الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٥٤
الحديث رقم ١٥٥٤ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الإهلال مستقبل القبلة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٥٥٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَسُولَ اللَّهِ فَعَلَ ذَلِكَ. تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ فِي الْغَسْلِ.
[الحديث ١٥٥٣ - أطرافه في: ١٥٥٤، ١٥٧٣، ١٥٧٤]
١٥٥٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ الْحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْكَبُ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) زَادَ الْمُسْتَمْلِي: الْغَدَاةَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، لَا إِسْمَاعِيلُ الْقَطِيعِيُّ. وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، وَقَالَ: ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَا رِوَايَةٍ.
قَوْلُهُ: (إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ)؛ أَيْ صَلَّى الصُّبْحَ بِوَقْتِ الْغَدَاةِ. وَلِلْكُشمِيهنِيِّ: إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ؛ أَيِ الصُّبْحَ.
قَوْلُهُ: (فَرُحِلَتْ) بِتَخْفِيفِ الْحَاءِ.
قَوْلُهُ: (اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا)؛ أَيْ مُسْتَوِيًا عَلَى نَاقَتِهِ، أَوْ وَصَفَهُ بِالْقِيَامِ لِقِيَامِ نَاقَتِهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِلَفْظِ: فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً. وَفَهِمَ الدَّاوُدِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا؛ أَيْ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: فِي السِّيَاقِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا؛ أَيْ فَصَلَّى صَلَاةَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ رَكِبَ. حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ مَا فِي الْأَصْلِ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ لِقُرْبِ إِهْلَالِهِ مِنَ الصَّلَاةِ، انْتَهَى. وَلَا حَاجَةَ إِلَى دَعْوَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، بَلْ صَلَاةُ الْإِحْرَامِ لَمْ تُذْكَرْ هُنَا، والِاسْتِقْبَالُ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الرُّكُوبِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمًا أَهَلَّ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُمْسِكُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْحَرَمِ الْمَسْجِدَ، وَالْمُرَادُ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ التَّلْبِيَةِ التَّشَاغُلُ بِغَيْرِهَا مِنَ الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ لَا تَرْكُهَا أَصْلًا، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُلَبِّي فِي طَوَافِهِ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ، وَيُرَاجِعُهَا بَعْدَ مَا يَقْضِي طَوَافَهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْحَرَمِ مِنًى، يَعْنِي فَيُوَافِقُ الْجُمْهُورَ فِي اسْتِمْرَارِ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ: إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ، وَالْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرَمِ ظَاهِرُهُ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى، فَجَعَلَ غَايَةَ الْإِمْسَاكِ الْوُصُولُ إِلَى ذِي طُوًى، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِمْسَاكِ تَرْكُ تَكْرَارِ التَّلْبِيَةِ وَمُوَاظَبَتِهَا وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا الَّذِي يُفْعَلُ فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ لَا تَرْكُ التَّلْبِيَةِ رَأْسًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (ذَا طُوًى) بِضَمِّ الطَّاءِ وَبِفَتْحِهَا - وَقَيَّدَهَا الْأَصِيلِيُّ بِكَسْرِهَا: وَادٍ مَعْرُوفٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ، وَيُعْرَفُ الْيَوْمَ بِبِئْرِ الزَّاهِرِ، وَهُوَ مَقْصُورٌ مُنَوَّنٌ، وَقَدْ لَا يُنَوَّنُ. وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: حَتَّى إِذَا حَاذَى طُوًى؛ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَفَتْحِ الذَّالِ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ اسْمَ الْمَوْضِعِ ذُو طُوًى لَا طُوًى فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَزَعَمَ) هُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الزَّعْمِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ، وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ بِلَفْظِ: وَيُحَدِّثُ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ فِي الْغُسْلِ)؛ أَيْ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمُتَابَعَةَ وَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ بِهِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ فِيهِ عَلَى الْغُسْلِ، بَلْ ذَكَرَهُ كُلَّهُ إِلَّا الْقِصَّةَ الْأُولَى، وَأَوَّلُهُ: كَانَ إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(تَابَعَهُ) أي: تابع عبدَ الوارث (إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (فِي الغَسْلِ) بفتح الغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «في الغُسل» بضمِّها، أي: وغيره، لكن من غير مقصود التَّرجمة لأنَّ هذه المتابعة وصلها المؤلِّف بعد أبوابٍ [خ¦١٥٧٣]: عن يعقوب بن إبراهيم قال: حدَّثنا ابن عليَّة به، ولم يقتصر على الغسل، بل ذكره كلَّه إلَّا القصَّة الأولى، وأوَّله: «كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التَّلبية» والباقي مثله، نبَّه عليه (١) في «الفتح»، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فإذا استوت به استقبل القبلة»، والله أعلم.
١٥٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) بن حمَّادٍ (أَبُو الرَّبِيعِ) العتكيُّ الزَّهرانيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ مُصغَّرًا، ابن سليمان الخزاعيُّ المدنيُّ، ويُقال: فُلَيْحٌ لقبٌ، واسمه عبد الملك، من طبقة مالكٍ، احتجَّ به البخاريُّ وأصحاب «السُّنن»، وروى له مسلمٌ حديث الإفك فقط، وضعَّفه يحيى بن معينٍ والنَّسائيُّ وأبو داود، وقال السَّاجيُّ (٢): هو من أهل الصِّدق، وكان يَهِم، وقال الدَّارقطنيُّ: مختلفٌ فيه، ولا بأس به، وقال ابن عديٍّ: له أحاديث صالحةٌ مستقيمةٌ وغرائب، وهو عندي (٣) لا بأس به. انتهى. ولم يعتمد عليه البخاريُّ اعتماده على مالكٍ وابن عيينة وأضرابهما، وإنَّما أخرج (٤) له أحاديث أكثرها في «المتابعات»، وبعضها في «الرَّقائق» (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄ إِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ الحُلَيْفَةِ) ولأبي ذرٍّ: «مسجد ذي الحليفة» (فَيُصَلِّي) الغداة (ثُمَّ يَرْكَبُ) راحلته (وَإِذَا) وفي نسخةٍ: «فإذا» (اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ (٥) ﷺ يَفْعَلُ) لم
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان، واسْمه: حنين، وفليح لقبه غلب عَلَيْهِ، مر فِي أول كتاب الْعلم. فَإِن قلت: أَلَيْسَ هَذَا بتكرار؟ قلت: لَا، وَإِنَّمَا أوردهُ لزِيَادَة فِيهِ على الحَدِيث السَّابِق، وَهُوَ الإدهان، وَإِنَّمَا كَانَ يدهن بِغَيْر الطّيب ليمنع بذلك الْقمل وَالدَّوَاب، وَكَانَ يجْتَنب مَا لَهُ رَائِحَة طيبَة صِيَانة للْإِحْرَام.
٠٣ - (بابُ التَّلْبِيَةِ إذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّلْبِيَة إِذا انحدر الْمحرم فِي الْوَادي، وَقد ورد فِي الحَدِيث أَن التَّلْبِيَة فِي بطُون الأودية من سنَن الْمُرْسلين، وَأَنَّهَا تتأكد عِنْد الهبوط كَمَا تتأكد عِنْد الصعُود.
٥٥٥١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثني ابنُ أبي عَدِيٍّ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فذَكَرُوا الدَّجَّالَ أنَّهُ قالَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ فَقَالَ ابنُ عَبَّاس لمْ أسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ أمَّا مُوسى كأنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ إذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّى.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا انحدر فِي الْوَادي يُلَبِّي) .
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى بن عبيد، أَبُو مُوسَى يعرف بالزمن الْعَنْبَري. الثَّانِي: مُحَمَّد بن أبي عدي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَاسم أبي عدي: إِبْرَاهِيم، مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الله بن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون، مر فِي: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: رب مبلّغ. الرَّابِع: مُجَاهِد. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن الروَاة الثَّلَاثَة بصريون وَأَن مُجَاهدًا مكي. وَفِيه: إثنان مذكوران بالإبن وَوَاحِد مُجَرّد. .
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن بَيَان ابْن عَمْرو. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنه) بِفَتْح الْهمزَة أَي: أَن الدَّجَّال. قَوْله: (مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ: كَافِر) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: أَن. وَقَوله: (كَافِر) مَرْفُوع بقوله: مَكْتُوب، وَاسم الْمَفْعُول يعْمل عمل فعله كاسم الْفَاعِل. قَوْله: (وَلكنه قَالَ) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ) جَوَاب: أما، وَالْفَاء فِيهِ محذوفة، وَالْأَصْل: فَكَأَنِّي، وَهُوَ حجَّة على النُّحَاة حَيْثُ لم يجوزوا حذفهَا، كَذَا قَالُوا. قلت: يحْتَمل أَن يكون حذف الْفَاء من الرَّاوِي. قَوْله: (إِذا انحدر) ، كَذَا وَقع فِي الْأُصُول بِكَلِمَة إِذا، وَحكى عِيَاض أَن بعض الْعلمَاء أنكر إِثْبَات الْألف وَغلط رُوَاته، وَقَالَ: وَهُوَ غلط مِنْهُ إِذْ لَا فرق بَين إِذا وَإِذ، هُنَا لِأَنَّهُ وَصفه حَالَة انحداره فِيمَا مضى. وَقَالَ الْمُهلب: ذِكْرُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، هُنَا وهمٌ من بعض رُوَاته، لِأَنَّهُ لم يأتِ أثر وَلَا خبر أَن مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَيّ، وَأَنه سيحج، وَإِنَّمَا أُتِي ذَلِك عَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَاشْتَبَهَ على الرَّاوِي، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (ليهلن ابْن مَرْيَم بفج الروحاء) وَأجِيب عَنهُ: بِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي اللبَاس بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَبِزِيَادَة: ذكر إِبْرَاهِيم فِيهِ: أفيقال إِن الرَّاوِي غلط فِيهِ فزاده؟ وَقد روى مُسلم هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: كَأَنِّي أنظر إِلَى مُوسَى هابطا من التَّثْنِيَة وَاضِعا إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ مارا بِهَذَا الْوَادي وَله جؤار إِلَى الله بِالتَّلْبِيَةِ. وَكَذَلِكَ جَاءَ ذكر يُونُس فِي هَذَا الحَدِيث، أفيقال إِن الرَّاوِي الآخر غلط فِيهِ؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي الرَّد: أما من روى إِذْ انحدر، بِلَفْظ: إِذْ للماضي فَيصح مُوسَى بِأَن يرَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَنَام أَو يُوحى إِلَيْهِ بذلك، وَسلم الْغَلَط فِي رِوَايَة إِذا، لِأَنَّهُ إِخْبَار عَمَّا يكون فِي الْمُسْتَقْبل. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على حَقِيقَة الحَدِيث لما قسم هَذَا التَّقْسِيم، فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكْلِيف، لِأَن الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ. فَلَا مَانع أَن يحجوا فِي هَذِه الْحَال كَمَا ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أنس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: رأى مُوسَى قَائِما فِي قَبره يُصَلِّي. فَإِن قلت: مَا الدَّاعِي إِلَى عِبَادَتهم بعد الْمَوْت وَمَوْضِع الْعِبَادَة دَار الدُّنْيَا؟ قلت: حببت إِلَيْهِم الْعِبَادَة فهم متعبدون بِمَا يجدونه بِمَا يجدونه من دواني أنفسهم لَا بِمَا يلزمون بِهِ، وَذَلِكَ كَمَا يلهم أهل الْجَاهِلِيَّة الذّكر، وَيُؤَيِّدهُ أَن أَعمال الْآخِرَة ذكر وَدُعَاء. كَقَوْلِه تَعَالَى: {دَعوَاهُم فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ... } (يُونُس: ٠١) . الْآيَة، وَيجوز
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَسُولَ اللَّهِ فَعَلَ ذَلِكَ. تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ فِي الْغَسْلِ.
[الحديث ١٥٥٣ - أطرافه في: ١٥٥٤، ١٥٧٣، ١٥٧٤]
١٥٥٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ الْحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْكَبُ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) زَادَ الْمُسْتَمْلِي: الْغَدَاةَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، لَا إِسْمَاعِيلُ الْقَطِيعِيُّ. وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، وَقَالَ: ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَا رِوَايَةٍ.
قَوْلُهُ: (إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ)؛ أَيْ صَلَّى الصُّبْحَ بِوَقْتِ الْغَدَاةِ. وَلِلْكُشمِيهنِيِّ: إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ؛ أَيِ الصُّبْحَ.
قَوْلُهُ: (فَرُحِلَتْ) بِتَخْفِيفِ الْحَاءِ.
قَوْلُهُ: (اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا)؛ أَيْ مُسْتَوِيًا عَلَى نَاقَتِهِ، أَوْ وَصَفَهُ بِالْقِيَامِ لِقِيَامِ نَاقَتِهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِلَفْظِ: فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً. وَفَهِمَ الدَّاوُدِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا؛ أَيْ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: فِي السِّيَاقِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا؛ أَيْ فَصَلَّى صَلَاةَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ رَكِبَ. حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ مَا فِي الْأَصْلِ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ لِقُرْبِ إِهْلَالِهِ مِنَ الصَّلَاةِ، انْتَهَى. وَلَا حَاجَةَ إِلَى دَعْوَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، بَلْ صَلَاةُ الْإِحْرَامِ لَمْ تُذْكَرْ هُنَا، والِاسْتِقْبَالُ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الرُّكُوبِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمًا أَهَلَّ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُمْسِكُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْحَرَمِ الْمَسْجِدَ، وَالْمُرَادُ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ التَّلْبِيَةِ التَّشَاغُلُ بِغَيْرِهَا مِنَ الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ لَا تَرْكُهَا أَصْلًا، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُلَبِّي فِي طَوَافِهِ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ، وَيُرَاجِعُهَا بَعْدَ مَا يَقْضِي طَوَافَهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْحَرَمِ مِنًى، يَعْنِي فَيُوَافِقُ الْجُمْهُورَ فِي اسْتِمْرَارِ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ: إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ، وَالْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرَمِ ظَاهِرُهُ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى، فَجَعَلَ غَايَةَ الْإِمْسَاكِ الْوُصُولُ إِلَى ذِي طُوًى، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِمْسَاكِ تَرْكُ تَكْرَارِ التَّلْبِيَةِ وَمُوَاظَبَتِهَا وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا الَّذِي يُفْعَلُ فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ لَا تَرْكُ التَّلْبِيَةِ رَأْسًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (ذَا طُوًى) بِضَمِّ الطَّاءِ وَبِفَتْحِهَا - وَقَيَّدَهَا الْأَصِيلِيُّ بِكَسْرِهَا: وَادٍ مَعْرُوفٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ، وَيُعْرَفُ الْيَوْمَ بِبِئْرِ الزَّاهِرِ، وَهُوَ مَقْصُورٌ مُنَوَّنٌ، وَقَدْ لَا يُنَوَّنُ. وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: حَتَّى إِذَا حَاذَى طُوًى؛ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَفَتْحِ الذَّالِ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ اسْمَ الْمَوْضِعِ ذُو طُوًى لَا طُوًى فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَزَعَمَ) هُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الزَّعْمِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ، وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ بِلَفْظِ: وَيُحَدِّثُ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ فِي الْغُسْلِ)؛ أَيْ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمُتَابَعَةَ وَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ بِهِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ فِيهِ عَلَى الْغُسْلِ، بَلْ ذَكَرَهُ كُلَّهُ إِلَّا الْقِصَّةَ الْأُولَى، وَأَوَّلُهُ: كَانَ إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(تَابَعَهُ) أي: تابع عبدَ الوارث (إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (فِي الغَسْلِ) بفتح الغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «في الغُسل» بضمِّها، أي: وغيره، لكن من غير مقصود التَّرجمة لأنَّ هذه المتابعة وصلها المؤلِّف بعد أبوابٍ [خ¦١٥٧٣]: عن يعقوب بن إبراهيم قال: حدَّثنا ابن عليَّة به، ولم يقتصر على الغسل، بل ذكره كلَّه إلَّا القصَّة الأولى، وأوَّله: «كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التَّلبية» والباقي مثله، نبَّه عليه (١) في «الفتح»، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فإذا استوت به استقبل القبلة»، والله أعلم.
١٥٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) بن حمَّادٍ (أَبُو الرَّبِيعِ) العتكيُّ الزَّهرانيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ مُصغَّرًا، ابن سليمان الخزاعيُّ المدنيُّ، ويُقال: فُلَيْحٌ لقبٌ، واسمه عبد الملك، من طبقة مالكٍ، احتجَّ به البخاريُّ وأصحاب «السُّنن»، وروى له مسلمٌ حديث الإفك فقط، وضعَّفه يحيى بن معينٍ والنَّسائيُّ وأبو داود، وقال السَّاجيُّ (٢): هو من أهل الصِّدق، وكان يَهِم، وقال الدَّارقطنيُّ: مختلفٌ فيه، ولا بأس به، وقال ابن عديٍّ: له أحاديث صالحةٌ مستقيمةٌ وغرائب، وهو عندي (٣) لا بأس به. انتهى. ولم يعتمد عليه البخاريُّ اعتماده على مالكٍ وابن عيينة وأضرابهما، وإنَّما أخرج (٤) له أحاديث أكثرها في «المتابعات»، وبعضها في «الرَّقائق» (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄ إِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ الحُلَيْفَةِ) ولأبي ذرٍّ: «مسجد ذي الحليفة» (فَيُصَلِّي) الغداة (ثُمَّ يَرْكَبُ) راحلته (وَإِذَا) وفي نسخةٍ: «فإذا» (اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ (٥) ﷺ يَفْعَلُ) لم
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان، واسْمه: حنين، وفليح لقبه غلب عَلَيْهِ، مر فِي أول كتاب الْعلم. فَإِن قلت: أَلَيْسَ هَذَا بتكرار؟ قلت: لَا، وَإِنَّمَا أوردهُ لزِيَادَة فِيهِ على الحَدِيث السَّابِق، وَهُوَ الإدهان، وَإِنَّمَا كَانَ يدهن بِغَيْر الطّيب ليمنع بذلك الْقمل وَالدَّوَاب، وَكَانَ يجْتَنب مَا لَهُ رَائِحَة طيبَة صِيَانة للْإِحْرَام.
٠٣ - (بابُ التَّلْبِيَةِ إذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّلْبِيَة إِذا انحدر الْمحرم فِي الْوَادي، وَقد ورد فِي الحَدِيث أَن التَّلْبِيَة فِي بطُون الأودية من سنَن الْمُرْسلين، وَأَنَّهَا تتأكد عِنْد الهبوط كَمَا تتأكد عِنْد الصعُود.
٥٥٥١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثني ابنُ أبي عَدِيٍّ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فذَكَرُوا الدَّجَّالَ أنَّهُ قالَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ فَقَالَ ابنُ عَبَّاس لمْ أسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ أمَّا مُوسى كأنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ إذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّى.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا انحدر فِي الْوَادي يُلَبِّي) .
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى بن عبيد، أَبُو مُوسَى يعرف بالزمن الْعَنْبَري. الثَّانِي: مُحَمَّد بن أبي عدي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَاسم أبي عدي: إِبْرَاهِيم، مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الله بن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون، مر فِي: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: رب مبلّغ. الرَّابِع: مُجَاهِد. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن الروَاة الثَّلَاثَة بصريون وَأَن مُجَاهدًا مكي. وَفِيه: إثنان مذكوران بالإبن وَوَاحِد مُجَرّد. .
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن بَيَان ابْن عَمْرو. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنه) بِفَتْح الْهمزَة أَي: أَن الدَّجَّال. قَوْله: (مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ: كَافِر) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: أَن. وَقَوله: (كَافِر) مَرْفُوع بقوله: مَكْتُوب، وَاسم الْمَفْعُول يعْمل عمل فعله كاسم الْفَاعِل. قَوْله: (وَلكنه قَالَ) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ) جَوَاب: أما، وَالْفَاء فِيهِ محذوفة، وَالْأَصْل: فَكَأَنِّي، وَهُوَ حجَّة على النُّحَاة حَيْثُ لم يجوزوا حذفهَا، كَذَا قَالُوا. قلت: يحْتَمل أَن يكون حذف الْفَاء من الرَّاوِي. قَوْله: (إِذا انحدر) ، كَذَا وَقع فِي الْأُصُول بِكَلِمَة إِذا، وَحكى عِيَاض أَن بعض الْعلمَاء أنكر إِثْبَات الْألف وَغلط رُوَاته، وَقَالَ: وَهُوَ غلط مِنْهُ إِذْ لَا فرق بَين إِذا وَإِذ، هُنَا لِأَنَّهُ وَصفه حَالَة انحداره فِيمَا مضى. وَقَالَ الْمُهلب: ذِكْرُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، هُنَا وهمٌ من بعض رُوَاته، لِأَنَّهُ لم يأتِ أثر وَلَا خبر أَن مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَيّ، وَأَنه سيحج، وَإِنَّمَا أُتِي ذَلِك عَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَاشْتَبَهَ على الرَّاوِي، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (ليهلن ابْن مَرْيَم بفج الروحاء) وَأجِيب عَنهُ: بِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي اللبَاس بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَبِزِيَادَة: ذكر إِبْرَاهِيم فِيهِ: أفيقال إِن الرَّاوِي غلط فِيهِ فزاده؟ وَقد روى مُسلم هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: كَأَنِّي أنظر إِلَى مُوسَى هابطا من التَّثْنِيَة وَاضِعا إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ مارا بِهَذَا الْوَادي وَله جؤار إِلَى الله بِالتَّلْبِيَةِ. وَكَذَلِكَ جَاءَ ذكر يُونُس فِي هَذَا الحَدِيث، أفيقال إِن الرَّاوِي الآخر غلط فِيهِ؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي الرَّد: أما من روى إِذْ انحدر، بِلَفْظ: إِذْ للماضي فَيصح مُوسَى بِأَن يرَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَنَام أَو يُوحى إِلَيْهِ بذلك، وَسلم الْغَلَط فِي رِوَايَة إِذا، لِأَنَّهُ إِخْبَار عَمَّا يكون فِي الْمُسْتَقْبل. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على حَقِيقَة الحَدِيث لما قسم هَذَا التَّقْسِيم، فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكْلِيف، لِأَن الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ. فَلَا مَانع أَن يحجوا فِي هَذِه الْحَال كَمَا ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أنس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: رأى مُوسَى قَائِما فِي قَبره يُصَلِّي. فَإِن قلت: مَا الدَّاعِي إِلَى عِبَادَتهم بعد الْمَوْت وَمَوْضِع الْعِبَادَة دَار الدُّنْيَا؟ قلت: حببت إِلَيْهِم الْعِبَادَة فهم متعبدون بِمَا يجدونه بِمَا يجدونه من دواني أنفسهم لَا بِمَا يلزمون بِهِ، وَذَلِكَ كَمَا يلهم أهل الْجَاهِلِيَّة الذّكر، وَيُؤَيِّدهُ أَن أَعمال الْآخِرَة ذكر وَدُعَاء. كَقَوْلِه تَعَالَى: {دَعوَاهُم فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ... } (يُونُس: ٠١) . الْآيَة، وَيجوز