الآية ٥٣ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٥٣ من سورة التوبة

قُلْ أَنفِقُوا۟ طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ ٥٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٣ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٣ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( قل أنفقوا طوعا أو كرها ) أي : مهما أنفقتم من نفقة طائعين أو مكرهين ( لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل)، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: أنفقوا كيف شئتم أموالكم في سفركم هذا وغيره, وعلى أي حال شئتم، من حال الطوع والكره, (33) فإنكم إن تنفقوها لن يتقبَّل الله منكم نفقاتكم, وأنتم في شك من دينكم، وجهلٍ منكم بنبوة نبيكم، وسوء معرفة منكم بثواب الله وعقابه =(إنكم كنتم قومًا فاسقين)، يقول: خارجين عن الإيمان بربكم.

(34) * * * وخرج قوله: (أنفقوا طوعا أو كرها)، مخرج الأمر، ومعناه الجزاء, (35) والعرب تفعل ذلك في الأماكن التي يحسن فيها " إن "، التي تأتي بمعنى الجزاء, كما قال جل ثناؤه: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [سورة التوبة: 80]، فهو في لفظ الأمر، ومعناه الجزاء، (36) ومنه قول الشاعر: (37) أَسِــيئي بِنَـا أَوْ أَحْسِـنِي لا مَلُومَـةً لَدَيْنَـــا, ولا مَقْلِيَّـــةً إِنْ تَقَلَّــتِ (38) فكذلك قوله: (أنفقوا طوعًا أو كرهًا)، إنما معناه: إن تنفقوا طوعًا أو كرهًا لن يُتَقَبَّل منكم.

* * * وقيل: إن هذه الآية نـزلت في الجدّ بن قيس، حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم، لما عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الخروج معه لغزو الروم: " هذا مالي أعينك به ".

16803- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: قال، الجدّ بن قيس: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن, ولكن أعينك بمالي !

قال: ففيه نـزلت (أنفقوا طوعًا أو كرهًا لن يتقبل منكم)، قال: لقوله " أعينك بمالي".

-------------------------- الهوامش : (33) انظر تفسير "الطوع" فيما سلف 6 : 564 ، 565.

= وتفسير " الكره " فيما سلف ص : 283 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك.

(34) انظر تفسير "الفسق" فيما سلف 13 : 110 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(35) في المطبوعة في الموضعين: "ومعناه الخبر"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 441 .

(36) في المطبوعة في الموضعين: "ومعناه الخبر"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 441 .

(37) هو كثير عزة.

(38) سلف تخريجه وبيانه في التفسير 2 : 294 ، ولم أشر هناك إلى هذا الموضع، ومعاني القرآن للفراء 1 : 441.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقينفيه أربع مسائل الأولى : قال ابن عباس : نزلت في الجد بن قيس إذ قال ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به .

ولفظ ( أنفقوا ) أمر ، ومعناه الشرط والجزاء .

وهكذا تستعمل العرب في مثل هذا تأتي ب " أو " كما قال الشاعر :أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلتوالمعنى إن أسأت أو أحسنت فنحن على ما تعرفين .ومعنى الآية : إن أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يقبل منكم .

ثم بين جل وعز لم لا يقبل منهم فقال : وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله فكان في هذا أدل دليل ، وهي :الثانية : على أن أفعال الكافر إذا كانت برا كصلة القرابة وجبر الكسير وإغاثة الملهوف لا [ ص: 90 ] يثاب عليها ولا ينتفع بها في الآخرة ، بيد أنه يطعم بها في الدنيا .

دليله ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله ، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه ؟

قال : لا ينفعه ، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين .

وروي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة ، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها .

وهذا نص .

ثم قيل : هل بحكم هذا الوعد الصادق لا بد أن يطعم الكافر ويعطى بحسناته في الدنيا أو ذلك مقيد بمشيئة الله المذكورة في قوله : عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد وهذا هو الصحيح من القولين ، والله أعلم .

وتسمية ما يصدر عن الكافر حسنة إنما هو بحسب ظن الكافر ، وإلا فلا يصح منه قربة ، لعدم شرطها المصحح لها وهو الإيمان .

أو سميت حسنة لأنها تشبه صورة حسنة المؤمن ظاهرا .

قولان أيضا .الثالثة : فإن قيل : فقد روى مسلم عن حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي رسول الله ، أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلمت على ما أسلفت من خير قلنا قوله : أسلمت على ما أسلفت من خير مخالف ظاهره للأصول ؛ لأن الكافر لا يصح منه التقرب لله تعالى فيكون مثابا على طاعته ؛ لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا بالمتقرب إليه ، فإذا عدم الشرط انتفى صحة المشروط .

فكان المعنى في الحديث : إنك اكتسبت طباعا جميلة في الجاهلية أكسبتك عادة جميلة في الإسلام .

وذلك أن حكيما رضي الله عنه عاش مائة وعشرين سنة ، ستين في الإسلام وستين في الجاهلية ، فأعتق في الجاهلية مائة رقبة وحمل على مائة بعير ؟

وكذلك فعل في الإسلام .

وهذا واضح .

وقد قيل : لا يبعد في كرم الله أن يثيبه على فعله ذلك بالإسلام ، كما يسقط عنه ما ارتكبه في حال كفره من الآثام .

وإنما لا يثاب من لم يسلم ولا تاب ، ومات [ ص: 91 ] كافرا .

وهذا ظاهر الحديث .

وهو الصحيح إن شاء الله .

وليس عدم شرط الإيمان في عدم ثواب ما يفعله من الخير ثم أسلم ومات مسلما بشرط عقلي لا يتبدل ، والله أكرم من أن يضيع عمله إذا حسن إسلامه .

وقد تأول الحربي الحديث على هذا المعنى فقال : أسلمت على ما أسلفت ، أي ما تقدم لك من خير عملته فذلك لك .

كما تقول : أسلمت على ألف درهم ، أي على أن أحرزها لنفسه .

والله أعلم .الرابعة : فإن قيل : فقد روى مسلم عن العباس قال قلت يا رسول الله : إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ، فهل نفعه ذلك ؟

قال : نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح .

قيل له : لا يبعد أن يخفف عن الكافر بعض العذاب بما عمل من الخير ، لكن مع انضمام شفاعة ، كما جاء في أبي طالب .

فأما غيره فقد أخبر التنزيل بقوله : فما تنفعهم شفاعة الشافعين .

وقال مخبرا عن الكافرين : فما لنا من شافعين .

ولا صديق حميم وقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال : لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه .

من حديث العباس رضي الله عنه : ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار .قوله تعالى إنكم كنتم قوما فاسقين أي كافرين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى مبينا بطلان نفقات المنافقين، وذاكرا السبب في ذلك ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم ‏{‏أَنْفِقُوا طَوْعًا‏}‏ من أنفسكم ‏{‏أَوْ كَرْهًا‏}‏ على ذلك، بغير اختياركم‏.‏ ‏{‏لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ‏}‏ شيء من أعمالكم ‏{‏إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ‏}‏ خارجين عن طاعة اللّه .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل أنفقوا طوعا أو كرها ) أمر بمعنى الشرط والجزاء ، أي : إن أنفقتم طوعا أو كرها .

نزلت في جد بن قيس حين استأذن في القعود ، قال أعينكم بمالي ، يقول : إن أنفقتم طوعا أو كرها ( لن يتقبل منكم إنكم ) أي : لأنكم ، ( كنتم قوما فاسقين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل أنفقوا» في طاعة الله «طوعا أو كرها لن يتقبل منكم» ما أنفقتموه «إنكم كننتم قوما فاسقين» والأمر هنا بمعنى الخبر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها النبي- للمنافقين: أنفقوا أموالكم كيف شئتم، وعلى أي حال شئتم طائعين أو كارهين، لن يقبل الله منكم نفقاتكم؛ لأنكم قوم خارجون عن دين الله وطاعته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين نفقاتهم غير مقبولة ، لأن قلوبهم خالية من الإيمن .

ولأن عباداتهم ليست خالصة لوجه الله ، وأن ما ينفقونه سيكون عليهم حسرة فقال - تعالى - : ( قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً .

.

.

وَهُمْ كَافِرُونَ ) .روى أن بعض المنافقين قال للنبى - صلى الله عليه وسلم - عندما دعاهم إلى الخروج معه إلى تبوك : ائذن لى فى القعود وهذا مالى أعينك به ، فنزل قوله - تعالى - : ( قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ .

.

) .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء؛ أنفقوا ما شئتم من أموالكم فى وجوه الخير حالة كونكم طائعين ، أى : من غير إجبار أحد لكم ، أو كارهين ، أى بأن تجبروا على هذا الإِنفاق إجباراً ، فلن يقبل منكم ذلك الإِنفاق .والكلام وإن كان قد جاء فى صورة الأمر ، إلا أن المراد به الخبر وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله .فإن قلت : كيف أمرهم بالإِنفاق ثم قال : ( لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ) ؟قلت : هو أمر فى معنى الخبر ، كقوله - تعالى - ( قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ) ومعناه : لن يتقبل منكم أنفتم طوعاً أو كرها ، ونحوه قوله - تعالى - : ( استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) وقول الشاعر :أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة ...

لدينا ولا مقلية إن تقلتأى : لن يغفر الله لهم ، استغفرت لهم .

.

أم لم تستغفر لهم .

ولا نلومك سواء أسأت إلينا أم وجاء الكلام فى صورة الأمر ، للمبالغة فى تساوى الأمرين ، وعدم الاعتداء بنفقتهم سواء أقدموها عن طواعية أم عن كراهية .وقوله .

( لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ) بيان لثمرة إنفاقهم .

أى : لن يتقبل منكم ما أنفقتموه ، ولن تنالوا عليه ثواباً .وقوله : ( إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ) تعليل لعدم قبول نفقاتهم .أى : لن تقبل منم نفاقتكم بسبب عتوكم فى الكفر ، وتمردكم على تعاليم الإِسلام وخروجكم عن الطاعة والاستقامة .قال القرطبى ما ملخصه .

وفى الآية دليل على أن أفعاله الكافر إذا كانت برأ كصلة القرابة ، وجبر الكسير ، وإغاثة الملهوف ، ولا يثاب عليها ، ولا ينتفع بها فى الآخرة ، بيد أنه يطعم بها فى الدنيا .دليله ما رواه مسلم " عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : قلت يا رسول الله ، ابن جدعان كان فى الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم المسكين ، فهل ذلك نافعه؟قال : لا ينفعه ، إنه لم يقل يوما رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين " .وروى عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها فى الدنيا ويجزى بها فى الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها فى الدنيا ، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها " .وقال الجمل : وهذه الآية وإن كانت خاصة فى إنفاق المنافقين ، فهى عامة فى حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله ، بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن عاقبة هؤلاء المنافقين هي العذاب في الدنيا وفي الآخرة، بين أنهم وإن أتوا بشيء من أعمال البر فإنهم لا ينتفعون به في الآخرة، والمقصود بيان أن أسباب العذاب في الدنيا والآخرة مجتمعة في حقهم، وأن أسباب الراحة والخير زائلة عنهم في الدنيا وفي الآخرة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي ﴿ كَرْهاً ﴾ بضم الكاف هاهنا، وفي النساء والأحقاف، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم من المشقة، وفي النساء والتوبة بالفتح من الإكراه والباقون بفتح الكاف في جميع ذلك.

فقيل: هما لغتان.

وقيل: بالضم المشقة وبالفتح ما أكرهت عليه.

المسألة الثانية: قال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم ائذن لي في القعود وهذا ما لي أعينك به.

واعلم أن السبب وإن كان خاصاً إلا أن الحكم عام، فقوله: ﴿ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ وإن كان لفظه لفظ أمر، إلا أن معناه معنى الشرط والجزاء.

والمعنى: سواء أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يقبل ذلك منكم.

واعلم أن الخبر والأمر يتقاربان، فيحسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر.

أما إقامة الأمر مقام الخبر، فكما هاهنا، وكما في قوله: ﴿ استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ  ﴾ وفي قوله: ﴿ قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً  ﴾ وأما إقامة الخبر مقام الأمر، فكقوله: ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن  ﴾ ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن  ﴾ وقال كثير: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** لدينا ولا مقلية إن تقلت وقوله: ﴿ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ يريد طائعين أو كارهين.

وفيه وجهان: الأول: طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو مكرهين من قبل الله ورسوله، وسمى الإلزام إكراهاً لأنهم منافقون، فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه، والثاني: أن يكون التقدير: طائعين من غير إكراه من رؤسائكم، لأن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون الاتباع على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون المراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتقبل تلك الأموال منهم، ويحتمل أن يكون المراد أنها لا تصير مقبولة عند الله.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فاسقين ﴾ وهذا إشارة إلى أن عدم القبول معلل بكونهم فاسقين.

قال الجبائي: دلت الآية على أن الفسق يحبط الطاعات، لأنه تعالى بين أن نفقتهم لا تقبل البتة، وعلل ذلك بكونهم فاسقين، ومعنى التقبل هو الثواب والمدح، وإذا لم يتقبل ذلك كان معناه أنه لا ثواب ولا مدح، فلما علل ذلك بالفسق دل على أن الفسق يؤثر في إزالة هذا المعنى، ثم إن الجبائي أكد ذلك بدليلهم المشهور في هذه المسألة، وهو أن الفسق يوجب الذم والعقاب الدائمين، والطاعة توجب المدح والثواب الدائمين، والجمع بينهما محال.

فكان الجمع بين حصول استحقاقهما محالاً.

واعلم أنه كان الواجب عليه أن لا يذكر هذا الاستدلال بعد ما أزال الله هذه الشبهة على أبلغ الوجوه، وهو قوله: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ ﴾ فبين تعالى بصريح هذا اللفظ أنه لا مؤثر في منع قبول هذه الأعمال إلا الكفر، وعند هذا يصير هذا الكلام من أوضح الدلائل على أن الفسق لا يحبط الطاعات، لأنه تعالى لما قال: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فاسقين ﴾ فكأنه سأل سائل وقال: هذا الحكم معلل بعموم كون تلك الأعمال فسقاً، أو بخصوص كون تلك الأعمال موصوفة بذلك الفسق؟

فبين تعالى به ما أزال هذه الشبهة، وهو أن عدم القبول غير معلل بعموم كونه فسقاً، بل بخصوص وصفه وهو كون ذلك الفسق كفراً.

فثبت أن هذا الاستدلال باطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَنفَقُواْ ﴾ يعني في سبيل الله ووجوه البر ﴿ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ نصب على الحال، أي طائعين أو مكرهين.

فإن قلت: كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال: ﴿ لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ ؟

قلت: هو أمر في معنى الخبر، كقوله تبارك وتعالى: ﴿ قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ﴾ [مريم: 75] ومعناه: لن يتقبل منكم أنفقتم طوعاً أو كرهاً.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 80] وقوله: أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لاَ مَلُومَةً أي لن يغفر الله لهم، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، ولا نلومك- أسأت إلينا أم أحسنت.

فإن قلت: متى يجوز نحو هذا؟

قلت: إذا دلّ الكلام عليه كما جاز عكسه في قولك: رحم الله زيداً وغفر له، فإن قلت: لم فعل ذلك؟

قلت: لنكتة فيه، وهي أنّ كثيراً كأنه يقول لعزة: امتحني لطف محلك عندي وقوّة محبتي لك، وعامليني بالإساءة.

والإحسان، وانظري هل يتفاوت حالي معك مسيئة كنت أو محسنة؟

وفي معناه قول القائل: أَخُوكَ الَّذِي إنْ قُمْتَ بِالسَّيْفِ عَامِدا ** لِتَضْرِبَهُ لَمْ يَسْتَفِثَّكَ فِي الْوُدِّ وكذلك المعنى: أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم؟

واستغفر لهم أو لا تستغفر لهم، وانظر هل ترى اختلافاً بين حال الاستغفار وتركه؟

فإن قلت: ما الغرض في نفي التقبل؟

أهو ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبله منهم وردّه عليهم ما يبذلون منه؟

أم هو كونه غير مقبول عند الله تعالى ذاهباً هباء لا ثواب له؟

قلت: يحتمل الأمرين جميعاً.

وقوله: ﴿ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ معناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله، أو ملزمين.

وسمي الإلزام إكراهاً، لأنهم منافقون، فكان إلزامهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه.

أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم، لأن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه، أو مكرهين من جهتهم.

وروي: أنها نزلت في الجدّ بن قيس حين تخلف عن غزوة تبوك وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا مالي أعينك به فاتركني ﴿ إِنَّكُمْ ﴾ تعليل لردّ إنفاقهم.

والمراد بالفسق: التمرّد والعتو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا ﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنا.

﴿ إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ﴾ إلّا إحْدى العاقِبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَلٌّ مِنهُما حُسْنى العَواقِبِ: النُّصْرَةُ والشَّهادَةُ.

﴿ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ ﴾ أيْضًا إحْدى السَّوْأيَيْنِ ﴿ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ بِقارِعَةٍ مِنَ السَّماءِ.

﴿ أوْ بِأيْدِينا ﴾ أوْ بِعَذابٍ بِأيْدِينا وهو القَتْلُ عَلى الكُفْرِ.

﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ ما هو عاقِبَتُنا ﴿ إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ﴾ ما هو عاقِبَتُكم.

﴿ قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ أمُرُّ في مَعْنى الخَبَرِ، أيْ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم نَفَقاتُكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا.

وفائِدَتُهُ المُبالَغَةُ في تَساوِي الِإنْفاقَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ كَأنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يُمْتَحَنُوا فَيُنْفِقُوا ويَنْظُرُوا هَلْ يُتَقَبَّلُ مِنهم.

وهو جَوابُ قَوْلِ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ وأُعِينُكَ بِمالِي.

ونَفْيُ التَّقَبُّلِ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ أنْ لا يُؤْخَذَ مِنهم وأنْ لا يُثابُوا عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ وما بَعْدَهُ بَيانٌ وتَقْرِيرٌ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ أَنفِقُواْ} في وجوه البر {طَوْعاً أَوْ كرها} طائعين أو مكروهين نصب على الحال كَرْهاً حمزة وعلي وهو أمر في معنى الخبر ومعناه {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} أنفقتم طوعاً أو كرهاً ونحوه استغفر لهم أولا تستغفر لهم وقوله ...

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ...

لدينا ولا مقلية إن تقلت ...

أي لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ولا نلومك أسأت إلينا أو أحسنت وقد جاز عكسه في قولك رحم الله زيداً ومعنى عدم القبول أنه عليه السلام يردها عليهم ولا يقبلها أو لا يثيبها الله وقوله طَوْعاً أي من غير إلزام من الله ورسوله وكرها أي ملزمين وسمي الإلزام إكراهاً لأنهم منافقون فكان إلزامهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه {إِنَّكُمْ} تعليل الرد إنفاقهم {كُنتُمْ قَوْماً فاسقين} متمردين عاتين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ أنْفِقُوا ﴾ أمْوالَكم في مَصالِحِ الغُزاةِ طَوْعًا وكَرْهًا أيْ طائِعِينَ أوْ كارِهِينَ فَهُما مَصْدَرانِ وقَعا مَوْقِعَ الحالِ، وصِيغَةُ ( ﴿ أنْفِقُوا ﴾ ) وإنْ كانَتْ لِلْأمْرِ إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ الخَبَرُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الأمْرُ بِمَعْنى الخَبَرِ كَعَكْسِهِ ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ: أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةٌ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ وهُوَ كَما قالَ الفَرّاءُ في مَعْنى الشَّرْطِ أيْ إنْ أنْفَقْتُمْ عَلى أيِّ حالٍ ( ﴿ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ ) وأخْرَجَ الكَلامَ مَخْرَجَ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في تَساوِي الأمْرَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ كَأنَّهم أُمِرُوا أنْ يُجَرِّبُوا فَيُنْفِقُوا في الحالَيْنِ فَيَنْظُرُوا هَلْ يُتَقَبَّلُ مِنهم فَيُشاهِدُوا عَدَمَ القَبُولِ، وفِيهِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَتْ حالَهم في النَّفَقَةِ وعَدَمِ قَبُولِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِحالِ مَن يُؤْمَرُ بِفِعْلٍ لِيُجَرِّبَهُ فَيَظْهَرُ لَهُ عَدَمُ جَدْواهُ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ إذا أُمِرَ بِالإنْفاقِ كَيْفَ لا يُقْبَلُ.

والآيَةُ نَزَلَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما جَوابًا عَمّا في قَوْلِ الجِدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ لَكَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ؟

إنِّي إذا رَأيْتُ النِّساءَ لَمْ أصْبِرْ حَتّى أُفْتَتَنَ، لَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي،» ونَفْيُ التَّقَبُّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَدَمِ الأخْذِ مِنهم ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَدَمِ الإثابَةِ عَلَيْهِ، وكُلٌّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ واقِعٌ في الِاسْتِعْمالِ فَقَبُولُ النّاسِ لَهُ أخْذُهُ وقَبُولُ اللَّهِ تَعالى ثَوابُهُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ ) تَعْلِيلٌ لِرَدِّ إنْفاقِهِمْ، والمُرادُ بِالفِسْقِ العُتُوُّ والتَّمَرُّدُ فَلا يُقالُ: كَيْفَ عَلَّلَ مَعَ الكُفْرِ بِالفِسْقِ الَّذِي هو دُونَهُ، وكَيْفَ صَحَّ ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِتَعْلِيلِهِ بِالكُفْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمّا الشهادة وإمّا الغنيمة.

وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ، يعني: ننتظر بكم أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ وهو الموت، أَوْ بِأَيْدِينا، يعني: فيأمرنا أن نقتلكم ويقال: معناه قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، يعني: إلا إحدى الخبرين.

ونحن نتربص بكم احد الشرين، فبين ما ننتظر وتنتظرونه فرق عظيم.

فَتَرَبَّصُوا، يعني: انتظروا بنا الهلاك.

إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ، من المتربصين يعني: المنتظرين لإهلاككم.

ثم قال عز وجل: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، يعني: قل للمنافقين، أنفقوا طَوْعاً من قبل أنفسكم، أَوْ كَرْهاً مخافة القتل.

لَنْ يُتَقَبَّلَ الله مِنْكُمْ النفقة.

إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ يعني: منافقين.

فقوله: أَنْفِقُوا اللفظِ لفظ الأمر، ومعناه معنى الخبر، يعني: إن أنفقتم، كما إنه يذكر لفظ الخبر والمراد به الأمر، كقولك: غفر الله لك، وقولك: رحم الله فلاناً، يعني: اللهم اغفر، وهاهنا اللفظ لفظ الأمر ومعناه الخبر والشرط يعني: إن أنفقتم طوعاً أو كرها، لن يتقبل الله منكم.

قرأ حمزة والكسائي كَرْهاً بضم الكاف، وقرأ الباقون كَرْهاً بالنصب.

ثم بين المعنى الذي لم تقبل نفقاتهم من أجله، قال تعالى: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، يعني: في السر.

قرأ حمزة والكسائي لن يقبل منهم بالياء على معنى التذكير، وقرأ الباقون بلفظ التأنيث، لأن الفعل مقدم، فيجوز أن يذكر ويؤنث.

وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى، يعني: متثاقلين ولا يرونها واجبة عليهم، وَلا يُنْفِقُونَ في الجهاد إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ على النفقة غير محتسبين.

ثم قال عز وجل: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ، يعني: كثرة أموالهم وأولادهم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.

في الآية تقديم وتأخير، قال ابن عباس: «فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنَّما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة» .

ثم قال: وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ، يعني: تذهب أنفسهم وتقبض أرواحهم، وأصله الذهاب، كقوله تعالى وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [الإسراء: 81] وَهُمْ كافِرُونَ، يعني: تقبض أرواحهم على الكفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَنَظَرْنَا لأنفسنا، ثم أمر تعالَى نبيَّه، فقال: قل لهم يا محمَّد: لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا، وهو إِما ظفراً وسروراً عاجلاً، وإما أن نستشهد فَنَدْخُلَ الجنة، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، أي: قل للمنافقين، والْحُسْنَيَيْنِ: الظَّفَرُ، والشَّهادة.

وقوله: أَوْ بِأَيْدِينا، يريد: القَتْلَ.

قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤)

وقوله سبحانه: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً الآية: سَبَبُها أَنَّ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ حين قال: ائذن لي ولا تفتنِّي، قال: إِني أعينك بمالي «١» ، فنزلَتْ هذه الآية فيه، وهي عامَّة بعده.

وقوله عزَّ وجلَّ: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ.

وفي «صحيح مسلم» عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إِنَّ ثَوَابَ الكَافِرِ عَلَى أَفْعَالِهِ البَرَّةِ هُوَ في الطُّعْمَةِ يَطْعَمُهَا» «٢» وَنَحْوَ ذلك، وهذا مَقْنَعٌ لا يحتاج معه إِلى نَظَرٍ، وأما أَنْ ينتفع بها في الآخرة فلا، وكُسالى: جمع كسلان.

فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)

وقوله سبحانه: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ...

الآية: حقَّر في الآية شأْنَ المنافقين، وعلَّل إِعطاء اللَّه لهم الأَمْوَالَ والأولاد بإِرادته تعذيبهم بها في الحياةِ الدنيا، وفي الآخرة.

قال ابنُ زَيْد وغيره: تعذيبُهم بها في الدُّنْيَا هو بمصائبها ورزايَاهَا، هِيَ لهم عذابٌ إذ لا يُؤْجَرُونَ عليها، ومِنْ ذلك قَهْرُ الشَّرعِ لهم على أداء الزكاةِ والحقوقِ والواجبات.

قال الفَخْرُ «١» : أمَّا كون كثرة الأموال والأولادِ سَبَباً للعذاب في الدنيَا، فحاصَلٌ من وجوه: مِنْهَا: أن كلَّما كان حُبُّ الإِنسان للشيء أَشَدَّ وأقوَى، كان حزنُهُ وتألُّم قلبِهِ علَى فراقه أعظَمَ وأصعَبَ، ثم عند الموتِ يَعْظُمُ حزنه، وتشتدُّ حسرته، لمفارقته المحبوبَ، فالمشغوفُ بحبِّ المال والولدِ لا يزالُ في تَعَبٍ، فيحتاج في اكتساب الأموالِ وتحصيلها إِلى تعبٍ شديدٍ ومشقَّة عظيمةٍ، ثم عند حصولِهَا يحتاجُ إِلى متاعِبَ أَشدَّ وأصعَبَ في حفظها وصونِها لأن حفظ المَالِ بَعْد حصوله أصْعَبُ من اكتسابه، ثم إِنه لا ينتفع، إِلاَّ بالقليلِ مِنْ تلك الأموال، فالتعبُ كثيرٌ، والنفعُ قليلٌ، ثم قالَ: واعلم أنَّ الدنْيَا حلوةٌ خَضِرةٌ، والحواسُّ الخمسُ مائلةٌ إِليها، فإِذا كَثُرت وتوالَتْ استغرقت فيها، وانصرف الإِنسان بكلِّيته إِليها، فيصير ذلك سبباً لحرمانه من ذكْرِ اللَّهِ، ثم إِنه يحْصُلُ في قلبه نَوْعُ قسوةٍ وقوةٍ وقهْرٍ، وكلَّما كان المال والجاهُ أَكثر، كَانَتْ تلك القسوةُ أَقوَى، وإِلى ذلك الإِشارةُ بقوله تعالى:

إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: ٦، ٧] فظهر أن كثرة الأموال والأولاد سَبَبٌ قويٌّ في زوال حُبِّ اللَّه تعالى وحبِّ الآخرة مِنَ القَلْبِ، وفي حصول الدنْيَا وشهواتِهَا في القَلْبِ، وعنْدَ الموت: كأَنَّ الإِنسان ينتقلُ من البستان إلى السِّجْن، ومِنْ مجالسة الأقرباءِ والأحبَّة إِلَى موضعِ الغُرْبَة والكُرْبة، فيعظُمُ تألمُّه، ويقوَى حزنه، ثم عند الحَشْر: حَلاَلُهَا حسابٌ، وحرامُها عِقَابٌ، فثبت أن كثرة الأمْوَالِ والأولادِ سَبَبٌ لحصولِ العَذَاب في الدُّنْيا والآخرة.

انتهى.

ثم أخبر سبحانه أنهم ليسوا مِنَ المؤمنين، / وإِنما هم يَفزَعُونَ مِنْهم، والفَرَقُ:

الخوف.

وقوله سبحانه: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً: الملجأ مِنْ لَجَأَ يَلْجَأُ، إِذا أَوَى واعتصم، وقرأ الجمهور: «أَوْ مَغَارَاتٍ» - بفتح الميم «٢» -، وهي الغيران في أعراض الجبالِ، أَوْ مُدَّخَلًا، معناه: السَّرَبُ والنَّفَقُ في الأرض، وهو تفسير ابن عبَّاس «٣» في هذه الألفاظ، وقرأ جمهور الناس: «يَجْمَحُونَ» : ومعناه يسرعون.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ قالَ لَلنَّبِيِّ  لَمّا عَرَضَ عَلَيْهِ غَزْوَ الرُّومِ: إذا رَأيْتُ النِّساءَ افْتُتِنْتُ، ولَكِنْ هَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لَفْظُ أمْرٍ، ومَعْناهُ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، المَعْنى: إنْ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم.

ومَثَلُهُ في الشِّعْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ لَمْ يَأْمُرْها بِالإساءَةِ، ولَكِنْ أعْلَمَها أنَّها إنْ أساءَتْ أوْ أحْسَنَتْ فَهو عَلى عَهْدِها.

قالَ الفَرّاءُ: ومِثْلُهُ ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أو بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ فالمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ الرَدُّ عَلى المُنافِقِينَ في مُعْتَقَدِهِمْ في المُؤْمِنِينَ، وإزالَةُ ظَنِّهِمْ أنَّ المُؤْمِنِينَ تَنْزِلُ بِهِمْ مَصائِبُ، والإعْلامُ بِأنَّها حُسْنى كَيْفَ تَصَرَّفَتْ.

وتَرَبَّصُونَ مَعْناهُ: تَنْتَظِرُونَ، والحُسْنَيانِ: الشَهادَةُ والظَفَرُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "إلّا احْدى الحُسْنَيَيْنِ" بِوَصْلِ ألِفِ "إحْدى".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ لُغَةٌ ولَيْسَتْ بِالقِياسِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ الشاعِرِ: يا بالمُغِيرَةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ وقَوْلِ الآخَرِ: إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسِينِي بُرْقُعا وَقَوْلُهُ: ﴿ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ يُرِيدُ المَوْتَ بِإحْداثِ الأسَفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَعُّدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أو بِأيْدِينا ﴾ يُرِيدُ القَتْلَ.

وقِيلَ: ﴿ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ يُرِيدُ أنْواعَ المَصائِبِ والقَوارِعِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا ﴾ سَبَبُها أنَّ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ حِينَ قالَ: ﴿ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي  ﴾ قالَ: "إنِّي أُعِينُكَ بِمالٍ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ، وهي عامَّةٌ بَعْدَهُ.

والطَوْعُ والكُرْهُ يَعُمّانِ كُلَّ إنْفاقٍ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "أو كُرْهًا" بِضَمِّ الكافِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّصِلُ هُنا ذِكْرُ أفْعالِ الكافِرِ إذا كانَتْ بِرًّا كَصِلَةِ القَرابَةِ وجَبْرِ الكَسِيرِ وإغاثَةِ المَظْلُومِ، هَلْ يَنْتَفِعُ بِها أمْ لا؟

فاخْتِصارُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ ثَوابَ الكافِرِ عَلى أفْعالِهِ البَرَّةِ هو في الطُعْمَةِ يُطْعَمُها"» ونَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذا مُقْنِعٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى نَظَرٍ، وأمّا أنْ يَنْتَفِعَ بِها في الآخِرَةِ فَلا دَلِيلَ، ذَلِكَ «أنَّ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قالَتْ لِلنَّبِيِّ  : يا رَسُولَ اللهِ، أرَأيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُدْعانَ، أيَنْفَعُهُ ما كانَ يُطْعِمُ ويَصْنَعُ مِن خَيْرٍ؟

فَقالَ: "لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»، ودَلِيلٌ آخَرُ في قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِابْنِهِ: "ذاكَ العاصِي بْنُ وائِلٍ لا جَزاهُ اللهُ خَيْرًا"، وكانَ هَذا القَوْلُ بَعْدَ مَوْتِ العاصِي، الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ودَلِيلٌ ثالِثٌ في حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ، أعْنِي في قَوْلِ النَبِيِّ  : « "أسَلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ"،» ولا حُجَّةَ في أمْرِ أبِي طالِبٍ وكَوْنِهِ في ضَحْضاحٍ مِن نارٍ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِشَفاعَةِ مُحَمَّدٍ  ، وبِأنَّهُ وجَدَهُ في غَمْرَةٍ مِنَ النارِ فَأخْرَجَهُ، ولَوْ فَرَضْنا أنَّ ذَلِكَ بِأعْمالِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى شَفاعَةٍ.

وأمّا أفْعالُ الكافِرِ القَبِيحَةُ، فَإنَّها تَزِيدُ في عَذابِهِ، وبِذَلِكَ تَفاضُلُهم في عَذابِ جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْفِقُوا ﴾ أمْرٌ في ضِمْنِهِ جَزاءٌ، وهَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ أمْرٍ مَعَهُ جَوابٌ، فالتَقْدِيرُ: "إنْ تُنْفِقُوا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنكُمْ"، وأمّا إذا عُرِّيَ الأمْرُ مِن جَوابٍ، فَلَيْسَ يُصِبْهُ تَضَمُّنُ الشَرْطِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ابتداء كلام هو جواب عن قول بعض المستأذنين منهم في التخلّف «وأنا أعينك بمالي».

روي أنّ قائل ذلك هو الجدّ بن قيس، أحد بني سَلِمة، الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ﴾ [التوبة: 49] كما تقدّم، وكان منافقا.

وكأنّهم قالوا ذلك مع شدّة شُحِّهم لأنّهم ظنّوا أنّ ذلك يرضي النبي صلى الله عليه وسلم عن قعودهم عن الجهاد.

وقوله: ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ أي بمال تبذلونه عوضاً عن الغزو، أو بمال تنفقونه طوعاً مع خروجكم إلى الغزو، فقوله: ﴿ طوعاً ﴾ إدماج لتعميم أحوال الإنفاق في عدم القبول فإنّهم لا ينفقون إلاّ كرهاً لقوله تعالى بعد هذا: ﴿ ولا ينفقون إلا وهم كارهون ﴾ [التوبة: 54].

والأمر في ﴿ أنفقوا ﴾ للتسوية أي: أنفقوا أو لا تنفقوا، كما دلّت عليه ﴿ أوْ ﴾ في قوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ وهو في معنى الخبر الشرطيّ لأنّه في قوة أن يقال: لن يتقبّل منكم إن أنفقتم طوعاً أو أنفقتم كَرهاً، ألا ترى أنّه قد يَجيء بعد أمثاله الشرطُ في معناه كقوله تعالى: ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ [التوبة: 80].

والكَره أشدّ الإلزام، وبينه وبين الطوع مراتب تعلم إرادتها بالأوْلى، وانتصب ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ على النيابة عن المفعول المطلق بتقدير: إنفاقَ طَوع أو إنفاقَ كَره.

ونائت فاعل يتقبّل: هو ﴿ منكم ﴾ أي لا يتقبّل منكم شيء وليس المقدّرُ الإنفاقَ المأخوذَ من ﴿ أنفقوا ﴾ بل المقصود العموم.

وجملة ﴿ إنكم كنتم قوماً فاسقين ﴾ في موضع العلّة لنفي التقبّل، ولذلك وقعت فيها (إنَّ) المفيدة لِمعنى فاء التعليل، لأنّ الكافر لا يتقبّل منه عمل البرّ.

والمراد بالفاسقين: الكافرون، ولذلك أعقب بقوله: ﴿ وما منعهم أن تُقبل منهم نفقاتهم إلاّ أنّهم كفروا بالله وبرسوله ﴾ [التوبة: 54].

وإنّما اختير وصف الفاسقين دون الكافرين لأنّهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فكانوا كالمائِلين عن الإسلام إلى الكفر.

والمقصود من هذا تأييسهم من الانتفاع بما بذلوه من أموالهم، فلعلّهم كانوا يحسبون أنّ الإنفاق في الغزو ينفعهم على تقدير صدق دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا من شكّهم في أمر الدين، فتوهّموا أنّهم يعملون أعمالاً تنفع المسلمين يجدونها عند الحشر على فرض ظهور صدق الرسول.

ويَبقون على دينهم فلا يتعرّضون للمهالك في الغزو ولا للمشاق، وهذا من سوء نظر أهل الضلالة كما حكى الله تعالى عن بعضهم: ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولداً ﴾ [مريم: 77] إذْ حسب أنّه يحشر يوم البعث بحالته التي كان فيها في الحياة إذا صَدَق إخبار الرسول بالبعث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ﴾ يَعْنِي النَّصْرَ أوِ الشَّهادَةَ وكِلاهُما حَسَنَةٌ لِأنَّ في النَّصْرِ ظُهُورَ الدِّينِ، وفي الشَّهادَةِ الجَنَّةَ.

﴿ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا.

والثّانِي: عِقابُ العِصْيانِ في الآخِرَةِ.

﴿ أوْ بِأيْدِينا ﴾ يَعْنِي بِقَتْلِ الكافِرِ عِنْدَ الظَّفَرِ والمُنافِقِ مَعَ الإذْنِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال الجد بن قيس: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى افتتن ولكن أعينك بمالي.

قال: ففيه نزلت ﴿ قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم ﴾ قال: لقوله أعينك بمالي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ ، قال ابن عباس: نزلت في جد بن قيس حين قال للنبي  : ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به (١) (٢) (٣) قال الزجاج: فلم يأمرها بالإساءة ولكن أعلمها أنها إن أساءت أو أحسنت فهو على عهدها (٤) ﴿ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ  ﴾ الآية (٥) (٦) ﴿ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ يريد: طائعين أو كارهين (٧) وقوله تعالى: ﴿ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ﴾ الآية، قال (٨) (٩) (١٠) ﴿ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ قال: يريد] (١١) (١٢) (١) رواه ابن جرير في "تفسيره" 10/ 152 بسند منقطع.

ورواه أيضًا الثعلبي 6/ 114 أ، والبغوي 4/ 58، وقد سبق بيان أن أسانيد الثعلبي والبغوي لا يتميز غثها من سمينها وصحيحها من ضعيفها بسبب اكتفائهما بذكر الأسانيد في المقدمة.

(٢) انظر: "ديوانه" 1/ 53، ونسب إليه في "لسان العرب" (قلا) 6/ 3731، و"زاد المسير" 3/ 451، ومعنى (تقلت) أي: تقلبت بمعنى: تبغضت.

انظر: "اللسان"، الموضع السابق.

(٣) الكلام السابق كله للزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 453، وللفراء نحوه في "معاني القرآن" 1/ 441.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه"، الموضع السابق.

(٥) "معاني القرآن" 1/ 441.

(٦) قال في هذا الموضع: (..

ثم ذكر أن استغفاره لا ينفعهم، فقال: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .

قال قتادة ومقاتل: نزلت هذه الآية بعد قوله: ﴿ أَسْتَغْفَرَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ الآية، ولك أنها لما نزلت قال نبي الله  : "خيرني ربي فلأزيدنهم على السبعين"، فأنزل الله هذه الآية).

(٧) "تنوير المقباس" ص 195 بمعناه.

(٨) ساقط من (ج) والقائل ابن عباس.

(٩) ساقط من (ج).

(١٠) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 504.

(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(١٢) "الوسيط"، الموضع السابق.

وفي "تنوير المقباس" ص 195: منافقين.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين ﴾ أي هل تنتظرون بنا إلا إحدى أمرين: إما الظفر والنصر، وإما الموت في سبيل الله وكل واحد من الخصلتين حسن ﴿ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ ﴾ المصائب وما ينزل من السماء أو عذاب الآخرة ﴿ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ يعني القتل ﴿ فتربصوا ﴾ تهديد ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ تضمن الأمر هنا معنى الشرط، فاحتاج إلى جواب، والمعنى: لن يتقبل منكم سواءٌ أنفقتم طوعاً أو كرهاً، والطوع والكره عموم في الإنفاق أي: لن يتقبل على كل حال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هل تربِّصون ﴾ بإظهار اللام وتشديد التاء: البزي وابن فليح، وقرأه حمزة وعلي وهشام مدغماً حتى لا يجتمع ساكنان.

الباقون: بإظهار اللام وتخفيف التاء ﴿ أن تقبل ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالفوقانية ﴿ مدخلاً ﴾ بضم الميم وسكون الدال: سهل ويعقوب.

الباقون: بالدال المشددة المتفوحة.

﴿ يلمزك ﴾ بضم الميم: سهل ويعقوب.

الآخرون: بكسرها سوى عباس فإنه مخير.

الوقوف: ﴿ تسؤهم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ لنا ﴾ ج للابتداء لفظاً مع الاتحاد معنى ﴿ هو مولانا ﴾ ط لابتداء إخبار من الله أو الحكاية عنهم.

﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ الحسنيين ﴾ ط للاستئناف بعد تمام الاستفهام ﴿ بأيدينا ﴾ ط والوصل أصح لأن الفاء جواب ﴿ نتربص ﴾ ﴿ متربصون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط.

﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا أولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ لمنكم ﴾ ط ﴿ يفرقون ﴾ ه ﴿ يجمحون ﴾ ه ﴿ في الصدقات ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ يسخطون ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ لا إلى قوله ﴿ راغبون ﴾ لأن الكل يتعلق بـ"لو" وجواب "لو" بعد التمام محذوف أي لكان خيراً لهم.

التفسير: هذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين.

عن ابن عباس: الحسنة في قوم بدر والمصيبة في يوم أحد.

والأولى حمله على العموم إذ معلوم من حال المنافقين أنهم كانوا في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكر الله  .

ومعنى ﴿ أخذنا أمرنا ﴾ أي أمرنا الذي نحن موسومون به من التيقظ والتحرر وحسن الرأي والتدبير.

و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل ما وقع ﴿ وتولوا ﴾ أي عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم أو أعرضوا عن الرسول ﴿ وهم فرحون ﴾ مسرورون ثم أمر نبيه  بأن يقول في جوابهم ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ قيل: أي في اللوح المحفوظ من خير أو شر أو خوف أو رجاء أو شدة أو رخاء.

وفائدته أنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع - لأن خلاف معلوم الله ومقدوره محال - زالت عنه منازعة النفس وهانت عليه المصائب.

وقيل: أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدوّ وإظهار دين الله على كل الأديان فيكون المقصود أن أحوال المسلمين وإن كانت مختلفة في الغم والسرور والمحنة إلا أن العاقبة والدولة تكون لهم والظفر يقع في جانبهم فلا معنى لفرح المنافقين في الحال.

وقال الزجاج: معناه لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله به من النصرة عليكم أو الشهادة، وعلى هذا القول يقع ما في الآية الثانية كالمكرر ﴿ هو مولانا ﴾ لا يتولى أمورنا إلا هو يفعل بنا ما يريد من أسباب التهاني والتعازي، لا اعتراض لأحد عليه.

﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ فيه تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يعلق الرجاء إلا برب الأرباب فإنهم يتعلقون بالوسائط والأسباب.

ثم أمره بجواب ثانٍ فقال ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ التربص التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ومنه تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره.

والحسنى تأنيث الأحسن وهي صفة الحالة أو الخصلة أو العاقبة يعني النصرة أو الشهادة.

وفي الأولى إحراز الغنيمة والظفر بالأعداء، وفي الثانية إبقاء الذكر والفوز بنعيم الآخرة.

﴿ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ﴾ قارعة مثل قارعة عاد وثمود وقيل: عذاب الله يشمل عذاب الدارين ﴿ أو بأيدينا ﴾ يعني القتل بأن يظهر نفاقكم ويأمر بقتلكم كالكافر الحربي ﴿ فتربصوا ﴾ أمر للتهديد نحو ﴿ ذق أنك أنت العزيز الكريم  ﴾ ثم ذكر أنهم إن أتوا بشيء من صورة البر لم يكن له قدر عند الله ولا ينتفعون به في الآخرة، والغرض أن أسباب الذل والهوان مجتمعة عليهم في الدنيا والأخرى.

عن ابن عباس نزلت في الجد بن قيس حين قال النبي  ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به.

ولا يبعد أن يكون السبب خاصاً والحكم عاماً.

و ﴿ أنفقوا ﴾ لفظه أمر ومعناه خبر كقوله فيما يجيء ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم  ﴾ ومعناه أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم واستغفر لهم، أو لا تستغفر لهم وانظر هل ترى اختلافاً بين حال الاستغفار وتركه؟

ومثله قول كثير لعزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** كأنه يقول: امتحني لطف محلك عندي وعامليني بالإساءة والإحسان وانظري هل تجدين مني تفاوتاً في الحالين.

وإنما يجوز إقامة الخبر والطلب أحدهما مقام الآخر إذا دل الكلام عليه فيعدل عن الأصل لإفادة المبالغة.

وانتصب ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ على الحال ومعناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو ملزمين من جهتهما.

وسمي الإلزام كراهاً لأنهم منافقون فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه.

ويحتمل أن يراد طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو ملزمين من جهتهم، وذلك أن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملونهم على الإنفاق إذا رأوا فيه مصلحة.

ومعنى ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ أن الرسول لا يقبله منكم، أو أنه لا يقع قبولاً عند الله.

ثم علل عدم القبول بقوله ﴿ إنكم كنتم قوماً فاسقين ﴾ قال الجبائي: فيه دليل على أن الفسق يحبط الطاعات.

وأجيب بأن الفسق ههنا بمعنى الكفر ولا يلزم منه كون الفسق المطلق كذلك.

وإنما قلنا إن الفسق بمعنى الكفر لقوله  ﴿ وما منعهم أن تقبل منهم ﴾ الآية علل منع القبول بأمور ثلاثة: أولها: الكفر بالله وبرسوله.

وثانيها ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ﴾ قال المفسرون: معناه أنه إن كان في جماعة صلى وإن كان وحده لم يصل، وفيه أنه يصلي للناس لا لله، وفيه أنه غير معتقد للصلاة ووجوبها فلهذا لزم منه الكفر.

وثالثها: ﴿ ولا ينفقون إلا وهم كارهون ﴾ وذلك أنهم لا ينفقون رغبة في ثواب الله وإنما ينفقون لأجل المصالح الدنيوية، فهم في حكم الكارهين وإن أنفقوا مختارين يعدون الإنفاق مغرماً ومنعه مغنماً خلاف قول رسول الله  "أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم" .

قيل: الكفر بالله سبب مستقل في منع القبول فكيف ضم إليه الأمرين الآخرين؟

والجواب أنها أمارات ويجوز توارد الأمارت المتعددة على شيء واحد.

بوجه آخر أطلق كفرهم أولاً ثم قيده بعدم اعتقادهم وجوب الصلاة والزكاة، وبعبارة أخرى حكم عليهم بالكفر مطلقاً ثم خص من أنواع كفرهم هذين تفظيعاً لشأن تارك الصلاة والزكاة.

قال في الكشاف: وقرأت في بعض الأخبار أن رسول الله  كره للمؤمن أن يقول كسلت كأنه ذهب إلى هذه الآية.

وأن الكسل من صفات المنافقين.

قال بعض العلماء: وجه الجمع بين قوله ﴿ فَمَنْ يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ وبين مضمون هذه الآية وهو أن شيئاً من أعمال البر لا يكون مقبولاً عند الله مع الكفر، هو أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب.

ولقائل أن يقول: لو لم يكن مقبولاً بوجه لم يكن له في التخفيف أيضاً أثر.

وقيل: في الآية دلالة على أن الصلاة لازمة للكفار وإلا لم يكن الإتيان بها على وجه الكسل مانعاً من تقبل طاعاتهم كما أن قيامهم وقعودهم وسائر تصرفاتهم على وجه الكسل ليس مانعاً من التقبل بالإنفاق.

ثم لما قطع رجاء المنافقين عن منافع الآخرة أراد أن يبّين أن ما يظنونه من منافع الدنيا فهو أيضاً في الحقيقة سبب لتعذيبهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم فقال مخاطباً للرسول  أو لكل أحد ﴿ فلا تعجبك ﴾ الآية.

ونظيره ﴿ ولا تمدّن عينيك  ﴾ وإنما قال ﴿ فلا تعجبك ﴾ بالفاء لأن ما قبله مستقبل يصلح للشرط أي إن يكن فيهم ما ذكرنا من الإتيان بالصلاة على وجه الكسل وغير ذلك فهذا جزاؤه، وهذ بخلاف ما سيجيء في الآية الآخرى من هذه السورة.

والإعجاب سرور المرء بالشيء مع نوع من الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وأنه من البعيد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عنه ويحصله لغيره كقوله ﴿ ما أظن أن تبيد هذه أبداً  ﴾ ولا شك أن هذه خصلة مذمومة من جهة استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله، ومن جهة استبعاد إزالته في قدرة الله، ولهذا قال  "ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" والمقصود من الآية زجر الناس عن الانصباب إلى الدنيا والمنع من التهالك في حبها، فإن المسكن الأصلي هو الآخرة لا الأولى.

وقوله ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ يريد الله ليبين لكم  ﴾ قال مجاهد والسدي وقتادة: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة كأنهم نظروا إلى أن المال والولد لا يكونان عذاباً بل هما من نعم الله  على عباده، وأورد عليه أنهما لا يكونان عذاباً في الآخرة أيضاً.

فإن تكلفوا وقالوا: أراد بذلك أنهما سبب العذاب فقد استغنوا عن التقديم والتأخير لأنهما قد يكونان سبباً للعذاب في الدنيا أيضاً.

وبوجه أخر، المال والولد وكذا الإعجاب بهما يكونان.

في الدنيا لا محالة، فأي فائدة في ذكرها؟

واعلم أن الأموال والأولاد قد يكونان سبباً للتعذيب في الدنيا والآخرة، وذلك أن كل ما كان حبه للشيء أشد كان خوفه عن فواته أكثر وحزنه على فواته أعظم.

فصاحب المال أبداً إما في خوف فوات المال وإما في حزن فواته وإما في تعب حفظه وتثميره.

ثم إن الدنيا حلوة خضرة فإذا كثر ماله انصب بكليته إليه ويفضي إلى طغيانه وقساوة قلبه إلى أن ينسى حب الله وذكر الآخرة.

ثم إنه إن بقي عليه ذلك إلى آخر عمره فعند الموت يعظم أسفه على مفارقته وكان كمن ينتقل من بستان ونعيم إلى سجن وجحيم وعند الحشر يكون حلاله حساباً وحرامه عذاباً فثبت أنحصول المال سبب لعذاب الدارين.

إلا من يتصرف فيه بالحق ومثله يكون نادراً، وكذا الكلام في الولد.

وهذا المعنى وإن كان عاماً للكل إلا أن المنافقين لهم وجوه اختصاص بالتعذيب.

وذلك أن الرجل إذا كان مؤمناً بالله واليوم الآخر علم أنه إنما خلق للآخرة لا للدنيا فيفتر حبه للأمور الدنيوية بخلاف المنافق الذي اعتقد أن لا سعادة إلا هذه الخيرات العاجلة.

وأيضاً إن النبي  كان يكلفهم إنفاق الأموال وبعث الأولاد إلى الغزو والجهاد، وكانوا لا يعتقدون في ذلك فائدة أخروية، وكانوا في أشق تكليف، وكانوا مبغضين للنبي  مع أنهم كانوا مضطرين إلى بذل المال وبعث الأولاد إلى خدمته، وكانا خائفين من افتضاحهم وإظهار نفاقهم وتعريض أولادهم وأموالهم للنهب والسبي، وكثير منهم كان لهم أولاد أتقياء مخلصون كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وكعبد الله بن عبد الله بن أبيّ شهد بدراً وكان عند الله بمكان، وهم خلق كثير كانوا يزيفون طريق آبائهم في النفاق ويقدحون فيهم، والابن إذا صار هكذا تأذى الأب بسببه ولأجل هذه المعاني ذكر بعض العلماء أن التقدير: يريد الله أن يزيد في أموالهم ليعذبهم.

أما قوله ﴿ وتزهق أنفسهم ﴾ أي تخرج ﴿ وهم كافرون ﴾ فقد قالت الأشاعرة: فيه دليل على أنه  أراد منهم الكفر.

وأورد الجبائي عليه أن المريض إذا قال للطبيب أريد أن تدخل علي في حالة مرضي لم يلزم منه كونه مريداً لمرض نفسه، والجواب أن أمثال هذه موكولة إلى قرائن الحال ففي قول المريض لا ريب أن المطلوب هو دخول الطبيب، وكون الدخول واقعاً في تلك الحالة من ضرورات كونه مريضاً وهو طبيبه.

وفي الآية ليس المراد زهوق الروح فقط لأن المسلم والمنافق في ذلك سيان، فالمراد وقوع الزهوق في حالة الكفر فيكون الكفر منهم مراداً بالضرورة.

وقال في الكشاف: المراد الاستدراج بالنعم كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمه إلى أن يموتوا وهم كافرون مشغولون بالتمتع عن النظر للعاقبة.

ومن قبائح أفعال المنافقين ما حكى الله  عنهم في قوله ﴿ ويحلفون بالله أنهم لمنكم ﴾ أي على دينكم.

ثم قال ﴿ وما هم منكم ﴾ أي ليسوا على دينكم.

﴿ ولكنهم قوم يفرقون ﴾ يخافون القتل فيظهرون الإيمان تقية.

ثم أكد نفاقهم بقوله ﴿ لو يجدون ملجأً ﴾ مفراً فيتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم.

فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن من صميم القلب.

والمغارات جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور الإنسان فيه أي يستتر.

والمدخل بالتشديد مفتعل من الدخول أدغمت التاء في الدال لقرب مخرجيهما.

والتداخل "تفعل" من الإدخال ومعناه المسلك الذي يتحفظ بالدخول فيه.

قال الكلبي وابن زيد: نفق كنفق اليربوع.

والمراد أنهم لو وجدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه مع أنها شر الأمكنة ﴿ لولوا إليه ﴾ يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف وولي غيره إذا صرفه ﴿ وهم يجمحون ﴾ أي يسرعون إسراعاً لا يرد وجوهم شيء.

ومنه الفرس الجموح لا يرده اللجام.

والحاصل أنهم من شدة تأذيهم وتنفرهم من الرسول والمسلمين صاروا بهذه الحالة.

قال بعض العلماء: إنه  ذكر ثلاثة أشياء والأقرب حملها على المعاني المتغايرة، فالملجأ الحصون، والمغارات الكهوف في الجبال، والمدخل السرب تحت الأرض كالآبار والله تعالى أعلم.

ومن جملة قبائحهم قوله ﴿ ومنهم من يلمزك ﴾ الآية.

قال الزجاج: لمزت الرجل ألمزه وألمزه بكسر الميم وضمها إذا عبته.

وفرق الليث فقال: اللمز العيب في الحضور، والهمز العيب في الغيبة، واعلم أن العيب في الصدقات يحتمل وجوهاً: الأول: في أخذها بأن يقال انتزاع كسب الإنسان من يده غير معقول لأن الله هو المتكفل بمصالح عبيده إن شاء أفقرهم وإن شاء أغناهم.

الثاني: أن يقال: هي أنك تأخذ الزكوات إلا أن ما تأخذه كثير فوجب أن تقنع بأقل من ذلك.

الثالث: هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه فيكون العيب قد وقع في قسمة الصدقات وفي تفريقها وهذا هو الذي دلت الأخبار على أنهم أرادوه.

عن أبي سعيد الخدري "بينا رسول الله  يقسم غنائم حنين قال له ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج: أعدل يا رسول الله.

فقال: ويلك ومن يعدل إذ لم أعدل" فنزلت.

وعن الكلبي هو أبو الجواظ قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم وهو يزعم أنه يعدل.

فقال: رسول الله  : "لا أبا لك أما كان موسى راعياً.

أما كان داود راعياً فلما ذهب قال رسول الله  : احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون" .

وقيل: هم المؤلفة قلوبهم.

ثم بيّن أن عيبهم ذلك وسخطهم لأجل نصيب نفسهم لا للدين فقال ﴿ فإن أعطوا منها رضوا ﴾ وذلك أن رسول الله  استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون.

ومعنى ﴿ إذا هم يسخطون ﴾ فهم يسخطون.

وفائدته أن يعلم أن الشرط مفاجىء للجزاء ومتهجم عليه.

ثم أرشدهم إلى ما صلاحهم في نفس الأمر فقال ﴿ ولو أنهم رضوا ﴾ الآية ورتبه على أربع مراتب: الأولى: الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمهم بأنه  حكيم يعلم عواقب الأمور، فكل ما كان حكماً له وقضاء منه كان حقاً وصواباً ولا اعتراض عليه.

الثانية: أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو قولهم ﴿ حسبنا الله ﴾ كفانا فضله وصنعه، لغيرنا المال ولنا الرضا والتسليم وذكر الحبيب.

الثالثة: أن نزل من هذه المرتبة العالية كان واثقاً بأن الله لا يهمله وسيعوضه من فضله في غنيمة أخرى.

الرابعة الرغبة إلى الله بأنه المقصد الحقيقي والمقصود الأصلي من الإيمان والطاعة والمال والمنال.

يروى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مر بقوم يذكرون الله فقال: ما الذي يحملكم عليه؟

قالوا: الخوف من عقاب الله.

فقال: أصبتم.

ومر على قوم آخرين يذكرون الله فقال: ما الذي حملكم عليه؟

فقال: الرغبة في الثواب.

فقال: أصبتم.

ومر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسأهلم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بذكره.

فقال: أنتم المحقون.

التأويل: ﴿ أن تصبك ﴾ يا روح ﴿ حسنة ﴾ من عواطف الحق تحزن النفس وصفاتها فبها تظفر الروح عليها ﴿ وإن تصبك مصيبة ﴾ من الموانع والقواطع أخذنا نصيبنا من المراتع الحيوانية لما خالفناه في السير في العالم الروحاني.

﴿ قل ﴾ يا روح ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ لا علينا فإن الفترات والوقفات للتربية لا للرد.

وانظر وقل ﴿ هل تربصون بنا ﴾ أيتها النفس وصفاتها ﴿ إلا إحدى الحسنيين ﴾ الإحسان والعواطف الربانية والوقفة والفترة الموجبة لحسن التربية ﴿ بعذاب من عنده ﴾ هو الابتلاء بالمصائب من الخوف والجوع وغيرهما ﴿ أو بأيدينا ﴾ بالمنع من المخالفات وبكثرة الرياضيات والمجاهدات ﴿ طوعاً ﴾ أو رياء ﴿ وكرهاً ﴾ أي نفاقاً ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ لأن أعمال اللسان وغيره من الجوارح من غير عمل القلب ليست بمقبولة وإن كان عمل القلب بدون الجوارح مقبولاً لقوله  "نية المؤمن أبلغ من عمله" وباقي الآيات إشارات إلى أن من أمارات النفاق عدم الرضا بقسمة الخلاق وحال المخلص بالعكس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ .

قيل: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ﴾ ، أي: الغنيمة، والظفر، والنصر على الأعداء، يسؤهم ذلك، وإن تصبك مصيبة النكبة والهزيمة فرحوا بها.

﴿ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ .

أي: أخذنا أمرنا بالوثيقة والاحتياط؛ حيث لم نخرج معهم حتى لم يصبنا ما أصابهم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: قد أظهرنا الموافقة للمؤمنين في الظاهر، وكنا مع الكافرين في السر، وواليناهم في الحقيقة، وهو ما ذكر من انتظارهم أحد أمرين في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 141].

﴿ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴾ .

يحتمل: يتولوا أولئك الكفرة وهم فرحون.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ونبوته؛ لأنه معلوم أن ما يسوءهم كانوا يضمرونه ويسرونه عنهم، ثم أخبر عما أسروا وأضمروا؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ ، أي: قضى الله لنا، أي: لن يصيبنا إلا ما قضى الله لنا.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ ، أي: ما جاء به القرآن، وهو قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ : من الكرامة، والمنزلة، والنعيم الدائم في الآخرة، أي: لن يصيبنا إلا ذلك، وإن كنتم أنتم تفرحون بذلك، فذلك الذي كتب الله لنا.

﴿ هُوَ مَوْلاَنَا ﴾ .

أي: [هو] ربنا ونحن عبيده، يكتب لنا ما يشاء من الخير والشر؛ أي: ما أكرمنا الله لنا، أي: ما أحل لنا وأباح، وأما القضاء فإنه قل ما يقال فيما يكون لهم، وإنما يقال فيما قضى عليهم، وأما الكتاب لهم فهو فيما ...

ويحل لهم ويبيح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

يحتمل وجهين: الأول: يحتمل: على الإخبار، أي: على الله يتوكل المؤمنون، لا يتوكلون على غيره.

والثاني: يحتمل: أن يكون على الأمر، أي: على الله توكلوا أيها المؤمنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ﴾ .

عن ابن عباس -  -: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ﴾ يعني: الشهادة، والحياة، والرزق الدائم، والكرامة؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً...

﴾ الآية [آل عمران: 169].

ويحتمل: إلا إحدى الحسنيين في الدنيا: الغنيمة والظفر؛ يقول: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين: إما الحياة الدائمة في الآخرة، والرزق الحسن، والكرامة، وإما الغنيمة والنصر في الدنيا، هذا تتربصون بنا ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده: العذاب في الآخرة إن قتلتم، أو بأيدينا، أي: القتل بأيدينا.

﴿ تَرَبَّصُونَ بِنَآ ﴾ الشر ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ ﴾ العذاب بكم، هم كانوا لا يتربصون بنا إلا الدوائر والهلاك، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ  ﴾ هم كانوا لا يتربصون بنا الحسنى، ولكن ما ذكرنا من الدوائر، لكن ذلك وإن كان عند أولئك المنافقين هلاك ودائرة، فهو للمؤمنين الحسنى في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: الآية في الجهاد، أن المنافقين كانوا يؤمرون بالجهاد والقتال مع الكفرة على [ما] أمر أهل الإيمان بذلك، ثم منهم من كان يخرج للجهاد، ومنهم من كان يجهز غيره ويقعد، ومنهم من كان يخرج كارهاً، ونحوه، فنزل قوله: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ ، أي: خوفاً، ﴿ لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ .

ومنهم من قال: الآية في الزكاة؛ أن الله - عز وجل - فرض الزكاة في أموال المؤمنين، والمنافقون قد أظهروا الإيمان، وكانوا ينفقون، ويؤدون الزكاة، لكن منهم من كان يؤدي طوعاً، ومنهم من يؤدي كرهاً، فقال: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ ؛ لأنهم كانوا لا يرون الزكاة قربة، وكانوا ينفقون وهم كارهون في الباطن.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ ؛ دل أنهم كانوا ينفقون جميعاً وهم كارهون لذلك في الباطن، ثم بين ما به لم يتقبل نفقاتهم، وهو ما ذكر: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .

وقال: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ في الآية وجهان: أحدهما: دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه أخبر أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وهم في الظاهر كانوا يأتون الصلاة على ما كان يأتي المؤمنون، ثم أخبر أنهم يأتونها كسالى؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله،  .

وكذلك أخبر أنهم ينفقون وهم كارهون لذلك، وكانوا ينفقون في الظاهر مراءاة لموافقيهم، ثم أخبر أنهم كانوا كارهين لذلك في السر؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله  .

والثاني: ألا تقوم قربة ولا تقبل إلا على حقيقة الإيمان الذي هو شرط قيام هذه العبادات وقبول القرب، لا أن أنفسها إيمان؛ لأنهم كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر؛ دل أنه ما ذكرنا، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .

أي: إنكم كنتم فاسقين.

ويحتمل قوله: ﴿ كُنتُمْ ﴾ ، أي: صرتم فاسقين بما أنفقتم وأنتم كارهون؛ إذ هم قد أظهروا الإيمان ثم تركوه؛ كقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا  ﴾ أخبر أنهم آمنوا ثم كفروا؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ ﴾ وكسلى وكسالى فيه لغات ثلاث والمعنى واحد، وهو أنهم لا يأتون الصلاة إلا مستثقلين؛ لأنهم كانوا لا يرونها قربة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم [في الحياة الدنيا]، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وفي الحياة الدنيا.

والتعذيب في الدنيا: هو ما فرض عليهم الجهاد وأمروا بالخروج للقتال، فكان يشق ذلك عليهم ويشتد، فذلك التعذيب لهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ...

 ﴾ الآية.

أو التعذيب في الدنيا هو القتل؛ يقتلون إن لم يخرجوا.

وفي الآية دلالة الرد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لا يعطي الله أحداً شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، ثم قال لرسول الله: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ ﴾ ، ولو كان لم يعطهم الأموال والأولاد إلا للخيرات والصلاح، فكأنه قال: لا يعجبك ما أعطيتهم من الخيرات والصلاح، فذلك بعيد؛ فدل أنه قد يعطي خلقه ما ليس بأصلح لهم في الدين.

وكذلك في قوله: { ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ...

﴾ \[المؤمنون: 55-56\] الآية، دلالة الرد على قولهم؛ لأنه قال: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\] ثم قال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 56\] أنه يمدهم به لا للخيرات؛ دل أنه قد يعطي خلقه ما ليس هو أصلح لهم في الدين.

وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ دلالة الرد عليهم أيضاً؛ لأنه أخبر أنه يعذبهم في الدنيا والآخرة، ولا يعذبهم مجاناً فيما لا فعل لهم في ذلك؛ دل أن لهم صنعاً في ذلك، وأنه إنما يعذبهم بفعل اكتسبوه.

وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا ﴾ دلالة أن ليس كل ما يعطيهم إنما يعطيهم ليرحمهم به، ولكن يعطيهم لما علم منهم، فإن كان علم منهم أنهم يستعملون ما أعطاهم من الأموال وغيرها فيما فيه هلاكهم، أعطاهم لذلك، ومن علم منهم أنهم يستعملونه لنجاتهم أعطاهم ليرحمهم به، فإنما أعطي كلاًّ ما علم أنه يكون منهم؛ لأنه لو أعطاهم على غير ما علم منهم يكون في إعطائه مخطئاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ ﴾ .

قيل: تخرج أنفسهم وتهلك خوفاً.

قال أبو عوسجة: يقال: خرج نفسه من فمه.

وقيل: تذهب أنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ  ﴾ ، أي: ذهب.

وكذلك قال أبو عبيد: تزهق، أي: تذهب.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة رسول الله  ؛ لأنه أخبر أن أنفسهم تزهق وهم كافرون، فكان ما ذكر؛ دل أنه علم ذلك بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهم: ابذلوا ما تبذلون من أموالكم طوعًا أو كرهًا، لن يتقبل منكم ما أنفقتم منها لكفركم وخروجكم عن طاعة الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.75r4x"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد