الآية ٥ من سورة البينة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 98 البينة > الآية ٥ من سورة البينة

وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلْقَيِّمَةِ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 102 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة البينة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٥ من سورة البينة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) كقوله ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] ; ولهذا قال : حنفاء ، أي : متحنفين عن الشرك إلى التوحيد .

كقوله : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [ النحل : 36 ] وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة " الأنعام " بما أغنى عن إعادته هاهنا .

( ويقيموا الصلاة ) وهي أشرف عبادات البدن ( ويؤتوا الزكاة ) وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج .

( وذلك دين القيمة ) أي : الملة القائمة العادلة ، أو : الأمة المستقيمة المعتدلة .

وقد استدل كثير من الأئمة كالزهري والشافعي بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان ; ولهذا قال : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) .

يقول تعالى ذكره: وما أمر الله هؤلاء اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين; يقول: مفردين له الطاعة, لا يخلطون طاعتهم ربهم بشرك, فأشركت اليهود بربها بقولهم إن عُزَيرا ابن الله, والنصارى بقولهم في المسيح مثل ذلك, وجحودهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله: ( حُنَفَاءَ ) قد مضى بياننا في معنى الحنيفية قبل بشواهده المُغنية عن إعادتها, غير أنا نذكر بعض ما لم نذكر قبل من الأخبار في ذلك.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: ( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ) يقول: حجاجا مسلمين غير مشركين, يقول: ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويحجوا وذلك دين القيمة .

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ) والحنيفية: الختان, وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات والمناسك.

وقوله: ( وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ) يقول: وليقيموا الصلاة, وليؤتوا الزكاة.

وقوله: ( وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) يعني أن هذا الذي ذكر أنه أمر به هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين, هو الدين القيمة, ويعني بالقيِّمة: المستقيمة العادلة, وأضيف الدين إلى القيِّمة, والدين هو القَيِّم, وهو من نعته لاختلاف لفظيهما.

وهي في قراءة عبد الله فيما أرى فيما ذُكر لنا: ( وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) وأُنِّثت القيمة, لأنها جعلت صفة للملة, كأنه قيل: وذلك الملة القيِّمة, دون اليهودية والنصرانية.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) هو الدين الذي بعث الله به رسوله, وشرع لنفسه, ورضي به.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( كُتُبٌ قَيِّمَةٌ )( وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) قال: هو واحد; قيِّمة: مستقيمة معتدلة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمةفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : وما أمروا أي وما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيلإلا ليعبدوا الله أي ليوحدوه .

واللام في ليعبدوا بمعنى أن ; كقوله : يريد الله ليبين لكم أي أن يبين .

و يريدون ليطفئوا نور الله .

و أمرنا لنسلم لرب العالمين .

وفي حرف عبد الله : وما أمروا إلا أن يعبدوا الله .مخلصين له الدين أي العبادة ; ومنه قوله تعالى : قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين .

وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره .الثانية : قوله تعالى : حنفاء أي مائلين عن الأديان كلها ، إلى دين الإسلام ، وكان ابن عباس يقول : حنفاء على دين إبراهيم - عليه السلام - .

وقيل : الحنيف : من اختتن وحج ; قاله سعيد بن جبير .

قال أهل اللغة : وأصله أنه تحنف إلى الإسلام ; أي مال إليه .[ ص: 128 ] الثالثة : قوله تعالى : ويقيموا الصلاة أي بحدودها في أوقاتها .ويؤتوا الزكاة أي يعطوها عند محلها .وذلك دين القيمة أي ذلك الدين الذي أمروا به دين القيامة ; أي الدين المستقيم .

وقال الزجاج : أي ذلك دين الملة المستقيمة .

والقيمة : نعت لموصوف محذوف .

أو يقال : دين الأمة القيمة بالحق ; أي القائمة بالحق .

وفي حرف عبد الله وذلك الدين القيم .

قال الخليل : القيمة جمع القيم ، والقيم والقائم : واحد .

وقال الفراء : أضاف الدين إلى القيمة وهو نعته ، لاختلاف اللفظين .

وعنه أيضا : هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه ، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة .

وقيل : الهاء راجعة إلى الملة أو الشريعة .

وقال محمد بن الأشعث ، الطالقاني القيمة هاهنا : الكتب التي جرى ذكرها ، والدين مضاف إليها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فما أمروا في سائر الشرائع إلا أن يعبدوا { اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } أي: قاصدين بجميع عباداتهم الظاهرة والباطنة وجه الله، وطلب الزلفى لديه، { حُنَفَاءَ } أي: معرضين [مائلين] عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد.

وخص الصلاة والزكاة [بالذكر] مع أنهما داخلان في قوله { لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ } لفضلهما وشرفهما، وكونهما العبادتين اللتين من قام بهما قام بجميع شرائع الدين.{ وَذَلِكَ } أي التوحيد والإخلاص في الدين، هو { دِينُ الْقَيِّمَةِ } أي: الدين المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، وما سواه فطرق موصلة إلى الجحيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم فقال : ( وما أمروا ) يعني هؤلاء الكفار ، ( إلا ليعبدوا الله ) يعني إلا أن يعبدوا الله ، ( مخلصين له الدين ) قال ابن عباس : ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا [ بالإخلاص في ] العبادة لله موحدين ، ( حنفاء ) مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام ، ( ويقيموا الصلاة ) المكتوبة في أوقاتها ، ( ويؤتوا الزكاة ) عند محلها ، ( وذلك ) الذي أمروا به ، ( دين القيمة ) أي الملة والشريعة المستقيمة .

أضاف الدين إلى القيمة وهي نعته ، لاختلاف اللفظين ، وأنث " القيمة " ردا بها إلى الملة .

وقيل : الهاء فيه للمبالغة ، وقيل : " القيمة " هي الكتب التي جرى ذكرها ، أي وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به ، كما قال : وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ( البقرة 213 ) .

قال النضر بن شميل : سألت الخليل بن أحمد عن قوله : " وذلك دين القيمة " ؟

فقال : " القيمة " : جمع القيم ، والقيم والقائم واحد ، ومجاز الآية : وذلك دين القائمين لله بالتوحيد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما أمروا» في كتابهم التوراة والإنجيل «إلا ليعبدوا الله» أي أن يعبدوه فحذفت أن وزيدت اللام «مخلصين له الدين» من الشرك «حنفاء» مستقيمين على دين إبراهيم ودين محمد إذا جاء فكيف كفروا به «ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين» الملة «القيِّمة» المستقيمة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما أمروا في سائر الشرائع إلا ليعبدوا الله وحده قاصدين بعبادتهم وجهه، مائلين عن الشرك إلى الإيمان، ويقيموا الصلاة، ويُؤَدُّوا الزكاة، وذلك هو دين الاستقامة، وهو الإسلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما كان يجب عليهم أن يفعلوه ، فقال : ( وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكاة وَذَلِكَ دِينُ القيمة ) .والواو فى قوله - تعالى - ( وَمَآ أمروا ) للحال ، فهذه الجملة حالية ، والمقصود منها بيان أن هؤلاء الضالين ، قد بلغوا النهاية فى قبح الأفعال ، وفى فساد العقول ، إذ أنهم تفرقوا واختلفوا وأعرضوا عن الهدى ، فى حال أنهم لم يؤمروا إلا بما فيه صلاحهم .وقوله : ( حنفاء ) من الحَنف ، وهو الميل من الدين الباطل إلى الدين الحق .

كما أن الجنف هو الميل من الحق إلى الباطل .أى : أن هؤلاء الكافرين من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا فى شأن الحق ، والحال ، أنهم لم يؤمروا إلا بعبادة الله - تعالى - وحده ، مخلصين له الطاعة ، ومائلين عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق ، مؤمنين بجميع الرسل بدون تفرقة بينهم ، إذ ملتهم جميعا وادحدة ، ولم يؤمروا - أيضا - إلا بإقامة الصلاة فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين ، وبإيتاء الزكاة التى تطهرهم وتزكيهم .( وذلك ) الذى أمرناهم به من إخلاص العبادة لنا ، ومن أداء فرائضنا ( دِينُ القيمة ) .

أى : دين الملة المستقيمة القيمة ، أو دين الكتب القيمة .ولفظ " القيمة " بزنة فيعلة - من القوامة ، وهى غاية الاستقامة ، وهذا اللفظ صفة لموصوف محذوف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: وما أمروا وجهان: أحدهما: أن يكون المراد: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ ﴾ في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، فيكون المراد أنهم كانوا مأمورين بذلك إلا أنه تعالى لما أتبعه بقوله: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة ﴾ علمنا أن ذلك الحكم كما أنه كان مشروعاً في حقهم فهو مشروع في حقنا.

وثانيها: أن يكون المراد: وما أمر أهل الكتاب على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إلا بهذه الأشياء، وهذا أولى لثلاثة أوجه: أحدها: أن الآية على هذا التقدير تفيد شرعاً جديداً وحمل كلام الله على ما يكون أكثر فائدة أولى.

وثانيها: وهو أن ذكر محمد عليه السلام قد مر هاهنا وهو قوله: ﴿ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة  ﴾ وذكر سائر الأنبياء عليهم السلام لم يتقدم.

وثالثها: أنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة ﴾ فحكم بكون ما هو متعلق هذه الآية ديناً قيماً فوجب أن يكون شرعاً في حقنا سواء قلنا: بأنه شرع من قبلنا أو شرع جديد يكون هذا بياناً لشرع محمد عليه الصلاة والسلام وهذا قول مقاتل.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله ﴾ دقيقة وهي أن هذه اللام لام الغرض، فلا يمكن حمله على ظاهره لأن كل من فعل فعلاً لغرض فهو ناقص لذاته مستكمل بذلك الغرض، فلو فعل الله فعلاً لكان ناقصاً لذاته مستكملاً بالغير وهو محال، لأن ذلك الغرض إن كان قديماً لزم من قدمه قدم الفعل، وإن كان محدثاً افتقر إلى غرض آخر فلزم التسلسل وهو محال ولأنه إن عجز عن تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة فهو عاجز، وإن كان قادراً عليه كان توسيط تلك الواسطة عبثاً، فثبت أنه لا يمكن حمله على ظاهره فلابد فيه من التأويل.

ثم قال الفراء: العرب تجعل اللام في موضع أن في الأمر والإرادة كثيراً، من ذلك قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ  ﴾ ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ  ﴾ وقال في الأمر: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ  ﴾ وهي في قراءة عبد الله: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ أن يعبدوا الله ﴾ فثبت أن المراد: وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين.

والإخلاص عبارة عن النية الخالصة، والنية الخالصة لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به فلابد وأن يكون منوباً، ثم قالت الشافعية: الوضوء مأمور به في قوله تعالى: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وجوهكم  ﴾ ودلت هذه الآية على أن كل مأمور يجب أن يكون منوياً، فيلزم من مجموع الآيتين وجوب كون الوضوء منوياً، وأما المعتزلة فإنهم يوجبون تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض، لا جرم أجروا الآية على ظاهرها فقالوا معنى الآية: وما أمروا بشيء إلا لأجل أن يعبدوا الله، والإستدلال على هذا القول أيضاً قوي، لأن التقدير وما أمروا بشيء إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين في ذلك الشيء، وهذا أيضاً يقتضي اعتبار النية في جميع المأمورات.

فإن قيل: النظر في معرفة الله مأمور به ويستحيل اعتبار النية فيه.

لأن النية لا يمكن اعتبارها إلا بعد المعرفة، فما كان قبل المعرفة لا يمكن اعتبار النية فيه.

قلنا: هب أنه خص عموم الآية في هذه الصورة بحكم الدليل العقلي الذي ذكرتم فيبقى في الباقي حجة.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أُمِرُواْ ﴾ مذكور بلفظ ما لم يسم فاعله وهو: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام  ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص  ﴾ قالوا: فيه وجوه: أحدها: كأنه تعالى يقول العبادة شاقة ولا أريد مشقتك إرادة أصلية بل إرادتي لعبادتك كإرادة الوالدة لحجامتك، ولهذا لما آل الأمر إلى الرحمة قال: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة  ﴾ ، ﴿ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان  ﴾ وذكر في الواقعات إذا أراد الأب من ابنه عملاً يقول له أولاً: ينبغي أن تفعل هذا ولا يأمره صريحاً، لأنه ربما يرد عليه فتعظم جنايته، فهاهنا أيضاً لم يصرح بالأمر لتخف جناية الراد.

وثانيها: أنا على القول بالحسن والقبح العقليين، نقول: كأنه تعالى يقول: لست أنا الآمر للعبادة فقط، بل عقلك أيضاً يأمرك لأن النهاية في التعظيم لمن أوصل إليك (أن) نهاية الإنعام واجبة في العقول.

المسألة الرابعة: اللام في قوله: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله ﴾ تدل على مذهب أهل السنة حيث قالوا: العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنة، أو إلى البعد عن عقاب النار، بل لأجل أنك عبد وهو رب، فلو لم يحصل في الدين ثواب ولا عقاب ألبتة، ثم أمرك بالعبادة.

وجبت لمحض العبودية، وفيها أيضاً إشارة إلى أنه من عبد الله للثواب والعقاب، فالمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب، والحق واسطة، ونعم ما قيل: من آثر العرفان للعرفان فقد قال: بالثاني ومن آثر العرفان لا للعرفان، بل للمعروف، فقد خاض لجة الوصول.

المسألة الخامسة: العبادة هي التذلل، ومنه طريق معبد أي مذلل، ومن زعم أنها الطاعة فقد أخطأ، لأن جماعة عبدوا الملائكة والمسيح والأصنام، وما أطاعوهم ولكن في الشرع صارت اسماً لكل طاعة الله، أديت له على وجه التذلل والنهاية في التعظيم، واعلم أن العبادة بهذا المعنى لا يستحقها إلا من يكون واحداً في ذاته وصفاته الذاتية، والفعلية، فإن كان مثل لم يجز أن يصرف إليه النهاية في التعظيم، ثم نقول: لابد في كون الفعل عبادة من شيئين أحدهما: غاية التعظيم، ولذلك قلنا: إن صلاة الصبي ليست بعبادة، لأنه لا يعرف عظمة الله، فلا يكون فعله في غاية التعظيم والثاني: أن يكون مأموراً به، ففعل اليهودي ليس بعبادة، وإن تضمن نهاية التعظيم، لأنه غير مأمور به، والنكتة الوعظية فيه، أن فعل الصبي ليس بعبادة لفقد التعظيم وفعل اليهودي ليس بعبادة لفقد الأمر، فكيف يكون ركوعك الناقص عبادة ولا أمر ولا تعظيم؟.

المسألة السادسة: الإخلاص هو أن يأتي بالفعل خالصاً لداعية واحدة، ولا يكون لغيرها من الدواعي تأثير في الدعاء إلى ذلك الفعل، والنكت الوعظية فيه من وجوه: أحدها: كأنه تعالى يقول عبدي لا تسع في إكثار الطاعة بل في إخلاصها لأني ما بذلت كل مقدوري لك حتى أطلب منك كل مقدورك، بل بذلت لك البعض، فأطلب منك البعض نصفاً من العشرين، وشاة من الأربعين، لكن القدر الذي فعلته لم أرد بفعله سواك، فلا ترد بطاعتك سواي، فلا تستثن من طاعتك لنفسك فضلاً من أن تستثنيه لغيرك، فمن ذلك المباح الذي يوجد منك في الصلاة كالحكة والتنحنح فهو حظ استثنيته لنفسك فانتفى الإخلاص، وأما الإلتفات المكروه فذا حظ الشيطان.

وثانيها: كأنه تعالى قال: يا عقل أنت حكيم لا تميل إلى الجهل والسفه وأنا حكيم لا أفعل ذلك ألبتة، فإذاً لا تريد إلا ما أريد ولا أريد إلا ما تريد، ثم إنه سبحانه ملك العالمين والعقل ملك لهذا البدن، فكأنه تعالى بفضله قال: الملك لا يخدم الملك لكن (لكي) نصطلح أجعل جميع ما أفعله لأجلك: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم ما فِي الأرض جَمِيعاً  ﴾ فاجعل أنت أيضاً جميع ما تفعله لأجلي: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ .

واعلم أن قوله: ﴿ مُخْلِصِينَ ﴾ نصب على الحال فهو تنبيه على ما يجب من تحصيل الإخلاص من ابتداء الفعل إلى انتهائه، والمخلص هو الذي يأتي بالحسن لحسنه، والواجب لوجوبه، فيأتي بالفعل لوجهه مخلصاً لربه، لا يريد رياء ولا سمعة ولا غرضاً آخر، بل قالوا: لا يجعل طلب الجنة مقصوداً ولا النجاة عن النار مطلوباً وإن كان لابد من ذلك، وفي التوراة: ما أريد به وجهي فقليله كثير وما أريد به غير وجهي فكثيره قليل.

وقالوا من الإخلاص أن لا يزيد في العبادات عبادة أخرى لأجل الغير، مثل الواجب من الأضحية شاة، فإذا ذبحت إثنتين واحدة لله وواحدة للأمير لم يجز لأنه شرك، وإن زدت في الخشوع، لأن الناس يرونه لم يجز، فهذا إذا خلطت بالعبادة عبادة أخرى، فكيف ولو خلطت بها محظوراً مثل أن تتقدم على إمامك، بل لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين والمولودين ولا إلى العبيد ولا الإماء لأنه لم يخلص، فإذا طلبت بذلك سرور والدك أو ولدك يزول الإخلاص، فكيف إذا طلبت مسرة شهوتك كيف يبقى الإخلاص؟

وقد اختلفت ألفاظ السلف في معنى قوله: ﴿ مُخْلِصِينَ ﴾ قال بعضهم: مقرين له بالعبادة، وقال آخرون: قاصدين بقلوبهم رضا الله في العبادة، وقال الزجاج: أي يعبدونه موحدين له لا يعبدون معه غيره، ويدل على هذا قوله: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكواة ﴾ ففيه أقوال: الأول: قال مجاهد: متبعين دين إبراهيم عليه السلام، ولذلك قال: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين  ﴾ وهذا التفسير فيه لطيفة كأنه سبحانه لما علم أن التقليد مستول على الطباع لم يستجز منعه عن التقليد بالكلية ولم يستجز التعويل على التقليد أيضاً بالكلية، فلا جرم ذكر قوماً أجمع الخلق بالكلية على تزكيتهم، وهو إبراهيم ومن معه، فقال: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبراهيم والذين مَعَهُ  ﴾ فكأنه تعالى قال: إن كنت تقلد أحداً في دينك، فكن مقلداً إبراهيم، حيث تبرأ من الأصنام وهذا غير عجيب فإنه قد تبرأ من نفسه حين سلمها إلى النيران، ومن ماحين بذله للضيفان، ومن ولده حين بذله للقربان، بل روى أنه سمع سبوح قدوس فاستطابه، ولم ير شخصاً فاستعاده، فقال: أما بغير أجر فلا، فبذل كل ما ملكه فظهر له جبريل عليه السلام، وقال: حق لك حيث سماك خليلاً فخذ مالك، فإن القائل: كنت أنا، بل انقطع إلى الله حتى عن جبريل حين قال: أما إليك فلا، فالحق سبحانه كأنه يقول: إن كنت عابداً فاعبد كعبادته، فإذا لم تترك الحلال وأبواب السلاطين، أما تترك الحرام وموافقة الشياطين، فإن لم تقدر على متابعة إبراهيم، فاجتهد في متابعة ولده الصبي، كيف إنقاد لحكم ربه مع صغره، فمد عنقه لحكم الرؤيا، وإن كنت دون الرجل فاتبع الموسوم بنقصان العقل، وهو أم الذبيح، كيف تجرعت تلك الغصة، ثم إن المرأة الحرة نصف الرجل فإن الإثنتين يقومان مقام الرجل الواحد في الشهادة والإراث، والرقيقة نصف الحرة بدليل أن للحرة ليلتين من القسم فهاجر كانت ربع الرجل، ثم انظر كيف أطاعت ربها فتحملت المحنة في ولادها ثم صبرت حين تركها الخليل وحيدة فريدة في جبال مكة بلا ماء ولا زاد وانصرف، لا يكلمها ولا يعطف عليها، قالت آلله أمرك بهذا؟

فأومأ برأسه نعم، فرضيت بذلك وصبرت على تلك المشاق.

والقول الثاني: المراد من قوله: ﴿ حُنَفَاء ﴾ أي مستقيمين والحنف هو الاستقامة، وإنما سمي مائل القدم أحنف على سبيل التفاؤل، كقولنا: للأعمى بصير وللمهلكة مفازة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا  ﴾ ﴿ اهدنا الصراط المستقيم  ﴾ .

والقول الثالث: قال ابن عباس رضي الله عنهما حجاجاً، وذلك لأنه ذكر العباد أولاً ثم قال: ﴿ حُنَفَاء ﴾ وإنما قدم الحج على الصلاة لأن في الحج صلاة وإنفاق مال الرابع: قال أبو قلابة الحنيف الذي آمن بجميع الرسل ولم يستثن أحداً منهم، فمن لم يؤمن بأفضل الأنبياء كيف يكون حنيفاً الخامس: حنفاء أي جامعين لكل الدين إذ الحنيفية كل الدين، قال عليه السلام: «بعثن بالحنيفية السهلة السمحة» السادس: قال قتادة: هي الختان وتحريم نكاح المحارم أي مختونين محرمين لنكاح الأم والمحارم، فقوله: ﴿ حُنَفَاء ﴾ إشارة إلى النفي، ثم أردفه بالإثبات، وهو قوله: ﴿ وَيُقِيمُواْ الصلاة ﴾ السابع: قال أبو مسلم: أصله من الحنف في الرجل، وهو إدبار إبهامها عن أخواتها حتى يقبل على إبهام الأخرى، فيكون الحنيف هو الذي يعدل عن الأديان كلها إلى الإسلام الثامن: قال الربيع بن أنس: الحنيف الذي يستقبل القبلة بصلاته، وإنما قال ذلك لأنه عند التكبير يقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وأما الكلام في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقد مر مراراً كثيرة، ثم قال: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال المبرد والزجاج: ذلك دين الملة القيمة، فالقيمة نعت لموصوف محذوف، والمراد من القيمة إما المستقيمة أو القائمة، وقد ذكرنا هذين القولين في قوله: ﴿ كُتُبٌ قَيّمَةٌ ﴾ وقال الفراء: هذا من إضافة النعت إلى المنعوت، كقوله: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين  ﴾ والهاء للمبالغة كما في قوله: ﴿ كُتُبٌ قَيّمَةٌ ﴾ .

المسألة الثانية: في هذه الآية لطائف إحداها: أن الكمال في كل شيء إنما يحصل إذا حصل الأصل والفرع معاً، فقوم أطنبوا في الأعمال من غير إحكام الأصول، وهم اليهود والنصارى والمجوس، فإنهم ربما أتعبوا أنفسهم في الطاعات، ولكنهم ما حصلوا الدين الحق، وقوم حصلوا الأصول وأهملوا الفروع، وهم المرجئة الذين قالوا: لا يضر الذنب مع الإيمان، والله تعالى خطأ الفريقين في هذه الآية، وبين أنه لابد من العلم والإخلاص في قوله: ﴿ مُخْلِصِينَ ﴾ ومن العمل في قوله: ﴿ وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكواة ﴾ ثم قال: ﴿ وذلك ﴾ المجموع كله هو ﴿ دِينُ القيمة ﴾ أي البينة المستقيمة المعتدلة، فكمال أن مجموع الأعضاء بدن واحد كذا هو المجموع دين واحد فقلب دينك الاعتقاد ووجهه الصلاة ولسانه الواصف لحقيقته الزكاة لأن باللسان يظهر قدر فضلك وبالصدقة يظهر قدر دينك، ثم إن القيم من يقوم بمصالح من يعجز عن إقامة مصالح نفسه فكأنه سبحانه يقول: القائم بتحصيل مصالحك عاجلاً وآجلاً هو هذا المجموع، ونظيره قوله تعالى: ﴿ دِينًا قِيَمًا  ﴾ وقوله في القرآن: ﴿ قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا  ﴾ لأن القرآن هو القيم بالإرشاد إلى الحق، ويؤيده قوله عليه السلام: «من كان في عمل الله كان الله في عمله» وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: «يا دنيا من خدمك فاستخدميه، ومن خدمني فاخدميه».

وثانيها: أن المحسنين في أفعالهم هم مثل الحق سبحانه وذلك بالإحسان إلى عبيده والملائكة، وذلك بأنهم اشتغلوا بالتسبيح، لخالقهم فالإحسان من الله لا من الملائكة، والتعظيم والعبودية من الملائكة لا من الله، ثم إن الإنسان إذا حضر عرصة القيامة فيقول الله مباهياً بهم: ملائكتي هؤلاء أمثالكم سبحوا وهللوا، بل في بعض الأفعال أمثالي أحسنوا وتصدقوا، ثم إني أكرمكم يا ملائكتي بمجرد ما أتيتم به من العبودية وأنتم تعظموني بمجرد ما فعلت من الإحسان، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين؛ أقاموا الصلاة أتوا بالعبودية وآتوا الزكاة أتوا بالإحسان، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين وهم صبروا على الأمرين، فتتعجب الملائكة منهم وينصبون إليهم النظارة، فلهذا قال: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ أفلا يكون هذا الدين قيماً.

وثالثها: أن الدين كالنفس فحياة الدين بالمعرفة ثم النفس العالمة بلا قدرة كالزمن العاجز، والقادرة بلا علم مجنونة فإذا اجتمع العلم والقدرة كانت النفس كاملة فكذا الصلاة للدين كالعلم والزكاة كالقدرة، فإذا اجتمعتا سمي الدين قيمة.

ورابعها: وهو فائدة الترتيب أن الحكيم تعالى أمر رسوله أن يدعوهم إلى أسهل شيء، وهو القول والاعتقاد فقال: ﴿ مُخْلِصِينَ ﴾ ثم لما أجابوه زاده، فسألهم الصلاة التي بعد أدائها تبقى النفس سالمة كما كانت، ثم لما أجابوه وأراد منهم الصدقة وعلم أنها تشق عليهم قال: لا زكاة في مال يحول عليه الحول ثم لما ذكر الكل قال: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة ﴾ .

المسألة الثالثة: احتج من قال: الإيمان عبادة عن مجموع القول والاعتقاد والعمل بهذه الآية، فقال: مجموع القول والفعل والعمل هو الدين والدين هو الإسلام والإسلام هو الإيمان فإذاً مجموع القول والفعل والعمل هو الإيمان، لأنه تعالى ذكر في هذه الآية مجموع الثلاثة.

ثم قال: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة ﴾ أي وذلك المذكور هو دين القيمة وإنما قلنا: إن الدين هو الإسلام لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام  ﴾ وإنما قلنا: إن الإسلام هو الإيمان لوجهين: الأول: أن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولاً عند الله تعالى لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ  ﴾ لكن الإيمان بالإجماع مقبول عند الله، فهو إذاً عين الإسلام والثاني: قوله تعالى: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ  ﴾ فاستثناء المسلم من المؤمن، يدل على أن الإسلام يصدق عليه، وإذا ثبتت هذه المقدمات، ظهر أن مجموع هذه الثلاثة أعني القول والفعل والعمل هو الإيمان، وحينئذ يبطل قول من قال: الإيمان اسم لمجرد المعرفة، أو لمجرد الإقرار أولهما معاً والجواب: لم لا يجوز أن تكون الإشارة بقوله: ﴿ وَذَلِكَ ﴾ إلى الإخلاص فقط؟

والدليل عليه أنا على هذا التقدير لا نحتاج إلى الإضمار أولى، وأنتم تحتاجون إلى الإضمار، فتقولون: المراد وذلك المذكور، ولا شك أن عدم الإضمار أولى، سلمنا أن قوله: ﴿ وَذَلِكَ ﴾ إشارة إلى مجموع ما تقدم لكنه يدل على أن ذلك المجموع هو الدين القيم، فلم قلتم: إن ذلك المجموع هو الدين، وذلك لأن الدين غير، والدين القيم، فالدين هو الدين الكامل المستقبل بنفسه، وذلك إنما يكون إذا كان الدين حاصلاً، وكانت آثاره ونتائجه معه حاصلة أيضاً، وهي الصلاة والزكاة، وإذا لم يوجد هذا المجموع، لم يكن الدين القيم حاصلاً، لكن لم قلتم: إن أصل الدين لا يكون حاصلاً والنزاع ما وقع إلا فيه؟

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأصنام يقولون قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق: إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرّهم على الكفر إلاّ مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست بمنفك مما أنا فيه حتى يرزقني الله الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقاً، فيقول واعظه: لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلاّ بعد اليسار: يذكره ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً.

وانفكاك الشيء من الشيء.

أن يزايله بعد التحامه به، كالعظم إذا انفك من مفصله؛ والمعنى: أنهم متشبثون بدينهم ا يتركونه إلاّ عند مجيء البينة.

و ﴿ البينة ﴾ الحجة الواضحة.

و ﴿ رَّسُولٌ ﴾ بدل من البينة.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ رسولا ﴾ حالاً من البينة ﴿ صُحُفاً ﴾ قراطيس ﴿ مُّطَهَّرَةً ﴾ من الباطل ﴿ فِيهَا كُتُبٌ ﴾ مكتوبات ﴿ قَيِّمَةٌ ﴾ مستقيمة ناطقة بالحق والعدل؛ والمراد بتفرقهم: تفرقهم عن الحق وانقشاعهم عنه.

أو تفرقهم فرقاً؛ فمنهم من آمن، ومنهم من أنكر، وقال: ليس به؛ ومنهم من عرف وعاند.

فإن قلت: لم جمع بين أهل الكتاب والمشركين أوّلاً ثم أفرد أهل الكتاب في قوله: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ ؟

قلت: لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف ﴿ وَمَا أُمِرُواْ ﴾ يعني في التوراة والإنجيل إلاّ بالدين الحنيفي، ولكنهم حرفوا وبدلوا ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة ﴾ أي: دين الملة القيمة.

وقرئ: ﴿ وذلك الدين القيمة ﴾ على تأويل الدين بالملة.

فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله ﴾ ؟

قلت: معناه: وما أمروا بما في الكتابين إلاّ لأجل أن يعبدوا الله على هذه الصفة.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ إلا أن يعبدوا ﴾ ، بمعنى: بأن يعبدوا.

قرأ نافع: ﴿ البريئة ﴾ بالهمز؛ والقرّاء على التخفيف.

والنبيّ، والبرية: مما استمر الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل وقرئ: ﴿ خيار البرية ﴾ جمع خير، كجياد وطياب: في جمع جيد وطيب.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ لم يكن كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقبلاً» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ بِأنْ آمَنَ بَعْضُهم أوْ تَرَدَّدَ في دِينِهِ، أوْ عَنْ وعْدِهِمْ بِالإصْرارِ عَلى الكُفْرِ.

﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ وإفْرادُ أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ الجَمْعِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى شَناعَةِ حالِهِمْ، وأنَّهم لَمّا تَفَرَّقُوا مَعَ عِلْمِهِمْ كانَ غَيْرُهم بِذَلِكَ أوْلى.

﴿ وَما أُمِرُوا ﴾ أيْ في كُتُبِهِمْ بِما فِيها.

﴿ إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ لا يُشْرِكُونَ بِهِ.

﴿ حُنَفاءَ ﴾ مائِلِينَ عَنِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ.

﴿ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ ﴾ ولَكِنَّهم حَرَّفُوا وعَصَوْا.

﴿ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ دِينُ المِلَّةِ القَيِّمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)

{وَمَا أُمِرُواْ} يعني في التوراة والإنجيل {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} من غير شرك ونفاق {حُنَفَاء} مؤمنين بجميع الرسل مائلين عن الأديان الباطلة {ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وَذَلِكَ دِينُ القيمة} أي دين الملة القيمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِغايَةِ قُبْحِ ما فَعَلُوا والمُرادُ بِالأمْرِ مُطْلَقُ التَّكْلِيفِ ومُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، والكَلامُ في تَعْلِيلِ أفْعالِهِ تَعالى شَهِيرٌ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ؛ أيْ: والحالُ أنَّهم ما كُلِّفُوا في كِتابِهِمْ بِما كُلِّفُوا بِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأجْلِ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى.

وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَجْعَلُ اللّامَ مَوْضِعَ «أنْ» في الأمْرِ كَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ، وكَذا في الإرادَةِ كَ ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ فَهي هُنا بِمَعْنى أنْ؛ أيْ: إلّا بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «إلّا أنْ يَعْبُدُوا» فَيَكُونُ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى هي المَأْمُورَ بِها والأمْرُ عَلى ظاهِرِهِ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ وعَلَيْهِ قالَ عَلَمُ الهُدى أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ عُلِمَ مِنها مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ أيْ إلّا لِأمْرِهِمْ بِالعِبادَةِ، فَيُعْلَمُ المُطِيعُ مِنَ العاصِي، وهو كَما قالَ الشِّهابُ كَلامٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ.

﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أيْ جاعِلِينَ دِينَهم خالِصًا لَهُ تَعالى فَلا يُشْرِكُونَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ فالدِّينُ مَفْعُولٌ لِمُخْلِصِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، ومَفْعُولُ ﴿ مُخْلِصِينَ ﴾ مَحْذُوفٌ؛ أيْ جاعِلِينَ أنْفُسَهم خالِصَةً لَهُ تَعالى في الدِّينِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: «مُخْلَصِينَ» بِفَتْحِ اللّامِ وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ هَذا الوَجْهُ في الدِّينِ ولا يَتَسَنّى الأوَّلُ.

نَعَمْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ والعامِلُ ﴿ لِيَعْبُدُوا ﴾ أيْ: لِيَدِينُوا اللَّهَ تَعالى بِالعِبادَةِ الدِّينَ.

﴿ حُنَفاءَ ﴾ أيْ: مائِلِينَ عَنْ جَمِيعِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ إلى الإسْلامِ وفِيهِ مِن تَأْكِيدِ الإخْلاصِ ما فِيهِ، فالحَنَفُ المَيْلُ إلى الِاسْتِقامَةِ وسَمِّيَ مائِلُ الرَّجُلِ إلى الِاعْوِجاجِ أحْنَفَ لِلتَّفاؤُلِ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ حُنَفاءَ هُنا بِ «حُجّاجًا».

وعَنْ قَتادَةَ بِمُخْتَتِنِينَ مُحَرِّمِينَ لِنِكاحِ الأُمِّ والمَحارِمِ وعَنْ أبِي قُلابَةَ بِمُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وعَنْ مُجاهِدٍ بِمُتَّبَعِينَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ بِمُسْتَقْبِلِينَ القِبْلَةَ بِالصَّلاةِ، وعَنْ بَعْضٍ: بِجامِعِينَ كُلَّ الدِّينِ وحالُ الأقْوالِ لا يَخْفى.

﴿ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِما ما في شَرِيعَتِهِمْ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فالأمْرُ بِهِما ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ ما في شَرِيعَتِنا فَمَعْنى أمْرِهِمْ بِهِما في كِتابِهِمْ أنَّ أمْرَهم بِاتِّباعِ شَرِيعَتِنا أمْرٌ لَهم بِجَمِيعِ أحْكامِها الَّتِي هُما مِن جُمْلَتِها.

﴿ وذَلِكَ ﴾ إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وما فِيهِ مِنَ البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ.

﴿ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ أيْ الكُتُبِ القَيِّمَةِ فَألْ لِلْعَهْدِ إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَثِ الطّالَقانِيُّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أيِ الأُمَّةُ القَيِّمَةُ أيِ المُسْتَقِيمَةُ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيِ المِلَّةُ القَيِّمَةُ والتَّغايُرُ الِاعْتِبارِيُّ بَيْنَ الدِّينِ والمِلَّةِ يُصَحِّحُ الإضافَةَ، وبَعْضُهم لَمْ يُقَدِّرْ مَوْصُوفًا، ويَجْعَلُ ﴿ القَيِّمَةِ ﴾ بِمَعْنى المِلَّةِ وقِيلَ: أيِ الحُجَجِ القَيِّمَةِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «الدِّينُ القَيِّمَةُ» فَقِيلَ: التَّأْنِيثُ عَلى تَأْوِيلِ الدِّينِ بِالمِلَّةِ، وقِيلَ: الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني: اليهود والنصارى وَالْمُشْرِكِينَ يعني: عبدة الأوثان مُنْفَكِّينَ يعني: غير منتهين عن كفرهم، وعن قولهم الخبيث حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ يعني: حتى أتاهم البيان، فإذا جاءهم البيان، فريق منهم انتهوا وأسلموا، وفريق ثبتوا على كفرهم.

ويقال: لم يزل الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين، حتى وجب في الحكمة علينا في هذا الحال، إرسال الرسول إليهم.

ويقال: معناه لم يكونوا منتهين عن الكفر، حتى أتاهم الرسول والكتاب، فلما آتاهم الكتاب والرسول، تابوا ورجعوا عن كفرهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، والذين أسلموا من مشركي العرب.

وقال قتادة: الْبَيِّنَةُ أراد به محمدا  ، وقال القتبي: مُنْفَكِّينَ أي: زائلين يقال: لا أنفك من كذا أي: لا أزول.

قوله تعالى: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً يعني: قرآناً مطهراً من الزيادة والنقصان.

ويقال: مطهراً من الكذب، والتناقض ويقال: صُحُفاً مُطَهَّرَةً أي: أمور مختلفة.

ويقال: سمي القرآن صحفاً، من كثرة السور فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ يعني: صادقة مستقيمة لا عوج فيها.

ويقال: كتب قيمة، يعني: تدل على الصواب والصلاح، ولا تدل على الشرك والمعاصي.

ثم قال عز وجل: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: وما اختلفوا في محمّد  ، وهم اليهود والنصارى إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ يعني: بعد ما ظهر لهم الحق، فنزل القرآن على محمد  .

ثم قال: وَما أُمِرُوا يعني: وما أمرهم محمد  إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ يعني: ليوحدوا الله.

ويقال: وَما أُمِرُوا يعني: وما أمرهم محمد  إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ يعني: ليوحدوا الله.

ويقال: وَما أُمِرُوا في جميع الكتب، إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ يعني: يوحدوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ مسلمين.

روي عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: حُنَفاءَ يعني: متبعين.

وقال الضحاك حُنَفاءَ يعني: حجاجاً يحجون بيت الله تعالى.

ثم قال: وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: يقرون بالصلاة، ويؤدونها في مواقيتها وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ يعني: يقرون بها ويؤدونها وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ يعني: المستقيم لا عوج فيه، يعني: الإقرار بالتوحيد، وبالصلاة والزكاة، وإنما بلفظ التأنيث الْقَيِّمَةِ لأنه انصرف إلى المعنى، والمراد به الملة، يعني: الملة المستقيمة لا عوج فيها.

يعني: هذا الذي يأمرهم محمد  ، وبهذا أُمروا في جميع الكتب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «البيّنة»

وهي مكّيّة في قول الجمهور وقيل: مدنيّة، والأوّل أشهر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)

[قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» وفي حرف ابن مسعودٍ «٢» : «لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الكِتَابِ مُنْفَكِّينَ» .

وقوله تعالى: مُنْفَكِّينَ معناه: مُنْفَصِلِينَ متفرقينَ، تقول: انْفَكَّ الشيءُ عن الشيء إذا انفصلَ عنه، وأمَّا انفك التي هي مِنْ أخواتِ «كَانَ» فلا مَدْخَلَ لَها هنا، قال مجاهد وغيره: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عن الكفرِ والضلالِ حتى جَاءَتْهُم البينةُ «٣» ، وأوقَعَ المستقبلَ موقِعَ الماضي في تأتيهم، والبينات: محمّد صلّى الله عليه وسلّم وشرْعُهُ، قال الثعلبيُّ: وَالْمُشْرِكِينَ يعني: من العربِ وهم عَبَدةُ الأوثانِ، انتهى، وقال الفراء وغيره: لم يكونوا منفكِّينَ عَنْ معرفةِ صحةِ نبوةِ محمّد صلّى الله عليه وسلّم والتَّوَكُّفِ لأمره حتى جاءتهم البينةُ فَتَفَرَّقُوا عند ذلك، / ويتَّجِهُ في معنى الآيةِ قولٌ ثالثٌ بارعُ المعنى وذلك أَنْ يكونَ المرادُ: لَمْ يكن هؤلاء القوم

منفكينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَظَرِهِ لَهُمْ حَتَّى يبعثَ إليهمْ رَسُولاً تقومُ عليهم به الحجةُ، وتتمُّ عَلى مَنْ آمن بهِ النعمةُ فكأَنَّه قَالَ: ما كانوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، والصحفُ المطهَّرة: القرآنُ في صحفهِ قاله قتادة والضحاك «١» ، وقال الحسن: الصحفُ المطهَّرة في السماءِ «٢» ، فِيها كُتُبٌ أي: أحكام كتب، وقَيِّمَةٌ معناه قَائِمة معتدلَة آخذةٌ للناسِ بالعَدْلِ، ثُمَّ ذَمّ تعالى أهْلَ الكتابِ في أنّهم لم يتفرّقوا في أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلا مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآياتِ الواضحةَ وكانوا مِنْ قَبْلُ مُتَّفِقِينَ على نُبُوَّتهِ وصفتهِ، وحُنَفاءَ: جَمْعُ حنيفٍ وهو المستقيمُ، وذِكْر الزكاةِ مَعَ ذِكْرِ بَنِي إسرائيل يُقَوِّي قَوْلَ من قَال: السورةُ مدنيةٌ لأنَّ الزكاةَ إنما فُرِضَتْ بالمدينةِ، ولأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنَّما دُفِعَ إلى مناقَضَةِ أهْلِ الكتَابِ بالمدينةِ، وقرأ الجمهور:

«وذلك دين القيمة» على معنى الجماعة والفِرْقَةِ القيمة، وقال- ص-: قراءة الجمهور:

«وذلك دين القيمة» على تقديرِ الأمَّةِ القَيِّمَةِ أي: المستقيمةِ أو الكتُب القيمةِ، وقرأ عبد اللَّه «٣» : «وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ» بتعريفِ الدِّينِ ورَفْعِ القيمة صفةً، والهاءُ فيه للمبالغَةِ أو عَلى تأويل أنّ الدّين بمعنى الملّة، انتهى، والْبَرِيَّةِ جميعُ الخَلْقِ لأن اللَّه تعالى براهُم أي: أوْجَدَهُمْ بَعْدَ العَدَم.

وقوله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قِيْلَ ذلك في الدنيا فَرِضاه عنهم هو ما أظْهَرَه عليهم من أمَارَاتِ رحمتهِ، ورضاهُم عنه هو رضَاهم بجميعِ مَا قَسَمَ لَهم من جميعِ الأرزاقِ والأقدارِ، وقال بعضُ الصالحين: / رَضَى العبادِ عن اللَّهِ رِضَاهُمْ بِما يَرِدُ من أحكامِه، ورِضَاه عنهم أن يُوَفِّقَهُمْ للرِّضَى عَنْهُ، وقال سري السقطي: إذَا كُنْتَ لاَ تَرْضَى عَنِ اللَّهِ فكَيْفَ تَطْلُبُ منْه أنْ يَرْضَى عَنْكَ، وقيل ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وخَصَّ تعالى بالذكرِ أهْلَ الخَشْيَةِ لأنها رأْسُ كلِّ بَرَكَةٍ وهيَ الآمِرَةُ بالمعروفِ والناهِيَةُ عن المنكر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ البَيِّنَةِ وَفِيها قَوْلانِ أحَدُهُما: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى ﴿ والمُشْرِكِينَ ﴾ أيْ: ومِنَ المُشْرِكِينَ، وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ ﴿ مُنْفَكِّينَ ﴾ أيْ: مُنْفَصِلِينَ وزائِلِينَ يُقالُ: فَكَكْتُ الشَّيْءَ، فانْفَكَّ، أيِ: انْفَصَلَ- والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا زائِلِينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ ﴿ حَتّى تَأْتِيَهُمُ ﴾ أيْ: حَتّى أتَتْهُمْ، فَلَفْظُهُ لَفْظُ المُسْتَقْبَلِ، ومَعْناهُ الماضِي.

و ﴿ البَيِّنَةُ ﴾ الرَّسُولُ، وهو مُحَمَّدٌ  ، وذَلِكَ أنَّهُ بَيَّنَ لَهم ضَلالَهم وجَهْلَهم.

وهَذا بَيانٌ عَنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إذْ أنْقَذَهم.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: لَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا حَتّى بُعِثَ فافْتَرَقُوا.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَكُونُوا لِيُتْرَكُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ حُجَجِ اللَّهِ حَتّى أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ البَيِّنَةُ.

والوَجْهُ هو الأوَّلُ.

والرَّسُولُ هاهُنا مُحَمَّدٌ  .

ومَعْنى ﴿ يَتْلُو صُحُفًا ﴾ أيْ: ما تَضَمَّنَتْهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها، وهو القُرْآنُ.

ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتْلُو القُرْآنَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ لا مِن كِتابٍ.

ومَعْنى ﴿ مُطَهَّرَةً ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والباطِلِ.

﴿ فِيها ﴾ أيْ: في الصُّحُفِ ﴿ كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ أيْ: عادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، وهي الآياتُ.

قالَ مُقاتِلٌ: وإنَّما قِيلَ لَها: كُتُبٌ لِما جَمَعَتْ مِن أُمُورٍ شَتّى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي: مَن لَمْ يُؤْمِن مِنهم ﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها مُحَمَّدٌ  .

والمَعْنى: لَمْ يَزالُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ بِهِ حَتّى بُعِثَ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: ما في كُتُبِهِمْ مِن بَيانِ نُبُوَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: وما تَفَرَّقُوا في كُفْرِهِمْ بِالنَّبِيِّ إلّا مِن بَعْدِ أنْ تَبَيَّنُوا أنَّهُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ في كُتُبِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُمِرُوا ﴾ أيْ: في كُتُبِهِمْ ﴿ إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ.

قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَجْعَلُ اللّامَ في مَوْضِعِ " أنْ " في الأمْرِ والإرادَةِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ  ﴾ ، و ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ  ﴾ .

وقالَ في الأمْرِ ﴿ وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أيْ: مُوَحِّدِينَ لا يَعْبُدُونَ سِواهُ ﴿ حُنَفاءَ ﴾ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ ﴿ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ المَكْتُوبَةَ في أوْقاتِها ﴿ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ ﴾ عِنْدَ وُجُوبِها ﴿ وَذَلِكَ ﴾ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ هو ﴿ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ دِينُ الأُمَّةِ القَيِّمَةِ بِالحَقِّ.

ويَكُونُ المَعْنى: ذَلِكَ الدِّينُ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالهَمْزِ بِالكَلِمَتَيْنِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ فِيهِما.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَرِيَّةُ: الخَلْقُ.

وأكْثَرُ العَرَبِ والقُرّاءِ عَلى تَرْكِ هَمْزِها لِكَثْرَةِ ما جَرَتْ عَلى الألْسِنَةِ، وهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ.

ومِنَ النّاسِ مَن يَزْعُمُ أنَّها مَأْخُوذَةٌ مَن بَرَيْتُ العُودَ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّها مِنَ البَرى وهو التُّرابُ [أيْ: خُلِقَ مِنَ التُّرابِ، وقالُوا: لِذَلِكَ لا يُهْمَزُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ مِنَ البَرى وهو التُّرابُ] لَما قُرِنَتْ بِالهَمْزِ، وإنَّما اشْتِقاقُها مَن بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ.

وقالَ الخَطابِيُّ: أصْلُ البَرِيَّةِ الهَمْزُ، إلّا أنَّهُمُ اصْطَلَحُوا عَلى تَرْكِ الهَمْزِ فِيها.

وما بَعْدَهُ ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِطاعَتِهِمْ ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ بِثَوابِهِ.

وكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: إذا كُنْتَ لا تَرْضى عَنِ اللَّهِ، فَكَيْفَ تَسْألُهُ الرِّضى عَنْكَ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ أيْ: خافَهُ في الدُّنْيا، وتَناهى عَنْ مَعاصِيهِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ لَمْ يَكُنْ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ، والأوَّلُ أشْهَرُ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ ﴿ رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ﴾ ﴿ فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ ﴿ وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ ﴿ وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَلاةَ ويُؤْتُوا الزَكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ وفِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما كانَ الَّذِينَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [لَمْ يَكُنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ مُنْفَكِّينَ]، وقَوْلُهُ تَعالى: "مُنْفَكِّينَ"، مَعْناهُ مُنْفَصِلِينَ مُتَفَرِّقِينَ، تَقُولُ: "انْفَكَّ الشَيْءُ عَنِ الشَيْءِ" إذا انْفَصَلَ عنهُ، و"ما انْفَكَّ" الَّتِي هي مِن أخَواتِ "كانَ" لا مَدْخَلَ بِها في هَذِهِ الآيَةِ، ونَفى في هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَنِيعَةُ مُنْفَكَّةً.

واخْتَلَفَ الناسُ، عن ماذا؟

فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، وأُوقِعَ المُسْتَقْبَلُ مَوْضِعَ الماضِي في "تَأْتِيهِمْ" لِأنَّ باقِيَ الشَرِيعَةِ وعُظْمَها لَمْ يُرِدْهُ بَعْدُ.

وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عن مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  والتَوَكُّفُ لِأمْرِهِ، حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ.

وذَهَبَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ إلى هَذا النَفْيِ المُتَقَدِّمِ مَعَ "مُنْفَكِّينَ" يَجْعَلُها تِلْكَ الَّتِي هي مَعَ "كانَ"، ويَرى التَقْدِيرَ في خَبَرِها: عارِفِينَ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ  أو نَحْوِ هَذا، ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى وقُدْرَتِهُ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا، تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ، وتَتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِعْمَةَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما كانُوا لِيَتْرُكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللهِ تَعالى.

وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "والمُشْرِكُونَ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: [والمُشْرِكِينَ] بِالخَفْضِ، ومَعْناهُما بَيِّنٌ.

و"البَيِّنَةُ" مَعْناهُ: القِصَّةُ البَيِّنَةُ والجَلِيَّةُ، والمُرادُ مُحَمَّدٌ  ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَسُولٌ" بِالرَفْعِ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: [رَسُولًا] بِالنَصْبِ عَلى الحالِ.

و"الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ": القُرْآنُ في صُحُفِهِ، قالَهُ الضَحّاكُ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ في السَماءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فِيها أحْكامُ كُتُبٍ قَيِّمَةٍ، و"قَيِّمَةٌ" مَعْناهُ: قائِمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ آخِذَةٌ لِلنّاسِ بِالعَدْلِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ، فَإلى "قَيِّمَةٌ" هو ذِكْرُ مَن آمَنَ مِنَ الطائِفَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ  إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُصَفِّقِينَ عَلى نَبُّوتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُخْلِصِينَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مُخْلِصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، وكَأنَّ "الدِينَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- مَنصُوبٌ بِـ "يعبُدُوا"، أو بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ، عَلى أنَّهُ كالظَرْفِ أوِ الحالِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقِيلَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: مَنِ المُخْلِصُ لِلَّهِ تَعالى؟

قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى ولا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ الناسُ عَلَيْهِ.

و"حُنَفاءَ" جَمْعُ "حَنِيفٍ"، وهو المُسْتَقِيمُ المائِلُ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا تُسَمِّي العَرَبَ حَنِيفًا إلّا مَن حَجَّ واخْتَتَنَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "حُنَفاءَ": حُجّاجًا مُسْلِمِينَ، و"حُنَفاءَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، وكَوْنُ الزَكاةِ مَعَ الصَلاةِ في هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها يُقَوِّي قَوْل مَن قالَ" السُورَة مَدَنِيَّة؛ لِأنَّ الزَكاةَ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، ولِأنَّ النَبِيَّ  إنَّما دَفَعَ مُناقَضَةَ أهْلِ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ" عَلى مَعْنى: الجَماعَةِ القَيِّمَةِ، أوِ الفِرْقَةِ القَيِّمَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَثِ الطالِقانِيُّ: "القِيمَةُ" هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "وَذَلِكَ الدِينُ القَيِّمَةِ"، فالهاءُ في "القِيمَةِ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- بِناءُ مُبالِغَةٍ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ أيْضًا عَلى أنْ تَجْعَلَ "الدِينَ" بِمَنزِلَةِ المِلَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا إبطال ثالث لتنصلهم من متابعة الإِسلام بعلة أنهم لا يتركون ما هم عليه حتى تأتيهم البينة وزعمهم أن البينة لم تأتهم.

وهو إبطال بطريق القول بالموجَب في الجدل، أي إذا سلمنا أنكم مُوصَوْن بالتمسك بما أنتم عليه لا تنفكون عنه حتى تأتيكم البينة، فليس في الإِسلام ما ينافي ما جاء به كتابكم لأن كتابكم يأمر بما أمر به القرآن، وهو عبادة الله وحده دون إشراك، وذلك هو الحنيفية وهي دين إبراهيم الذي أخذ عليهم العهد به، فذلك دين الإِسلام وذلك ما أمرتم به في دينكم.

فلك أن تجعل الواو عاطفة على جملة: ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ﴾ [البينة: 4] الخ.

ولك أن تجعل الواو للحال فتكون الجملة حالاً من الضمير في قوله: ﴿ حتى تأتيهم البينة ﴾ [البينة: 1].

والمعنى والحال أن البينة قد أتتهم إذ جاء الإِسلام بما صدَّق قول الله تعالى لموسى عليه السلام: «أقيم لهم نبيئاً من وسط إخوتهم وأجعل كلامي في فمه»، وقول عيسى عليه السلام: «فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم».

والتعبير بالفعل المسند للمجهول مفيد معنيين، أي ما أمروا في كتابهم إلا بما جاء به الإِسلام.

فالمعنى: وما أمروا في التوراة والإِنجيل إلا أن يعبدوا الله مخلصين إلى آخره.

فإن التوراة أكدت على اليهود تجنب عبادة الأصنام، وأمرت بالصلاة، وأمرت بالزكاة أمراً مؤكداً مكرراً.

وتلك هي أصول دين الإِسلام قبل أن يفرض صَوم رمضان والحج، والإِنجيل لم يخالف التوراة أو المعنى وما أمروا في الإِسلام إلا بمثل ما أمرهم به كتابهم، فلا معذرة لهم في الإِعراض عن الإِسلام على كلا التقديرين.

ونائب فاعل ﴿ أمروا ﴾ محذوف للعموم، أي ما أمروا بشيء إلا بأن يعبدوا الله.

واللام في قوله: ﴿ ليعبدوا اللَّه ﴾ هي اللام التي تكثر زيادتها بعد فعل الإِرادة وفعل الأمر وتقدم ذكرها عند قوله تعالى: ﴿ يريد اللَّه ليبين لكم ﴾ في سورة النساء (26) وقوله: ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين ﴾ في سورة الأنعام (71)، وسماها بعض النحاة لام (أنْ).

والإخلاص: التصفية والإِنقاء، أي غير مشاركين في عبادته معه غيره.

والدين: الطاعة قال تعالى: ﴿ قل اللَّه أعبد مخلصاً له ديني ﴾ [الزمر: 14].

وحنفاء: جمع حنيف، وهو لقب للذي يؤمن بالله وحده دون شريك قال تعالى: ﴿ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ﴾ [الأنعام: 161].

وهذا الوصف تأكيد لمعنى: ﴿ مخلصين له الدين ﴾ مع التذكير بأن ذلك هو دين إبراهيم عليه السلام الذي ملئت التوراة بتمجيده واتباع هديه.

وإقامة الصلاة من أصول شريعة التوراة كلَّ صباح ومساء.

وإيتاء الزكاة: مفروض في التوراة فرضاً مؤكداً.

واسم الإِشارة في قوله: ﴿ وذلك دين القيمة ﴾ متوجِّهٌ إلى ما بعد حرف الاستثناء فإنه مقترن باللام المسماة (لام أنْ) المصدرية فهو في تأويل مفرد، أي إلا بعبادة الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، أي والمذكورُ دين القيمة.

و ﴿ دين القيمة ﴾ يجوز أن تكون إضافته على بابها فتكون ﴿ القيمة ﴾ مراداً به غير المراد بدين مما هو مؤنث اللفظ مما يضاف إليه دين أي دين الأمة القيّمة أو دين الكُتُب القَيمة.

ويرجّح هذا التقدير أن دليل المقدَّر موجود في اللفظ قبله.

وهذا إلزام لهم بأحقية الإِسلام وأنه الدين القيم قال تعالى: ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللَّه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ﴾ [الروم: 30 31].

ويجوز أن تكون الإِضافة صورية من إضافة الموصوف إلى الصفة وهي كثيرة الاستعمال، وأصله الدين القيم، فأنث الوصف على تأويل دين بملة أو شريعة، أو على أن التاء للمبالغة في الوصف مثل تاء علاّمة والمآل واحد، وعلى كلا التقديرين فالمراد بدين القيمة دين الإِسلام.

والقيمة: الشديدة الاستقامة وقد تقدم آنفاً.

فالمعنى: وذلك المذكور هو دين أهل الحق من الأنبياء وصالحي الأمم وهو عين ما جاء به الإِسلام قال تعالى في إبراهيم: ﴿ ولكن كان حنيفاً مسلماً ﴾ [آل عمران: 67] وقال عنه وعن إسماعيل: ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ﴾ [البقرة: 128].

وحكى عنه وعن يعقوب قولهما: ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ [البقرة: 132] وقال سليمان: ﴿ وكنا مسلمين ﴾ [النمل: 42].

وقد مضى القول في ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ في سورة البقرة (132).

والإِشارة بذلك إلى الذي أمروا به أي مجموع ما ذكر هو دين الإِسلام، أي هو الذي دعاهم إليه الإِسلام فحسبوه نقضاً لدينهم، فيكون مهيع الآية مثل قوله تعالى: ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أَلاَّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللَّه فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ [آل عمران: 64] وقوله: ﴿ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا باللَّه وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ﴾ [المائدة: 59].

والمقصود إقامة الحجة على أهل الكتاب وعلى المشركين تبعاً لهم بأنهم أعرضوا عما هم يتطلبونه فإنهم جميعاً مقرّون بأن الحنيفية هي الحق الذي أقيمت عليه الموسوية والعيسوية، والمشركون يزعمون أنهم يطلبون الحنيفية ويأخذون بما أدركوه من بقاياها ويزعمون أن اليهودية والنصرانية تحريف للحنيفية، فلذلك كان عامة العرب غير متهودين ولا متنصرين ويتمسكون بما وجدوا آباءهم متمسكين به وقلّ منهم من تهودوا أو تنصروا، وذهب نفر منهم يتطلبون آثار الحنيفية مثل زيد بن عمرو بن نُفَيْل، وأميَّة بن أبي الصَّلْت.

وخصّ الضمير ب«أهل الكتاب» لأن المشركين لم يؤمروا بذلك قبل الإِسلام قال تعالى: ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ [القصص: 46].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ البَيِّنَةِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلامٍ، وعِنْدَ الجُمْهُورِ مَدَنِيَّةٌ وهو الصَّوابُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ ﴾ مَعْناهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، ولَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ هم عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، وغَيْرُهُمُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ.

.

﴿ مُنْفَكِّينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَمْ يَكُونُوا مُنْتَهِينَ عَنِ الشِّرْكِ ﴿ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ.

وَهَذا قَوْلٌ ثانٍ: لَمْ يَزالُوا مُقِيمِينَ عَلى الشِّرْكِ والرِّيبَةِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، يَعْنِي الرُّسُلَ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

الثّالِثُ: لَمْ يَفْتَرِقُوا ولَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُ إلَيْهِمْ رَسُولًا حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا  وتَفَرَّقُوا، فَمِنهم مَن آمَنَ بِرَبِّهِ، ومِنهم مَن كَفَرَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: لَمْ يَكُونُوا لِيُتْرَكُوا مُنْفَكِّينَ مِن حُجَجِ اللَّهِ تَعالى، حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ الَّتِي تَقُومُ بِها عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ إذا قُلْتُ أنْفَكُّ مِن حُبِّها أبى عالِقُ الحُبِّ إلّا لُزُوما وَفِي ﴿ البَيِّنَةُ ﴾ ها هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: الرَّسُولُ الَّذِي بانَتْ فِيهِ دَلائِلُ النُّبُوَّةِ.

الثّالِثُ: بَيانُ الحَقِّ وظُهُورُ الحُجَجِ.

وَفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وأهْلُ الكِتابِ مُنْفَكِّينَ.

﴿ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا.

﴿ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: يَتَعَقَّبُ بِنُبُوَّتِهِ نُزُولَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ.

وَفي ﴿ مُطَهَّرَةً ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: مُطَهَّرَةُ الحُكْمِ بِحُسْنِ الذِّكْرِ والثَّناءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لِنُزُولِها مِن عِنْدِ اللَّهِ.

﴿ فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي كُتُبَ اللَّهِ المُسْتَقِيمَةَ الَّتِي جاءَ القُرْآنُ بِذِكْرِها، وثَبَتَ فِيهِ صِدْقُها، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: يَعْنِي فُرُوضَ اللَّهِ العادِلَةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى.

﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: البَيِّنَةُ ما في كُتُبِهِمْ مِن صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

﴿ وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُقِرِّينَ لَهُ بِالعِبادَةِ.

الثّانِي: ناوِينَ بِقُلُوبِهِمْ وجْهَ اللَّهِ تَعالى في عِبادَتِهِمْ.

الثّالِثُ: إذا قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أنْ يَقُولَ عَلى أثَرِها (اَلْحَمْدُ لِلَّهِ)، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: إلّا لِيُخْلِصُوا دِينَهم في الإقْرارِ بِنُبُوَّتِهِ.

﴿ حُنَفاءَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَّبَعِينَ.

الثّانِي: مُسْتَقِيمِينَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبَ.

الثّالِثُ: مُخْلِصِينَ، قالَهُ خَصِيفٌ.

الرّابِعُ: مُسْلِمِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وقالَ الشّاعِرُ أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ ∗∗∗ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلًا الخامِسُ: يَعْنِي حُجّاجًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ; وقالَ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: إذا اجْتَمَعَ الحَنِيفُ والمُسْلِمُ كانَ مَعْنى الحَنِيفِ الحاجَّ وإذا انْفَرَدَ الحَنِيفُ كانَ مَعْناهُ المُسْلِمَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا تُسَمِّي العَرَبُ الحَنِيفَ إلّا لِمَن حَجَّ واخْتَتَنَ.

السّادِسُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ.

﴿ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وذَلِكَ دِينُ الأُمَّةِ المُسْتَقِيمَةِ.

الثّانِي: وذَلِكَ دِينُ القَضاءِ القَيِّمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: وذَلِكَ الحِسابُ المُبِينُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: وذَلِكَ دِينُ مَن قامَ لِلَّهِ بِحَقِّهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ لم يكن ﴾ بالمدينة.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة ﴿ لم يكن ﴾ بمكة.

وأخرج أبو نعيم في المعرفة عن اسماعيل بن أبي حكيم المزني أحد بني فضيل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليسمع قراءة ﴿ لم يكن ﴾ فيقول: أبشر عبدي فوعزتي وجلالي لأمكنن لك في الجنة حتى ترضى» .

وأخرج أبو موسى المديني في المعرفة عن اسماعيل بن أبي حكيم عن مطر المزني أو المدني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليسمع قراءة ﴿ لم يكن الذين كفروا ﴾ فيقول: أبشر عبدي فوعزتي وجلالي لا أنساك على حال من أحوال الدنيا والآخرة ولأمكنن لك في الجنة حتى ترضى» .

وأخرج أحمد وابن قانع في معجم الصحابة والطبراني وابن مردويه عن أبي حبة البدري قال: «لما نزلت ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ إلى آخرها، قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن ربك يأمرك أن تقرئها أبياً فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة.

قال أبيّ: وقد ذكرت ثم يا رسول الله؟

قال: نعم فبكى» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبيّ بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿ لم يكن الذين كفروا ﴾ قال: وسماني لك؟

قال: نعم فبكى، وفي لفظ: لما نزلت ﴿ لم يكن الذين كفروا ﴾ دعا أبيّ بن كعب فقرأها عليه، فقال: أمرت أن أقرأ عليك» .

وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححه عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ فقرأ فيها ولو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيته لسأل ثانياً، ولو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل ذلك فلن يكفره» .

وأخرج أحمد عن أبيّ بن كعب قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك فقرأ عليَّ ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ إن الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيراً فلن يكفره» قال شعبة: ثم قرأ آيات بعدها ثم قرأ «لو أن لابن آدم وادياً من مال لسأل وادياً ثانياً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» ، قال: ثم ختم بما بقي من السورة.

وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبيّ إني أمرت أن أقرئك سورة فأقرأنيها ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة ﴾ أي ذات اليهودية والنصرانية إن أقوم الدين الحنيفية مسلمة غير مشركة، ومن يعمل صالحاً فلن يكفره ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لما جاءهم أولئك عند الله شر البرية، ما كان الناس إلا أمة واحدة ثم أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين يأمرون الناس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعبدون الله وحده، وأولئك عند الله هم خير البرية ﴿ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ﴾ » .

وأخرج أحمد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى عمر يسأله فجعل عمر ينظر إلى رأسه مرة وإلى رجليه أخرى هل يرى عليه من البؤس، ثم قال له عمر: كم مالك؟

قال: أربعون من الإِبل.

قال ابن عباس: قلت صدق الله ورسوله لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

فقال عمر: ما هذا؟

فقلت: هكذا اقرأني أبيّ.

قال: فمر بنا إليه فجاء إلى أبيّ فقال: ما تقول هذا؟

قال أبيّ: هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: إذاً أثبتها في المصحف؟

قال: نعم.

وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: قلت يا أمير المؤمنين: إن أبيّاً يزعم أنك تركت من آيات الله آية لم تكتبها.

قال: والله لأسألن أبيّاً فإن أنكر لتكذبن.

فلما صلى صلاة الغداة غدا على أبيّ فأذن له وطرح له وسادة وقال: يزعم هذا أنك تزعم أني تركت آية من كتاب الله لم أكتبها.

فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» فقال عمر: أفأكتبها؟

قال: لا أنهاك.

قال: فكأن أبيّاً شك أقول من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قرآن منزل.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ لقي أبيّ بن كعب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبيّ إن الله قد أنزل سورة وأمرني أن أقرئكها فقال: الله أمرك؟

قال: نعم.

قال: فافعل.

قال: فاقرأها إياه.

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ﴾ قال: منتهين عما هم فيه ﴿ حتى تأتيهم البينة ﴾ أي هذا القرآن ﴿ رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة ﴾ قال: يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ﴾ والحنيفية الختام وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات والمناسك ﴿ ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ قال: هو الذي بعث الله به رسوله وشرعه لنفسه ورضيه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ منفكين ﴾ قال: برحين.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ منفكين ﴾ قال: منتهين لم يكونوا ليؤمنوا حتى تبين لهم الحق.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ حتى تأتيهم البينة ﴾ قال: محمد، وفي قوله: ﴿ وذلك دين القيمة ﴾ قال: القيم.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ قال: محمد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عقيل قال: قلت للزهري تزعمون أن الصلاة والزكاة ليسا من الإِيمان فقرأ ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ ترى هذا من الإِيمان أم لا؟.

وأخرج ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: إن قوماً قالوا: إن الصلاة والزكاة ليسا من الدين فقال: أليس يقول الله: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ فالصلاة والزكاة من الدين.

وأخرج عبد بن حميد عن المغيرة قال: كان أبو واثل إذا سئل عن شيء من الإِيمان قرأ ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: أتعجبون من منزلة الملائكة من الله؟

والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك واقرأوا إن شئتم ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «قلت يا رسول الله: من أكرم الخلق على الله؟

قال: يا عائشة أما تقرئين ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ » .

وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليّ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ » فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل عليّ قالوا: جاء خير البرية.

وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً: عليّ خير البرية.

وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين» .

وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم تسمع قول الله: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جئت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجلين» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

(قوله) (١) ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد وما أمروا في التوراة والإنجيل (٢) وقال مقاتل: يقول: وما أمرهم محمد إلا ليعبدوا الله؛ يعني أنه لم يأمرهم إلا بإخلاص العبادة له، فكان من حقهم أن يطيعوه (٣) وقال الفراء في قوله: ﴿ إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ العرب تجعل (اللام) في موضع (أن) في الأمر والإرادة كثيرًا (٤) ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ  ﴾ ، ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا  ﴾ قال في الأمر: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ  ﴾ ، وهي (٥) (٦) (٧) وقوله: ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ قال أبو إسحاق: أي يعبدونه موحدين له، لا يعبدون معه غيره (٨) ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا  ﴾ وقوله: ﴿ حُنَفَاءَ ﴾ قال ابن عباس: على دين إبراهيم (٩) وذكرنا معنى الحنيف والحنفاء فيما تقدم (١٠) قوله تعالى: ﴿ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ .

يعني المكتوبات في أوقاتها.

﴿ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ﴾ عند محلها.

قال أبو إسحاق: المعنى أنهم أمروا مع التوحيد بالإيمان مع النبي -  -، وإقامة شرائعه (١١) ثم ذكر أن ذلك هو الإخلاص فقال (١٢) ﴿ وَذَلِك ﴾ أي ذلك الذي أمروا.

﴿ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ قال ابن عباس: يريد الدين المستقيم (١٣) قال المبرد (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون المعنى: ذلك دين الأمة القيمة بالحق (١٩) وفي القيمة هاهنا قولان: ذكرناهما في قوله: ﴿ كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ : أحدهما: دين الملة القيمة، أي المستقيمة، والآخر ما ذكره أبو إسحاق.

وقال الفراء في قوله: ﴿ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ هو مما (٢٠) (٢١) (٢٢) وهذا لا يجوز عند البصريين (٢٣) ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ (٢٤) ثم ذكر مَاَل الفريقين فقال: (١) ساقط من (ع).

(٢) "معالم التنزيل" 4/ 514، "لباب التأويل" 4/ 399، كما ورد بمثله من غير عزو في: "التفسير الكبير" 32/ 43، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 144.

(٣) "تفسير مقاتل" 246 ب بمعناه.

(٤) في (أ): (كثير).

(٥) في (أ): (وفي).

(٦) قراءة عبد الله شاذة السند لعدم ورودها في كتب التواتر، وهي من باب البيان، وليست القراءة القرآنية.

(٧) "معاني القرآن" 3/ 282.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 350 بنصه.

(٩) "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 144، وورد بمثله عن مجاهد في: "التفسير الكبير" 32/ 46، كما ورد من غير عزو في: "زاد المسير" 8/ 290، و"لباب التأويل" 4/ 399.

(١٠) جاء ذلك في مواضع عدة منها: سورة البقرة: 153، سورة النساء: 135، سورة الأنعام: 79، ومما جاء في تفسير آية 135 البقرة: ﴿ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ وأما معنى الحنيف قال ابن دريد: الحنيف العادل عن دين إلى دين، وبه سمي == الإسلام الحنيفية؛ لأنها مالت عن اليهودية، والنصرانية قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: من أين عرف في الجاهلية الحنيف؟

قال: لأن من عدل عن دين اليهود والنصارى فهو حنيف عندهم، وكان من حج البيت سمي حنيفاً، وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا الحج قالوا: هلموا نتحنف، فالحنيف: المسلم؛ لأنه مال عن دين اليهود والنصارى إلى دين الإسلام، ومنه قيل للميل في القدم: حنف.

وعن أبي زيد أنه قال: الحنيف: المستقيم.

وهذا القول اختيار ابن قتيبة، والرياشي قالا: الحنيفية: الاستقامة على دين إبراهيم.

وأما التفسير فروي عن ابن عباس أنه قال: الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام.

وقال مجاهد: الحنيفية: اتباع الحق، وروي عنه أيضًا: الحنيفية اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إماماً للناس بعده من الحج.

وقيل: الحنيفية: إخلاص الدين لله وحده "البسيط" 1/ 9 أباختصار.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 350 بتصرف.

(١٢) في (أ): (يقال).

(١٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٤) "التفسير الكبير" 32/ 47.

(١٥) ويراد به أحمد بن يحيي ثعلب، وقد ورد قوله في "مجالس ثعلب" 1/ 59، وعبارته: الأمة القيمة.

(١٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٧) في (ع): (فالقيمة).

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 350.

(١٩) المرجع السابق.

(٢٠) في (أ): (ما).

(٢١) في (أ): (لفظه).

(٢٢) "معاني القرآن" 3/ 282.

(٢٣) واحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا بأنه لا يجوز لأن الإضافة إنما يراد بها التعريف، والتخصيص، والشيء لا يتعرف بنفسه، لأنه لو كان فيه تعريف كان مستغنياً عن الإضافة، وإن لم يكن له تعريف كان بإضافته إلى اسمه أبعد من التعريف؛ إذ يستحيل أن يصير شيئاً آخر بإضافتة الله إلى اسمه، فوجب أن لا يجوز؛ كما لو كان لفظهما مُتفقاً.

"الإنصاف" 2/ 437 - 438.

(٢٤) سورة التوبة: 36، سورة يوسف: 40، سورة الروم: 30.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة ﴾ أي ما اختلفوا في نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما علموا أنه حق، ويحتمل أن يريد تفرقهم في دينهم كقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فاختلف فِيهِ ﴾ [فصلت: 45] وإنما خص الذين أوتوا الكتاب بالذكر هنا بعد ذكرهم مع غيرهم في أول السورة؛ لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بما يجدون في كتبهم من ذكره ﴿ وَمَآ أمروا ﴾ الآية: هنا معناها: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بعبادة الله، ولكنهم حرّفوا أو بدّلوا، ويحتمل أن يكون المعنى ما أمروا في القرآن إلا بعبادة الله، فلأيّ شيء ينكرونه ويكفرون به ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد لأن الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك أو ترك الرياء، وذلك أن الإخلاص مطلوب في التوحيد وفي الأعمال، وهذا الإخلاص في التوحيد من الشرك الجلّي، وهذا الإخلاص في الأعمال من الشرك الخفيّ، وهو الرياء.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرياء الشرك الأصغر» وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه إنه تعالى يقول: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشريكه» .

واعلم أن الأعمال ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات، فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها بنية أخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص مقبول، وإن كانت النية لغير وجه الله، من طلب منفعة دنيوية، أو مدح أو غير ذلك فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية مشتركة ففي ذلك تفصيل فيه نظر واحتمال.

وأما المنهيات فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها، ولم يكن له أجر في تركها وإن تركها بنية وجه الله حصل له الخروج عن عهدتها مع الأجر، وأما المباحات كالأكل والنوم والجماع وشبه ذلك فإن فعلها بغير نية لم يكن فيها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قُربَه إذا قصه به وجه الله مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ جمع حنيف وقد ذكر ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة ﴾ تقديره: الملة القيمة، أو الجماعة القيمة وقد فسرنا القيمة ومعناها أن الذي أمروا به من عبادة الله والإخلاص له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة هو دين الإسلام فلأيّ شيء لا يدخلون فيه؟

﴿ البرية ﴾ الخلق لأن الله برأهم وأوجدهم بعد العدم.

وقرأ بالهمز وهو الأصل بالياء وهو تخفيف من المهموز، وهو أكثر استعمالاً عند العرب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ البريئة ﴾ بالهمزة نافع وابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ البينة ﴾ لا ﴿ مطهرة ﴾ ه ك ﴿ قيمة ﴾ ه ك ﴿ البينة ﴾ ه ط ﴿ القيمة ﴾ ه ط ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ البرية ﴾ ه ط ﴿ الصالحات ﴾ ه لا ﴿ البرية ﴾ ه ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ه التفسير: استصعب بعض العلماء ومنهم الواحدي حل هذه الآية لأنه  لم يبين أنهم منفكون عن أي شيء إلا أن الظاهر أنه يريد أنفاكهم عن كفرهم، ثم إنه فسر البينة بالرسول  ومعلوم أن "حتى" لانتهاء الغاية، فالآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول وهذا ينافي قوله ﴿ وما تفرق ﴾ الآية.

والجواب على ما قال صاحب الكشاف، أن هذه حكاية كلام الكفار، وتقديره أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأوثان كانوا يقولون قبل مبعث النبي  : لا ننفك عما نحن فيه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي  الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل وهو محمد  فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه.

ثم قال ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ﴾ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والإنفاق على الحق إذا جاءهم الرسول.

ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر، إلا مجيء الرسول ونظيره من كلام البشر أن يقول الفاسق لمن يعظه: لست بممتنع مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى، فلما رزقه الغنى ازداد فسقاً، فيقول واعظه: لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار يذكره ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً لأن الذي وقع كان خلاف ما ادعى.

وقيل: إن " حتى " للمبالغة فيؤل المعنى إلى قولك مثلاً لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن جاءتهم البينة.

وقال قوم: إنا لا نحمل قوله ﴿ منفكين ﴾ على الكفر بل على كونهم منفكين عن ذكر محمد  بالمناقب والفضائل، ثم لما جاءهم محمد  تفرقوا وقال كل واحد فيه قولاً آخر رديئاً، فتكون الآية كقوله ﴿ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به  ﴾ ولا يبعد في هذا الوجه أن يكون بعضهم قد قال في محمد قولاً حسناً وآمن به لأن التفرق يحصل بأن لا يكون الجميع باقين على حالهم الأولى، فإذا صار بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً على اختلاف طرق الكفر حصل التفرقة.

ولا يبعد أيضاً أن يراد أنهم لم يكونوا منفكين عن اتفاق كلمتهم على كفرهم حتى جاءهم الرسول فحينئذ تفرقوا، وما بقوا على ذلك الائتلاف واضطربت أقوالهم.

وفي قوله ﴿ منفكين ﴾ إشارة إلى هذا لأن انفكاك الشيء هو انفصاله عنه بعد التحامه والتئامه كالعظم إذا انفك عن مفصله، فالمعنى أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد وعن الجزم بصحتها إلا بعد مبعث النبي  .

وقوله ﴿ من أهل الكتاب والمشركين ﴾ بيان للذين كفروا، والمراد أن الكفار فريقان بعضهم أهل الكتاب ومن يجري مجراهم كالمجوس، وبعضهم مشركون وقيل: المشركون هم أهل الكتاب أيضاً، وذلك أن النصارى هم أهل التثليث واليهود أهل التشبيه.

وقد يقول القائل: جاءني العقلاء والظرفاء وأراد قوماً بأعيانهم.

وفائدة الواو أنهم جامعون بين الوصفين، ومما يؤيد هذا الوجه أنه لم يعد إلا ذكر أهل الكتاب في قوله ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ﴾ والأولون اعتذروا عن ذلك بأنهم إنما خصصوا بالذكر لفضلهم وبركة علمهم ولمزيد توبيخهم فإن العصيان والعناد من العالم أقبح، ولعل هذا هو السبب في تقديم ذكرهم أولاً.

والبينة الحجة الواضحة، وإطلاقها على الرسول كإطلاق النور والسراج عليه.

والصحف القراطيس التي يكتب فيها القرآن المطهر من النقائص ومس المحدث إياه، ومعنى تلاوة الصحف إملاؤه إياها.

وعن جعفر الصادق  أنه  كان يقرأ من الكتاب وإن كان لا يكتب ولعل هذا من معجزاته.

والكتب المكتوبات.

والقيمة المستقيمة أو المستقلة بالدلالة من قولهم " قام فلان بأمر كذا ".

وقال أبو مسلم: البينة مطلق الرسل وهم الملائكة أي رسل من السماء يتلون عليهم صحفاً كقوله ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء  ﴾ وكقوله ﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة  ﴾ قال الجبائي: في قوله وما تفرقوا إلا من بعد كذا دلالة على أن الشقاوة والسعادة لم يثبتا في الأزل ولا في أصلاب الآباء.

وزيف بأن المراد ظهور التفرق منهم لا حصوله في علم الله وهو ظاهر.

قوله ﴿ وما أمروا ﴾ أي وما أمروا بما أمروا به في التوراة والإنجيل إلا لأجل أن يعبدوا الله على حالة الإخلاص والميل عن الأديان الباطلة.

فقوله ﴿ حنفاء ﴾ حال مترادفة أو متداخلة ﴿ وذلك دين القيمة ﴾ موصوفها محذوف أي دين الملة القيمة.

ويعلم من هذا الإخبار أن الأمر المذكور ثابت في شرعنا أيضاً كما في شرعهم، ويحتمل أن يراد وما أمروا على لسان محمد  قاله مقاتل.

استدل بالآية من قال: إن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والعمل بيانه أن الله  ذكر العبادة المقرونة بالإخلاص وهو التوحيد، ثم عطف عليه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أشار إلى المجموع بقوله ﴿ وذلك دين القيمة ﴾ ورد بالمنع من أن المشار إليه هو المجموع، ولم لا يجوز أن يكون إشارة إلى التوحيد فقط؟

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد بدين القيمة الدين الكامل المستقل بنفسه وهو أصل الدين ونتائجه وثمراته؟

ثم ذكر وعيد الكفار ووعد الأبرار.

قدم في الوعيد أهل الكتاب على المشركين، والسر فيه بعد ما مر أنه  كان يقدم حق الله على حق نفسه ولهذا حين كسروا رباعيته قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون، وحيث فاتته صلاة العصر يوم الخندق قال: ملأ الله بطونهم وقبورهم ناراً فقال الله  : كما قدمت حقي على حقك فأنا أيضاً أقدم حقك على حقي، فمن ترك الصلاة طول عمره لم يكفر، ومن طعن فيك بوجه يكفر.

ثم إن أهل اكتاب طعنوا فيك فقدمتهم في الوعيد على المشركين الذين طعنوا فيّ، وأيضاً المشركون رأوه صغيراً يتيماً فيما بينهم.

ثم إنه بعد النبوة سفه أحلامهم وكسر أوثانهم وهذا أمر شاق يوجب العداوة الشديدة عند أهل الظاهر.

وأما أهل الكتاب فقد كانوا مقرين بنبي آخر الزمان وكان النبي  مثبتاً لنبيهم وكتابهم فلم يوجب لهم ذلك عداوة شديدة، فطعنهم في محمد  طعن في غير موقعه فاستحقوا التقديم في الوعيد لذلك وكانوا شر البرية، وهذه جملة يطول تفصيلها شر من السراق لأنهم سرقوا من كتاب الله صفة محمد  ، وشر من قطاع الطريق لأنهم قطعوا على سفلتهم طريق الحق، وشر من الجهال لأن العناد أقبح أنواع الكفر، وفيه دلائل على أن وعيد علماء السوء أفظع.

قوله في هذه الآية ﴿ خالدين فيها ﴾ وفي آية الوعد ﴿ خالدين فيها أبداً ﴾ إشارة إلى كمال كرمه وسعة رحمته كما قال " سبقت رحمتي غضبي " قال العلماء: هذه الآية مخصوصة في صورتين إحداهما أن من تاب منهم وأسلم خرج من الوعيد، والثانية أن من مضى من الكفرة ويجوز أن لا يدخل فيها لأن فرعون كان شراً منهم.

قوله ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ مقابلة الجمع بالجمع فلا مكلف يأتي بجميع الصالحات بل لكل مكلف حظ.

فحظ الغني الإعطاء وحظ الفقير الأخذ.

احتج بعضهم بقوله ﴿ أولئك هم خير البرية ﴾ على تفضيل البشر على الملك قالوا: روى أبو هريرة أنه  قال: " أتعجبون من منزلة الملائكة من الله والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من ذلك وقرأ هذه الآية " أجاب المنكرون بأن الملك أيضاً داخل في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو المراد بالبرية بنو آدم لأن اشتقاقها من البرإ وهو التراب لا من برأ الله الخلق، وتمام البحث في المسألة قد سبق في أول البقرة.

قوله ﴿ ذلك لمن خشي ربه ﴾ مع قوله ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ ظاهر في أن العلماء بالله هم خير البرية اللهم اجعلنا منهم والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ : ذكر في حق أهل الكتاب: ﴿ لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ بحرف ﴿ مِنْ ﴾ ، وهو للتبعيض، ولم يقل: "أهل الكتاب"، وذكر في حق أهل الشرك: ﴿ وَٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ لأن أهل الكتاب كانوا فرقا: منهم من كان آمن برسول الله  من قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، ومنه من كان كافراً به، فلما بعث آمن به، فلزم الإيمان به، ومنه من كان كافرا به، فلما بعث، وأرسل، لزم الكفر به، ولم يؤمن، فلما كانوا أصنافا وفرقا؛ لذلك قال: ﴿ لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ بحف "من".

وأما المشركون: فإنهم كانوا صنفا واحدا، ثم لم يبين: أنهم إذا أتاهم البينة ينفكون أو لا؟.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَكُنِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ ، أي: لم يكن بعض أهل الكتاب وبعض المشركين منفكين من الكفر؛ لأنه عطف المشركين على أهل الكتاب؛ كأنه قال: من أهل الكتاب ومن المشركين؛ ولذلك خفض المشركين، ولم يقل: "والمشركون"، بل كانوا أهل كفر وشرك إلى آخر عمره، وإن أتتهم البينة، والبينة: هي ما خفي خلقه كل أحد مما يدل على ألوهيته ووحدانيته.

ويحتمل أن بعضا من الفريقين على الشرك حتى تأتيهم البينة، وهي معاينة العذاب عند الموت؛ كقوله -  -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا...

 ﴾ ، ونحو ذلك.

وذكر في حرف ابن مسعود -  -: (لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين)، وفي حرف أبي: "ما كان الذين أشركوا من أهل الكتاب والمشركين).

ثم اختلف في قوله - عز وجل -: ﴿ مُنفَكِّينَ ﴾ : قال بعضهم: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منتهين، زائلين عن الكفر والشرك حتى تأتيهم البينة.

وقال بعضهم: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين خارجين من الدنيا حتى تأتيهم البينة.

ثم اختلفوا في البينة التي ذكر أنها تأتيهم: قال بعضهم: البينة رسول الله  ؛ حيث قال على أثره: ﴿ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ﴾ .

وقال بعضهم: ما جاء به رسول الله  ، وهو القرآن، وما جاء به محمد [رسول الله  ] من الحجج: فمن جعل قوله: ﴿ مُنفَكِّينَ ﴾ : منتهين، زائلين، يجعل البينة: رسول الله  ، ورسول الله -  - [سمى] بينة؛ لأنه به يعرف [كل] خير وكل إحسان، وبه يتبين الحق من الباطل، وكل شيء من أمر المعاد والمعاش، وكذلك القرآن جاء به.

ومن قال: ﴿ مُنفَكِّينَ ﴾ : خارجين من الدنيا: يجعل البينة التي ذكر أنها تأتيهم: العذاب معاينة جهارا؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ...

 ﴾ ، أي: خارجين من الدنيا؛ حتى يعلموا العذاب؛ فعند ذلك يؤمنون.

وقوله - عزو جل -: ﴿ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ﴾ : على التأويل الأول في البينة يكون ما ذكر من قوله: ﴿ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ تفسيرا للبينة.

وعلى الثاني يخرج على الابتداء، يقول: رسول الله  يتلو صحفا مطهرة.

ثم جائز أن يكون سمى القرآن وحده: صفحا؛ على المبالغة؛ إذ قد يسمى الواحد باسم الجميع على المبالغة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَتْلُواْ صُحُفاً ﴾ : القرآن، وسائر الصحف؛ لأن سائر الصحف فيه.

وكذلك: ﴿ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ ، جائز أن يكون سمى كتابه المنزل على رسول الله  : كتبا؛ على الإبلاغ، والتأكيد؛ على ما ذكرنا.

وجائز أن يكون: يتلو صفحا وكتبا عليهم، وهي التوراة والإنجيل والزبور، كأن هذا القرآن في تلك الكتاب، وتلك الكتب في هذا، وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ  صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ  ﴾ أخبر أنه في تلك الكتب، وأن الكتب الأولى فيه؛ فيصير بتلاوة هذا عليهم كأنه [تلا] تلك الكتب عليهم، وعلى هذا قوله -  -: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي...

 ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ...

 ﴾ ، وقوله عز وجل -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ...

 ﴾ ففى هذا ما في تلك الكتب.

وقال بعضهم: ﴿ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ﴾ : التي كانت في أيدي السفرة البررة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّطَهَّرَةً ﴾ ، يحتمل: مطهرة من أن يكون للباطل فيها حجة أو مدخل.

أو مطهرة من الافتعال والافتراء.

أو مطهرة من أن تحتمل ما ذكره أولئك الكفرة.

وقال قتادة: سمى كتابه بأحسن الأسماء، وأثنى عليه بأحسن الثناء، سماه: نورا، وهدى، ورحمة، وبركة، وآية شفاء، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَيِّمَةٌ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: فيها كتب صادقة.

وقال بعضهم: عادلة.

قال غيرهم: مستقيمة على ما توجبه الحكمة.

وجائز أن يكون قوله -  -: ﴿ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ ، أي: أحكام كثيرة مستقيمة؛ على ما توجبه الشريعة والحكمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ : يقول أهل التأويل: إنما تفرقوا من بعد ما جاءتهم البينة، وهو محمد  .

وقال أبو بكر: هذا التأويل: خطأ؛ لأنهم كانوا متفرقين قبل ذلك؛ فلا معنى لهذا.

وعندنا: ليس كما توهم هو، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: وما تفرقوا في محمد  إلا من بعد ما جاءم العلم به، عند ذلك تفرقوا فيه، فأما قبل ذلك، كانوا مجتمعين فيه كلهم.

أو ما تفرقوا في الدين والمذهب إ لا من بعد ما جاءتهم البينة، أي: عن بيان وعلم تفرقوا في الدين، وفيما تفرقوا فيه، وهو ما جعل في خلقه كل أحد دلالة التوحيد والربوبية له ما لو تفكروا، لعرفوا بأن الله -  - واحد، والبينة تحتمل من هذا الموضع رسول الله  والقرآن، ونفس الخلقة على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : أي: ما أمروا إلا ليجعلوا الألوهية لله والوحدانية له.

ودل قوله: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ على أن تأويل - قوله -  : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ على إضمار الأمر، أي: إلا ليأمرهم بالعبادة على كل حال؛ لأنه لو خلقهم للعبادة ما قدروا [على] غيره.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ على الخصوص، خلق من علم أنه يعبده للعبادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : إخلاص الدين له يخرج على وجهينن: أحدهما: أن يخلص له الدين، ويصفي، لا يشرك فيه غيره، ويكون من خلوصه وصفائه.

والثاني: الدين الخالص هو الدائم، كقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً...

 ﴾ ، أي: دائما.

وكذلك يحتمل قوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ...

 ﴾ .

وقوله: ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ : قل أهل التأويل: المسلمونز وقال بعضهم: حنفاء: متبعين، والحنف: الميل كأنه قال: مائلين إلى الإسلام.

وقل: ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ : الحجاج.

وقيل: الحنف: المستقيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ : يحتمل القبول، أي: قبلوا إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ  ﴾ ، أي: تابوا، وقبلوا ذلك، ليسي على حقيقة الإقامة.

ويحتمل [أن يكون] حقيقة الإقامة والإيتاء، وأيهما كان، ففيه أن أوائلهم كانوا مأمورين بالصلاة والزكاة.

ثم المعنى الذي في الصلاة والزكاة لا يحتمل النسخ في وقت من الأوقات؛ لأن الصلاة معناها: هو الاستسلام، والخضوع له، والزكاة: هي تزكية النفس وطهارتها، وذلك لا يحتمل النسخ أصلا.

ثم قال: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ ﴾ والدني مذكر، والقيمة مؤنث؛ فجائز أن يكون الذي ذكر هو الملة القيمة، ويحتمل دين الأمة القيمة، وهو قول الزجاج.

أو يقول: ذلك الذي قومته الحجج والبراهين، أضيف إلى الحجج.

وجائز أن يكون ذكر القَيِّمة، على التسوية بين ما سبق وما تقدم من أواخر الآي، من قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ ، و ﴿ مُّطَهَّرَةً ﴾ ، و ﴿ كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ ، ثم قال على ذلك: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ ﴾ ، تسوية بين ما تقدم وما تأخر من قوله: ﴿ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ ﴾ ، و ﴿ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ ﴾ .

وفي حرف أبي: (ذلك الدين القيم) بغير هاء.

وفي قوله -  -: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ - وجهان: أحدهما: تحذير لهذه الأمة؛ لئلا يتفرقوا كما تفرق أولئك في رسول الله  ، وفيما جاء به.

والثاني: يكونون أبدا فزعين إلى الله -  - في كل وقت، خائفين منه، وألا يكلوا إلى البيان الذي جاءهم؛ فيتفرقوا كما تفرق أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ .

ظاهر هذا أن يكون تأويل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، أي: بعض المشركين في النار، لا كل المشركين، ولكن من كفر من المشركين، كان كمن كفر من أهل الكتاب في نار جهنم، لكن الكفر هو الشرك، والشرك هو الكفر؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ...

 ﴾ ؛ فدل أن الكفر والشرك واحد؛ فكل كافر مشرك؛ فكانه قال: إن الذين أشركوا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية.

ثم جاء كل هذا التشديد لهؤلاء؛ لأن أهل الكتاب ادعوا أنه من نسل الأنبياء، ثم تركوا اتباعهم، والمشركون قد ﴿ ...وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ...

 ﴾ ، [ثم] نفضوا ذلك العهد.

وأهل الكتاب قالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ، فتركوا اتباع الصالحين من آبائهم.

والعرب - أيضا - كانوا أقرب إلى رسول الله  من غيره؛ فحقه عليهم ألزم وأوجب؛ فشدد على هؤلاء لهذا لمعنى.

ثم إ ن كان البرية مأخوذاً مقدرا من البري وهو التراب، ويرجع تأويل الآية إلى البشر؛ كأنه قال: أولئك هم شر ما أنشئ من الأرض.

وإن كان مأخوذا مقدرا من البرا وهو الخلق؛ فيصر كأنه قال: أولئك هم شر ما خلقوا؛ فيدخل في ذلك الملائكة والجن والبشر، وفي الأول لا يدخل إلا البشر خاصة.

وكذلك ما ذكر من أهل الإيمان؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ ﴾ : فإن كان البرية مأخوذا من البرى، فهو يرجع إلى الأصناف جميعا، وإن كان من البري - وهو التراب - فهو يرجع إلى البشر خاصة؛ فيصير كأنه قال: شر أهل البشر من جنسهم، وخير أهل الخير من جنسهم؛ لأنهم صاورا قادة في الهدى والخير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ : فإن كان العدن هو المقام، فجميع الجنان عدن، وجميع الجنان نعيم.

ثم قد قسم الخلق صنفين: صنفا جعله شر البرية، وصنفا جعله خير البرية، ثم يكون [من] كل صنف شر من شر، وخير من خير، وسوى بين من نشأ على الكفر، ودوام عليه في التأييد والتخليد وبين من أحدث الكفر في آخر عمره، وكذلك من دام على الإيمان، ومن أحدث سوى بينهما، ولم يجعل لما مضى من الكفر والإيمان جزاء ولا عقابا؛ وذلك - والله أعلم - هو أن من اعتقد إيمانا إنما يعتقده للأبد، وكذلك من يعتقد الكفر، إنما يعتقده للأبد، فإذا أحدث الإيمان بعد الكفر اعتقد قبح ما عمل في حال كفره وشره، وحسن ما أحدث من الإيمان والتوحيد، وكذلك من أحدث الكفر بعد الإيمان، اعتقد فساد مع ما عمل في حال إيمانه؛ لذلك سوى بين أحدث، وبين من دام عليه، وليس [كمن يذنب] في وقت، ويتوب في وقت؛ لأنه ليس يعتقد حسن ذلك، ولا قبحه في الأبد، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقول:  م، بعملهم الذي عملوا لأنفسهم، وسيعهم الذي سعوا في الدنيا لهم؛ رضي سعيهم لهم، ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ ، أي: رضوا هم عنه بما أكرمهم، ووفقهم للأعمال التي عملوا لأنفسهم في الدنيا، وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ  ﴾ ، أي: إن قبلوا ما أحسن إليهم، وأحسنوا صحبة إحسانه إليهم يرضى ذلك لهم.

وهذا يدل أن ما يعملون من خير أو شر إنما يعملون لأنفسهم، ولمنفعة ترجع إليهم، أو مضرة تندفع عنهم.

والثاني: ﴿ رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ بما أكرمهم من الثواب لأعمالهم التي عملوا لأنسهم، ورضوا عنه بكرامته التي أكرمهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ هذا منه إفضال وإنعام؛ حيث ذكر رضاه عنهم، وإن ذكر العفو والتجاوز كان حقا، ولكن هذا كما ذكر من لطيف معاملته عباده؛ حيث سمى ما ادخروا من وقت حاجتهم إليه: قرضا؛ حيث قال: ﴿ ...وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...

 ﴾ ، وسمى بذلهم أنفسهم وأموالهم سرّاً، وما يعملون لأنفسهم - جزاء وشكرا، وأموالهم وأنفسهم في الحقيقة له، ولكن سمى بالذي ذكرنا؛ لطفا منه وفضلا؛ فعلى ذلك ما ذكر من رضاه عنهم به، وكذلك قوله: ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ ذكر رضاهم عنه بفضله ولطفه، وإلا من هم حتى يذكر منهم الرضا عن الله  ؟!.

ثم هو يخرج على وجهين سوى ما ذكرنا: أحدهما: رضوا عنه بما امتحنهم في الدنيا بالمجن الشديدة العظيمة، وإن اشتدت تلك، وثقلت على أنفسهم إذا رأوا إحسان الله -  - وفضله في الآخرة.

والثاني: رضوا عنه بالنعم التي أكرمهم في الجنة، ﴿ ...لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  ﴾ ، ولا يريدون غيرها، ولا يملون على ما يملون في الدنيا.

قال أبو عوسجة: ﴿ مُنفَكِّينَ ﴾ ، أي: لا يزالون على هذه الحال، يقول الرجل: ما انفككت أفعل كذا وكذا، أي: ما زلت أفعل كذا وكذا.

وقال القتبي وأبو عبيد وغيرهما: المنفكين: زائلين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ : أي: الذي ذكر من الجزاء لمن خشي نقمته، أو خشي سو صحبة نعمه، وأصله أن من اجتنب المعاصي وعمل بالطاعات، فإنما يفعل ذلك؛ لخشية ربه -  - وكل من [كان] أعلم بربه فهو أخشى لربه  ، ومن [كان] أجهل به فهو أجرأ؛ قال الله -  -: ﴿ ...إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ...

 ﴾ .

وقال الحسن: الخشية: هي الخوف اللازم في القلب الدائم فيه، أو خشي خلافه وكفران نعمه، والله أعلم، [والحمد لله رب العالمين].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويظهر جرم وعناد اليهود والنصارى أنهم ما أمروا في هذا القرآن إلا بما أمروا به في كتابيهم من عبادة الله وحده، ومجانبة الشرك، وإقامة الصلاة وإعطاء الزكاة، فما أمروا به هو الدين المستقيم الَّذي لا اعوجاج فيه.

من فوائد الآيات فضل ليلة القدر على سائر ليالي العام.

الإخلاص في العبادة من شروط قَبولها.

الكفار شر الخليقة، والمؤمنون خيرها.

اتفاق الشرائع في الأصول مَدعاة لقبول الرسالة.

<div class="verse-tafsir" id="91.yNxbw"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه السورة مدنية على أرجح الأقوال.

كان الكثير الأغلب من أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمشركين من العرب في ظلام من الجهل بما يجب الاعتقاد به والعمل عليه من شرائع أنبيائهم وسلفهم، وذلك لاعتمادهم -فيما يعتقدون وما يعملون- على تقليد آبائهم.

وقد كان فيمن تقدم منهم من أدخل على الشرائع كثيرًا مما ليس منها: إما بسوء الفهم وإما للعناد لإفحام الخصم، وإما باستحسان عقولهم ضروبًا من البدع يتوهمونها مؤيدة للدين مفخمة لأمره، وهي من أشد الأشياء ضررًا بالدين، ثم جاء من بعدهم يزيد على ما وضعوه إلى أن خفي الحق في الظلام الباطل، ولم يزالوا كذلك إلى أن جاء النبي  ، فأخذت صيحته تشق تلك القبور، ويده الكريمة ترفع تلك الستور، فيسري شعاع من ضوء الحق الذي جاء به من خلال تلك الحجب إلى ما وراءها من أعماق الضمائر، فإذا أحسوا ببصيصه فرح به طلاب الحقائق في تلك الظلم، وأزاحوا عن أبصارهم غطاء الشبهة، ومثلوا بين يدي الداعي  ملبين دعوته طالبين هدايته.

أما أهل العناد منهم فيقع الزلزال في اعتقادهم، ويضعف حبل تقليدهم، ولكنهم يثبتون في ضلالهم، ويقولون لأنفسهم ولإخوانهم: هذا الذي يقوله الداعي ليس بالشيء الجديد، ولم يترك شيئًا للآخر.

وجميع ما يدعونا إليه كان معروفًا لنا، مذكورًا في كتبنا، واردًا في قول أسلافنا، ولو لم يأت به لعرفناه واهتدينا إليه مما عندنا، ولكن ما نحن فيه خير مما يدعو إليه.

وينسجون من أوهامهم ما يبيعونه على الجهال، كما هي عادة أمثالهم في كل زمان.

ففي الرد على مزاعم هؤلاء الكافرين الجاحدين الذين يجدون لامع الحق فيعرفونه، ثم يغمضون عيونهم عن النظر إليه، نزلت هذه السورة، فيقول الله ﴿ لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ وجحدوا نبوتك بعنادهم بعدما تبينوا الحق منها.

(من أهل الكتاب) اليهود والنصارى والصابئين الذين عرفوك وسمعوا أدلتك وشهدوا آياتك -لم يكونوا هم (والمشركين) أي وثنيي العرب، (منفكين) عن غفلتهم وجهلهم بالحق، ووقوفهم عندما قلدوا فيه آباءهم، لا يعرفون من الحق شيئًا (حتى تأتيهم البينة ): أي الحجة القاطعة المثبتة للمدعي، وهي هنا النبي  .

فمجيئه هو الذي أحدث هذه الرجة فيما رسخ من عقائدهم، وتمكن من عوائدهم، حتى أخذوا يحتجون لعنادهم ومناكرتهم بأنه كان شيئًا معروفًا لهم يصلون إليه بما كان لديهم، ولكنه ليس بمستحق أن يتبع، فإن ما هم فيه أجمل وأبدع، ومتابعة الآباء فيه أشهى إلى النفوس أمتع.

تلك البينة التي تعرفهم وجه الحق هي (رسول من الله) محمد  (يتلو صحفًا مطهرة) هي صحف القرآن وهي مطهرة من الخلط وحشو المدلسين، فلهذا تنبعث منها أشعة الحق حتى يعرفه طالبوه ومنكروه معًا.

وتلاوتها: تلاوة ما فيها.

تقول حفظت الصحيفة أو حفظت المصحف، والمعنى حفظت ما فيه.

والنبي  -وإن كان أُميًا- فقد كان يتلو الكلام المكتوب في تلك الصحف، هذه الصحف (فيها كتب قيمة ): القيمة المستقيمة التي لا عوج فيها.

واستقامة الكتب: اشتمالها على الحق الذي لا يميل إلى باطل ﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ .

والكتب التي في صحف القرآن ومصاحفه إما أن تكون هي ما صح من كتب الأولين: كموسى وعيسى وغيرهما، مما حكاه الله في كتابه عنهم، فإنه لم يأت منها إلا بما هو قويم سليم وقد ترك حكاية ما لبس فيه الملبسون إلا أن يكون ذكره لبيان بطلانه، ولهذا لم يجد الجاحدون لرسالته  من أهل الكتاب سبيلًا إلى إنكار الحق، وإنما فضلوا عليه سواه، أو هي سور القرآن، فإن كل سورة كتاب قويم.

فصحف القرآن أو صحائفه وأوراق مصحفه تحتوي على سور من القرآن هي كتب قيمة.

ولما كان لسائل أن يسأل: إذا كان هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين قد انفكوا عن ذلك الظلام المطبق، وبدا لهم من الحق ما عرفوه كما يعرفون أبناءهم، فما بالهم لم يؤمنوا بهذا الحق الذي جاءهم؟

أجاب الحق بأن أهل الكتاب قد جاءتهم البينة والحجة القاطعة على الحق الذي لا يختلف وجهه بما أوحى الله به إلى أنبيائهم، وكان من حقهم أن يسترشدوا بكتبهم في معرفة سبيله حتى لا ينحرفوا عنه، فإذا عرض لأحدهم شبهة رجع في كشفها إلى العارف بمعاني الكتب، ثم كان عليهم أن يحرصوا على تعلم معانيها وفهم أساليبها ويحافظوا عليها حتى لا يضللهم فيها مضلل ..

لكن هذه البينة لم تفدهم شيئًا، فإنهم اختلفوا في التأويل، وتفرقوا في المذاهب، حتى صار أهل كل مذهب يبطل ما عند أهل المذهب الآخر، وكان ذلك بغيًا منهم، واستمرارًا في المراء، وإصرارًا على ما قاد إليه الهوى.

وهذا هو قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ  ﴾ على ألسنة أنبيائهم.

فهكذا كان شأنهم في النبي  : جحدوا بينته -كما جحدوا بينة أنبيائهم- بتفرقهم فيها، وبعدهم بالتفرق عن حقيقتها.

فإن كان هذا شأن أهل الكتاب في بينتهم وبينتنا، فما ظنك بالمشركين، وهم أعرق في الجهالة، وأسلس قيادًا للهوى منهم؟

يقول الله على أهل الكتاب: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ  ﴾ .

والواو في قوله: ﴿ وَمَا أُمِرُوا  ﴾ إلخ للحال ومعنى (أمروا): أي بلغت إليهم أوامر، ووضعت لهم شرائع وأحكام.

والدين هو إذعان النفس لإلهها مع الخضوع له وامتثال أوامره فيما يطلب منها، وإخلاص الدين لله تنقيته من أن يشركه فيه شيء بلا واسطة، ولا مال، ولا كرامة، ولا جاه.

والحنفاء: جمع حنيف، وهو من يتبع إبراهيم  أو من يكون على مثاله.

والأصل في معني الحنيف المائل المنحرف.

ولما كان الناس في زمن إبراهيم على وثنية واحدة، وفارقهم إبراهيم إلى التوحيد وحده قيل فيه: حنيف، أي مائل عن الناس كافة.

ولما كان العرب قبل النبوة يزعمون أنهم على دين إبراهيم لقبوا بالحنفاء، مع ما خلطوا في دينهم، وأدخلوا عليه من عقائد الوثنية وعوائدها، وخفي هذا على كثير من الناس فظنوا أن الحنيف معناه الوثني، وليس الأمر كما يظنون.

وإقامة الصلاة: الإتيان بها لإحضار القلب هيبة المعبود وترويضه بالخشوع، لا أن تكون مجرد حركات ظاهرة، فإن ذلك ليس من الصلاة في شيء البتة.

وإيتاء الزكاة: صرفها في مصارفها التي عينها الله.

وهذا هو دين الكتب القيمة أو دين الأمة القيمة المستقيمة.

ومعنى الآية إن أهل الكتاب قد افترقوا، ولعنت كل فرقة أختها، وكان افتراقهم في العقائد والأحكام وفروع الشريعة، مع أنها لم يؤمروا ولم توضع لهم تلك الأحكام إلا لأجل أن يعبدوا الله، ويخلصوا له عقائدهم وأعمالهم، فلا يأخذونها إلا عنه مباشرة لا يقلدون فيها أبًا ولا رئيسًا، وإنما يحصلون من العلم ما يؤهلهم لفهمها، مائلين في ذلك عما عليه أهل الضلال من الأمم الأخرى، وأن يخشعوا لله في صلاتهم، وأن يصلوا عباد الله بزكاتهم.

فإذا كان هذا هو الأصل الذي يرجع إليه في الأوامر، فما كان عليهم إلا أن يجعلوه نصب أعينهم، فيردوا إليه كل ما يعرض لهم من المسائل، ويحلوا به كل ما يعترض أمامهم من المشاكل.

ومتى تحكم الإخلاص في الأنفس تسلط الإنصاف عليها فسادت فيها الوحدة، ولم تطرق طرقها الفرقة.

هذا ما نعاه الله من حال أهل الكتاب.

فما نقول فيه حالنا؟

أفما ينعاه كتابنا الشاهد علينا بسوء أعمالنا في افتراقنا في الدين، وأن صرنا فيه شيعًا، وملأناه محدثات وبدعًا؟!

بهذا الذي تقدم عرفت أن الذين كفروا هم الذين أنكروا رسالة النبي  عند دعوتهم إلى قبول ما جاء به، وأن (من) في قوله: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ للتبعيض، وأن معنى لم يكونوا منفكين، أي لم يكن وجه الحق لينكشف لهم فيقع الزلزال في عقائدهم: فينفكوا عن الغفلة المحضة التي كانوا فيها حتى تأتيهم البينة.

ويجوز أن يكون المراد من الذين كفروا -والله أعلم- أولئك الذين جحدوا شيئًا من دين الله تعالى عندما جاءهم، ولم ينظروا في دليله، أو أعرضوا عنه -بعدما عرفوا دليله- سواء كانوا من مشركي العرب أو من أهل الكتاب، وإن آمنوا بعد ذلك وصدقوا.

فأراد الله أن يذكر منته على من آمن من هؤلاء، فبيّن أن الذين كفروا -أي جحدوا ما أوجب الله على عباده أن يعتقدوه عنه من صفاته وشرائعه من أهل الكتاب ومشكي العرب- لم يكونوا براجعين عن كفرهم وجحودهم هذا حتى يأتيهم الرسول فيبين لهم بطلان ما كانوا عليه من الكفر فيؤمنوا.

فما أعظم فضل الله عليهم في إرسال رسوله إليهم!

وهذا وجه آخر غير الذي قدمناه في معنى الذين كفروا وانفكاكهم.

وبذلك أو هذا ظهر معنى حتى، وبطل جميع ما يهذي به كثير من المفسرين الذين أضلهم التقليد عن الرأي السديد، فصعبوا من القرآن سهله، وحرموا من فهمه أهله.

(نار جهنم): هي دار العذاب في الآخرة، وهي نار يجب علينا الإيمان بها، والتصديق بأن العذاب فيها أشد من العذاي في نار الدنيا، كما يجب علينا أن لا نبحث في حقيقتها، ولا بم تتقد، ولا أين يكون موضعها، فذلك مما لا يمكن لعقولنا أن تصل إليه، وليس بمحال عقلي حتى نحتاج فيه إلى تأويل.

(خالدين فيها): أي لا يخرجون منها أبدًا.

(أولئك)هؤلاء الذين كفروا وجحدوا الحق، بعدما عرضت عليهم حجته، وظهرت لهم حقيقته.

(هم شر البرية): أي شر الخليقة.

أي هم أقبح وأسوأ ما خلق الله حالًا لأن منكر الحق بعد معرفته، وقيام الدليل عليه، منكر في الحقيقة لعقل نفسه، مهلك لروحه، جالب الهلاك إلى غيره.

(الذين آمنوا) هم الذين سطع لهم نور الدليل، فاهتدوا به، وأذعنوا لما دل عليه، فصدقوا من جاء به، وهو النبي  (وعملوا الصالحات) لأن إذعانهم الصحيح، ووجدانهم لذة معرفة الحق ملَّكت الحق قيادهم فعملوا الأعمال الصالحة: من بذل النفس في سبيل الجهاد للحق، وبذل المال في أعمال البر مع القيام بفرائض العبادات والإخلاص في سائر ضروب المعاملات.

(أولئك هم خير البرية): أي هؤلاء المؤمنون الصالحون المحسنون هم أفضل الخليقة، لأنهم بمتابعة الحق -عند معرفته بالدليل القائم عليه- قد حققوا لأنفسهم معنى الإنسانية التي شرفهم الله بها، وبالعمل الصالح قد حفظوا نظام الفضيلة الذي جعله الله قوام الوجود الإنساني، وهدوا غيرهم حسن الأسوة إلى مثل ما هدوا إليه من الخير والسعادة، فمن يكون أفضل منهم؟!

(جنات عدن تجري من تحتها الانهار): الجنات هي مغراس الأشجار النضرة.

والعدن: الإقامة، والأنهار: جمع نهر، وهو جدول الماء العظيم.

والمراد منها ههنا دار النعيم في الحياة الآخرة، وهي كذلك مما يجب علينا الاعتقاد به، وأن النعيم واللذة فيها أكمل وأوفر من جميع لذائذ الدنيا، وأنها دار خلد: أي أن من دخلها من أهلها لا يخرج منها أبدًا.

وهو معنى (خالدين فيها أبدًا).

ولا يجوز لنا البحث في حقيقتها ولا أين موضعها، ولا كيفية التمتع فيها، فإن ذلك لا يعلمه إلا الله.

(رضي الله عنهم) لأنهم لم يخرجوا عن حدود شريعته، ولم يهملوا العمل بسنته.

ورضا الله: تفضله وإحسانه.

(ورضوا عنه) لأنهم يحمدون صنيعه فيهم، وإحسانه إليهم بسعادة الدارين.

فإنهم -بحسن يقينهم- يرتاحون إلى امتثال ما يأمر به في الدنيا، فهم راضون عنه.

ثم إذا ذهبوا إلى نعيم الآخرة وجدوا من فضل الله ما لا محل للسخط معه، فهم راضون عن الله في كل حال.

(ذلك لمن خشي ربه): أي هذا الجزاء الحسن، وهذا الرضا، إنما هو لمن كان قلبه بيتًا لخشية ربه والخوف منه.

أراد بهذه الكلمة الرفيعة الاحتياط لدفع سوء الفهم الذي وقع، ولا يزال يقع فيه العامة من الناس، بل الخاصة كذلك، وهو أن مجرد الاعتقاد بالوراثة، وتقليد الأبوين، ومعرفة ظواهر بعض الأحكام، وأداء بعض بعض العبادات: كحركات الصلاة، وإمساك الصوم ..

مجرد هذا يكفي في نيل ما أعد الله من الجزاء للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وإن كانت قلوبهم حشوها الحسد والحقد والكبرياء والرياء، وأفواههم ملؤها الكذب والنميمة والافتراء، وتهز أعطافهم رياح العجب والخيلاء، وسرائرهم مسكن العبودية والرق للأمراء -بل ولمن دون الأمراء- خالية من أقل مراتب الخشوع والإخلاص لرب الأرض والسماء!

كلا ..

لا ينالون حسن الجزاء.

فإن خشية ربهم لم تحل قلوبهم، ولهذا لم تهذب من نفوسهم، ولا يكون ذلك الجزاء إلا لمن خشي ربه، وأشعر خوفه قلبه ..

والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد