الآية ٧٤ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٧٤ من سورة الأنفال

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ٧٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٤ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٤ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا ، عطف بذكر ما لهم في الآخرة ، فأخبر عنهم بحقيقة الإيمان ، كما تقدم في أول السورة ، وأنه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن ذنوب إن كانت ، وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف ، دائم مستمر أبدا لا ينقطع ولا ينقضي ، ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه .

ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة كما قال : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ) الآية [ التوبة : 100 ] ، وقال : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) [ الحشر : 10 ] وفي الحديث المتفق عليه ، بل المتواتر من طرق صحيحة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : المرء مع من أحب ، وفي الحديث الآخر : من أحب قوما حشر معهم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن شريك ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن جرير قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض ، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة .

قال شريك : فحدثنا الأعمش ، عن تميم بن سلمة ، عن عبد الرحمن بن هلال ، عن جرير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

تفرد به أحمد من هذين الوجهين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا)، آوَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه ونصروهم، ونصروا دين الله, أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله حقًّا, لا من آمن ولم يهاجر دارَ الشرك، وأقام بين أظهر أهل الشرك، ولم يغزُ مع المسلمين عدوهم (39) =(لهم مغفرة)، يقول: لهم ستر من الله على ذنوبهم، بعفوه لهم عنها (40) =(ورزق كريم)، يقول: لهم في الجنة مطعم ومشرب هنيٌّ كريم, (41) لا يتغير في أجوافهم فيصير نجْوًا, (42) ولكنه يصير رشحًا كرشح المسك (43) * * * وهذه الآية تنبئ عن صحة ما قلنا: أن معنى قول الله: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ في هذه الآية, وقوله: مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ، إنما هو النصرة والمعونة، دون الميراث.

لأنه جل ثناؤه عقّب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصار والخبر عما لهم عنده، دون من لم يهاجر بقوله: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا)، الآية, ولو كان مرادًا بالآيات قبل ذلك، الدلالةُ على حكم ميراثهم، لم يكن عَقِيبَ ذلك إلا الحثّ على إمضاء الميراث على ما أمر.

(44) وفي صحة ذلك كذلك، الدليلُ الواضح على أن لا ناسخ في هذه الآيات لشيء، ولا منسوخ.

------------------ الهوامش : (39) انظر تفسير " هاجر " و " جاهد " ، و " آوى " فيما سلف قريبا ص 77 ، تعليق : 1 - 4 ، والمراجع هناك .

(40) انظر تفسير " المغفرة " فيما سلف من فهارس اللغة " غفر " .

(41) انظر تفسير " رزق كريم " فيما سلف وكان في المطبوعة هنا " طعم ومشرب " ، والصواب من المخطوطة .

(42) " النجو " ، ما يخرج من البطن .

(43) روى مسلم وأبو داود من حديث جابر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأكُلُونَ فِيهَا ويَشْرَبُونَ ، وَلا يَتْفُلُونَ وَلا يَبُولُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ .

قِيلَ : فَمَا بَالُ الطَّعَامِ ؟

قال : جُشاء ورَشْحٌ كَرَشْحِ المِسْك ، يُلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهمُونَ النَّفَس " ( صحيح مسلم 17 : 173 ) .

(44) في المطبوعة : " إلا الحث على مضى " ، وفي المخطوطة: "على أمضى" ، وصواب قراءتها ما أثبت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

حقا مصدر ، أي حققوا إيمانهم بالهجرة والنصرة .

وحقق الله إيمانهم بالبشارة في قوله : لهم مغفرة ورزق كريم أي ثواب عظيم في الجنة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الآيات السابقات في ذكر عقد الموالاة بين المؤمنين من المهاجرين والأنصار‏.‏ وهذه الآيات في بيان مدحهم وثوابهم، فقال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ‏}‏ أي‏:‏ المؤمنون من المهاجرين والأنصار ‏{‏هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا‏}‏ لأنهم صدقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة والنصرة والموالاة بعضهم لبعض، وجهادهم لأعدائهم من الكفار والمنافقين‏.‏ ‏{‏لَهُمْ مَغْفِرَةٌ‏}‏ من اللّه تمحى بها سيئاتهم، وتضمحل بها زلاتهم، ‏{‏و‏}‏ لهم ‏{‏رِزْقٌ كَرِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ خير كثير من الرب الكريم في جنات النعيم‏.‏ وربما حصل لهم من الثواب المعجل ما تقر به أعينهم، وتطمئن به قلوبهم .‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا ) لا مرية ولا ريب في إيمانهم .

قيل : حققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في الدين ، ( لهم مغفرة ورزق كريم ) في الجنة .

فإن قيل : أي معنى في تكرار هذه الآية؟

قيل : المهاجرون كانوا على طبقات : فكان بعضهم أهل الهجرة الأولى ، وهم الذين هاجروا قبل الحديبية ، وبعضهم أهل الهجرة الثانية ، وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكة ، وكان بعضهم ذا هجرتين هجرة الحبشة والهجرة إلى المدينة ، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى ، ومن الثانية الهجرة الثانية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آوَوْا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم» في الجنة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين آمنوا بالله ورسوله، وتركوا ديارهم قاصدين دار الإسلام أو بلدًا يتمكنون فيه من عبادة ربهم، وجاهدوا لإعلاء كلمة الله، والذين نصروا إخوانهم المهاجرين وآووهم وواسوهم بالمال والتأييد، أولئك هم المؤمنون الصادقون حقًا، لهم مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم واسع في جنات النعيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - ( والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله والذين آوَواْ ونصروا أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً ) كلام مسوق للثناء على القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة للمؤمنين وهم المهاجرون والأنصار .إذ أن الآية الأولى من هذه الآيات الكريمة قد ساقها الله - تعالى - لإيجاب التواصل بينهم ، أما هذه الآية فقد ساقها سبحانه - للثناء عليهم والشهادة لهم بأنهم هم المؤمنون حق الايمان وأكمله ، بخلاف من أقام من المؤمنين بدار الشرك ، مع الحاجة إلى هجرته وجهاده .قال الفخر الرازى : أثنى الله - تعالى - على المهاجرين والأنصار من ثلاثة أوجه :أولها - قوله : ( أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً ) فإن هذه الجملة تفيد المبالغة فى مدحهم ، حيث وصفهم بكونهم حقين فى طريق الدين .وقد كانوا كذلك ، لأن من لم يكن محقا فى دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة ، ولم يفارق الأهل والوطن ، ولم يبذل النفس والمال .وثانيها - قوله : ( لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ ) والتنكير يدل على الكمال ، أى : مغفرة تامة كاملة .وثالثها - قوله : ( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) والمراد منه الثواب الرفيع .والحاصل : أنه - سبحانه - شرح أحوالهم فى الدنيا والآخرة .

أما فى الدنيا فقد وصفهم بقوله : ( أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً ) .وأما فى الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب ، وإما جلب الثواب .أما دفع العقاب فهو المراد بقوله ( لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ .

.

.

) وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله ( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أربعة أقسام، وذكر حكم كل واحد منهم، وتقرير هذه القسمة أنه عليه السلام ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين، ثم انتقل من مكة إلى المدينة، فحين هاجر من مكة إلى المدينة صار المؤمنون على قسمين منهم من وافقه في تلك الهجرة، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي هناك.

أما القسم الأول: فهم المهاجرون الأولون، وقد وصفهم بقول: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ وإنما قلنا إن المراد منهم المهاجرون الأولون لأنه تعالى قال في آخر الآية: ﴿ والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ ﴾ وإذا ثبت هذا ظهر أن هؤلاء موصوفون بهذه الصفات الأربعة: أولها: أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وقبلوا جميع التكاليف التي بلغها محمد صلى الله عليه وسلم ولم يتمردوا، فقوله: ﴿ إِنَّ الذين ﴾ يفيد هذا المعنى.

والصفة الثانية: قوله: ﴿ وَهَاجَرُواْ ﴾ يعني: فارقوا الأوطان، وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله، ومعلوم أن هذه الحالة حالة شديدة، قال تعالى: ﴿ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم  ﴾ جعل مفارقة الأوطان معادلة لقتل النفس، فهؤلاء في المرتبة الأولى تركوا الأديان القديمة لطلب مرضاة الله تعالى، وفي المرتبة الثانية تركوا الأقارب والخلان والأوطان والجيران لمرضاة الله تعالى.

والصفة الثالثة: قوله: ﴿ وجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ أما المجاهدة بالمال فلأنهم لما فارقوا الأوطان فقد ضاعت دورهم ومساكنهم وضياعهم ومزارعهم، وبقيت في أيدي الأعداء، وأيضاً فقد احتاجوا إلى الإنفاق الكثير بسبب تلك العزيمة، وأيضاً كانوا ينفقون أموالهم على تلك الغزوات، وأما المجاهدة بالنفس فلأنهم كانوا أقدموا على محاربة بدر من غير آلة ولا أهبة ولا عدة مع الأعداء الموصوفين بالكثرة والشدة، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أنفسهم في سبيل الله.

وأما الصفة الرابعة: فهي أنهم كانوا أول الناس إقداماً على هذه الأفعال والتزاماً لهذه الأحوال، ولهذه السابقة أثر عظيم في تقوية الدين.

قال تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى  ﴾ وقال: ﴿ والسابقون الاولون مِنَ المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ  ﴾ وإنما كان السبق موجباً للفضيلة، لأن إقدامهم على هذه الأفعال يوجب اقتداء غيرهم بهم، فيصير ذلك سبباً للقوة أو الكمال، ولهذا المعنى قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أحياها فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً  ﴾ وقال عليه السلام: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».

ومن عادة الناس أن دواعيهم تقوى بما يرون من أمثالهم في أحوال الدين والدنيا، كما أن المحن تخف على قلوبهم بالمشاركة فيها، فثبت أن حصول هذه الصفات الأربعة للمهاجرين الأولين يدل على غاية الفضيلة ونهاية المنقبة، وأن ذلك يوجب الاعتراف بكونهم رؤساء المسلمين وسادة لهم.

وأما القسم الثاني: من المؤمنين الموجودين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم فهم الأنصار، وذلك لأنه عليه السلام لما هاجر إليهم مع طائفة من أصحابه، فلولا أنهم آووا ونصروا وبذلوا النفس والمال في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإصلاح مهمات أصحابه لما تم المقصود البتة، ويجب أن يكون حال المهاجرين أعلى في الفضيلة من حال الأنصار لوجوه: أولها: أنهم هم السابقون في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل وعنوان المناقب:.

وثانيها: أنهم تحملوا العناء والمشقة دهراً دهيراً، وزماناً مديداً من كفار قريش وصبروا عليه، وهذه الحال ما حصلت للأنصار.

وثالثها: أنهم تحملوا المضار الناشئة من مفارقة الأوطان والأهل والجيران، ولم يحصل ذلك للأنصار.

ورابعها: أن فتح الباب في قبول الدين والشريعة من الرسول عليه السلام إنما حصل من المهاجرين، والأنصار اقتدوا بهم وتشبهوا بهم، وقد ذكرنا أنه عليه السلام قال: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» فوجب أن يكون المقتدى أقل مرتبة من المقتدى به، فجملة هذه الأحوال توجب تقديم المهاجرين الأولين على الأنصار في الفضل والدرجة والمنقبة، فلهذا السبب أينما ذكر الله هذين الفريقين قدم المهاجرين على الأنصار وعلى هذا الترتيب ورد ذكرهما في هذه الآية.

واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذين القسمين في هذه الآية قال: ﴿ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ واختلفوا في المراد بهذه الولاية، فنقل الواحدي عن ابن عباس والمفسرين كلهم، أن المراد هو الولاية في الميراث.

وقالوا جعل الله تعالى سبب الإرث الهجرة والنصرة دون القرابة.

وكان القريب الذي آمن ولم يهاجر لم يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر، واعلم أن لفظ الولاية غير مشعر بهذا المعنى، لأن هذا اللفظ مشع بالقرب على ما قررناه في مواضع من هذا الكتاب.

ويقال: السلطان ولي من لا ولي له ولا يفيد الإرث وقال تعالى: ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ ولا يفيد الإرث بل الولاية تفيد القرب فيمكن حمله على غير الإرث، وهو كون بعضهم معظماً للبعض مهتماً بشأنه مخصوصاً بمعاونته ومناصرته، والمقصود أن يكونوا يداً واحدة على الأعداء، وأن يكون حب كل واحد لغيره جارياً مجرى حبسه لنفسه، وإذا كان اللفظ محتملاً لهذا المعنى كان حمله على الإرث بعيداً عن دلالة اللفظ، لا سيما وهم يقولون إن ذلك الحكم صار منسوخاً بقوله تعالى في آخر الآية: ﴿ وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ وأي حاجة تحملنا على حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به، ثم الحكم بأنه صار منسوخاً بآية أخرى مذكورة معه، هذا في غاية البعد، اللهم إلا إذا حصل إجماع المفسرين على أن المراد ذلك، فحينئذ يجب المصير إليه إلا أن دعوى الإجماع بعيد.

القسم الثالث: من أقسام مؤمني زمان الرسول عليه السلام وهم المؤمنون الذين ما وافقوا الرسول في الهجرة وبقوا في مكة وهم المعنيون بقول: ﴿ والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ ﴾ فبين تعالى حكمهم من وجهين: الأول: قوله: ﴿ مَالَكُمْ مّن ولايتهم مّن شَيء حتى يُهَاجِرُواْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الولاية المنفية في هذه الصورة، هي الولاية المثبتة في القسم الذي تقدم، فمن حمل تلك الولاية على الإرث، زعم أن الولاية المنفية هاهنا هي الإرث، ومن حمل تلك الولاية على سائر الاعتبارات المذكورة، فكذا هاهنا.

واحتج الذاهبون، إلى أن المراد من هذه الولاية الإرث، بأن قالوا: لا يجوز أن يكون المراد منها الولاية بمعنى النصرة والدليل عليه أنه تعالى عطف عليه قوله: ﴿ وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر ﴾ ولا شك أن ذلك عبارة عن الموالاة في الدين والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمراً مغايراً لمعنى النصرة وهذا الاستدلال ضعيف، لأنا حملنا تلك الولاية على التعظيم والإكرام وهو أمر مغاير للنصرة، ألا ترى أن الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض المهمات وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم والإجلال فسقط هذا الدليل.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ حتى يُهَاجِرُواْ ﴾ .

واعلم أن قوله تعالى: ﴿ مَالَكُمْ مّن ولايتهم مّن شَيء ﴾ يوهم أنهم لما لم يهاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطت ولايتهم مطلقاً، فأزال الله تعالى هذا الوهم بقوله: ﴿ مَالَكُم مّن ولايتهم مّن شَيء حتى يُهَاجِرُواْ ﴾ يعني أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية وحصلت، والمقصود منه الحمل على المهاجرة والترغيب فيها، لأن المسلم متى سمع أن الله تعالى يقول: إن قطع المهاجرة انقطعت الولاية بينه وبين المسلمين ولو هاجر حصلت تلك الولاية وعادت على أكمل الوجوه، فلا شك أن هذا يصير مرغباً له في الهجرة، والمقصود من المهاجرة كثرة المسلمين واجتماعهم وإعانة بعضهم لبعض، وحصول الألفة الشوكة وعدم التفرقة.

المسألة الثالثة: قرأ حمزة ﴿ مّن ولايتهم ﴾ بكسر الواو، والباقون بالفتح.

قال الزجاج: من فتح جعلها من النصرة والنسب.

وقال: والولاية التي بمنزلة الإمارة مكسورة للفصل بين المعنيين وقد يجوز كسر الولاية لأن في تولي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة كالقصارة والخياطة فهي مكسورة.

وقال أبو علي الفارسي: الفتح أجود، لأن الولاية هاهنا من الدين والكسر في السلطان.

والحكم الثاني: من أحكام هذا القسم الثالث، قوله تعالى: ﴿ وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما بين الحكم في قطع الولاية بين تلك الطائفة من المؤمنين، بين أنه ليس المراد منه المقاطعة التامة كما في حق الكفار بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا لم استنصروكم فانصروهم ولا تخذلوهم.

روي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ مَالَكُمْ مّن ولايتهم مّن شَيء حتى يُهَاجِرُواْ ﴾ قام الزبير وقال: فهل نعينهم على أمر إن استعانوا بنا؟

فنزل ﴿ وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ ﴾ والمعنى أنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك.

ثم قال تعالى: ﴿ والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا الترتيب الذي اعتبره الله في هذه الآية في غاية الحسن لأنه ذكر هاهنا أقساماً ثلاثة: فالأول: المؤمنون من المهاجرين والأنصار وهم أفضل الناس وبين أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضاً.

والقسم الثاني: المؤمنون الذين لم يهاجروا فهؤلاء بسبب إيمانهم لهم فضل وكرامة وبسبب ترك الهجرة لهم حالة نازلة فوجب أن يكون حكمهم حكماً متوسطاً بين الإجلال والإذلال وذلك هو أن الولاية المثبتة للقسم الأول، تكون منفية عن هذا القسم، إلا أنهم يكونون بحيث لو استنصروا المؤمنين واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم.

فهذا الحكم متوسط بين الإجلال والإذلال.

وأما الكفار فليس لهم البتة ما يوجب شيئاً من أسباب الفضيلة.

فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من كل الوجوه فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصلة بوجه من الوجوه، فظهر أن هذا التريب في غاية الحسن.

المسألة الثانية: قال بعض العلماء: قوله: ﴿ والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ يدل على أن الكفار في الموارثة مع اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة، فالمجوسي يرث الوثني، والنصراني يرث المجوسي، لأن الله تعالى قال: ﴿ والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ .

واعلم أن هذا الكلام إنما يستقيم إذا حملنا الولاية على الإرث وقد سبق القول فيه، بل الحق أن يقال: إن كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود فلما ظهرت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تناصروا وتعاونوا على إيذائه ومحاربته، فكان المراد من الآية ذلك.

وتمام التحقيق فيه أن الجنسية علة الضم وشبيه الشيء منجذب إليه، والمشركون واليهود والنصارى لما اشتركوا في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض وذلك يدل على أنهم ما أقدموا على تلك العداوة لأجل الدين، لأن كل واحد منهم كان في نهاية الإنكار لدين صاحبه، بل كان ذلك من أدل الدلائل على أن تلك العداوة لمحض الحسد والبغي والعناد.

ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحكام قال: ﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الارض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ والمعنى: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التفاصيل المذكورة المتقدمة تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة، وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه: الأول: أن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم، فربما صارت تلك المخالطة سبباً لالتحاق المسلم بالكفار.

الثاني: أن المسلمين لو كانوا متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم، فيصير ذلك سبباً لجراءة الكفار عليهم.

الثالث: أنه إذا كان جمع المسلمين كل يوم في الزيادة في العدة والعدة، صار ذلك سبباً لمزيد رغبتهم فيما هم فيه ورغبة المخالف في الالتحاق بهم.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا القسم الثالث، عاد إلى ذكر القسم الأول والثاني مرة أخرى فقال: ﴿ والذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً لَهمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ .

واعلم أن هذا ليس بتكرار وذلك لأنه تعالى ذكرهم أولاً ليبين حكمهم وهو ولاية بعضهم بعضاً، ثم إنه تعالى ذكرهم هاهنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم، وبيانه من وجهين: الأول: أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم وذلك يدل على الشرف التعظيم.

والثاني: وهو أنه تعالى أثنى عليهم هاهنا من ثلاثة أوجه: أولها: قوله: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً ﴾ فقوله: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون ﴾ يفيد الحصر وقوله: ﴿ حَقّاً ﴾ يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق الدين، والأمر في الحقيقة كذلك، لأن من لم يكن محقاً في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن ولم يبذل النفس والمال ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين المتسابقين.

وثانيها: قوله: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ ﴾ وتنكير لفظ المغفرة يدل على الكمال كما أن التنكير في قوله: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة  ﴾ يدل على كمال تلك الحياة، والمعنى: لهم مغفرة تامة كاملة عن جميع الذنوب والتبعات.

وثالثها: قوله: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ والمراد منه الثواب الرفيع الشريف.

والحاصل: أنه تعالى شرح حالهم في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فقد وصفهم بقوله: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً ﴾ وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب، وإما جلب الثواب، أما دفع العقاب فهو المراد بقوله: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ ﴾ وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ وهذه السعادات العالية إنما حصلت لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية، فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال، وذلك تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا بالإعراض عن هذه الجسمانيات.

القسم الرابع: من مؤمني زمان محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة إلا أنهم بعد ذلك هاجروا إليه، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المراد من قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ﴾ نقل الواحدي عن ابن عباس: بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية، وقيل بعد نزول هذه الآية، وقيل: بعد يوم بدر، والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى، وهؤلاء هم التابعون بإحسان كما قال: ﴿ والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ  ﴾ .

المسألة الثانية: الأصح أن الهجرة انقطعت بفتح مكة لأن عنده صارت مكة بلد الإسلام وقال الحسن: الهجرة غير منقطعة أبداً، وأما قوله عليه السلام: «لا هجرة بعد الفتح» فالمراد الهجرة المخصوصة، فإنها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام.

أما لو اتفق في بعض الأزمان كون المؤمنين في بلد وفى عددهم قلة، ويحصل للكفار بسبب كونهم معهم شوكة وإن هاجر المسلمون من تلك البلدة وانتقلوا إلى بلدة أخرى ضعفت شوكة الكفار، فهاهنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن، لأنه قد حصل فيهم مثل العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ ﴾ يدل على أن مرتبة هؤلاء دون مرتبة المهاجرين السابقين لأنه ألحق هؤلاء بهم وجعلهم منهم في معرض التشريف، ولولا كون القسم الأول أشرف وإلا لما صح هذا المعنى.

فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الذين قالوا المراد من قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ ولاية الميراث قالوا هذه الآية ناسخة له، فإنه تعالى بين أن الإرث كان بسبب النصرة والهجرة، والآن قد صار ذلك منسوخاً فلا يحصل الإرث إلا بسبب القرابة وقوله: ﴿ فِى كتاب الله ﴾ المراد منه السهام المذكورة في سورة النساء، وأما الذين فسروا تلك الآية بالنصرة والمحبة والتعظيم قالوا: إن تلك الولاية لما كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة، إلا ما خصه الدليل، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة هذا الوهم، وهذا أولى، لأن تكثير النسخ من غير ضرورة ولا حاجة لا يجوز.

المسألة الثانية: تمسك محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم في كتابه إلى أبي جعفر المنصور بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب فقال: قوله تعالى: ﴿ وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ يدل على ثبوت الولاية وليس في الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية، فوجب حمله على الكل إلا ما خصه الدليل، وحينئذ يندرج فيه الإمامة، ولا يجوز أن يقال: إن أبا بكر كان من أولي الأرحام لما نقل أنه عليه السلام أعطاه سورة براءة ليبلغها إلى القوم، ثم بعث علياً خلفه وأمر بأن يكون المبلغ هو علي، وقال: «لا يؤديها إلا رجل مني».

وذلك يدل على أن أبا بكر ما كان منه، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية.

والجواب: إن صحت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامة، لأنه كان أقرب إلى رسول الله من علي.

وبهذا الوجه أجاب أبو جعفر المنصور عنه.

المسألة الثالثة: تمسك أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية، في توريث ذوي الأرحام، وأجاب أصحابنا عنه بأن قوله: ﴿ وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ مجمل في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية، فلما قال: ﴿ فِى كتاب الله ﴾ كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه، فصارت هذه الأولوية مقيدة بالأحكام التي بينها الله في كتابه، وتلك الأحكام ليست إلا ميراث العصبات.

فوجب أن يكون المراد من هذا المجمل هو ذلك فقط فلا يتعدى إلى توريث ذوي الأرحام.

ثم قال في ختم السورة: ﴿ أَنَّ الله بِكُلّ شَيء عَلِيمٌ ﴾ والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب وصلاح، وليس فيها شيء من العبث والباطل، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب.

ونظيره أن الملائكة لما قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ وَيَسْفِكُ الدماء ﴾ قال مجيباً لهم: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ يعني لما علمتم كوني عالماً بكل المعلومات، فاعلموا أن حكمي يكون منزهاً عن الغلط كذا هاهنا.

والله أعلم.

تم تفسير هذه السورة ولله الحمد والشكر، كما هو أهله ومستحقه.

يوم الأحد في رمضان سنة إحدى وستمائة في قرية يقال لها بغدان.

ونسأل الله الخلاص من الأهوال وشدة الزمان، وكيد أهل البغي والخذلان، إنه الملك الديان.

وصلاته وسلامه على حبيب الرحمن، محمد المصطفى صاحب المعجزات والبرهان.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً ﴾ لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه، بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والانسلاخ من المال لأجل الدين، وليس بتكرار لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم والشهادة لهم مع الموعد الكريم، والأولى للأمر بالتواصل ﴿ والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ ﴾ يريد اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة، كقوله: ﴿ والذين جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا الذين سَبَقُونَا بالإيمان ﴾ [الحشر: 10] ألحقهم بهم وجعلهم منهم تفضلاً منه وترغيباً ﴿ وَأُوْلُو الارحام ﴾ أولو القرابات أولى بالتوارث، وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة ﴿ فِى كتاب الله ﴾ تعالى في حكمه وقسمته.

وقيل في اللوح.

وقيل في القرآن، وهو آية المواريث وقد استدل به أصحاب أبي حنيفة رحمه الله على توريث ذوي الأرحام.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة، وشاهد أنه بريء من النفاق وأعطى عشر حسنات بعد كل منافق ومنافقة، وكان العرش وحملته يستغفرون له أيام حياته في الدنيا» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ لَمّا قَسَّمَ المُؤْمِنِينَ ثَلاثَةَ أقْسامٍ بَيَّنَ أنَّ الكامِلِينَ في الإيمانِ مِنهم هُمُ الَّذِينَ حَقَّقُوا إيمانَهم بِتَحْصِيلِ مُقْتَضاهُ مِنَ الهِجْرَةِ والجِهادِ وَبَذْلِ المالِ ونُصْرَةِ الحَقِّ، ووَعَدَ لَهُمُ المَوْعِدَ الكَرِيمَ فَقالَ: ﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ لا تَبِعَةَ لَهُ ولا مِنَّةَ فِيهِ، ثُمَّ ألْحَقَ بِهِمْ في الأمْرَيْنِ مَن سَيَلْحَقُ بِهِمْ ويَتَّسِمُ بِسِمَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم أيُّها المُهاجِرُونَ والأنْصارُ.

﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ ﴾ في التَّوارُثِ مِنَ الأجانِبِ.

﴿ فِي كِتابِ اللَّهِ ﴾ في حُكْمِهِ، أوْ في اللَّوْحِ أوْ في القُرْآنِ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ مِنَ المَوارِيثِ والحِكْمَةِ في إناطَتِها بِنِسْبَةِ الإسْلامِ والمُظاهَرَةِ، أوَّلًا واعْتِبارِ القَرابَةِ ثانِيًا.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ الأنْفالِ وبَراءَةَ فَأنا شَفِيعٌ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وشاهِدٌ أنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ النِّفاقِ، وأُعْطِيَ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مُنافِقٍ ومُنافِقَةٍ، وكانَ العَرْشُ وحَمَلَتُهُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ أيّامَ حَياتِهِ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا وَّنَصَرُواْ أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً} لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} لامنة فيه ولا تنغيص ولا تكرار لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم مع الوعد الكريم والأولى للأمر بالتواصل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلثَّناءِ عَلى القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ مِنَ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ بِأنَّهُمُ الفائِزُونَ بِالقَدْحِ المُعَلّى مِنَ الإيمانِ مَعَ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ ) لا يُقادَرُ قَدْرُها ( ﴿ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ) أيْ لا تَبِعَةَ لَهُ ولا مِنَّةَ فِيهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا يَسْتَحِيلُ نَجْوًا في الأجْوافِ وهو رِزْقُ الجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، يعني: في الميراث، يرث بعضهم من بعض.

إِلَّا تَفْعَلُوهُ، يعني: إن لم تفعلوا، يعني: ولاية المؤمن للمؤمن، والكافر للكافر، تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ يعني: بلية وَفَسادٌ كَبِيرٌ، يعني: سفك الدماء، فافعلوا ما أمرتم واعرفوا أن الولاية في الدين.

وقال الضحاك: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: كفار مكة وكفار ثقيف بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ، يعني: إن لم تطيعوا الله في قتل الفريقين، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.

وقال مقاتل: وفي الآية تقديم ومعناه: وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر، إِلَّا تَفْعَلُوهُ يعني: إن لم تنصروهم على غير أهل عهدكم من المشركين، تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ يعني: كفر وفساد كبير في الأرض.

ثم قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا، يعني: أنزلوا وأوطنوا ديارهم المهاجرين، وَنَصَرُوا النبيّ  .

وإنما سُمِّي المهاجرون مهاجرين، لأنهم هجروا قومهم وديارهم.

أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، يعني: صدقاً.

لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، يعني: ثواب حسن في الجنة.

ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا، يعني: من بعد المهاجرين وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ يعني: على دينكم.

وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ، يعني: في الميراث من المهاجرين والأنصار.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة وبالمؤاخاة التي آخى بينهم النبيّ  ، وكانوا يتوارثون بالإسلام وبالهجرة وكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرثه أخاه، فنسخ ذلك قوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وروى محمد بن سالم عن الشعبي قال: كان عبد الله بن مسعود لا يعطي مولى نعمة مع ذي رحم شيئا، ويتأوّل هذه الآية وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وروى الحسن بن صالح، عن ابن عباس أنه قال: «هيهات هيهات، أين ذهب عبد الله بن مسعود؟

إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الأعراب فنزل أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ثم قال: فِي كِتابِ اللَّهِ، يعني: في حكم الله، كقوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ [المجادلة: 21] يعني: حكم الله تعالى.

ويقال: فِي كِتابِ اللَّهِ مبين في القرآن، ويقال: فِي كِتابِ اللَّهِ يعني: في اللوح المحفوظ.

إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من قسمة المواريث، عَلِيمٌ بما فرض الله من المواريث والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، مَقْصِدُ هذه الآية وما بعدها: تبيينُ منازل المهاجرين والأنصار، والمؤمنين الذين لم يُهَاجِرُوا، وذكر المهاجرين بَعْد الحديبية، فقدَّم أوَّلاً ذِكْرَ المهاجرين، وهُمْ أصل الإِسلام، وتأمَّل تقديمَ عُمَرَ لهم في الاستشارةِ، وَهَاجَرَ:

معناه/: هَجَرَ أهله وقرابته، وهَجَرُوهُ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا: هم الأنصارُ، فحكَمَ سبحانه على هاتَيْنِ الطائفتين بأن بَعْضَهُم أولياءُ بَعْضٍ، فقال كثيرٌ من المفسِّرين: هذه الموالاةُ: هي المؤازرة، والمعاونة، واتصال الأيدي، وعليه فَسَّر الطبريُّ الآية، وهذا الذي قالوه لازم من دلالة لفظ الآية، وقال ابن عبَّاسٍ وغيره: هذه الموالاةُ هي في المواريث «١» وذلك أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم آخَى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجريُّ إذا ماتَ، ولم يكُنْ له بالمدينةِ وليٌّ مهاجريٌّ، ورثه أخوه الأنْصَارِيُّ، وكان المسلم الذي لم يُهَاجِرْ لا ولايَةَ بينه، وبَيْنَ قريبه المهاجريِّ، ولا يرثه، ثم نُسِخَ ذلك بقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ ...

الآية [الأنفال: ٧٥] وعلى التأويلين، ففي الآية حضٌّ على الهجرة، قال أبو عُبَيْدَة: الوِلاَيَةُ- بالكسر- من وَليتُ الأَمْرَ إِليه، فهي في السلطان، وبالفَتْحِ هي من المَوْلَى يقال: مَوْلَى بَيِّنَ الوَلاَيَةِ- بفتح الواو-.

وقوله سبحانه: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ، يعني: إِن استدعى هؤلاء- المؤمنون الذين لم يُهَاجِروا نَصْرَكُمْ- فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فلا تنصروهم عليهم لأنّ ذلك غدر ونقض للميثاق.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وذلك يجمع الموارثَةَ والمعاوَنَةَ والنُّصْرة، وهذه العبارةُ تحريضٌ وإِقامةٌ لنفوس المؤمنين كما تقولُ لمن تريدُ تحريضَهُ: عَدُوُّكَ مُجْتَهِدٌ أي: فاجتهد أَنْتَ، وحكى الطبريُّ في تفسير هذه الآية «٢» ، عن

قتادة أنه قال: أبَى اللَّهُ أَن يقبل إِيمانَ مَنْ آمن ولم يُهَاجرْ، وذلك في صدر الإسلام، وفيهم قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَقَامَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ لاَ تَتَرَاءَى نَارُهُمَا» »

الحديثَ على اختلاف ألفاظه، وقول قتادة، إِنما هو فيمن كان يُقيمُ متربِّصاً يقول: مَنْ غَلَبَ، كُنْتُ معه وكذلِكَ ذُكِرَ في كتاب «٢» «الطَّبريِّ» ، وغيره، والضميرُ في قوله: إِلَّا تَفْعَلُوهُ، قيل:

هو عائدٌ على المُؤازرة والمعاونة، ويحتملُ على الميثاق المذكور، ويحتملُ على النَّصْر للمسلمين المستَنْصِرِينَ، ويحتمل على الموارثَة والتزامها، ويجوز أَن يعود مجملاً على جميعِ ما ذُكِرَ، والفتْنَةُ: المِحْنَة بالحَرْب وما انجر معها من الغارَاتِ، والجلاءِ، والأسر، والفسادُ الكَبيرُ: ظُهُورُ الشِّرْك.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، تضمَّنت الآيةُ تخصيصَ المهاجرين والأنصار، وتشريفَهم بهذا الوَصْف العظيمِ.

ت: وهي مع ذلك عند التأمُّل يلوح منها تأويل قتادَةَ المتقدِّم، فتأمَّله، والرزْقُ الكريمُ: هو طعام الجنَّة كذا ذكر الطبريُّ وغيره «٣» .

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٤» : وإِذا كان الإِيمان في القَلْب حقًّا، ظهر ذلك في

استقامة الأعمال بامتثال الأمر واجتناب المَنْهِيِّ عنه، وإِذا كان مجازاً، قَصَّرت الجوارحُ في الأعمال إذ لم تبلغ قوَّتُهُ إليها.

انتهى.

وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ: قوله: «من بعد» ، يريدُ به مِنْ بَعْدِ الحُدَيْبِيَةِ وذلك أن الهجرة مِنْ بعدِ ذلك كانَتْ أقلَّ رتبةً من الهجرة قبل ذلك، وكان يقال لها الهِجْرَةُ الثانية، وَجاهَدُوا مَعَكُمْ: لفظٌ يقتضي/ أنهم تَبَعٌ لا صَدْرٌ.

وقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ، قالَ مَنْ تقدَّم ذكره: هذه في المواريثِ، وهي ناسخةٌ للحُكْم المتقدِّم ذكْرُهُ.

وقالتْ فرقة، منها مالك: إن الآية لَيْسَتْ في المواريث، وهذا فَرارٌ من توريثِ الخَالِ والعَمَّة ونحو ذلك.

وقالَتْ فرقة: هي في المواريث، إِلا أنها نُسِخَتْ بآية المواريث المبيّنة، وقوله: فِي كِتابِ اللَّهِ: معناه: القرآن، أي: ذلك مُثْبَتٌ في كتاب اللَّه.

وقيل: في اللَّوْحِ المحفوظِ.

كَمَلَ تفسيرُ السُّورة، والحَمْدُ للَّهِ، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في المِيراثِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي في النُّصْرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إلا تَفْعَلُوهُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى المِيراثِ، فالمَعْنى: إلّا تَأْخُذُوا في المِيراثِ بِما أمَرْتُكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى التَّناصُرِ.

فالمَعْنى: إلّا تَتَعاوَنُوا وتَتَناصَرُوا في الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وبَيانُهُ: أنَّهُ إذا لَمْ يَتَوَلَّ المُؤْمِنَ تُوَلِّيًا حَقًّا، ويَتَبَرَّأ مِنَ الكافِرِ جِدًّا، أدّى ذَلِكَ إلى الضَّلالِ والفَسادِ في الدِّينِ.

فَإذا هَجَرَ المُسْلِمُ أقارِبَهُ الكُفّارَ، ونَصَرَ المُسْلِمِينَ، كانَ ذَلِكَ أدْعى لِأقارِبِهِ الكُفّارِ إلى الإسْلامِ وتَرَكَ الشِّرْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ﴾ قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "كَثِيرٍ" بِالثّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ حَقَّقُوا إيمانَهم بِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، بِخِلافِ مَن أقامَ بِدارِ الشِّرْكِ.

والرِّزْقُ الكَرِيمُ: هو الحَسَنُ، وذَلِكَ في الجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ إنَّ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ هَذا حُكْمٌ بِأنَّ الكُفّارَ وِلايَتُهم واحِدَةٌ، وذَلِكَ بِجَمْعِ المُوارَثَةِ والمُعاوَنَةِ والنُصْرَةِ، وهَذِهِ العِبارَةُ تَرْغِيبٌ وإقامَةٌ لِلنُّفُوسِ، كَما تَقُولُ لِمَن تُرِيدُ أنْ يَسْتَضْلِعَ: "عَدُوُّكَ مُجْتَهِدٌ"، أيْ: فاجْتَهِدْ أنْتَ.

وحَكى الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: أبى اللهُ أنْ يَقْبَلَ إيمانَ مَن آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ، وذَلِكَ في صَدْرِ الإسْلامِ، وذَلِكَ أيْضًا مَذْكُورٌ مُسْتَوْعَبٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا  ﴾ .

والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الشَرْعِ أنَّ حُكْمَ المُؤْمِنِ التارِكِ لِلْهِجْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُوبِها، حُكْمُ العاصِي لا حُكْمُ الكافِرِ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ  ﴾ إنَّما هي فِيمَن قُتِلَ مَعَ الكُفّارِ، وفِيهِمْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : "أنا بَرِيءٌ مِن مُسْلِمٍ أقامَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ لا تَراءى نارُهُما" الحَدِيثُ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِهِ، وقَوْلُ قَتادَةَ إنَّما هو فِيمَن كانَ يَقُومُ مُتَرَبِّصًا يَقُولُ: مَن غَلَبَ كُنْتُ مَعَهُ، وكَذَلِكَ ذُكِرَ في كِتابِ الطَبَرِيِّ والكُشِّيِّ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا تَفْعَلُوهُ ﴾ قِيلَ: هو عائِدٌ عَلى المُوارَثَةِ والتِزامِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا تَقَعُ الفِتْنَةُ عنهُ إلّا عن بُعْدٍ وبِوَساطَةٍ كَثِيرَةٍ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى المُؤازَرَةِ والمُعاوَنَةِ واتِّصالِ الأيْدِي، وهَذا تَقَعُ الفِتْنَةُ عنهُ عن قُرْبٍ فَهو آكَدُ مِنَ الأوَّلِ، ويَظْهَرُ أيْضًا عَوْدُهُ عَلى حِفْظِ العَهْدِ والمِيثاقِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ  ﴾ ، وهَذا إنْ لَمْ يُفْعَلْ فَهي الفِتْنَةُ نَفْسُها، ويَظْهَرْ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى النَصْرِ لِلْمُسْلِمِينَ المُسْتَنْصِرِينَ في الدِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ مُجْمَلًا عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ.

والفِتْنَةُ: المِحْنَةُ بِالحَرْبِ وما أُنْجِزَ مَعَها مِنَ الغاراتِ والجَلاءِ والأسْرِ.

والفَسادُ الكَبِيرُ: ظُهُورُ الشِرْكِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَبِيرٌ" بِالباءِ المَنقُوطَةِ بِواحِدَةٍ، وقَرَأ أبُو مُوسى الحِجازِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ بِالثاءِ مَنقُوطَةً مُثَلَّثَةً، ورَوى أبُو حاتِمٍ المَدَنِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قَرَأ: "وَفَسادٌ عَرِيضٌ"»، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا ﴾ الآيَةُ، آيَةٌ تَضَمَّنَتْ تَخْصِيصَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وتَشْرِيفَهم بِهَذا الوَصْفِ العَظِيمِ.

و"حَقًّا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِما قَبْلَهُ، ووَصْفُ الرِزْقِ بِالكَرِيمِ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَسْتَحِيلُ نَجْوًا، والمُرادُ بِهِ طَعامُ الجَنَّةِ، كَذا ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، ولازِمُ اللَفْظِ نَفْيُ المَذَمّاتِ عنهُ، وما ذَكَرُوهُ فَهو في ضِمْنِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدُ ﴾ يُرِيدُ بِهِ: مِن بَعْدِ الحُدَيْبِيَةِ وبَيْعَةِ الرِضْوانِ، وذَلِكَ أنَّ الهِجْرَةَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ كانَتْ أقَلَّ رُتْبَةً مِنَ الهِجْرَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وكانَ يُقالُ لَها: الهِجْرَةُ الثانِيَةُ، لِأنَّ الحَرْبَ وضَعَتْ أوزارَها نَحْوَ عامَيْنِ، ثُمَّ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ، وبِهِ قالَ  : « "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ"،» وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: مِن بَعْدِ ما بَيَّنْتُ لَكم حُكْمَ الوِلايَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكانَ الحاجِزُ بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ نُزُولَ الآيَةِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهم مِنَ الأوَّلِينَ في المُؤازَرَةِ وسائِرِ أحْكامِ الإسْلامِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاهَدُوا مَعَكُمْ ﴾ لَفْظٌ يَقْتَضِي أنَّهم تَبَعٌ لا صَدْرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ ﴾ كَذَلِكَ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "مَوْلى القَوْمِ مِنهُمْ"، "وابْنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُولُو الأرْحامِ ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، قالَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: هي في المَوارِيثِ، وهي ناسِخَةٌ لِلْحُكْمِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ مِن أنْ يَرِثَ المُهاجِرِيًّ الأنْصارِيَّ، ووَجَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ أنْ يَرِثَ الرَجُلُ قَرِيبَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُهاجِرًا مَعَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ في المَوارِيثِ، وهَذا فِرارٌ عن تَوْرِيثِ الخالِ والعَمَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المَوارِيثِ إلّا أنَّها نُسِخَتْ بِآيَةِ المَوارِيثِ المُبَيِّنَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كِتابِ اللهِ ﴾ ، مَعْناهُ: القُرْآنُ، أيْ ذَلِكَ مُثْبَتٌ في كِتابِ اللهِ، وقِيلَ: المَعْنى: في كِتابِ اللهِ السابِقِ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، و ﴿ عَلِيمٌ ﴾ صِفَةٌ مُناسِبَةٌ لِنُفُوذِ هَذِهِ الأحْكامِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأنْفالِ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أنّ هذه جملة معترضة بين جملة ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ﴾ [الأنفال: 73]، وجملة ﴿ والذين آمنوا من بعد وهاجروا ﴾ [الأنفال: 75] الآية، والواو اعتراضية للتنويه بالمهاجرين والأنصار، وبيان جزائهم وثوابهم، بعد بيان أحكام ولاية بعضهم لبعض بقوله: ﴿ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك بعضهم أولياء بعض ﴾ [الأنفال: 72] فليست هذه تكريراً للأولى، وإن تشابهت ألفاظها: فالأولى لبيان ولاية بعضهم لبعض، وهذه واردة للثناء عليهم والشهادة لهم بصدق الإيمان مع وعدهم بالجزاء.

وجيء باسم الإشارة في قوله: ﴿ أولئك هم المؤمنون ﴾ لمثل الغرض الذي جيء به لأجله في قوله: ﴿ أولئك بعضهم أولياء بعض ﴾ [الأنفال: 72] كما تقدّم.

وهذه الصيغة صيغة قصر، أي قصر الإيمان عليهم دون غيرهم ممّن لم يهاجروا، والقصر هنا مقيّد بالحال في قوله: ﴿ حَقّاً ﴾ .

فقوله: ﴿ حقّا ﴾ حال من ﴿ المؤمنون ﴾ وهو مصدر جعل من صفتهم، فالمعنى: أنّهم حاقّون، أي محقّقون لإيمانهم بأن عضّدوه بالهجرة من دار الكفر، وليس الحقّ هنا بمعنى المقابل للباطل، حتّى يكون إيمان غيرهم ممّن لم يهاجروا باطلاً، لأنّ قرينة قوله: ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ﴾ [الأنفال: 72] مانعة من ذلك، إذ قد أثبت لهم الإيمان، ونفى عنهم استحقاق ولاية المؤمنين.

والرزق الكريم هو الذي لا يخالط النفع به ضرّ ولا نكد، فهو نفع محض لا كدر فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق أبي مالك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل من المسلمين لنورثن ذوي القربى منا من المشركين، فنزلت ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ﴾ قال: نزلت في مواريث مشركي أهل العرب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ﴾ يعني في المواريث ﴿ إلا تفعلوه ﴾ يقول: أن لا تأخذوا في المواريث بما أمرتكم به.

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المهاجرون بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً، ثم قرأ ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون أمانته وخلقه فانكحوه كائناً ما كان، فإن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلى قوله: ﴿ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ ، قال المفسرون: أولئك الذين [حققوا إيمانهم بما يقتضيه من الهجرة والنصرة، خلاف من أقام بدار الشرك (١) وقال أهل المعاني: أولئك الذين] (٢) ﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [ولم يكن لمن لم يهاجر، ولم ينصر مثل هذا (٣) ومعنى قوله: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ] (٤) (٥) قال أهل المعاني: الرزق الكريم: طعام الجنة لا يستحيل في أجوافهم نجوًا، ولكن يصير كالمسك رشحًا (٦) (١) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 74 ب، والبغوي 3/ 380، و"زاد المسير" 3/ 387، و"الكشاف" 2/ 170.

(٢) ما بين المعقوفين ساق من (م).

(٣) لم أقف على مصدره.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(٥) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" 186 بنحوه.

(٦) "البرهان" للحوفي 11/ 124 أ، وذكر نحوه ابن جرير في "تفسيره" 10/ 57، وقد ثبت هذا المعنى بقول الرسول  : "إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون" قالوا: فما بال الطعام؟

قال: "جشاء ورشح كرشح المسك" رواه مسلم (2835)، كتاب الجنة، باب: في صفات الجنة وأهلها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ ﴾ الآية تهديد لهم ﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ ﴾ إلى آخر السورة مقصدها: بيان منازل المهاجرين والأنصار والذين آمنوا ولم يهاجروا بعد الحديبية، فبدأ أولاً بالمهاجرين، ثم ذكر الأنصار وهم الذين آووا ونصروا، وأثبت الولاية بينهم، وهي ولاية التعاون ثم نسخت بقوله: ﴿ وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ ﴿ وَإِنِ استنصروكم ﴾ لما نفى الولاية بين المؤمنين والتناصر، وقيل: هي ولاية الميراث الذين هاجروا وبين المؤمنين الذين لم يهاجروا: أمر بنصرهم إن استنصروا بالمؤمنين: إلا إذا استنتصروا على قوم بيهم وبين المؤمنين عهد فلا ينصرونهم عليهم، ﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض ﴾ إلا هنا مركبة من إن الشرطية ولا النافية، والضمير في تفعلوه لولاية المؤمنين ومعاونتهم أو لحفظ الميثاق الذي في قوله: إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو النصر الذي في قوله: فعليكم النصر، والمعنى إن لم تفعلوا ذلك تكن فتنة ﴿ والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ ﴾ الآية: ثناء على المهاجرين والأنصار، ووعد لهم، والرزق الكريم في الجنة ﴿ والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ ﴾ يعني الذين هاجروا بعد الحديبية وبيعة الرضوان ﴿ وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ قيل: هي ناسخة للتوارث بين المهاجرين والأنصار، قال مالك: ليست في الميراث، وقال أبو حنيفة: هي في الميراث، وأوجب بها ميراث الخال والعمة وغيرهما من ذوي الأرحام ﴿ فِي كتاب الله ﴾ أي القرآن وقيل اللوح المحفوظ.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن تكون ﴾ بالتاء الفوقانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد ﴿ أسارى ﴾ يزيد والمفضل.

الآخرون ﴿ أسرى ﴾ من الأسارى.

يزيد أبو عمرو والمفضل.

الباقون من الأسرى.

﴿ من ولايتهم ﴾ بكسر الواو حمزة.

والباقون: بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الأرض ﴾ ط لتقدير الاستفهام أي أتريدون ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ حتى يهاجروا ﴾ ج ﴿ ميثاق ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حقا ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ في كتاب الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم آخر من أحكام الجهاد ومعنى ما كان ما صح وما استقام والإثخان كثرة القتل وإشاعته من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة والمعنى فيه تذليل الكفر وإضعافه وإعزاز الإسلام وإظهاره بإشاعة القتل في الكفرة.

روي أن رسول الله  أتى بسبعين أسيراً - فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب - فاستشار أبا بكر.

فيهم فقال: قومك وأهلك فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك.

وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدّمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، مكن علياً من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان لنسيب له فلنضرب أعناقهم.

فقال النبي  : "إن الله ليليِّن قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم  ﴾ ومثلك يا عمر مثل نوح قال ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق" .

وروي إنه قال لهم: "إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم.

فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقية" .

وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً.

"وروي أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية فدخل عمر على رسول الله صل الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال: أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه" .

وروي أنه قال: "لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر.

وسعد بن معاذ لقوله: كان الإثخان في القتل أحب إليّ" .

واعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام تمسكوا في هذا المقام بوجوه: الأول: ﴿ وما كان لنبي ﴾ صريح في النهي وقد حصل الأسر بدليل ﴿ قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ الثاني: أنهم أمروا بالقتل يوم بدر في قوله ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ فكان الأسر معصية.

وأجيب بأن قوله ﴿ حتى يثخن ﴾ يدل على أن الأسر كان مشروعاً ولكن بشرط الإثخان ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقاً عظيماً فلعل العتاب إنما ترتب لأن الإثخان أمر غير مضبوط فظنوا أن ذلك القدر من القتل بلغ حد الإثخان فأخطأوا في الاجتهاد وكان قوله ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ تكليفاً مختصاً بحالة الحرب فلم يتناول الأسر بعد انهزام الكفار.

الثالث: قالوا: الحكم بأخذ الفداء معصية وإلا لم يتوجه الذم في قوله ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ أي حطامها سمي بذلك لأنه سريع الزوال كالعرض قسيم الجوهر ﴿ والله يريد الآخرة ﴾ أي ثوابها أو ما هو سبب الجنة وهو إعزاز الإسلام بإشاعة القتل في أعدائه.

وقرىء بجر الآخرة أي عرض الآخرة على التقابل.

﴿ والله عزيز ﴾ يغلب أولياؤه على أعدائه ويقهرونهم ويلجئونهم إلى القتل والفداء بعد الأسر ولكنه ﴿ حكيم ﴾ لا يرخص في أخذ الفداء إلا بعد إفشاء القتل في الأعداء.والجواب أن كل ذلك محمول على ترك الأولى وكذا الكلام في قوله ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ أي لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح وهو أنه لا يعاقب أحداً يخطىء في الاجتهاد لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم وحصول أولاد منهم مسلمين، وإن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعزّ للإسلام وأهيب لمن وراءهم.

قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان يوم بدر لأن المسلمين كانوا قليلين فلما كثروا وقوي إسلامهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء  ﴾ قال بعض العلماء: هذا الكلام يوهم أن مقتضى الآيتين مختلف وليس كذلك فإن كلتاهما تدل على أنه لا بد من تقديم الإثخان على الداء.

وعن سعيد بن جبير ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ بأنه سيحل لكم الفدية وكأن قرب الوقت من التحليل يوجب تخفيف العقاب.

وقال محمد بن إسحق ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ أنه لا يعذب أحداً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي.

وحاصل هذا القول يرجع إلى ترك الأولى ذلك أن الأولى وغير الأولى يشتركان في كونهما مباحين وإنما يعاتب على ترك الأولى لا على سبيل العقوبة بل على سبيل الحث على فعل الأولى.

وعن بعضهم المراد حكم الله بأنه لا يعذب من شهد بدراً.

واعترض بأنه يلزم أن لا يكونوا مكلفين.

والجواب أن عدم العقاب على الذنب لا يوجب عدم التكليف فلعل التكليف لأجل زيادة الثواب.

وقيل: لولا كتاب سبق بالعفو عن هذه الواقعة لكان استحقاق مس العذاب حاصلاً.

روي أنهم أمسكوا عن الغنائم أو عن أخذ الفداء لأنه من جملة الغنائم فنزلت ﴿ فكلوا ﴾ والفاء للتسبيب ومعنى الآية قد أبحت لكم الغنائم فكلوا و ﴿ حلالاً ﴾ نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر أي أكلاً حلالاً ﴿ واتقوا الله ﴾ فيما يستقبل فلا تقدموا على شيء لم تؤمروا به ﴿ إن الله غفور ﴾ لما فرط منكم من ترك الأولى ﴿ رحيم ﴾ فبذلك رخص لكم فيما رخص من أخذ الفداء ثم قال لاستمالة قلوب الأسارى ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى أن يعلم الله ﴾ إن يظهر معلومه أن ﴿ في قلوبكم خيراً ﴾ وهو الإيمان والعزم على طاعة الله وطاعة رسوله في جميع التكاليف والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول والتوبة عن محاربته ﴿ يؤتكم ﴾ في الدنيا ﴿ خيراً مما أخذ منكم ﴾ من المنافع العاجلة ﴿ ويغفر لكم ﴾ في الآخرة، أو المراد بالخير إيصال الثواب وبالمغفرة إزالة العقاب.

ثم إنا قد نعلم أن كل من خلص من الأسر وآمن فقد آتاه الله في الدنيا خيراً لدلالة الآية على ذلك إجمالاً، وذلك الخير إن كان دينياً فلا شك أن كلهم قد وجدوا ذلك لأن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر، وإن كان دنيوياً فتفضيل ذلك غير معلوم إلا ما روي عن بعضهم كالعباس روى أن رسول الله  قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفاً، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ ما قدر على حمله وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة.

وقال ابن عباس: نزلت الآية في العباس وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث.

وكان العباس أسر بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه النوبة حتى أسر فقال العباس.

كنت مسلماً إلا أنهم استكرهوني فقال  : إن يكن ما تذكره حقاً فالله يجزيك فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا.

قال العباس: وكلمت رسول الله  أن يترك ذلك الذهب عليّ فقال: أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا.

قال: وكلفني الرسول  فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية وفداء نوفل بن الحرث.

فقال العباس: تركتني يا محمد أتكفف قريشاً: فقال رسول الله عليه وسلم: فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: لا أدري ما يصيبني في وجهي فإن حدث فيّ حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل.

فقال العباس: وما يدريك؟

قال: أخبرني به ربي.

قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتاباً في أمرك فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب.

قال العباس: فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جمع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي.

ثم قال ﴿ وإن يريدوا خيانتك ﴾ أي نكث ما بايعوك عليه، روي أنه  لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته وإلى معاضدة المشركين كما هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر.

وقيل: المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء.

﴿ فقد خانوا الله من قبل ﴾ في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه.

﴿ فأمكن ﴾ أي المؤمنين ﴿ منهم ﴾ يوم بدر قتلاً وأسراً فذاقوا وبال أمرهم فسيمكن المؤمنين منهم مرة أخرى إن أعادوا الخيانة ﴿ والله عليم ﴾ بأحوالهم ﴿ حكيم ﴾ فيجازيهم على حسب أعمالهم.

واعلم أن رسول الله  إنما ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين ثم انتقل منها إلى المدينة، فمن المؤمنين من وافقه في الهجرة وهم المهاجرون الأولون، ومنهم من لم يوافقه في ذلك، ومنهم من هاجر بعد هجرته فذكر في خاتمة هذه السورة أحكام هذه الأصناف وأحوالهم مع ذكر أنصاره بالمدينة ومع ذكر الكفار أيضاً فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ويدخل فيه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والانقياد لجميع التكاليف ﴿ وهاجروا ﴾ فارقوا الأوطان وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله ﴿ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴾ أما المجاهدة بالأموال فلأنهم إذا فارقوا الديار ضاعت مساكنهم ومزارعهم وضيعاتهم وبقيت في أيدي الأعداء واحتاجوا إلى الإنفاق في تلك العزيمة والسفرة وفي الغزوات والمحاربات، وأما المجاهدة بالأنفس فيكفي في وصف ذلك أنهم أقدموا على قتال أهل بدر من غير آلة ولا عدّة والأعداء في غاية الكثرة ونهاية الشدّة، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أرواحهم في سبيل الله وكانوا أول الناس إقداماً على هذه الأفعال والتزاماً لهذه الخصال، ولهذه المسابقة أثر عظيم في تقوية الدين ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا  ﴾ وذلك أن غيرهم يقتدي بهم وتقوى دواعيهم بما يرون منهم، والمحن تخف على القلوب بالمشاركة، ولأن المهاجرين لهم سابقة في الإسلام ذكر الله  الأنصار بعدهم فقال ﴿ والذين آووا ونصروا ﴾ أي الذين أنزلوا المهاجرين بهم وجعلوا لهم مأوى أي نصروهم على أعدائهم ﴿ أولئك بعضهم أولياء بعض ﴾ أطبق جم غفير من المفسرين كابن عباس وغيره على أن المراد بهذه الولاية الإرث؛ كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون القرابة حتى نسخ ذلك بقوله ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ واستبعد الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله هذا التفسير لأنه يستلزم النسخ واستلزام النسخ محذور منه ما أمكن، ولأن لفظ الولاية يشعر بالقرب حيث يطلق دون الإرث كقولهم: السلطان ولي من لا ولي له.

وقال  ﴿ ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم  ﴾ فإذن المراد أن المهاجرين والأنصار يعظم بعضهم بعضاً وبينهم معاونة وتناصر وأنهم يد واحدة على الأعداء، وأن حب كل واحد لغيره جار مجرى حبه لنفسه، أما قوله ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ﴾ فوجهت قراءة حمزة بأن تولي بعضهم بعضاً شبه بالعمل والصناعة والتجارة والقصارة كأنه بتولية صاحبه يزاول أمراً ويباشر عملاً.

قال المفسرون: لا يجوز أن يكون المراد بهذه الولاية النصرة والمعونة وإلا لم يصح عطف ﴿ وإن استنصروكم ﴾ عليه لأن الشيء لا يعطف على مثله، فالمراد بها الإرث كما مر.

وأجيب بأنا لو حملناهما على التعظيم زال الإشكال وحصل التغاير لأن أهل الإيمان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض الأحوال مع أنهم لا يوالونهم بمعنى الإجلال والتعظيم، وكذا قد ينصر المرء عبده ولا تعظيم جعل الله  حكم هؤلاء المؤمنين متوسطاً بين الأولين وبين الكفرة من حيث إنه نفى عنهم الولاية قبل أن يهاجروا وأثبت لهم النصرة عند الاستنصار إلا على الكفار المعاهدين لأنهم لا يبدأون بالقتال.

ثم قال ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ﴾ ظاهره إثبات الموالاة بينهم والغرض نهي المسلمين عن مولاتهم وإن كانوا أقارب، وأن يتركوا يتوارث بعضهم بعضاً.

وفيه أن المشركين واليهود والنصارى لما اشتركوا في عداوة محمد  صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض وإن كان كل واحد منهم في نهاية الإنكار لصاحبه وذلك من أدل الدلائل أن تلك العداوة ليست لأجل الدين ولكنها محض الحسد والعناد، ومن جعل الولاية في هذه الآيات بمعنى الإرث استدل بذلك على أن الكفار في التوارث على اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة، فالمجوسي يرث الوثني، والنصراني يرث المجوسي، واليهودي يرث النصراني وبالعكس.

ثم قال ﴿ لا تفعلوه ﴾ أي ما أمرتكم به من موالاة المسلمين المهاجرين ومن عدم موالاة غير المهاجرين إلا في حالة الاستنصار ومن عدم موالاة الكفرة أصلاً ﴿ تكن فتنة ﴾ أي تحصل مفاسد عظيمة ﴿ في الأرض ﴾ من تفرق الكلمة واختلاط المؤمن بالكافر ووقوع الهرج والمرج.

ثم كرر تعظيماً لشأن المؤمنين وثناء عليهم قوله ﴿ والذين آمنوا وهاجروا ﴾ الآية.

فوصفهم بأنهم هم المؤمنون حقاً و ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ وقد تقدم تفسير مثله في أول السورة.

والحاصل أن هذه السعادات العالية إنما حصلت لهم لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال، وفيه تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا بالإعراض عن هذه الجسمانيات.

ثم وصف اللاحقين بالهجرة بعد السابقين إليها فقال ﴿ والذين آمنوا من بعد ﴾ نقل الواحدي عن ابن عباس: أن المراد بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية.

وقيل: بعد نزول الآية.

وقيل: بعد يوم بدر والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى ﴿ فأولئك منكم ﴾ ألحقهم بالأولين تشريفاً للآخرين وتعظيماً لشأن السابقين، ولولا كون القسم الأول أشرف لما صح هذا الإلحاق.

ثم ختم الكلام بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ أي ذوو القرابات ﴿ بعضهم أولى ببعض ﴾ أي أحق بهم وأجدر ﴿ في كتاب الله ﴾ أي في حكمه وقسمته أو في اللوح أو في القرآن وهو آية المواريث.

وهذه الآية ناسخة عند الأكثرين للتوارث بالهجرة والنصرة، أما الذين فسروا تلك الولاية بالنصرة والمحبة والتعظيم فإنهم قالوا: لما كانت تلك الولاية مخالفة للولاية بسبب الميراث بيّن الله  في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة ذلك الوهم أعني إزالة وهم من يجعل الولاية بمعنى الإرث.

وقد تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام وهم ذوو قرابة ليست بسبب فرض ولا عصوبة أو كل قريب يخرج عن أصحاب الفروض والعصبات وإنهم عشرة أصناف: الجد أو الأم وكل جد وجدة ساقطين، وأولاد البنات، وبنات الإخوة، وأولاد الأخوات، وبنو الإخوة للأم والعم للأم، وبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات.

والخلاف في أنه إذا لم يوجد ذو فرض أو عصبة فهل يورث ذوو الأرحام أو يوضع المال في بيت المال؟

فقدمهم أبو حنيفة على بيت المال للآية، وعكس الشافعي وقال: إن الآية مجملة في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية فلما قال ﴿ في كتاب الله ﴾ كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه فصارت هذه الآية مقيدة بأحكام آية الميراث فلا تبقى حجة في توريث ذوي الأرحام.

واعلم أنه  قال في أول الآيات ﴿ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴾ في براءة بتقديم ﴿ في سبيل الله ﴾ لأن في هذه السورة تقدم ذكر المال والفداء والغنيمة في قوله ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ وفي قوله ﴿ لمسكم فيما أخذتم ﴾ أي من الفداء وفي قوله ﴿ فكلوا مما غنمتم ﴾ وفي براءة تقدم ذكر الجهاد في سبيل الله وهو قوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم  ﴾ وفي قوله ﴿ كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله  ﴾ ثم إنه حذف من الآية الثانية ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ اكتفاء بما في الأولى وحذف في الثالثة ﴿ في سبيل الله ﴾ أيضاً اكتفاء بما في الآيتين قبلها والله أعلم.

ثم ختم السورة بقوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكم وصواب وصلاح وليس فيها عيب وعبث، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب ونظيره أن الملائكة لما ﴿ قال أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ قال مجيباً لهم ﴿ أني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ .

التأويل: ﴿ ما كان لنبي ﴾ الروح ﴿ أن يكون له أسرى ﴾ أي نفس مأسورة وقوى موجهة إلى تدبير أمور المعاش والدعوة إلى الله وإن كان تصرفاً بالحق للحق حتى يشيع في أرض البشرية قتل القوى والنفوس المنطبعة بسيف الرياضة والمجاهدة، لهذا كان رسول الله  قبل الوحي يتحنث في غار حراء ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلاً إلى الدنيا راغباً فيها ﴿ والله يريد الاخرة ﴾ منكم أي ليس الإنسان من سجيته وطبعه أن يميل إلى الآخرة إنما هو بتوفيق الله إياه وبعنايته الأزلية ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ بأن الإنسان لا يكون منجذباً نحو عالم الأرواح بالكلية وإنما يكون متوسطاً بين العالمين مراعياً للطرفين ﴿ لمسكم فيما أخذتم ﴾ من فداء النفس المأسورة وهو التفاتها إلى تدبير البدن ﴿ عذاب عظيم ﴾ هو عذاب القطيعة والبعد عن عالم النور ﴿ فكلوا مما غنمتم ﴾ من أوقات الجهاد الأكبر من الأنوار والأسرار عند رفع الأستار ﴿ حلالاً طيباً ﴾ نفوسكم عن لوث محبنها فكل ما يشغل المرء عن الالتفاف إلى الله فهو شرك وصنم.

﴿ واتقوا الله ﴾ عما سواه ﴿ إن الله غفور ﴾ يستر بأنوار وجوده ظلمات وجودكم ﴿ رحيم ﴾ بكم حيث يغنيكم عنكم ويبقيكم به.

﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ من النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عنداستيلاء سلطان الذل عليها ﴿ أن يعلم الله في قلوبكم خيراً ﴾ من الاطمئنان إلى ذكر الله والانقياد لأحكامه ﴿ يؤتكم خيراً ﴾ مما أخذ منكم من اللذات الفانية وأسبابها وذلك البقاء الحقيقي والذوق السرمدي ﴿ وإن يريدوا خيانتك ﴾ يعني الميل إلى ما جبلت النفوس عليه من طموح إلى الزخارف الدنيوية ﴿ فقد خانوا الله من قبل ﴾ بالتجاوز عن حدود الشريعة ورسوم الطريقة ﴿ فأمكن منهم ﴾ عند استيلاء الذكر عليها وقتلها بسيف الرياضة ﴿ والله عليم ﴾ بأحوالهم ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر من أمر جهادها وتزكيتها.

﴿ والذين آووا ﴾ ذكر الله ومحبته في القلوب ﴿ ونصروا ﴾ المحبة بالذكر الدائم والطلب القائم ﴿ أولئك بعضهم أولياء بعض ﴾ في المرافقة والموافقة في الطلب والسير إلى الله ﴿ والذين آمنوا ﴾ بأن الطلب حق ﴿ ولم يهاجروا ﴾ عن أوصافهم وأفعالهم ووجودهم المجازي.

﴿ وإن استنصروكم ﴾ تمسكوا بأذيال إرادة الواصلين منكم ﴿ فعليكم النصر ﴾ بأن تدلوهم على طريق الحق بمعاملتكم وسيركم ليقتدوا بكم وبأحوالكم ﴿ إلا على قوم ﴾ أي إلا على بعض أحوالكم مما سالحتهم عليه نفوسكم بعد ما جاهدتموها وأسرتموها وأمنتم شرها، فلا تدلوا الطلاب على هذه الأحوال لئلا يميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد ﴿ فأولئك منكم ﴾ يشير إلى أن المتأخرين إذا دخلوا في زمرة المتقدمين الواصلين فهم منهم وإنهم ذوو رحم الوصول لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "أمتي كالمطر لا يدري أوّلهم خير أم آخرهم"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

قوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ ، أي: صدقوا آيات الله وحججه، أو صدقوا رسوله في جميع ما جاء به؛ كأنه مقابل قوله: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ ، ذكر - هاهنا - التصديق مكان التكذيب في ذلك.

وقوله: ﴿ وَجَاهَدُواْ ﴾ : في إظهار دين الله ونصره.

﴿ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ أي: بذلوا ذلك.

﴿ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ ﴾ أي: ضموا النبي.

﴿ وَّنَصَرُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ قال ابن عباس وعامة أهل التأويل: الولاية التي ذكرت في الآية في التوارث، جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام الذين آمنوا ولم يهاجروا إلى المدينة، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ يعني: الميراث.

وروي عن عبد الله قال: قال رسول الله  : "المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة" [والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة].

وعن جرير بن عبد الله، عن رسول الله  [قال]: ...

كذلك روي.

وعن المسعودي عن القاسم قال: آخى رسول الله  بين أصحابه، فآخى بين عبد الله بن مسعود والزبير بن العوام أخوة يتوارثون بها؛ لأنهم هاجروا وتركوا قراباتهم، حتى أنزل الله آية المواريث.

وعن ابن عباس في قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ  ﴾ قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرثون الأنصار دون رحمهم بالأخوة التي آخى النبي بينهم، فلما نزل قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ  ﴾ ، نسخها: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ  ﴾ من النصر، والنصيحة، والرفادة، ويوصي له ولا ميراث.

وعن الحسن في قوله -  -: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ فكان المسلمون يتوارثون بالهجرة، فكان الأعرابي لا يرثه المهاجر، والمهاجر لا يرثه الأعرابي، فحرضهم بذلك على الهجرة، حتى كثر المسلمون، فأنزل الله -  -: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ...

﴾ الآية، فورث الأعرابي المهاجر وتوارثوا بالأرحام.

إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل، وكانوا يرون أن الهجرة كانت مفترضة، فزال فرضها بقول النبي -  -: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" وعن عائشة -  ا - قالت: "انقطعت الهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، فإنما كانت الهجرة إلى الله ورسوله، والمؤمنون يفرون بدينهم من أن يفيئوا عنه، وقد أفشى الله الإسلام" .

هذا الذي ذهب هؤلاء في قوله: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ في التوارث [محتمل].

ويحتمل غير هذا، وهو أن قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ \[أي: بعضهم أولياء بعض\] في تمام الولاية، في التناصر، والتعاون، والحقوق، والديانة، فهم أولى بعضهم ببعض من الذين آمنوا ولم يهاجروا؛ لأنهم آمنوا وهاجروا، أي: تركوا منازلهم وأهلهم وقراباتهم وبلدهم الذي كانوا فيه مقيمين؛ إشفاقاً على دينهم، واستسلاماً لهم ولأنفسهم، والأنصار آووهم، وأنزلوهم في منازلهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم، وتحملوا جميع مؤنتهم من غير أن كان سبق منهم إليهم شيء، فصاروا لهم أعواناً وأنصاراً، فصار بعضهم أولياء بعض في تمام ما ذكرنا من الولاية: [ ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ ﴾ ، أي: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم ﴾ ، أي: من تمام ما ذكرنا من ولاية الدين]، وليس لهم ولاية التناصر، والتعاون، والحقوق، والمنافع التي تكتسب بالدين.

وفي قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه جل وعلا أبقى [في المهاجرين] الذين لم يهاجروا اسم الإيمان، وكانت الهجرة عليهم مفروضة، وهم في تركهم الهجرة مرتكبين كبيرة، فدل أن صاحب الكبيرة لا يزول عنه اسم الإيمان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ .

أي: أولوا الأرحام إذا آمنوا وهاجروا بعضهم إولى ببعض من غيرهم؛ لأنهم إذا آمنوا وهاجروا ولهم قرابة سابقة ورحم متقدم، كانوا هم أولى من غيرهم الذين لا قرابة بينهم ولا رحم؛ إذ اجتمع فيهم الرحم، والمعونة، والنصر، والديانة، والحقوق، اجتمع فيهم أشياء أربعة، وفي أولئك ثلاثة، فهم أولى بهم من غيرهم؛ هذا على التأويل الذي ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .

يعني: الذين لم يهاجروا؛ يحتمل وجهين: الأول: يحتمل: إذا طلبوا منكم المعونة والنصرة على عدوهم، فعليكم النصر والمعونة لهم، إذا لم يكن بينكم وبين أولئك ميثاق.

والثاني: إذا علمتم أنهم يخشون على أنفسهم من عدوهم ويخافونه فانصروهم ﴿ إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ أي: إذا استنصروكم في الدين على قوم بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم، أي: وليس عليكم أن تنصروهم، تأويله: حتى تنبذوا إليهم العهد؛ يقول: إذا استنصركم يا معشر المهاجرين - إخوانكم المؤمنين الذين لم يهاجروا إليكم فأتاهم عدوهم من المشركين فقاتلوهم ليردوهم عن الإسلام - فانصروهم، ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ ؛ يقول: إن استنصروكم الذين لم يهاجروا إلى المدينة على أهل عهدكم، فلا تنصروهم.

﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ : في المعونة، والنصرة، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ .

قرئ بالخفض: ﴿ وَلاَيَتِهِم ﴾ ، وبالنصب جميعاً: ﴿ وَلاَيَتِهِم ﴾ أعني: بنصب الواو وخفضها، وكذلك التي في الكهف: ﴿ هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ...

﴾ الآية [الكهف: 44] بالخفض والنصب جميعاً.

ثم قال بعض أهل الأدب: الولاية - بفتح الواو -: النصرة والمعونة، والولاية - بخفض الواو -: السلطان، أي: السلطان لله.

وقال بعضهم: الولاية - بالخفض -: المعونة والنصرة، والولاية: السلطان.

وقال آخرون: هما سواء، وهو النصرة والمعونة، والولاية في الإمارة والسلطان، والولاية في الدين.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ .

على قول ابن عباس وعامة أهل التأويل: بعضهم أولياء بعض في التوارث؛ على ما قالوا في المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض.

ويحتمل ما ذكرنا أن بعضهم أولياء بعض في التناصر، والتعاون، والدين، والحقوق جميعاً؛ على ما ذكرنا في المؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ .

قيل: فيه بوجوه: أحدها: أن إخوانكم الذين لم يهاجروا إذا استنصروكم على عدوهم فلم تنصروهم، تكون فتنة في الأرض وفساد كبير، أي: إن لم تكونوا بعضكم أعواناً وأنصاراً لبعض، على ما كان أهل الكفر بعضهم أنصاراً لبعض غِلبكم العدو وقهركم، فيكون في ذلك فتنة وفساد، ويكون كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ  ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ ﴾ ملحق بقوله: ﴿ إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ ، أي: إذا استنصركم إخوانكم على قوم بينكم وبينهم ميثاق فنصرتموهم، تكن فتنة وفساد كبير.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ ﴾ فيما أمركم به من جعل التوارث فيما بين المؤمنين، وجعلتم الميراث والتوارث فيما بينكم وبين الكفار ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ ؛ لأن الله - عز وجل - ذكر المواريث، ثم ذكر في آخر الآية: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ  ﴾ ، وما ذكر من ترك حدود الله، وطاعة رسوله، وجعل الميراث في غير ما أمر - عز وجل - ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ ﴾ .

أي: ضموا رسول الله والمهاجرين ونصروهم.

﴿ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ﴾ .

أي: المهاجرون والأنصار الذين ضموا ﴿ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ﴾ ؛ لما حققوا إيمانهم بأعمالهم؛ لأنهم هاجروا من بلادهم وأهلهم وأموالهم؛ إشفاقاً على دينهم، واستسلاماً له، وأجابوا رسول الله وأطاعوه في ذلك، وأولئك الأنصار ضموهم إلى أنفسهم وأنزلوهم في منازلهم، وبذلوا لهم أنفسهم وأموالهم، ونصروهم على عدوهم، فقد حققوا جميعاً إيمانهم بأعمالهم التي عملوا.

ويحتمل قوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ﴾ أي: صدقاً في السر والعلانية، ليس كإيمان المنافقين يكون في العلانية ولا يكون في السر؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ...

﴾ الآية [العنكبوت: 3]، وقال: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ...

﴾ الآية [العنكبوت: 11].

[ويحتمل قوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ﴾ ، أي: وعدهم وعداً حقّاً، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ].

ويحتمل: ﴿ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ﴾ ، أي: أولئك المؤمنون الذين حققوا الإيمان به.

وقوله: ﴿ لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ .

أي: حسن يكرم أهله به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ ﴾ .

أي: من آمن بعد هؤلاء وهاجروا بعد مهاجرة أولئك، فإنهم يلحقون أوائلهم في جميع ما ذكر في أولئك الذين هاجروا من قبل؛ يذكر هذا - والله أعلم - لنعمل نحن على ما عمل أولئك من الهجرة، والنصرة، وبذل الأنفس والأموال، وغير ذلك للدين، على ما بذل أولئك وأشفقوا على دينهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .

وهو ما ذكرنا أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض بالتركة والتوارث من جملة المؤمنين، فإذا لم يكن أولو الأرحام فجملة المؤمنين أولى؛ على ذلك يخرج قول أصحابنا: إن أولي الأرحام بالميراث أولى من جملة المؤمنين، وهو بيت المال، فما دام واحد من هؤلاء فهو أولى بالميراث، وعلى ذلك يخرج قولهم في العقل: إنه على ذوي الأرحام ما داموا هم، فإذا لم يكن أحد منهم فهو على جملة المؤمنين في بيت المال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ بالعباد وما يكون منهم، ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ بما يحتاجون وما لا يحتاجون، وهو حرف وعيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ .

أي: بعضهم أولى ببعض في حق التوارث من المؤمنين الذين هاجروا، فنسخت هذه الآية حكم الميراث الذي ذكر في قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ ؛ لأنه كان جعل التوارث بينهم بحق الإيمان والهجرة، ثم نسخ ذلك وجعل الميراث بالرحم؛ حيث قال: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ ؛ وكذلك ما ذكر في سورة الأحزاب حيث قال: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ  ﴾ ، فإذا لم يبق من الرحم أحد فبعد ذلك يكون جملة المؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .

في حكم الله، أو ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ لأنه ذكر في كتاب الله.

ثم لزوم الهجرة على الذين هاجروا مع رسول الله  وعلى الذين تأخرت هجرتهم سواء، قد سوى بينهم في اللزوم، وجمع بين المهاجرين والأنصار في حق الشهادة لهم بالتصديق والإيمان؛ حيث قال: ﴿ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ﴾ ، وجمع بينهم في حق الولاية وما يكتسب بها من المنافع؛ حيث قال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ ، وجمع بينهم في الثواب والدرجة؛ حيث قال: ﴿ لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ، وجمع بينهم في هذه الخصال وإن قدم ذكر المهاجرين في غير واحدة من الآيات؛ لما كانوا مستوين في الأسباب التي استوجبوا ذلك؛ لأن من المهاجرين من ترك الأوطان والمنازل، والخروج منها والمفارقة عن أهليهم وأموالهم، وكان من الأنصار مقابل ذلك: إنزالهم في منازلهم وأوطانهم، وبذل أموالهم، وقيام أهليهم في خدمتهم؛ لذلك كان ما ذكر، والله  أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين آمنوا بالله وهاجروا في سبيله، والذين آووا المهاجرين في سبيل الله ونصروهم، أولئك هم المتصفون بصفة الإيمان حقًّا، وجزاؤهم من الله مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم منه، وهو الجنة.

<div class="verse-tafsir" id="91.L6BM0"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله