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء وسرعة كالإلهام وإنزال الملك وقد مر مراراً.
وقرىء ﴿ أحي ﴾ بقلب الواو همزة.
والكلام في الجنِّ اسماً وحقيقته قد سلف في الاستعاذة وكذا بيان اختلاف الروايات أنه هل رأى الجن أم لا، وذلك في آخر سورة " حم الأحقاف ".
والذي أزيده ههنا ما ذكره بعض حكماء الإسلام أنه لا يبعد أن تكون الجن أرواحاً مجردة كالنفوس الناطقة، ثم يكون لكل واحد منهم تعلق بجزء من أجزاء الهواء كما أن أول متعلق النفس الناطقة هو الروح الحيوني في القلب، ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل التدبير والتصرف فيه كما للنفس الناطقة في البدن، ومنهم من جوز أن يكون الجن عبارة عن النفوس الناطقة التي فارقت أبدان الإنسان فتتصرف فيما يناسبها من الأرواح البشرية التي لم تفارق بعد فتعينها بالإلهام إن كانت خيرة، وبالوسوسة إن كانت بالضد.
أما الذاهبون إلى أن الجن أجسام فمنهم الأشاعرة القائلون بأن البنية ليست شرطاً في الحياة وأنه لا يبعد أن يخلق الله في الجوهر الفرد علماً بأمور كثيرة وقدرة على أعمال شاقة، فعند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة وسواء كان أجزاؤهم صغاراً أو كباراً.
ثم الأمر بالخروج إليهم وقراءة القرآن عليهم لا أنه رآهم وعرف جوابهم.
والله أوحى في هذه السورة.
ومنهم من قال: البنية شرط وأنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادراً على الأفعال الشاقة.
ومن الأولين من جوز أن يكون المرئي حاضراً والشرائط حاصلة والموانع مرتفعة، ثم أنا لا نراه.
وأعلم أن ما ذكرنا في تفسير الأحقاف عن ابن عباس أنه ما رأة الجن.
وعن ابن مسعود أنه رآهم.
فالجمع بين القولين أن ما ذكره ابن عباس لعله وقع أولاً فأوحى الله إليه في هذه السورة أنهم قالوا كذا وكذا، أو رآهم وسمع كلامهم وآمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم وذكروا لقومهم على سبيل الحكاية ﴿ أنا سمعنا قرآناً عجباً ﴾ إلى آخره كقوله في " الأحقاف " ﴿ فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ﴾ أوحى الله إلى نبيه محمد ما جري بينهم وبين قومهم.
والفائدة فيه أن يعلم أنه مبعوث إلى الثقلين وأن الجن مكلفون كالأنس وأنهم يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا، وأن المؤمن منهم يدعو سائرهم إلى الإيمان.
وأجمع القراء على فتح ﴿ أنه استمع ﴾ لأنه فاعل ﴿ أوحي ﴾ وكذا على فتح ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ ﴿ وأن المساجد ﴾ لأنه يعلم بالوحي فهما معطوفان على ﴿ أنه استمع ﴾ وأجمعوا على كسر ﴿ إنا ﴾ في قوله ﴿ إنا سمعنا ﴾ لأنه وقع بعد القول.
وفي البواقي خلاف، فمن كسر فمحمول على مقول القول وأنه صريح من كلام الجن، ومن فتح فعلى أنه فاعل ﴿ أوحى ﴾ ولا بد من تقدير ما في الحكاية ليكون حكاية كلام الجن كأنه قيل: وحكوا أنه جد ربنا إلى آخره إلا في قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ فإنه كاللذين تقدماه يصح وقوعه فاعل ﴿ أوحي ﴾ من غير تقدير، وجوز صاحب الكشاف فيمن قرأ بفتح الكل في قوله {وأنه جد ربنا} ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا ﴾ وكذلك البواقي أن يكون معنا صدقنا.
قلت: وفيه نظر لنبوه عن الطبع في أكثر المواضع إذ لا معنى لقول القائل مثلا: صدقنا أنا لمسنا السماء وصدقنا أنا لما سمعنا الهدى آمنا به.
وبالجملة فكلامه في هذا المقام غير واضح ولا لائق بفضله.قوله ﴿ عجباً ﴾ مصدر وضع موضع الوصف للمبالغة أي قرآناً عجباً بديعاً خارجاً عن حد أشكاله بحسن مبانيه وصحة معانية ﴿ يهدي إلى الرشد ﴾ أي الصواب أو التوحيد والإيمان ﴿ فآمنا به ﴾ لأن الإيمان بالقرآن إيمان بكل ما فيه من التوحيد والنبوة والمعاد، ويجوز أن يكون الضمير لله لأن قوله ﴿ ولن نشرك بربنا ﴾ يدل عليه بعد دلالة الحال ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك.
ذكر الحسن أن فيهم يهود ونصارى ومجوساً ومشركين.
قلت: ومما يدل على أن فيهم نصارى قوله {وأنه جد ربنا} أي عظمته مكن قولهم " جد فلان في عيني " أي عظم.
وفي حديث عمر كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا.
ويحتمل أن يراد ملكه وسلطانه أو غناه استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت لأن الملوك والأغنياء المجودون.
وفي الحديث " "لا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ " قال أبو عبيدة: لا ينفع ذا الغنى منك غناه.
وفي حديث آخر " قمت على باب الجنة فإذا غلقه من يدخلها من الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون " يعني أصحاب الغنى في الدنيا أي ارتفع غنى ربنا عن الاحتياج إلى الصاحبة والاستئناس بالولد كأنهم بسماع القرآن تنبهوا على خطا أهل الشرك من أهل الكتاب وغيرهم.
فقوله ﴿ ما اتخذ ﴾ بيان للأول.
وقيل: الجد أبو الأب وإن علا فهو مجاز عن الأصل أي أصل ربنا وهو حقيقته المخصوصة عن جميع جهات التعلق بالغير قاله الإمام في التفسير الكبير.
النوع الثالث مما ذكره الجن قوله ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً ﴾ السفه خفة العقل، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره ومنه أشط في السوم إذا أبعد فيه أي يقول قولاً هو في نفسه شطط، وصف بالمصدر للمبالغة.
والسفيه إبليس أو غيره من مردة الجن الذين جاوزا الحد في طرف النفي إلى أن أفضى إلى التعطيل، أو في طرف الإثبات إلى أن أدى إلى الشريك والصاحبة والولد.
الرابع ﴿ وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً ﴾ أي إنما أخذنا قول الغير لأنا ظننا أن لا يفتري الكذب على الله أحد، فلما سمعنا القرآن عرفنا أنهم قد يكذبون.
وقال جار الله ﴿ كذباً ﴾ صفة أي قولاً مكذوباً فيه، أو مصدر لأن الكذب نوع من القول.
ومن قرأ بالتشديد وضع ﴿ كذباً ﴾ موضع تقولا ولم يجعله صفة لأن التقول لا يكون إلا كذباً.
قال بعض العلماء: فيه ذم لطريقة أهل الطريق وحث على الاستدلال والنظر.
الخامس ﴿ وأنه كان رجال من الإنس ﴾ الآية.
قال جمهور المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في واد قفر خاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت في جوار منهم حتى يصبح.
وقال آخرون: إذا قحطوا بعثوا رائدهم فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فسار بهم، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي أن يصيبنا آفة يعنون الجن فإن لم يفزعهم أحد نزلوا وربما أفزعهم الجن فهربوا.
وقيل: المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضاً لكن من شر الجن كأن يقول مثلاً: أعوذ برسول الله من شر جن هذا الوادي.
وإنما ذهبوا إلى هذا التأويل ظناً منهم بأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن، وضعف بأنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلاً.
أما قوله ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ فمعناه أن الإنس لاستعاذتهم بهم زادوهم إثماً وجراءة وطغياناً وكبراً لأنهم إذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإنس.
وقيل: ضمير الفاعل للجن أي فزاد الجن الإنس خوفاً وغشيان شر بإغوائهم وإضلالهم فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا بالله استولوا واجترؤا عليهم.
السادس ﴿ وأنهم ﴾ أي الإنس ﴿ ظنوا كما ظننتم ﴾ أيها الجن قاله بعضهم لبعض.
وقيل: هذه الآية والتي قبلها من جملة الوحي بلا تقدير الحكاية.
والضمير في ﴿ وأنهم ﴾ للجن، والخطاب في ﴿ ظننتم ﴾ لأهل مكة.
والأولى أن يكون الكلام من كلام الجن لئلا يقع كلام أجنبي في البين.
السابع ﴿ وأنا لمسنا السماء ﴾ قال أهل البيان: اللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب التعرف، والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها.
والحرس إسم مفرد في معنى الحراس كالخدم بمعنى الخدام ولها لم يقل شداد.
الثامن ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد ﴾ إلى آخره وفي قوله ﴿ شهاباً رصداً ﴾ وجوه: قال مقاتل: يعني رمياً بالشهب ورصداً من الملائكة وهو اسم جمع كما قلنا في حرس.
فقوله ﴿ رصداً ﴾ كالخبر بعد الخبر وقال الفراء: هو فعل بمعنى مفعول أي شهاباً قد رصد ليرجم به.
وقيل: بمعنى فاعل أي شهاباً راصداً لأجله.
واعلم أنا قد بينا في هذا الكتاب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث نبينا وقد جاء ذكرها في الجاهلية وفي كتب الفلاسفة، وإنما غلظت وشدد أمرها عند البعث لئلا يتشوش أمر الوحي بسبب تخليط الكهنة.
وفي قوله ﴿ كنا نقعد منها مقاعد ﴾ إشارة إلى أن الجنّ كانوا يجدون بعض المقاعد خالية عن الشهب والحرس والآن ملئت المقاعد كلها.
التاسع ﴿ وأنا لا ندري ﴾ الآية.
وفيه قولان: أحدهما لا ندري أن المقصود من منع الإستراق شر أريد بمن في الأرض أم خير وصلاح.
وثانيهما لا نعلم أن المقصود من إرسال محمد الذي وقع المنع من الإستراق لأجله هو أن يكذبوه فيهلكوا كما هلك المكذبون من الأمم السالفة، أو أن يؤمنوا فيهتدوا، وفيه اعتراف من الجن بأنهم لا يعلمون الغيب على الإطلاق.
العاشر ﴿ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ﴾ أي قوم أدون حالاً في الصلاح من المذكورين حذف الموصوف واكتفى بالصفة كما في قوله ﴿ وما منا الإله مقام معلوم ﴾ وهذا القسم يشمل المقتصدين والصالحين.
وقوله ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ بيان للقسمة المذكورة، فالطرائق جمع الطريقة بمعنى السيرة والمذهب، والقدد جمع قدة من قد كالقطعة من قطع أي كنا قبل الإسلام ذوي مذاهب متفرقة مختلفة أوعلى حذف المضاف أي كانت طرائقنا طرائق قدد، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة.
الحادي عشر ﴿ وأنا ظننا ﴾ أي تيقنا وقد استعمل الظن الغالب مكان اليقين ﴿ أن لن نعجز الله في الأرض ﴾ إن أراد بنا أمر ﴿ ولن نعجزه هرباً ﴾ أي هاربين أو بسبب الهرب إن طلبنا وفيه إقرار منهم بأن الله غالب على كل شيء.
الثاني عشر ﴿ وأنا لما سمعنا الهدى ﴾ الآية.
عنوا سماعهم القرآن وإيمانهم به.
وقوله ﴿ فلا يخاف ﴾ في تقدير مبتدأ أو خبر أي فهو لا يخاف وإلا قيل بالجزم وبدون الفاء، والفائدة في هذا المساق تحقيق أن المؤمن ناجٍ لا محالة كأنه وقع فأخبر أنه لا يخاف ودلالة على أنه هو المختص بذلك دون غيره إذ يعلم من بناء الكلام على الضمير أن غيره خائف.
وقوله ﴿ بخساً ولا رهقاً ﴾ على حذف المضاف أي جزاء بخس ولا رهق لأنه لم يبخس أحداً حقاً ولا رهق ظلم أحد، وفيه أن المؤمن ينبغي أن يكون غير باخس ولا ظالماً.
ويجوز أن يراد لا يخاف البخس من الله لأنه يجزي الجزاء الأحسن الأوفر ولا ترهقه ذلة.
الثالث عشر ﴿ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ﴾ أي الجائرون عن طريق الحق بالكفر والعدوان وهو قريب من العاشر إلا أن في هذا النوع تفصيل جزاء الفريقين فذكر الإيعاد صريحاً وفي الوعد اقتصر على ذكر سببه وهو تحري الرشد أي طلب الصواب المستتبع للثواب.
قال المبرد: أصل التحري من قولهم ذلك أحرى وأحق وأقرب.
وقال أبو عبيدة: تحروا توخوا.
وفي العدول عن الحقيقة إلى المجاز في جانب الوعد بشارة وإشارة إلى تحقيق الثواب لما عرفت مراراً أن المجاز أبلغ من الحقيقة.
قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ معطوف على ﴿ إنه استمع ﴾ كما مر ومعناه أوحى إليّ أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريق المثلى.
وجوز جمع من المفسرين أن يعود الضمير في ﴿ استقاموا ﴾ إلى الأنس لأن الترغيب في الانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بهم لا بالجن، ولأن الآية روي أنها نزلت بعدما حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين.
وزعم القاضي أن الثقلين.
يدخلون في الآية لأنه أثبت حكماً معللاً بعلة وهو الاستقامة فوجب أن يعم الحكم بعموم العلة.
وأما قول من يقول إن الضمير عائد إلى الجن فله معنيان: أحدهما لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم.
وذكر الماء الغدق وهو الكثير كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع لأنه أصل البركات، فتكون الآية نظير قوله ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم ﴾ وثانيهما لو استقام الجن الذين استمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الإستماع ولو ينتقلوا عنها إلى الإسلام لو سعنا عليهم الرزق في الدنيا ليذهبوا بطيباتهم في الحياة الفانية ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا ﴾ إلى آخره.
وأما الذين قالوا: الضمير عائد إلى الإنس فالوجهان جاريان فيه بعينهما.
وعن أبي مسلم: إن المراد بالماء الغدق جنات تجري من تحتها الأنهار يعني في الجنة.
واحتجاج الأشاعرة بقوله ﴿ لنفتنهم ﴾ على أنه هو الذي يضل عباده ويوقعهم في الفتن والمحن.
والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هنا بمعنى الاختبار كقوله ﴿ ليبلوكم ﴾ ثم بين وعيد المعرضين عن عبادة الله ووحيه.
وانتصب ﴿ عذاباً صعداً ﴾ على حذف الجار أي في عذاب صعد كقوله ﴿ ما سلككم في سقر ﴾ أو على تضمين معنى الإدخال.
الصعد مصدر بمعنى الصعود، ووصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس أن ﴿ صعداً ﴾ جبل في جهنم من صخرة ملساء يكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، وإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسلفها ثم يكلف الصعود مرة أخرى، وهكذا أبداً ومن جملة الوحي قوله ﴿ وأن المساجد لله ﴾ ذهب الخليل أن الجار محذوف ومتعلقه ما بعده أي ولأجل أن المساجد لله خاصة ﴿ فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ فيها عن الحسن عني بالمساجد الأرض كلها لأنها جعلت للنبي مسجداً وهو مناسب لمدح النبي في هذا المقام أي كما أنه مفضل على الأنبياء ببعثه إلى الثقلين فكذلك خص بهذا المعجز الآخر.
وقال جمع كثير من المفسرين: إنها كل موضع بني للصلاة ويشمل مساجدنا والبيع والكنائس أيضاً.
قال قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله فأمرنا بالإخلاص والتوحيد وعن الحسن أيضاً أن المساجد جمع مسجد بالفتح فيكون مصدراً بمعنى السجود.
وعلى هذا قال سعيد بن جبير: المضاف محذوف أي مواضع السجود من الجسد لله وهي الآراب السبعة: الوجه والكفان والركبتان والقدمان.
وقال عطاء عن ابن عباس: هي مكة بجميع ما فيها من المساجد، وأنها قبة الدنيا فكل أحد يسجد إليها.
قال الحسن: من السنة أن الرجل إذا دخل المسجد أن يقول " لا إله إلا الله " لأن قوله ﴿ لا تدعوا مع الله أحداً ﴾ في ضمنه أمر بذكر الله بدعائه.
قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ هو النبي باتفاق المفسرين.
ثم قال الواحدي: هذا من كلام الجن لأن الرسول لا يليق به أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة.
ولا يخفى ضعفه فإنه وارد على طريق التواضع والأدب في الإفتخار بالانتساب إلى عبودية المعبود الحق، وهذا طريق مسلوك في المحاورات والمكاتبات.
يقولون: عبدك كذا وكذا دون أن يقال " فعلت كذا ".
وفي تخصيص هذا اللفظ بالمقام دون الرسول والنبي نكتة أخرى لطيفة هي أن ما قبله النهي عن عبادة غير الله وما بعده ذكر عبادة النبي إياه.
فإن كان هذا من جملة الوحي فلا إشكال في النسق، وإن كان من كلام الجن وفرض أن ما قبل قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ أيضاً من كلامهم كانت الآيتان المتوسطتان كالاعتراض بين طائفتي كلام الجن.
ومناسبة الاستقامة على الطريقة وتخصيص المساجد بعبادة الله وحده لما قبلها ظاهرة فلا اعتراض على هذا الاعتراض.
وفي قوله ﴿ كادوا ﴾ ثلاثة أوجه أظهرها أن الضمير للجن، والقيام قيام النبي بصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته متزاحمين عليه متراكمين تعجباً مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه.
والثاني بأن الضمير للمشركين والمعنى لما قام رسولاً يعبد الله وحده مخالفاً للمشركين كاد المشركون لتظاهرهم عليه يزدحمون على عداوته ودفعه.
والثالث قول قتادة أي لما قام عبد الله تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره.
و ﴿ لبداً ﴾ جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد.
والتركيب يدور على الإجتماع ومنه اللبد.
ومن قرأ ﴿ قل إنما أدعو ﴾ فظاهر وهو أمر من الله لنبيه بأن يقول لأمته المتظاهرين أو للجن عند ازدحامهم: ليس ما ترون من عبادتي ربي بأمر بديع وإنما يتعجب ممن يدعو غير الله وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام الجن لقومهم حكاية عن رسول الله .
ثم أمر أن يخبر أمته بكلمات قاطعة للأسباب والوسائل سوى الإيمان والعمل الصالح.
والرشد بمعنى النفع، والضر بمعن الغي، وكل منها إمارة على ضده.
ثم من ههنا إلى قوله ﴿ إلا بلاغاً ﴾ اعتراض أكد به نفي الاستطاعة وإثبات العجز على معنى أن الله إن أراد به سوأ لن يخلصه منه أحد ولن يجد من غير الله ملاذاً ينحرف إليه.
والمقصود أني لا أملك شيئاً إلا البلاغ الكائن من الله ورسالاته، فالجار صفة لا صلة لأن التبليغ إنما يعدى بـ " عن " قال " بلغوا عني ولو آية " قال الزجاج: انتصب ﴿ بلاغاً ﴾ على البدل أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به.
قلت: على هذا جاز أن يكون استثناء منقطعاً.
وقيل: أن لا أبلغ بلاغاً لم أجد ملتحداً كقولك " أن لا قياماً فقعوداً ".
استدل جمهور المعتزلة بقوله ﴿ ومن يعص الله ﴾ الآية.
على أن الفساق من أهل القبلة مخلدون في النار، ولا يمكن حمل الخلود على المكث الطويل لاقترانه بقوله ﴿ أبداً ﴾ وأجيب بأن الحديث في التبليغ عن الله فلم لا يجوز أن تكون هذه القرينة مخصصة؟
أي ومن يعص الله في تبليغ رسالته وأداء وحيه، ومما يقوي هذه القرينة أن سائر عمومات الوعيد لم يقرن بها لفظ ﴿ أبداً ﴾ فلا بد لتخصيص المقام بها من فائدة وما هي إلا أن التقصير في التبيلغ أعظم الذنوب.
وقد يجاب أيضاً بأن قوله ﴿ ومن يعص الله ﴾ لا يحتمل أن يجري على عمومه كأن يراد ومن يعص الله بجميع أنواع المعاصي.
فمن المحال أن يقول شخص واحد بالتجسيم وبالتعطيل، وإذا صار هذا العام مخصصاً بدليل العقل فلم لا يجوز أن يتطرق إليه تخصيص آخر كأن يقال: ومن يعص اله بالكفر.
وحينئذ لا يبقى للخصم شبهة بل نقول: لا حاجة إلى التزام تخصيص آخر، فإن الآتي بالكفر آت بجميع المعاصي الممكنة الجمع.
قال جار الله: ﴿ حتى إذا ﴾ متعلق بقوله ﴿ يكونون عليه لبداً ﴾ أي يتظاهرون عليه بالعداوة إلى يوم بدر أو إلى يوم القيامة حين يعلم يقيناً أن الكافر أضعف الفريقين.
وجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار واستقلالهم لعدده كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا.
ثم أمره بأن يفوّض علم تعيين الساعة إلى الله لأنه عالم الغيب ﴿ ومن رسول ﴾ بيان ﴿ لمن ارتضى ﴾ وفيه أن الإنسان المرتضى للنبوة قد يطلعه الله على بعض غيوبه، وعلم الكهنة والمنجمين ظن وتخمين فلا يدخل فيه، وعلم الأولياء إلهامي لا يقوى قوة علوم الأنبياء كنور القمر بالنسبة إلى ضياء الشمس.
وههنا أسرار لا أحب إظهارها فلنرجع إلى التفسير.
قوله ﴿ فإنه يسلكه ﴾ الأكثرون على أن الضمير لله .
وسلك بمعنى أسلك.
﴿ رصداً ﴾ مفعول أي يدخل الله من أمام المرتضى ووزائه حفظة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك.
وفي الكلام إضمار التقدير.
إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه على غيبه بطريق الوحي ثم يسلك.
وقيل: الضمير للمرتضى وسلك بمعنى سار وفاعله الملائكة ﴿ ورصداً ﴾ حال.
قال في الكواشي: ثم بين غاية الإظهار والسلك فقال ﴿ ليعلم ﴾ أي ليظهر معلوم الله كما هو الواقع من غير زيادة ولا نقص، ومثل هذا التركيب قد مر مراراً.
قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن قد أبلغ جبرائيل ومن معه من الملائكة الوحي بلا تحريف وتغيير.
وقوله ﴿ من بين يديه ﴾ مع قوله ﴿ أن قد أبلغوا ﴾ كقوله ﴿ فإن له نار جهنم خالدين ﴾ من الحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى.
ثم ما ذكرنا وهو أن المراد بالعلم هو الظهور بقوله ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ من الحكم والشرائع أي وقد أحاط قبل به.
ثم عمم العلم فقال ﴿ وأحصى كل شيء ﴾ من ورق الأشجار وزبد البحار وقطر الأمطار.
و ﴿ عدداً ﴾ مصدر في معنى الإحصاء أو حال أي ضبط كل شيء معدوداً محصوراً أو تمييز والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾ ، فيه إخبار عن دينه: أن دينه التوحيد، لا الإشراك بالله ، وإخبار عما يدعو الخلق إليه، وذلك توحيد الله والقيام بطاعته.
وجائز أن يكون هذا على أثر سؤال منهم، ودعوتهم إلى عبادة الأصنام؛ على ما ذكر في الأخبار أنهم قالوا: إنا نعبد إلهك يوما، وتعبد آلهتنا يوما، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ * تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [غافر: 41-42].
وجائز أن يكون كلاما مبتدأ يؤيسهم، ويقنطهم، ويقطع طمعهم عن عوده إلى ما هم عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً ﴾ : أي: ضرّاً في الدين، ورشدا في الدين، والأصل في الأسماء المشتركة أن ينظر إلى مقابلها، فيظهر مرادها بما يقابلها؛ قال الله : ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ ﴾ ، والقاسط: الجائر، وقد يكون غير الكافر جائرا، ثم صرف الجور إلى الكفر؛ فظهر مراده بمقابله، وهو قوله ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ ﴾ .
والضر قد يكون في الدين والمال والنفس، ولكنه لما ذكر قوله: ﴿ رَشَداً ﴾ ، والرشد يتكلم به في الدين، علم أن قوله: ﴿ ضَرّاً ﴾ راجع إليه أيضا، فكأنه يقول: لا أملك إضلالكم، ولا رشدكم؛ إنما ذلك إلى الله ، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء.
والمعتزلة [تزعم أن] الله لا يملك رشد أحد ولا غيه، بل رسول الله أكثر ملكا منه؛ لأنه يملك أن يدعو الخلق إلى الهدى بنفسه، والله لا يملك ذلك إلا برسوله.
وقال - عز وجل -: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ، ولو كان المراد من الهداية المضافة إلى الله الدعوة والبيان، لكان رسول الله يهديهم؛ لأنه داع ومبين؛ فثبت أن في الهداية من الله لطفا لا يبلغه تدبير البشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾ .
فكأنهم طلبوا منه ترك تبليغ الرسالة إلى قوم، أو كتمان شيء ما أمر بإظهاره، أو محاباة أحد من الأجلة، فأمر أن يخبرهم أنه لا يجيره أحد من الله ، ولا يجد لنفسه ملجأ إن فعل ذلك، سوى أن [يبلغ رسالات ربه]؛ فيجيره من عذابه؛ ويكون له عنده ملجأ؛ إن فعل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾ : فمنهم من جعل قوله: ﴿ إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾ استثناء من قوله: قل إني لا أملك لكم ضرّاً ولا رشدا إلا بلاغا من الله أي: إني لا أملك لكم هدايتكم ولا إضلالكم إلا ما كلفت لأجلكم من تبليغ الرسالة.
ومنهم من جعل هذا استثناء من قوله: ﴿ قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ ﴾ إن عدلت عن أمره، ولم أبلغ الرسالة؛ لا يجيرني من عذابه إلا أن أبلغ الرسالة؛ قال الله : ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ ، وقال: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ .
ولأنه [لا] يجوز أن تقع له الحاجة إلى الإجارة من عذاب الله ، ولم يوجد منه تقصير ولا تضييع يستوجب به العقاب؛ فلا بد من أن يُمْكِن فيه ما ذكرنا من التقصير في التبليغ والعدول عما كلف؛ حتى يستقيم ذكر الإجارة [فيه].
وذكر أبو معاذ - صاحب التفسير -: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَدا ﴾ ، ليس إلى قوله: ﴿ قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ ﴾ ، واستدل على ذلك بقراءة عبد الله بن مسعود - - أنه كان يقرأ: ﴿ قل إني لا أملك لكم غيّاً ولا رشدا إلا بلاغا من الله ﴾ ، وليس فيما ذكرنا قطع الاستثناء على قوله: قل إني لا أملك لكم ضرّاً ولا رشدا إلا بلاغا من الله؛ للوجه الذي ذكرنا.
ولأن أكثر أهل التأويل أجمعوا على صرف الاستثناء إلى قوله: ﴿ قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ ﴾ ؛ فلا يجوز أن يحمل قولهم على الخطأ بما ذكره أبو معاذ، وما ذهبوا إليه وجه الصحة والسداد.
وجائز أن يكون البلاغ والرسالة واحداً؛ فيكون قوله الذي يبلغ بلاغا من الله ورسالاته، ويكون ذلك على التكرار؛ وهو كقوله ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ قيل: إنهما واحد.
وجائز أن تكون الرسالة نفس ما أنزل، وهو الكتاب، والبلاغ ما أودع فيه من الحكمة والمعاني؛ وكذلك قيل في قوله : ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ : إن الكتاب هو المنزل نفسه، والحكمة: ما تضمن فيه من المعاني.
وجائز أن يكون البلاغ من الله منصرفا إلى حكمه، ورسالاته إلى غيره.
أو تكون رسالاته حكمه، والبلاغ خبره؛ وهو كقوله : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ : [صدقا] [أخباره، وعدلا] أحكامه، أو بلاغا من الله حق الله عليهم ورسالاته بما به مصالحهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾ قالوا: لا ملجأ وممالاً، أي: موضعا يمال إليه، والالتحاد والإمالة، سمي اللحد: لحدا من هذا؛ لأنه يمال عن سننه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ ، وقال في موضع آخر ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً ﴾ ، وكل من ارتكب المآثم، فقد دخل في [حد العصيان] وإيذاء الرسول، ولكن المراد هاهنا من يعتقد عصيان الرسول وأذاه؛ لأن الله أضاف الأذى والعصيان إلى نفسه، ولا أحد يقصد قصد أذى الله ، والله - عز وجل - لا يؤذى، ولكن أضاف أذى الرسول وعصيانه إلى نفسه، وقد كانوا يعتقدون عصيانه وأذاه؛ فجعل عصيانهم وأذاهم لرسوله أذى منهم لله وعصيانا له؛ فثبت أن هذا في الاعتقاد، وقال - عز وجل -: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ ، وقال: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ ، فجعل طاعة الرسول طاعة له، وعصيان رسوله عصيانا له.
ولأنه ذكر العصيان على أثر تبليغ الرسالة؛ فثبت أن العصيان هاهنا في ترك القبول لما أنزل على الرسول، وفي اعتقاد العصيان له.
وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: من آمن بالله ، ولم يؤمن برسوله، فهو ليس بمؤمن؛ لأن جهله بالله هو الذي حمله على تكذيب الرسول؛ لأن الرسول ليس يدعوه إلا إلى ما يقربه إلى الله ، وإلى ما ينجيه من عذابه؛ فلو كان يحب الله ، ويؤمن به، لكان يدعوه ذلك إلى حب الرسول، وإلى طاعته؛ فثبت أن المكذب للرسول جاهل بربه، والمطيع له مطيع لله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ .
ويحتمل أن يكون هذا في الدنيا والآخرة جميعا، ويكون ذلك راجعا إلى يوم بدر، كما ذكره أهل التأويل؛ إذ قد ظهر في ذلك اليوم أنهم شر مكانا، وأضعف جندا، وأضعف ناصرا.
ويشبه أن يكون هذا في الآخرة؛ فإنهم يعلمون أنهم أقل عددا في الآخرة؛ لأن كل واحد منهم يتبرأ عن صاحبه وناصره ومعينه في الدنيا، ويصير عدوّاً له؛ فيقل عددهم، وأما في يوم بدر، فقد كانوا أكثر عددا من المسلمين؛ فلم يتبين لهم أنهم أقل في العدد.
ويجوز أن يوم بدر يكون المسلمون أكثر عددا؛ لأن الله أمد المسلمين بملائكته؛ فصار عددهم أكثر في التحقيق، وإن كانت الكفرة في رأي العين أكثر منهم عددا.
ثم يشبه أن تكون هذه الآية نزلت على أثر تخويف الكفرة رسول الله بكثرة عددهم وقوتهم في أنفسهم، وقلة عدد المسلمين، فوعد الله نبيه بالنصر وكثرة العدد عند وقوع الحاجة إليها، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً ﴾ : فهذا ذكره عند ذكر الوعيد، وهو قوله: ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ ، فكأنهم سألوه: متى وقت هذا الوعيد؟
فأمر أن يقول: ﴿ قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم من الآيات: أن ليس في بيان وقت الوعيد فضل يقع في الوعيد؛ بل إذا لم يبين وقت الوعيد، كان فيه فضل تخويف وتحذير لا يوجد فيما يبين؛ لأنه إذا بين، فإن كان فيه أمد سَوَّفَ الناس وأخروا التوبة؛ لما أمنوا حلول النقمة بهم إلى مجيء ذلك اليوم، وإذا لم يمهلوا صاروا إلى الإياس؛ فيرتفع الخوف والرجاء، وفيه ارتفاع المحنة؛ لأن المحنة في الأصل بالعمل على الرجاء والخوف.
ولأنه إذا لم يبين، كانوا على الحذر والخوف؛ فيحملهم ذلك على التسارع في الخيرات والإقلاع عن المساوئ؛ فأمر أن يقول هذا، وإلا فالذي أمره بأن يقول هذا عالم بالوقت الذي يقع فيه الوعيد.
وقوله عز وجل: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ﴾ الأصل فيما غيب الله عن الخلق أنه على منازل ثلاثة: أحدها: ما قد أعجز الخلق عن احتمال الوقوف عليه بالخلقة، نحو الكيانات التي هي أصول الأشياء، لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي به صلح أن يكون كيانا، لم يقف عليه، ونحو الماء جعل حياة لكل شيء، ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي به صلح أن يجعل حياة، لم يقف عليه، وكذلك هذا في كل ما جعل كيانا موجودا.
والثاني: ما أمكن الخلق معرفته وبلوغه إليه بالتأمل والنظر، بدون معرفة السمع والأثر، نحو معرفة الصانع ومعرفة وحدانيته.
والثالث: هو الذي لم يعجزهم عن إدراكه، ولا مكنهم من الوقوف عليه دون خبر يرد، بقوله: ﴿ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ﴾ في هذا، وهو الذي مكنوا منه، لكنهم لا يبلغونه إلا بمعونة الخبر، وذلك نحو الأشياء التي ترجع إلى مصالح الخلق والتي توصل إلى مصالح الأغذية فيما ظهر بين الخلق، ولكنها لا تعرف إلا بالسماع، ممن له علم من الخلق وانتشاره فيهم، وهو بحيث لا يحتمل إدراكه بالنظر؛ فبين أن ذلك بالرسول، ومتى وجد ذلك من شخص مشار إليه دل ذلك على الاختصاص له بالرسالة.
ثم ذكر بعضهم: أن في هذه الآية دلالة تكذيب المنجمة، وليس كذلك؛ لأن فيهم من يصدق خبره، ويعرف المطالع، والمغارب، والمشارق، والكواكب التي بها يتوالد الخلق، والتي يقع عندها التغير والتبدل، وذلك مما لا يقف على علمه بالتأمل والتدبر.
وكذلك المتطبعة: منهم من يعرف طبائع النبات أنها تصلح لكذا، وهذا يصلح لكذا، فيقع به المصالح للخلق، ومعلوم أن هذا من نوع ما لا يدرك بالتأمل والنظر؛ فعلم أنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ﴾ ، أي: اختاره واصطفاه، والأصل أن الرسالة تلزم الخلق الشهادة له بالصدق في كل خبر وبالعدل في كل حكم؛ لقوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ ، وبالإصابة في كل أمر فيما لم يبلغ مبلغا يوجب الأمر؛ فهو لا يختصه للرسالة، وفي الاختصاص نعمة عظيمة على الخلق؛ إذ به وصل الخلق إلى تعرف ما يبلغهم إليه الحاجة في أمر معاشهم ومعادهم [ودينهم ودنياهم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ .
قيل: رصدا من بين يدي الرسول، ومن خلفه من الملائكة؛ ليمنع الإنس عن الرسل في منعهم الرسل عن التبليغ؛ حتى يبلغوا، ذكر هذا عن الحسن البصري رحمه الله .
وكذلك قال في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ﴾ : إن إحاطته هي أن يعصمه من الناس من أن يصل إليه منع الناس إياه عن تبليغ الرسالة.
ويحتمل أن يكون الملائكة جعلوا رصدا عن الجن عن استراق ما يوحى إلى الرسول وعن تلقيه؛ حتى يكون الرسول هو الذي يبلغ إلى الخلق، ويشتهر ذلك فيما بين الخلق أن الرسول هو الذي قام بتبليغه إلى الخلق؛ لأنهم إذا لم يجعلوا رصداً؛ أمكن الجن أن يسترقوه ويبلغوه؛ فيأتوا بلدة لم ينتشر عندهم علم ذلك من جهة الرسول؛ فيعرفوا ذلك من عند الجن قبل أن يبلغهم الرسول، فإذا بلغ الرسول من بعد، التبس الأمر على الذين ظهر فيهم العلم من جهة الجن؛ فجعل عليهم رصدا؛ [حتى] ينتشر علم ذلك من جهة الرسول؛ فترتفع الشبه.
أو يكون الرصد لمنع الجن الذين سمعوا من رسول الله أن يبلغوا قومهم من الجن؛ حتى ينتهي الخبر إليهم من جهة الرسول .
وقال بعضهم: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ : إن الملائكة كانوا يرصدون النبي ، فإذا جاءه الملك، قالوا: هذا وحي من الله ، وإذا جاءه الشيطان أخبروه به.
ولكن هذا بعيد؛ لا يحتمل أن يخفى عليه وحي الشيطان من وحي جبريل .
وقال بعضهم: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ ، أي: من بين يدي من يبلغ الرسالة إلى الرسول، وهو الملك الذي ينزل بالوحي، جعل بين يديه ومن خلفه ملائكة يرصدونه؛ كي لا يستلب الشيطان عنه، ويحدِثُ فيه حدثا من التغيير والتبديل؛ ليعلم رسول الله أنه إنما يبلغ إليه رسالات ربه.
وهذا بعيد أيضاً؛ لأن للمبلغ [من القوة] ما يدفع أذى الجن عن نفسه، وهو أمين لا يخاف منه التغيير والتبديل حتى يجعل عليه الرصد؛ فيؤمن من تبديله؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ ، فوصفه الله بالقوة والأمانة جميعا.
لكنه جائز أن يكون المبلغ ممتحنا بالتبليغ، والذين معه من الرصد امتحنوا بأمور أخر، لا أن جعلوا رصدا من الجن.
وجائز أن يكونوا أرسلوا معه؛ لمكان تعظيم الوحي، وتشريف الرسالة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ ﴾ : قال قائلون: ليعلم محمد بالرصد: أن قد بلغ سائر الرسل رسالات ربه على الوجه الذي أمروا كما بلغ هو.
والثاني: أن يعلم كل في نفسه: أن قد أبلغ رسالات ربه.
أو ليعلم الأعداء أن قد أبلغ محمد - - رسالات ربه على الوجه الذي أمر، لم يقع فيه تغيير من شيطان، ولا جني، ولا عدو.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ .
أي: بما عند [الرسول، أو] بما عند الملائكة، أو بما عند الخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ﴾ أي: أحاط العلم بالذي هو معدود، لا بالعد، وهو كقوله: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ ، أي: ما يوزن عند الخلق.
أو أحاط العلم بما لدى الكفرة لا بالرصد، وأن في نصب الرصد محنة وتكليفا على الرصد، لا أن يقع بهم الحفظ، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ ، فبين أن النصر من عنده، وأن الملائكة إنما أرسلت؛ لتطمئن بها قلوب المؤمنين، وتركن إليها طباعهم.
﴿ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ﴾ ، أي: كل شيء عنده [معدود ومحصى]، لا يغفل - عن معرفة عدده، ولا يعتريه أحوال يعزب عنه فيها علم ذلك، خلافا لما عليه أمر الخلق، والله الموفق، [وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين].
رجاء أن يعلم الرسول أن الرسل من قبله قد بلَّغوا رسالات ربهم التي أمرهم بتبليغها لما أحاطها الله به من العناية، وأحاط الله بما لدى الملائكة والرسل علمًا، فلا يخفى عليه من ذلك شيء، وأحصى عدد كل شيء، فلا يخفى عليه سبحانه شيء.
من فوائد الآيات الجَوْر سبب في دخول النار.
أهمية الاستقامة في تحصيل المقاصد الحسنة.
حُفِظ الوحي من عبث الشياطين.