الإسلام > القرآن > سور > سورة 73 المزمل > الآية ١٧ من سورة المزمل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 81 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة المزمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا ) يحتمل أن يكون ) يوما ) معمولا لتتقون ، كما حكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود : " فكيف تخافون أيها الناس يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم بالله ولم تصدقوا به " ؟
ويحتمل أن يكون معمولا لكفرتم ، فعلى الأول : كيف يحصل لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم ؟
وعلى الثاني : كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة وجحدتموه ؟
وكلاهما معنى حسن ، ولكن الأول أولى ، والله أعلم .
ومعنى قوله : ( يوما يجعل الولدان شيبا ) أي : من شدة أهواله وزلازله وبلابله ، وذلك حين يقول الله لآدم : ابعث بعث النار ، فيقول من كم ؟
فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار ، وواحد إلى الجنة .
قال الطبراني : حدثنا يحيى بن أيوب العلاف ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا نافع بن يزيد ، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ : ( يوما يجعل الولدان شيبا ) قال : " ذلك يوم القيامة ، وذلك يوم يقول الله لآدم : قم فابعث من ذريتك بعثا إلى النار .
قال : من كم يا رب ؟
قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون ، وينجو واحد " ، فاشتد ذلك على المسلمين ، وعرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال حين أبصر ذلك في وجوههم : " إن بني آدم كثير ، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم وإنه لا يموت منهم رجل حتى يرثه لصلبه ألف رجل ، ففيهم وفي أشباههم جنة لكم " .
هذا حديث غريب ، وقد تقدم في أول سورة الحج ذكر هذه الأحاديث .
يقول تعالى ذكره للمشركين به: فكيف تخافون أيها الناس يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم بالله، ولم تصدّقوا به.
وذُكر أن ذلك كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ) يقول: كيف تتقون يوما، وأنتم قد كفرتم به ولا تصدّقون به.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ ) قال: والله لا يتقي من كفر بالله ذلك اليوم.
وقوله: ( يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ) يعني يوم القيامة، وإنما تشيب الولدان من شدّة هوله وكربه.
كما حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ) كان ابن مسعود يقول: " إذا كان يومُ القيامة دعا رُّبنا المَلِكُ آدم، فيقول: يا آدم قم فابعث بعث النار، فيقول آدم: أي رب لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله له: أخرج من كلّ ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فيُساقون إلى النار سُودا مقرّنين، زُرقا كالِحِين، فيشيب هنالك كلّ وليد ".
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ) قال: تشيب الصغار من كرب ذلك اليوم.
قوله تعالى : فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا هو توبيخ وتقريع ، أي كيف تتقون العذاب إن كفرتم .
وفيه تقديم وتأخير ، أي كيف تتقون يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم .
وكذا قراءة عبد الله وعطية .قال الحسن : أي بأي صلاة تتقون العذاب ؟
بأي صوم تتقون العذاب ؟
وفيه إضمار ، أي كيف تتقون عذاب يوم .
وقال قتادة : والله ما يتقي من كفر بالله ذلك اليوم بشيء .
و " يوما " مفعول ب " تتقون " على هذه القراءة وليس بظرف ، وإن قدر الكفر بمعنى الجحود كان اليوم مفعول كفرتم .وقال بعض المفسرين : وقف التمام على قوله : كفرتم والابتداء يوما يذهب إلى أن اليوم مفعول ( يجعل ) والفعل لله - عز وجل - ، وكأنه قال : يجعل الله الولدان شيبا في يوم .
قال ابن الأنباري ; وهذا لا يصلح ; لأن اليوم هو الذي يفعل هذا من شدة هوله .
المهدوي : والضمير في ( يجعل ) يجوز أن يكون لله - عز وجل - ، ويجوز أن يكون لليوم ، وإذا كان لليوم صلح أن يكون صفة له ، ولا يصلح ذلك إذا كان الضمير لله - عز وجل - إلا مع تقدير حذف ; كأنه قال : يوما يجعل الله الولدان فيه شيبا .
ابن الأنباري : ومنهم من نصب اليوم ب ( كفرتم ) وهذا قبيح ; لأن اليوم إذا علق ب ( كفرتم ) احتاج إلى صفة ; أي كفرتم بيوم .
فإن احتج محتج بأن الصفة قد تحذف وينصب ما بعدها ، احتججنا عليه بقراءة عبد الله فكيف تتقون يوما .قلت : هذه القراءة ليست متواترة ، وإنما جاءت على وجه التفسير .
وإذا كان الكفر [ ص: 47 ] بمعنى الجحود ف ( يوما ) مفعول صريح من غير صفة ولا حذفها ; أي فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء .
وقرأ أبو السمال قعنب ( فكيف تتقون ) بكسر النون على الإضافة .و ( الولدان ) الصبيان .
وقال السدي : هم أولاد الزنا .
وقيل : أولاد المشركين .
والعموم أصح ; أي يشيب فيه الضمير من غير كبر .
وذلك حين يقال : ( يا آدم قم فابعث بعث النار ) .
على ما تقدم في أول سورة ( الحج ) .قال القشيري : ثم إن أهل الجنة يغير الله أحوالهم وأوصافهم على ما يريد .وقيل : هذا ضرب مثل لشدة ذلك اليوم وهو مجاز ; لأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان ولكن معناه أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان فيه هناك صبي لشاب رأسه من الهيبة .
ويقال : هذا وقت الفزع ، وقيل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق ، فالله أعلم .
الزمخشري : وقد مر بي في بعض الكتب أن رجلا أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب ، فأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة ، فقال : أريت القيامة والجنة والنار في المنام ، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار ، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون .
ويجوز أن يوصف اليوم بالطول ، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب .
أي: فكيف يحصل لكم الفكاك والنجاة من يوم القيامة، اليوم المهيل أمره، العظيم قدره ، الذي يشيب الولدان، وتذوب له الجمادات العظام.
( فكيف تتقون إن كفرتم ) أي : كيف لكم بالتقوى يوم القيامة إذ كفرتم في الدنيا يعني لا سبيل لكم إلى التقوى إذا وافيتم يوم القيامة ؟
وقيل : معناه كيف تتقون العذاب يوم القيامة وبأي شيء تتحصنون منه إذا كفرتم ؟
( يوما يجعل الولدان شيبا ) شمطا من هوله وشدته ، ذلك حين يقال لآدم قم فابعث بعث النار من ذريتك .
«فكيف تتقون إن كفرتم» في الدنيا «يوما» مفعول تتقون، أي عذابه بأيِّ حصن تتحصنون من عذاب يوم «يَجعل الولدان شيباً» جمع أشيب لشدة هوله وهو يوم القيامة والأصل في شين شيبا الضم وكسرت لمجانسة الياء ويقال في اليوم الشديد يوم يشيب نواصي الأطفال وهو مجاز ويجوز أن يكون المراد في الآية الحقيقة.
فكيف تَقُون أنفسكم- إن كفرتم- عذاب يوم القيامة الذي يشيب فيه الولدان الصغار؛ مِن شدة هوله وكربه؟
ثم ذكرهم - سبحانه - بأهوال يوم القيامة ، لعلهم يتعظون أو يرتدعون فقال : ( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً .
السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ) .والاستفهام فى قوله : ( فَكَيْفَ ) مستعمل فى التوبيخ والتعجيز ، و ( تَتَّقُونَ ) بمعنى تصونون أنفسكم من العذاب ، ومعنى ( إِن كَفَرْتُمْ ) إن بقيتم على كفركم وأصررتم عليه .
وقوله ( يَوْماً ) : منصوب على أنه مفعول به لقوله : ( تَتَّقُونَ ) .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: في الآية تقديم وتأخير، أي فكيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم.
المسألة الثانية: ذكر صاحب الكشاف في قوله: ﴿ يَوْماً ﴾ وجوهاً الأول: أنه مفعول به، أي فكيف تتقون أنفسكم يوم القيامة وهوله إن بقيتم على الكفر والثاني: أن يكون ظرفاً أي وكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا والثالث: أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم، أي فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة، والجزاء لأن تقوى الله لا معنى لها إلا خوف عقابه.
المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر من هول ذلك اليوم أمرين الأول: قوله: ﴿ يَجْعَلُ الولدان شِيباً ﴾ وفيه وجهان الأول: أنه مثل في الشدة يقال في اليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأطفال والأصل فيه أن الهموم والأحزان، إذا تفاقمت على الإنسان، أسرع فيه الشيب، لأن كثرة الهموم توجب انقصار الروح إلى داخل القلب، وذلك الانقصار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية وانطفاء الحرارة الغريزية وضعفها، يوجب بقاء الأجزاء الغذائية غير تامة النضج وذلك يوجب استيلاء البلغم على الأخلاط، وذلك يوجب ابيضاض الشعر، فلما رأوا أن حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم، جعلوا الشيب كناية عن الشدة والمحنة، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الوالدان شيباً حقيقة، لأن إيصال الألم والخوف إلى الصبيان غير جائز يوم القيامة الثاني: يجوز أن يكون المراد وصف ذلك اليوم بالطول، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب، ولقد سألني بعض الأدباء عن قول المعري: وظلم يملأ الفودين شيباً *** وقال: كيف يفضل هذا التشبيه الذي في القرآن على بيت المعري؟
فقلت: من وجوه: الأول: أن امتلاء الفودين من الشيب ليس بعجب، أما صيرورة الولدان شيباً فهو عجيب كأن شدة ذلك اليوم تنقلهم من سن الطفولية إلى سن الشيخوخة، من غير أن يمروا فيما بين الحالتين بسن الشباب، وهذا هو المبالغة العظيمة في وصف اليوم بالشدة.
وثانيها: أن امتلاء الفودين من الشيب معناه ابيضاض الشعر، وقد يبيض الشعر لعلة مع أن قوة الشباب تكون باقية فهذا ليس فيه مبالغة، وأما الآية فإنها تدل على صيرورة الولدان شيوخاً في الضعف والنحافة وعدم طراوة الوجه، وذلك نهاية في شدة ذلك اليوم.
وثالثها: أن امتلاء الفودين من الشيب، ليس فيه مبالغة لأن جانبي الرأس موضع للرطوبات الكثيرة البلغمية، ولهذا السبب، فإن الشيب إنما يحدث أولاً في الصدغين، وبعده في سائر جوانب الرأس، فحصول الشيب في الفودين ليس بمبالغة إنما المبالغة هو استيلاء الشيب على جميع أجزاء الرأس بل على جميع أجزاء البدن كما هو مذكور في الآية، والله أعلم.
النوع الثاني: من أهوال يوم القيامة قوله: ﴿ السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ وهذا وصف لليوم بالشدة أيضاً، وأن السماء على عظمها وقوتها تنفطر فيه، فما ظنك بغيرها من الخلائق، ونظيره قوله: ﴿ إِذَا السماء انفطرت ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: لم لم يقل: منفطرة؟
الجواب من وجوه: أولها: روى أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء، إنما قال: ﴿ السَّمَاء مُنفَطِرٌ ﴾ ولم يقل: منفطرة لأن مجازها مجاز السقف، تقول: هذا سماء البيت.
وثانيها: قال الفراء: السماء تؤنث وتذكر، وهي هاهنا في وجوه التذكير وأنشد شعراً: فلو رفع السماء إليه قوما *** لحقنا بالنجوم مع السحاب وثالثها: أن تأنيث السماء ليس بحقيقي، وما كان كذلك جاز تذكيره.
قال الشاعر: والعين بالإثمد الخيري مكحول *** وقال الأعشى: فلا مزنة ودقت ودقها *** ولا أرض أبقل إبقالها ورابعها: أن يكون السماء ذات انفطار فيكون من باب الجراد المنتشر، والشجر الأخضر، وأعجاز نخل منقعر، وكقولهم امرأة مرضع، أي ذات رضاع.
السؤال الثاني: ما معنى: ﴿ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ ؟
الجواب من وجوه: أحدها: قال الفراء: المعنى منفطر فيه.
وثانيها: أن الباء في (به) مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به، يعني أنها تنفطر لشدة ذلك اليوم وهوله، كما ينفطر الشيء بما ينفطر به.
وثالثها: يجوز أن يراد السماء مثقلة به إثقالاً يؤدي إلى انفطارها لعظم تلك الواقعة عليها وخشيتها منها كقوله: ﴿ ثَقُلَتْ فِي السموات والأرض ﴾ .
أما قوله: ﴿ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ﴾ فاعلم أن الضمير في قوله: ﴿ وَعْدَهُ ﴾ يحتمل أن يكون عائداً إلى المفعول وأن يكون عائداً إلى الفاعل، أما الأول: فأن يكون المعنى وعد ذلك اليوم مفعول أي الوعد المضاف إلى ذلك اليوم واجب الوقوع، لأن حكمة الله تعالى وعلمه يقتضيان إيقاعه، وأما الثاني: فأن يكون المعنى وعد الله واقع لا محالة لأنه تعالى منزه عن الكذب وهاهنا وإن لم يجر ذكر الله تعالى ولكنه حسن عود الضمير إليه لكونه معلوماً، واعلم أنه تعالى بدأ في أول السورة بشرح أحوال السعداء، ومعلوم أن أحوالهم قسمان أحدهما: ما يتعلق بالدين والطاعة للمولى فقدم ذلك والثاني: ما يتعلق بالمعاملة مع الخلق وبين ذلك بقوله: ﴿ واصبر على مَا يَقُولُونَ واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً ﴾ وأما الأشقياء فقد بدأ بتهديدهم على سبيل الإجمال، وهو قوله تعالى: ﴿ وَذَرْنِى والمكذبين ﴾ ثم ذكر بعده أنواع عذاب الآخرة ثم ذكر بعده عذاب الدنيا وهو الأخذ الوبيل في الدنيا، ثم وصف بعده شدة يوم القيامة، فعند هذا تم البيان بالكلية فلا جرم ختم ذلك الكلام بقوله: <div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْماً ﴾ مفعول به، أي: فكيف تقون أنفسكم يوم القيامة وهو له، إن بقيتم على الكفر.
ولم تؤمنوا وتعملوا صالحاً.
ويجوز أن يكون ظرفاً، أي: فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا ويجوز أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم، أي فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء، أن تقوى الله خوف عقابه ﴿ يَجْعَلُ الولدان شِيباً ﴾ مثل في الشدة يقال في اليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأطفال والأصل فيه: أنّ الهموم والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان أسرع فيه الشيب.
قال أبو الطيب: وَالْهَمُّ يَخْتَرِمُ الْجَسِيمَ نَحَافَةً ** وَيُشِيبُ نَاصِيَةَ الصَّبِيِّ وَيُهْرِمُ وقد مرّ بي في بعض الكتب أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب.
وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة، فقال: أريت القيامة والجنة والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون.
ويجوز أن يوصف اليوم بالطول.
وأنّ الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب ﴿ السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ وصف لليوم بالشدّة أيضاً.
وأنّ السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه، فما ظنك بغيرها من الخلائق.
وقرئ: ﴿ منفطر ومتفطر ﴾ والمعنى: ذات انفطار.
أو على تأويل السماء بالسقف أو على تأويل السماء شيء منفطر والباء في ﴿ بِهِ ﴾ مثلها في قولك: فطرت العود بالقدوم فانفطر به، يعني: أنها تنفطر بشدة ذلك اليوم وَهَوْله كما ينفطر الشيء بما يفطر به.
ويجوز أن يراد السماء مثقلة به إثقالاً يؤدّي إلى انفطارها لعظمه عليها وخشيتها من وقوعه، كقوله: ﴿ ثَقُلَتْ فِي السموات والأرض ﴾ [الأعراف: 187] ، ﴿ وَعْدَهُ ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، والضمير لليوم.
ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل وهو الله عز وعلا، ولم يجر له ذكر لكونه معلوماً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ ﴾ أنْفُسَكم.
﴿ إنْ كَفَرْتُمْ ﴾ بَقِيتُمْ عَلى الكُفْرِ.
﴿ يَوْمًا ﴾ عَذابَ يَوْمٍ.
﴿ يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا ﴾ مِن شِدَّةِ هَوْلِهِ وهَذا عَلى الفَرْضِ أوِ التَّمْثِيلِ، وأصْلُهُ أنَّ الهُمُومَ تُضْعِفُ القُوى وتُسْرِعُ الشَّيْبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلْيَوْمِ بِالطُّولِ.
﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ ﴾ مُنْشَقٌّ والتَّذْكِيرُ عَلى تَأْوِيلِ السَّقْفِ أوْ إضْمارِ شَيْءٍ.
﴿ بِهِ ﴾ بِشِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى عِظَمِها وأحْكامِها فَضْلًا عَنْ غَيْرِها والباءُ لِلْآلَةِ.
﴿ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا ﴾ الضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لِلْيَوْمِ عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ.
﴿ إنَّ هَذِهِ ﴾ أيِ الآياتِ المُوعِدَةَ.
﴿ تَذْكِرَةٌ ﴾ عِظَةٌ.
﴿ فَمَن شاءَ ﴾ أنْ يَتَّعِظَ.
﴿ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ أيْ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِسُلُوكِ التَّقْوى.
<div class="verse-tafsir"
{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً} هو مفعول تَتَّقُونَ أي كيف تتقون عذاب يوم كذا إن كفرتم أو ظرف أي فكيف لكم التقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا او منصوب بكفرتم على تأويل جحدتم أي كيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء لأن تقوى الله خوف عقابه {يَجْعَلُ الولدان} صفة ليوما والعائد محذوف أي فيه {شِيباً} من هوله وشدته وذلك حين يقال لآدم عليه السالم قم فابعث بعث النار من ذريتك وهو جمع أشيب وقيل هو على التمثيل للتهويل يقال اليوم الشديد يوم يشيب نواصي الأطفال
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا ﴾ مَراتِبٌ عَلى الإرْسالِ فالعِصْيانُ ( ويَوْمًا ) مَفْعُولٌ بِهِ لِتَتَّقُونَ ما بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَذابَ أوْ هَوْلَ يَوْمٍ أوْ بِدُونَهُ ( إلّا ) أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ وضَمِيرَ ﴿ يَجْعَلُ ﴾ لِلْيَوْمِ والجُمْلَةَ صِفَتُهُ والإسْنادَ مَجازِيٌّ وقالَ بَعْضٌ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى والإسْنادُ حَقِيقِيٌّ والجُمْلَةُ صِفَةٌ مَحْذُوفَةُ الرّابِطِ أيْ يَجْعَلُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ ﴾ وكانَ ظاهِرُ التَّرْتِيبِ أنْ يُقَدِّمَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كَما أرْسَلْنا ﴾ إلّا أنَّهُ أُخِّرَ إلى هُنا زِيادَةً عَلى زِيادَةٍ في التَّهْوِيلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ هَبُوا أنَّكم لا تُؤْخَذُونَ في الدُّنْيا أخْذَةَ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِ فَكَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم هَوْلَ القِيامَةِ وما أعَدَّ لَكم مِنَ الأنْكالِ إنْ دُمْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ومُتُّمْ في الكُفْرِ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنْ كَفَرْتُمْ ﴾ وتَقْدِيرُهُ تَقْدِيرُ مَشْكُوكٍ في وُجُودِهِ ما يُنَبِّهُ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنَّ يَبْقى مَعَ إرْسالِ هَذا الرَّسُولِ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ تُبْقِيهِ في الكُفْرِ فَهو النُّورُ المُبِينُ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ يَوْمًا ظَرْفًا لِتَتَّقُونِ عَلى مَعْنى فَكَيْفَ لَكم بِالتَّقْوى في يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كَفَرْتُمْ في الدُّنْيا والكَلامُ حِينَئِذٍ لِلْحَثِّ عَلى الإقْلاعِ مِنَ الكُفْرِ والتَّحْذِيرِ عَنْ مِثْلِ عاقِبَةِ آلِ فِرْعَوْنَ قَبْلَ أنْ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَنْتَصِبَ بِكَفَرْتُمْ عَلى تَأْوِيلِ جَحَدْتُمْ والمَعْنى فَكَيْفَ يُرْجى إقْلاعُكم عَنِ الكُفْرِ واتِّقاءُ اللَّهِ تَعالى وخَشِيَتُهُ وأنْتُمْ جاحِدُونَ يَوْمَ الجَزاءِ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ يَوْمَ تَرْجُفُ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ ﴾ اللَّهَ إنْ كَفَرْتُمْ بِهِ فَأُعِيدَ ذِكْرُ اليَوْمِ بِصِفَةٍ أُخْرى زِيادَةً في التَّهْوِيلِ والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى قالَهُ في الكَشْفِ وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ في الوَجْهِ الأخِيرِ أعْنِي انْتِصابَ ﴿ يَوْمًا ﴾ بِكَفَرْتُمْ أنَّهُ أوْفَقُ لِلتَّأْلِيفِ يَعْنِي خَوَّفْناكم بِالأنْكالِ والجَحِيمِ وأرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا يَوْمَ القِيامَةِ بِكُفْرِكم وتَكْذِيبِكم وأنْذَرْناكم بِما فَعَلْنا بِفِرْعَوْنَ مِنَ العَذابِ الوَبِيلِ والأخْذِ الثَّقِيلِ فَما نَجَعَ فِيكم ذَلِكَ كُلُّهُ ولا اتَّقَيْتُمُ اللَّهَ تَعالى فَكَيْفَ تَتَّقُونَهُ وتَخْشَوْنَهُ إنْ جَحَدْتُمْ يَوْمَ القِيامَةِ والجَزاءِ وفِيهِ أنَّ مَلاكَ التَّقْوى والخَشْيَةِ الإيمانُ بِيَوْمِ القِيامَةِ انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ جَزالَةَ المَعْنى تُرَجِّحُ الأوَّلَ وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ الخِطابَ في ﴿ إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ ﴾ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِالتِفاتِ في شَيْءٍ وأيًّا ما كانَ فَجَعْلُ الوِلْدانِ شِيبًا أيْ شُيُوخًا جَمْعُ أشْيَبٍ قِيلَ حَقِيقَةً فَتَشِيبُ الصِّبْيانُ وتَبْيَضُّ شُعُورُهم مِن شِدَّةِ يَوْمِ القِيامَةِ وذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قُمْ فَأخْرِجْ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثَ النّارِ فَيَقُولُ يا رَبِّ لا عِلْمَ لِي ( إلّا ) ما عَلَّمْتَنِي فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ فَيَخْرُجُونَ ويُساقُونَ إلى النّارِ سَوْقًا مُقَرَّنِينَ زُرْقًا كالِحِينَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَإذا خَرَجَ بَعْثُ النّارِ شابَ كُلُّ ولِيدٍ» .
وفِي حَدِيثِ الطَّبَرانِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْنُ ذَلِكَ وقِيلَ مَثَلٌ في شِدَّةِ الهَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ شَيْبٌ بِالفِعْلِ فَإنَّهم يَقُولُونَ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ يَوْمٌ يَشِيبُ نَواصِي الأطْفالُ والأصْلُ في ذَلِكَ أنَّ الهُمُومَ إذا تَفاقَمَتْ عَلى المَرْءِ أضْعَفَتْ قُواهُ وأسْرَعَتْ فِيهِ الشَّيْبَ ومِن هُنا قِيلَ الشَّيْبُ نُوّارُ الهُمُومِ وحَدِيثُ البَعْثِ لا يَأْبى هَذا وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وصْفًا لِلْيَوْمِ بِالطُّولِ وأنَّ الأطْفالَ يَبْلُغُونَ فِيهِ أوْ أنَّ الشَّيْخُوخَةَ والشَّيْبَ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ التَّقْدِيرَ الحَقِيقِيَّ بَلْ وصْفٌ بِالطُّولِ فَقَطْ عَلى ما تَعارَفُوهُ وإلّا فَهو أطْوَلُ مِن ذاكَ وأطْوَلُ فَلا اعْتِراضَ لَكِنَّهُ مَعَ هَذا لَيْسَ بِذَلِكَ والظّاهِرُ عُمُومُ الوِلْدانِ وقالَ السُّدِّيُّ هم هُنا أوْلادُ الزِّنا وقِيلَ هم أوْلادُ المُشْرِكِينَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «يَوْمَ» بِغَيْرِ تَنْوِينٍ «نَجْعَلُ» بِالنُّونِ فالظَّرْفُ مُضافٌ إلى جُمْلَةِ نَجْعَلُ إلَخِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قرأ حمزة وابن عامر والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر رب المشرق بالكسر والباقون رب بالضم فمن قرأ بالكسر وتبعه قوله واذكر اسم ربك رب المشرق والمغرب ومن قرأ بالضم فهو على الابتداء ويقال: معناه: هو رب المشرق والمغرب.
ثم قال: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ وقد ذكرناه فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا يعني: ولياً وحافظاً وناصراً وكفيلاً ثم قال عز وجل: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ يعني: على ما يقولون من التكذيب والإذاء وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا يعني: اعتزلهم اعتزالاً حصناً بلا جزع ولا فحش ثم قال: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ هذا كلام على ما جرت به عادات الناس لأن الله تعالى لا يحول بينه وبين إرادته أحد ولكن معناه: فوض أمورهم إليَّ يعني: أمور المكذبين أُولِي النَّعْمَةِ يعني: ذا المال والغنى وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا يعني: أجلهم يسيراً لأن الدنيا كلها قليل يعني: إلى قوم القيامة ثم بين ما لهم من العقوبة يوم القيامة فقال عز وجل: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا يعني: قيوداً في الآخرة، ويقال: عقوبة من ألوان العذاب وَجَحِيماً ما عظم من النار وَطَعاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً يعني: ذا شوك مستمسك في الحلق لا يدخل ولا يخرج فيبقى في الحلق ومع ذلك لهم عذاب أليم قول الله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ يوم تتحرك وتتزلزل صار اليوم منصوباً لنزع الخافض يعني: هذه العقوبة في يوم ترجف الأرض وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا يعني: صارت الجبال رملاً سائلاً وهو كقوله: فكانت هباءً منبثاً ثم قال: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ يعني: محمدا يشهد عليكم بتبليغ الرسالة كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا يعني: موسى بن عمران فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ يعني: كذبه ولم يقبل قوله: فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا يعني: عاقبناه عقوبة شديدة وهو الغرق فهذا تهديد لهم يعني: إنكم إن كذبتموه فهو قادر على عقوبتكم قوله عز وجل: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يعني: توجدون في الآخرة إن كفرتم في الدنيا، ويقال فيه تقديم ومعناه: إن كفرتم في الدنيا كيف تحذرون وتنجون.
يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً يعني: يوم القيامة من هيبته يشيب الصبيان وهذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان ولكن معناه أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان هناك صبي يشيب رأسه من الهيبة ويقال: هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق ثم قال عز وجل: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ يعني: انشقت السماء من هيبة الرحمن كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا يعني: كائناً في البعث ثم قال: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يعني: هذه الصورة موعظة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا يعني: من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك التوحيد إلى ربه مرجعاً فليفعل وقال أهل اللغة في قوله: السماء منفطر به ولم يقل منفطرة به فالتذكير على وجهين: أحدهما: أنه انصرف إلى المعنى ومعنى السماء السقف كقوله وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء: 32] ، والثاني: أن معناه السماء ذات الانفطار كما يقال امرأة مرضع أي: ذات رضع على وجه النسب.
ويقال: قوله السماء منفطر به يعني: فيه شيء في يوم القيامة، ويقال: يعني: بالله تعالى يعني: من هيبته قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يعني: إن هذه الآيات التي ذكرت موعظة بليغة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا يعني: من شاء أن يرغب فليرغب فقد أمكن له لأنه أظهر الحجج والدلائل.
<div class="verse-tafsir"
من الحديدِ، ويُرْوَى أَنَّها قيودٌ سُودٌ مِن النار، والطَّعَامُ ذُو الغُصَّةِ شَجَرَةُ الزَّقُومِ، قَالَه مجاهد وغيره «١» ، وقال ابن عباس: شَوْكٌ من نارِ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِم «٢» وكلُّ مَطْعُومٍ هُنَالِكَ فهو ذو غصّة، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَرَأَ هذهِ الآيةَ فَصَعِقَ «٣» ، والرَّجَفَانُ الاهْتِزَازُ والاضْطِرَابُ مِنْ فَزَعٍ وَهَوْلٍ، و «المَهِيلُ» : اللَّيِّنُ الرّخْوُ الذي يَذْهَبُ بالرِّيحِ، وقال البخاريّ: كَثِيباً مَهِيلًا رملا سائلا، انتهى.
وقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ ...
الآية، خطابٌ للعالم لكن المواجهون قريش، وشاهِداً عَلَيْكُمْ نَحْوُ قولهِ: وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] والوَبِيلُ:
الشَّدِيدُ الرَّدَى.
وقوله تعالى: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ معناه: كَيْفَ تَجْعَلُونَ وِقَايةً لأنفسِكم، ويَوْماً مفعولٌ ب تَتَّقُونَ، وقِيلَ: هو مفعولٌ ب كَفَرْتُمْ ويكونُ كَفَرْتُمْ بمعنى: جَحَدْتم، ف تَتَّقُونَ على هذا منَ التقوى، أي: تتقونَ عذابَ اللَّهِ، ويجوزُ أن يكونَ يَوْماً ظرفاً والمعنى: تتقونَ عِقَابَ اللَّه يوماً، وعبارةُ الثعلبي: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ أي كيف تَتَحَصَّنُونَ من عذابِ يَوْمٍ يَشِيبُ فيه الطفلُ لهولِه إنْ كفرتُم، ثم ذَكَرَ نحو ما تقدم، انتهى، وحَكَى- ص-:، عن بعضِ الناسِ جَوازَ أنْ يكونَ يَوْماً ظرفَاً أي: فكيفَ لَكُمْ بالتقوَى في يومِ القيامَةِ إنْ كفرتم في الدنيا، ت: وهَذَا هُوَ مُرَادُ ع «٤» ، قَالَ أبو حيان «٥» : وشِيباً مفعولٌ ثانٍ ل يَجْعَلُ وهُو جَمْع أشْيَب، انتهى.
السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩)
سُورَةُ المُزَّمِّلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، إلّا أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: سِوى آيَتَيْنِ مِنها، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ والَّتِي بَعْدَها [المُزَّمِّلِ: ١١،١٠] .
وقالَ ابْنُ يَسارٍ، ومُقاتِلٌ: فِيها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ ﴾ .
﴿ يا أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ ﴿ قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا ﴾ ﴿ أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا ﴾ ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ ﴿ إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا ﴾ ﴿ إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا ﴾ ﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا ﴾ ﴿ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا ﴾ ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا ﴾ ﴿ وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا ﴾ ﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا ﴾ ﴿ وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴾ ﴿ فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا ﴾ ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا ﴾ ﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ، والأعْمَشُ "المُتَزَمِّلِ" بِإظْهارِ التّاءِ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ: "المُزَمِّلُ" بِحَذْفِ التّاءِ، وتَخْفِيفِ الزّايِ.
قالَ اللُّغَوِيُّونَ: "المُزَّمِّلُ" المُلْتَفُّ في ثِيابِهِ، وأصْلُهُ "المُتَزَمِّلُ" فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ، فَثَقُلَتْ.
وكُلُّ مَنِ التَفَّ بِثَوْبِهِ فَقَدْ تَزَمَّلَ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما أُدْغِمَتْ فِيها لِقُرْبِها مِنها.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ النَّبِيُّ يَتَزَمَّلُ في ثِيابِهِ في أوَّلِ ما جاءَ جِبْرِيلُ فَرَقًا مِنهُ حَتّى أنِسَ بِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ قَدْ تَزَمَّلَ لِلنَّوْمِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: خَرَجَ مِنَ البَيْتِ وقَدْ لَبِسَ ثِيابَهُ، فَناداهُ جِبْرِيلُ: يا أيُّها المُزَّمِّلُ.
وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ مُتَزَمِّلُ النُّبُوَّةِ.
قالَ عِكْرِمَةُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: زُمِّلْتَ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ.
وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُخاطَبْ بِالنَّبِيِّ والرَّسُولِ ها هُنا، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَّغَ، وإنَّما كانَ في بَدْءِ الوَحْيِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُمِ اللَّيْلَ ﴾ أيْ: لِلصَّلاةِ.
وكانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ "إلّا قَلِيلًا نِصْفَهُ" هَذا بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ.
فَإنَّما ذَكَرْتَ زَيْدًا لِتَوْكِيدِ الكَلامِ، لِأنَّهُ أوْكَدُ مِن قَوْلِكَ: ضَرَبْتَ رَأْسَ زَيْدٍ.
والمَعْنى: قُمْ مِنَ اللَّيْلِ النِّصْفَ إلّا قَلِيلًا "أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا" أيْ: مِنَ النِّصْفِ "أوْ زِدْ عَلَيْهِ" أيْ: عَلى النِّصْفِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ إلى الثُّلُثِ، أوْ زِدْ عَلَيْهِ إلى الثُّلُثَيْنِ، فَجَعَلَ لَهُ سَعَةً في مُدَّةِ قِيامِهِ، إذْ لَمْ تَكُنْ مَحْدُودَةً، فَكانَ يَقُومُ ومَعَهُ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، فَكانَ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلّى، وكَمْ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ، فَكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَ القَدْرَ الواجِبَ، فَنُسِخَ ذَلِكَ عَنْهُ وعَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ.
.
.
﴾ الآيَةُ، هَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالُوا: لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ نَسَخَ آخِرُها أوَّلَها سِوى هَذِهِ السُّورَةِ.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ نُسِخَ قِيامُ اللَّيْلِ في حَقِّهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ ﴾ ، ونُسِخَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ.
وقِيلَ: نُسِخَ عَنِ الأُمَّةِ، وبَقِيَ عَلَيْهِ فَرْضُهُ أبَدًا.
وقِيلَ: إنَّما كانَ مَفْرُوضًا عَلَيْهِ دُونَهم.
وفي مُدَّةِ فَرْضِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَنَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ بَيْنَ أوَّلِ "المُزَّمِّلِ" وآخِرِها سَنَةٌ.
والثّانِي: سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَتِّلِ القُرْآنَ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا التَّرْتِيلَ في [الفُرْقانِ: ٣٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ وهو القُرْآنُ.
وفي مَعْنى ثِقَلِهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ.
قالَتْ: «وَلَقَدْ رَأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ، يَعْنِي يَتَخَلَّصُ عَنْهُ، وَإنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.» والثّانِي: أنَّ العَمَلَ بِهِ ثَقِيلٌ في فُرُوضِهِ وأحْكامِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَثْقُلُ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المَهِيبُ، كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ العاقِلِ: هو رَزِينٌ راجِحٌ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى.
والخامِسُ: أنَّهُ لَيْسَ بِالخَفِيفِ ولا السَّفْسافِ، لِأنَّهُ كَلامُ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ قَوْلٌ لَهُ وزْنٌ في صِحَّتِهِ وبَيانِهِ ونَفْعِهِ، كَما تَقُولُ: هَذا كَلامٌ رَصِينٌ، وهَذا قَوْلُ وزْنٍ: إذا اسْتَجَدْتَهُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: هي قِيامُ اللَّيْلِ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وهَلْ هي في وقْتٍ مَخْصُوصٍ مِنَ اللَّيْلِ، أمْ في جَمِيعِهِ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها في جَمِيعِ اللَّيْلِ.
ورَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ.
وإلى هَذا ذَهَبَ اللُّغَوِيُّونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: ساعاتُهُ النّاشِئَةُ، مِن نَشَأتْ: إذا ابْتَدَأتْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: ساعاتُ اللَّيْلِ، كُلُّ ما نَشَأ مِنهُ، أيْ: كُلُّ ما حَدَثَ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: كَأنَّ المَعْنى: إنَّ صَلاةَ ناشِئَةِ، أوْ عَمَلَ ناشِئَةِ اللَّيْلِ.
والثّانِي: أنَّها في وقْتٍ مَخْصُوصٍ مِنَ اللَّيْلِ.
ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.
والثّانِي: أنَّها القِيامُ بَعْدَ النَّوْمِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، وابْنِ الأعْرابِيِّ.
وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ في رِوايَةِ المَرْوَذِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّها ما بَعْدَ العِشاءِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ.
والرّابِعُ: أنَّها بَدْءُ اللَّيْلِ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: أنَّها القِيامُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ، قالَهُ يَمانٌ، وابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هِيَ أشَدُّ وطْئًا ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، "وِطاءً" بِكَسْرِ الواوِ مَعَ المَدِّ، وهو مَصْدَرُ واطَأْتُ فُلانًا عَلى كَذا مُواطَأةً، ووِطاءً، وأرادَ أنَّ القِراءَةَ في اللَّيْلِ يَتَواطَأُ فِيها قَلْبُ المُصَلِّي ولِسانُهُ وسَمْعُهُ عَلى التَّفَهُّمِ لِلْقُرْآنِ والإحْكامِ لِتَأْوِيلِهِ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ .
وقَرَأ الباقُونَ "وَطْأً" بِفَتْحِ الواوِ مَعَ القَصْرِ.
والمَعْنى: إنَّهُ أثْقَلُ عَلى المُصَلِّي مِن ساعاتِ النَّهارِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: اشْتَدَّتْ عَلى القَوْمِ وطْأةُ السُّلْطانِ: إذا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ما يَلْزَمُهم.
ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ : « "اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ" .» ذَكَرَ مَعْنى القِراءَتَيْنِ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "أشَدُّ وطاءً" بِفَتْحِ الواوِ، والطّاءِ، وبِالمَدِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْوَمُ قِيلا ﴾ أيْ: أخْلَصُ لِلْقَوْلِ وأسْمَعُ لَهُ، لِأنَّ اللَّيْلَ تَهْدَأُ فِيهِ الأصْواتُ فَتَخْلُصُ القِراءَةُ، ويَفْرُغُ القَلْبُ لِفَهْمِ التِّلاوَةِ، فَلا يَكُونُ دُونَ سَمْعِهِ وتَفَهُّمِهِ حائِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا ﴾ أيْ: فَراغًا لِنَوْمِكَ وراحَتِكَ، فاجْعَلْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ لِعِبادَتِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "سَبَخًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها في اللُّغَةِ صَحِيحٌ.
يُقالُ: قَدْ سَبَّخْتُ القُطْنَ بِمَعْنى نَفَّشْتُهُ.
ومَعْنى، نَفَّشْتُهُ: وسَّعْتُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ لَكَ في النَّهارِ تَوَسُّعًا طَوِيلًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ أيْ: بِالنَّهارِ أيْضًا ﴿ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ.
أخْلِصْ لَهُ إخْلاصًا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: انْقَطِعْ إلَيْهِ، مِن قَوْلِكَ: بَتَّلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: انْقَطِعْ إلَيْهِ في العِبادَةِ.
ومِنهُ قِيلَ لِمَرْيَمَ: البَتُولُ، لِأنَّها انْقَطَعَتْ إلى اللَّهِ تَعالى في العِبادَةِ.
وكَذَلِكَ صَدَقَةٌ بَتْلَةٌ: مُنْقَطِعَةٌ مِن مالِ المُصَّدِّقِ.
والأصْلُ في مَصْدَرِ تَبَتَّلَ تَبَتُّلًا.
وإنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتِيلا ﴾ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى: تَبَتَّلْ "رَبُّ المَشْرِقِ" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "رَبُّ" بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [الشُّعَراءِ: ٢٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ مِنَ التَّكْذِيبِ لَكَ والأذى ﴿ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا ﴾ لا جَزَعَ فِيهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ ﴾ أيْ: لا تَهْتَمَّ بِهِمْ، فَأنا أكْفِيكَهم ﴿ أُولِي النَّعْمَةِ ﴾ يَعْنِي: التَّنَعُّمَ.
وفِيمَن عُنِيَ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ المُطْعِمُونَ بِبَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
والثّانِي: أنَّهم بَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُسْتَهْزِئُونَ، وهم صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَهِّلْهم قَلِيلا ﴾ قالَتْ عائِشَةُ: فَلَمْ يَكُنْ إلّا اليَسِيرُ حَتّى كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا ﴾ وهي القُيُودُ، واحِدُها: نَكْلٌ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى "الجَحِيمِ" في [البَقَرَةِ: ١١٩] ﴿ وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ ﴾ وهو الَّذِي لا يَسُوغُ في الحَلْقِ.
وفِيهِ لِلْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ شَوْكٌ يَأْخُذُ الحَلْقَ فَلا يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ.
والثّانِي: الزَّقُّومُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الضَّرِيعُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: الزَّقُّومُ والغِسْلِينُ والضَّرِيعُ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا ﴾ والمَعْنى: يُنَكِّلُ الكافِرِينَ ويُعَذِّبُهم ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ ﴾ أيْ: تُزَلْزَلُ وتُحَرَّكُ أغْلَظَ حَرَكَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَتِ الجِبالُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: وصارَتْ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والقُوَّةِ ﴿ كَثِيبًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: "الكَثِيبُ": الرَّمْلُ.
و"المَهِيلُ": الَّذِي تَحَرَّكَ أسْفَلُهُ، فَيَنْهالُ عَلَيْكَ مِن أعْلاهُ.
والعَرَبُ تَقُولُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، ومَكِيلٌ ومَكْيُولٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الكَثِيبُ جَمْعُهُ كُثْبانٌ، وهي القِطَعُ العِظامُ مِنَ الرَّمْلِ.
والمَهِيلُ: السّائِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ رَسُولا ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﴿ شاهِدًا عَلَيْكُمْ ﴾ بِالتَّبْلِيغِ وإيمانِ مَن آمَنَ، وكُفْرِ مَن كَفَرَ ﴿ كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴾ وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والوَبِيلُ: الشَّدِيدُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: اسْتَوْبَلْتُ المَكانَ: [إذا اسْتَوْخَمْتَهُ] ويُقالُ: كَلَأٌ مُسْتَوْبَلٌ أيْ: لا يُسْتَمْرَأُ.
قالَ الزَّجّاجُ: الوَبِيلُ: الثَّقِيلُ الغَلِيظُ جِدًّا.
ومِنهُ قِيلَ لِلْمَطَرِ العَظِيمِ: وابِلٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِهَذا الأخْذِ الوَبِيلِ: الغَرَقُ.
وهَذا تَخْوِيفٌ لِكَفّارِ مَكَّةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ لِتَكْذِيبِهِمْ، كَما نَزَلَ بِفِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا ﴾ أيْ: عَذابَ يَوْمٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: بِأيِّ شَيْءٍ تَتَحَصَّنُونَ مِن عَذابِ يَوْمٍ مِن هَوْلِهِ يَشِيبُ الصَّغِيرُ مِن غَيْرِ كِبَرٍ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ "نَجْعَلُ الوِلْدانَ" بِالنُّونِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: السَّماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنِّثُ.
وهي ها هُنا في وجْهِ التَّذْكِيرِ.
قالَ الشّاعِرُ: فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا لَحِقْنا بِالسَّماءِ مَعَ السَّحابِ قالَ الزَّجّاجُ: وتَذْكِيرُ السَّماءِ عَلى ضَرْبَيْنِ.
أحَدُهُما: عَلى أنَّ مَعْنى السَّماءِ مَعْنى السَّقْفِ.
والثّانِي: عَلى قَوْلِهِمُ: امْرَأةٌ مُرْضِعٍ عَلى جِهَةِ النَّسَبِ.
فالمَعْنى: السَّماءُ ذاتُ انْفِطارٍ، كَما أنَّ المُرْضِعَ ذاتُ الرَّضاعِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى الآيَةِ: السَّماءُ مُنْشَقٌّ بِهِ، أيْ: فِيهِ، يَعْنِي في ذَلِكَ اليَوْمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ وعْدٌ بِالبَعْثِ، فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا ﴾ ﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا ﴾ ﴿ وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴾ ﴿ فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا ﴾ ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا ﴾ ﴿ السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ" وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ لِمَنعِهِ مِنهم لَكِنَّهُ إبْلاغٌ بِمَعْنى: لا تَشْغَلْ بِهِمْ فِكْرًا، وكِلْهم إلَيَّ.
و"النَعْمَةِ" غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ، والمُشارُ إلَيْهِمْ كَفّارُ قُرَيْشٍ أصْحابُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ بَدْرٍ إلّا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ نَحْوَ عامٍ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والتَقْدِيرُ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الدَلِيلُ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ نَحْوُ عَشَرَةِ سِنِينَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ أمْهِلُوهُ.
و"لَدَيْنا" بِمَنزِلَةِ: عِنْدَنا، و"الأنْكالُ" جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ مِنَ الحَدِيدِ، ويُرْوى أنَّها قُيُودٌ سُودٌ مِن نارٍ.
و"الطَعامُ ذُو الغُصَّةِ": شَجَرَةُ الزَقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: شَوْكٌ مِن نارٍ وتَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا تَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكُلُّ مَطْعُومٍ هُناكَ فَهو ذُو غُصَّةٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَصَعِقَ.» والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "إنَّ لَدَيْنا"، وهو اسْتِقْرارٌ أو ثُبُوتٌ.
و"الرَجَفانُ": الِاهْتِزازُ والِاضْطِرابُ مِن فَزَعٍ وهَوْلٍ، و"المَهِيلُ": اللِينُ الرَخْوُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالرِيحِ ويَجِيءُ، فَهِي تَهِيلَةٌ، والأصْلُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، واجْتَمَعَ ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، وكُسِرَتِ الهاءُ بِسَبَبِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا أرْسَلْنا" الآيَةُ....
خِطابٌ لِلْعالِمِ، لَكِنِ المُواجِهُونَ قُرَيْشَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ شاهِدًا عَلَيْكُمْ ﴾ نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ ، وتَمْثِيلُهُ لَهم أمْرُهم بِفِرْعَوْنَ وعِيدٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَحالُهم مِنَ العَذابِ والعِقابِ إنْ كَفَرُوا سائِرَةٌ إلى مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ، و"الوَبِيلُ": الشَدِيدُ الرَدِيءُ العُقْبى، يُقالُ: كَلَأٌ وبِيلٌ ومُسْتَوْبِلٌ إذا كانَ ضارًّا لِما يَرْعاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ واقِيًا لِأنْفُسِكُمْ، و"يَوْمًا" مَفْعُولٌ بـ "تَتَّقُونَ"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِـ "كَفَرْتُمْ" عَلى أنْ تَجْعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "جَحَدْتُمْ"، فَـ "تَتَّقُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ التَقْوى، أيْ تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَوْمًا" ظَرْفًا والمَعْنى تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ يَوْمًا "وَيَجْعَلُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "الوِلْدانَ" يُرِيدُ بِهِ صِغارَ الأطْفالِ، وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ، فَتَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، يَرى الشَيْبَ في الدُنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو تَجَوُّزٌ وإبْلاغٌ في وَصْفِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وواحِدُ الوِلْدانِ: ولِيدٌ، وواحِدُ الشَيْبِ أشْيَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ قِيلَ: هَذا عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتَ انْفِطارٍ، كامْرَأةٍ حائِضٍ وطالِقٍ، وقِيلَ: السَماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، ويَنْشُدُ في التَذْكِيرِ: فَلَوْ رَفَعَ السَماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَماءِ مَعَ السَحابِ وقِيلَ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا جازَ أنْ تَسْقُطَ عَلامَةُ التَأْنِيثِ لَها، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِاللَفْظَةِ قَصْدُ السَماءِ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ ما عَلا مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قَصَدَ السَقْفَ فَذَكَرَ عَلى هَذا المَعْنى، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، والكِسائِيُّ، و"الِانْفِطارُ" التَصَدُّعُ والِانْشِقاقُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ يُقْصَدُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ مُنْذِرٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ ﴾ أى بِالغَمامِ الَّذِي هو ظَلَّلَ يَأْتِي اللهُ تَعالى فِيها، والمَعْنى: يَأْتِي أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، وكَذَلِكَ "مُنْفَطِرٌ بِهِ" أيْ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَعْدُهُ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ لِأنَّهُ يُضافُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
الاستفهام ب (كيف) مستعمل في التعجيز والتوبيخ وهو متفرع بالفاء على ما تضمنه الخطاب السابق من التهديد على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وما أدمج فيه من التسجيل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم شاهد عليهم فليس بعد الشهادة إلاّ المؤاخذة بما شهد به، وقد انتقل بهم من التهديد بالأخذ في الدّنيا المستفاد من تمثيل حالهم بحال فرعون مع موسى إلى الوعيد بعقاب أشد وهو عذاب يوم القيامة وقد نشأ هذا الاستفهام عن اعتبارهم أهل اتِّعاظ وخوف من الوعيد بما حلّ بأمثالهم مما شأنُه أن يثير فيهم تفكيراً من النجاة من الوقوع فيما هُدِّدوا به، وأنهم إن كانوا أهل جلادة على تحمل عذاب الدّنيا فماذا يصنعون في اتقاء عذاب الآخرة، فدلّت فاء التفريع واسم الاستفهام على هذا المعنى.
فالمعنى: هبكم أقدمتم على تحمل عذاب الدنيا فكيف تتقون عذاب الآخرة، ففعل الشرط من قوله: ﴿ إِنْ كفرتم ﴾ مستعمل في معنى الدوام على الكفر لأن ما يقتضيه الشرط من الاستقبال قرينة على إرادة معنى الدّوام من فعل ﴿ كفرتم ﴾ وإلاّ فإن كفرهم حاصل من قبل نزول هذه الآية.
و ﴿ يوماً ﴾ منصوب على المفعول به ل ﴿ تتقون ﴾ .
واتقاء اليوم باتقاء ما يقع فيه من عذاب أي على الكفر.
ووصف اليوم بأنه ﴿ يجعل الولدان شيباً ﴾ وصف له باعتبار ما يقع فيه من الأهوال والأحزان، لأنه شاع أن الهم مما يسرع به الشيب فلما أريد وصف همّ ذلك اليوم بالشدة البالغة أقواها أسند إليه يشيب الولدان الذين شعرهم في أول سواده.
وهذه مبالغة عجيبة وهي من مبتكرات القرآن فيما أحسب، لأني لم أر هذا المعنى في كلام العرب وأما البيت الذي يذكر في شواهد النحو وهو: إذن والله نَرميهم بحرب *** تُشيب الطفل من قبل المشيب فلا ثبوت لنسبته إلى من كانوا قبل نزول القرآن ولا يعرف قائله، ونسبه بعض المؤلفين إلى حسان بن ثابت.
وقال العيني: لم أجده في ديوانه.
وقد أخذ المعنى الصمّة ابن عبد الله القشيري في قوله: دَعانيَ من نجدٍ فإن سنينه *** لَعِبْنَ بنا شِيباً وشيبننا مردا وهو من شعراء الدولة الأموية وإسناد ﴿ يجعل الولدان شيباً ﴾ إلى اليوم مجاز عقلي بمرتبتين لأن ذلك اليوم زمَن الأهوال التي تشيب لمثلها الأطفال، والأهوال سبب للشيب عرفاً.
والشيب كناية عن هذا الهول فاجتمع في الآية مجازان عقليان وكناية ومبالغة في قوله: {يجعل الولدان شيباً.
وجملة السماء منفطر به} صفة ثانية.
والبَاء بمعنى (في) وهو ارتقاء في وصف اليوم بحدوث الأهوال فيه فإن انفطار السماء أشد هولاً ورعباً مما كني عنه بجملة ﴿ يجعل الولدان شيباً.
﴾ أي السماء عَلى عظمها وسمكها تنفطر لذلك اليوم فما ظنكم بأنفسكم وأمثالكم من الخلائق فيه.
والانفطار: التشقق الذي يحدث في السماء لنزول الملائكة وصعودهم كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ تعرج الملائكة والروح إليه ﴾ في سورة المعارج (4).
وذكر انفطار السماء في ذلك اليوم زيادة في تهويل أحواله لأن ذلك يزيد المهددين رعباً وإن لم يكن انفطار السماء من آثار أعمالهم ولا لَه أثر في زيادة نكالهم.
ويجوز أن تجعل جملة السماء منفطر به } مستأنفة معترضة بين جملة ﴿ فكيف تتقون ﴾ الخ، وجملة ﴿ كان وعده مفعولاً ﴾ والباء للسببية ويكون الضمير المجرور بالباء عائداً إلى الكفر المأخوذ من فعل ويجوز أن يكون الإِخبار بانفطار السماء على طريقة التشبيه البليغ، أي كالمنفطر به فيكون المعنى كقوله تعالى: ﴿ وقالوا اتخذ الرحمان ولداً لقد جئتم شيئاً إدَّاً يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً ﴾ [مريم: 88 90].
ووصف السماء بمنفطر بصيغة التذكير مع أن السماء في اللغة من الأسماء المعتبرة مؤنثة في الشائع.
قال الفراء: السماء تذكَّر على التأويل بالسقف لأن أصل تسميتها سماءً على التشبيه بالسقف، أي والسقف مُذكر والسماء مؤنث.
وتبعه الجوهري وابن برّي.
وأنشد الجوهري على ذلك قول الشاعر: فلو رَفع السماءُ إليه قوماً *** لحقنا بالسماء مع السحاب وأنشد ابن برّي أيضاً في تذكير السماء بمعنى السقف قول الآخر: وقالت سماءُ البيت فوقَك مُخْلَقٌ *** ولمَّا تَيَسَّر اجْتِلاَءُ الركَائب ولا ندري مقدار صحة هاذين الشاهدين من العربية على أنه قد يكونان من ضرورة الشعر.
وقيل: إذا كان الاسم غير حقيقي التأنيث جاز إجراء وصفه على التذكير فلا تلحقه هاء التأنيث قياساً على الفعل المسند للمؤنث غير حقيقي التأنيث في جواز اقترانه بتاء التأنيث وتجريده منها، إجراء للوصف مجرى الفعل وهو وجيه.
ولعل العدول في الآية عن الاستعمال الشائع في الكلام الفصيح في إجراء السماء على التأنيث، إلى التذكير إيثاراً لتخفيف الوصف لأنه لما جيء به بصيغة منفعل بحرفي زيادة وهما الميم والنون كانت الكلمة معرضة للثقل إذا ألحق بها حرف زائد آخر ثالث، وهو هاء التأنيث فيحصل فيها ثقل يجنَّبه الكلام البالغ غاية الفصاحة ألا ترى أنها لم تجر على التذكير في قوله: ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ [الانفطار: 1] إذ ليس في الفعل إلاّ حرف مزيد واحد وهو النون إذ لا اعتداد بهمزة الوصل لأنها ساقطة في حالة الوصل، فجاءت بعدها تاء التأنيث.
وجملة ﴿ كان وعده مفعولاً ﴾ صفة أخرى ل ﴿ يوماً، ﴾ وهذا الوصف إدماج للتصريح بتحقيق وقوع ذلك اليوم بعد الإِنذار به الذي هو مقتض لوقوعه بطريق الكناية استقصاء في إبلاغ ذلك إلى علمهم وفي قطع معذرتهم.
وضمير ﴿ وعده ﴾ عائد إلى ﴿ يوماً ﴾ الموصوف، وإضافة (وعد) إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله على التوسع، أي الوعد به، أي بوقوعه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنْ يُعْرِضَ عَنْ سَفَهِهِمْ ويُرِيَهم صِغَرَ عَداوَتِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الهَجْرُ الخالِي مِن ذَمٍّ وإساءَةٍ.
وَهَذا الهَجْرُ الجَمِيلُ قَبْلَ الإذْنِ في السَّيْفِ.
﴿ وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ﴾ قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّهم بَنُو المُغِيرَةِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُخْبِرْتُ أنَّهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولِي النَّعْمَةِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ تَعْرِيفًا لَهم إنَّ المُبالِغِينَ في التَّكْذِيبِ هم أُولُو النَّعْمَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا، أيِ الَّذِينَ أطْغى هم أُولُو النَّعْمَةِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ تَوْبِيخًا أنَّهم كَذَّبُوا ولَمْ يَشْكُرُوا مَن أوْلاهُمُ النِّعْمَةَ.
﴿ وَمَهِّلْهم قَلِيلا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إلى السَّيْفِ.
﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا ﴾ في (أنْكالًا) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أغْلالًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّها القُيُودُ، قالَهُ الأخْفَشُ وقُطْرُبٌ، قالَتِ الخَنْساءُ دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ.
الثّالِثُ: أنَّها أنْواعُ العَذابِ الشَّدِيدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ النَّكَلُ عَلى النَّكَلِ، قِيلَ: وما النَّكَلُ؟
قالَ: الرَّجُلُ القَوِيُّ المُجَرِّبُ عَلى الفَرَسِ القَوِيِّ المُجَرَّبِ» ومِن ذَلِكَ سُمِّيَ القَيْدُ نَكَلًا لِقُوَّتِهِ، وكَذَلِكَ الغِلُّ، وكُلُّ عَذابٍ قَوِيَ واشْتَدَّ) .
﴿ وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَوْكٌ يَأْخُذُ الحَلْقَ فَلا يَدْخُلُ ويَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَمْلًا سائِلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ المُهِيلَ الَّذِي إذا وطِئَهُ القَدَمُ زَلَّ مِن تَحْتِها وإذا أخَذْتَ أسْفَلَهُ انْهالَ أعْلاهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ.
﴿ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُهُما: شَدِيدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: مُتَتابِعًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: ثَقِيلًا غَلِيظًا، ومِنهُ قِيلَ لِلْمَطَرِ العَظِيمُ وابِلٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الرّابِعُ: مُهْلِكًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أكَّلْتَ بَنِيكَ أكْلَ الضَّبِّ حَتّى ∗∗∗ وجَدْتَ مَرارَةَ [اَلْكَلَإ الوَبِيلِ] .
﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا ﴾ الشِّيبُ: جَمْعُ أشْيَبَ، والأشْيَبُ والأشْمَطُ الَّذِي اخْتَلَطَ سَوادُ شَعْرِهِ بِبَياضِهِ، وهو الحِينُ الَّذِي يُقْلِعُ فِيهِ ذُو التَّصابِي عَنْ لَهْوِهِ، قالَ الشّاعِرُ طَرَبْتَ وما بِكَ ما يُطْرِبُ ∗∗∗ وهَلْ يَلْعَبُ الرَّجُلُ الأشْيَبُ وَإنَّما شابَ الوِلْدانُ في يَوْمِ القِيامَةِ مِن هَوْلِهِ.
﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُمْتَلِئَةٌ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مُثْقَلَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مَخْزُونَةٌ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: مُنْشَقَّةٌ مِن عَظَمَتِهِ وشِدَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وعْدُهُ بِأنَّ السَّماءَ مُنْفَطِرٌ بِهِ، وكَوْنُ الجِبالِ كَثِيبًا مَهِيلًا، وأنْ يَجْعَلَ الوِلْدانَ شِيبًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: وعْدُهُ بِأنْ يُظْهِرَ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: وعْدُهُ بِما بَشَّرَ وأنْذَرَ مِن ثَوابِهِ وعِقابِهِ.
وَفي المَعْنى المُكَنّى عَنْهُ في قَوْلِهِ (بِهِ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّماءَ مُنْفَطِرَةٌ بِاليَوْمِ الَّذِي يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا، فَيَكُونُ اليَوْمُ قَدْ جَعَلَ الوِلْدانَ شِيبًا، وجَعَلَ السَّماءَ مُنْفَطِرَةً ويَكُونُ انْفِطارُها لِلْفَناءِ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ السَّماءَ مُنْفَطِرَةٌ بِما يَنْزِلُ مِنها بِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَجْعَلُ الوَلَدانِ شِيبًا، ويَكُونُ انْفِطارُها بِانْفِتاحِها لِنُزُولِ هَذا القَضاءِ مِنها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ قال: تتقون ذلك اليوم إن كفرتم قال: «والله ما أتقى ذلك اليوم قوم كفروا بالله وعصوا رسوله» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً ﴾ قال: بأي صلاة تتقون؟
بأي صيام تتقون؟.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن خيثمة في قوله: ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ قال: ينادي مناد يوم القيامة يخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فمن ذلك يشيب الولدان.
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ قال: إذا كان يوم القيامة فإن ربنا يدعو آدم، فيقول: يا آدم أخرج بعث النار، فيقول: أي رب لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله: أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين يساقون إلى النار سوقاً مقرنين زرقاً كالحين، فإذا خرج بعث النار شاب كل وليد.
وأخرج الطبراني وابن مردويه «عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ قال: ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: من كم يا رب؟
قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، وينجو واحد، فاشتد ذلك على المسلمين، فقال: حين أبصر ذلك في وجوههم: إن بني آدم كثير وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت رجل منهم حتى يرثه لصلبه ألف رجل ففيهم وفي أشباههم جند لكم» .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة بيوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة به.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ السماء منفطر ﴾ قال: ممتلئة به بلسان الحبشة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة موقرة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ منفطر به ﴾ قال: يعني تشقق السماء.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ منفطر به ﴾ قال: منصدع من خوف يوم القيامة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول الشاعر: طباهن حتى أعرض الليل دونها ** أفاطير وسمى رواء جذورها وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة بالله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة بذلك اليوم من شدته وهوله، وفي قوله: ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم ﴾ الآية، قال: أدنى من ثلثي الليل، وأدنى من نصفه، وأدنى من ثلثه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن وسعيد بن جبير ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ قال: لن تطيقوه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ قال: أرخص عليهم في القيام ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ قال: أن لن تحصوا قيام الليل ﴿ فتاب عليكم ﴾ قال: ثم أنبأنا الله عن خصال المؤمنين فقال: ﴿ علم أن سيكون منكم مرضى ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن قتادة قال: فرض قيام الليل في أول هذه السورة فقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها حولاً، ثم أنزل التخفيف في آخرها، فقال: ﴿ علم أن سيكون منكم مرضى ﴾ إلى قوله: ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ فنسخ ما كان قبلها، فقال: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فريضتان واجبتان ليس فيهما رخصة.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً ﴾ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام المسلمون معه حولاً كاملاً حتى تورمت أقدامهم، فأنزل الله بعد الحول ﴿ إن ربك يعلم ﴾ إلى قوله: ﴿ ما تيسر منه ﴾ قال: الحسن: فالحمد لله الذي جعله تطوعاً بعد فرضة، ولا بد من قيام الليل.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ يا أيها المزمل قم الليل ﴾ الآية، قال: لبثوا بذلك سنة فشق عليهم وتورمت أقدامهم، ثم نسخها آخر السورة ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس «عن النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ قال: مائة آية» .
وأخرج الدارقطني والبيهقي في السنن وحسناه عن قيس بن أبي حازم قال: صليت خلف ابن عباس فقرأ في أول ركعة بالحمد لله وأول آية من البقرة، ثم ركع فلما انصرف أقبل علينا فقال: إن الله يقول: ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ .
وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن أبي سعيد قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال: ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إليّ من أن يأتيني وأنا بين شعبتي رحلي ألتمس من فضل الله، ثم تلا هذه الآية ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من جالب يجلب طعاماً إلى بلد من بلاد المسلمين فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهيد» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً ﴾ ﴿ يوماً ﴾ مفعول به، وناصبه تتقون أي: كيف تتقون يوم القيامة وأهواله إن كفرتم، وقيل: هو مفعول به، على أن يكون كفرتم بمعنى جحدتم، وقيل، هو ظرف، أي كيف لكم بالتقوى يوم القيامة، ويحتمل أن يكون العامل فيه محذوف تقديره: اذكروا قوله: ﴿ السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ ﴿ يَجْعَلُ الولدان شِيباً ﴾ الولدان جمع وليد وهو الطفل الصغير، والشيب بكسر الشين جمع أشيب ووزنه فُعُل بضم الفاء وكسرت لأجل الياء، ويجعل يحتمل أن يكون مسنداً إلى الله تعالى أو إلى اليوم، والمعنى أن الأطفال يشيبون يوم القيامة، فقيل: إن ذلك حقيقة، وقيل: إنه عبارة عن هول ذلك اليوم، وقيل: إنه عبارة عن طوله ﴿ السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ الانفطار: الانشقاق، والضمير المجرور يعود على اليوم، أي: تتفطر السماء لشدة هوله ويحتمل أن يعود على الله أن تنفطر بأمره وقدرته.
والأول أظهر، والسماء مؤنثة، وجاء منفطر بالتذكير لأن تأنيثها غير حقيقة أو على الإضافة تقديره: ذات انفطار أو لأنه أراد السقف ﴿ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ﴾ الضمير في وعده يحتمل أن يعود على اليوم أو على الله والأول أظهر؛ لأنه ملفوظ به ﴿ إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ ﴾ الإشارة إلى ما تقدم من المواعظ والوعيد ﴿ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ يريد سبيل التقرب إلى الله، ومعنى الكلام حض على ذلك وترغيب فيه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أو انقص ﴾ بكسر الواو للساكنين: حمزة وعاصم وسهل.
الآخرون: بضمها للإتباع ﴿ ناشية ﴾ بالياء: يزيد والشموني والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الباقون.
بالهمزة ﴿ وطأ ﴾ بكسر الواو وسكون الطاء: ابن عامر وأبو عمرو.
الآخرون: بالمد مصدر واطأت مواطأة ووطاء ﴿ رب المشرق ﴾ بالخفض على البدل ﴿ من ربك ﴾ ابن عامر ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون: بالرفع على المدح أي هورب.
﴿ ونصفه وثلثه ﴾ بالنصب فيهما: عاصم وحمزة وعلى وابن كثير وخلف.
الوقوف ﴿ المزمل ﴾ ه لا ﴿ إلا قليلاً ﴾ ه لا ﴿ قليلاً ﴾ ه لا ﴿ ترتيلاً ﴾ ه ﴿ ثقيلاً ﴾ ه ﴿ قيلاً ﴾ ه ط ﴿ طويلاً ﴾ ه ط ﴿ تبتيلاً ﴾ ه ط بالخفض لا يقف ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه م ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وجحيماً ﴾ ه لا ﴿ أليماً ﴾ ه وقد قيل يوصل بناء على أن يوم ظرف لدينا والوقف أجوز لأن ثبوت إلا نكال لا يختص بذلك اليوم بل المراد ذكر يوم كذا أو يوم كذا ترون ما ترون.
﴿ مهيلاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبيلا ﴾ ه ﴿ شيباً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة يوماً ﴿ به ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ تذكرة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ والنهار ﴾ ه ﴿ القرآن ﴾ ط ﴿ مرضى ﴾ لا للعطف ﴿ من فضل الله ﴾ لا لذلك ﴿ في سبيل الله ﴾ ج لطول الكلام والوصل أولى للتكرار ﴿ فاقرؤا ﴾ ه ﴿ منة ﴾ لا للعطف ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ أجرأ ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير ﴿ المزمل ﴾ أصله المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها، فأدغم التاء في الزاء ونحوه المدثر في المثر والخطاب للنبي بالإتفاق إلا أنهم اختلفوا في سببه.
فعن ابن عباس: أول ما جاءه جبرائيل خافه فظن أن به مساً من الجن فرجع من الجبل مرتعداً وقال: زملوني فبينا هو كذلك إذ جاءه الملك وناداه ﴿ يا أيها المزمل ﴾ فهذه السورة على هذا القول من أوائل ما نزل من القرآن قال الكلبي: إنما تزمل النبي بثيابه ليتهيأ للصلاة فأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه.
ومثله عن عائشة وقد سئلت عن تزمله فقال: إنه كان تزمل مرطاً سداه شعر ولحمته وبر طوله أربع عشرة ذراعاً نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي.
وقيل: أنه كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة لأنها فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن فأمر أن يختار على الهجود التهجد وعلى التزمل الموجب للاستثقال في النوم التشمر للعبادة، وقال عكرمة: إشتقاقه من الزمل الحمل ومنه أزدمله أي احتمله، والمعنى يأيها الذي احتمل أمراً عظيماً يريد أعباء النبوة ويناسبه التكليف بعده بقيام الليل.
قال ابن عباس: إنه كان فريضة عليه بناء على ظاهر الأمر ثم نسخ.
وقيل: كان واجباً عليه وعلى أمته في صدر الإسلام فكانوا على ذلك سنة أو عشر سنين، ثم نسخ بالصلوات الخمس، قال جار الله: قوله ﴿ نصفه ﴾ بدل من الليل و ﴿ إلا قليلاً ﴾ استثناء من النصف كأنه قال: قم أقل من نصف الليل أو انقص من النصف قليلاً أو زد على النصف، خيره بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين: النقصان من النصف أو الزيادة عليه.
وإن شئت جعلت ﴿ نصفه ﴾ بدلاً من ﴿ قليلاً ﴾ لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل، ولأن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن العهدة لا بزيادة شيء فيصير الواجب بالحقيقة نصفاً فشيئاً فيكون الباقي أقل منه، فكان تخييراً بين ثلاث بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، فلك أن تقول: على تقدير إبدال النصف من الليل إن الضمير في ﴿ منه ﴾ و ﴿ عليه ﴾ راجع إلى الأقل من النصف فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل أو قم أنقص القليل أو أزيد منه قليلاً فيكون التخيير فيما وراء النصف إلى الثلث مثلاً، وإن شئت على تقدير إبدال النصف من ﴿ قليلاً ﴾ جعلت ﴿ قليلاً ﴾ الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع كأنه قال: أو انقص منه قليلاً نصفه ويجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع كأنه قيل: أو زد عليه أي على الربع قليلاً نصفه وهو الثمن فيكون تخييراً بين النصف وحده والرابع والثمن معاً والربع وحده، هذا حاصل كلامه مع بعض الإيضاح.
وأما في التفسير الكبير فقد اختار أن المراد بقوله ﴿ قليلاً ﴾ الثلث لقوله في السورة ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة ﴾ ففيه دليل على أن أكثر المقادير الواجبة كان الثلثين إلا أن النبي ربما يتفق له خطأ بالإجتهاد أو النوم فينقص شيء منه إلى النصف أو إلى الثلث على قراءة الخفض.
وليس هذا مما يقدح في العصمة لعسر هذا الضبط على البشر ولا سيما عند اشتغاله بالنوم ولذلك قال ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ فيصير تقدير الآية.
قم الثلثين ثم نصف الليل.
أو انقص من النصف، أو زد عليه.
والغرض التوسعة وأن أكثر الفرض هو الثلثان وأقله الثلث ليكون النقصان من النصف بقدر الزيادة.
عن الكلبي قال: كان الرجل يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين.
ثم علم أدب القراءة فقال ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ وهو قراءة على تأن وتثبت ولا تحصل إلا بتبيين الحروف وإشباع الحركات ومنه " ثغر مرتل " إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، ومنه قال الليث: الترتيل تنسيق الشيء وثغر رتل حسن التنضيد كنور الأقحوان.
سئلت عائشة عن قراءة النبي فقالت: لا كسر دكم.
هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها.
وفي قوله ﴿ ترتيلاً ﴾ زيادة تأكيد في الإيجاب وأنه لا بد للقاريء منه لتقع قراءته عن حضور القلب وذكر المعاني فلا يكون كمن يعثر على كنز من الجواهر عن غفلة وعدم شعور.
حين أمره بقيام الليل وبتدبر القرآن فيه وعده بقوله ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ﴾ كأنه قال: صير نفسك بأنوار العبادة والتلاوة مستعداً لقبول الفيض الأعظم وهو القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة على نفوس البشر.
وقيل: ثقله أنه كان إذا نزل عليه الوحي تربد جلده وارفض جبينه عرقاً.
ومنه قيل " برحاء الوحي ".
وقال الحسن: أراد ثقله في الميزان وقال أبو علي الفارسي: ثقيل على المنافقين من حيث إنه يهتك أستارهم وقال الفراء: كلام له وزن وموقع لأنه حكمة وبيان ليس بالسفساف وما لا يعبأ به.
وقيل: باقٍ على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن لا يزول عن حيزه.
وقيل: يثقل إدراك معانيه وإحضارها.
والفرق بين أقسامها من المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والظاهر والمؤل.
ثم عاد إلى حكمة الأمر بقيام الليل فقال ﴿ إن ناشئة الليل ﴾ فيها قولان: أحدهما أنها ساعات الليل إما كلها لأنها تنشأ أي تحدث واحدة بعد أخرى، وإما الساعات الأول ما بين المغرب والعشاء وهو قول زين العابدين وسعيد بن جبير والضحاك والكسائي وذلك أنها مباديء نشوء الليل.
والثاني أنها عبارة عن الأمور التي تحدث في الليل.
وعلى هذا اختلفوا فمنهم من قال: هي النفس الناشئة بالليل أي التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت.
ومنهم من قال: هي مصدر كالعاقبة أي قيام الليل.
ولا بد من سبق النوم لما روي عبيد بن عمير قلت لعائشة: رجل قام من أول الليل أتقولين له قام ناشئة الليل؟
قالت: لا إنما الناشئة القيام بعد النوم.
وقد فسرها بعض أهل المعنى بالواردات الروحانية والخواطر النورانية والإنفعالات النفسانية للإبتهاج بعالم القدس وفراغ النفس من الشواغل الحسية التي تكون بالنهار.
الوطاء والمواطأة الموافقة.
قال الحسن: يعني النفس أشد موافقة بين السر والعلانية أو القلب أو اللسان لانقطاع رؤية الخلائق، أو يواطيء فيها قلب القائم لسانه، إن أردت الساعات، أو القيام.
ومن قرأ وطأ بغير فالمعنى أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار ومنه قوله " اللهم أشدد وطأتك على مضر " ﴿ وأقوم قيلاً ﴾ وأشد مقالاً وأثبت قراءة لهدوّ الأصوات وسكون الحركات فلا يكون بين القراءة وبين تفهم معانيها حائل ولا مشوش.
قال في الكشاف: عن أنس إنه قرأ و "أصوب قيلاً " فقيل له: يا أبا حمزة إنما هي ﴿ أقوم ﴾ فقال: إنهما واحد.
قال ابن جني: وهذا يدل على أن القوم كانوا يعتبرون المعاني ولا يلتفتون نحو الألفاظ.
قال العلماء الراسخون: هذا النقل يوجب القدح في القرآن فالواجب أن يحمل النقل لو صح على أنه فسر أحد اللفظين بالآخر لا أنه زعم أن تغيير لفظ القرآن جائز.
ثم أكد أمر قيام الليل بقوله ﴿ إن لك في النهار سبحاً طويلاً ﴾ قال المبرد: أي تصرفاً وتقلباً في مهماتك فلا تفرغ لخدمة الله إلا بالليل ومنه السابح لتقلبه بيديه ورجليه.
وقال الزجاج: أراد أن ما فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه.
وقيل: أن لك في النهار مجالاً للنوم والإستراحة وللتصرف في الحوائج.
ثم بين أن أشرف الأعمال عند قيام الليل ما هو فصله في شيئين ذكر إسم الرب والتبتل إليه وهو الإنقطاع إلى الله بالكلية والتبتل القطع، الأول مقام السالك والثاني مقام المشاهد.
فالأول كالأثر والثاني كالعين وإنما لم يقل وبتل نفسك إليه تبتيلاً لأن المقصود بالذات هو التبتل فبين أولاً ما هو المقصود ثم أشار أخيراً إلى سببه تأكيداً مع رعاية الفاصلة.
ثم أشار إلى الباعث إلى التبتل فقال ﴿ رب المشرق والمغرب ﴾ لأن التكميل والأحسان موجب المحبة وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها والمحبة تقتضي الإقبال على المحبوب بالكلية ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وهو إشارة إلى كماله في ذاته والكمال محبوب لذاته، وهذا منتهى مقامات الطالبين وإنه يستدعي رفع الإختيار من البين وتفويض الأمر بالكلية إلى المحبوب الحقيقي حتى أن المحبوب لو كان رضاه في عدم التبتل إليه رضي المحب بذلك، وإن كان رضاه في التبتل والتوجه نحوه فهو المطلوب لا من حيث إنه تبتل بل من حيث إنه مراد المحبوب الحق جل ذكره.
وقوله ﴿ فاتخذه وكيلاً ﴾ كالنتيجة لما قبله، وفيه إن من لم يفوض كل الأمور إليه لم يكن راضياً بإلهيته معترفاً بربوبيته، وفيه تسلية للنبي أنه سيكفيه شر الكفار وأعداء الدين.
ثم أمره بالصبر عند الإختلاط بالهجر الجميل إذا أراد أن لا يخالطهم.
والهجر الجميل أن يخالفهم بقلبه ويداريهم بالإغضاء وترك المكافآت ومن المفسرين من قال: إنه منسوخ بآية القتال وقد عرفت مراراً أنه لا ضرورة إلى التزام النسخ.
في أمثال هذه الآية.
ثم أمره بأن يخلي بينه وبين المكذبين أصحاب الترفه.
والنعمة بالفتح التنعم وهم صناديد قريش ولم يكن هناك منع ولكنه أجرى الكلام على عادة المحاورات، والغرض أنه يكفي في رفع شرور الكفرة ودفع إيذائهم ثم فصل ما سيعذب به أهل التكذيب مما يضاد تنعمهم.
والإنكال جمع نكل بالكسر أو نكل بالضم وهي القيود الثقال.
عن الشعبي: إذا ارتفعوا استلفت بهم.
والطعام ذو الغصة هو الذي ينشب في الحلق كالزقوم والضريع فلا ينساغ، وقد يمكن حمل هذه الأمور على العقوبات الروحانية فالإنكال عبارة عن بقاء النفس في قيود العلائق الحسية والملكات الوهمية، والجحيم نيران الحسرة والحيرة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.
ثم إنه يتجرع غصة الحرمان وألم الفراق الجلال والبقاء في ظلمة الضلال والتنوين في هذه الألفاظ للتعظيم أو النوع.
ثم وصف اليوم فيه هذه الأحوال والأهوال فقال ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال ﴾ الرجفة الزلزلة والكثيب الرمل المجتمع " فعلي" " بمعنى " " مفعول " من كثب الشيء جمعه.
وقال الليث: الكثيب نثر التراب أو الشيء يرمي به.
وسمي الكثيب كثيباً لأن ترابه دقاق كأنه نثر بعضه على بعض لرخاوته، والمهيل السائل تراب مهيل ومهيول أي مصبوب وإنما لم يقل كثيبة مهيلة لأنها باسرها تجتمع فتصير واحداً، أو المراد كل واحد منها، وحين خوف المكذبين بأهوال الآخرة خوفهم بأهوال الدنيا مثل ما جرى على الأمم السابقة لا سيما فرعون وجنوده.
وإنما خصص قصة موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم الباقية ومعجزاته أبهر فكان تشبيه نبينا بحال أنسب.
ومعنى ﴿ شاهدا عليكم ﴾ كما مر في قوله ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ إنما عرّف الرسول ثانياً لأنه ينصرف إلى المعهود السابق في الذكر والأخذ الوبيل الثقيل الغليظ ومنه الوابل للمطر العظيم.
قال أبو زيد: هو الذي لا يستمر ألو خامته ومنه كلأ مستوبل.
ثم عاد إلى توبيخهم مرة بعد أخرة قائلاً ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً ﴾ وانتصب ﴿ يوماً ﴾ على أنه مفعول به ﴿ لتتقون ﴾ أي كيف تحذرون ذلك اليوم لو كفرتم أي إن جحدتم يوم الجزاء فكيف تدعون تقوى الله وخوف عقابه؟
ويجوز أن يكون ظرفاً ﴿ لتتقون ﴾ أي فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا؟
ثم ذكر من هول ذلك اليوم شيئين: الأول أنه يجعل الولدان شيئاً جمع أشيب نحو بيض جمع أبيض فقيل: إنه وصفه بالطول بحيث يبلغ الأطفال فيه أوان الشيخوخة والشيب.
والأكثرون على أنه مثل في الشدة كما قيل " يوم يشيب نواصي الأطفال " والأصل فيه قول الحكماء إن الهموم والأحزاب تسرع الشيب لإقتضائهما احتباس الروح إلى داخل القلب المستتبع لانطفاء الحرارة الغريزية المستعقب لفجاجة الأخلاط واستيلاء البلغم المتكرج.
وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن إيصال الألم والخوف إلى الصبيان غير جائز.
وجوزه بعضهم بناء على أن ذلك اليوم أمر غير داخل تحت التكليف وقد حكي أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية فقال: أرأيت القيامة والنار في المنام ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك وأصبحت كما ترون.
الثاني قوله ﴿ السماء منفطر به ﴾ وإنما ذكر السماء لأن تأنيثه غير حقيقي، أو بتأويل السقف، أو بتأويل الشيء المنفطر أو ذات انفطار.
والباء في ﴿ به ﴾ بمعنى " في " عند الفراء، أو للآلة نحو فطرت العود بالقدوم أي أنها تنفطر بسبب هول ذلك اليوم، أو تثقل به إثقالاً يؤدي إلى إنفطارها كقوله ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ ﴿ كان وعده ﴾ أي وعد الله وقيل وعد اليوم فيكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول ﴿ إن هذه ﴾ الآيات المشتملة على التكاليف والتخاويف ﴿ تذكرة ﴾ موعظة شافية ﴿ فمن شاء إتخذ إلى ﴾ قرب ﴿ ربه سبيلاً ﴾ بالإتعاظ والإدكار والتوسل بالطاعة والتجنب عن المعصية.
قال المفسرون: إن النبي وأصحابه شمروا بعد نزول أوائل السورة عن ساق الجد في شأن قيام الليل، وتركوا الرقاد حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم فلا جرم رحمهم ربهم وخفف عنهم قائلاً ﴿ إن ربك يعلم أنّك تقوم أدنى من ثلثي الليل ﴾ أقل منهما.
قال أهل المعاني والبيان: إنما استعير الأدنى للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز ﴿ و ﴾ تقوم ﴿ نصفة وثلثه ﴾ وهذا مطابق لما مر أو لأن التخيير بين النصف والناقص منه إلى الثلث وبين الزائد على النصف إلى الثلثين.
ومن قرأ بالجر فمعناه يقوم أقل من الثلثين وهو النصف، وأقل من النصف وهو ثلثه، وأقل من الثلث وهو الربع وهو مطابق للوجه الآخر.و قوله ﴿ وطائفة ﴾ عطف على المستتر في ﴿ يقوم ﴾ وجاز من غير تأكيد للفصل ﴿ والله يقدر الليل والنهار ﴾ فلا يعرف ما مضى من كل منهما أي آن يفرض إلا هو.
وهذا الحصر ينبيء عنه بناء الكلام على الإسم دون الفعل.
ثم أكد المعنى المذكور بقوله ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ أي لا يصح منكم ضبط أوقات الليل كما هي إلا أن تأخذوا بالأوسع الأحوط وذلك شاق عليكم ﴿ فتاب عليكم ﴾ ما فرط منكم في مساهلة حصر الأوقات ورفع تبعته عنكم ﴿ فاقرؤا ما تيسر من القرآن ﴾ الأكثرون على أن القراءة ههنا عبارة عن الصلاة كما يعبر عنها بالقيام والركوع والسجود، والمعنى فصلوا ما تيسر عليكم بالليل فيكون هذا ناسخاً للأول.
ثم إنهما نسخاً جميعاً بالصلوات الخمس، أو نسخ هذا وحده بهن.
وعن بعضهم أنها القراءة حقييقة.
وروي " "من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن ومن قرأ مائة آية أو خمسين كتب من القانتين " ثم بيّن الحكمة في النسخ فقال ﴿ علم ﴾ وهو استئناف على تقدير السؤال عن وجه النسخ.
و" أن " في قوله ﴿ أن سيكون ﴾ مخففة من الثقيلة اسمها الشأن و " كان " تامة أي سيوجد ﴿ منكم مرضى ﴾ هي جمع مريض ﴿ وآخرون ﴾ عطف عليه في الموضعين سوى الله بين المسافرين للكسب الحلال والمجاهدين في سبيله فما أنصف من جانبه من العلماء مستنكفاً عنه إلى طلب ما لم يجوز أخذ الأجرة عليه كالإمامة والقضاء والتدريس يرى أنه منصب من المناصب الدينية فيضع دينه للذة خيالية لا اعتداد بها عند العقلاء.
عن عبد الله بن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رحل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، وعن عبد الله ابن مسعود مرفوع ظناً.
أيما رجل جلب شيئاًً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء.
وظاهر أن المرضى لا يمكنهم الإشتغال بالتجهد لمرضهم.
وأما المسافرون والمجاهدون فمشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو اشتغلوا بالعبادة في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم قوله ﴿ فاقرؤا ما تيسر منه ﴾ من إعادة الأوّل تأكيداً للرخصة، عن ابن عباس: سقط عن أصحاب النبي قيام الليل وصار تطوعاً وبقي ذلك فريضاً على النبي .ثم أمر بإقامة الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وهذا أيضاً مما يغلب على الظن أن الآية مدنية.
وقيل: هي زكاة الفطر.
ثم أشار إلى صدقة التطوع بقوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ ويحتمل أني عود هذا أيضاً إلى الزكاة أي أقرضوا الله بإيتاء الزكاة، وفيه أن إخراج الزكاة ينبغي أن يكون على أحسن وجه من مراعاة النية الخالصة والصرف إلى المستحقين وكونها من أطيب الأموال لا أقل من الوسط.
ثم حث على الإنفاق مطلقاً بقوله ﴿ وما تقدموا ﴾ الآية وقوله ﴿ هو ﴾ صيغة الفصل.
وقوله ﴿ خيراً ﴾ ثاني مفعولي ﴿ تجدوه ﴾ ثم حرض على الإستغفار في جميع الأحوال وإن كان طاعات لما عسى أن يقع فيها تفريط وإليه المرجع والمآب.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً ﴾ .
قوله: ﴿ شَاهِداً عَلَيْكُمْ ﴾ قال أبو بكر الأصم: تأويله: مبينا لكم ما لله عليكم من الحق.
وجائز أن يكون ﴿ شَاهِداً عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: لكم وعليكم جميعا؛ فيكون على الكفرة شاهدا بقوله: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ ﴾ ، ويكون للمؤمنين شاهدا، وقد يذكر "عليكم" ويراد به "لكم" كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ ، أي: للنصب؛ لأنهم كانوا يذبحون لها، لا عليها.
وخص ذكر موسى - - وفرعون من بين الجملة؛ ففائدة ذكر التخصيص هو - والله أعلم - أن رسول الله كان منشَؤه بين ظهراني الذين كذبوه، ولم يكن وقفوا منه على كذبة قط؛ بل كانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وكان بمحل يرونه أهلا للشهادة؛ فكيف ينسبونه إلى الكذب، ولم يعهدوا ذلك منه، وكذلك موسى - - كان نشأ بين ظهراني أولئك الذين أرسل إليهم، وكانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وعرفوا أنه يصلح للشهادة.
ومنهم من يقول بأنهم ازدروا برسول الله ، واستصغروه؛ اعتبارا بما شهدوا من حاله عند الصغر؛ إذ كان نشوءه فيهم؛ وكذلك ازدروا بموسى - - حين بعث إليهم، واستخفوا به استخفافهم به في حال الصغر، حتى قالوا: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ ، فنزل بهم ما نزل بأولئك من الاستئصال بتكذيبهم إياه، وازدرائهم به، فذكرهم حال مكذبي موسى - - وما نزل بهم من مقت الله بتكذيبهم وازدرائهم به ليعتبروا به؛ فينقلعوا عن الازدراء؛ لئلا يحل بهم ما حل بأولئك.
ولئلا يغتروا بقواهم، وكثرة عددهم وأموالهم؛ فإن مكذبي موسى - - كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأشد بطشا؛ فلم يغنهم ذلك من الله - - شيئا.
وجائز أن يكون خص ذكر موسى - - وفرعون ونبأهما؛ لأن خبره كان منتشرا فيما بين أهل مكة؛ لأنهم كانوا جيرة اليهود الذين عندهم نبأ موسى - - وفرعون، فكانوا يخبرونهم بما حل بفرعون وقومه بتكذيبهم الرسول؛ فذكرهم نبأ موسى - - لينتهوا ما هم عليه من التكذيب.
ولأن لله أن يحتج عليهم بآحاد الحجج، وله أن يحتج عليهم بجملتها؛ إذ في ذلك قطع الشبه، وإزاحة العذر.
أو ذكرهم نبأ موسى - - وقومه؛ لأن العهد بهم كان أقرب؛ إذ قومه كانوا آخر قوم استؤصلوا في الدنيا.
وقوله: ﴿ فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً ﴾ ، أي: شديدا: ومنه: المطر الشديد يسمى الوابل.
وقال أبو بكر: اسم لكل معضلة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ ، فهو يحتمل أوجها: أحدها: أي: كيف تتقون النار في الآخرة إذا سلكتم في الدنيا سبيلها - وهو الكفر - وأنتم تعلمون أن من سلك طريقا لشيء ولا منفذ لذلك الطريق إلا إلى ذلك الشيء؛ فإنه يرد عليه لا محالة.
أو كيف تتقون النار في الآخرة، وقد تركتم القيام بما عليكم من شكر النعم.
أو كيف تتقون العذاب في الآخرة وأنتم تدفعون إليها، وتضطرون بقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ ، وبقوله: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، وقد مكنتم في الدنيا من الإيمان بالله ، ومكنتم من الانتهاء عن الكفر، ثم لم تنقلعوا عنه، فأنى يتهيأ لكم المخلص من عذابه، وأنتم تدفعون إليه.
أو كيف تنتفعون بإيمانكم في الآخرة، ولم تؤمنوا في الدنيا، وقد مكنتم به.
والأصل أن دار الآخرة ليست بدار لاستحداث الأسباب، وإنما هي دار وقوع المسببات؛ فهم إذا لم يستحدثوا الأسباب التي جعلت لدفع العذاب في الدنيا، لم يمكنوا من استحداثها في الآخرة فينتفعوا بها، ولم يكونوا أهلا لوقوع المسببات؛ لما لم يستحدثوا الأسباب في الدنيا، وإنما قلنا: إنها ليست بدار محنة وابتلاء؛ لأن المحنة؛ لاستظهار الخفيات، والثواب والعقاب قد شوهد وعوين؛ فإذا قيل: إذا فعلت كذا، دخلت النار وهو يعاين النار، ويراها، فهو يمتنع عن الإقدام على ذلك الفعل، وإذا قيل له: إذا آمنت بالله أكرمت بالجنة، وهو يشاهد الجنة، ويراها، فهو يؤمن لا محالة؛ فلا وجه للابتلاء في الآخرة؛ بل هي دار وقوع المسببات يعني: الثواب والعقاب؛ والذي يدل على هذا قوله: ﴿ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ ، فأخبر أنهم يشيبون لا بسبب المشيب، والمشيب في الدنيا لا يوجد إلا بعد وجود سببه، وهو الكبر ليعلم أن الدار الآخرة ليست بدار استحداث الأسباب؛ فما يستحدثون من الإيمان بالله لا ينفعهم في ذلك اليوم، ولا يقيهم من عذاب الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ جائز أن يكون هذا على التحقيق، فيشيب الولدان لهول ذلك اليوم، ويصير الشيب سكارى؛ لشدة هوله؛ كما قال : ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ ﴾ .
وجائز أن يكون على التمثيل، لا على [تحقيق الشيب]، فمثله به؛ لعظم ذلك اليوم، وشدة هوله، وقد يجوز أن يمثل الشيء بما يبعد عن الأوهام تحقيقه؛ على تعظيم ذلك الشيء، كقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً ﴾ ، فذكر هذا على التمثيل؛ لعظم ما قيل فيه، لا على تحقيق الانفطار والانشقاق.
وجائز أن يكون معناه: أنه لولا أن الله - - بعثهم للإبقاء وألا يتغيروا، ولا يتفانوا، وإلا كان هول ذلك اليوم يبلغ مبلغا يشيب به الولدان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ : أي: بما يجعل الولدان شيبا، وهو هول ذلك اليوم، وشدة فزعه.
أو منفطر بالغمام.
وقيل: منفطر بالله، أي: بقضائه وحكمه، والله أعلم.
ثم قال: ﴿ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ ، ولم يقل: "منفطرة"، والسماء مؤنث؛ فذكر الزجاج: أن معنى قوله: ﴿ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ ، أي: ذات انفطار، فعبر بها كما يعبر عن الذكور؛ كما يقال: امرأة مرضع، أي: ذات إرضاع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ﴾ : أي: الذي وقع به الوعد مفعول، لا أن يكون الوعد هو المفعول، وكذا قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾ ، والوعد لا يؤتى، بل الموعود هو الذي يؤتى، ولكن نسب الموعود إلى الوعد؛ لأنه من آثاره، وهذا كما يقال: المطر رحمة الله، أي: برحمة الله ما أمطروا، لا أن يكون المطر رحمته، ويقال: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله ما تقام، لا أن تكون أمره الذي يوصف به؛ فكذلك الموعود نسب إلى الوعد؛ إذ بالوعد ما استوجبوا، لا أن يكون الوعد هو المفعول وهو المأتي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ هَـٰذِهِ ﴾ منصرفا إلى الأهوال التي ذكرها فيكون ذكرها تذكرة.
ويحتمل أن ينصرف إلى الرسالة، أي: رسالة محمد تذكرة.
ويحتمل: أي: هذه السورة، أو الآيات كلها تذكرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ : قال بعضهم: من شاء اتخذ عند ربه جاهاً ومنزلة لنفسه.
أو ﴿ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ .
[أي] إلى ما دعاه إليه ربه، وذلك يكون بالإجابة فيما دعاه إليه.
أو من شاء اتخذ إلى ما وعد له ربه في الآخرة سبيلا في أن يقبل على طاعته، ويشغل نفسه بعبادته.
<div class="verse-tafsir"
فكيف تمنعون أنفسكم وتَقُوها -إن كفرتم بالله، وكذبتم رسوله- يومًا شديدًا طويلًا، يشيب رأس الأولاد الصغار من شدّة هوله وطوله.
<div class="verse-tafsir" id="91.7VXKZ"