الآية ٥١ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٥١ من سورة التوبة

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٥١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 56 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥١ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥١ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فأرشد الله تعالى رسوله - صلوات الله وسلامه عليه - إلى جوابهم في عداوتهم هذه التامة ، فقال : ( قل ) أي : لهم ( لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) أي : نحن تحت مشيئة الله وقدره ، ( هو مولانا ) أي : سيدنا وملجؤنا ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) أي : ونحن متوكلون عليه ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مؤدِّبًا نبيّه محمدًا صلى الله عليه وسلم: (قل)، يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عنك: (لن يصيبنا)، أيها المرتابون في دينهم =(إلا ما كتب الله لنا)، في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا (29) =(هو مولانا)، يقول: هو ناصرنا على أعدائه (30) =(وعلى الله فليتوكل المؤمنون)، يقول: وعلى الله فليتوكل المؤمنون, فإنهم إن يتوكلوا عليه، ولم يرجُوا النصر من عند غيره، ولم يخافوا شيئًا غيره, يكفهم أمورهم، وينصرهم على من بغاهم وكادهم.

(31) ---------------------- الهوامش : (29) انظر تفسير "كتب" فيما سلف من فهارس اللغة (كتب).

(30) انظر تفسير "المولى" فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).

(31) انظر تفسير "التوكل" فيما سلف ص : 43 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنونقوله تعالى قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا قيل : في اللوح المحفوظ .

وقيل : ما أخبرنا به في كتابه من أنا إما أن نظفر فيكون الظفر حسنى لنا ، وإما أن نقتل فتكون الشهادة أعظم حسنى لنا .

والمعنى كل شيء بقضاء وقدر .

وقد تقدم في ( الأعراف ) أن العلم والقدر والكتاب سواء وقراءة الجمهور يصيبنا نصب ب " لن " .

وحكى أبو عبيدة أن من العرب من يجزم بها .

وقرأ طلحة بن مصرف " هل يصيبنا " وحكي عن أعين قاضي الري أنه قرأ " قل لن يصيبنا " بنون مشددة .

وهذا لحن ، لا يؤكد بالنون ما كان خبرا ، ولو كان هذا في قراءة طلحة لجاز .

قال الله تعالى : هل يذهبن كيده ما يغيظ .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال تعالى رادا عليهم في ذلك ‏{‏قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا‏}‏ أي‏:‏ ما قدره وأجراه في اللوح المحفوظ‏.‏ ‏{‏هُوَ مَوْلَانَا‏}‏ أي‏:‏ متولي أمورنا الدينية والدنيوية، فعلينا الرضا بأقداره وليس في أيدينا من الأمر شيء‏.‏ ‏{‏وَعَلَى اللَّهِ‏}‏ وحده ‏{‏فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ يعتمدوا عليه في جلب مصالحهم ودفع المضار عنهم، ويثقوا به في تحصيل مطلوبهم، فلا خاب من توكل عليه، وأما من توكل على غيره، فإنه مخذول غير مدرك لما أمل‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل ) لهم يا محمد ( لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) أي : علينا في اللوح المحفوظ ( هو مولانا ) ناصرنا وحافظنا .

وقال الكلبي : هو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة ، ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» لهم «لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا» إصابته «هو مولانا» ناصرنا ومتولي أمورنا «وعلى الله فيتوكل المؤمنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها النبي- لهؤلاء المتخاذلين زجرًا لهم وتوبيخًا: لن يصيبنا إلا ما قدَّره الله علينا وكتبه في اللوح المحفوظ، هو ناصرنا على أعدائنا، وعلى الله، وحده فليعتمد المؤمنون به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا .

.

) إرشاد للرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الجواب الذى يكبتهم ويزيل فرحتهم .أى : " قل " يا محمد - لهؤلاء المنافقين الذين يسرهم ما يصبك من شر ، ويحزنهم ما يصيبك من خير ، والذين خلت قلوبهم من الإِمان بقضاء الله وقدره ، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت .

لن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا وقدره علينا " هو مولانا " الذى يتولانا فى كل أمورنا ، ونلجأ إليه فى كل أحوالنا .

وعليه وحده - سبحانه نكل أمورنا وليس على أحد سواه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من كيد المنافقين ومن خبث بواطنهم، والمعنى: إن تصبك في بعض الغزوات حسنة سواء كان ظفراً، أو كان غنيمة، أو كان انقياداً لبعض ملوك الأطراف، يسؤهم ذلك، وإن تصبك مصيبة من نكبة وشدة ومصيبة ومكروه يفرحوا به، ويقولوا قد أخذنا أمرنا الذي نحن مشهورون به، وهو الحذر والتيقظ والعمل بالحزم، من قبل أي قبل ما وقع وتولوا عن مقام التحدث بذلك، والاجتماع له إلى أهاليهم، وهم فرحون مسرورون، ونقل عن ابن عباس أن الحسنة في يوم بدر، والمصيبة في يوم أحد، فإن ثبت بخبر أن هذا هو المراد وجب المصير إليه، وإلا فالواجب حمله على كل حسنة، وعلى كل مصيبة، إذ المعلوم من حال المنافقين أنهم في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكره الله هاهنا.

ثم قال تعالى: ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا ﴾ وفيه أقوال: القول الأول: أن المعنى أنه لن يصيبنا خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء، ولا شدة ولا رخاء، إلا وهو مقدرعلينا مكتوب عند الله، وكونه مكتوباً عند الله يدل على كونه معلوماً عند الله مقضياً به عند الله، فإن ما سواه ممكن، والممكن لا يترجح إلا بترجيح الواجب، والممكنات بأسرها منتهية إلى قضائه وقدره.

واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في أن قضاء الله شامل لكل المحدثات وأن تغير الشيء عما قضى الله به محال، وتقرير هذا الكلام من وجوه: أحدها: أن الموجود إما واجب وإما ممكن، والممكن يمتنع أن يترجح أحد طرفيه على الآخر لنفسه، فوجب انتهاؤه إلى ترجيح الواجب لذاته، وما سواه فواجب بإيجاده وتأثيره وتكوينه.

ولهذا المعنى قال النبي عليه السلام: «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة».

وثانيها: أن الله تعالى لما كتب جميع الأحوال في اللوح المحفوظ فقد علمها وحكم بها، فلو وقع الأمر بخلافها لزم انقلاب العلم جهلاً والحكم الصدق كذباً، وكل ذلك محال، وقد أطنبنا في شرح هذه المناظرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ .

فإن قيل: إنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام تسلية للرسول في فرحهم بحزنه ومكارهه فأي تعلق لهذا المذهب بذلك؟

قلنا: السبب فيه قوله صلى الله عليه وسلم: «من علم سر الله في القدر هانت عليه المصائب» فإنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع، زالت المنازعة عن النفس وحصل الرضا به.

القول الثاني: في تفسير هذه الآية أن يكون المعنى ﴿ لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا ﴾ أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدو والاستيلاء عليهم، والمقصود أن يظهر للمنافقين أن أحوال الرسول والمسلمين وإن كانت مختلفة في السرور والغم، إلا أن في العاقبة الدولة لهم والفتح والنصر والظفر من جانبهم، فيكون ذلك اغتياظاً للمنافقين ورداً عليهم في ذلك الفرح.

والقول الثالث: قال الزجاج: المعنى إذا صرنا مغلوبين صرنا مستحقين للأجر العظيم، والثواب الكثير، وإن صرنا غالبين، صرنا مستحقين للثواب في الآخرة، وفزنا بالمال الكثير والثناء الجميل في الدنيا، وإذا كان الأمر كذلك، صارت تلك المصائب والمحزنات في جنب هذا الفوز بهذه الدرجات العالية متحملة، وهذه الأقوال وإن كانت حسنة، إلا أن الحق الصحيح هو الأول.

ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ مولانا ﴾ والمراد به ما يقوله أصحابنا أنه سبحانه يحسن منه التصرف في العالم كيف شاء، وأراد لأجل أنه مالك لهم وخالق لهم، ولأنه لا اعتراض عليه في شيء من أفعاله، فهذا الكلام ينطبق على ما تقدم، ولذا قلنا إنه تعالى وإن أوصل إلى بعض عبيده أنواعاً من المصائب فإنه يجب الرضا بها لأنه تعالى مولاهم وهم عبيده، فحسن منه تعالى تلك التصرفات، بمجرد كونه مولى لهم، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله.

ثم قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ معناه أنه وإن لم يجب عليه لأحد من العبيد شيء من الأشياء ولا أمر من الأمور إلا أنه مع هذا عظيم الرحمة كثير الفضل والإحسان، فوجب أن لا يتوكل المؤمن في الأصل إلا عليه، وأن يقطع طمعه إلا من فضله ورحمته، لأن قوله: ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ يفيد الحصر، وهذا كالتنبيه على أن حال المنافقين بالضد من ذلك وأنهم لا يتوكلون إلا على الأسباب الدنيوية واللذات العاجلة الفانية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرأ ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿ قل هل يصيبنا ﴾ .

وقرأ طلحة رضي الله عنه: ﴿ هل يصيّبنا ﴾ ، بتشديد الياء.

ووجهه أن يكون (يفعيل) لا (يفعل) لأنه من بنات الواو، كقولهم: الصواب، وصاب السهم يصوب، ومصاوب في جمع مصيبة، فحقّ (يفعل) منه (يصوّب) ألا ترى إلى قولهم: صوّب رأيه، إلاّ أن يكون من لغة من يقول: صاب السهم يصيب.

ومن قوله: أسهمي الصائبات والصيب، واللام في قوله: ﴿ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا ﴾ مفيدة معنى الاختصاص كأنه قيل: لن يصيبنا إلاّ ما اختصنا الله به بإثباته وإيجابه من النصرة عليكم أو الشهادة.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ هُوَ مولانا ﴾ أي الذي يتولانا ونتولاه، ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله، فليفعلوا ما هو حقهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنْ تُصِبْكَ ﴾ في بَعْضِ غَزَواتِكَ.

﴿ حَسَنَةٌ ﴾ ظَفَرٌ وغَنِيمَةٌ.

﴿ تَسُؤْهُمْ ﴾ لِفَرْطِ حَسَدِهِمْ.

﴿ وَإنْ تُصِبْكَ ﴾ في بَعْضِها.

﴿ مُصِيبَةٌ ﴾ كَسْرٌ أوْ شِدَّةٌ كَما أصابَ يَوْمَ أُحُدٍ.

﴿ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ﴾ تَبَجَّحُوا بِانْصِرافِهِمْ واسْتَحْمَدُوا رَأْيَهم في التَّخَلُّفِ.

﴿ وَيَتَوَلَّوْا ﴾ عَنْ مُتَحَدِّثِهِمْ بِذَلِكَ ومُجْتَمَعِهِمْ لَهُ، أوْ عَنِ الرَّسُولِ  .

﴿ وَهم فَرِحُونَ ﴾ مَسْرُورُونَ.

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ﴾ إلّا ما اخْتَصَّنا بِإثْباتِهِ وإيجابِهِ مِنَ النُّصْرَةِ، أوِ الشَّهادَةِ أوْ ما كُتِبَ لِأجْلِنا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لا يَتَغَيَّرُ بِمُوافَقَتِكم ولا بِمُخالَفَتِكم.

وقُرِئَ « هَلْ يُصِيبُنا» و « هَلْ يُصِيبُنا» وهو مِن فَيْعَلَ لا مِن فَعَلَ لِأنَّهُ مِن بَناتِ الواوِ لِقَوْلِهِمْ صابَ السَّهْمُ يَصُوبُ واشْتِقاقُهُ مِنَ الصَّوابِ لِأنَّهُ وُقُوعُ الشَّيْءِ فِيما قُصِدَ بِهِ.

وقِيلَ مِنَ الصَّوْبِ.

﴿ هُوَ مَوْلانا ﴾ ناصِرُنا ومُتَوَلِّي أُمُورِنا.

﴿ وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ لِأنَّ حَقَّهم أنْ لا يَتَوَكَّلُوا عَلى غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)

{قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا} أي قضى من خير أو شر {هُوَ مولانا} أي الذي يتولانا ونتولاه {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿ لَنْ يُصِيبَنا ﴾ أبَدًا ﴿ إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ﴾ أيْ: ما اخْتَصَّنا بِإثْباتِهِ وإيجابِهِ مِنَ المَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ أوِ الأُخْرَوِيَّةِ كالنُّصْرَةِ أوِ الشَّهادَةِ المُؤَدِّيَةِ لِلنَّعِيمِ الدّائِمِ، فالكَتْبُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكَتْبِ الخَطَّ في اللَّوْحِ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ والأجْلِ، أيْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما خَطَّ اللَّهُ تَعالى لِأجْلِنا في اللَّوْحِ ولا يَتَغَيَّرُ بِمُوافَقَتِكم ومُخالَفَتِكم، فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الحَوادِثَ كُلَّها بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( ﴿ هُوَ مَوْلانا ﴾ ) أيْ: ناصِرُنا ومُتَوَلِّي أُمُورِنا يُعَيِّنُ الأوَّلَ لِأنَّهُ يُبَيِّنُ أنَّ مَعْنى اللّامِ الِاخْتِصاصُ ويُخَصِّصُ المَوْصُولَ بِالنَّصْرِ والشَّهادَةِ أيْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ذَلِكَ دُونَ الخِذْلانِ والشَّقاوَةِ كَما هو مَصِيرُ حالِكم لِأنّا مُؤْمِنُونَ وأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم، وقَدْ يُقالُ: هو تَعْلِيلٌ لِما يُسْتَفادُ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ مِنَ الرِّضا أيْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَلا يَضُرُّنا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ونَحْنُ بِما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى راضُونَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكُنا ونَحْنُ عَبِيدُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( هَلْ يُصِيبُنا ) وطَلْحَةُ ( هَلْ يُصَيِّبُنا ) بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن صَيَّبَ الَّذِي وزْنُهُ فَيْعَلَ لا فَعَّلَ بِالتَّضْعِيفِ لِأنَّ قِياسَهُ صَوَّبَ لِأنَّهُ مِنَ الواوِيِّ فَلا وجْهَ لِقَلْبِها ياءً بِخِلافِ ما إذا كانَ صَيْوَبَ عَلى وزْنِ فَيْعَلَ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ والأوَّلُ مِنهُما ساكِنٌ قُلِبَتِ الواوُ ياءًا وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ مِنَ التَّفْعِيلِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ صابَ يُصِيبُ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: واسْتَبى الكاعِبَ العَقِيلَةَ إذْ أسْهُمِي الصّائِباتُ والصُّيُبُ ( ﴿ وعَلى اللَّهِ ﴾ ) وحْدَهُ ( ﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ ) بِأنْ يُفَوِّضُوا الأمْرَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ التَّشَبُّثَ بِالأسْبابِ العادِيَّةِ إذا لَمْ يُعْتَمَدْ عَلَيْها، وظاهِرُ كَلامِ جَمْعٍ أنَّ الجُمْلَةَ مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ التَّبَرُّكِ والِاسْتِلْذاذِ بِهِ.

ووَضَعَ المُؤْمِنِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِينَ اخْتِصاصُ التَّوَكُّلِ بِاللَّهِ تَعالى، وجِيءَ بِالفاءِ الجَزائِيَّةِ لِتُشْعِرَ بِالتَّرَتُّبِ أيْ إذا كانَ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ أيْ خَصَّنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ أوِ الشَّهادَةِ وأنَّهُ مُتَوَلِّي أمْرَنا فَلْنَفْعَلْ ما هو حَقُّنا مِنِ اخْتِصاصِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِالتَّوَكُّلِ، قالَ الطِّيبِيُّ: وكَأنَّهُ قُوبِلَ قَوْلُ المُنافِقِينَ بِهَذِهِ الفاصِلَةِ، والمَعْنى دَأْبُ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَتَّكِلُوا عَلى حَزْمِهِمْ وتَيَقُّظِ أنْفُسِهِمْ كَما أنَّ دَأْبَ المُنافِقِينَ ذَلِكَ بَلْ أنْ يَتَّكِلُوا عَلى اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ ويُفَوِّضُوا أُمُورَهم إلَيْهِ، ولا يَبْعُدُ تَفَرُّعُ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ هُوَ مَوْلانا ﴾ ) كَما لا يَخْفى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَسُوقَةً مِن قِبَلِهِ تَعالى أمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ إثْرَ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما ذُكِرَ، وأمْرُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ في المَوْضِعَيْنِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ وكَذا إعادَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ، يعني: إن أصابك الغنيمة والنصر ساءهم ذلك.

وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ، يعني: الشدة والنكبة الهزيمة.

يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ، يعني: حذرنا بالقعود والتخلف عن الخروج من قبل المصيبة.

وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ بما أصابك وبتخلفهم.

قال الله تعالى لنبيه  : قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا، يعني: إلاَّ ما قضي الله لنا وقدر علينا من شدة أو رخاء، ويقال: إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا، يعني: في اللوح المحفوظ، ويقال: إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا في القرآن وهو قوله تعالى: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة: 111] .

ثم قال: هُوَ مَوْلانا، أي ولينا وناصرنا وحافظنا.

وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، يعني: وعلى المؤمنين أن يتوكلوا على الله، ويقال: وعلى الله فليثق الواثقون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وخِلالَكُمْ معناه: فيما بينكم.

قال ص: خِلالَكُمْ جمع خَلَلٍ، وهو الفُرْجَة بين الشيئين، وانتصب على الظّرف ب لَأَوْضَعُوا، ويَبْغُونَكُمُ: حالٌ، أي: باغين.

انتهى.

والإِيضاع: سُرْعَةُ السير، ووقَعْتُ لَأَوْضَعُوا بألف بَعْدَ «لا» في المصحف، وكذلك وقعتْ في قوله: أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ [النمل: ٢١] يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ، أي: يطلبون لكم الفتْنَة، وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، قال مجاهد وغيره: معناه: جواسيسُ يسمعون الأخبار، ويَنْقُلُونها إِليهم «١» ، وقال الجمهور: معناه: وفيكم مُطِيعُونَ سامعون لهم.

وقوله سبحانه: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ، في هذه الآية تحقيرٌ لشأنهم، ومعنَى قوله: مِنْ قَبْلُ: ما كان من حالهم في أُحُدٍ وغيرها، ومعنى قوله: وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ: دبَّروها ظهراً لبطْنٍ، وسعوا بكُلِّ حيلةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي، نزلَتْ في الجَدِّ بْنِ قيس، وأسند الطبريّ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم/ قالَ: «اغْزُوا تَبُوكَ، تَغْنَمُوا بَنَاتِ الأصْفَرِ» فقال الجَدُّ: ائذن لَنَا وَلاَ تَفْتِنَّا «٢» بالنِّسَاءِ، وقال ابن عبَّاس: إِن الجَدَّ قال:

ولكنِّي أُعِينُكَ بِمَالِي «٣» .

وقوله سبحانه: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، أي: في الذي أظهروا الفرار منه.

إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)

وقوله سبحانه: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ...

الآية: الحسنَةُ هنا بحسب الغَزْوَة: هي الغنيمةُ والظفرُ، والمصيبةُ: الهزيمة والخيبةُ، واللفظ عامٌّ بعد ذلك في كلِّ محبوب ومكروه، ومعنى قوله: قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ، أَيْ: قد أخذنا بالحَزْمِ في تخلّفنا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ﴾ أيْ: نَصْرٌ وغَنِيمَةٌ.

والمُصِيبَةُ: القَتْلُ والهَزِيمَةُ.

(يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا) أيْ: عَمِلْنا بِالحَزْمِ فَلَمْ نَخْرُجْ.

(وَيَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ) بِمُصابِكَ وسَلامَتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما قَضى عَلَيْنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ما بَيَّنَ لَنا في كُتُبِهِ مِن أنّا نَظْفَرُ فَيَكُونُ ذَلِكَ حُسْنى لَنا، أوْ نُقْتَلُ فَتَكُونُ الشَّهادَةُ حُسْنى لَنا أيْضًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: لَنْ يُصِيبَنا في عاقِبَةِ أمْرِنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا مِنَ النَّصْرِ الَّذِي وعَدَنا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ مَوْلانا ﴾ أيْ: ناصِرُنا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللهِ وهم كارِهُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ ﴿ إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ ﴾ ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيرٌ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللهُ سَعْيَهُمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: "مِن قَبْلُ" ما كانَ مِن حالِهِمْ مِن وقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ  ورُجُوعِهِمْ عنهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها، ومَعْنى ﴿ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ ﴾ دَبَّرُوها ظَهْرًا لِبَطْنٍ.

ونَظَرُوا في نَواحِيها وأقْسامِها، وسَعَوْا بِكُلِّ حِيلَةٍ، وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "وَقَلَبُوا لَكَ" بِالتَخْفِيفِ في اللامِ، و"أمْرُ اللهِ": الإسْلامُ ودَعَوْتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ﴾ نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُومِ حَرَّضَ الناسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: (هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ؟)، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: (اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ)، فَقالَ لَهُ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: ائْذَنْ لِي في التَخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ،» وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ نَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي فِيهِ فُتُورٌ كَثِيرٌ وتَخَلُّفٌ في الِاعْتِذارِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "اغْزُوا تَبُوكَ تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ"، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ ولا تَفْتِنّا بِالنِساءِ،» وهَذا مَنزَعٌ غَيْرُ الأوَّلِ إذا نُظِرَ، وهو أشْبَهُ بِالنِفاقِ والمُحادَّةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ الجَدَّ قالَ: "وَلَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالِي" وتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ قَوْلَهُ: "وَلا تَفْتِنِّي" أيْ: لا تُصَعِّبُ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ ومُخالَفَتِكَ، فَسَهِّلْ أنْتَ عَلَيَّ ودَعْنِي غَيْرَ مُجَلَّحٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ واقِفٌ مَعَ اللَفْظِ، لَكِنَّ تَظاهُرَ ما رُوِيَ مِن ذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ في هَذا التَأْوِيلِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَلا تُفْتِنِّي" بِضَمِّ التاءِ الأُولى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، والأصْفَرُ هو الرُومُ بْنُ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَ أصْفَرَ اللَوْنِ فَيُقالُ لِلرُّومِ: بَنُو الأصْفَرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ: "أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وبَنُو الأصْفَرِ الكِرامُ مُلُوكُ الرُو ∗∗∗ مِ لَمْ يَبْقَ مِنهم مَذْكُورُ وذَكَرَ النَقّاشُ والمَهْدَوِيُّ أنَّ الأصْفَرَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ وقَعَ بِبِلادِ الرُومِ، فَتَزَوَّجَ وأنْسَلَ بَناتٍ لَهُنَّ جَمالٌ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ أيْ في الَّذِي أظْهَرُوا الفِرارَ مِنهُ بِما تَبَيَّنَ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِن نِفاقِهِمْ، وصَحَّ عِنْدَكم مِن كُفْرِهِمْ، وفَسَدَ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم.

و ﴿ سَقَطُوا ﴾ عِبارَةٌ مُنْبِئَةٌ عن تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ، ومِنهُ: "عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ"، ثُمَّ قالَ: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ وهَذا تَوَعُّدٌ شَدِيدٌ لَهُمْ، أيْ: هي مَآلُهم ومَصِيرُهم كَيْفَما تَقَلَّبُوا في الدُنْيا فَإلَيْها يُرْجَعُونَ، فَهي مُحِيطَةٌ بِهَذا الوَجْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ﴾ الآيَةُ، أخْبَرَ تَعالى عن مُعْتَقَدِهِمْ وما هم عَلَيْهِ، والحَسَنَةُ هُنا بِحَسَبِ الغَزْوَةِ هي الغَنِيمَةُ والظَفَرُ، والمُصِيبَةُ الهَزْمُ والخَيْبَةُ، واللَفْظُ عامٌّ -بَعْدَ ذَلِكَ- في كُلِّ مَحْبُوبٍ ومَكْرُوهٍ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ﴾ أيْ حَزَمْنا نَحْنُ في تَخَلُّفِنا ونَظَرْنا لِأنْفُسِنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنا ﴾ الآيَةُ.

أمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَرُدَّ عَلى المُنافِقِينَ ويُفْسِدَ عَلَيْهِمْ فَرَحَهم بِأنْ يُعَلِمَهم أنَّ الشَيْءَ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ مُصِيبَةٌ لَيْسَ كَما اعْتَقَدُوهُ، بَلِ الجَمِيعُ مِمّا قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ظَفَرًا وسُرُورًا في الدُنْيا وإمّا أنْ يَكُونَ ذُخْرًا لِلْآخِرَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قُلْ هَلْ يُصِيبُنا" ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ، وعِنْدَ ابْنِ جِنِّيٍّ: وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأعْيَنُ قاضِي الرَيِّ: "قُلْ لَنْ يُصَيِّبَنا" بِشَدِّ الياءِ الثانِيَةِ وكَسْرِها، كَذا ذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وشَرَحَ ذَلِكَ، وهو وهْمٌ، واللهُ أعْلَمُ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ عَمْرُو بْنُ شَفِيقٍ: سَمِعْتُ أعْيَنَ قاضِيَ الرَيِّ يَقْرَأُ: "قُلْ لَنْ يُصِيبَنّا" النُونُ مُشَدَّدَةٌ، قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ النُونَ لا تَدْخُلُ مَعَ "لَنْ" ولَوْ كانَتْ لِطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ لَجازَتْ لِأنَّها مَعَ "هَلْ"، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ كَتَبَ اللهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ما قَضى وقَدَّرَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ما كَتَبَ اللهُ لَنا في قُرْآنِنا عَلَيْنا مِن أنّا إمّا أنْ نَظْفَرَ بِعَدُوِّنا وإمّا أنْ نُسْتَشْهَدَ، فَنَدْخُلَ الجَنَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الِاحْتِمالُ يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ، وقَدْ ذَكَرَهُما الزَجّاجُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ مَعْناهُ: مَعَ سَعْيِهِمْ وجَدِّهِمْ إذْ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ، وهو الصَحِيحُ، والَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ  مُدَّةَ عُمْرِهِ، ومِنهُ مُظاهَرَتُهُ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وتَخَبَّطَ الناسُ في مَعْنى التَوَكُّلِ في الرِزْقِ، فالأظْهَرُ والأصَحُّ أنَّ الرَجُلَ الَّذِي يُمْكِنُهُ التَحَرُّفُ الحَلالُ المَحْضُ الَّذِي لا تَدْخُلُهُ كَراهِيَةٌ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَمْتَثِلَ مِنهُ ما يَصُونُهُ ويَحْمِلُهُ مِثْلَ الِاحْتِطابِ ونَحْوِهِ، وقَدْ قَرَنَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الرِزْقَ بِالتَسَبُّبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا  ﴾ .

ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في الطَيْرِ: « "تَغْدُو خِماصًا»..." الحَدِيثُ.

ومِنهُ قَوْلُهُ  : « "قَيَّدْها وتَوَكَّلْ"»، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ الرَجُلَ القَوِيَّ الجَلْدَ إذا بَلَغَ مِنَ التَوَكُّلِ إلى أنْ يَدْخُلَ غارًا أو بَيْتًا يَجْهَلُ أمْرَهُ فِيهِ، ويَبْقى في ذِكْرِ اللهِ مُتَوَكِّلًا يَقُولُ: إنْ كانَ بَقِيَ لِي رِزْقٌ فَسَيَأْتِي اللهُ بِهِ، وإنْ كانَ رِزْقِي قَدْ تَمَّ مُتُّ إنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ بالِغٌ عِنْدَ قَوْمٍ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ في الحَرَمِ رَجُلٌ مُلازِمٌ يُخْرَجُ مِن جَيْبِهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ بِطاقَةً يَنْظُرُ فِيها ثُمَّ يَصْرِفُها ويَبْقى عَلى حالِهِ حَتّى ماتَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَقَرَأتُ البِطاقَةَ فَإذا فِيها مَكْتُوبٌ ﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الطَرِيقَةُ لا يَراها جُلُّ أهْلِ العِلْمِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَسْعى الرَجُلُ لِقَدَرِ القُوتِ سَعْيًا جَمِيلًا لا يُواقِعُ فِيهِ شُبْهَةً، فَإنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وخَرَجَ إلى حَدِّ الِاضْطِرارِ، فَحِينَئِذٍ إنْ تَسامَحَ في السُؤالِ وأكَلَ المَيْتَةَ وما أمْكَنَهُ مِن ذَلِكَ فَهو لَهُ مُباحٌ، وإنْ صَبَرَ وتَحْتَسِبُ نَفْسَهُ كانَ في أعْلى رُتْبَةٍ عِنْدَ قَوْمٍ، ومِنَ الناسِ مَن يَرى أنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ إبْقاءَ رَمَقَهُ.

وأمّا مِن يَخْتارُ الإلْقاءَ بِاليَدِ -والسَعْيُ مُمْكِنٌ- فَما كانَ هَذا قَطُّ مَن خُلُقِ الرَسُولِ  ولا الصَحابَةِ ولا العُلَماءِ، واللهُ سُبْحانَهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، ومِن حُجَجِ مَن يَقُولُ بِالتَوَكُّلِ حَدِيثُ النَبِيِّ  في قَوْلِهِ: « "يَدْخُلُ الجَنَّةَ سَبْعُونَ ألْفًا مِن أُمَّتِي بِلا حِسابٍ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ ولا يَكْتَوُونَ ولا يَتَطَبَّبُونَ، وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"»، وفي هَذا الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  دَعا لِعُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لِأنَّهُ عَرَفَ مِنهُ أنَّهُ لِذَلِكَ، وقالَ لِلْآخَرِ: «سَبَقَكَ بِها عُكّاشَةُ»، وبَرَدَتِ الدَعْوَةُ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ مُنافِقًا، وقِيلَ: بَلْ عَرَفَ مِنهُ أنَّهُ لا يَصْحُّ لِهَذِهِ الدَرَجَةِ مِنَ التَوَكُّلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تلقين جواب لقولهم: ﴿ قد أخذنا أمرنا من قبل ﴾ [التوبة: 50] المنبئ عن فرحهم بما ينال المسلمين من مصيبة بإثبات عدم اكتراث المسلمين بالمصيبة وانتفاء حزنهم عليها لأنهم يعلمون أن ما أصابهم ما كان إلاّ بتقدير الله لمصلحة المسلمين في ذلك، فهو نفع محض كما تدلّ عليه تعدية فعل ﴿ كتب ﴾ باللام المؤذنة بأنّه كتب ذلك لنفعهم وموقع هذا الجواب هو أن العدوّ يفرح بمصاب عدوّه لأنّه ينكد عدوّه ويُحزنه، فإذا علموا أنّ النبي لا يحزَن لما أصابه زال فرحهم.

وفيه تعليم للمسلمين التخلق بهذا الخلق: وهو أن لا يحزنوا لما يصيبهم لئلا يهنو وتذهب قوتهم، كما قال تعالى: ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ﴾ [آل عمران: 139، 140].

وأن يرضوا بما قدر الله لهم ويرجوا رضى ربّهم لأنهم واثقون بأنّ الله يريد نصر دينه.

وجملة ﴿ هو مولانا ﴾ في موضع الحال من اسم الجلالة، أو معترضة أي لا يصيبنا إلا ما قدره الله لنا، ولنا الرجاء بأنّه لا يكتب لنا إلا ما فيه خيرنا العَاجل أو الآجل، لأن المولى لا يرضى لمولاه الخزي.

وجملة ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ يجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ قل ﴾ فهي من كلام الله تعالى خبراً في معنى الأمر، أي قل ذلك ولا تتوكّلوا إلا على الله دون نصرة هؤلاء، أي اعتمدوا على فضله عليكم.

ويجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ لن يصيبنا ﴾ أي قل ذلك لهم، وقل لهم إن المؤمنين لا يتوكّلون إلا على الله، أي يؤمنون بأنّه مؤيّدهم، وليس تأييدهم بإعانتكم، وتفصيل هذا الإجمال في الجملة التي بعدها.

والفاء الداخلة على ﴿ فليتوكل المؤمنون ﴾ فاء تدلّ على محذوف مفرّع عليه اقتضاه تقديم المعمول، أي على الله فليتوكّل المؤمنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ يَعْنِي بِالحَسَنَةِ النَّصْرَ.

﴿ وَإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ﴾ أيْ أخَذْنا حِذْرَنا فَسَلَّمْنا.

﴿ وَيَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ ﴾ أيْ بِمُصِيبَتِكَ وسَلامَتِهِمْ.

قالَ الكَلْبِيُّ: عَنى بِالحَسَنَةِ النَّصْرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وبِالمُصِيبَةِ النَّكْبَةَ يَوْمَ أُحُدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّهُ يُصِيبُنا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، لا أنَّ ذَلِكَ بِأفْعالِنا فَنُذَمُّ أوْ نُحْمَدُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.

والثّانِي: إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا في عاقِبَةِ أمْرِنا أنَّهُ يَنْصُرُنا ويَعِزُّ دِينَهُ بِنا.

﴿ هُوَ مَوْلانا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مالِكُنا.

والثّانِي: حافِظُنا وناصِرُنا.

﴿ وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ عَلى مَعُونَتِهِ وتَدْبِيرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ قال: إلا ما قضى الله لنا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مسلم بن يسار رضي الله عنه قال: الكلام في القدر واديان عريضان يهلك الناس فيهما لا يدرك عرضهما، فاعمل عمل رجل يعلم أنه لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له.

وأخرج أبو الشيخ عن مطرف رضي الله عنه قال: ليس لأحد أن يصعد فوق بيت فيلقي نفسه ثم يقول: قدر لي.

ولكن نتقي ونحذر، فإن أصابنا شيء علمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.

وأخرج أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإِيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ أي: لن يصبنا خير وشر وشدة ورخاء إلا وهو مقدر علينا، مكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا معنى قول الحسن (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ مَا كَتَبَ اللَّهُ ﴾ مخصوص هاهنا بالشهادة، وفي القول الأول عام في كل ما يصيب.

قال الزجاج: وفيه وجه آخر: ﴿ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ أي: بين الله لنا في كتابه من أنا نظفر فيكون ذلك حسنى لنا، أو نقتل فتكون الشهادة حسنى لنا أيضاً، أي فقد كتب الله ما يصيبنا وعلمنا ما لنا فيه من الحظ (٧) والأكثرون من المفسرين على القول الأول (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ هُوَ مَوْلَانَا ﴾ ، قال ابن عباس: (ناصرنا) (١١) (١٢) ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ ، أي: وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم على الرضا بتدبيره والثقة بحسن اختياره، قال أصحاب المعاني: وهذا بيان عما يوجبه إظهار شماتة الأعداء من الإقرار بأنه لا يصيب العبد إلا ما قضى (١٣) (١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 371.

(٢) انظر: "تفسيره" ص 130 أ.

(٣) في (ي): (ما أصابكم)، وهو خطأ.

(٤) في (ج): (ولا في السماء)، وهو خطأ.

(٥) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 450، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 195 مختصرًا.

(٦) من (م).

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 452 بتصرف وهذا القول فيه بعد وتكلف، والظاهر هو القول الأول وأنه عام في كل مصيبة، وهو الذي تدل عليه نظائر الآية.

(٨) وهو ما اعتمده ابن جرير10/ 150، والثعلبي 6/ 13 ب، والبغوي 4/ 57، وابن كثير 2/ 399.

(٩) في (ج): (من)، هو خطأ.

(١٠) في (في): (أدبر).

(١١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 371 من غير نسبة.

(١٢) انظر: "الوسيط" 2/ 503، و"البحر المحيط" 5/ 52.

(١٣) هكذا في جميع النسخ، والسياق يقتضي أن يقول: ما قضى الله عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك قال الجد بن قيس وكان من المنافقين: ائذن لي القعود ولا تفتني برؤية بني الأصفر فإني لا أصبر عن النساء ﴿ أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ﴾ أي وقعوا في الفتنة التي فروا منها ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ الحسنة هنا النصر والغنيمة وشبه ذلك ﴿ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ أي قد حذرنا وتأهبنا من قبل ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا ﴾ أي ما قدر وقضى، وهذا رد على المنافقين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هل تربِّصون ﴾ بإظهار اللام وتشديد التاء: البزي وابن فليح، وقرأه حمزة وعلي وهشام مدغماً حتى لا يجتمع ساكنان.

الباقون: بإظهار اللام وتخفيف التاء ﴿ أن تقبل ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالفوقانية ﴿ مدخلاً ﴾ بضم الميم وسكون الدال: سهل ويعقوب.

الباقون: بالدال المشددة المتفوحة.

﴿ يلمزك ﴾ بضم الميم: سهل ويعقوب.

الآخرون: بكسرها سوى عباس فإنه مخير.

الوقوف: ﴿ تسؤهم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ لنا ﴾ ج للابتداء لفظاً مع الاتحاد معنى ﴿ هو مولانا ﴾ ط لابتداء إخبار من الله أو الحكاية عنهم.

﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ الحسنيين ﴾ ط للاستئناف بعد تمام الاستفهام ﴿ بأيدينا ﴾ ط والوصل أصح لأن الفاء جواب ﴿ نتربص ﴾ ﴿ متربصون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط.

﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا أولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ لمنكم ﴾ ط ﴿ يفرقون ﴾ ه ﴿ يجمحون ﴾ ه ﴿ في الصدقات ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ يسخطون ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ لا إلى قوله ﴿ راغبون ﴾ لأن الكل يتعلق بـ"لو" وجواب "لو" بعد التمام محذوف أي لكان خيراً لهم.

التفسير: هذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين.

عن ابن عباس: الحسنة في قوم بدر والمصيبة في يوم أحد.

والأولى حمله على العموم إذ معلوم من حال المنافقين أنهم كانوا في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكر الله  .

ومعنى ﴿ أخذنا أمرنا ﴾ أي أمرنا الذي نحن موسومون به من التيقظ والتحرر وحسن الرأي والتدبير.

و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل ما وقع ﴿ وتولوا ﴾ أي عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم أو أعرضوا عن الرسول ﴿ وهم فرحون ﴾ مسرورون ثم أمر نبيه  بأن يقول في جوابهم ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ قيل: أي في اللوح المحفوظ من خير أو شر أو خوف أو رجاء أو شدة أو رخاء.

وفائدته أنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع - لأن خلاف معلوم الله ومقدوره محال - زالت عنه منازعة النفس وهانت عليه المصائب.

وقيل: أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدوّ وإظهار دين الله على كل الأديان فيكون المقصود أن أحوال المسلمين وإن كانت مختلفة في الغم والسرور والمحنة إلا أن العاقبة والدولة تكون لهم والظفر يقع في جانبهم فلا معنى لفرح المنافقين في الحال.

وقال الزجاج: معناه لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله به من النصرة عليكم أو الشهادة، وعلى هذا القول يقع ما في الآية الثانية كالمكرر ﴿ هو مولانا ﴾ لا يتولى أمورنا إلا هو يفعل بنا ما يريد من أسباب التهاني والتعازي، لا اعتراض لأحد عليه.

﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ فيه تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يعلق الرجاء إلا برب الأرباب فإنهم يتعلقون بالوسائط والأسباب.

ثم أمره بجواب ثانٍ فقال ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ التربص التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ومنه تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره.

والحسنى تأنيث الأحسن وهي صفة الحالة أو الخصلة أو العاقبة يعني النصرة أو الشهادة.

وفي الأولى إحراز الغنيمة والظفر بالأعداء، وفي الثانية إبقاء الذكر والفوز بنعيم الآخرة.

﴿ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ﴾ قارعة مثل قارعة عاد وثمود وقيل: عذاب الله يشمل عذاب الدارين ﴿ أو بأيدينا ﴾ يعني القتل بأن يظهر نفاقكم ويأمر بقتلكم كالكافر الحربي ﴿ فتربصوا ﴾ أمر للتهديد نحو ﴿ ذق أنك أنت العزيز الكريم  ﴾ ثم ذكر أنهم إن أتوا بشيء من صورة البر لم يكن له قدر عند الله ولا ينتفعون به في الآخرة، والغرض أن أسباب الذل والهوان مجتمعة عليهم في الدنيا والأخرى.

عن ابن عباس نزلت في الجد بن قيس حين قال النبي  ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به.

ولا يبعد أن يكون السبب خاصاً والحكم عاماً.

و ﴿ أنفقوا ﴾ لفظه أمر ومعناه خبر كقوله فيما يجيء ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم  ﴾ ومعناه أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم واستغفر لهم، أو لا تستغفر لهم وانظر هل ترى اختلافاً بين حال الاستغفار وتركه؟

ومثله قول كثير لعزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** كأنه يقول: امتحني لطف محلك عندي وعامليني بالإساءة والإحسان وانظري هل تجدين مني تفاوتاً في الحالين.

وإنما يجوز إقامة الخبر والطلب أحدهما مقام الآخر إذا دل الكلام عليه فيعدل عن الأصل لإفادة المبالغة.

وانتصب ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ على الحال ومعناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو ملزمين من جهتهما.

وسمي الإلزام كراهاً لأنهم منافقون فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه.

ويحتمل أن يراد طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو ملزمين من جهتهم، وذلك أن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملونهم على الإنفاق إذا رأوا فيه مصلحة.

ومعنى ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ أن الرسول لا يقبله منكم، أو أنه لا يقع قبولاً عند الله.

ثم علل عدم القبول بقوله ﴿ إنكم كنتم قوماً فاسقين ﴾ قال الجبائي: فيه دليل على أن الفسق يحبط الطاعات.

وأجيب بأن الفسق ههنا بمعنى الكفر ولا يلزم منه كون الفسق المطلق كذلك.

وإنما قلنا إن الفسق بمعنى الكفر لقوله  ﴿ وما منعهم أن تقبل منهم ﴾ الآية علل منع القبول بأمور ثلاثة: أولها: الكفر بالله وبرسوله.

وثانيها ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ﴾ قال المفسرون: معناه أنه إن كان في جماعة صلى وإن كان وحده لم يصل، وفيه أنه يصلي للناس لا لله، وفيه أنه غير معتقد للصلاة ووجوبها فلهذا لزم منه الكفر.

وثالثها: ﴿ ولا ينفقون إلا وهم كارهون ﴾ وذلك أنهم لا ينفقون رغبة في ثواب الله وإنما ينفقون لأجل المصالح الدنيوية، فهم في حكم الكارهين وإن أنفقوا مختارين يعدون الإنفاق مغرماً ومنعه مغنماً خلاف قول رسول الله  "أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم" .

قيل: الكفر بالله سبب مستقل في منع القبول فكيف ضم إليه الأمرين الآخرين؟

والجواب أنها أمارات ويجوز توارد الأمارت المتعددة على شيء واحد.

بوجه آخر أطلق كفرهم أولاً ثم قيده بعدم اعتقادهم وجوب الصلاة والزكاة، وبعبارة أخرى حكم عليهم بالكفر مطلقاً ثم خص من أنواع كفرهم هذين تفظيعاً لشأن تارك الصلاة والزكاة.

قال في الكشاف: وقرأت في بعض الأخبار أن رسول الله  كره للمؤمن أن يقول كسلت كأنه ذهب إلى هذه الآية.

وأن الكسل من صفات المنافقين.

قال بعض العلماء: وجه الجمع بين قوله ﴿ فَمَنْ يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ وبين مضمون هذه الآية وهو أن شيئاً من أعمال البر لا يكون مقبولاً عند الله مع الكفر، هو أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب.

ولقائل أن يقول: لو لم يكن مقبولاً بوجه لم يكن له في التخفيف أيضاً أثر.

وقيل: في الآية دلالة على أن الصلاة لازمة للكفار وإلا لم يكن الإتيان بها على وجه الكسل مانعاً من تقبل طاعاتهم كما أن قيامهم وقعودهم وسائر تصرفاتهم على وجه الكسل ليس مانعاً من التقبل بالإنفاق.

ثم لما قطع رجاء المنافقين عن منافع الآخرة أراد أن يبّين أن ما يظنونه من منافع الدنيا فهو أيضاً في الحقيقة سبب لتعذيبهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم فقال مخاطباً للرسول  أو لكل أحد ﴿ فلا تعجبك ﴾ الآية.

ونظيره ﴿ ولا تمدّن عينيك  ﴾ وإنما قال ﴿ فلا تعجبك ﴾ بالفاء لأن ما قبله مستقبل يصلح للشرط أي إن يكن فيهم ما ذكرنا من الإتيان بالصلاة على وجه الكسل وغير ذلك فهذا جزاؤه، وهذ بخلاف ما سيجيء في الآية الآخرى من هذه السورة.

والإعجاب سرور المرء بالشيء مع نوع من الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وأنه من البعيد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عنه ويحصله لغيره كقوله ﴿ ما أظن أن تبيد هذه أبداً  ﴾ ولا شك أن هذه خصلة مذمومة من جهة استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله، ومن جهة استبعاد إزالته في قدرة الله، ولهذا قال  "ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" والمقصود من الآية زجر الناس عن الانصباب إلى الدنيا والمنع من التهالك في حبها، فإن المسكن الأصلي هو الآخرة لا الأولى.

وقوله ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ يريد الله ليبين لكم  ﴾ قال مجاهد والسدي وقتادة: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة كأنهم نظروا إلى أن المال والولد لا يكونان عذاباً بل هما من نعم الله  على عباده، وأورد عليه أنهما لا يكونان عذاباً في الآخرة أيضاً.

فإن تكلفوا وقالوا: أراد بذلك أنهما سبب العذاب فقد استغنوا عن التقديم والتأخير لأنهما قد يكونان سبباً للعذاب في الدنيا أيضاً.

وبوجه أخر، المال والولد وكذا الإعجاب بهما يكونان.

في الدنيا لا محالة، فأي فائدة في ذكرها؟

واعلم أن الأموال والأولاد قد يكونان سبباً للتعذيب في الدنيا والآخرة، وذلك أن كل ما كان حبه للشيء أشد كان خوفه عن فواته أكثر وحزنه على فواته أعظم.

فصاحب المال أبداً إما في خوف فوات المال وإما في حزن فواته وإما في تعب حفظه وتثميره.

ثم إن الدنيا حلوة خضرة فإذا كثر ماله انصب بكليته إليه ويفضي إلى طغيانه وقساوة قلبه إلى أن ينسى حب الله وذكر الآخرة.

ثم إنه إن بقي عليه ذلك إلى آخر عمره فعند الموت يعظم أسفه على مفارقته وكان كمن ينتقل من بستان ونعيم إلى سجن وجحيم وعند الحشر يكون حلاله حساباً وحرامه عذاباً فثبت أنحصول المال سبب لعذاب الدارين.

إلا من يتصرف فيه بالحق ومثله يكون نادراً، وكذا الكلام في الولد.

وهذا المعنى وإن كان عاماً للكل إلا أن المنافقين لهم وجوه اختصاص بالتعذيب.

وذلك أن الرجل إذا كان مؤمناً بالله واليوم الآخر علم أنه إنما خلق للآخرة لا للدنيا فيفتر حبه للأمور الدنيوية بخلاف المنافق الذي اعتقد أن لا سعادة إلا هذه الخيرات العاجلة.

وأيضاً إن النبي  كان يكلفهم إنفاق الأموال وبعث الأولاد إلى الغزو والجهاد، وكانوا لا يعتقدون في ذلك فائدة أخروية، وكانوا في أشق تكليف، وكانوا مبغضين للنبي  مع أنهم كانوا مضطرين إلى بذل المال وبعث الأولاد إلى خدمته، وكانا خائفين من افتضاحهم وإظهار نفاقهم وتعريض أولادهم وأموالهم للنهب والسبي، وكثير منهم كان لهم أولاد أتقياء مخلصون كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وكعبد الله بن عبد الله بن أبيّ شهد بدراً وكان عند الله بمكان، وهم خلق كثير كانوا يزيفون طريق آبائهم في النفاق ويقدحون فيهم، والابن إذا صار هكذا تأذى الأب بسببه ولأجل هذه المعاني ذكر بعض العلماء أن التقدير: يريد الله أن يزيد في أموالهم ليعذبهم.

أما قوله ﴿ وتزهق أنفسهم ﴾ أي تخرج ﴿ وهم كافرون ﴾ فقد قالت الأشاعرة: فيه دليل على أنه  أراد منهم الكفر.

وأورد الجبائي عليه أن المريض إذا قال للطبيب أريد أن تدخل علي في حالة مرضي لم يلزم منه كونه مريداً لمرض نفسه، والجواب أن أمثال هذه موكولة إلى قرائن الحال ففي قول المريض لا ريب أن المطلوب هو دخول الطبيب، وكون الدخول واقعاً في تلك الحالة من ضرورات كونه مريضاً وهو طبيبه.

وفي الآية ليس المراد زهوق الروح فقط لأن المسلم والمنافق في ذلك سيان، فالمراد وقوع الزهوق في حالة الكفر فيكون الكفر منهم مراداً بالضرورة.

وقال في الكشاف: المراد الاستدراج بالنعم كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمه إلى أن يموتوا وهم كافرون مشغولون بالتمتع عن النظر للعاقبة.

ومن قبائح أفعال المنافقين ما حكى الله  عنهم في قوله ﴿ ويحلفون بالله أنهم لمنكم ﴾ أي على دينكم.

ثم قال ﴿ وما هم منكم ﴾ أي ليسوا على دينكم.

﴿ ولكنهم قوم يفرقون ﴾ يخافون القتل فيظهرون الإيمان تقية.

ثم أكد نفاقهم بقوله ﴿ لو يجدون ملجأً ﴾ مفراً فيتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم.

فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن من صميم القلب.

والمغارات جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور الإنسان فيه أي يستتر.

والمدخل بالتشديد مفتعل من الدخول أدغمت التاء في الدال لقرب مخرجيهما.

والتداخل "تفعل" من الإدخال ومعناه المسلك الذي يتحفظ بالدخول فيه.

قال الكلبي وابن زيد: نفق كنفق اليربوع.

والمراد أنهم لو وجدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه مع أنها شر الأمكنة ﴿ لولوا إليه ﴾ يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف وولي غيره إذا صرفه ﴿ وهم يجمحون ﴾ أي يسرعون إسراعاً لا يرد وجوهم شيء.

ومنه الفرس الجموح لا يرده اللجام.

والحاصل أنهم من شدة تأذيهم وتنفرهم من الرسول والمسلمين صاروا بهذه الحالة.

قال بعض العلماء: إنه  ذكر ثلاثة أشياء والأقرب حملها على المعاني المتغايرة، فالملجأ الحصون، والمغارات الكهوف في الجبال، والمدخل السرب تحت الأرض كالآبار والله تعالى أعلم.

ومن جملة قبائحهم قوله ﴿ ومنهم من يلمزك ﴾ الآية.

قال الزجاج: لمزت الرجل ألمزه وألمزه بكسر الميم وضمها إذا عبته.

وفرق الليث فقال: اللمز العيب في الحضور، والهمز العيب في الغيبة، واعلم أن العيب في الصدقات يحتمل وجوهاً: الأول: في أخذها بأن يقال انتزاع كسب الإنسان من يده غير معقول لأن الله هو المتكفل بمصالح عبيده إن شاء أفقرهم وإن شاء أغناهم.

الثاني: أن يقال: هي أنك تأخذ الزكوات إلا أن ما تأخذه كثير فوجب أن تقنع بأقل من ذلك.

الثالث: هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه فيكون العيب قد وقع في قسمة الصدقات وفي تفريقها وهذا هو الذي دلت الأخبار على أنهم أرادوه.

عن أبي سعيد الخدري "بينا رسول الله  يقسم غنائم حنين قال له ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج: أعدل يا رسول الله.

فقال: ويلك ومن يعدل إذ لم أعدل" فنزلت.

وعن الكلبي هو أبو الجواظ قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم وهو يزعم أنه يعدل.

فقال: رسول الله  : "لا أبا لك أما كان موسى راعياً.

أما كان داود راعياً فلما ذهب قال رسول الله  : احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون" .

وقيل: هم المؤلفة قلوبهم.

ثم بيّن أن عيبهم ذلك وسخطهم لأجل نصيب نفسهم لا للدين فقال ﴿ فإن أعطوا منها رضوا ﴾ وذلك أن رسول الله  استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون.

ومعنى ﴿ إذا هم يسخطون ﴾ فهم يسخطون.

وفائدته أن يعلم أن الشرط مفاجىء للجزاء ومتهجم عليه.

ثم أرشدهم إلى ما صلاحهم في نفس الأمر فقال ﴿ ولو أنهم رضوا ﴾ الآية ورتبه على أربع مراتب: الأولى: الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمهم بأنه  حكيم يعلم عواقب الأمور، فكل ما كان حكماً له وقضاء منه كان حقاً وصواباً ولا اعتراض عليه.

الثانية: أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو قولهم ﴿ حسبنا الله ﴾ كفانا فضله وصنعه، لغيرنا المال ولنا الرضا والتسليم وذكر الحبيب.

الثالثة: أن نزل من هذه المرتبة العالية كان واثقاً بأن الله لا يهمله وسيعوضه من فضله في غنيمة أخرى.

الرابعة الرغبة إلى الله بأنه المقصد الحقيقي والمقصود الأصلي من الإيمان والطاعة والمال والمنال.

يروى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مر بقوم يذكرون الله فقال: ما الذي يحملكم عليه؟

قالوا: الخوف من عقاب الله.

فقال: أصبتم.

ومر على قوم آخرين يذكرون الله فقال: ما الذي حملكم عليه؟

فقال: الرغبة في الثواب.

فقال: أصبتم.

ومر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسأهلم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بذكره.

فقال: أنتم المحقون.

التأويل: ﴿ أن تصبك ﴾ يا روح ﴿ حسنة ﴾ من عواطف الحق تحزن النفس وصفاتها فبها تظفر الروح عليها ﴿ وإن تصبك مصيبة ﴾ من الموانع والقواطع أخذنا نصيبنا من المراتع الحيوانية لما خالفناه في السير في العالم الروحاني.

﴿ قل ﴾ يا روح ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ لا علينا فإن الفترات والوقفات للتربية لا للرد.

وانظر وقل ﴿ هل تربصون بنا ﴾ أيتها النفس وصفاتها ﴿ إلا إحدى الحسنيين ﴾ الإحسان والعواطف الربانية والوقفة والفترة الموجبة لحسن التربية ﴿ بعذاب من عنده ﴾ هو الابتلاء بالمصائب من الخوف والجوع وغيرهما ﴿ أو بأيدينا ﴾ بالمنع من المخالفات وبكثرة الرياضيات والمجاهدات ﴿ طوعاً ﴾ أو رياء ﴿ وكرهاً ﴾ أي نفاقاً ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ لأن أعمال اللسان وغيره من الجوارح من غير عمل القلب ليست بمقبولة وإن كان عمل القلب بدون الجوارح مقبولاً لقوله  "نية المؤمن أبلغ من عمله" وباقي الآيات إشارات إلى أن من أمارات النفاق عدم الرضا بقسمة الخلاق وحال المخلص بالعكس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ .

قيل: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ﴾ ، أي: الغنيمة، والظفر، والنصر على الأعداء، يسؤهم ذلك، وإن تصبك مصيبة النكبة والهزيمة فرحوا بها.

﴿ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ .

أي: أخذنا أمرنا بالوثيقة والاحتياط؛ حيث لم نخرج معهم حتى لم يصبنا ما أصابهم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: قد أظهرنا الموافقة للمؤمنين في الظاهر، وكنا مع الكافرين في السر، وواليناهم في الحقيقة، وهو ما ذكر من انتظارهم أحد أمرين في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 141].

﴿ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴾ .

يحتمل: يتولوا أولئك الكفرة وهم فرحون.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ونبوته؛ لأنه معلوم أن ما يسوءهم كانوا يضمرونه ويسرونه عنهم، ثم أخبر عما أسروا وأضمروا؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ ، أي: قضى الله لنا، أي: لن يصيبنا إلا ما قضى الله لنا.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ ، أي: ما جاء به القرآن، وهو قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ : من الكرامة، والمنزلة، والنعيم الدائم في الآخرة، أي: لن يصيبنا إلا ذلك، وإن كنتم أنتم تفرحون بذلك، فذلك الذي كتب الله لنا.

﴿ هُوَ مَوْلاَنَا ﴾ .

أي: [هو] ربنا ونحن عبيده، يكتب لنا ما يشاء من الخير والشر؛ أي: ما أكرمنا الله لنا، أي: ما أحل لنا وأباح، وأما القضاء فإنه قل ما يقال فيما يكون لهم، وإنما يقال فيما قضى عليهم، وأما الكتاب لهم فهو فيما ...

ويحل لهم ويبيح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

يحتمل وجهين: الأول: يحتمل: على الإخبار، أي: على الله يتوكل المؤمنون، لا يتوكلون على غيره.

والثاني: يحتمل: أن يكون على الأمر، أي: على الله توكلوا أيها المؤمنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ﴾ .

عن ابن عباس -  -: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ﴾ يعني: الشهادة، والحياة، والرزق الدائم، والكرامة؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً...

﴾ الآية [آل عمران: 169].

ويحتمل: إلا إحدى الحسنيين في الدنيا: الغنيمة والظفر؛ يقول: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين: إما الحياة الدائمة في الآخرة، والرزق الحسن، والكرامة، وإما الغنيمة والنصر في الدنيا، هذا تتربصون بنا ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده: العذاب في الآخرة إن قتلتم، أو بأيدينا، أي: القتل بأيدينا.

﴿ تَرَبَّصُونَ بِنَآ ﴾ الشر ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ ﴾ العذاب بكم، هم كانوا لا يتربصون بنا إلا الدوائر والهلاك، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ  ﴾ هم كانوا لا يتربصون بنا الحسنى، ولكن ما ذكرنا من الدوائر، لكن ذلك وإن كان عند أولئك المنافقين هلاك ودائرة، فهو للمؤمنين الحسنى في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: الآية في الجهاد، أن المنافقين كانوا يؤمرون بالجهاد والقتال مع الكفرة على [ما] أمر أهل الإيمان بذلك، ثم منهم من كان يخرج للجهاد، ومنهم من كان يجهز غيره ويقعد، ومنهم من كان يخرج كارهاً، ونحوه، فنزل قوله: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ ، أي: خوفاً، ﴿ لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ .

ومنهم من قال: الآية في الزكاة؛ أن الله - عز وجل - فرض الزكاة في أموال المؤمنين، والمنافقون قد أظهروا الإيمان، وكانوا ينفقون، ويؤدون الزكاة، لكن منهم من كان يؤدي طوعاً، ومنهم من يؤدي كرهاً، فقال: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ ؛ لأنهم كانوا لا يرون الزكاة قربة، وكانوا ينفقون وهم كارهون في الباطن.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ ؛ دل أنهم كانوا ينفقون جميعاً وهم كارهون لذلك في الباطن، ثم بين ما به لم يتقبل نفقاتهم، وهو ما ذكر: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .

وقال: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ في الآية وجهان: أحدهما: دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه أخبر أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وهم في الظاهر كانوا يأتون الصلاة على ما كان يأتي المؤمنون، ثم أخبر أنهم يأتونها كسالى؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله،  .

وكذلك أخبر أنهم ينفقون وهم كارهون لذلك، وكانوا ينفقون في الظاهر مراءاة لموافقيهم، ثم أخبر أنهم كانوا كارهين لذلك في السر؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله  .

والثاني: ألا تقوم قربة ولا تقبل إلا على حقيقة الإيمان الذي هو شرط قيام هذه العبادات وقبول القرب، لا أن أنفسها إيمان؛ لأنهم كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر؛ دل أنه ما ذكرنا، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .

أي: إنكم كنتم فاسقين.

ويحتمل قوله: ﴿ كُنتُمْ ﴾ ، أي: صرتم فاسقين بما أنفقتم وأنتم كارهون؛ إذ هم قد أظهروا الإيمان ثم تركوه؛ كقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا  ﴾ أخبر أنهم آمنوا ثم كفروا؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ ﴾ وكسلى وكسالى فيه لغات ثلاث والمعنى واحد، وهو أنهم لا يأتون الصلاة إلا مستثقلين؛ لأنهم كانوا لا يرونها قربة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم [في الحياة الدنيا]، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وفي الحياة الدنيا.

والتعذيب في الدنيا: هو ما فرض عليهم الجهاد وأمروا بالخروج للقتال، فكان يشق ذلك عليهم ويشتد، فذلك التعذيب لهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ...

 ﴾ الآية.

أو التعذيب في الدنيا هو القتل؛ يقتلون إن لم يخرجوا.

وفي الآية دلالة الرد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لا يعطي الله أحداً شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، ثم قال لرسول الله: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ ﴾ ، ولو كان لم يعطهم الأموال والأولاد إلا للخيرات والصلاح، فكأنه قال: لا يعجبك ما أعطيتهم من الخيرات والصلاح، فذلك بعيد؛ فدل أنه قد يعطي خلقه ما ليس بأصلح لهم في الدين.

وكذلك في قوله: { ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ...

﴾ \[المؤمنون: 55-56\] الآية، دلالة الرد على قولهم؛ لأنه قال: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\] ثم قال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 56\] أنه يمدهم به لا للخيرات؛ دل أنه قد يعطي خلقه ما ليس هو أصلح لهم في الدين.

وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ دلالة الرد عليهم أيضاً؛ لأنه أخبر أنه يعذبهم في الدنيا والآخرة، ولا يعذبهم مجاناً فيما لا فعل لهم في ذلك؛ دل أن لهم صنعاً في ذلك، وأنه إنما يعذبهم بفعل اكتسبوه.

وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا ﴾ دلالة أن ليس كل ما يعطيهم إنما يعطيهم ليرحمهم به، ولكن يعطيهم لما علم منهم، فإن كان علم منهم أنهم يستعملون ما أعطاهم من الأموال وغيرها فيما فيه هلاكهم، أعطاهم لذلك، ومن علم منهم أنهم يستعملونه لنجاتهم أعطاهم ليرحمهم به، فإنما أعطي كلاًّ ما علم أنه يكون منهم؛ لأنه لو أعطاهم على غير ما علم منهم يكون في إعطائه مخطئاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ ﴾ .

قيل: تخرج أنفسهم وتهلك خوفاً.

قال أبو عوسجة: يقال: خرج نفسه من فمه.

وقيل: تذهب أنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ  ﴾ ، أي: ذهب.

وكذلك قال أبو عبيد: تزهق، أي: تذهب.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة رسول الله  ؛ لأنه أخبر أن أنفسهم تزهق وهم كافرون، فكان ما ذكر؛ دل أنه علم ذلك بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المنافقين: لن ينالنا إلا ما كتبه الله لنا، فهو سبحانه سيدنا وملجؤنا الَّذي نلجأ إليه، ونحن متوكلون عليه في أمورنا، واليه وحده يفوض المؤمنون أمورهم، فهو كافيهم، ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir" id="91.g795Q"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله