«انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٥٨

الحديث رقم ٥٣٥٨ من كتاب «كتاب النفقات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حبس نفقة الرجل قوت سنة على أهله وكيف نفقات العيال.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «انطلقت حتى أدخل على عمر إذ أتاه حاجبه يرفا…

«انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ قَالَ فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا، ثُمَّ لَبِثَ يَرْفَا قَلِيلًا، فَقَالَ لِعُمَرَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَلَمَّا دَخَلَا سَلَّمَا وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا، فَقَالَ الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدُوا أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ نَفْسَهُ، قَالَ الرَّهْطُ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. قَالَ عُمَرُ فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ: إِنَّ اللهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ فِي هَذَا الْمَالِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، قَالَ اللهُ: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾

⦗٦٤⦘

إِلَى قَوْلِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ وَاللهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللهِ، فَعَمِلَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا نَعَمْ، ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ يَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا رَسُولُ اللهِ وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ، وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَذَا وَكَذَا، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ وَأَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ، جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، وَأَتَى هَذَا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ، وَبِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيهَا مُنْذُ وُلِّيتُهَا، وَإِلَّا فَلَا تُكَلِّمَانِي فِيهَا، فَقُلْتُمَا ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا.»

سند حديث: ٥٣٥٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ…

٥٣٥٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مَالِكٌ:

رواة الحديث

شرح حديث: «انطلقت حتى أدخل على عمر إذ أتاه حاجبه يرفا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ.

٥٣٥٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِا عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ - وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مَالِكٌ -: انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، قَالَ: فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا، ثُمَّ لَبِثَ يَرْفَأُ قَلِيلًا فَقَالَ لِعُمَرَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَلَمَّا دَخَلَا سَلَّمَا وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا، فَقَالَ الرَّهْطُ - عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ -: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدُوا، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؛ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ نَفْسَهُ؟ قَالَ الرَّهْطُ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ فِي هَذَا الْمَالِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿قَدِيرٌ﴾ فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَ هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ، فَعَمِلَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ لِعَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ.

ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ، فعمل فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ - وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ - تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَذَا وَكَذَا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ؛ جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، وَأَتَى هَذَا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ، وَبِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيهَا مُنْذُ وُلِّيتُهَا، وَإِلَّا فَلَا تُكَلِّمَانِي فِيهَا، فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا

بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا، فَأَنَا أَكْفِيَكُمَاهَا.

قَوْلُهُ (بَابُ حَبْسِ الرَّجُلِ قُوتَ سَنَةٍ عَلَى أَهْلِهِ، وَكَيْفُ نَفَقَاتُ الْعِيَالِ؟) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِرُكْنِ التَّرْجَمَةِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ كَيْفِيَّةُ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، فَلَمْ يَظْهَرْ لِي أَوَّلًا وَجْهُ أَخْذِهِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلَا رَأَيْتُ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ دَلِيلُ التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ نَفَقَةِ السَّنَةِ إِذَا عُرِفَ عُرِفَ مِنْهُ تَوْزِيعُهَا عَلَى أَيَّامِ السَّنَةِ، فَيُعْرَفُ حِصَّةُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْمُغَلِّ الْمَذْكُورِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ التَّسْوِيَةُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ) كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَلِلْأَكْثَرِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَسْبُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لِي مَعْمَرٌ: قَالَ لِيَ الثَّوْرِيُّ) هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا فَاتَ ابْنَ عُيَيْنَةَ سَمَاعُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، فَرَوَاهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ مَعْمَرٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِأَتَمَّ مِنْ سِيَاقِ مَعْمَرٍ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَشْرِ. وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ سُفْيَانَ عَمِّ مَعْمَرٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ وَحْدَهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ مُنْفَرِدَةً عَنْ سُفْيَانَ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْإِسْنَادَيْنِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ؛ فَإِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ قَرِينَانِ، وَعَمْرَو بْنَ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْمُذَاكَرَةُ بِالْعِلْمِ، وَإِلْقَاءُ الْعَالِمِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى نَظِيرِهِ؛ لِيَسْتَخْرِجَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْحِفْظِ، وَتَثَبُّتُ مَعْمَرٍ وَإِنْصَافُهُ؛ لِكَوْنِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْضِرُ إِذْ ذَاكَ فِي الْمَسْأَلَةِ شَيْئًا، ثُمَّ لَمَّا تَذَكَّرَهَا أَخْبَرَ بِالْوَاقِعَةِ كَمَا هيَ وَلَمْ يَأْنَفْ مِمَّا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا.

ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ فَرْضِ الْخُمُسِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الِادِّخَارِ لِلْأَهْلِ قُوتَ سَنَةٍ، وَفِي السِّيَاقِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ فَيُحْمَلُ عَلَى الِادِّخَارِ لِنَفْسِهِ، وَحَدِيثُ الْبَابِ عَلَى الِادِّخَارِ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُشَارَكَةٌ، لَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُمُ الْمَقْصِدُ بِالِادِّخَارِ دُونَهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يُوجَدُوا لَمْ يَدَّخِرْ، قَالَ: وَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى لِسَانِ الطَّرِيقَةِ جَعَلُوا أَوْ بَعْضُهُمْ مَا زَادَ عَلَى السَّنَةِ خَارِجًا عَنْ طَرِيقَةِ التَّوَكُّلِ، انْتَهَى.

وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الطَّبَرِيِّ حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الِادِّخَارِ مُطْلَقًا خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، وَفِي الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخُ تَقْيِيدٌ بِالسَّنَةِ اتِّبَاعًا لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ، لَكِنِ اسْتِدْلَالُ الطَّبَرِيِّ قَوِيٌّ، بَلِ التَّقْيِيدُ بِالسَّنَةِ إِنَّمَا جَاءَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَدَّخِرُ لَمْ يَكُنْ يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِمَّا تَمْرًا وَإِمَّا شَعِيرًا، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا يُدَّخَرُ كَانَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنْ سَنَتَيْنِ إِلَى سَنَتَيْنِ لَاقْتَضَى الْحَالُ جَوَازَ الِادِّخَارِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَعَ كَوْنِهِ كَانَ يَحْتَبِسُ قُوتَ سَنَةٍ لِعِيَالِهِ فَكَانَ فِي طُولِ السَّنَةِ رُبَّمَا اسْتَجَرَّهُ مِنْهُمْ لِمَنْ يَرِدُ عَلَيْهِ وَيُعَوِّضُهُمْ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ اقْتَرَضَهُ قُوتًا لِأَهْلِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ ادِّخَارِ الْقُوتِ لِمَنْ يَشْتَرِيهِ مِنَ السُّوقِ، قَالَ عِيَاضٌ: أَجَازَهُ قَوْمٌ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ مُغَلِّ الْأَرْضِ، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ إِلَّا إِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالسِّعْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ إِرْفَاقًا بِالنَّاسِ. ثُمَّ مَحِلُّ هَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٣٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو: سعيدُ بن كثير بنِ عُفَير -بضم العين المهملة وفتح الفاء مصغَّرًا- الأنصاريُّ مولاهم، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين مصغَّرًا، ابن خالدٍ الأَيْليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (١) (مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ) بفتح الحاء والدال المهملتين والمثلثة، قال الزُّهريُّ: (وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا) أي: بعضًا (مِنْ حَدِيثِهِ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك (فَقَالَ) لي (مَالِكٌ) المذكور: (انْطَلَقْتُ) فيه حذفٌ ذكرهُ في «فرضِ الخمس» ولفظه: «فقال مالك: بينا أنا جالسٌ في أهلي حين متَع النَّهار -أي: اشتدَّ حرُّه (٢) - إذا رسولُ عُمر بن الخطَّاب يأتينِي فقال: أَجب أميرَ المؤمنين فانطلقتُ معه» [خ¦٣٠٩٤] (حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ) فَبَيْنا أنا جالسٌ عنده (إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأ) بفتح التحتية وسكون الراء وفتح الفاء مهموزًا وغير مهموز (فَقَالَ) لهُ: (هَلْ لَكَ) رغبة (فِي عُثْمَانَ) بن عفان (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (وَالزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعْدٍ) أي: ابن أبي وقاصٍ، حال كونِهم (يَسْتَأْذِنُونَ) في الدُّخول عليك؟ (قَالَ (٣)) عُمر : (نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ قَالَ: فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا، ثُمَّ لَبِثَ) مكثَ (يَرْفَأ قَلِيلًا، فَقَالَ لِعُمَرَ: هَلْ لَكَ) رغبة (فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) (قَالَ) عمر: (نَعَمْ، فَأَذِنَ

لَهُمَا فَلَمَّا دَخَلَا سَلَّمَا وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ) لعُمر: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا) يريد عليًّا، زاد في «الخُمُس» [خ¦٣٠٩٤]: «وهما يَختصِمان فيما أَفاء الله على رسولِهِ من بني النَّضير» (فَقَالَ الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ) الَّذين معه: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدُوا) بتشديد الفوقية وكسر الهمزة، أي: تأنُّوا ولا تَعجلوا (أَنْشُدُكُمْ) بفتح الهمزة وضم الشين، أسألُكم (بِاللهِ الَّذِي بِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بإِذنه» (تَقُومُ السَّمَاءُ) فوق رؤوسكم بلا عمدٍ (وَالأَرْضُ) على الماءِ تحتَ أقدامكم (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا نُورَثُ) معاشرَ الأنبياء (مَا تَرَكْنَا (١) صَدَقَةٌ) «ما» موصولٌ (٢) مبتدأ، وتركنَا صلته والعائدُ محذوفٌ، صدقةٌ رَفْعٌ خبره (٣) (يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ (٤) نَفْسَهُ) وغيره من الأنبياء، فليس خاصًّا به، كما قال في الرِّواية الأُخرى: «نحن معاشر الأنبياء» (قَالَ الرَّهْطُ) عُثمان وأصحابه: (قَدْ قَالَ) (ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، إِنَّ اللهَ) ﷿ (كَانَ خَصَّ) ولأبي ذرٍّ: «قد خصَّ» (رَسُولَهُ فِي هَذَا المَالِ بِشَيْءٍ) وفي «الخُمُس» [خ¦٣٠٩٤]: «في هذا الفَيء» بدل: المال (لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ) لأنَّ الفيء كلَّه أو جلَّه على اختلافٍ فيه كانَ له (قَالَ اللهُ) تعالى: (﴿وَمَا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ (٥)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]). وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ﴾» (فَكَانَتْ هَذِهِ) الأخماسُ الأربعةُ من بني النَّضير وخيبر وفدَك (خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ ) لا حقَّ لأحدٍ فيها غيره (وَاللهِ مَا احْتَازَهَا) بحاء مهملة ساكنة وزاي مفتوحة: ما جمعها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ما اختارها» بالخاء المعجمة والراء المهملة، لنفسه (دُونَكُمْ وَلَا اسْتَأْثَرَ) ما استقلَّ (بِهَا

عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا) أي: أموال الفَيء (وَبَثَّهَا) بالموحدة والمثلثة المشددة: وفرَّقها (فِيكُمْ، حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا المَالُ) فدك وخيبر وبنو النَّضير (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا المَالِ) وهذا موضع التَّرجمة (ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ) أي: موضع (مَالِ اللهِ) لمصالح المسلمين (فَعَمِلَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ حَيَاتَهُ. أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ) ولأبي ذرٍّ: «أنشدكم الله» بحذف حرفِ الجرِّ والنَّصب (هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ) وفي «الخُمس» [خ¦٣٠٩٤]: «ثمَّ قال» (لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ يَعْمَلُ) ولأبي ذرٍّ: «فعمل» (فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ، وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ -وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاس-) جملة حالية معترضة (تَزْعُمَانِ) خبر لِقوله: أنتُما (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَذَا وَكَذَا) أي: منعكُما ميراثَكما منه (وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ) في القول (بَارٌّ) في العمل (رَاشِدٌ) في الاقتداءِ برسولِ الله (تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ وَأَبِي بَكْرٍ) (فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ) من إمارتي (أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ وَأَبُو بَكْرٍ) (ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ، وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ) أي: مجتمعٌ لم يكنْ بينكما مُنازعة (جِئْتَنِي) يا عبَّاس (تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) (وَأَتَى هَذَا) أي: عليٌّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وإن هذا» (يَسْأَلُنِي نَصِيْبَ امْرَأَتِهِ) فاطمة (مِنْ أَبِيهَا) (فَقُلْتُ) لكما: (إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ) فيها (١) (رَسُولُ اللهِ وَبِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ) (وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيهَا مُنْذُ وُلِّيتُهَا) فلا تتصرَّفان فيها (٢) على جهةِ التَّمليكِ؛ إذ هي صدقةٌ مُحرَّمةُ التَّمليك، بل افعلا فيها كما فعلَ رسولُ الله وصاحِباه بعدَه (٣) (وَإِلَّا) بأنْ لا (٤) تَفْعلا فيها ما ذُكر (فَلَا تُكَلِّمَانِي فِيهَا فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ) ثمَّ قال للرَّهط: (أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَقْبَلَ) عمر (عَلَى

عَليٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ) عمر: (أَفَتَلْتَمِسَانِ) أفتطلبان (مِنِّي قَضَاءً) حكمًا (غَيْرَ ذَلِكَ) الحُكم الَّذي حَكمت فيها (١) (فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ (٢) وَالأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا) إليَّ (فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا).

وهذا الحديثُ سبق في «فرضِ الخُمُس» [خ¦٣٠٩٤] والله الموفِّق والمعين.

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى) وسقط لفظ «وقال الله تعالى» لأبي ذرٍّ (﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾) خبرٌ في معنى الأمرِ المؤكد كـ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ وهذا الأمر على وجه النَّدبِ، أو على وجهِ الوجوب، إذا لم يقبَلِ الصَّبيُّ إلَّا ثَدي أمِّه أو لم يُوجد له ظئرٌ أو كان الأبُ عاجزًا عن الاستئجارِ، أو (٣) أرادَ الوالدات المطلَّقات، وإيجابُ النَّفقة والكسوةِ لأجلِ الرَّضاع، وعبَّر بلفظ الخبرِ دون لفظِ الإلزام، كأنْ يقول: وعلى الوالداتِ إرضاعُ أولادهنَّ، كما جاءَ بعدُ وعلى الوارثِ مثلُ ذلك إشارة إلى عدمِ الوجوب (﴿حَوْلَيْنِ﴾) ظرف (﴿كَامِلَيْنِ﴾) تامَّيْن وهو تأكيدٌ لأنَّه ممَّا يُتسامح فيه، فإنَّك تقول: أقمتُ عند فلانٍ حَوْلين ولم تستكملهما (﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ

الرَّضَاعَةَ﴾) بيانٌ لِمن (١) توجَّه إليه الحُكم، أي: هذا الحُكم لمنْ أرادَ إتمامَ الرَّضاع (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]) لا تخفَى عليه أعمالُكم فهو يجازيكُم عليها (وَقَالَ) تعالى: (﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾) ومدَّة حملهِ وفطامهِ (﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]) استدلَّ عليٌّ بهذهِ الآيةِ مع الَّتي في لقمان: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ على أنَّ أقل مدَّة الحمل ستة أشهرٍ، وهو -كما قاله ابن كثيرٍ- استنباطٌ قويٌّ صحيحٌ، ووافقه (٢) عليه عُثمان وغيرُه من الصَّحابة ، فروى محمَّد بن إسحاقٍ عن بعجة (٣) بن عبد الله الجُهَنِيِّ قال: تزوَّج رجلٌ منا امرأةً من جُهينة فولدَتْ لتمامِ ستَّة (٤) أشهرٍ، فانطلَقَ زوجها إلى عثمان فذكرَ ذلك له، فبعثَ إليها فلَّما قامتْ لتلبس ثيابَها بكتْ أختها، فقالت: ما يُبكيكِ؟ فوالله ما التبسَ بي أحدٌ من خلقِ الله غيره قطُّ، فيقضِي الله فيَّ ما شاء، فلَّما أتي بها عثمان أمرَ برجمِها، فبلغَ ذلك عليًّا فأتاهُ فقالُ له: ما تصنعُ؟ قال: ولدَت تمامًا (٥) لستَّةِ أشهرٍ وهل يكون ذلك؟ فقال له عليٌّ: أمَا تقرأُ القرآنَ؟ قال: بلى. قال: أمَا سمعتَ الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فلم تجدْه (٦) بقيَ إلَّا ستة أشهرٍ، فقال عثمانُ: والله ما فَطِنت لهذا، عليَّ بالمرأةِ قال: فوجدُوها قد فُرِغ منها. رواه ابنُ أبي حاتم.

(وَقَالَ) تعالى: (﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ﴾) أي: تضايقتُم فلم ترضَ الأمُّ بما تُرضع به الأجنبيَّة، ولم يَزِد (٧) الأب على ذلك (﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾) فستوجدُ (٨) ولا تعوزُ (٩) مرضعة غير الأمِّ تُرضعه، وفيه طرفٌ من معاتبةِ الأمِّ على المعاسرةِ، وقوله: ﴿لَهُ﴾ أي: للأب، أي: سيجدُ الأبُ غيرَ مُعاسرة

تُرضع له وَلده إنْ عاسرتْهُ أمُّه، وفيه: أنَّه لا يجبُ على الأمِّ إرضاع (١) ولدها. نعم، عليها إرضاعُه اللَّبأ -بالهمزة والقصر- بأجرةٍ وبدونها (٢) لأنَّه لا يعيشُ غالبًا إلَّا به، وهو اللَّبن أوَّل الولادةِ، ثمَّ بعدَه إنْ انفردتْ هي أو أجنبيَّة وجبَ إرضاعُه على الموجودةِ (٣) منهما، وله إجبارُ أمتهِ على إرضاع ولدها منه أو من غَيره لأنَّ لبنَها ومَنافعها له بخلافِ الحرَّة (﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾) أي: لِيُنفق كلُّ واحدٍ من المُوسر والمُعسر ما بلغَهُ وسعهُ، يريد: ما أُمر (٤) به من الإنفاقِ على المطلَّقات والمرضعاتِ (﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾) أي: ضُيِّق عليه، أي: رزقه الله على قدرِ قُوتِه (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٦ - ٧]) أي: بعد ضيقٍ في المعيشة سِعَة، وهذا وعدٌ لذي العُسر باليُسر، ووعدُه تعالى حقٌّ وهو لا يخلفُهُ. قال في «فتوح الغيب»: يقال: إنَّه موعدٌ لفقراءِ ذلك الوقت، ويدخلُ فيه فقراءُ الأزواجِ دخولًا أولويًّا.

(وَقَالَ يُونُسُ) بن يزيد الأَيْليُّ فيما وصَله عبدُ الله بن وهب في «جامعه» (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ: (نَهَى اللهُ تَعَالَى أَنْ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) في قوله جلَّ وعلا: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ (٥) إِلاَّ وُسْعَهَا لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] (وذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الوَالِدَةُ) للوالدِ: (لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ) أو تطلب منه ما ليس بعدلٍ من الرِّزق والكسوةِ، وأن تُشغلَ قلبه بالتَّفريط في شأنِ الولَد، وأن تقولَ بعدما ألفها الولَد: اطلبْ له ظِئرًا وما أشبَه ذلك (وَهْيَ أَمْثَلُ لَهُ غِذَاءً) بمعجمتين أولاهما مكسورة (٦) (وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْبَى) إِرضاعه (بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا) الوالد (مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللهُ عَلَيْهِ) من الرِّزق والكسوة (وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ) أي: بسبب ولَده (وَالِدَتَهُ فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ) وهي تريدُ إرضاعه (ضِرَارًا لَهَا) منتهيًا (إِلَى) رَضَاع (غَيْرِهَا) فإلى متعلِّقٌ بيمنعها (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي: الأبوين (أَنْ يَسْتَرْضِعَا) ظئرًا (عَنْ طِيبِ نَفْسِ الوَالِدِ وَالوَالِدَةِ فَإِنْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وإن» (أَرَادَا فِصَالًا

عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ) بينهما (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) في ذلك (بَعْدَ أَنْ يَكُوْنَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وتَشَاوُرٍ) سواء زادا على الحَولين أو نَقصا، وهو توسعةٌ بعد التَّحديد، والتَّشاور: استخراج الرَّأي، وذِكره ليكونَ التَّراضي عن تفكُّر فلا يضُرُّ الرَّضيع، فسبحان من أدَّبَ الكبيرَ ولم يُهملِ الصَّغير، واعتبرَ اتِّفاق (١) الأبوين لما للأبِ من النَّسب والولايةِ، وللأمِّ من الشَّفقةِ والعنايةِ.

(﴿وَفِصَالُهُ﴾) قال ابنُ عبَّاس فيما أخرجَهُ الطَّبريُّ: يعني (٢): (فِطَامَهُ) بنصبِ الميم (٣) في «اليونينيَّة» أي: منعه من شُربِ اللَّبن.

(٥) (بابُ نَفَقَةِ المَرْأَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَنَفَقَةِ الوَلَدِ) بخفضِ «ونفقةِ» عطفًا على المضافِ إليه، إذا غابَ الزَّوج المُوسر عن زوجتهِ فليس لها فسخُ النِّكاح لتمكُّنِها من تحصيلِ حقِّها بالحاكم، فيبعثُ قاضي بلدِها إلى قاضي بلدهِ فيُلْزِمُهُ بدفع نَفقتها إن علمَ مَوضعه، واختارَ القاضي الطَّبريُّ وابنُ الصَّبَّاغ جواز الفسخِ لها إذا تعذَّر تحصيلها في غيبتهِ للضَّرورة، وقال الرُّوياني وصاحب «العدَّة»: إنَّ الفتوى عليه، ولو انقطعَ خَبره ثبتَ لها الفسخُ لأنَّ تعذُّر النَّفقة بانقطاع خَبره كتعذُّرها بالإفلاس، نقله الزَّركشيُّ عن صاحبي «المهذب» (٤) و «الكافي» وغيرهما وأقرَّه. لا بغيبةِ من جُهل حاله يسارًا وإعسارًا (٥) لعدم تحقُّق المقتضَى. نعم لو أقامتْ بيِّنةً عند حاكم بلدها بإعسارِهِ ثبتَ لها الفسخُ، ولا يُفسخ بغيبةِ ماله دون مسافةِ (٦) القصر لأنَّه في حكمِ الحاضر ويُؤمر بتعجيلِ الإحضار، أمَّا إذا كان (٧) بمسافة القصرِ فأكثر فلها الفَسخ؛ لتضرُّرها بالانتظارِ الطَّويل، وأمَّا نفقةُ الولدِ فتجبُ بشرط الحاجةِ، والأصحُّ عند الشَّافعيَّة اعتبار الصِّغر أو الزَّمَانة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

هَذَا الحَدِيث أَحْكَام

الأول: أَن حق نفس الرجل يقدم على حق غَيره. الثَّانِي: أَن نَفَقَة الْوَلَد وَالزَّوْجَة فرض بِلَا خلاف. الثَّالِث: أَن نَفَقَة الخدم وَاجِبَة أَيْضا. الرَّابِع: اسْتدلَّ بقوله: (إِمَّا أَن تطعمني وَإِمَّا أَن تُطَلِّقنِي) من قَالَ: يفرق بَين الرجل وَامْرَأَته إِذا أعْسر بِالنَّفَقَةِ واختارت فِرَاقه. قَالَ بَعضهم: وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: يلْزمهَا الصَّبْر وتتعلق النَّفَقَة بِذِمَّتِهِ وَاسْتدلَّ الْجُمْهُور بقوله تَعَالَى: {وَلَا تمسكوهن ضِرَارًا لتعتدوا} (الْبَقَرَة: ٢٣١) وَأجَاب الْمُخَالف بِأَنَّهُ لَو كَانَ الْفِرَاق وَاجِبا لما جَازَ الْإِبْقَاء إِذا رضيت، ورد عَلَيْهِ بِأَن الِاجْتِمَاع دلّ على جَوَاز الْإِبْقَاء إِذا رضيت فَبَقيَ مَا عداهُ على عُمُوم النَّهْي، وبالقياس على الرَّقِيق وَالْحَيَوَان فَإِن من أعْسر بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ أجبر على بَيْعه. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَه الْكُوفِيُّونَ هُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَابْن شهَاب الزُّهْرِيّ وَابْن شبْرمَة وَأبي سلمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز هُوَ المحكي عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرُوِيَ عَن عبد الْوَارِث عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر. قَالَ: كتب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى أُمَرَاء الأجناد: ادعوا فلَانا وَفُلَانًا، أُنَاسًا قد انْقَطَعُوا عَن الْمَدِينَة ورحلوا عَنْهَا، إِمَّا أَن يرجِعوا إِلَى نِسَائِهِم وَإِمَّا أَن يبعثوا بِنَفَقَة إلَيْهِنَّ وَإِمَّا أَن يطلقوا ويبعثوا بِنَفَقَة مَا مضى، وَلم يتَعَرَّض إِلَى شَيْء غير ذَلِك. وَقَول هَذَا الْقَائِل: وَأجَاب الْمُخَالف: هَل أَرَادَ بِهِ أَبَا حنيفَة أم غَيره؟ فَإِن أَرَادَ بِهِ أَبَا حنيفَة فَمَا وَجه تَخْصِيصه من بَين هَؤُلَاءِ وَلَيْسَ ذَلِك إلاّ من أريحة التعصب، وَإِن أَرَادَ بِهِ غَيره مُطلقًا كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: وَأجَاب المخالفون، وَلَا يتم استدلالهم بقوله تَعَالَى: {وَلَا تمسكوهن ضِرَارًا لتعتدوا} لِأَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد ومسروقاً وَالْحسن رَاجعهَا ضِرَارًا لِئَلَّا تذْهب إِلَى غَيره ثمَّ يطلقهَا فتعتذ فَإِذا شارفت على انْقِضَاء الْعدة يُطلق ليطول عَلَيْهَا الْعدة فنهاهم الله عَن ذَلِك وتوعدهم عَلَيْهِ فَقَالَ {وَمن يفعل ذَلِك فقد ظلم نَفسه} أَي: بمخالفة أَمر الله عز وَجل، فَبَطل استدلالهم بِهَذَا وَعُمُوم النَّهْي لَيْسَ فِيمَا قَالُوا: وَإِنَّمَا هُوَ فِي الَّذِي ذكر: عَن ابْن عَبَّاس وَمن مَعَه، وَالْقِيَاس على الرَّقِيق وَالْحَيَوَان قِيَاس مَعَ الْفَارِق فَلَا يَصح بَيَانه أَن الرَّقِيق وَالْحَيَوَان أَن لَا يملكَانِ شَيْئا وَلَا يجد الرَّقِيق من يسلفه وَلَا يصبران على عدم النَّفَقَة، بِخِلَاف الزَّوْجَة فَإِنَّهَا تصبر وتستدين على ذمَّة زَوجهَا، وَلِأَن التَّفْرِيق يبطل حَقّهَا وإبقاء النِّكَاح يُؤَخر حَقّهَا إِلَى زمن الْيَسَار عِنْد فقره وَإِلَى زمن الْإِحْضَار عِنْد غيبته، وَالتَّأْخِير أَهْون من الْإِبْطَال.

٥٣٥٦ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ: حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خَالِدٍ ابنِ مُسافِرٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنِ ابنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غَنًى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (مَا كَانَ عَن ظهر غنى) ، أَي: مَا كَانَ عفوا قد فشل عَن غنى، وَقيل: أَرَادَ مَا فضل عَن الْعِيَال وَالظّهْر قد يُزَاد فِي مثل هَذَا اتساعا للْكَلَام وتمكينا، كَأَن صدقته مستندة إِلَى ظهر قوي من المَال.

٣ - (بَابٌ: {حَبْسٍ نَفَقَةِ الرَّجُلِ قُوتَ سَنَةٍ عَلَى أهْلِهِ، وَكَيْفَ نَفَقَاتُ العِيَالِ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز حبس الرجل قوت سنة، يَعْنِي إدخاره الْقُوت لأجل أَهله يَكْفِيهِ سنة، وَكَيف شَأْن نفقات الْعِيَال والكيفية رَاجِعَة إِلَى صفة النَّفَقَات من حَيْثُ الْفَرِيضَة وَالْوُجُوب وعدمهما.

٥٣٥٧ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخْبَرنا وَكيعٌ عَنِ ابنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ لِي مَعْمَرٌ: قَالَ لِي الثَّوْرِيُّ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الرَّجُلِ يَجْمَعُ لأهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ أوْ بَعْضِ السَّنَةِ؟ قَالَ مَعْمَرٌ: فَلَمْ يَحْضُرِنِي، ثُمَّ ذَكَرْتُ حَدِيثا حَدَّثَناهُ ابنُ شهابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ بنِ أوْسٍ عَنْ عُمَرَ، رَضِيَ الله عَنهُ، أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ لأهْلِهِ قَوتَ سَنَتِهِمْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد، وَالثَّوْري هُوَ سُفْيَان.

والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَقد فَاتَ ابْن عُيَيْنَة سَماع هَذَا الحَدِيث من الزُّهْرِيّ فَرَوَاهُ عَنهُ بِوَاسِطَة معمر، وَقد رَوَاهُ أَيْضا عَن عَمْرو ابْن دِينَار عَن الزُّهْرِيّ بأتم من سِيَاق معمر، وَتقدم فِي سُورَة الْحَشْر. وَأخرجه أَحْمد والْحميدِي فِي (مسنديهما) عَن سُفْيَان عَن معمر وَعَمْرو بن دِينَار جَمِيعًا عَن الزُّهْرِيّ، وَقد أخرج مُسلم رِوَايَة معمر وَحدهَا عَن يحيى بن يحيى عَن سُفْيَان عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، لَكِن لم يسق لَفظه، وَأخرج إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) رِوَايَة معمر مُنْفَرِدَة عَن سُفْيَان عَنهُ عَن الزُّهْرِيّ بِلَفْظ: كَانَ ينْفق على أَهله نَفَقَة سنة من مَال بني النَّضِير، وَيحمل مَا بَقِي فِي الكراع وَالسِّلَاح.

قَوْله: (بني النَّضِير) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالراء، وهم حَيّ من يهود خَيْبَر، وَقد دخلُوا فِي الْعَرَب وهم على نسبتهم إِلَى هَارُون أخي مُوسَى، عَلَيْهِمَا السَّلَام.

قَالَ الْمُهلب: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز إدخار الْقُوت للأهل والعيال وَأَنه لَيْسَ بحكرة، وَإِن مَا ضمه الْإِنْسَان من زرعه أَو جد من نخله وثمره وحبسه لقُوته لَا يُسمى حكرة، وَلَا خلاف فِي هَذَا بَين الْفُقَهَاء. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: فِيهِ دَلِيل الرَّد على الصُّوفِيَّة حَيْثُ قَالُوا: الإدخار من يَوْم لغد يسيء فَاعله إِذْ لم يتوكل على ربه حق توكله، وَلَا خَفَاء بِفساد هَذَا القَوْل.

٥٣٥٨ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ: حدَّثني عُقَيْلٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أخْبَرنِي مَالِكُ بنُ أوْسٍ بنِ الحَدَثَانٍ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ جُبَيْرٍ بنِ مِطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بنِ أوْسٍ فَسَألْتُهُ. فَقَالَ مَالِكٌ: انْطَلَقْتُ حَتَّى أدْخُلَ عَلَى عُمَرَ، رَضِيَ الله عَنهُ، إذْ أتاهُ حَاجِبُهُ يَرْفأُ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمانِ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ يَسْتأذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ {فَأذِنَ لَهُمْ. قَالَ: فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا. ثُمَّ لَبِثَ يَرْفَأُ قَلِيلاً فَقَالَ لِعُمَرَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأذِنَ لَهُمَا. فَلَمَّا دَخَلا سَلَّما وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ} اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هاذا. فَقَالَ: الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأصْحَابُهُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! اقْضِ بَيْنَهُمَا. وَأرِحْ أحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ. فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدُوا أنْشُدُكُمْ بِالله الَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكنا فَهُوَ صدقه يُرِيد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَفسه قَالَ الرَّهْط قد قَالَ ذَلِك فَأقبل عمر على عليّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أنْشُدُكُما بِالله هَلْ تَعُلَمانِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ ذالِكَ؟ قَالا: قَدْ قَالَ ذالِكَ. قَالَ عُمَرُ: فَإنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هاذا الأمْرِ: إنَّ الله كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي هاذا المَالِ بِشَيْء لَمْ يُعْطِهِ أحَدا غَيْرَهُ. قَالَ الله: {مَا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {قَدِيرٌ} فَكَانَتْ هاذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالله مَا احْتَازَها دُونَكُمْ وَلا اسْتَأْثَرَ بِها عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أعْطاكُمُوها وَبَثَّها فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْها هاذا المَالُ: فَكانَ رَسُولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هاذا المَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجَعَلَهُ مَجْعَلَ مَالِ الله فَعَمِلَ بِذالِكَ رَسُولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَيَاتَهُ. أنْشُدُكُمْ بِالله هَلْ تَعْلَمُونَ ذالِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أنْشُدُكُمَا بِالله هَلْ تَعْلَمَانِ ذالِكَ؟ قَالا: نَعَمْ. ثُمَّ تَوَفَّى الله نَبِيَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: أنَا وَلِيُّ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَبَضَهَا أبُو بَكْرٍ يَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمَلَ بِهِ فِيها رَسُولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأنْتُمَا حِينئذٍ. وأقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ تَزْعُمانِ أنَّ أبَا بَكْرٍ كَذا وَكَذا، وَالله

يَعْلَمُ أنَّهُ فِيها صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ تَوَفَّى الله أبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: أنَا وَلِيُّ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأبِي بَكْرٍ فَقَبَضْتُها سَنَتَيْنٍ أعَمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأبُو بَكْرٍ ثُمَّ جِئْتِمَانِي وَكَلِمَتُمَانِي وَاحِدَةٌ وَأمْرُكُما جَمِيعٌ، جِئْتَنِي تَسْأَلَنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابنِ أخِيكَ وَأتَى هاذا يَسْألُنِي نَصِيبَ امْرَأتِهِ مِنْ أبِيهَا فَقُلْتُ: إنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إلَيْكُمَا عَلَى أنَّ عَلَيْكُما عَهْدَ الله وَمِيثاقَهُ لَتَعْمَلانِ فِيها بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبِما عَمِلَ بِهِ فِيها أبُو بَكْرٍ وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيها مُنْذُ وُلِّيتُها وَإلَاّ فَلا تُكَلِّمانِي فِيهَا. فَقُلْتُمَا ادْفَعْها إلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُها إلَيْكُما بِذالِكَ أنْشُدُكُمْ بِالله هَلْ دَفَعْتُها إلَيْهِمَا بِذالِكَ؟ فَقَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ. قَالَ: فَأقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أنْشُدُكُمَا بِالله هَلْ دَفَعْتُها إلَيْكُمَا بِذالِكَ؟ قَالا: نَعَمْ. قَالَ: أفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذالِكَ؟ وَالَّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ لَا أقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذالِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. فَإنْ عَجَزْتُمَا عَنْها فَادْفَعَاها فَأنا أكْفِيكُمَاها.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْفق على أَهله نَفَقَة سنتها) الحَدِيث قد مضى فِي: بَاب فرض الْخمس زِيَادَة بعض الْأَلْفَاظ فِيهِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة.

قَوْله: (يرفأ) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الرَّاء وبالفاء مهموزا وَغير مَهْمُوز. قَوْله: (اتئدوا) ، أَمر من الاتئاد وَهُوَ التأني وَعدم العجلة. قَوْله: (أنْشدكُمْ) ، بِضَم الشين أَي: أَسأَلكُم بِاللَّه. قَوْله: (لم يُعْطه غَيره) ، لِأَن الْفَيْء كُله على اخْتِلَاف فِيهِ كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَمَا احتازها) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي أَي: اجمعها لنَفسِهِ دونكم. قَوْله: (وَلَا اسْتَأْثر) أَي: لَا اسْتقْبل بهَا وَلَا تفرد بهَا. يُقَال: اسْتَأْثر فلَان بِهِ إِذا أَخذه لنَفسِهِ. قَوْله: (وبثها) ، أَي: فرقها. قَوْله: (هَذَا المَال) أَي: فدك وَنَحْوهَا. قَوْله: (نجْعَل مَال الله) أَي: مَوضِع جعل مَال الله فِيهِ، يَعْنِي: بَيت المَال. قَوْله: (وأنتما) ، مُبْتَدأ وَقَوله: (تزعمان) خَبره. قَوْله: (وَأَقْبل على عَليّ وعباس) جملَة حَالية مُعْتَرضَة. (كَذَا وَكَذَا) أَي: لَا يُعْطي ميراثنا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَالله يعلم أَنه) ، أَي: أَن أَبَا بكر. قَوْله: (صَادِق) ، أَي: فِي القَوْل. قَوْله: (بار) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء أَي: فِي الْعَمَل. قَوْله: (رَاشد) ، أَي: فِي الِاقْتِدَاء برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وأمركما جَمِيع) ، أَي: مُجْتَمع أَي: لم يكن بَيْنكُمَا مُنَازعَة. قَوْله: (من ابْن أَخِيك) ، أَي: لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (امْرَأَته) أَي: فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (من أَبِيهَا) أَي: نصِيبهَا الْكَائِن من أَبِيهَا وَهُوَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَقَالَ الرَّهْط) ، وهم: عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن وَالزُّبَيْر وَسعد. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (فَأقبل) أَي: عمر على عَليّ وعباس قَوْله: (أفتلتمسان مني) ؟ أَي: أفتطلبان مني قَضَاء أَي حكما غير ذَلِك؟ أَي: غير مَا حكمت بِهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ هَذِه الْقِصَّة مشكلة فَإِنَّهُمَا أخذاها من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الشريطة واعترفا بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ: مَا تركنَا صَدَقَة فَمَا الَّذِي بدا لَهما بعد ذَلِك حَتَّى تخاصما؟ وَالْمعْنَى فِيهَا: أَنه كَانَ يشق عَلَيْهِمَا الشّركَة فطلبا أَن يقسم بَينهمَا كل مِنْهُمَا بِالتَّدْبِيرِ وَالتَّصَرُّف فِيمَا يصير إِلَيْهِ فمنعهما عمر الْقسم لِئَلَّا يجْرِي عَلَيْهَا اسْم الْملك لِأَن الْقِسْمَة تقع فِي الْأَمْلَاك، ويتطاول الزَّمَان فيظن بِهِ الملكية.

٤ - (بَابٌ وَقَالَ الله تعَالَى: {وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنٍ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أرَادَ أنْ يَتِمَّ الرَّضَاعَةَ} إلَى قَوْلِهِ: {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (الْبَقَرَة: ٢٣٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {والوالدات} إِلَى قَوْله: (بَصِير) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر والأكثرين: (والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين) إِلَى قَوْله: (بَصِير) وَهَذِه التَّرْجَمَة وَقعت فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ بعد الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ قَوْله: (والوالدات يرضعن) خبر وَمَعْنَاهُ أَمر لما فِيهِ من الْإِلْزَام أَي: لترضع الوالدات أَوْلَادهنَّ يَعْنِي: الْأَوْلَاد من أَزوَاجهنَّ

وَهُوَ أَحَق وَلَيْسَ ذَلِك بِإِيجَاب إِذا كَانَ الْمَوْلُود لَهُ حَيا مُوسِرًا لقَوْله تَعَالَى فِي سُورَة النِّسَاء الْقصرى {فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ} (الطَّلَاق: ٦) على مايأتي، وَأكْثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد بالوالدات هُنَا المبتوتات فَقَط وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن أجر الرَّضَاع على الزَّوْج إِذا خرجت الْمُطلقَة من الْعدة. وَاخْتلفُوا فِي ذَات الزَّوْج هَل تجبر على رضَاع وَلَدهَا؟ قَالَ ابْن أبي ليلى: نعم مَا كَانَت امْرَأَته، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي ثَوْر، وَقَالَ الثَّوْريّ والكوفيون وَالشَّافِعِيّ: لَا يلْزمهَا رضاعه وَهُوَ على الزَّوْج على كل حَال، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: تجبر على رضاعه إلَاّ أَن يكون مثلهَا لَا يرضع فَذَلِك على الزَّوْج. قَوْله: (حَوْلَيْنِ) مُدَّة الرَّضَاع. وَقَوله: (كَامِلين) مثل قَوْله: (تِلْكَ عشرَة كَامِلَة) (الْبَقَرَة: ٩٦) .

{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرا} (الْأَحْقَاف: ١٥)

ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة إِشَارَة إِلَى قدر الْمدَّة الَّتِي يجب فِيهَا الرَّضَاع. قَوْله: (وَحمله وفصاله) ، أَي: فطامه (ثَلَاثُونَ شهرا) وَهَذَا دَلِيل على أَن أقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر لِأَن مُدَّة الرَّضَاع حولان كاملان لقَوْله تَعَالَى: {حَوْلَيْنِ كَامِلين} (الْبَقَرَة: ٢٣٣) فَيبقى للْحَمْل سِتَّة أشهر رُوِيَ عَن بعجة بن عبد الله الْجُهَنِيّ، قَالَ تزوج رجل منا امْرَأَة فَولدت لسِتَّة أشهر فَأتى عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأمر برجمها فَأَتَاهُ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِن الله عز وَجل يَقُول: {وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا} قَالَ: {وفصاله فِي عَاميْنِ} وَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِذا ذهبت رضاعته فَإِنَّمَا الْحمل سِتَّة أشهر.

وَقَالَ: {وَإنْ تَعَاسَرْ تُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} إلَى قَوْلِهِ: {بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرا} .

أَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة إِلَى مِقْدَار الْإِنْفَاق وَأَنه بِالنّظرِ لحَال الْمُنفق. قَوْله: (وَإِن تعاسرتم) ، أَي: فِي الْإِرْضَاع، فَأبى الزَّوْج أَن يُعْطي الْمَرْأَة أُجْرَة رضاعها وأبت الْأُم أَن ترْضِعه فَلَيْسَ لَهُ إكراهها على إرضاعه فسترضع لَهُ أُخْرَى فستوجد وَلَا تتعذر مُرْضِعَة غير الْأُم ترْضِعه، وَفِيه معاتبة الْأُم على المعاسرة أَي: سيجد الْأَب غير معاسرة ترْضع لَهُ وَلَده إِن عاسرته أمه. قَوْله: (لينفق ذُو سَعَة) ، أَي: ذُو مَوْجُود من سعته على قدر موجوده (وَمن قدر) أَي: وَمن ضيق عَلَيْهِ رزقه (فلينفق مِمَّا آتَاهُ الله) أَي: فلينفق من ذَلِك الَّذِي أعطَاهُ الله، وَإِن كَانَ قَلِيلا (لَا يُكَلف بِاللَّه نفسا إِلَّا مَا أَتَاهَا) أَي: أَعْطَاهَا من المَال (سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا) أَي: بعد ضيق فِي الْمَعيشَة.

وَقَالَ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ: نَهَى الله أنْ تُضارَّ وَالِدَةٌ بِوَالِدِها وَذالِكَ أنْ تَقُولَ الوَالِدَةُ لَسْتُ مِرْضِعَتَهُ وَهِيَ أمْثَلُ لَهُ غِذَاءً وَأشْفَقُ عَلَيْهِ وَأرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِها، فَلَيْسَ لَهَا أنْ تَأبَى بَعْدَ أنْ يُعْطِيهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ الله عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أنْ يُضارَّ بِوَالِدَتَهُ فَيَمْنَعَها أنْ تُرْضِعَهُ ضِرَارا لَهَا إلَى غَيْرِها فَلا جُناحَ عَلَيْهِمَا أنْ يَسْتَرْضِعَا عَنْ طِيْبِ نَفْسِ الوَالِدِ وَالوَالِدَةِ فَإنْ أرَادَ فِصالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ أنْ يَكُونَ ذالِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشاوُرٍ: فِصالُهُ فِطامُهُ.

أَي: قَالَ يُونُس بن يزِيد الْقرشِي الأبلي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الله بن وهب فِي (جَامعه) عَن يُونُس. قَالَ: قَالَ ابْن شهَاب فَذكره إِلَى قَوْله: (وتشاور) قَوْله: (نهى الله أَن تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا) ، وَذَلِكَ فِي قَوْله عز وَجل: {لَا تكلّف نفس إِلَّا وسعهَا لَا تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا} قَالَ فِي التَّفْسِير لَا تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا أَي بِأَن تَدْفَعهُ عَنْهَا لتضر أَبَاهُ بتربيته وَلَكِن لَيْسَ لَهَا دَفعه، إِذا وَلدته حَتَّى تسقيه اللباء الَّذِي لَا يعِيش بِدُونِ تنَاوله غَالِبا، ثمَّ بعد هذالها دَفعه عَنْهَا إِن شَاءَت، وَلَكِن إِن كَانَت مضارة لِأَبِيهِ فَلَا يحل لَهَا ذَلِك كَمَا لَا يحل لَهُ انْتِزَاعه مِنْهَا لمُجَرّد الضرار لَهَا. قَوْله: (وَهِي أمثل لَهُ) أَي: الوالدة أفضل للصَّغِير غذَاء أَي: من حَيْثُ الْغذَاء وأشفق عَلَيْهِ من غَيرهَا وأرفق بِهِ أَي: الصَّغِير من غَيرهَا. قَوْله: (فَلَيْسَ لَهَا أَن تأبى) أَي: لَيْسَ للوالدة أَن تمْتَنع بعد أَن يُعْطِيهَا الزَّوْج من نَفسه مَا جعل الله عَلَيْهِ من النَّفَقَة. قَوْله: (ضِرَارًا لَهَا) وَفِي بعض النّسخ ضِرَارًا بهَا. وَهُوَ

يتَعَلَّق بقوله: (فيمنعها) أَي: منعا يَنْتَهِي إِلَى رضَاع غَيرهَا. قَوْله: (فَإِن أَرَادَ فصالاً) أَي: فَإِن أنْفق والدا الطِّفْل على فصاله قبل الْحَوْلَيْنِ ورأيا فِي ذَلِك مصلحَة لَهُ وتشاورا فِي ذَلِك واجتمعا عَلَيْهِ فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِي ذَلِك. فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن انْفِرَاد أَحدهمَا بذلك دون الآخر لَا يَكْفِي، وَلَا يجوز لوَاحِد مِنْهُمَا أَن يستبد بذلك من غير مُشَاورَة الآخر. قَوْله: (فصاله) فطامه، هَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أخرجه الطَّبَرِيّ عَنهُ، والفصال مصدر تَقول: فاصلته أفاصله مفاصلة وفصالاً إِذا فارقته من خلْطَة كَانَت بَينهمَا، وفصال الْوَلَد مَنعه من شرب اللَّبن.

٥ - (بَابُ: {نَفَقَةِ المَرْأةِ إذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُها وَنَفَقَةِ الوَلَدِ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نَفَقَة الْمَرْأَة إِلَى آخِره.

٥٣٥٩ - حدَّثنا ابنُ مِقَاتِلٍ أخْبَرَنا عَبْدُ الله أخْبَرَنا يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهابٍ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ أنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها. قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مَسِيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيالَنا؟ قَالَ: لَا، إلاّ بِالمَعْرُوفِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. فِي نَفَقَة الْوَلَد فَقَط لِأَن أَبَا سُفْيَان كَانَ حَاضرا فِي الْمَدِينَة.

وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث.

قَوْله: (هِنْد بنت عتبَة) بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن ربيعَة عبد شمس بن عبد منَاف أم مُعَاوِيَة أسلمت عَام الْفَتْح بعد إِسْلَام زَوجهَا أبي سُفْيَان بن حَرْب فأقرهما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على نِكَاحهمَا، وَتوفيت فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو قُحَافَة والذ أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسم أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، مَاتَ فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصلى عَلَيْهِ ابْنه مُعَاوِيَة. وَقيل: عُثْمَان، وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة. وَقيل: ابْن بضع وَتِسْعين سنة. قَوْله: (مسيك) بِفَتْح الْمِيم وَكسر السِّين الْمُهْملَة الْخَفِيفَة وبكسر الْمِيم وَتَشْديد السِّين يَعْنِي: بخيل لَا يُعْطي من مَاله شَيْئا. فَالْأول فعيل بِمَعْنى فَاعل، وَالثَّانِي صِيغَة مُبَالغَة، قَوْله: (حرج) أَي: إِثْم قَوْله: (من الَّذِي لَهُ) أَي: من الشَّيْء الَّذِي لَهُ مِمَّا يملكهُ. قَوْله: (عيالنا) مَنْصُوب بقوله: (أَن أطْعم) قَوْله: (قَالَ لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ) أَي: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تطعمي إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا حرج عَلَيْك وَلَا تنفقي إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الَّذِي يتعارفه النَّاس فِي النَّفَقَة على أَوْلَادهم من غير إِسْرَاف. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تسرفي وأنفقي بِالْمَعْرُوفِ.

وَفِيه الدّلَالَة على وجوب نَفَقَة الْوَلَد.

٣٥٦٠ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَال: إذَا أنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِها عَنْ غَيْر أمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أجْرِهِ.

قيل: لَا وَجه لإيراد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، فَلَا مُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة وَأجِيب: بِأَنَّهُ كَمَا كَانَ للْمَرْأَة أَن تَتَصَدَّق من مَال زَوجهَا من غير أمره بِمَا تعلم أَنه يسمح بِمثلِهِ، وَهُوَ غير وَاجِب، كَانَ لَهَا أَن تَأْخُذ من مَاله بِمَا يجب عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ الأولى. وَهَذَا هُوَ الْجَامِع بَين الْحَدِيثين، وَهَذَا الْقدر كافٍ فِي الْمُطَابقَة.

وَيحيى شيخ البُخَارِيّ قَالَ الْكرْمَانِي: أما يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: خَتّ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَأما يحيى بن جَعْفَر بن أعين البيكندي البُخَارِيّ، سمع عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن همام بن مُنَبّه أخي وهب بن مُنَبّه. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى التَّرَدُّد فِي يحيى فَإِن الحَدِيث مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٢٦) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن وَصرح فِيهِ بقوله: حَدثنِي يحيى بن جَعْفَر عَن عبد الرَّزَّاق إِلَى آخِره.

قَوْله: (فَلهُ نصف أجره) وَوَجهه أَن ذَلِك من الطَّعَام الَّذِي يكون فِي الْبَيْت لأجل قوتهما جَمِيعًا. وَقيل المُرَاد بِغَيْر أمره الصَّرِيح بِأَن يَكْتَفِي فِي الْإِنْفَاق بِالْعَادَةِ أَو بالقرائن فِي الْإِذْن وَالْكَلَام المستوفي فِيهِ قد مر هُنَاكَ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ.

٥٣٥٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِا عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ - وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مَالِكٌ -: انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، قَالَ: فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا، ثُمَّ لَبِثَ يَرْفَأُ قَلِيلًا فَقَالَ لِعُمَرَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَلَمَّا دَخَلَا سَلَّمَا وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا، فَقَالَ الرَّهْطُ - عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ -: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدُوا، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؛ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ نَفْسَهُ؟ قَالَ الرَّهْطُ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ فِي هَذَا الْمَالِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿قَدِيرٌ﴾ فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَ هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ، فَعَمِلَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ لِعَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ.

ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ، فعمل فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ - وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ - تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَذَا وَكَذَا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ؛ جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، وَأَتَى هَذَا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ، وَبِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيهَا مُنْذُ وُلِّيتُهَا، وَإِلَّا فَلَا تُكَلِّمَانِي فِيهَا، فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا

بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا، فَأَنَا أَكْفِيَكُمَاهَا.

قَوْلُهُ (بَابُ حَبْسِ الرَّجُلِ قُوتَ سَنَةٍ عَلَى أَهْلِهِ، وَكَيْفُ نَفَقَاتُ الْعِيَالِ؟) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِرُكْنِ التَّرْجَمَةِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ كَيْفِيَّةُ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، فَلَمْ يَظْهَرْ لِي أَوَّلًا وَجْهُ أَخْذِهِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلَا رَأَيْتُ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ دَلِيلُ التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ نَفَقَةِ السَّنَةِ إِذَا عُرِفَ عُرِفَ مِنْهُ تَوْزِيعُهَا عَلَى أَيَّامِ السَّنَةِ، فَيُعْرَفُ حِصَّةُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْمُغَلِّ الْمَذْكُورِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ التَّسْوِيَةُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ) كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَلِلْأَكْثَرِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَسْبُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لِي مَعْمَرٌ: قَالَ لِيَ الثَّوْرِيُّ) هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا فَاتَ ابْنَ عُيَيْنَةَ سَمَاعُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، فَرَوَاهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ مَعْمَرٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِأَتَمَّ مِنْ سِيَاقِ مَعْمَرٍ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَشْرِ. وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ سُفْيَانَ عَمِّ مَعْمَرٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ وَحْدَهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ مُنْفَرِدَةً عَنْ سُفْيَانَ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْإِسْنَادَيْنِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ؛ فَإِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ قَرِينَانِ، وَعَمْرَو بْنَ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْمُذَاكَرَةُ بِالْعِلْمِ، وَإِلْقَاءُ الْعَالِمِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى نَظِيرِهِ؛ لِيَسْتَخْرِجَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْحِفْظِ، وَتَثَبُّتُ مَعْمَرٍ وَإِنْصَافُهُ؛ لِكَوْنِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْضِرُ إِذْ ذَاكَ فِي الْمَسْأَلَةِ شَيْئًا، ثُمَّ لَمَّا تَذَكَّرَهَا أَخْبَرَ بِالْوَاقِعَةِ كَمَا هيَ وَلَمْ يَأْنَفْ مِمَّا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا.

ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ فَرْضِ الْخُمُسِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الِادِّخَارِ لِلْأَهْلِ قُوتَ سَنَةٍ، وَفِي السِّيَاقِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ فَيُحْمَلُ عَلَى الِادِّخَارِ لِنَفْسِهِ، وَحَدِيثُ الْبَابِ عَلَى الِادِّخَارِ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُشَارَكَةٌ، لَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُمُ الْمَقْصِدُ بِالِادِّخَارِ دُونَهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يُوجَدُوا لَمْ يَدَّخِرْ، قَالَ: وَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى لِسَانِ الطَّرِيقَةِ جَعَلُوا أَوْ بَعْضُهُمْ مَا زَادَ عَلَى السَّنَةِ خَارِجًا عَنْ طَرِيقَةِ التَّوَكُّلِ، انْتَهَى.

وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الطَّبَرِيِّ حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الِادِّخَارِ مُطْلَقًا خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، وَفِي الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخُ تَقْيِيدٌ بِالسَّنَةِ اتِّبَاعًا لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ، لَكِنِ اسْتِدْلَالُ الطَّبَرِيِّ قَوِيٌّ، بَلِ التَّقْيِيدُ بِالسَّنَةِ إِنَّمَا جَاءَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَدَّخِرُ لَمْ يَكُنْ يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِمَّا تَمْرًا وَإِمَّا شَعِيرًا، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا يُدَّخَرُ كَانَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنْ سَنَتَيْنِ إِلَى سَنَتَيْنِ لَاقْتَضَى الْحَالُ جَوَازَ الِادِّخَارِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَعَ كَوْنِهِ كَانَ يَحْتَبِسُ قُوتَ سَنَةٍ لِعِيَالِهِ فَكَانَ فِي طُولِ السَّنَةِ رُبَّمَا اسْتَجَرَّهُ مِنْهُمْ لِمَنْ يَرِدُ عَلَيْهِ وَيُعَوِّضُهُمْ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ اقْتَرَضَهُ قُوتًا لِأَهْلِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ ادِّخَارِ الْقُوتِ لِمَنْ يَشْتَرِيهِ مِنَ السُّوقِ، قَالَ عِيَاضٌ: أَجَازَهُ قَوْمٌ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ مُغَلِّ الْأَرْضِ، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ إِلَّا إِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالسِّعْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ إِرْفَاقًا بِالنَّاسِ. ثُمَّ مَحِلُّ هَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٣٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو: سعيدُ بن كثير بنِ عُفَير -بضم العين المهملة وفتح الفاء مصغَّرًا- الأنصاريُّ مولاهم، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين مصغَّرًا، ابن خالدٍ الأَيْليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (١) (مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ) بفتح الحاء والدال المهملتين والمثلثة، قال الزُّهريُّ: (وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا) أي: بعضًا (مِنْ حَدِيثِهِ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك (فَقَالَ) لي (مَالِكٌ) المذكور: (انْطَلَقْتُ) فيه حذفٌ ذكرهُ في «فرضِ الخمس» ولفظه: «فقال مالك: بينا أنا جالسٌ في أهلي حين متَع النَّهار -أي: اشتدَّ حرُّه (٢) - إذا رسولُ عُمر بن الخطَّاب يأتينِي فقال: أَجب أميرَ المؤمنين فانطلقتُ معه» [خ¦٣٠٩٤] (حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ) فَبَيْنا أنا جالسٌ عنده (إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأ) بفتح التحتية وسكون الراء وفتح الفاء مهموزًا وغير مهموز (فَقَالَ) لهُ: (هَلْ لَكَ) رغبة (فِي عُثْمَانَ) بن عفان (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (وَالزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعْدٍ) أي: ابن أبي وقاصٍ، حال كونِهم (يَسْتَأْذِنُونَ) في الدُّخول عليك؟ (قَالَ (٣)) عُمر : (نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ قَالَ: فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا، ثُمَّ لَبِثَ) مكثَ (يَرْفَأ قَلِيلًا، فَقَالَ لِعُمَرَ: هَلْ لَكَ) رغبة (فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) (قَالَ) عمر: (نَعَمْ، فَأَذِنَ

لَهُمَا فَلَمَّا دَخَلَا سَلَّمَا وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ) لعُمر: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا) يريد عليًّا، زاد في «الخُمُس» [خ¦٣٠٩٤]: «وهما يَختصِمان فيما أَفاء الله على رسولِهِ من بني النَّضير» (فَقَالَ الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ) الَّذين معه: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدُوا) بتشديد الفوقية وكسر الهمزة، أي: تأنُّوا ولا تَعجلوا (أَنْشُدُكُمْ) بفتح الهمزة وضم الشين، أسألُكم (بِاللهِ الَّذِي بِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بإِذنه» (تَقُومُ السَّمَاءُ) فوق رؤوسكم بلا عمدٍ (وَالأَرْضُ) على الماءِ تحتَ أقدامكم (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا نُورَثُ) معاشرَ الأنبياء (مَا تَرَكْنَا (١) صَدَقَةٌ) «ما» موصولٌ (٢) مبتدأ، وتركنَا صلته والعائدُ محذوفٌ، صدقةٌ رَفْعٌ خبره (٣) (يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ (٤) نَفْسَهُ) وغيره من الأنبياء، فليس خاصًّا به، كما قال في الرِّواية الأُخرى: «نحن معاشر الأنبياء» (قَالَ الرَّهْطُ) عُثمان وأصحابه: (قَدْ قَالَ) (ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، إِنَّ اللهَ) ﷿ (كَانَ خَصَّ) ولأبي ذرٍّ: «قد خصَّ» (رَسُولَهُ فِي هَذَا المَالِ بِشَيْءٍ) وفي «الخُمُس» [خ¦٣٠٩٤]: «في هذا الفَيء» بدل: المال (لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ) لأنَّ الفيء كلَّه أو جلَّه على اختلافٍ فيه كانَ له (قَالَ اللهُ) تعالى: (﴿وَمَا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ (٥)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]). وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ﴾» (فَكَانَتْ هَذِهِ) الأخماسُ الأربعةُ من بني النَّضير وخيبر وفدَك (خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ ) لا حقَّ لأحدٍ فيها غيره (وَاللهِ مَا احْتَازَهَا) بحاء مهملة ساكنة وزاي مفتوحة: ما جمعها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ما اختارها» بالخاء المعجمة والراء المهملة، لنفسه (دُونَكُمْ وَلَا اسْتَأْثَرَ) ما استقلَّ (بِهَا

عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا) أي: أموال الفَيء (وَبَثَّهَا) بالموحدة والمثلثة المشددة: وفرَّقها (فِيكُمْ، حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا المَالُ) فدك وخيبر وبنو النَّضير (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا المَالِ) وهذا موضع التَّرجمة (ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ) أي: موضع (مَالِ اللهِ) لمصالح المسلمين (فَعَمِلَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ حَيَاتَهُ. أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ) ولأبي ذرٍّ: «أنشدكم الله» بحذف حرفِ الجرِّ والنَّصب (هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ) وفي «الخُمس» [خ¦٣٠٩٤]: «ثمَّ قال» (لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ يَعْمَلُ) ولأبي ذرٍّ: «فعمل» (فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ، وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ -وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاس-) جملة حالية معترضة (تَزْعُمَانِ) خبر لِقوله: أنتُما (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَذَا وَكَذَا) أي: منعكُما ميراثَكما منه (وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ) في القول (بَارٌّ) في العمل (رَاشِدٌ) في الاقتداءِ برسولِ الله (تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ وَأَبِي بَكْرٍ) (فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ) من إمارتي (أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ وَأَبُو بَكْرٍ) (ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ، وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ) أي: مجتمعٌ لم يكنْ بينكما مُنازعة (جِئْتَنِي) يا عبَّاس (تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) (وَأَتَى هَذَا) أي: عليٌّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وإن هذا» (يَسْأَلُنِي نَصِيْبَ امْرَأَتِهِ) فاطمة (مِنْ أَبِيهَا) (فَقُلْتُ) لكما: (إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ) فيها (١) (رَسُولُ اللهِ وَبِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ) (وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيهَا مُنْذُ وُلِّيتُهَا) فلا تتصرَّفان فيها (٢) على جهةِ التَّمليكِ؛ إذ هي صدقةٌ مُحرَّمةُ التَّمليك، بل افعلا فيها كما فعلَ رسولُ الله وصاحِباه بعدَه (٣) (وَإِلَّا) بأنْ لا (٤) تَفْعلا فيها ما ذُكر (فَلَا تُكَلِّمَانِي فِيهَا فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ) ثمَّ قال للرَّهط: (أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَقْبَلَ) عمر (عَلَى

عَليٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ) عمر: (أَفَتَلْتَمِسَانِ) أفتطلبان (مِنِّي قَضَاءً) حكمًا (غَيْرَ ذَلِكَ) الحُكم الَّذي حَكمت فيها (١) (فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ (٢) وَالأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا) إليَّ (فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا).

وهذا الحديثُ سبق في «فرضِ الخُمُس» [خ¦٣٠٩٤] والله الموفِّق والمعين.

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى) وسقط لفظ «وقال الله تعالى» لأبي ذرٍّ (﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾) خبرٌ في معنى الأمرِ المؤكد كـ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ وهذا الأمر على وجه النَّدبِ، أو على وجهِ الوجوب، إذا لم يقبَلِ الصَّبيُّ إلَّا ثَدي أمِّه أو لم يُوجد له ظئرٌ أو كان الأبُ عاجزًا عن الاستئجارِ، أو (٣) أرادَ الوالدات المطلَّقات، وإيجابُ النَّفقة والكسوةِ لأجلِ الرَّضاع، وعبَّر بلفظ الخبرِ دون لفظِ الإلزام، كأنْ يقول: وعلى الوالداتِ إرضاعُ أولادهنَّ، كما جاءَ بعدُ وعلى الوارثِ مثلُ ذلك إشارة إلى عدمِ الوجوب (﴿حَوْلَيْنِ﴾) ظرف (﴿كَامِلَيْنِ﴾) تامَّيْن وهو تأكيدٌ لأنَّه ممَّا يُتسامح فيه، فإنَّك تقول: أقمتُ عند فلانٍ حَوْلين ولم تستكملهما (﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ

الرَّضَاعَةَ﴾) بيانٌ لِمن (١) توجَّه إليه الحُكم، أي: هذا الحُكم لمنْ أرادَ إتمامَ الرَّضاع (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]) لا تخفَى عليه أعمالُكم فهو يجازيكُم عليها (وَقَالَ) تعالى: (﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾) ومدَّة حملهِ وفطامهِ (﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]) استدلَّ عليٌّ بهذهِ الآيةِ مع الَّتي في لقمان: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ على أنَّ أقل مدَّة الحمل ستة أشهرٍ، وهو -كما قاله ابن كثيرٍ- استنباطٌ قويٌّ صحيحٌ، ووافقه (٢) عليه عُثمان وغيرُه من الصَّحابة ، فروى محمَّد بن إسحاقٍ عن بعجة (٣) بن عبد الله الجُهَنِيِّ قال: تزوَّج رجلٌ منا امرأةً من جُهينة فولدَتْ لتمامِ ستَّة (٤) أشهرٍ، فانطلَقَ زوجها إلى عثمان فذكرَ ذلك له، فبعثَ إليها فلَّما قامتْ لتلبس ثيابَها بكتْ أختها، فقالت: ما يُبكيكِ؟ فوالله ما التبسَ بي أحدٌ من خلقِ الله غيره قطُّ، فيقضِي الله فيَّ ما شاء، فلَّما أتي بها عثمان أمرَ برجمِها، فبلغَ ذلك عليًّا فأتاهُ فقالُ له: ما تصنعُ؟ قال: ولدَت تمامًا (٥) لستَّةِ أشهرٍ وهل يكون ذلك؟ فقال له عليٌّ: أمَا تقرأُ القرآنَ؟ قال: بلى. قال: أمَا سمعتَ الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فلم تجدْه (٦) بقيَ إلَّا ستة أشهرٍ، فقال عثمانُ: والله ما فَطِنت لهذا، عليَّ بالمرأةِ قال: فوجدُوها قد فُرِغ منها. رواه ابنُ أبي حاتم.

(وَقَالَ) تعالى: (﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ﴾) أي: تضايقتُم فلم ترضَ الأمُّ بما تُرضع به الأجنبيَّة، ولم يَزِد (٧) الأب على ذلك (﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾) فستوجدُ (٨) ولا تعوزُ (٩) مرضعة غير الأمِّ تُرضعه، وفيه طرفٌ من معاتبةِ الأمِّ على المعاسرةِ، وقوله: ﴿لَهُ﴾ أي: للأب، أي: سيجدُ الأبُ غيرَ مُعاسرة

تُرضع له وَلده إنْ عاسرتْهُ أمُّه، وفيه: أنَّه لا يجبُ على الأمِّ إرضاع (١) ولدها. نعم، عليها إرضاعُه اللَّبأ -بالهمزة والقصر- بأجرةٍ وبدونها (٢) لأنَّه لا يعيشُ غالبًا إلَّا به، وهو اللَّبن أوَّل الولادةِ، ثمَّ بعدَه إنْ انفردتْ هي أو أجنبيَّة وجبَ إرضاعُه على الموجودةِ (٣) منهما، وله إجبارُ أمتهِ على إرضاع ولدها منه أو من غَيره لأنَّ لبنَها ومَنافعها له بخلافِ الحرَّة (﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾) أي: لِيُنفق كلُّ واحدٍ من المُوسر والمُعسر ما بلغَهُ وسعهُ، يريد: ما أُمر (٤) به من الإنفاقِ على المطلَّقات والمرضعاتِ (﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾) أي: ضُيِّق عليه، أي: رزقه الله على قدرِ قُوتِه (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٦ - ٧]) أي: بعد ضيقٍ في المعيشة سِعَة، وهذا وعدٌ لذي العُسر باليُسر، ووعدُه تعالى حقٌّ وهو لا يخلفُهُ. قال في «فتوح الغيب»: يقال: إنَّه موعدٌ لفقراءِ ذلك الوقت، ويدخلُ فيه فقراءُ الأزواجِ دخولًا أولويًّا.

(وَقَالَ يُونُسُ) بن يزيد الأَيْليُّ فيما وصَله عبدُ الله بن وهب في «جامعه» (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ: (نَهَى اللهُ تَعَالَى أَنْ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) في قوله جلَّ وعلا: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ (٥) إِلاَّ وُسْعَهَا لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] (وذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الوَالِدَةُ) للوالدِ: (لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ) أو تطلب منه ما ليس بعدلٍ من الرِّزق والكسوةِ، وأن تُشغلَ قلبه بالتَّفريط في شأنِ الولَد، وأن تقولَ بعدما ألفها الولَد: اطلبْ له ظِئرًا وما أشبَه ذلك (وَهْيَ أَمْثَلُ لَهُ غِذَاءً) بمعجمتين أولاهما مكسورة (٦) (وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْبَى) إِرضاعه (بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا) الوالد (مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللهُ عَلَيْهِ) من الرِّزق والكسوة (وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ) أي: بسبب ولَده (وَالِدَتَهُ فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ) وهي تريدُ إرضاعه (ضِرَارًا لَهَا) منتهيًا (إِلَى) رَضَاع (غَيْرِهَا) فإلى متعلِّقٌ بيمنعها (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي: الأبوين (أَنْ يَسْتَرْضِعَا) ظئرًا (عَنْ طِيبِ نَفْسِ الوَالِدِ وَالوَالِدَةِ فَإِنْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وإن» (أَرَادَا فِصَالًا

عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ) بينهما (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) في ذلك (بَعْدَ أَنْ يَكُوْنَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وتَشَاوُرٍ) سواء زادا على الحَولين أو نَقصا، وهو توسعةٌ بعد التَّحديد، والتَّشاور: استخراج الرَّأي، وذِكره ليكونَ التَّراضي عن تفكُّر فلا يضُرُّ الرَّضيع، فسبحان من أدَّبَ الكبيرَ ولم يُهملِ الصَّغير، واعتبرَ اتِّفاق (١) الأبوين لما للأبِ من النَّسب والولايةِ، وللأمِّ من الشَّفقةِ والعنايةِ.

(﴿وَفِصَالُهُ﴾) قال ابنُ عبَّاس فيما أخرجَهُ الطَّبريُّ: يعني (٢): (فِطَامَهُ) بنصبِ الميم (٣) في «اليونينيَّة» أي: منعه من شُربِ اللَّبن.

(٥) (بابُ نَفَقَةِ المَرْأَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَنَفَقَةِ الوَلَدِ) بخفضِ «ونفقةِ» عطفًا على المضافِ إليه، إذا غابَ الزَّوج المُوسر عن زوجتهِ فليس لها فسخُ النِّكاح لتمكُّنِها من تحصيلِ حقِّها بالحاكم، فيبعثُ قاضي بلدِها إلى قاضي بلدهِ فيُلْزِمُهُ بدفع نَفقتها إن علمَ مَوضعه، واختارَ القاضي الطَّبريُّ وابنُ الصَّبَّاغ جواز الفسخِ لها إذا تعذَّر تحصيلها في غيبتهِ للضَّرورة، وقال الرُّوياني وصاحب «العدَّة»: إنَّ الفتوى عليه، ولو انقطعَ خَبره ثبتَ لها الفسخُ لأنَّ تعذُّر النَّفقة بانقطاع خَبره كتعذُّرها بالإفلاس، نقله الزَّركشيُّ عن صاحبي «المهذب» (٤) و «الكافي» وغيرهما وأقرَّه. لا بغيبةِ من جُهل حاله يسارًا وإعسارًا (٥) لعدم تحقُّق المقتضَى. نعم لو أقامتْ بيِّنةً عند حاكم بلدها بإعسارِهِ ثبتَ لها الفسخُ، ولا يُفسخ بغيبةِ ماله دون مسافةِ (٦) القصر لأنَّه في حكمِ الحاضر ويُؤمر بتعجيلِ الإحضار، أمَّا إذا كان (٧) بمسافة القصرِ فأكثر فلها الفَسخ؛ لتضرُّرها بالانتظارِ الطَّويل، وأمَّا نفقةُ الولدِ فتجبُ بشرط الحاجةِ، والأصحُّ عند الشَّافعيَّة اعتبار الصِّغر أو الزَّمَانة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

هَذَا الحَدِيث أَحْكَام

الأول: أَن حق نفس الرجل يقدم على حق غَيره. الثَّانِي: أَن نَفَقَة الْوَلَد وَالزَّوْجَة فرض بِلَا خلاف. الثَّالِث: أَن نَفَقَة الخدم وَاجِبَة أَيْضا. الرَّابِع: اسْتدلَّ بقوله: (إِمَّا أَن تطعمني وَإِمَّا أَن تُطَلِّقنِي) من قَالَ: يفرق بَين الرجل وَامْرَأَته إِذا أعْسر بِالنَّفَقَةِ واختارت فِرَاقه. قَالَ بَعضهم: وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: يلْزمهَا الصَّبْر وتتعلق النَّفَقَة بِذِمَّتِهِ وَاسْتدلَّ الْجُمْهُور بقوله تَعَالَى: {وَلَا تمسكوهن ضِرَارًا لتعتدوا} (الْبَقَرَة: ٢٣١) وَأجَاب الْمُخَالف بِأَنَّهُ لَو كَانَ الْفِرَاق وَاجِبا لما جَازَ الْإِبْقَاء إِذا رضيت، ورد عَلَيْهِ بِأَن الِاجْتِمَاع دلّ على جَوَاز الْإِبْقَاء إِذا رضيت فَبَقيَ مَا عداهُ على عُمُوم النَّهْي، وبالقياس على الرَّقِيق وَالْحَيَوَان فَإِن من أعْسر بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ أجبر على بَيْعه. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَه الْكُوفِيُّونَ هُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَابْن شهَاب الزُّهْرِيّ وَابْن شبْرمَة وَأبي سلمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز هُوَ المحكي عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرُوِيَ عَن عبد الْوَارِث عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر. قَالَ: كتب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى أُمَرَاء الأجناد: ادعوا فلَانا وَفُلَانًا، أُنَاسًا قد انْقَطَعُوا عَن الْمَدِينَة ورحلوا عَنْهَا، إِمَّا أَن يرجِعوا إِلَى نِسَائِهِم وَإِمَّا أَن يبعثوا بِنَفَقَة إلَيْهِنَّ وَإِمَّا أَن يطلقوا ويبعثوا بِنَفَقَة مَا مضى، وَلم يتَعَرَّض إِلَى شَيْء غير ذَلِك. وَقَول هَذَا الْقَائِل: وَأجَاب الْمُخَالف: هَل أَرَادَ بِهِ أَبَا حنيفَة أم غَيره؟ فَإِن أَرَادَ بِهِ أَبَا حنيفَة فَمَا وَجه تَخْصِيصه من بَين هَؤُلَاءِ وَلَيْسَ ذَلِك إلاّ من أريحة التعصب، وَإِن أَرَادَ بِهِ غَيره مُطلقًا كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: وَأجَاب المخالفون، وَلَا يتم استدلالهم بقوله تَعَالَى: {وَلَا تمسكوهن ضِرَارًا لتعتدوا} لِأَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد ومسروقاً وَالْحسن رَاجعهَا ضِرَارًا لِئَلَّا تذْهب إِلَى غَيره ثمَّ يطلقهَا فتعتذ فَإِذا شارفت على انْقِضَاء الْعدة يُطلق ليطول عَلَيْهَا الْعدة فنهاهم الله عَن ذَلِك وتوعدهم عَلَيْهِ فَقَالَ {وَمن يفعل ذَلِك فقد ظلم نَفسه} أَي: بمخالفة أَمر الله عز وَجل، فَبَطل استدلالهم بِهَذَا وَعُمُوم النَّهْي لَيْسَ فِيمَا قَالُوا: وَإِنَّمَا هُوَ فِي الَّذِي ذكر: عَن ابْن عَبَّاس وَمن مَعَه، وَالْقِيَاس على الرَّقِيق وَالْحَيَوَان قِيَاس مَعَ الْفَارِق فَلَا يَصح بَيَانه أَن الرَّقِيق وَالْحَيَوَان أَن لَا يملكَانِ شَيْئا وَلَا يجد الرَّقِيق من يسلفه وَلَا يصبران على عدم النَّفَقَة، بِخِلَاف الزَّوْجَة فَإِنَّهَا تصبر وتستدين على ذمَّة زَوجهَا، وَلِأَن التَّفْرِيق يبطل حَقّهَا وإبقاء النِّكَاح يُؤَخر حَقّهَا إِلَى زمن الْيَسَار عِنْد فقره وَإِلَى زمن الْإِحْضَار عِنْد غيبته، وَالتَّأْخِير أَهْون من الْإِبْطَال.

٥٣٥٦ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ: حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خَالِدٍ ابنِ مُسافِرٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنِ ابنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غَنًى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (مَا كَانَ عَن ظهر غنى) ، أَي: مَا كَانَ عفوا قد فشل عَن غنى، وَقيل: أَرَادَ مَا فضل عَن الْعِيَال وَالظّهْر قد يُزَاد فِي مثل هَذَا اتساعا للْكَلَام وتمكينا، كَأَن صدقته مستندة إِلَى ظهر قوي من المَال.

٣ - (بَابٌ: {حَبْسٍ نَفَقَةِ الرَّجُلِ قُوتَ سَنَةٍ عَلَى أهْلِهِ، وَكَيْفَ نَفَقَاتُ العِيَالِ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز حبس الرجل قوت سنة، يَعْنِي إدخاره الْقُوت لأجل أَهله يَكْفِيهِ سنة، وَكَيف شَأْن نفقات الْعِيَال والكيفية رَاجِعَة إِلَى صفة النَّفَقَات من حَيْثُ الْفَرِيضَة وَالْوُجُوب وعدمهما.

٥٣٥٧ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخْبَرنا وَكيعٌ عَنِ ابنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ لِي مَعْمَرٌ: قَالَ لِي الثَّوْرِيُّ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الرَّجُلِ يَجْمَعُ لأهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ أوْ بَعْضِ السَّنَةِ؟ قَالَ مَعْمَرٌ: فَلَمْ يَحْضُرِنِي، ثُمَّ ذَكَرْتُ حَدِيثا حَدَّثَناهُ ابنُ شهابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ بنِ أوْسٍ عَنْ عُمَرَ، رَضِيَ الله عَنهُ، أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ لأهْلِهِ قَوتَ سَنَتِهِمْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد، وَالثَّوْري هُوَ سُفْيَان.

والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَقد فَاتَ ابْن عُيَيْنَة سَماع هَذَا الحَدِيث من الزُّهْرِيّ فَرَوَاهُ عَنهُ بِوَاسِطَة معمر، وَقد رَوَاهُ أَيْضا عَن عَمْرو ابْن دِينَار عَن الزُّهْرِيّ بأتم من سِيَاق معمر، وَتقدم فِي سُورَة الْحَشْر. وَأخرجه أَحْمد والْحميدِي فِي (مسنديهما) عَن سُفْيَان عَن معمر وَعَمْرو بن دِينَار جَمِيعًا عَن الزُّهْرِيّ، وَقد أخرج مُسلم رِوَايَة معمر وَحدهَا عَن يحيى بن يحيى عَن سُفْيَان عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، لَكِن لم يسق لَفظه، وَأخرج إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) رِوَايَة معمر مُنْفَرِدَة عَن سُفْيَان عَنهُ عَن الزُّهْرِيّ بِلَفْظ: كَانَ ينْفق على أَهله نَفَقَة سنة من مَال بني النَّضِير، وَيحمل مَا بَقِي فِي الكراع وَالسِّلَاح.

قَوْله: (بني النَّضِير) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالراء، وهم حَيّ من يهود خَيْبَر، وَقد دخلُوا فِي الْعَرَب وهم على نسبتهم إِلَى هَارُون أخي مُوسَى، عَلَيْهِمَا السَّلَام.

قَالَ الْمُهلب: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز إدخار الْقُوت للأهل والعيال وَأَنه لَيْسَ بحكرة، وَإِن مَا ضمه الْإِنْسَان من زرعه أَو جد من نخله وثمره وحبسه لقُوته لَا يُسمى حكرة، وَلَا خلاف فِي هَذَا بَين الْفُقَهَاء. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: فِيهِ دَلِيل الرَّد على الصُّوفِيَّة حَيْثُ قَالُوا: الإدخار من يَوْم لغد يسيء فَاعله إِذْ لم يتوكل على ربه حق توكله، وَلَا خَفَاء بِفساد هَذَا القَوْل.

٥٣٥٨ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ: حدَّثني عُقَيْلٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أخْبَرنِي مَالِكُ بنُ أوْسٍ بنِ الحَدَثَانٍ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ جُبَيْرٍ بنِ مِطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بنِ أوْسٍ فَسَألْتُهُ. فَقَالَ مَالِكٌ: انْطَلَقْتُ حَتَّى أدْخُلَ عَلَى عُمَرَ، رَضِيَ الله عَنهُ، إذْ أتاهُ حَاجِبُهُ يَرْفأُ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمانِ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ يَسْتأذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ {فَأذِنَ لَهُمْ. قَالَ: فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا. ثُمَّ لَبِثَ يَرْفَأُ قَلِيلاً فَقَالَ لِعُمَرَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأذِنَ لَهُمَا. فَلَمَّا دَخَلا سَلَّما وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ} اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هاذا. فَقَالَ: الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأصْحَابُهُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! اقْضِ بَيْنَهُمَا. وَأرِحْ أحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ. فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدُوا أنْشُدُكُمْ بِالله الَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكنا فَهُوَ صدقه يُرِيد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَفسه قَالَ الرَّهْط قد قَالَ ذَلِك فَأقبل عمر على عليّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أنْشُدُكُما بِالله هَلْ تَعُلَمانِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ ذالِكَ؟ قَالا: قَدْ قَالَ ذالِكَ. قَالَ عُمَرُ: فَإنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هاذا الأمْرِ: إنَّ الله كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي هاذا المَالِ بِشَيْء لَمْ يُعْطِهِ أحَدا غَيْرَهُ. قَالَ الله: {مَا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {قَدِيرٌ} فَكَانَتْ هاذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالله مَا احْتَازَها دُونَكُمْ وَلا اسْتَأْثَرَ بِها عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أعْطاكُمُوها وَبَثَّها فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْها هاذا المَالُ: فَكانَ رَسُولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هاذا المَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجَعَلَهُ مَجْعَلَ مَالِ الله فَعَمِلَ بِذالِكَ رَسُولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَيَاتَهُ. أنْشُدُكُمْ بِالله هَلْ تَعْلَمُونَ ذالِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أنْشُدُكُمَا بِالله هَلْ تَعْلَمَانِ ذالِكَ؟ قَالا: نَعَمْ. ثُمَّ تَوَفَّى الله نَبِيَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: أنَا وَلِيُّ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَبَضَهَا أبُو بَكْرٍ يَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمَلَ بِهِ فِيها رَسُولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأنْتُمَا حِينئذٍ. وأقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ تَزْعُمانِ أنَّ أبَا بَكْرٍ كَذا وَكَذا، وَالله

يَعْلَمُ أنَّهُ فِيها صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ تَوَفَّى الله أبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: أنَا وَلِيُّ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأبِي بَكْرٍ فَقَبَضْتُها سَنَتَيْنٍ أعَمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأبُو بَكْرٍ ثُمَّ جِئْتِمَانِي وَكَلِمَتُمَانِي وَاحِدَةٌ وَأمْرُكُما جَمِيعٌ، جِئْتَنِي تَسْأَلَنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابنِ أخِيكَ وَأتَى هاذا يَسْألُنِي نَصِيبَ امْرَأتِهِ مِنْ أبِيهَا فَقُلْتُ: إنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إلَيْكُمَا عَلَى أنَّ عَلَيْكُما عَهْدَ الله وَمِيثاقَهُ لَتَعْمَلانِ فِيها بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبِما عَمِلَ بِهِ فِيها أبُو بَكْرٍ وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيها مُنْذُ وُلِّيتُها وَإلَاّ فَلا تُكَلِّمانِي فِيهَا. فَقُلْتُمَا ادْفَعْها إلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُها إلَيْكُما بِذالِكَ أنْشُدُكُمْ بِالله هَلْ دَفَعْتُها إلَيْهِمَا بِذالِكَ؟ فَقَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ. قَالَ: فَأقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أنْشُدُكُمَا بِالله هَلْ دَفَعْتُها إلَيْكُمَا بِذالِكَ؟ قَالا: نَعَمْ. قَالَ: أفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذالِكَ؟ وَالَّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ لَا أقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذالِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. فَإنْ عَجَزْتُمَا عَنْها فَادْفَعَاها فَأنا أكْفِيكُمَاها.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْفق على أَهله نَفَقَة سنتها) الحَدِيث قد مضى فِي: بَاب فرض الْخمس زِيَادَة بعض الْأَلْفَاظ فِيهِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة.

قَوْله: (يرفأ) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الرَّاء وبالفاء مهموزا وَغير مَهْمُوز. قَوْله: (اتئدوا) ، أَمر من الاتئاد وَهُوَ التأني وَعدم العجلة. قَوْله: (أنْشدكُمْ) ، بِضَم الشين أَي: أَسأَلكُم بِاللَّه. قَوْله: (لم يُعْطه غَيره) ، لِأَن الْفَيْء كُله على اخْتِلَاف فِيهِ كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَمَا احتازها) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي أَي: اجمعها لنَفسِهِ دونكم. قَوْله: (وَلَا اسْتَأْثر) أَي: لَا اسْتقْبل بهَا وَلَا تفرد بهَا. يُقَال: اسْتَأْثر فلَان بِهِ إِذا أَخذه لنَفسِهِ. قَوْله: (وبثها) ، أَي: فرقها. قَوْله: (هَذَا المَال) أَي: فدك وَنَحْوهَا. قَوْله: (نجْعَل مَال الله) أَي: مَوضِع جعل مَال الله فِيهِ، يَعْنِي: بَيت المَال. قَوْله: (وأنتما) ، مُبْتَدأ وَقَوله: (تزعمان) خَبره. قَوْله: (وَأَقْبل على عَليّ وعباس) جملَة حَالية مُعْتَرضَة. (كَذَا وَكَذَا) أَي: لَا يُعْطي ميراثنا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَالله يعلم أَنه) ، أَي: أَن أَبَا بكر. قَوْله: (صَادِق) ، أَي: فِي القَوْل. قَوْله: (بار) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء أَي: فِي الْعَمَل. قَوْله: (رَاشد) ، أَي: فِي الِاقْتِدَاء برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وأمركما جَمِيع) ، أَي: مُجْتَمع أَي: لم يكن بَيْنكُمَا مُنَازعَة. قَوْله: (من ابْن أَخِيك) ، أَي: لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (امْرَأَته) أَي: فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (من أَبِيهَا) أَي: نصِيبهَا الْكَائِن من أَبِيهَا وَهُوَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَقَالَ الرَّهْط) ، وهم: عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن وَالزُّبَيْر وَسعد. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (فَأقبل) أَي: عمر على عَليّ وعباس قَوْله: (أفتلتمسان مني) ؟ أَي: أفتطلبان مني قَضَاء أَي حكما غير ذَلِك؟ أَي: غير مَا حكمت بِهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ هَذِه الْقِصَّة مشكلة فَإِنَّهُمَا أخذاها من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الشريطة واعترفا بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ: مَا تركنَا صَدَقَة فَمَا الَّذِي بدا لَهما بعد ذَلِك حَتَّى تخاصما؟ وَالْمعْنَى فِيهَا: أَنه كَانَ يشق عَلَيْهِمَا الشّركَة فطلبا أَن يقسم بَينهمَا كل مِنْهُمَا بِالتَّدْبِيرِ وَالتَّصَرُّف فِيمَا يصير إِلَيْهِ فمنعهما عمر الْقسم لِئَلَّا يجْرِي عَلَيْهَا اسْم الْملك لِأَن الْقِسْمَة تقع فِي الْأَمْلَاك، ويتطاول الزَّمَان فيظن بِهِ الملكية.

٤ - (بَابٌ وَقَالَ الله تعَالَى: {وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنٍ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أرَادَ أنْ يَتِمَّ الرَّضَاعَةَ} إلَى قَوْلِهِ: {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (الْبَقَرَة: ٢٣٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {والوالدات} إِلَى قَوْله: (بَصِير) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر والأكثرين: (والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين) إِلَى قَوْله: (بَصِير) وَهَذِه التَّرْجَمَة وَقعت فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ بعد الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ قَوْله: (والوالدات يرضعن) خبر وَمَعْنَاهُ أَمر لما فِيهِ من الْإِلْزَام أَي: لترضع الوالدات أَوْلَادهنَّ يَعْنِي: الْأَوْلَاد من أَزوَاجهنَّ

وَهُوَ أَحَق وَلَيْسَ ذَلِك بِإِيجَاب إِذا كَانَ الْمَوْلُود لَهُ حَيا مُوسِرًا لقَوْله تَعَالَى فِي سُورَة النِّسَاء الْقصرى {فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ} (الطَّلَاق: ٦) على مايأتي، وَأكْثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد بالوالدات هُنَا المبتوتات فَقَط وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن أجر الرَّضَاع على الزَّوْج إِذا خرجت الْمُطلقَة من الْعدة. وَاخْتلفُوا فِي ذَات الزَّوْج هَل تجبر على رضَاع وَلَدهَا؟ قَالَ ابْن أبي ليلى: نعم مَا كَانَت امْرَأَته، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي ثَوْر، وَقَالَ الثَّوْريّ والكوفيون وَالشَّافِعِيّ: لَا يلْزمهَا رضاعه وَهُوَ على الزَّوْج على كل حَال، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: تجبر على رضاعه إلَاّ أَن يكون مثلهَا لَا يرضع فَذَلِك على الزَّوْج. قَوْله: (حَوْلَيْنِ) مُدَّة الرَّضَاع. وَقَوله: (كَامِلين) مثل قَوْله: (تِلْكَ عشرَة كَامِلَة) (الْبَقَرَة: ٩٦) .

{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرا} (الْأَحْقَاف: ١٥)

ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة إِشَارَة إِلَى قدر الْمدَّة الَّتِي يجب فِيهَا الرَّضَاع. قَوْله: (وَحمله وفصاله) ، أَي: فطامه (ثَلَاثُونَ شهرا) وَهَذَا دَلِيل على أَن أقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر لِأَن مُدَّة الرَّضَاع حولان كاملان لقَوْله تَعَالَى: {حَوْلَيْنِ كَامِلين} (الْبَقَرَة: ٢٣٣) فَيبقى للْحَمْل سِتَّة أشهر رُوِيَ عَن بعجة بن عبد الله الْجُهَنِيّ، قَالَ تزوج رجل منا امْرَأَة فَولدت لسِتَّة أشهر فَأتى عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأمر برجمها فَأَتَاهُ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِن الله عز وَجل يَقُول: {وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا} قَالَ: {وفصاله فِي عَاميْنِ} وَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِذا ذهبت رضاعته فَإِنَّمَا الْحمل سِتَّة أشهر.

وَقَالَ: {وَإنْ تَعَاسَرْ تُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} إلَى قَوْلِهِ: {بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرا} .

أَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة إِلَى مِقْدَار الْإِنْفَاق وَأَنه بِالنّظرِ لحَال الْمُنفق. قَوْله: (وَإِن تعاسرتم) ، أَي: فِي الْإِرْضَاع، فَأبى الزَّوْج أَن يُعْطي الْمَرْأَة أُجْرَة رضاعها وأبت الْأُم أَن ترْضِعه فَلَيْسَ لَهُ إكراهها على إرضاعه فسترضع لَهُ أُخْرَى فستوجد وَلَا تتعذر مُرْضِعَة غير الْأُم ترْضِعه، وَفِيه معاتبة الْأُم على المعاسرة أَي: سيجد الْأَب غير معاسرة ترْضع لَهُ وَلَده إِن عاسرته أمه. قَوْله: (لينفق ذُو سَعَة) ، أَي: ذُو مَوْجُود من سعته على قدر موجوده (وَمن قدر) أَي: وَمن ضيق عَلَيْهِ رزقه (فلينفق مِمَّا آتَاهُ الله) أَي: فلينفق من ذَلِك الَّذِي أعطَاهُ الله، وَإِن كَانَ قَلِيلا (لَا يُكَلف بِاللَّه نفسا إِلَّا مَا أَتَاهَا) أَي: أَعْطَاهَا من المَال (سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا) أَي: بعد ضيق فِي الْمَعيشَة.

وَقَالَ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ: نَهَى الله أنْ تُضارَّ وَالِدَةٌ بِوَالِدِها وَذالِكَ أنْ تَقُولَ الوَالِدَةُ لَسْتُ مِرْضِعَتَهُ وَهِيَ أمْثَلُ لَهُ غِذَاءً وَأشْفَقُ عَلَيْهِ وَأرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِها، فَلَيْسَ لَهَا أنْ تَأبَى بَعْدَ أنْ يُعْطِيهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ الله عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أنْ يُضارَّ بِوَالِدَتَهُ فَيَمْنَعَها أنْ تُرْضِعَهُ ضِرَارا لَهَا إلَى غَيْرِها فَلا جُناحَ عَلَيْهِمَا أنْ يَسْتَرْضِعَا عَنْ طِيْبِ نَفْسِ الوَالِدِ وَالوَالِدَةِ فَإنْ أرَادَ فِصالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ أنْ يَكُونَ ذالِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشاوُرٍ: فِصالُهُ فِطامُهُ.

أَي: قَالَ يُونُس بن يزِيد الْقرشِي الأبلي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الله بن وهب فِي (جَامعه) عَن يُونُس. قَالَ: قَالَ ابْن شهَاب فَذكره إِلَى قَوْله: (وتشاور) قَوْله: (نهى الله أَن تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا) ، وَذَلِكَ فِي قَوْله عز وَجل: {لَا تكلّف نفس إِلَّا وسعهَا لَا تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا} قَالَ فِي التَّفْسِير لَا تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا أَي بِأَن تَدْفَعهُ عَنْهَا لتضر أَبَاهُ بتربيته وَلَكِن لَيْسَ لَهَا دَفعه، إِذا وَلدته حَتَّى تسقيه اللباء الَّذِي لَا يعِيش بِدُونِ تنَاوله غَالِبا، ثمَّ بعد هذالها دَفعه عَنْهَا إِن شَاءَت، وَلَكِن إِن كَانَت مضارة لِأَبِيهِ فَلَا يحل لَهَا ذَلِك كَمَا لَا يحل لَهُ انْتِزَاعه مِنْهَا لمُجَرّد الضرار لَهَا. قَوْله: (وَهِي أمثل لَهُ) أَي: الوالدة أفضل للصَّغِير غذَاء أَي: من حَيْثُ الْغذَاء وأشفق عَلَيْهِ من غَيرهَا وأرفق بِهِ أَي: الصَّغِير من غَيرهَا. قَوْله: (فَلَيْسَ لَهَا أَن تأبى) أَي: لَيْسَ للوالدة أَن تمْتَنع بعد أَن يُعْطِيهَا الزَّوْج من نَفسه مَا جعل الله عَلَيْهِ من النَّفَقَة. قَوْله: (ضِرَارًا لَهَا) وَفِي بعض النّسخ ضِرَارًا بهَا. وَهُوَ

يتَعَلَّق بقوله: (فيمنعها) أَي: منعا يَنْتَهِي إِلَى رضَاع غَيرهَا. قَوْله: (فَإِن أَرَادَ فصالاً) أَي: فَإِن أنْفق والدا الطِّفْل على فصاله قبل الْحَوْلَيْنِ ورأيا فِي ذَلِك مصلحَة لَهُ وتشاورا فِي ذَلِك واجتمعا عَلَيْهِ فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِي ذَلِك. فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن انْفِرَاد أَحدهمَا بذلك دون الآخر لَا يَكْفِي، وَلَا يجوز لوَاحِد مِنْهُمَا أَن يستبد بذلك من غير مُشَاورَة الآخر. قَوْله: (فصاله) فطامه، هَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أخرجه الطَّبَرِيّ عَنهُ، والفصال مصدر تَقول: فاصلته أفاصله مفاصلة وفصالاً إِذا فارقته من خلْطَة كَانَت بَينهمَا، وفصال الْوَلَد مَنعه من شرب اللَّبن.

٥ - (بَابُ: {نَفَقَةِ المَرْأةِ إذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُها وَنَفَقَةِ الوَلَدِ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نَفَقَة الْمَرْأَة إِلَى آخِره.

٥٣٥٩ - حدَّثنا ابنُ مِقَاتِلٍ أخْبَرَنا عَبْدُ الله أخْبَرَنا يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهابٍ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ أنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها. قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مَسِيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيالَنا؟ قَالَ: لَا، إلاّ بِالمَعْرُوفِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. فِي نَفَقَة الْوَلَد فَقَط لِأَن أَبَا سُفْيَان كَانَ حَاضرا فِي الْمَدِينَة.

وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث.

قَوْله: (هِنْد بنت عتبَة) بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن ربيعَة عبد شمس بن عبد منَاف أم مُعَاوِيَة أسلمت عَام الْفَتْح بعد إِسْلَام زَوجهَا أبي سُفْيَان بن حَرْب فأقرهما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على نِكَاحهمَا، وَتوفيت فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو قُحَافَة والذ أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسم أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، مَاتَ فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصلى عَلَيْهِ ابْنه مُعَاوِيَة. وَقيل: عُثْمَان، وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة. وَقيل: ابْن بضع وَتِسْعين سنة. قَوْله: (مسيك) بِفَتْح الْمِيم وَكسر السِّين الْمُهْملَة الْخَفِيفَة وبكسر الْمِيم وَتَشْديد السِّين يَعْنِي: بخيل لَا يُعْطي من مَاله شَيْئا. فَالْأول فعيل بِمَعْنى فَاعل، وَالثَّانِي صِيغَة مُبَالغَة، قَوْله: (حرج) أَي: إِثْم قَوْله: (من الَّذِي لَهُ) أَي: من الشَّيْء الَّذِي لَهُ مِمَّا يملكهُ. قَوْله: (عيالنا) مَنْصُوب بقوله: (أَن أطْعم) قَوْله: (قَالَ لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ) أَي: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تطعمي إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا حرج عَلَيْك وَلَا تنفقي إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الَّذِي يتعارفه النَّاس فِي النَّفَقَة على أَوْلَادهم من غير إِسْرَاف. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تسرفي وأنفقي بِالْمَعْرُوفِ.

وَفِيه الدّلَالَة على وجوب نَفَقَة الْوَلَد.

٣٥٦٠ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَال: إذَا أنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِها عَنْ غَيْر أمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أجْرِهِ.

قيل: لَا وَجه لإيراد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، فَلَا مُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة وَأجِيب: بِأَنَّهُ كَمَا كَانَ للْمَرْأَة أَن تَتَصَدَّق من مَال زَوجهَا من غير أمره بِمَا تعلم أَنه يسمح بِمثلِهِ، وَهُوَ غير وَاجِب، كَانَ لَهَا أَن تَأْخُذ من مَاله بِمَا يجب عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ الأولى. وَهَذَا هُوَ الْجَامِع بَين الْحَدِيثين، وَهَذَا الْقدر كافٍ فِي الْمُطَابقَة.

وَيحيى شيخ البُخَارِيّ قَالَ الْكرْمَانِي: أما يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: خَتّ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَأما يحيى بن جَعْفَر بن أعين البيكندي البُخَارِيّ، سمع عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن همام بن مُنَبّه أخي وهب بن مُنَبّه. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى التَّرَدُّد فِي يحيى فَإِن الحَدِيث مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٢٦) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن وَصرح فِيهِ بقوله: حَدثنِي يحيى بن جَعْفَر عَن عبد الرَّزَّاق إِلَى آخِره.

قَوْله: (فَلهُ نصف أجره) وَوَجهه أَن ذَلِك من الطَّعَام الَّذِي يكون فِي الْبَيْت لأجل قوتهما جَمِيعًا. وَقيل المُرَاد بِغَيْر أمره الصَّرِيح بِأَن يَكْتَفِي فِي الْإِنْفَاق بِالْعَادَةِ أَو بالقرائن فِي الْإِذْن وَالْكَلَام المستوفي فِيهِ قد مر هُنَاكَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله