الآية ١٥ من سورة عبس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 80 عبس > الآية ١٥ من سورة عبس

بِأَيْدِى سَفَرَةٍۢ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة عبس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة عبس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله ( بأيدي سفرة ) قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد هي الملائكة .

وقال وهب بن منبه هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقال قتادة هم القراء وقال ابن جريج عن ابن عباس السفرة بالنبطية القراء وقال ابن جرير الصحيح أن السفرة الملائكة والسفرة يعني بين الله وبين خلقه ومنه يقال : السفير الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير كما قال الشاعر : وما أدع السفارة بين قومي وما أمشي بغش إن مشيت وقال البخاري سفرة الملائكة .

سفرت أصلحت بينهم وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر.

واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟

فقال بعضهم: هم كَتَبة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) يقول: كَتَبة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) قال: الكَتَبة.

وقال آخرون: هم القرّاء.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) قال: هم القرّاء.

وقال آخرون: هم الملائكة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) يعني: الملائكة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي.

وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَــا أدَعُ السِّــفارَةَ بَيـن قَـوْمي ومَـــا أمْشِــي بغِشّ إنْ مَشِــيتُ (2) وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله.

------------------------- الهوامش : (2) البيت : من شواهد الفراء في معاني القرآن ( 358 ) قال : وقوله : { بأيدي سفرة } ، وهم الملائكة ، واحدهم سافر ؛ والعرب تقول : سفرت بين القوم : إذا أصلحت بينهم ، فجعلت الملائكة ، إذ نزلت بوحي الله وتأديبه كالسفير الذي يصلح بين القوم .

وقال الشاعر : " وما أدع السفارة ...

" .البيت .

ا .

هـ .

وفي ( اللسان : سفر ) وفي التنزيل { بأيدي سفرة } قال المفسرون : السفرة : يعني الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم ، واحدهم : سافر ، مثل كاتب وكتبه .

ا هـ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

بأيدي سفرة أي الملائكة الذين جعلهم الله سفراء بينه وبين رسله ، فهم بررة لم يتدنسوا بمعصية .

وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : هي مطهرة تجعل التطهير لمن حملها بأيدي سفرة قال : كتبة .

وقاله مجاهد أيضا .

وهم الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد في الأسفار ، التي هي الكتب ، واحدهم : سافر ; كقولك : كاتب وكتبة .

ويقال : سفرت أي كتبت ، والكتاب : هو السفر ، وجمعه أسفار .

قال الزجاج : وإنما قيل للكتاب سفر ، بكسر السين ، وللكاتب سافر ; لأن معناه أنه يبين الشيء ويوضحه .

يقال : أسفر الصبح : إذا أضاء ، وسفرت المرأة : إذا كشفت النقاب عن وجهها .

قال : ومنه سفرت بين القوم أسفر سفارة : أصلحت بينهم .

وقاله الفراء ، وأنشد :فما أدع السفارة بين قومي ولا أمشي بغش إن مشيتوالسفير : الرسول والمصلح بين القوم والجمع : سفراء ، مثل فقيه وفقهاء .

ويقال للوراقين سفراء ، بلغة العبرانية .

وقال قتادة : السفرة هنا : هم القراء ، لأنهم يقرؤون الأسفار .

وعنه أيضا كقول ابن عباس .

وقال وهب بن منبه : بأيدي سفرة كرام بررة هم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قال ابن العربي : لقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سفرة ، كراما بررة ، ولكن ليسوا بمرادين بهذه الآية ، ولا قاربوا المرادين بها ، بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق ، ولا يشاركهم فيها سواهم ، ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم .

وروي في الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له ، مع السفرة الكرام البررة ; ومثل الذي يقرؤه وهو يتعاهده ، وهو عليه شديد ، فله أجران متفق عليه ، [ ص: 187 ] واللفظ للبخاري .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ } وهم الملائكة [الذين هم] السفراء بين الله وبين عباده،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"بأيدي سفرة"، قال ابن عباس ومجاهد: كتبة، وهم الملائكة الكرام الكاتبون، واحدهم سافر، يقال: سفرت أي كتبت.

ومنه قيل للكاتب: سافر، وللكتاب: سفر، وجمعه: أسفار.

وقال الآخرون: هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير، وهو الرسول، وسفير القوم الذي يسعى بينهم للصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بأيدي سفرة» كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأمَّا من كان حريصا على لقائك، وهو يخشى الله من التقصير في الاسترشاد، فأنت عنه تتشاغل.

ليس الأمر كما فعلت أيها الرسول، إن هذه السورة موعظة لك ولكل من شاء الاتعاظ.

فمن شاء ذكر الله وَأْتَمَّ بوحيه.

هذا الوحي، وهو القرآن في صحف معظمة، موقرة، عالية القدر مطهرة من الدنس والزيادة والنقص، بأيدي ملائكة كتبة، سفراء بين الله وخلقه، كرام الخلق، أخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهى كائنة ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) وهم الملائكة الذين جعلهم الله - تعالى - سفراء بينه وبين رسله : جمع سافر بمعنى سفير .

أى : رسول وواسطة ، أو هم الملائكة الذين ينسخون ويكتبون هذه الآيات بأمره - تعالى - جمع سافر بمعنى كاتب ، يقال : سفَر فلان يَسْفِره ، إذا كتبه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الله تعالى وصف الملائكة بثلاثة أنواع من الصفات: أولها: أنهم سفرة وفيه قولان: الأول: قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة: هم الكتبة من الملائكة، قال الزجاج: السفرة الكتبة واحدها سافر مثل كتبة وكاتب، وإنما قيل للكتبة: سفرة وللكاتب سافر، لأن معناه أنه الذي يبين الشيء ويوضحه يقال: سفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها القول الثاني: وهو اختيار الفراء أن السفرة هاهنا هم الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله وبين رسله، واحدها سافر، والعرب تقول: سفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم، فجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته، كالسفير الذي يصلح به بين القوم، وأنشدوا: وما أدع السفارة بين قومي *** وما أمشى بغش إن مشيت واعلم أن أصل السفارة من الكشف، والكاتب إنما يسمى سافراً لأنه يكشف، والسفير إنما سمي سفيراً أيضاً لأنه يكشف، وهؤلاء الملائكة لما كانوا وسايط بين الله وبين البشر في البيان والهداية والعلم، لا جرم سموا سفرة.

الصفة الثانية لهؤلاء الملائكة: أنهم ﴿ كِرَامٍ ﴾ قال مقاتل: كرام على ربهم، وقال عطاء: يريد أنهم يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع وعند قضاء الحاجة.

الصفة الثانية: أنهم: ﴿ بَرَرَةٍ ﴾ قال مقاتل: مطيعين، وبررة جمع بار، قال الفراء: لا يقولون فعلة للجمع إلا والواحد منه فاعل مثل كافر وكفرة، وفاجر وفجرة القول الثاني: في تفسير الصحف: أنها هي صحف الأنبياء لقوله: ﴿ إِنَّ هذا لَفِى الصحف الاولى  ﴾ يعني أن هذه التذكرة مثبتة في صحف الأنبياء المتقدمين، والسفرة الكرام البررة هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل هم القراء.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِى سَفَرَةٍ ﴾ يقتضي أن طهارة تلك الصحف إنما حصلت بأيدي هؤلاء السفرة، فقال القفال في تقريره: لما كان لا يمسها إلا الملائكة المطهرون أضيف التطهير إليها لطهارة من يسمها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَلاَّ ﴾ ردع عن المعاتب عليه، وعن معاودة مثله ﴿ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾ أي موعظة يجب الاتعاظ والعمل بموجبها ﴿ فَمَن شَآء ذَكَرَهُ ﴾ أي كان حافظاً له غير ناس، وذكر الضمير لأنّ التذكرة في معنى الذكر والوعظ ﴿ فَى صُحُفٍ ﴾ صفة لتذكرة، يعني: أنها مثبتة في صحف منتسخة من اللوح ﴿ مُّكَرَّمَةٍ ﴾ عند الله ﴿ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ في السماء.

أو مرفوعة المقدار ﴿ مُّطَهَّرَةٍ ﴾ منزهة عن أيدي الشياطين، لا يمسها إلا أيدي ملائكة مطهرين ﴿ سَفَرَةٍ ﴾ كتبة ينتسخون الكتب من اللوح ﴿ بَرَرَةٍ ﴾ أتقياء.

وقيل: هي صحف الأنبياء كقوله: ﴿ إِنَّ هذا لَفِى الصحف الأولى ﴾ [الأعلى: 18] وقيل السفرة: القرّاء وقيل: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ عَنِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ أوْ عَنْ مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ.

﴿ إنَّها تَذْكِرَةٌ ﴾ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ حَفِظَهُ أوِ اتَّعَظَ بِهِ والضَّمِيرانِ لِلْقُرْآنِ، أوِ العِتابُ المَذْكُورُ وتَأْنِيثُ الأوَّلِ لِتَأْنِيثِ خَبَرِهِ.

﴿ فِي صُحُفٍ ﴾ مُثْبَتَةٍ فِيها صِفَةٌ لِتَذْكِرَةٍ، أوْ خَبَرٌ ثانٌ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ.

﴿ مُكَرَّمَةٍ ﴾ عِنْدَ اللَّهِ.

﴿ مَرْفُوعَةٍ ﴾ القَدْرِ.

﴿ مُطَهَّرَةٍ ﴾ مُنَزَّهَةٍ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ: ﴿ بِأيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ كَتَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ أوِ الأنْبِياءِ يَنْتَسِخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ أوِ الوَحْيِ، أوْ سُفَراءَ يَسْفِرُونَ بِالوَحْيِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ، أوِ الأُمَّةِ جَمْعُ سافِرٍ مِنَ السَّفَرِ، أوِ السِّفارَةِ والتَّرْكِيبُ لِلْكَشْفِ يُقالُ: سَفَرَتِ المَرْأةُ إذا كَشَفَتْ وجْهَها.

﴿ كِرامٍ ﴾ أعِزّاءٍ عَلى اللَّهِ أوْ مُتَعَطِّفِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ يُكَلِّمُونَهم ويَسْتَغْفِرُونَ لَهم.

﴿ بَرَرَةٍ ﴾ أتْقِياءَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{بأيدي سفرةٍ} كتبة جمع سافر أي الملائكة ينتسخون الكتب من اللوح

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي صُحُفٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِتَذْكِرَةٍ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأنْ؛ أيْ كائِنَةٌ أوْ مُثْبَتَةٌ في صُحُفٍ، والمُرادُ بِها الصُّحُفُ المُنْتَسِخَةُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي اللَّوْحُ نَفْسُهُ، وهو غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: الصُّحُفُ المُنَزَّلَةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ؛ فَإنَّ القُرْآنَ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُنْ في الصُّحُفِ وإنَّما كانَ مُتَفَرِّقًا في الدِّفافِ والجَرِيدِ ونَحْوِهِما، وأوَّلُ ما جُمِعَ في صَحِيفَةٍ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وهو كَما تَرى.

﴿ مُكَرَّمَةٍ ﴾ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مَرْفُوعَةٍ ﴾ أيْ: في السَّماءِ السّابِعَةِ كَما قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةِ القَدْرِ كَما قِيلَ.

﴿ مُطَهَّرَةٍ ﴾ مُنَزَّهَةٍ عَنْ مِساسِ أيْدِي الشَّياطِينِ أوْ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُصِ، والأوَّلُ قِيلَ مَأْخُوذٌ مِن مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِأيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ أيْ: كَتَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما قالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ فَإنَّهم يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ وهو جَمْعُ سافِرٍ؛ أيْ: كاتِبٍ، والمَصْدَرُ السَّفْرُ كالضَّرْبِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُمُ المَلائِكَةُ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ جَمْعَ سافِرٍ أيْضًا بِمَعْنى سَفِيرٍ؛ أيْ رَسُولٍ وواسِطَةٍ، والمَشْهُورُ في مَصْدَرِهِ بِهَذا المَعْنى السِّفارَةُ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها، وجاءَ فِيهِ السَّفْرُ أيْضًا كَما في القامُوسِ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهم سُفَراءُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والأُمَّةِ، أوْ لِأنَّهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ؛ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وظِيفَتُهُمُ التَّلَقِّي مِنَ الوَحْيِ لا الكُتُبِ؛ لِما يُوحى عَلى أنَّ خاتَمَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ القُرْآنَ بَلْ لَمْ يَكْتُبْ أصْلًا عَلى ما هو الشّائِعُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وكَذا وظِيفَتُهم إرْشادُ الأُمَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ لا مُجَرَّدِ السِّفارَةِ إلَيْهِمْ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قِيلَ: لِأنَّهم سُفَراءُ ووَسائِطُ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنِ سائِرِ الأُمَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يُسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ القُرّاءُ، وكَأنَّ القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِالمُعَوَّلِ عَلَيْهِ، وقَدْ قالُوا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تَكادُ تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِمْ، وإنْ جازَ الإطْلاقُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، ومادَّتُها مَوْضُوعَةٌ بِجَمِيعِ تَراكِيبِها لِما يَتَضَمَّنُ الكَشْفُ كَسَفَرَتِ المَرْأةُ إذا كَشَفَتِ القِناعَ عَنْ وجْهِها، والباءُ قِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِ ﴿ مُطَهَّرَةٍ ﴾ وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ أُخْرى لِصُحُفٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي اثنتان وأربعون آية مدنية قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى أي: كلح وأعرض بوجهه.

يعني: النبيّ  وروى هشام بن عروة قال: كان النبيّ  جالساً، ومعه عتبة بن ربيعة، في ناس من وجوه قريش، وهو يحدثهم بحديث.

فجاء ابن أم مكتوم على تلك الحال، فسأله عن بعض ما ينفع به، فكره النبي  أن يقطع كلامه، وقال في رواية مقاتل، كان اسم ابن أم مكتوم عمر بن قيس.

وقال في رواية الكلبي، كان اسمه عبد الله بن شريح.

فقال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله تعالى.

فأعرض عنه شغلاً بأولئك القوم، لحرصه على إسلامهم فنزل عَبَسَ وَتَوَلَّى.

وهو بلفظ المغايبة، تعظيما للنبي  عَبَسَ محمد  وجهه وَتَوَلَّى يعني: وأعرض أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى يعني: إن جاءه الأعمى.

ويقال: حين جاء الأعمى، وهو ابن أم مكتوم.

ثم قال: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى يعني: وما يدريك يا محمد، لعله يصلي أو يفلح، فيعمل خيراً فيتعظ بالقرآن.

ويقال: يعني: يزداد خيراً.

أَوْ يَذَّكَّرُ يعني: يتعظ بالقرآن فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى يعني: العظة.

ثم قال: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى يعني: استغنى بنفسه عن ثواب الله.

ويقال: استغنى بماله ونفسه، عن دينك وعظمتك فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى يعني: تقبل بوجهك عليه.

ويقال تصدى يعني: تعرض.

يقال: فلان تصدى لفلان، إذا تعرض له ليراه.

قرأ عاصم أَوْ يَذَّكَّرُ تنفعه الذكرى بنصب العين، جعله جواباً لعله يتذكر فتنفعه الذكرى.

وقرأ الباقون بالضم، جعلوه جواباً للفعل.

قرأ نافع، وابن كثير تصدى بتشديد الصاد، لأن الأصل تتصدى، فأدغمت وشددت.

والباقون بحذف التاء للتخفيف، فهذا كقوله فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [النازعات: 18] .

ثم قال: وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى يعني: أي شيء عليك إن لم يوجد عتبة وأصحابه.

ويقال: لا يضرك إن لم يؤمن، ولم يصلح.

ثم قال عز وجل: وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى يعني: يسرع إلى الخير، ويعمل به، وهو ابن أم مكتوم.

ويقال: يعني: يمشي برجليه وَهُوَ يَخْشى ربه فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى يعني: تشتغل، وتتلاهى وتتغافل.

وكان رسول الله  ، يكرم ابن أم مكتوم بعد نزول هذه الآية قوله تعالى: كَلَّا يعني: لا تفعل، ولا تقبل على من استغنى عن الله تعالى بنفسه، وتعرض عمن يخشى الله تعالى.

ثم قال: إِنَّها تَذْكِرَةٌ يعني: هذه الموعظة تذكرة.

ويقال: هذه السورة تذكرة، يعني: موعظة فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ يعني: ذكر المواعظ وذكره بلفظ التذكير، ولم يقل ذكرها، لأنه ينصرف إلى المعنى، لأن الموعظة إنما هي بالقرآن.

يعني: فمن شاء أن يتعظ بالقرآن فليتعظ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ يعني: أن هذا القرآن فى صحف مكرمة.

يعني: مطهرة مبجلة معظمة، وهو اللوح المحفوظ مَرْفُوعَةٍ يعني: مرتفعة مُطَهَّرَةٍ يعني: منزهة عن التناقض، والكذب والعيب.

بِأَيْدِي سَفَرَةٍ يعني: الكتبة الذين يكتبون في اللوح المحفوظ.

ثم أثنى على الكتبة فقال: كِرامٍ على الله بَرَرَةٍ أي: مطيعين لله تعالى.

ويقال: بررة من الذنوب.

وقال القتبي: السفرة الكتبة.

وأحدهما سافر، وإنما يقال للكاتب سافر، لأنه يبين الشيء ويوضحه.

ويقال: أسفر الصبح، إذا أضاء البررة جمع بار، مثل: كفرة وكافر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الرجلينِ، وتَوْهِينِ أَمْرِ الكافرِ، والإشارةُ إلى الإعراضِ عنه، انتهى، قال السهيلي: وانظرْ كيفَ نزلتِ الآيةُ بلفظِ الإخبارِ عن الغائبِ فقال: عَبَسَ وَتَوَلَّى ولم يقل: عَبَسْتَ وتولَّيْتَ، وهذا يُشْبِهُ حال العاتِب المُعْرِضِ، ثم أقبل عَلَيْهِ بمواجَهَةِ الخطابِ فقال: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى الآية، عِلماً منْه سبحانه أنَّه لَمْ يَقْصِدْ بالإعراضِ عن ابن أم مكتوم إلا الرغبةَ في الخيرُ ودخولِ ذلكَ المشركِ في الإسلام إذ كان مثلُه يُسْلِم بإسلامِه بَشَرٌ كثيرٌ، فكلَّمَ نبيَّهُ حينَ ابتدأَ الكلامَ بِمَا يشبه كلامَ المُعْرِضِ عنه العاتِب له، ثم واجَهَهُ بالخطابِ تأنيسا له ع، انتهى، ثم قال تعالى: كَلَّا يا مُحَمَّدُ، ليسَ الأَمْرُ كما فعلتَ، إنَّ هذه السُّورَةَ أو القراءةَ أو المعاتبةَ تَذْكِرَةٌ، وعبارةُ الثعلبي: إن هذه السورةَ، وقيل: هذه الموعظةَ، وقال مقاتلٌ: آياتُ القرآن «١» تذكرةٌ، أي: مَوْعِظَةٌ وتَبْصِرةٌ للخلقِ، فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ أي: اتَّعظَ بآي القرآن وبما وعظتُكَ/ وأدَّبتُكَ في هذه السورةِ، انتهى.

- ص-:

ذَكَرَهُ ذكَّرَ الضمير لأنَّ التذكرةَ هي الذكرُ، انتهى.

وقوله تعالى: فِي صُحُفٍ متعلقٌ بقولهِ: إِنَّها تَذْكِرَةٌ وهذا يؤيد أن التذكرَة يراد بها جميعُ القرآن، والصحف هنا قيل إنه اللوحُ المحفوظُ: وقيلَ صحفُ الأنبياءِ المنزلةُ.

قال ابن عبَّاسٍ: السَّفَرَةُ هم الملائِكَةُ، لأنَّهم كَتَبةٌ يقال: سَفَرْتُ، أي: كتبتُ، ومنه السِّفْرُ، وقال ابن عباس أيضاً: الملائكةُ سَفَرةَ لأنهم يَسْفِرُونَ بينَ اللَّه وبين أنبيائه «٢» ، وفي البخاري: سَفَرةُ الملائكةِ [واحدُهم سَافِرٌ] «٣» ، سَفَرَتْ أصْلَحَتْ بينهم وجُعِلَتِ الملائكةُ إذا نزلت بوحي الله- عز وجل- وتأديته كالسَّفِيرِ الذي يُصْلِح بَيْنَ القوم، انتهى، قال ع «٤» : ومن اللفظةِ قول الشاعر: [الوافر]

وَمَا أَدَعُ السِّفَارَةَ بَيْنَ قَوْمِي ...

وَمَا أسعى بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ «٥»

والصُّحُفُ على هذا: صحفٌ عند الملائكة أو اللوح.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَبَسَ وتَوَلّى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَوْمًا يُناجِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفٍ، ويَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى، ويَرْجُو إسْلامَهُمْ، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى، فَقالَ: عَلِّمْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وجَعَلَ يُنادِيهِ، ويُكَرِّرُ النِّداءَ، ولا يَدْرِي أنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِكَلامِ غَيْرِهِ، حَتّى ظَهَرَتِ الكَراهِيَةُ في وجْهِهِ  لِقَطْعِهِ كَلامَهُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، وأقْبَلَ عَلى القَوْمِ يُكَلِّمُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُكْرِمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ويَقُولُ: مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي.» وذَهَبَ قَوْمٌ، مِنهم مُقاتِلٌ، إلى أنَّهُ إنَّما جاءَ لِيُؤْمِنَ، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ  اشْتِغالًا بِالرُّؤَساءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآياتُ.

وَمَعْنى ﴿ عَبَسَ ﴾ قَطَّبَ وكَلَحَ ﴿ وَتَوَلّى ﴾ أعْرَضَ بِوَجْهِهِ ﴿ أنْ جاءَهُ ﴾ أيْ: لِأنْ جاءَهُ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " أنْ جاءَهُ " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَمْدُودَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أأنْ " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ.

و ﴿ الأعْمى ﴾ هو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، واسْمُهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ.

وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﴿ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى ﴾ أيْ: يَتَطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وما يَتَعَلَّمُهُ مِنكَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لَعَلَّهُ يُؤْمِنُ ﴿ أوْ يَذَّكَّرُ ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ بِما يَتَعَلَّمُهُ مِن مَواعِظِ القُرْآنِ ﴿ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿ فَتَنْفَعَهُ ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ، والباقُونَ بِرَفْعِها.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ، فَعَلى جَوابِ " لَعَلَّ "، ومَن رَفَعَ، فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿ يَزَّكّى ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمّا مَنِ اسْتَغْنى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَغْنى عَنِ اللَّهِ وعَنِ الإيمانِ بِمالِهِ.

قالَ مُجاهِدٌ: ﴿ أمّا مَنِ اسْتَغْنى ﴾ عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، ﴿ فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: " تَصَّدّى " بِتَشْدِيدِ الصّادِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " تَصَدّى " بِفَتْحِ التّاءِ، والصّادِ وتَخْفِيفِها، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: " تَتَصَدّى " بِتاءَيْنِ مَعَ تَخْفِيفِ الصّادِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ: تَتَصَدّى، ولَكِنْ حُذِفَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ لِاجْتِماعِ تاءَيْنِ.

ومَن قَرَأ: " تَصَدّى " بِإدْغامِ التّاءِ، فالمَعْنى أيْضًا: تَتَصَدّى، إلّا أنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الصّادِ لِقُرْبِ مَخْرَجِ التّاءِ مِنَ الصّادِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " تَصَدّى " تُقْبِلُ عَلَيْهِ بِوَجْهِكَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَتَعَرَّضُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ: " تُصْدى " بِتاءٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ، وتَخْفِيفِ الصّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما عَلَيْكَ ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في أنْ لا يُسْلِمَ مَن تَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ؟

يَعْنِي: أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ.

﴿ وَأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَمْشِي.

والثّانِي: يَعْمَلُ في الخَيْرِ، وهو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ﴿ وَهُوَ يَخْشى ﴾ اللَّهَ ﴿ فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو الجَوْزاءِ " تَتَلَهّى " بِتاءَيْنِ.

وَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ " تُلَهّى " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَرْفُوعَةٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: تَتَشاغَلُ عَنْهُ.

يُقالُ: لُهِيتُ عَنِ الشَّيْءِ أُلْهى عَنْهُ: إذا تَشاغَلْتُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا تَفْعَلْ ذَلِكَ.

﴿ إنَّها ﴾ في المَكْنِّي عَنْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: آياتُ القُرْآنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ " والتَّذْكِرَةُ " بِمَعْنى التَّذْكِيرِ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ مُفَسَّرٌ في آخِرِ [المُدَّثِّرِ: ٥٥] .

ثُمَّ أخْبَرَ بِجَلالَةِ القُرْآنِ عِنْدَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴾ أيْ: هو في صُحُفٍ، أيْ: في كُتُبٍ مُكَرَّمَةٍ، وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: كُتُبِ الأنْبِياءِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى " مَرْفُوعَةٍ " عالِيَةَ القَدْرِ.

وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ رَفْعُها كَوْنُها في السَّماءِ.

وَفِي مَعْنى " المُطَهَّرَةِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الدَّنَسِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أصْحابُ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

وَفِي مَعْنى ﴿ سَفَرَةٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الكَتَبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُهُمْ: سافِرٌ، وسَفَرَةٌ، مِثْلُ كاتِبٍ، وكَتَبَةٍ، وكافِرٍ، وكَفَرَةٍ.

وإنَّما قِيلَ لِلْكِتابِ: سِفْرٌ، ولِلْكاتِبِ: سافِرٌ، لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ يُبَيِّنُ الشَّيْءَ ويُوَضِّحُهُ.

يُقالُ: أسْفَرَ الصُّبْحُ: إذا أضاءَ.

وسَفَرَتِ المَرْأةُ: إذا كَشَفَتِ النِّقابَ عَنْ وجْهِها.

ومِنهُ: سَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ، أيْ: كَشَفْتُ ما في قَلْبِ هَذا، وقَلْبِ هَذا، لِأُصْلِحَ بَيْنَهم.

والثّانِي: أنَّهُمُ القُرّاءُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ السُّفَراءُ، وهُمُ المُصْلِحُونَ.

قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: سَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ، أيْ: أصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، فَجُعِلَتِ المَلائِكَةُ إذا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ، كالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ القَوْمِ.

قالَ الشّاعِرُ: وما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي وما أمْشِي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِرامٍ ﴾ أيْ: عَلى رَبِّهِمْ ﴿ بَرَرَةٍ ﴾ أيْ: مُطِيعِينَ.

قالَ الفَرّاءُ: واحِدُ " البَرَرَةِ " في قِياسِ العَرَبِيَّةِ: بارٌّ، لِأنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ: فَعْلَةً يَنْوُونَ بِهِ الجَمْعَ إلّا والواحِدُ مِنهُ فاعِلٌ، مِثْلُ كافِرٍ، وكَفَرَةٍ، وفاجِرٍ، وفَجَرَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقِصَصُ هَذِهِ السُورَةِ الَّتِي لا تُفْهَمُ الآيَةُ إلّا بِهِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إسْلامِ قُرَيْشٍ وأشْرافِهِمْ، وكانَ يَتَحَفّى بِدُعائِهِمْ إلى اللهِ تَعالى، فَبَيْنَما هو يَوْمًا مَعَ رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ، قِيلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ، وقِيلَ: عُتَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وقِيلَ: شَيْبَةُ، وقِيلَ: العَبّاسُ، وقِيلَ: أُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وقِيلَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ في جَمْعٍ مِنهُمْ، فِيهِمْ عُتْبَةُ والعَبّاسُ وأبُو جَهْلٍ، إذْ أقْبَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أمِّ مَكْتُومٍ القُرَشِيُّ الفِهْرِيُّ مِن بَنِي عامِرٍ بْنِ لُؤَيِّ، وهو رَجُلٌ أعْمى، يَقُودُهُ رَجُلٌ آخَرُ، فَأومَأ رَسُولُ اللهِ  إلى قائِدِهِ أنْ يُؤَخِّرَهُ عنهُ، فَفَعَلَ، فَدَفَعَهُ عَبْدُ اللهِ وأقْبَلَ نَحْوَ رَسُولِ اللهِ  ، وقالَ: اسْتَدْنِنِي يا مُحَمَّدُ، عِلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللهُ، فَكانَ في ذَلِكَ كُلِّهِ قَطْعٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ  مَعَ الرَجُلِ المَذْكُورِ مِن قُرَيْشٍ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  قَدْ قَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ وقالَ لَهُ: أتُرى بِما أقُولُ بَأْسًا؟

فَكانَ ذَلِكَ الرَجُلُ يَقُولُ: لا والدُمى -يَعْنِي الأصْنامَ- ويُرْوى: لا والدِما- يَعْنِي الذَبائِحَ لِلْأصْنامِ-، فَلَمّا شَغَبَ عَلَيْهِ أمْرُ عَبْدِ اللهِ بْن أُمِّ مَكْتُومٍ عَبَسَ وأعْرَضَ عنهُ، وذَهَبَ ذَلِكَ الرَجُلُ، فَيَرْوِي أنَّ النَبِيَّ  انْصَرَفَ إلى بَيْتِهِ فَلَوى رَأْسَهُ وشَخَصَ بَصَرُهُ وأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُورَةُ.

قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ إذا رَأى ابْنَ أُمَّ مَكْتُومٍ قالَ: مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، وبَسَطَ لَهُ رِداءَهُ، وقالَ لَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: رَأيْتُهُ يَوْمَ القادِسِيَّةِ وعَلَيْهِ دِرْعٌ ومَعَهُ رايَةٌ سَوْداءُ، واسْتَخْلَفَهُ النَبِيُّ  عَلى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ.» قوله عزّ وجلّ: ﴿ عَبَسَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ أنْ جاءَهُ الأعْمى ﴾ ﴿ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى ﴾ ﴿ أو يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِكْرى ﴾ ﴿ أمّا مَنِ اسْتَغْنى ﴾ ﴿ فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى ﴾ ﴿ وَما عَلَيْكَ ألا يَزَّكّى ﴾ ﴿ وَأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى ﴾ ﴿ وَهُوَ يَخْشى ﴾ ﴿ فَأنْتَ عنهُ تَلَهّى ﴾ ﴿ كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ ﴾ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ ﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴾ ﴿ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴾ ﴿ بِأيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ ﴿ كِرامٍ بَرَرَةٍ ﴾ ﴿ قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ ﴾ "العُبُوسُ": تَقْطِيبُ الوَجْهِ وارْبِدادُهُ عِنْدَ كَراهِيَةِ أمْرٍ، وفي مُخاطَبَتِهِ  بِلَفْظِ ذِكْرِ الغائِبِ مُبالَغَةً في العَتَبِ، لِأنَّ في ذَلِكَ بَعْضَ الإعْراضِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وابْنُ زَيْدٍ، وعائِشَةُ وغَيْرُهُما مِنَ الصَحابَةِ: لَوْ كانَ رَسُولُ اللهِ  كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآياتِ وآياتِ قِصَّةِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ.

و"التَوَلِّي" هُنا الإعْراضُ، و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "آَنْ جاءَهُ" بِمُدَّةِ تَقْرِيرٍ وتَوْقِيفٍ، والوَقْفُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- عَلى "تَوَلّى" وهي قِراءَةُ عِيسى.

وذَكَرَ اللهُ تَعالى ابْنَ أُمَّ مَكْتُومٍ بِصِفَةِ العَمى الَّذِي شَأْنُ البَشَرِ احْتِقارُهُ، وبَيْنَ أمْرِهِ بِذِكْرِ ضِدِّهِ مِن غِنى ذَلِكَ الكافِرِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذِكْرَ هَذِهِ العاهاتِ، مَتّى كانَتْ لِمَنفَعَةٍ أو لِأنَّ شُهْرَتَها تُعَرِّفُ السامِعَ صاحِبَها دُونَ لَبْسٍ، جائِزٍ، ومِنهُ قَوْلُ المُحْدِّثِينَ سُلَيْمانَ الأعْمَشِ، وعَبْدِ الرَحْمَنِ الأعْرَجِ، وسالِمٍ الأفْطَسِ، ونَحْوِ هَذا.

ومَتى ذُكِرَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلى جِهَةِ التَنَقُّصِ فَتِلْكَ الغَيْبَةُ، «وَقَدْ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ  عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها تَذْكُرُ امْرَأةً، فَقالَتْ: إنَّها لَقَصِيرَةٌ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِالبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ".» ثُمَّ خاطَبَ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالعَتَبِ فَقالَ: ﴿ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى ﴾ ﴿ أو يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِكْرى ﴾ أيْ: وما يُطْلِعُكَ عَلى أمْرِهِ وعُقْبى حالِهِ؟

ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ: "لَعَلَّهُ يَزَّكّى"، أيْ: تَنْمُو بَرَكَتُهُ ويَتَطَهَّرُهُ لِلَّهِ تَعالى ويَنْفَعُ إيمانَهُ.

وأصْلُ "يَزَّكّى": يَتَزَكّى، فَأدْغَمَ التاءَ في الزايِ، وكَذَلِكَ "يَذَّكَّرُ".

وقَرَأ الأعْرَجُ: "يَذْكُرُ" بِسُكُونِ الذالِ وضُمِّ الكافِ، ورَوَيْتُ عن عاصِمٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "فَتَنْفَعُهُ" بِضَمِّ العَيْنِ عَلى العَطْفِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ، والأعْرَجُ: "فَتَنْفَعُهُ" بِالنَصْبِ في جَوابِ التَمَنِّي؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "أو يَذَّكَّرُ" في حُكْمِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "لَعَلَّهُ يَزَّكّى".

ثُمَّ أكَّدَ تَعالى عَتَبَ نَبِيَّهِ  بِقَوْلِهِ: ﴿ أمّا مَنِ اسْتَغْنى ﴾ أيْ بِمالِهِ، و"تَصَدّى" مَعْناهُ: تَتَعَرَّضُ بِنَفْسِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "تَصَدّى" بِشَدِّ الصادِ، عَلى إدْغامِ التاءِ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وعِيسى، والأعْمَشُ "تَصَدّى" بِتَخْفِيفِ الصادِ عَلى حَذْفِ التاءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "تُصَدّى" بِضَمِّ التاءِ وتَخْفِيفِ الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ، أيْ: تَصَدِّيكَ حِرْصُكَ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنْ يُسْلِمُوا، تَقُولُ: تَصَدّى الرَجُلُ وصِدَيْتُهُ، كَما تَقُولُ: تَكَسَّبَ وكَسَبَتْهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى تَحْقِيرًا لِشَأْنِ الكُفّارِ: ﴿ وَما عَلَيْكَ ألا يَزَّكّى ﴾ أيْ: وما يَضُرُّكَ ألّا يُفْلِحَ؟

فَهَذا حَضٌّ عَلى الإعْراضِ عن أمْرِهِمْ، وتَرْكُ الِاكْتِراثِ بِهِمْ.

ثُمَّ قالَ تَعالى مُبالِغًا في العَتَبِ: ﴿ وَأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى ﴾ ، أيْ يَمْشِي، وقِيلَ: المَعْنى: يَسْعى في شُئُونِهِ وأمْرِ دِينِهِ وتَقَرُّبُهُ مِنكَ، وهو يَخْشى اللهَ تَعالى، ﴿ فَأنْتَ عنهُ تَلَهّى ﴾ ، أيْ: تَشْتَغِلُ، تَقُولُ: لُهِيتُ عَنِ الشَيْءِ أُلْهى إذا اشْتَغَلْتُ، ولَيْسَ مِنَ اللهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ، أما إنِ المَعْنى يَتَداخَلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "تَلَهّى" بِفَتْحِ التاءِ عَلى حَذْفِ التاءِ الواحِدَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "تَلَهّى" بِالإدْغامِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "تَتَلَهّى" بِتاءَيْنِ، ورُوِيَ عنهُ "تَلْهى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ اللامِ وتَخْفِيفِ الهاءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "تُلْهى" بِضَمِّ التاءِ، أيْ يُلْهِيكَ حِرْصُكَ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ، وفي حَدِيثِ النَبِيِّ  : « "وَما اسْتَأْثَرَ اللهُ بِهِ فالهُ عنهُ"» وقَوْلُهُ تَعالى فِي هاتَيْنِ: ( أمّا مَن )، ( وأمّا مَن ) فالسَبَبُ ما ذُكِرَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وعَبْدِ اللهِ بْن أُمِّ مَكْتُومٍ، ثُمَّ هي بَعْدُ تَتَناوَلُ مِن شِرْكِهِمْ في هَذِهِ الأوصافِ، فَحَمَلَةُ الشَرْعِ والعِلْمِ مُخاطِبُونَ في تَقْرِيبِ الضَعِيفِ مِن أهْلِ الخَيْرِ، وتَقْدِيمِهِ عَلى الشَرِيفِ العارِي مِنَ الخَيْرِ، بِمِثْلِ ما خُوطِبَ بِهِ النَبِيُّ  في هَذِهِ السُورَةِ.

ثُمَّ قالَ: "كَلّا" يا مُحَمَّدُ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ في حَقِّهِ كَما فَعَلْتَ، إنَّ هَذِهِ السُورَةَ والقِراءَةَ الَّتِي كُنْتَ فِيها مَعَ ذَلِكَ الكافِرِ تَذْكِرَةٌ لِجَمِيعِ العالِمِ، لا يُؤَثِّرُ فِيها أحَدٌ دُونَ أحَدٍ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّ هَذِهِ المَعْتَبَةَ تَذْكِرَةٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ إجْلالٌ لِمُحَمَّدٍ  وتَأْنِيسٌ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي صُحُفٍ ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّها تَذْكِرَةٌ ﴾ ، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ التَذْكِرَةَ يُرادُ بِها جَمِيعَ القُرْآنِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الصُحُفُ هُنا اللَوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ المَنَزَّلَةُ، وقِيلَ: مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "السُفْرَةِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ، يُقالُ: سَفْرْتُ أيْ كَتَبْتُ، ومِنهُ السِفْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَلائِكَةُ سَفَرَةٌ لِأنَّهم يُسْفِرُونَ بَيْنَ اللهِ تَعالى وبَيْنَ أنْبِيائِهِ، وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَفَرَةِ: سافِرٌ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهْ: هُمُ الصَحابَةُ؛ لِأنَّ بَعْضَهم يُسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَبَرِ والتَعْلِيمِ والتَعَلُّمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:.

وما أدَعُ السِفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي ∗∗∗ ولا أمْشِي بِغِشٍّ إنْ مَشِيتُ و"الصُحُفُ" -عَلى هَذا- صُحُفٌ عِنْدَ المَلائِكَةِ أوِ اللَوْحِ، وعَلى القَوْلِ الآخَرِ هي المَصاحِفُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ الإنْسانُ ﴾ دُعاءٌ عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وهو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، والمَعْنى: قَتْلُ الإنْسانِ الكافِرِ، ومَعْنى "قُتِلَ": هو أهْلٌ أنْ يُدْعى عَلَيْهِ بِهَذا، وقالَ مُجاهِدٌ: "قُتِلَ" مَعْناهُ: لُعِنَ، وهَذا تَحَكُّمٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أكْفَرَهُ ﴾ يُحْتَمَلُ مَعْنى التَعَجُّبِ، ويُحْتَمَلُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ تَوْقِيفًا، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ؟

أيْ جَعَلَهُ كافِرًا.

وقِيلَ: «إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، وذَلِكَ أنَّهُ غاضَبَ أباهُ فَأتى النَبِيَّ  ، ثُمَّ إنَّ أباهُ اسْتَصْلَحَهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشامِ، فَبَعَثَ عُتْبَةَ إلى النَبِيِّ  وقالَ: إنِّي كافِرٌ بِرَبِّ النَجْمِ إذا هَوى، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "اللهُمَّ ابْعَثْ إلَيْهِ كَلْبَكَ حَتّى يَأْكُلَهُ"، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: "ما يَخافُ أنْ يُرْسِلَ اللهُ عَلَيْكَ كَلْبَهُ"، ثُمَّ إنْ عُتْبَةَ خَرَجَ في سَفْرَةٍ فَجاءَ الأسَدُ فَأكَلَهُ بَيْنَ الرُفْقَةِ.» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ تلهى ﴾ .

إبطال وقد تقدم ذكر (كلاّ) في سورة مريم (79 82)، وتقدم قريباً في سورة النبأ (4، 5)، وهو هنا إبطال لما جرى في الكلام السابق ولو بالمفهوم كما في قوله: ﴿ وما يدريك لعله يزكى ﴾ [عبس: 3].

ولو بالتعريض أيضاً كما في قوله: ﴿ عبس وتولى ﴾ [عبس: 1].

وعلى التفسير الثاني المتقدم ينصرف الإِبطال إلى ﴿ عبس وتولى ﴾ خاصة.

ويجوز أن يكون تأكيداً لقوله: ﴿ وما عليك ألاَّ يزكى ﴾ [عبس: 7] على التفسيرين، أي لا تظن أنك مسؤول عن مكابرته وعناده فقد بلَّغت ما أمرتَ بتبليغه.

﴿ كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ * فَى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِى سَفَرَةٍ * كِرَامٍ ﴾ .

استئناف بعد حرف الإِبطال، وهو استئناف بياني لأن ما تقدم من العتاب ثم ما عقبه من الإِبطال يثير في خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم الحيرة في كيف يكون العمل في دعوة صناديد قريش إذا لم يتفرغ لهم لئلا ينفروا عن التدبر في القرآن، أو يثير في نفسه مخافة أن يكون قصَّر في شيء من واجب التبليغ.

وضمير ﴿ إنها ﴾ عائد إلى الدعوة التي تضمنها قوله: ﴿ فأنت له تصدى ﴾ [عبس: 6].

ويجوز أن يَكون المعنى: أن هذه الموعظة تذكرة لك وتنبيه لما غفلت عنه وليست ملاماً وإنما يعاتب الحبيبُ حبيبَه.

ويجوز عندي أن يكون ﴿ كلا إنها تذكرة ﴾ استئنافاً ابتدائياً موجهاً إلى من كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه قُبيل نزول السورة فإنه كان يَعرض القرآن على الوليد بن المغيرة ومَن معه، وكانوا لا يستجيبون إلى ما دعاهم ولا يصدقون بالبعث، فتكون (كلاّ) إبطالاً لما نَعتوا به القرآن من أنه أساطير الأولين أو نحوِ ذلك.

فيكون ضمير ﴿ إنها تذكرة ﴾ عائداً إلى الآيات التي قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم في ذلك المجلس ثم أعيد عليها الضمير بالتذكير للتنبيه على أن المراد آيات القرآن.

ويؤيد هذا الوجهَ قولُه تعالى عَقبه: ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ [عبس: 17] الآيات حيث ساق لهم أدلة إثبات البعث.

فكان تأنيث الضمير نكتةً خصوصية لتحميل الكلام هذه المعاني.

والضمير الظاهر في قوله: ﴿ ذكره ﴾ يجوز أن يعود إلى ﴿ تذكرة ﴾ لأن مَا صَدْقَها القرآن الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرضه على صناديد قريش قُبيل نزول هذه السورة، أي فمن شاء ذكرَ القرآن وعمل به.

ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى الله تعالى فإن إعادة ضمير الغيبة على الله تعالى دون ذِكر معاده في الكلام كثير في القرآن لأن شؤونه تعالى وأحكامه نزل القرآن لأجلها فهو ملحوظ لكل سامع للقرآن، أي فمن شاء ذكر الله وتوخّى مرضاته.

والذِكر على كلا الوجهين: الذكر بالقلب، وهو توخّي الوقوف عند الأمر والنهي.

وتعدية فعل (ذكر) إلى ذلك الضمير على الوجهين على حذف مضاف يناسب المقام.

والذي اقتضى الإِتيانَ بالضمير وكونه ضمير مذكر مراعاةُ الفواصل وهي: ﴿ تذكرهْ، مطهرهْ، سفرهْ، بررهْ ﴾ .

وجملة: ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ معترضة بين قوله: ﴿ تذكرة ﴾ وقوله: ﴿ في صحف ﴾ .

والفاء لتفريع مضمون الجملة على جملة ﴿ إنها تذكرة ﴾ فإن الجملة المعترضة تقترن بالفاء إذا كان معنى الفاء قائماً، فالفاء من جملة الاعتراض، أي هي تذكرة لك بالأصالة وينتفع بها من شاء أن يتذكر على حسب استعداده، أي يتذكر بها كل مسلم كقوله تعالى: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ [الزخرف: 44].

وفي قوله: ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ تعريض بأن موعظة القرآن نافعة لكل أحد تجرد عن العناد والمكابرة، فمن لم يتعظ بها فلأنه لم يشأ أن يتعظ.

وهذا كقوله تعالى: ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها ﴾ [النازعات: 45] وقوله: ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ [التكوير: 28] وقوله: ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين ﴾ [الحاقة: 48] ونحوه كثير، وقد تقدم قريب منه في قوله تعالى: ﴿ فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً ﴾ في سورة الإنسان (29).

والتذكرة: اسم لما يُتذكر به الشيءُ إذا نُسي.

قال الراغب: وهي أعم من الدلالة والأمارة قال تعالى: ﴿ فما لهم عن التذكرة معرضين ﴾ وتقدم نظيره في سورة المدثر (49).

وكل من تذكرة } و ﴿ ذكره ﴾ هو من الذكر القلبي الذي مصدره بضم الدال في الغالب، أي فمن شاء عمل به ولا ينسه.

والصحف: جمع صحيفة، وهي قطعة من أديم أو وَرَق أو خرقةٌ يكتب فيها الكتاب، وقياس جمعها صحائف، وأما جمعها على صحف فمخالف للقياس، وهو الأفصح ولم يرد في القرآن إلا صُحف، وسيأتي في سورة الأعلى، وتطلق الصحيفة على ما يكتب فيه.

و ﴿ مطهرة ﴾ اسم مفعول مِن طَهَّره إذا نظَّفه.

والمراد هنا: الطهارة المجازية وهي الشرف، فيجوز أن يحمل الصحف على حقيقته فتكون أوصافها ب ﴿ مُكرمة، مرفوعة، مطهرة ﴾ محمولة على المعاني المجازية وهي معاني الاعتناء بها كما قال تعالى: ﴿ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ﴾ [النمل: 29].

وتشريفها كما قال تعالى: ﴿ إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ [المطففين: 18] وقُدسِيةِ معانيها كما قال تعالى: ﴿ ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ﴾ [البقرة: 129]، وكان المرادُ بالصحف الأشياء التي كتب فيها القرآن من رقوق وقراطيسَ، وأكتاف، ولِخاف، وجريد.

فقد روي أن كتَّاب الوحي كانوا يكتبون فيها كما جاء في خبر جمع أبي بكر للمصحف حين أمر بكتابته في رقوق أو قراطيس، ويكون إطلاق الصحف عليها تغليباً ويكون حرف (في) للظرفية الحقيقية ويكون المراد بالسفرة جمع سافر، أي كاتب، وروي عن ابن عباس.

قال الزجاج: وإنما قيل للكتاب سفر (بكسر السين) وللكاتب سَافر؛ لأن معناه أنه يبين الشيء ويوضحه يقال: أسفر الصبح، إذا أضاء وقاله الفراء.

ويجوز أن يراد بالصحف كتب الرسل الذين قبل محمد صلى الله عليه وسلم مثل التوراة والإِنجيل والزبور وصحف إبراهيم عليه السلام.

فتكون هذه الأوصاف تأييداً للقرآن بأن الكتب الإلهية السابقة جاءت بما جاء به.

ومعنى كون هذه التذكرة في كتب الرسل السابقين: أن أمثال معانيها وأصولها في كتبهم، كما قال تعالى: ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ [الأعلى: 18 19] وكما قال: ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ [الشعراء: 196] وكما قال: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ [الشورى: 13].

ويجوز أن يراد بالصحف صحفٌ مجازية، أي ذوات موجودةٌ قدسيةٌ يتلقى جبريل عليه السلام منها القرآن الذي يؤمر بتبليغه للنبيء صلى الله عليه وسلم ويكون إطلاق الصحف عليها لشبهها بالصحف التي يكتب الناس فيها.

ومعنى ﴿ مكرمة ﴾ عناية الله بها، ومعنى ﴿ مرفوعة ﴾ أنها من العالم العلوي، ومعنى ﴿ مطهرة ﴾ مقدسة مباركة، أي هذه التذكرة مما تضمنه علم الله وما كتبه للملائكة في صحف قدسية.

وعلى الوجهين المذكورين في المراد بالصحف (فَسَفَرة) يجوز أن يكون جمع سَافر، مثل كاتب وكتبة، ويجوز أن يكون اسم جمع سَفير، وهو المرسَل في أمر مهم، فهو فَعيل بمعنى فاعل، وقياس جمعه سفراء وتكون (في) للظرفية المجازية، أي المماثلة في المعاني.

وتأتي وجوهٌ مناسبة في معنى ﴿ سفرة ﴾ ، فالمناسب للوجه الأول: أن يكون السفرة كتاب القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يكون المراد قراءُ القرآن، وبه فسر قتادة وقال: هم بالنبطية القُراء، وقال غيرهم: الوراقون باللغة العبرانية.

وقد عدت هذه الكلمة في عداد ما ورد في القرآن من المعرّب كما في «الإِتقان» عن ابن أبي حاتم، وقد أغفلها السيوطي فيما استدركه على ابن السبكي وابن حجر في نظميهما في المعرَّب في القرآن أو قَصد عدم ذكرها لوقوع الاختلاف في تعريبها.

والمناسب للوجه الثاني: أن يكون محمله الرسل.

والمناسب للوجه الثالث: أن يكون محمله الملائكة لأنهم سفراءُ بين الله ورسله.

والمراد بأيْديهم: حِفْظهم إياه إلى تبليغه، فمثّل حال الملائكة بحال السفراء الذين يحملون بأيديهم الألوك والعُهود.

وإما أن يراد: الرسلُ الذين كانت بأيديهم كتُبهم مثل موسى وعيسى عليهما السلام.

وإما أن يراد كتَّاب الوحي مثل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعمر وعثمان وعلي وعامر بن فهيرة.

وكان بعض المسلمين يكتب ما يتلقاه من القرآن ليدرسه مثل ما ورد في حديث إسلام عمر بن الخطاب من عُثُوره على سورة طه مكتوبة عند أخته أم جميل فاطمة زوج سعيد بن زيد.

وفي وصفهم بالسفرة ثناء عليهم لأنهم يبلغون القرآن للناس وهم حفاظه ووعاته قال تعالى: ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ [العنكبوت: 49] فهذا معنى السفرة.

وفيه بشارة بأنهم سينشرون الإِسلام في الأمم وقد ظهر مما ذكرنا ما لكلمة ﴿ سفرة ﴾ من الوقع العظيم المعجز في هذا المقام.

ووصف ﴿ كرام ﴾ مما وصف به الملائكة في آيات أخرى كقوله تعالى ﴿ كراماً كاتبين ﴾ [الانفطار: 11].

ووصف البرَرة ورد صفةً للملائكة في الحديث الصحيح قوله: " الذي يقرأ القرآن وهو ماهِر به مع السَفرة الكرام البرَرَة ".

والبررة: جمع بَرّ، وهو الموصوف بكثرة البرور.

وأصل بَرّ مصدر بَرَّ يبَرّ من باب فَرح، ومصدره كالفَرح، فهذا من باب الوصف بالمصدر مثل عَدل وقد اختص البررة بجمع بَرّ ولا يكون جمع بارّ.

والغالب في اصطلاح القرآن أن البررة الملائكةُ والأبرارَ الآدميون.

قال الراغب: «لأن بررة أبلغ من أبرار إذ هو جمع بَرّ، وأبرار جمع بَار، وبَرّ أبلغ من بار كما أن عَدلا أبلغ من عادل».

وهذا تنويه بشأن القرآن لأن التنويه بالآيات الواردة في أول هذه السورة من حيث إنها بعض القرآن فأثني على القرآن بفضيلة أثَره في التذكير والإِرشاد، وبرفعة مكانته، وقدس مصدره، وكرم قراره، وطهارته، وفضائل حَمَلَتِه ومبلغيه، فإن تلك المدائح عائدة إلى القرآن بطريق الكناية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ عَبَسَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ أنْ جاءَهُ الأعْمى ﴾ رَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زائِدَةَ مِن بَنِي فِهْرٍ، وكانَ ضَرِيرًا، أتى رَسُولَ اللَّهِ  يَسْتَقْرِئُهُ وهو يُناجِي بَعْضَ عُظَماءِ قُرَيْشٍ - وقَدْ طَمِعَ في إسْلامِهِمْ - قالَ قَتادَةُ: هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: هُما عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، فَأعْرَضَ النَّبِيُّ  عَنِ الأعْمى وعَبَسَ في وجْهِهِ، فَعاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى في إعْراضِهِ وتَوَلِّيهِ فَقالَ ﴿ عَبَسَ وتَوَلّى ﴾ أيْ قَطَّبَ وأعْرَضَ ﴿ أنْ جاءَهُ الأعْمى ﴾ يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.

﴿ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُؤْمِنُ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّانِي: يَتَعَبَّدُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: يَحْفَظُ ما يَتْلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: يَتَفَقَّهُ في الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهُ يَزَّكّى ويَذَّكَّرُ، والألِفُ صِلَةٌ، وفي الذِّكْرى وجْهانِ: أحَدُها: الفِقْهُ.

الثّانِي: العِظَةُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكانَ النَّبِيُّ  إذا نَظَرَ إلَيْهِ مُقْبِلًا بَسَطَ لَهُ رِداءَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ إكْرامًا لَهُ.

قالَ قَتادَةُ: واسْتَخْلَفَهُ عَلى صَلاةِ النّاسِ بِالمَدِينَةِ في غَزاتَيْنِ مِن غَزَواتِهِ، كُلُّ ذَلِكَ لِما نَزَلَ فِيهِ.

﴿ كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَذْكِرَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَمَن شاءَ اللَّهُ ألْهَمَهُ الذِّكْرَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: فَمَن شاءَ أنْ يَتَذَكَّرَ بِالقُرْآنِ أذْكَرَهُ اللَّهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.

﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُكَرَّمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مُكَرَّمَةٌ في الدِّينِ لِما فِيها مِنَ الحِكَمِ والعِلْمِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ نَزَلَ بِها كِرامُ الحَفَظَةِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا رابِعًا: أنَّها نَزَلَتْ مِن كِرِيمٍ، لِأنَّ كَرامَةَ الكِتابِ مِن كَرامَةِ صاحِبِهِ.

﴿ مَرْفُوعَةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَرْفُوعَةٌ في السَّماءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: مَرْفُوعَةُ القَدْرِ والذِّكْرِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشَّبَهِ والتَّناقُضِ.

﴿ مُطَهَّرَةٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِنَ الدَّنَسِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: لِأنَّها نَزَلَتْ مِن طاهِرٍ مَعَ طاهِرٍ عَلى طاهِرٍ.

﴿ بِأيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السُّفْرَةَ الكَتَبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ المُفَضَّلُ: هو مَأْخُوذٌ مِن سَفَرَ يُسْفِرُ سَفَرًا، إذا كَتَبَ، قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لِلْكِتابِ سِفْرٌ ولِلْكاتِبِ سافِرٌ مِن تَبْيِينِ الشَّيْءِ وإيضاحِهِ، كَما يُقالُ أسْفَرَ الصُّبْحُ إذا وضَحَ ضِياؤُهُ وظَهَرَ، وسَفَرَتِ المَرْأةُ إذا كَشَفَتْ نِقابَها.

الثّانِي: أنَّهُمُ القُرّاءُ، قالَ قَتادَةُ لِأنَّهم يَقْرَؤُونَ الأسْفارَ.

الثّالِثُ: هُمُ المَلائِكَةُ، لِأنَّهُمُ السُّفْرَةُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورُسُلِهِ بِالرَّحْمَةِ، قالَ زَيْدٌ، كَما يُقالُ سَفَرَ بَيْنَ القَوْمِ إذا بَلَغَ صَلاحًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ وما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي وما أمْشِي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ ﴿ كِرامٍ بَرَرَةٍ ﴾ في الكِرامِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كِرامٌ عَلى رَبِّهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: كِرامٌ عَنِ المَعاصِي فَهم يَرْفَعُونَ أنْفُسَهم عَنْها، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: يَتَكَرَّمُونَ عَلى مَن باشَرَ زَوْجَتَهُ بِالسِّتْرِ عَلَيْهِ دِفاعًا عَنْهُ وصِيانَةً لَهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهم يُؤْثِرُونَ مَنافِعَ غَيْرِهِمْ عَلى مَنافِعَ أنْفُسِهِمْ.

وَفي ﴿ بَرَرَةٍ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُطِيعِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: صادِقِينَ واصِلِينَ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

الثّالِثُ: مُتَّقِينَ مُطَهَّرِينَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا رابِعًا: أنَّ البَرَرَةَ مَن تَعَدّى خَيْرُهم إلى غَيْرِهِمْ، والخِيَرَةُ مَن كانَ خَيْرُهم مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن الضريس عن أبي وائل: «أن وفد بني أسد أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أنتم؟

فقالوا: نحن بنو الزينة أحلاس الخيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنتم بنو رشدة فقال الحضرمي بن عامر: والله لا نكون كبني المحوسلة، وهم بنو عبدالله بن غطفان كان يقال لهم بنو عبد العزى بن غطفان.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: هل تقرأ من القرآن شيئاً؟

قال: نعم، فقال: اقرأه فقرأ من ﴿ عبس وتولى ﴾ ما شاء الله أن يقرأ، ثم قال: وهو الذي منَّ على الحبلى فأخرج منها نسمة تسعى بين شراسيف وحشا.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تزد فيها فإنها كافية» .

وأخرج ابن النجار عن أنس قال: «استأذن العلاء بن يزيد الحضرمي على النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له فتحدثا طويلاً ثم قال له: يا علاء تحسن من القرآن شيئاً؟

قال: نعم، ثم قرأ عليه عبس حتى ختمها فانتهى إلى آخرها وزاد في آخرها من عنده: وهو الذي أخرج من الحبلى نسمة تسعى من بين شراسيف وحشا فصاح به النبي صلى الله عليه وسلم: يا علاء إنته فقد انتهت السورة» والله أعلم.

أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: أنزل سورة عبس وتولى في ابن أم مكتوم والأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول أترى بما أقول بأساً فيقول لا، ففي هذا أنزلت.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس من ناس من وجوه قريش منهم أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة فيقول لهم أليس حسناً أن جئت بكذا وكذا؟

فيقولون: بلى والله، فجاء ابن أم مكتوم وهو مشتغل بهم فسأله فأعرض عنه، فأنزل الله: ﴿ أما من استغنى فأنت له تصدى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى ﴾ يعني ابن أم مكتوم» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو يعلى عن أنس قال: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكلم أبيّ بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله: ﴿ عبس وتولى أن جاءه الأعمى ﴾ فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبا جهل بن هشام، وكان يتصدى لهم كثيراً، ويحرص أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبدالله بن أم مكتوم يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبدالله يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن.

قال يا رسول الله: علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبس في وجهه، وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين.

فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله ببعض بصره ثم خفق برأسه ثم أنزل الله: ﴿ عبس وتولى أن جاءه الأعمى ﴾ فلما نزل فيه ما نزل أكرمه نبي الله وكلمه يقول له: ما حاجتك؟

هل تريد من شيء؟» .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك في قوله: ﴿ عبس وتولى ﴾ قال: جاءه عبدالله بن أم مكتوم فعبس في وجهه وتولى، وكان يتصدى لأمية بن خلف، فقال الله: ﴿ أما من استغنى فأنت له تصدى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم قال: ما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية متصدياً لغني ولا معرضاً عن فقير.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي كتم هذا عن نفسه.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال: «أقبل ابن أم مكتوم الأعمى وهو الذي نزل فيه ﴿ عبس وتولى أن جاءه الأعمى ﴾ فقال يا رسول الله كما ترى قد كبرت سني ورق عظمي وذهب بصري ولي قائد لا يلائمني قياده إياي فهل تجد لي من رخصة أصلي الصلوات الخمس في بيتي؟

قال هل تسمع المؤذن؟

قال: نعم، قال: ما أجد لك من رخصة» .

وأخرج ابن مردويه عن كعب بن عجرة: «إن الأعمى الذي أنزل الله فيه ﴿ عبس وتولى ﴾ أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أني أسمع النداء ولعلي لا أجد قائداً، فقال: إذا سمعت النداء فأجب داعي الله» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أن جاءه الأعمى ﴾ قال: رجل من بين فهر اسمه عبدالله بن أم مكتوم ﴿ أما من استغنى ﴾ عتبة بن ربيعة وأميه بن خلف.

وأخرج ابن سعد وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ عبس وتولى ﴾ قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً من أشراف قريش فدعاه إلى الإِسلام، فأتاه عبدالله بن أم مكتوم، فجعل يسأله عن أشياء من أمر الإِسلام، فعبس في وجهه، فعاتبه الله في ذلك، فلما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم فأكرمه، واستخلفه على المدينة مرتين.

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه في شعب الإِيمان عن مسروق قال: دخلت على عائشة وعندها رجل مكفوف تقطع له الأترج وتطعمه إياه بالعسل، فقلت: من هذا يا أم المؤمنين؟

فقالت: هذا ابن أم مكتوم الذي عاتب الله فيه نبيه صلى الله عليه وسلم قالت: أتى نبي الله وعنده عتبة وشيبة فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما فنزلت ﴿ عبس وتولى أن جاءه الأعمى ﴾ ابن أم مكتوم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مستخلياً بصنديد من صناديد قريش وهو يدعوه إلى الله وهو يرجو أن يسلم إذا أقبل عبدالله بن أم مكتوم الأعمى، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كره مجيئه، وقال في نفسه: يقول هذا القرشي إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد، فعبس فنزل الوحي ﴿ عبس وتولى ﴾ إلى آخر الآية.

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة ﴾ قال: هي عند الله ﴿ بأيدي سفرة ﴾ قال: هي القرآن.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ بأيدي سفرة ﴾ قال: كتبة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه ﴿ بأيدي سفرة كرام بررة ﴾ قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: السفرة الكتبة من الملائكة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ بأيدي سفرة ﴾ قال: كتبة.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن عطاء بن أبي رباح مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ سفرة ﴾ قال: بالنبطية القراء.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كرام بررة ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج أحمد والأئمة الستة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة والذي يقرؤه، وهو عليه شاق له أجران» والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال: ﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ قال المفسرون: هم الكتبة من الملائكة، وهو قول ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قال أبو إسحاق: السفرة الكتبة، يعني بهم الملائكة، واحدهم: سافر، مثل كاتب، وكتبة، وإنما قيل [للكتاب] (٦) (٧) وجعل الفراء: السفرة -هاهنا- الملائكة الذين يَسفِرون بالوحي بين الله وبين رسله، فقال: واحد السفرة: سافر، والعرب تقول: سفرت بين القوم، إذا أصلحت بينهم، فجعلت الملائكة إذا نزلت بالوحي وتأديبه كالسفير الذي يصلح بين القوم، وأنشد (٨) وما أدعُ السِّفارةَ بينَ قومي ...

وما أمْشي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ (٩) (١٠) (١١) (١) ورد بنحو قوله في: "جامع البيان" 30/ 53، "النكت والعيون" 6/ 204، "معالم التنزيل" 4/ 447، "المحرر الوجيز" 5/ 438، "زاد المسير" 8/ 82، "التفسير الكبير" 31/ 59، "البحر المحيط" 8/ 428، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 502.

(٢) "التفسير الكبير" 31/ 59.

(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٤) "معالم التنزيل" 4/ 447، "زاد المسير" 8/ 182، "التفسير الكبير" 31/ 59، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 214، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 502، "الدر المنثور" 8/ 418 وعزاه إلى عبد بن حميد.

(٥) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 348، "جامع البيان" 30/ 53، "التفسير الكبير" 31/ 59، "الدر المنثور" 8/ 418 وعزاه إلى عبد بن حميد.

(٦) في كلا النسختين: الكاتب، وأثبت ما جاء في "معاني القرآن وإعرابه" لصوابه.

وأصل العبارة الواردة: وإنما قيل للكتاب سَفَرة، وللكاتب سافر.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 284 مختصرًا.

(٨) لم أعثر على قائله.

(٩) ورد البيت غير منسوب في: "جامع البيان" 30/ 54، "النكت والعيون" 6/ 204، "المحرر الوجيز" 5/ 438، "زاد المسير" 8/ 182، "التفسير الكبير" 31/ 59، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 214، "البحر المحيط" 425، "تفسير القرآن == العظيم" 4/ 502، وفي "الجامع لأحكام القرآن"، والبحر برواية: "فما" بدلاً من "وما أدع"، و"ما أسعى" بدلاً من: "ما أمشي".

والنقل من "معاني القرآن" 3/ 236 بيسير من التصرف.

(١٠) قال ابن فارس: "سفر" أصل واحد يدل على الانكشاف والجلاء، من ذلك: السَّفَر؛ سمي بذلك لأن الناس ينكشفون عن أماكنهم وأسفر الصبح، وذلك لانكشاف الظلام.

"مقاييس اللغة" 3/ 82: (سفر).

وانظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي 2/ 49: (سفر).

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 284 بيسير من التصرف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَلاَّ ﴾ ردع عن معاودة ما وقع العتاب فيه ﴿ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أن هذا الكلام المتقدّم تذكرة أو موعظة للنبي صلى الله عليه وسلم، والآخر أن القرآن تذكرة لجميع الناس، فلا ينبغي أن يُوثر فيه أحد على أحد، وهذا أرجح لأنه يناسبه: ﴿ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ﴾ ، وما بعده، وأنّث الضمير في قوله: ﴿ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾ على معنى القصة أو الموعظة أو السورة أو القراءة، وذكَّرها في قوله: ﴿ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ﴾ على معنى الوعظ أو الذكرى والقرآن ﴿ فَي صُحُفٍ ﴾ صفة لتذكرة أي ثابتة في صحف، وهي الصحف المنسوخة من اللوح المحفوظ وقيل: هي مصاحف المسلمين ﴿ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ إن كانت الصحف المصاحف فمعناه مرفوعة المقدار، وإن كان صحف الملائكة فمعناه كذلك، أو مرفوعة في السماء ومطهرة أي منزهة عن أيدي الشياطين ﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ هي الملائكة، والسفرة جمع سافر وهو الكاتب؛ لأنهم يكتبون القرآن، وقيل: لأنهم سفراء بين الله وبين عبيده، وقيل: يعني القرَّاء من الناس.

والأول أرجح.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة» أي أنه يعمل مثل عملهم في كتابة القرآن وتلاوته، أو له من الأجر على القرآن مثل أجورهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: كل آيات هذه السورة في الإمالة والتفخيم مثل سورة طه ﴿ فتنفعه ﴾ بالنصب على أنه جواب لعل: عاصم غير الأعشي ﴿ تصدّى ﴾ بتشديد الصاد للإدغام: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون: بتخفيفها بناء على حذف تاء تتفعل أو الخطاب عنه ﴿ تلهى ﴾ بإشباع ضمة الهاء وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ أنا ﴾ بالفتح على البدل من الطعام: عاصم وحمزة وخلف.

الوقوف: ﴿ وتولى ﴾ ه لا ﴿ الأعمى ﴾ ه ط ﴿ يزكى ﴾ ه لا ﴿ الذكرى ﴾ ه ط ﴿ استغنى ﴾ ه لا ﴿ تصدّى ﴾ ه ط ﴿ يزكى ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ه لا ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ تلهى ﴾ ه ز لأن ﴿ كلا ﴾ للردع فلا يوقف أو بمعنى حقاً فيوقف ﴿ تذكرة ﴾ ه ج للشرط بعده مع الفاء ﴿ ذكره ﴾ ه م لأن الظرف لا يجوز أن يتعلق بما قبله ولكنه خبر مبتدأ محذوف أي هو في صحف ﴿ مكرمة ﴾ ه لا ﴿ مطهرة ﴾ ه لا ﴿ سفرة ﴾ ه ز ﴿ بررة ﴾ ط ﴿ أكفره ﴾ ه ط ﴿ خلقه ﴾ ه ز لأن الجواب محذوف أي خلقه من ﴿ نطفة ﴾ ط ﴿ فقدّره ﴾ ه لا ﴿ يسره ﴾ ه ز ﴿ فأقبره ﴾ ه لا ﴿ أنشره ﴾ ه ط بناء على أن ﴿ كلا ﴾ بمعنى حقاً ولا يصلح للردع وجه كما يجيء ﴿ أمره ﴾ ه ط ﴿ إلى طعامه ﴾ ه ز إلا لمن قرأ ﴿ أنا ﴾ بالفتح ﴿ صباً ﴾ ه لا ﴿ شقاً ﴾ ه لا ﴿ حباً ﴾ ه ز ﴿ وقضباً ﴾ ه ك ﴿ ونخلاً ﴾ ه ك ﴿ غلباً ﴾ ه ك ﴿ وأباً ﴾ ه لا ﴿ ولأنعامكم ﴾ ه ط ﴿ الصاخة ﴾ ه ز فإن الأوضح أن يكون ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ جاءت ﴾ وجوز أن يكون مفعول " اذكر " محذوفاً والعامل مقدّر أي فإذا جاءت الصاخة كان ما كان ﴿ أخيه ﴾ لا ﴿ وأبيه ﴾ ه ك ﴿ وبنيه ﴾ ه ط ﴿ يغنيه ﴾ ه ك ﴿ مسفرة ﴾ ه لا ﴿ مستبشرة ﴾ ه ج فصلاً بين حالتي الفئتين مع اتفاق الجملتين ﴿ غبرة ﴾ ه لا ﴿ قترة ﴾ ه ﴿ الفجرة ﴾ ه.

التفسير: أطبق المفسرون على أن الذي عبس هو الرسول  والأعمى هو ابن أم مكتوم واسمه عبد الله بن شريخ بن مالك بن ربيعة الزهري.

وذلك أنه أتى رسول الله وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم.

فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم شغله بالقوم، فكره رسول الله  قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت، فكان رسول الله صلى هلله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه ويقول: إذا رآه: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي ويقول له: هل لك من حاجة؟

واستخلفه على المدينة مرتين.

وقال أنس: رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء.

والجار محذوف على القياس متعلق بـ ﴿ عبس ﴾ أو بـ ﴿ تولى ﴾ على اختلاف في باب تنازع الفعلين للكوفيين والبصريين والتقدير: عبس لأن جاءه الأعمى وأعرض لذلك.

يروى أنه  ما عبس بعدها في وجه فقير قط ولا تصدّى لغني.

قال أهل المعاني: في الالتفات من الغيبة إلى الخطاب دلالة على مزيد الإنكار كمن يشكو جانياً بطريق الغيبة وهو حاضر ثم يقبل على الجاني مواجهاً بالتوبيخ.

قالوا: وفي ذكر الأعمى نحو من الإنكار أيضاً لأن العمى يوجب العطف والرأفة عند ذوي الآداب غالباً لا التولي والعبوس، ولا يخفى أن نظر النبي  كان على أمر كلي هو رجاء إسلام قريش فإنه في الظاهر أهم من إجابة رجل أعمى على الفور إلا أنه  عدّ هذا الجزئي كلياً من جهة أخرى هي تطييب قلوب الفقراء والضعفاء وإهمال جانب أهل الغنى والثراء، فإن هذا أدخل في الإخلاص وابتغاء رضوان الله وذلك مظنة التهمة والرياء.

يحكى عن سفيان الثوري أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء.

وأيضاً فائدة الإرشاد والتعليم بالنسبة إلى هذا الأعمى أمر معلوم وبالنسبة إلى أولئك أمر موهوم لأنه جاء طالباً مسترشداً وأنهم جاءوا مستهزئين معاندين، وترك المعلوم للموهوم خارج عن طريق الاحتياط وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ وما يدريك لعله ﴾ لعل الأعمى ﴿ يزكى ﴾ عما لا ينبغي ﴿ أو يذكر ﴾ يتعظ ﴿ فتنفعه الذكرى ﴾ فيفعل ما ينبغي.

وقيل: الضمير في ﴿ لعله ﴾ للكافر يعني أي شيء أدراك بحال كل من أولئك الكفرة حتى طمعت في تطهرهم من الأوزار وانتفاعهم بالاذكار.

ثم زاد تصريحاً لما فعل قائلاً ﴿ أما من استغنى ﴾ أي بالمال.

وقال عطاء: عن الإيمان.

وقال الكلبي: أي عن الله.

والأول أولى لأنهم كانوا أغنياء وما توجه الخطاب إلا من هذه الجهة وإن كان إسلامهم موهوماً ﴿ فأنت له تصدّى ﴾ تتعرض وأصله تتصدد من الصدد وهو ما استقبلك فصار قبالك ﴿ وما عليك ﴾ يحتمل أن تكون " ما " استفهامية ونافية يعني أي وبال يعود عليك أو ليس عليك بأس في أن لا يتزكى ذلك المستغني إن عليك إلا البلاغ فما الموجب للحرص والتهالك على إسلامه حتى تكسر قلوب الفقراء بالعبوس والإعراض، وهذا معنى قوله ﴿ وأما من جاءك يسعى ﴾ يسرع في طلب الخير ﴿ وهو يخشى ﴾ الله أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك.

وقيل: يخشى الكيوة لأنه أعمى ما كان له قائد ﴿ فأنت عنه تلهى ﴾ أي تتشاغل.

قال أهل المعاني: بناء الكلامين على ضمير المخاطب تقوية إنكار التصدي والتهلي عليه أي مثلك خصوصاً لا ينبغي أن يتصدّى لغنى ويتلهى عن الفقير.

قوله ﴿ كلا ﴾ ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله أي لا تفعل مثل ذلك.

ثم قال ﴿ إنها ﴾ يعني آيات القرآن وهو قول مقاتل، أو هذه السورة وهو قول الكلبي واختاره الأخفش ﴿ تذكرة ﴾ وهي في معنى الذكر والوعظ فلذلك قال ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ والمراد أن هذا القرآن أو هذا التأديب الذي عرفناكه في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا ثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة.

وفيه أن القرآن الذي بلغ في العظمة إلى هذا الحد أيّ حاجة له إلى أن يقبله هؤلاء الكفرة، فسواء قبلوه أو لا فلا تلتفت إليهم واجتهد في تطيب قلوب الفقراء الذين هم أهل الإخلاص وحزب الله.

ثم وصف الصحف بأنها مكرمة عند الله مرفوعة في السماء أو مرفوعة المقدار مطهرة عن أهل الخبائث لا يمسها إلا المطهرون من تلك الملائكة وتلك الصحف ﴿ بأيدي سفرة ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة: هم الكتبة من الملائكة واحدها سافر مثل كتبة وكاتب، وقد مرّ في أول التفسير أن التركيب يدل على الكشف فبالكتابة يتبين ما في الضمير ويتضح.

قال الفراء: اشتقاق السفرة من السفارة لأن الملائكة سفرة بين الله ورسوله ولا يخفى ما في السورة من معنى الكشف أيضاً ﴿ كرام ﴾ على ربهم.

وقال عطاء: أراد أنهم يكرمون من أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع وعند قضاء الحاجة ﴿ بررة ﴾ أتقياء واحدها بارّ.

وقيل: هي صحف الأنبياء فيكون كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى  ﴾ وقيل: السفرة القراء.

وقيل: الصحابة ثم عجب من صناديد قريش وأضرابهم من أهل العجب والكفر المرتفعين على الفقراء مع أن أوّلهم نطفة مذرة وآخرهم جيفة قذرة وهم فيما بين الوقتين حملة عذرة فقال ﴿ قتل الإنسان ﴾ وهو دعاء عليه أشنع دعوة لأنه لا أفظع من القتل و ﴿ ما أكفره ﴾ تعجب من حال إفراطه في الكفران وتلقي نعم خالقه بالجحود والطغيان، وهذا قد ورد على أسلوب كلام العرب وأنه لا يمكن أن يحمل في حقه  إلا على إرادة إيصال العقاب الشديد وليكون لطفاً للمعتبرين المتعجبين المتأملين في مراتب حدوثهم التي أوّلها نطفة وأشار إيلها بقوله ﴿ من أي شيء خلقه من نطفة ﴾ والاستفهام لزيادة التقرير في التحقير.

ثم قال ﴿ فقدّره ﴾ فحمله الفراء على أطواره بعد كونه نطفة إلى وقت إنشائه خلقاً آخر، وعلى أحواله من كونه ذكراً أو أنثى وشقياً أو سعيداً.

وقال الزجاج: قدره على الاستواء كقوله ﴿ ثم سوّاك رجلاً  ﴾ ويحتمل أن يراد فقدر كل عضو في الكمية والكيفية على التقدير اللائق بمصلحته.

وأما المرتبة الوسطى فإليها الإشارة بقوله ﴿ ثم السبيل يسره ﴾ وهو نصب على شريطة التفسير فمن فسر التقدير بالأطوار فسر السبيل بمخرج الولد من بطن أمه.

يقال: إن رأس المولود في بطن أمه يكون من فوق ورجله من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب بإلهام الله  إياه على أن نفس خروج الولد حياً من ذلك المنفذ الضيق من أعجب العجائب وعلى التفاسير الأخر فالمراد تسهيل سبيل الخير والشر كقوله ﴿ إنا هديناه السبيل  ﴾ وأشار إلى المرتبة الأخيرة بقوله ﴿ ثم أماته فأقبره ﴾ أي جعله ذا قبر فيكون متعدياً إلى واحد، ويحتمل أن يكون الثاني محذوفاً أي فأقبره غيره.

يقال: قبر الميت إذا دفنه بنفسه، وأقبر غيره الميت إذا أمره بدفنه، فالمراد أن الله  أمر بدفن الأموات الإنسية تكرمة لهم دون أن يطرحوا على وجه الأرض طعمة للسباع كسائر الحيوان ﴿ ثم ﴾ إن في كل هذه الانتقالات دلالات واضحة على أنه  ﴿ إذا شاء ﴾ أن ينشر الإنسان ببعثه من قبره ﴿ أنشره ﴾ قوله ﴿ كلا ﴾ يجوز أن يكون ردعاً للإنسان عن تكبره وترفعه أو عن كفره وإنكاره المعاد.

وقال في الكشاف: وهذا هو ردع للإنسان عما هو عليه فهذا قول مجاهد إن إنساناً لم يخل من تقصير قط فلم يقض أحد من لدن آدم إلى هذه الغاية جميع ما كان مفروضاً عليه.

وقال آخرون: معناه أن الإنسان الكافر لم يقض بعد ما أمره الله من التأمل في دلائل التوحيد والبعث.

وقال الأستاذ أبو بكر بن فورك: القضاء بمعنى الحكم والضمير لله أي لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر بل أمره بما لم يحكم له به.

وحين فرغ من دلائل الأنفس أردفها بدلائل الآفاق قائلاً ﴿ فلينظر الإنسان ﴾ نظر استدلال وتدبر ﴿ إلى طعامه ﴾ الذي يعيش به كيف دبرنا أمره من إنزال الماء من السماء، ثم شق الأرض بالنبات أو بالكراب على البقر فيكون إسناد الفعل إلى السبب.

والحب ما يصلح للقوت كالحنطة والشعير، والقضب العلف بعينه قاله الحسن.

وقال أكثر المفسرين: إنه القت لأنه يقضب مرة بعد أخرى أي يقطع.

والغلب الغلاظ الأعناق في الأصل يقال: أسد أغلب، ثم استعير للحدائق أنفسها لتكاثف أشجارها ولأشجارها لعظمها وغلظها.

ثم أجمل الفاكهة ليعم الكل وأجمل العلف بقوله ﴿ وأبا ﴾ للعموم وهو المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع.

والأب والأم إخوان قاله جار الله.

وقيل: الأب الفاكهة اليابسة المعدّة للبقاء.

والفاء في قوله ﴿ فإذا جاءت ﴾ مثل ما مر في " النازعات " ﴿ والصاخة ﴾ النفخة الأخيرة.

قال الزجاج: أصل الصخ الطعن والصك صخ رأسه بالحجر أي شدخه، والغراب يصخ بمنقاره في دبر البعير أي يطعن، والنفخة لشدّتها تصك الآذان.

وقال جار الله: يقال صخ لحديثه مثل أصاخ له فوصف النفخة بالصاخة مجاز لأن الناس يصخون لها أي يستمعون.

وفرار المرء من الجماعة المذكورين إما بالصورة وذلك للاحتراز عن المطالبة بالتبعات يقول الأخ: ما واسيتني بمالك.

ويقول الأبوان: قصرت في برنا.

وتقول الصاحبة: أطعمتني الحرام وفعت كذا وكذا، والبنون يقولون: لم تعلمنا ولم ترشدنا.

قال جار الله: إنما بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، والفرار إنما يقع من الأبعد ثم من الأقرب، وأخر الصاحبة والبنين لأن البنين أقرب وأحب فكأنه قيل: يفر من أخيه بل من أبيه بل من صاحبته وبنيه.

وأقول: هذا القول يستلزم أن تكون الصاحبة أقرب وأحب من الأبوين ولعله خلاف العقل والشرع، والأصوب أن يقال: أراد أن يذكر بعض من هو مطيف بالمرء في الدنيا من أقاربه في طرفي الصعود والنزول فبدأ بطرف الصعود لأن تقديم الأصل أولى من تقديم الفرع، وذكر أوّلاً في كل من الطرفين من هو معه في درجة واحدة وهو الأخ في الأول، والصاحبة في الثاني على أن وجود البنين موقوف على وجود الصاحبة فكانت بالتقديم أولى.

وقيل: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح.

والأنسب عندي أن يكون الفار قابيل وقد جاء هكذا في بعض الروايات، والأظهر أن الفرار المعنيّ هو قلة الاهتمام بشأن هؤلاء بدليل قوله ﴿ لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ أي يصرفه ويصدّه عن قرابته.

قال ابن قتيبة: ويقال أغن عني وجهك أي اصرفه.

وعندي أن اشتقاقه من الغنى وذلك أن من أغناك فقد صرفك عن نفسك أو عن طلب حاجته.

ثم ذكر أن الناس يومئذ فريقان وأن أهل الكمال تلوح على وجوههم أنوار الكمال من أسفر الصبح إذا أضاء يستبشرون بأنواع المسار، ويضحكون بدل ما كانوا يبكون في الدنيا خوفاً من عقاب الله تعالى، وأن أهل النقائص يظهر على وجوههم سواد مع غبرة كوجوه الزنوج مثلاً إذا أعبرت.

والقترة سواد كالدخان جمع الله في وجوههم ظلمة الضلال والكفر مع غبار الفجور والفسق ولهذا نعى عليهم بقوله ﴿ أولئك هم الكفرة الفجرة ﴾ أعاذنا الله في الدارين من مثل أحوالهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ ﴾ ذكر الحسن أن تعبس الوجه والتولي كانا بنفس المجيء على ظاهر الآية؛ فإنه ذكر أن النبي  كان عنده من عظماء المشركين [قوم] يعظهم ويدعوهم إلى الإسلام، فلما جاءه ابن أم مكتوم يسأله، أعرض عنه؛ لمكان أولئك القوم، وعبس وجهه؛ رجاء إسلامهمز وذكر غيره من أهل التفسير: أنه عبسى وتولى؛ لما سأله ابن أم مكتوم عما فيه رشده وهداه؛ فعبس وجهه بقطعه الحديث عليه.

ثم هذا التعبس منه - عليه الصلاة والسلام - كان في أمر لو التأم، ثم وزن ذلك بخيرات أهل الأرض، لرج على خيراتهم ومحاسنهم؛ لأنه ذكر أنه كان مقبلا على رؤساء الكفرة يعظهم ويحرضهم على الإسلام؛ رجاء أن يسلموا؛ فيكون في إسلامهم رجاء إسلام كثير من القوم؛ لأنهم كانوا من عيلة القومو وعظمائهم؛ فكان في إسلامهم رجاء إسلام من يتبعهم من قومهم؛ فيستوجب بإسلامهم من جزيل الثواب وعظم المنزلة ما لا يبلغه آخر بجميع محاسنه؛ فكان في سؤاله إياه منع ما قصد إليه من إحراز جزيل الثواب وكريم الخصال، وإذا كان هكذا فعتبس الوجه في مثل هذال الحال أمر سهل لا يستبعد ولاستنكر.

والثاني: أن تعبس الوجه على الأعمى، والإعراض عنه لا يظهر للأعمى؛ لأنه لا يراه؛ فلا يعده جفاء، وكان في إقباله على أولئك القوم وحسن صحبته إياهم رجاء الإسلام منهم؛ إذا إقباله وحسن صحبته يظهر لهم، وفي الإعراض عنهم ذهاب ذلك الرجاء وإبداء الجفاء منه إياهم، ومن آثر الوجه الذي فيه اتقاء الجفاء والدعاء من الشرك إلى الهدى وصلاح الدين الدنيا، فهو محمود عند ذوي الأحلام والنهى.

ولأن إقباله على القوم إذ كان؛ لمكان دعائهم إلى الإسلام، وقد أمرنا بدعاء الكفرة إلى الإسلام، وإن كان في دعائهم إتلاف أنفسنا وأموالنا، فلأن يسوغ الدعاء من وجه ليس فيه إلا تعبيس الوجه على واحد من المسلمين - أولى - ولكن النبي  وجد منه هذا النوع من الإيثار؛ اجتهادا ورأيا، والأنبياء - عليهم السلام - قد جاءهم العتاب من الله -  - بتعاطيهم أمورا لم يسبق من الله -  - لهم الإذن في ذلك، وإن كان الذ تعاطوه من الأمور أمورا محمودة في تدبير الخلق؛ نحو ما عوتب يونس -  - وعوقب بمفارقة قومه بغير إذن، وإن كان مثل تلك المفارقة لو وجدت من واحد من أهل الأرض، استوجب بها الحمد، وحسن الثناء؛ لأن تلك المفارقة لا تخلو من أحد أمور ثلاثة: أحدها: أن قومه كانوا أهل كفر، وكانوا له أعداء في الدين؛ ففارقهم؛ لينجو منهم، ويسلم له دينه، وثمل هذا لو وجد من غير الأنبياء - عليهم السلام - عد ذلك من أفضل شمائله.

والثاني: أن في مفارقته من بين أظهرهم تخويفا لهم وتهويلاً؛ لأن القوم [من قبل] كان لا يفارقهم نبيهم من بين أظهرهم إلا وقتما يريد أن ينزل بهم العذاب؛ فكان في مفارقته إياهم تخويفهم وتهويلهم، فيدعوهم ذلك إلى الانقلاع عما هم عليه من الضلال، والفزع إلى الله -  - ومن خوف آخر بأمر يكون فيه دعاؤه إلى الهدى وردعه عن الضلال، فقد أبلغ في النصيحة، واستقام على الطريقة.

والثالث: أنه يفارقهم؛ ليستنصر بغيرهم [فينصرونه عليهم]، ويتقوى بهم؛ ليكون على دعائهم إلى الإسلام أمكن وأقدر، ومن كانت مفارقته من قومه على هذه النية، فلنعم المفارق هو، ثم عوتب مع هذا كله، وذكر الله -  - في الكتاب قصته للوجه الذي ذكرنا؛ فكذلك الوجه في معانيه نبينا محمد [عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات].

ومنهم من ذكر أن النبي  لم يقصد إلى تعبس الوجه على ابن أم مكتوم، ولا تولى عنه عمدا لذلك، لكن لما قطع عليه حديثه، وكان فيه قطع رجاء إسلام أولئك القوم، شق ذلك عليه، واعتراه من ذلك هم شديد، أثر ذلك في وجهه، لا أن كان منه ذلك على القصد.

[ووجه آخر] أن يقال: إن الله -  - جعل في قلبه  من الشفقة والرحمة على العالمين حتى بلغ من شفقته أن كادت نفسه تذهب على من أعرض عن دين الله -  - والإيمان به حسرات عليه، وحتى قيل له: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ .

وتأويله: ألا تحزن بمكانهم كل هذا الحزن؛ فيكون فيه تخفيف الأمر عليه، لا أن يكون فيه نهي عن الحزن وعن الحسرة؛ ولذلك قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ  ﴾ ، ومعناه - والله أعلم -: ألا تحمل نفسك كل هذا التحميل حتى تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله لك الانتفاع به؛ طلبا لمرضاتهن، لا أن ينهاه عن ابتغاء مرضاتهن؛ بل قد ندب إلى ابتغاء مرضاتهن بقوله: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ الآية [الأحزاب: 51]، فجائز أن يكون رسول الله  اشتد عليه إعراض أولئك القوم عن الإيمان، وكبر ذلك عليه حتى تغير لون وجهه؛ فظهرت عبوسة وجهه؛ فنزل قوله -  -: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ ﴾ يبين شدة ما اعتراه من الهم حتى أثر ذلك في وجهه، لا أن يكون فيه مذمة ومنقصة له.

ثم في هذه الآية فوائد أخر: إحداها: جواز العمل بالاجتهاد؛ لأن رسول الله  فعل هذا النوع من العمل اجتهادا، لا نصا؛ إذ لو كان الإذن بالتولي والتعبس سائغا، لم يكن يعاتب بفعل قد أمر به.

فإن قيل: كيف لا تدل المعاتبة على النهي [عن إقدامه على] مثله؛ فيحرم عليه الاجتهاد؟

قيل له: لو كان هذا نهيا، لم يكن يعود إلى العمل بالاجتهاد بعد ذلك، وقد وجد منه -  - العود؛ لقوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ  ﴾ ، فثبت أنه ليس فيه نهي.

وفيه أن الكافر وإن كان مبجلا معظما في قومه، فليس على المؤمنين أن يعظموه ويبجلوه، بل يسترذل ويستخف به، وأن المسلم ينبغي أن يعظم ويكرم، وإن كان حقيرا في أعين الخلق.

وفيه آية رسالة محمد  ودلالة نبوته، وأنه لم يختلق هذا الكتاب من عند نفسه؛ لأن من يتعاطى فعلا حقه الستر، فهو يستره على نفسه، ولا يهتك عليها الستر؛ لئلا يذم عليه، فلو لم يكن مأموراً بتبليغ الرسالة لكان يجتهد في الستر على نفسه، ولا يبديه للخلائق، ولكنه كان رسولا لم يجد من تبليغه إلى الخلق بدّاً، فبلغه كما أ/ر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ ﴾ ، "لعل" من الله -  - واجب.

وقوله: ﴿ يَزَّكَّىٰ ﴾ ، أي: يتزكى بعمله ونيته وقوله.

وفي هذه الآية قضاء بإبطال قول من زعم أن جميع ما في القرآن: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ ﴾ فهو مما لم يدره؛ يروى ذلك عن سفيان بن عيينة -  - وغيره؛ لأنه قد أدراه هاهنا بقوله: ﴿ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ ﴾ و"لعل" من الله  واجب، وإذا جعلته واجبا فقد زكاه، وإذا زكاه فقد علمه النبي  .

وقوله - عزو جل -: ﴿ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون يتذكر بتذكيرك إياه؛ فينتفع بتذكيرك.

والثاني: أن يتذكر فيما ذكرته من العواقب وما يحق عليه في حاله؛ فينتفع به؛ فتكون المنفعة في التأويل الأول بالتذكر بنفس تذكير رسول الله  ، وفي التأويل الثاني بتذكيره فيما ذكره النبي  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ ﴾ ، أي: بما اختار هو عما جئت به من الدين.

أو استغنى بالذي زين له الشيطان عما جئت به.

أو يكون على الغناء المعروف؛ لأن الذين أقبل عليهم بوجهه كانوا أهل ثروة وغناء، فأقبل عليهم؛ رجاء أن يسلموا فيتبعهم أتباعهم في الإسلام؛ إذ كانوا من رؤسائهم وأجلتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ ﴾ ، أي: مقبل عليه بوجهك.

وقوله: ﴿ وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ ﴾ أي: ليس عليك غير التذكير إذا أعرض عنك وعاداك لم يمكن منه إلحاق ضرر بك؛ [بل] الله يعصمك، ويدفع عنك شره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: يعمل لله -  - ويخشاه، فجائز أن تكون الخشية علة للسعي؛ فيكون معناه: أن خشيته هي التي حملته إلى السعي.

وقد يجوز أن يخرج اللاكم مخرج العطف على جعل أحدهما علة للآخر [ودليلا للسعي؛ فيكون معناه: أن خشيته هي التي حملته إلى السعي.

وقد يجوز أن يخرج الكلام مخرج العطف على جعل أحدهما علة للآخر] ودليلا له، قال الله -  -: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  ﴾ ، فكان الإحياء الأول دليل للإحياء الثاني في موضع العطف والترتيب على الكلام الأول.

أو [أن] يكون ابتداء، فقوله: ﴿ جَآءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ ﴾ لله  ، ويخاف التبعة وحلول النقمة.

وقوله -  -: ﴿ كَلاَّ ﴾ قال الحسن: معناه: أن الذي فعلته من التولى عن المؤمنين والإقبال على الكفرة، ليس من حكمي.

وذكر أبو بكر الأصم: لما نزل قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ ﴾ تغير وجه رسول الله  ، وخاف زوال الرسالة، وأن يمحى اسمه منها، فلما نزل قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ علم أنه لم يودعه ربه؛ حيث نهاه عن العود إلى مثله.

وقال المفسرون: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، أي: لا تعد إلى مثل هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾ : جائز أن يكون هذا منصرفا إلى السور كلها.

وجائز أن يكون منصرفا إلى هذه السورة؛ لأن فيها إثبات التوحيد وإثبات الرسالة من الوجه الذي ذكرنا، ودلالة البعث وآياته أن خلق البشر ليس على العبث، [فهي تذكرة لمن يذكر بها].

أو جائز أن يكون منصرفا إلى الآيات التي قبل هذا في هذه السورة، وهو أن فيما تقدم في هذه السورة من الآيات تثبيت رسالته بما تقدم ذكرنا له.

وجائز أن يقال: إن هذه تذكرة؛ أي: هذه المعاتبة تذكرة للنبي  ولجميع المؤمنين؛ ليعرفوا من يستوجب التعظيم والتبجيل، ومن يستوجب إهاته والاستخفاف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ﴾ ، جائز أن يكون معناه: من شا ءالله أن يذكره، أو ما شاء ذكره؛ أي: قد مكن كل من التذكير، وأنه ليس أحد بممنوع ولا مجبور على الفعل، وفمن ترك التذكر، فهو الذي ضيع ذلك؛ حيث آثر واختار ضده، واشتغل بغيره، وأعرض عن ذكره.

وجائز أن يكون على تحقيق الفعل؛ أي: من تذكر به فهو ذكر له؛ فكنى بالمشيئة عن الفعل؛ لما ذكرنا أنها تقترن بالفعل و لاتزايله؛ فيكون في ذكرها ذكر الفعل.

أو يكون على إرادة الفعل قبل وجوده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ﴾ قيل: هي الصفح المتقدمة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ  صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَي صُحُفٍ ﴾ ، أي: في أيدي الملائكة.

وقوله: ﴿ مُّكَرَّمَةٍ ﴾ ، أي: مكرمة بما يكرمها أهل الكرامة، وهم السفرة البررة.

أو مكرمة على الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ ، أي: مرفوعة القدر، مطهرة من التناقض والاختلاف.

أو مطهرة من أن ينالها أيدي العصاة.

أو مطهرة من الأقذار والأدناس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ السفرة: الكتبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ أي: كرام على الله  ، بررة في أعمالهم؛ كما وصفهم الله -  - بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهي بأيدي رسل من الملائكة.

<div class="verse-tafsir" id="91.7xXZ6"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

نزلت هذه السورة في "ابن أم مكتوم"، وهو ابن خال خديجة رضي اللَّه عنها.

قيل اسمه عمرو بن قيس، وقيل عبد اللَّه بن عمرو، وقيل عبد اللَّه بن شريح بن مالك.

والأول أشهر، كما جاء في جامع الأصول.

وأم مكتوم لقب أمه، واسمها عاتكة بنت عبد اللَّه المخزومية.

وكان أعمى.

قيل ولد كذلك، وقيل عمي بعد بصر.

وهو من المهاجرين الأولين، واستخلفه  على المدينة يصلي بالناس مرارًا، وكان يؤذن بعد بلال.

أتى إلى النبي  وهو بمكة ومعه صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول اللَّه، أقرئني وعلمني مما علمك اللَّه.

وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله  بالقوم، فكره الرسول قطعه لكلامه، فظهرت الكراهة في وجهه فعبس وأعرض عنه، فنزلت الآيات.

يذكر اللَّه نبيه، في صورة عتاب، بأن ضعف ذلك الأعمى وفقره لا يصح أن يكون حاملًا على كراهة كلامه والإعراض عنه، فإنه حي القلب ذكي الفؤاد، إذا سمع الحكمة وعاها، فيتطهر بها من أوضار الآثام وتصفو بها نفسه من كدر الوساوس، أو يذكر بها ويتعظ فتنفعه العظة في مستقبل أمره، فلا يقع في مأثم.

أما أولئك الأغنياء الأقوياء فأكثرهم الجحدة الأغبياء، فلا ينبغي الانصراف إليهم، والتصدي لهم لمجرد الطمع في إقبالهم على الأمر يرجون فيه فيتبعهم غيرهم، فإن قوة الإنسان في حياة قلبه وذكاء لبه، والإذعان للحق إذا ظهر، والانقياد للدليل إذا بهر.

أما المال والنسب والعصبة والحسب والحشم والأعوان والأكاليل والتيجان فهي عواري تغدو وترتحل، وتقر حينًا ثم تنتقل، فكأنه يقول: يا أيها النبي، إن أقبلت فأقبل على العقل الذكي، والقلب النقي، وإياك أن تنصرف عنه إلى ذي الجاه القوي والمكان العلي فذلك إنسان بنفسه، حي بطبعه، وهذا غائب عن حسه، معدوم بذاته، موجود بجمعه.

وفي ذلك من تأديب اللَّه لأمة محمد  ما لو تأدبوا به لكانوا اليوم أرشد الأمم.

هداهم اللَّه.

(العبوس) معروف المعنى.

(وتولى) أعرض (أن جاءه) أي لأجل أن جاءه، أي كان عبوسه وإعراضه لأجل أنَّ الأعمى جاءه وقطع كلامه.

(وما يدريك) أي وأي شيء يعرفك بحال هذا الأعمى، وأنه مستعد لأن يتطهر بما تعلمه من أحكام اللَّه (أو يذكر) منها ما غفل عنه، فيتعظ بوعظك (فتنفعه) هذه (الذكرى) وتلك الموعظة؟

وذكر خبر العبوس والتولي بالحكاية عن الغائب ليلفته إلى النظر في العمل في ذاته صادرًا من أي شخص نسب إليه، ثم أقبل عليه بالخطاب بعد هذا الاستدعاء تشديدًا في العتاب.

ثم بعد ذلك حصر شأنه في تلك الحادثة في أمرين ذكرهما بقوله: (أما من استغنى إلخ) أي أن ما صدر منك كان هكذا على التفصيل الذي سيذكر: (أما من استغنى) بماله وقوته عن سماع القرآن (فأنت له تصدى) أي تتعرض بالإقبال عليه، مع أنك رسول وما عليك إلا البلاغ.

فإن كان المغرور قد ظن في ماله غنى عن هداية اللَّه، ورضي لنفسه أن يبقى في دنس الكفر، فما عليك عيب في بقائه كذلك، وألا يتطهر من دون الغرور ووسخ الجهالة (وأما من جاءك يسعى) إليك طالبًا للهداية، (وهو يخشى) اللَّه ويخاف من الغواية، وما دفعه إليك إلا حبه لأن يتطهر من الجهل، ويستضيء بضياء العلم، وخوفه الوقوع في ظلمات الضلالة، فأنت تتلهى عنه وتتغافل عن إجابته إلى طلبته.

ثم أراد أن يبيّن أن الهداية التي يسوقها اللَّه إلى البشر على ألسن الرسل ليست مما يحتال لتقريره في النفوس وإيجاده في القلوب، وإنما هي تذكرة تنبه الغافل إلى ما غرز اللَّه في فطرته من الخير، وأودعه غريزته من وجدان معرفة الخالق في الخلقة، فمن صد عنها فإنما هو معاند مقاوم لما يدعوه إليه سره، وتنزع به إليه نفسه.

فما عليك إلا أن تبلغ ما عرفت عن ربك لتذكر به الناسي وتنبه الغافل.

أما أن تحابي القوي المعاند ظنًا منك أن مداجاته ترده من عناده، فذلك ليس من عملك، فذكر إن نفعت الذكرى.

(كلا) حرف ردع للزجر عن التصدي للمستغني والتلهي عن المستهدي.

وعلل للزجر بقوله (إنها) أي الهداية المودعة في الكتب الإلهية، وأجلها القرآن، والضمير في (من شاء ذكره) يعود إلى اللَّه تعالى، لأن أعظم الهداية أن يذكر وحده لا شريك له، ولظهور الدليل وشعور الوجدان لا يتوقف ذكره ومعرفته سبحانه إلا على مشيئة الذاكر بعد التذكير، فمتى وردت التذكرة نبهت وجدانه، ولا يمنعه عن الاهتداء إلا عدم المشيئة بالعناد.

ثم قال تلك الهداية (في صحف مكرمة)، وهي صحف الكتب الإلهية.

(مرفوعة) أي عالية شريفة (مطهرة) من النقص والضلالة (بأيدي سفرة) جمع سافر، وهو من يسفر بين الناس بالصلح والسلام، وهم الملائكة أو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ومعنى كون الكتب بأيدي الملائكة، أن الملائكة هم الواسطة في حملها إلى الأنبياء.

ومعنى كونه بأيدي الأنبياء، أنها تنزل بالوحي عليهم وهم يبلغونها للناس، وكل من الملائكة والأنبياء يصح إطلاق اسم السفير عليه، كما صح إطلاق اسم الرسول على كل منهما.

و(البررة) جمع بار، وهو صانع البر والخير.

ثم أراد أن يزيدنا بيانًا، ويوضح لنا أن معرفة اللَّه وتوحيده ليسا من العقائد التي يلزم أن تنشأ في القلوب، بل هما مركوزتان في الجبلة ولا تحتاجان إلا إلى التذكير.

فإذا ذكرت النفس ذكرت، ولا يمنعها عن الاعتراف والإقرار إلا منازعة الهوى.

فإذا خالفت سلطانه لم يكن بينها وبين الإقرار إلا أن تشاءه فقال (قتل الإنسان ما أكفره) دعاء على الإنسان بأشنع دعواتهم، على ما هو المعروف في لسانهم، وهو كناية عن قبح حاله، وأنه قد بلغ منه مبلغًا لا يستحق معه أن يبقى حيًا.

ومنشأ الشناعة ومناطها نسيانه لما يتقلب فيه من النعم، وذهوله عن مسديها حتى إذا ذكر به فهو يعرض عن الذكر، فما أشد كفره بإحسان من غمره في نعمته من مبدأ إيجاده إلى ساعة معاده!!

انظر من أي شيء خلقه (من نطفة) أي ماء لا حياة فيه (فقدره) فقد أنشأ بدنه من ذلك الماء في أطوار مختلفة، كما بينه في آيات أخر، وقدره بمقداره، فأتم خلقه بأعضاء متناسبة تلائم حاجاته مدة بقائه، وأودع فيه من القوى ما يمكنه من استعمال تلك الأعضاء وتصريفها فيما خلقت له، وجعل كل ذلك بمقدار محدود على حسب ما يقتضيه كمال نوعه.

ثم بعد أن قدره هذا التقدير، وأكمل بدنه على هذا المقياس الخاص بنوعه، وهبه العقل الذي يقود تلك القوى عند تصريفها للأعضاء، وبالعقل قد يسره سبيل الخير، وأوضح له جادة الرشاد (ثم أماته) فلم يتركه كما يميت سائر الحيوان، لكنه قد تفضل عليه (فأقبره) أي جعل له قبرًا يوارى فيه تكرمة له، ولم يجعل في غريزة الإنسان أن يترك ميته مطرحًا على الأرض جزرًا للسباع.

هذا ما يراه الإنسان من نعم ربه عليه في نفسه..

ولا ريب أن سليم الفطرة لا يحتاج في الإذعان به إلا إلى مجرد التذكير.

ثم إن اللَّه سبحانه أتبع هذه النعم المرئية الدالة على قدرته ووحدانيته بأمر البعث والنشور، وجاء به كأنه من المشهودات التي ينبغي للإنسان أن يعتبر بها ليشير إلى أن الحياة الآخرة مما ركز الشعور به في الطباع كذلك، وإن لم يدرك كنهه ولم يوقف على تفصيل حقيقته.

وقوله (إذا شاء أنشره) أي إنه ينشره ويبعثه بعد موته وإقباره في الوقت الذي يريد أن يبثه فيه.

ثم أخذ يؤكد ما دل عليه قوله (قتل الإنسان ما أكفره) فقال (كلا) أي حقًا إن الإنسان قد بلغ في كفره بالنعمة الإلهية مبلغًا يقضي بالعجب، فإنه بعد ما رأى في نفسه مما عددناه من آيات ربه، وبعد أن مضى على نوعه تلك السنون الطوال في الأرض، وهو يتقلب في أدوار وأطوار يشاهد فيها من جلائل الآثار ما يحرك الأنظار، ويسير بها إلى الصواب من الآراء، والصحيح من الأفكار.

بعد هذا كله لا يزال إذا ذُكِّر لا يذكر، وإذا أنعم عليه لا يشكر، فهو إلى الآن لم يقض ما أمره اللَّه به: سواء كان الأمر بالإلهام وهداية الفطر بما أشهده في نفسه من دلائل القدرة وعلائم الإحسان والنعمة، أو كان بالوحي على ألسنة الأنبياء والمرسلين.

فإن اللَّه لم يدع الإنسان منذ زمان طويل سدى، ولم يهمله من إرسال الهداة إثر الهداة.

غير أن الإنسان -في ضلاله وانقياده للأهواء الفاسدة- لم يقض شيئًا مما أمره اللَّه به.

وكيف يكون قد قضى شيئًا من ذلك وهو لا يزال في غفلة منه، يدعو معه غيره، ويشرك فيه الاستعانة سواه، ويأبى من فظائع الأعمال ما لا يرضاه.

فإن زعم الإنسان أنه لم يشهد خلق نفسه، ورمى عينيه بالعمى عما في بدنه، وعقله بالغباوة عما في ذاته، وعما كان من أمرها في بدايتها ونهايتها، وعلل هواه في الغواية بأن شيئًا مما في خلقه لا يقوم دليلًا على وحدانية خالقه وانفراده بالإحسان إليه، لأنه لم يشهد تلك النشأة.

إن خطر ذلك ببال أحد من أفراد الإنسان (فلينظر) إلى ما بين يديه من أقرب الأشياء إليه: (إلى طعامه) الذي يقيم بنيته، ويجد لذته، ويحفظ به متنه ماذا صنعنا في إحداثه وتهيئته لأن يكون غذاء صالحًا؟

(أنا صببنا الماء) من المزن (صبًا) شديدًا ظاهرًا، (ثم) بعد أن كانت الأرض رتقًا متماسكة الأجزاء شققناها شقًا مرئيًا مشهودًا، كما تراه في الأرض بعد الري، أو شققناها بالكراب على البقر بأيدي الإنسان.

والكراب قلب الأرض للحرث وشق الأرض سواء كان بالحرث أو بغيره ليدخل الهواء والضياء في جوفها، فيحلل أجزاءها ويهيئها لتغذية النبات، فينبت فيها.

وقيل المراد شق الأرض بالنبات.

كأنه قال: ثم شققنا الأرض شقًا بالنبات.

ثم فضل النبات فقال (فأنبتنا فيها حبًا إلخ) ولا بأس به أيضًا.

ولما كان مرجع كل موجود إلى مصدر الوجود، وهو الذي سبب الأسباب، وقدر الأفعال، وأقدر عليها.

كان إسناد الصب والشق إليه صحيحًا على كل حال كإسناد الإنبات.

و(الحب) كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما (والقضب) الرطبة وهو ما أكل من النبات غَضًّا.

وسمي قضبًا لأنه يقضب أي يقطع مرة بعد أخرى.

(والزيتون والنخل) معروفان لكل عربي.

(والحدائق) جمع حديقة، وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة عليها حوائط تحيط بها و(غلبا) جمع غلباء بالمد أي ضخمة عظيمة.

وعظم الحدائق بكثرة أشجارها والتفاتها.

وقد يكون العظم في نفس الأشجار بأن تكون كل شجرة غليظة عظيمة.

وذكر الحدائق بوصفها ذلك لبيان أن النعمة فيها تشتمل عليه الحدائق برمته.

فالنعمة في الأشجار بجملتها لا في ثمرها خاصة.

فمن أخشابها ما ينفع للإحراق في تدبير الطعام، ومن أوراقها ما تأكله الحيوانات، ومن النعمة في الحدائق أنواع النبات مما يأكله الناس وترعاه الماشية.

وإنما تدخل ثمار الأشجار في الفاكهة تبعًا، ثم خصص الفاكهة بالذكر بعد ذلك لأنها مما يتمتع به الإنسان خاصة فقال (وفاكهة) ثم ذكر الأب لأنه مما ينفع الحيوان خاصة بقوله (وأبا).

والأب المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع.

روي أن أبا بكر الصديق  سئل عن الأب فقال: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب اللَّه ما لا علم لي به".

وعن عمر  أنه قرأ هذه الآية فقال: "كل هذا قد عرفنا فما الأب؟" ثم رفض عصا كانت بيده- أي كسرها غصبًا على نفسه وقال: "هذا لعمر اللَّه التكلف.

وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الأب".

ثم قال: "اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه".

إذا سمعت هذه الروايات فلا تظن أن سيدنا عمر بن الخطاب ينهى عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته، ولكنه يريد أن يعلمك أن الذي عليك من حيث أنت مؤمن إنما هو فهم جملة المعنى.

فالمطلوب منك في هذه الآيات هو أن تعلم أن اللَّه يمن عليك بنعم أسداها إليك في نفسك، وتقويم حياتك، وجعلها متاعًا لك ولأنعامك.

فإذا جاء في سردها لفظ لم تفهمه لم يكن من جد المؤمن أن ينقطع لطلب هذا المعنى بعد فهم المراد من ذكره، بل الواجب على أهل الجد والعزيمة أن يعتبروا بتعداد النعم، وأن يجعلوا معظم همهم الشكر والعمل.

هكذا كان شأن الصحابة  ، ثم خلف من بعدهم خلف وقفوا عند الألفاظ وجعلوها شغلًا شاغلًا لا يهمهم إلا التشدق بتصريفها وتأويلها وتحميلها ما لا تحمله، وقد تركوا قلوبهم خالية من الفكر والذكر، وأعضاءهم معطلة عن العمل الصالح والشكر.

(متاعًا لكم): إما مفعول له، أي فعل ذلك تمتيعًا لكم، أو مصدر حذف فعله وجرد من الزوائد، أي متعكم بذلك متاعًا.

والمعنى على كل حال أن فيما عدده ما يأكله وينتفع به الإنسان، ومنه ما يأكله الحيوان.

والأنعام: الماشية، وكل ما ينتفع به الإنسان من الحيوان.

(الصخ): الضرب بالحديد على الحديد، والعصا الصلبة على شيء مصمت.

وصخ الصخرة وصخيخها صوتها إذا ضربتها بحجر أو غيره.

والصاخة ههنا -كالقارعة في سورتها- هي الحادثة العظمى التي عبر عنها بالطامة الكبرى، يكون نذيرها ذلك الصوت الهائل، الذي يحدث من تخريب الكون ووقع بعض أجرامه على بعض.

ولكون هذه الحادثة تأتي بذلك الصوت المفزع سميت صاخة وقارعة، أو إنها سميت صاخة لأنها بما تأتي به من ذلك الصوت تصخ الآذان أي تصمها.

يقال صخ الصوت الأذن يصخها صخًا فلا تسمع النفوس شيئًا في ذلك الوقت إلا ما تنادي به، وتدعى إلى الحياة والنشور.

وهذه الأسماء كلها أسماء للقيامة العظمى، يوم ينكشف للأرواح مشهد الجبروت الأعظم، فيشغل كل نفس ما يصيبها من هيبة الجلال الإلهي، وتود لو نجت بنفسها، فهي تفر من كل من تتوهم أنه يتعلق بها ويطلب معونتها على ما هو فيه، فيتوارى كل امرئ من أخيه، بل من أمه وأبيه، بل من صاحبته التي هي ألصق الناس به، وقد يبذل في الدفاع عنها حياته لو مكن من ذلك، ويفر من بنيه وكان في الدنيا يفديهم بماله وروحه- ذلك كله لأن لكل واحد مما يجد من الرعب، وما يرهب من الهول، وما يخشى من مناقشة الحساب شأنًا يغنيه، أي يكفي لصرف جميع قواه، فليس عنده فضل فكر وقوة يمد بها غيره.

وجواب إذا في قوله (فإذا جاءت الصاخة) محذوف، ليذهب الفكر فيه مذاهبه، ويستورد منه على النفس غرائبه.

كأنه يقول: قتل الإنسان ما أكفره بنعمة ربه: هذه نفسه لم يشرق عليها نور الوجود إلا من فيض الجود، وهذا طعامه وما يقيم حياته إلى الأجل المحدود، إنما يساق إليه بتدبير الشكور الودود.

ومع ذلك فقد ضربت الغفلة بينه وبين ربه حجابًا، فهو إذا ذكر لا يتذكر، وإذا عرض عليه الدليل لا يفكر، وربما جهل قدره فشمخ واستكبر، وظن أنه القوي فلا يغلب، والعزيز فلا يقهر.

فإذا ذهبت هذه الحياة الدنيا، وجاءت الطامة الكبرى في ذلك اليوم العظيم، فماذا يكون شأن ذلك الإنسان؟

هل يبقى في غفلته، وهل يجد في نفسه شيئًا من عظمته؟

أو فما أعظم أسفه، وما أشد ندمه، إن انجلت أوهامه، وبطلت ظنونه، أو ما يشبه ذلك مما فيه تهويل عليه أو تقريع له.

(الوجوه المسفرة) المضيئة المتهللة، الضاحكة (المستبشرة) التي يظهر عليها الفرح والسرور لما تجد من برد اليقين بأنها ستوفى ما وعدت به جزاء إيمانها، وما قدمت من صالح أعمال وشكر آلاء ونعم -تلك الوجوه هي وجوه الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

أما الوجوه الأخر- وهي التي (عليها غبرة) أي يعلوها الغبار و(ترهقها قترة) أي يغشاها سواد، وقد يكون الغبار والسواد على حقيقتهما تمييزًا لهم بأرْدَأ الحالات، وقد يكون الغبار غبار الذل، والسواد سواد الغم والحزن، وهو ما يقابل الإسفار والاستبشار- تلك الوجوه هي وجوه (الكفرة) الذين لا يؤمنون باللَّه وبما جاء به أنبياؤه.

(الفجرة) الذين قد خرجوا عن حدود شرائعه واقترفوا السيئات في حياتهم الدنيا.

نسأل اللَّه أن يعاملنا بلطفه ورحمته.

ويجنبنا التعرض لغضبه ونقمته.

وقوله: وجوه يومئذ إلخ ابتداء كلام لبيان حال الناس يوم يأتي اللَّه بذلك الحادث العظيم حادث الانقلاب في نظام الكون العام أو نظام الحياة الإنسانية فينشأ الناس نشأة أخرى ينكشف لهم فيها ما كان قد أنبهم عليهم في حياتهم الأولى، ويتبين لهم من الأمر ما كانوا فيه يختصمون، ويأتيهم اليقين بما كانوا فيه يمترون.

فمن كان في هذه الحياة الدنيا طلابًا للحق، نظارًا في الدليل، لا تحجبه عن الاعتبار غفلة، ولا تأخذه عن الحق إذا ذكر به أنفه.

ولا تنفره منه عادة، ولا تباعده عنه ألفة- فهو لا يعقد لنفسه عقيدة إلا بعد تقريرها على المقدمات الصحية المستمدة من حكم البديهة، ليس فيها رأي فلان، أو قيل سابق في زمان، إلا قول رسول كريم قامت على عصمته براهين يقبلها العقل السليم، ويؤيدها الذكر الحكيم.

ثم أخذ نفسه بالعمل على ما يطابق عقيدته، فهو كما يعتقد بالحق يعمل للحق.

من كان هذا شأنه في حياته هذه فما الذي يلاقيه إذا جاءت الصاخة، يوم ينكشف الحجاب ويزول الارتياب؟..

ما كان قد أيقن به في حياته الدنيا يشهد بالعيان أنه هو، فيطمئن إلى ما عرف، وتسكن نفسه إلى ما ألف، وما كان لا يزال في طلبه والبحث في الأدلة للوقوف عليه وأدركه الموت قبل الوصول إليه، ظهر ما كان يطلب منه حاضرًا بين يديه فيفرح به فرح المحب يلقى محبوبه، والراغب الحريص يصادف مرغوبه، وفي الحالين يتهلل وجهه ويسفر ويضحك ويستبشر.

وأما من احتقر عقله، ورضي جهله، وصرفه عن الدليل ما أخذه عن آبائه وتلقاه عن سلفه ورؤسائه، وشغل نفسه بالجدال والمراء في تصحيح الأهواء والتماس الحيل لتقرير الباطل وترويج الفاسد، كما كان يفعل أعداء الأنبياء، ولا يزال يأتيه السفهاء لينصروا به أهواء الأغبياء، ثم يتبع ذلك بأعمال تطابق ما يهوى وتخالف ما يزعم: يزعم الغيرة على الدين، ولا تجد عملًا من أعماله ينطبق على أصل قرره الدين.

الدين ينهي عن الفواحش وهو يقترفها.

الدين يأمر بصيانة مصالح العامة وهو يفتك بها.

الدين يطالب أهله ببذل المال في سبل الخير وهو يسلب المال ليكنزه، فإن أنفق منه شيئًا صرفه في سبيل الشر.

الدين يأمر بالعدل وهو أظلم الظالمين.

الدين يأمر بالصدق وهو يكذب ويحب الكاذبين.

من كان هذا شأنه فماذا يكون حاله يوم يتجلى الجبار؟

ويرتفع الستار؟

يجد كل شيء على خلاف ما كان يعرفه.

يجد الحق غير ما كان يعتقد.

يجد أن الباطل هو ما كان يعتمد، يتحقق أن ما كان يظنه من العمل خيرًا لنفسه صار وبالًا عليها.

يرى الخبث حشو أعماله، والخيبة حلف آماله، فيملك الهم نفسه لشر ما يتوقع.

ويظهر أثر ذلك على وجهه، فتعلوه الغبرة، وتغشاه القترة، لأنه من الكفرة الفجرة.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله