«إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٩٤

الحديث رقم ٦٠٩٤ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى…

«إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا.»

سند حديث: ٦٠٩٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي…

٦٠٩٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى…

أَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالصدق، وأَخبر أن الالتزام به يوصِل إلى العمل الصالح الدائم، والمواظب على فعل الخير يوصل صاحبه إلى الجنة، ولا يزال يتكرر منه الصدق في السر والعلانية، ويستحق اسم صِدِّيق؛ وهو المبالغة في الصدق،
ثم حذَّر صلى الله عليه وسلم من الكذب وقول الباطل؛ لأنه يبعث على الميل عن الاستقامة، وإلى فعل الشر والفساد والمعاصي، ثم يوصله إلى النار، وما زال يستكثر من الكذب حتى يُكتب عند الله من الكاذبين.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الصدق خلق كريم يحصل بالاكتساب والمجاهدة، فإنَّ الرجل ما يزال يصدُق ويتحرى الصدق، حتى يكون الصدق سجية له وطبعًا، فيكتب عند الله من الصديقين والأبرار.
  • الكذب خلق ذميم يكتسبه صاحبه من طول ممارسته، وتحريه قولًا وفعلًا، حتى يصبح خُلقًا وسجية، ثم يكتب عند الله تعالى من الكذابين.
  • الصدق يطلق على صدق اللسان، وهو نقيض الكذب، والصدق في النية، وهو الإخلاص، والصدق في العزم على خير نواه، والصدق في الأعمال، وأقلُّه استواءُ سريرتِه وعلانيته، والصدق في المقامات، كالصدق في الخوف والرجاء وغيرهما، فمن اتصف بذلك كان صدّيقًا، أو ببعضها كان صادقًا.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الِاسْتِصْحَاءَ وَالْغَرَضُ مِنْهُ ضَحِكُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ غَرِقْنَا أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَسَاقَهُ فِي الدَّعَوَاتِ عَلَى لَفْظِ أَبِي عَوَانَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ شَيْخُهُ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُنَانيُّ الْبَصْرِيُّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الَّذِي لَقِيَهُ مَحْبُوبٌ، وَوَهِمَ مَنْ وَحَّدَهُمَا كَشَيْخِنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى عَنْهُ هُنَا، وَرَوَى عَنْ رَجُلٍ عَنْهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا اثْنَانِ أَحَدُهُمَا فِي عِدَادِ شُيُوخِ الْآخَرِ، وَشَيْخُ الْبُخَارِيِّ اسْمُهُ مُحَمَّدُ وَاسْمُ أَبِيهِ مَحْبُوبٌ، وَالْآخَرُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَاسْمُ أَبِيهِ الْحَسَنُ، وَمَحْبُوبٌ لَقَبُ مُحَمَّدٍ لَا لَقَبُ الْحَسَنِ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ حَدِيثًا وَاحِدًا قَالَ فِيهِ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ وَسَبَبُ الْوَهْمِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأَسَانِيدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مَحْبُوبٌ فَظَنُّوا أَنَّهُ لَقَبُ الْحَسَنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

٦٩ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

وَمَا يُنْهَى عَنْ الْكَذِبِ

٦٠٩٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا.

٦٠٩٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".

٦٠٩٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ قال النبي : "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالَا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ بِالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وَمَا يُنْهَى عَنِ الْكَذِبِ) قَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الْقَوْلِ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا وَعْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَلَا يَكُونَانِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ إِلَّا فِي الْخَبَرِ، وَقَدْ يَكُونَانِ فِي غَيْرِهِ كَالِاسْتِفْهَامِ وَالطَّلَبِ، وَالصِّدْقُ مُطَابَقَةُ الْقَوْلِ الضَّمِيرَ وَالْمُخْبَرَ عَنْهُ، فَإِنِ انْخَرَمَ شَرْطٌ لَمْ يَكُنْ صِدْقًا، بَلْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذِبًا أَوْ مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا عَلَى اعْتِبَارَيْنِ، كَقَوْلِ الْمُنَافِقِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ صَدَقَ لِكَوْنِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ كَذَلِكَ، ويَصِحُّ أَنْ يُقَالَ كَذَبَ لِمُخَالَفَةِ قَوْلِهِ لِضَمِيرِهِ. وَالصِّدِّيقُ مَنْ كَثُرَ مِنْهُ الصِّدْقُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ فِي كُلِّ مَا يَحِقُّ فِي الِاعْتِقَادِ، وَيَحْصُلُ نَحْوَ صَدَقَ ظَنِّي، وَفِي الْفِعْلِ نَحْوَ صَدَقَ فِي الْقِتَالِ، وَمِنْهُ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ اهـ مُلَخَّصًا. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ مَعَ الصَّادِقِينَ فَقِيلَ: مَعْنَاهُ مِثْلَهُمْ،

وَقِيلَ: مِنْهُمْ.

قُلْتُ: وَأَظُنُّ الْمُصَنِّفَ لَمَّحَ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَمَا أَدَّاهُ صِدْقُهُ فِي الْحَدِيثِ إِلَى الْخَيْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْآيَةِ بَعْدَ أَنْ وَقَعَ لَهُ مَا وَقَعَ مِنْ تَرْكِ الْمُسْلِمِينَ كَلَامَهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ، حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَقَالَ فِي قِصَّتِهِ: مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، أَعْظَمُ من نَفْسِي مِنْ صِدْقِي أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُ فَأَهْلَكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْكَذِبُ مِنْ قَبَائِحِ الذُّنُوبِ، وَلَيْسَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ، بَلْ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَلِذَلِكَ يُؤْذَنُ فِيهِ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا إِلَى الْمَصْلَحَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْكَذِبُ - إِذَا لَمْ يَنْشَأْ عَنْهُ ضَرَرٌ - مُبَاحًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، فَلَا يُبَاحُ مِنْهُ إِلَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: الْكَذِبُ يُجَانِبُ الْإِيمَانَ وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا وَقَالَ: الصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ قَالَ: يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ الْأَشْبَهَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَشَاهِدُ الْمَرْفُوعِ مِنْ مُرْسَلِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ فِي الْمُوَطَّأِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَمْلُ حَدِيثِ صَفْوَانَ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ.

قَوْلُهُ: (جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَأَمَّا جَرِيرٌ الْمَذْكُورُ فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَهُوَ ابْنُ حَازِمٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الْهِدَايَةِ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ الْمُوصِولَةُ إِلَى الْمَطْلُوبِ، هَكَذَا وَقَعَ أَوَّلُ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَوَقَعَ فِي أَوَّلِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ: عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ. وَفِيهِ: وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (إِلَى الْبِرِّ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَصْلُهُ التَّوَسُّعُ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرَاتِ كُلِّهَا، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ الْخَالِصِ الدَّائِمِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ قَوْلُهُ: (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، وَكَذَا زَادَهَا فِي الشِّقِّ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا) فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْه اللَّهِ صِدِّيقًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصِّدْقُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ فِي الصِّدْقِ.

قَوْلُهُ: (إنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ) قَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ الْفَجْرِ الشَّقُّ، فَالْفُجُورُ شَقُّ سِتْرِ الدِّيَانَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَيْلِ إِلَى الْفَسَادِ، وَعَلَى الِانْبِعَاثِ فِي الْمَعَاصِي، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلشَّرِّ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَكُونُ وَهُوَ وَزْنُ الْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابَةِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِظْهَارُهُ لِلْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَإِلْقَاءُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ بَلَاغًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً مُفِيدَةً، وَلَفْظُهُ: لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، فَيُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ، فَيُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَاذِبِينَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ، وَهُوَ قَصْدُهُ وَالِاعْتِنَاءُ بِهِ، وَعَلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الْكَذِبِ وَالتَّسَاهُلِ فِيهِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَسَاهَلَ فِيهِ كَثُرَ مِنْهُ فَيُعْرَفُ بِهِ. قُلْتُ: وَالتَّقْيِيدُ بِالتَّحَرِّي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُهُ: وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، وَكَذَا قَالَ فِي الْكَذِبِ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ، وَأَوَّلُهُ عِنْدَهُ عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، وَفِيهِ: وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، وَقَالَ فِيهِ: وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ فَذَكَرَهُ، وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ تَوَقَّى الْكَذِبَ بِالْقَصْدِ الصَّحِيحِ إِلَى الصِّدْقِ صَارَ لَهُ الصِّدْقُ سَجِيَّةً حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْوَصْفَ بِهِ، وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْحَمْدَ وَالذَّمَّ فِيهِمَا يَخْتَصُّ بِمَنْ يَقْصِدُ إِلَيْهِمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٠٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكرِ ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبد الحميدِ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابن مسعودٍ (، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ) بكسر الموحدة وتشديد الراء، أي: يوصلُ إلى الخيراتِ كلِّها، والصِّدق يطلقُ على صدق اللِّسان وهو نقيضُ الكذبِ، والصِّدقُ في النِّيَّة وهو الإخلاص، فيراعي معنى الصِّدق في مُنَاجاته ولا يكنْ ممَّن قال: وجَّهت وجهي لله، وهو غافلٌ كاذبٌ، والصِّدق في العزم على خيرٍ نواه، أي: يقوِّي عزمه أنَّه إذا ولي مثلًا لا يظلم، والصِّدق في الوفاء بالعزمِ، أي: حال وقوعِ الولايةِ مثلًا، والصِّدق في الأعمالِ وأقلُّه استواءُ سريرتهِ وعلانيَّتهُ، والصِّدق في المقاماتِ كالصِّدق في الخوفِ والرَّجاء وغيرهما، فمن اتَّصف بالستَّة كان صدِّيقًا أو ببعضِها كان صِادقًا. وقال الرَّاغب: الصِّدق مطابقةُ القول الضَّمير والمخبرَ عنه، فإن انخرمَ شرط لم يكن صدقًا بل يكون كذبًا أو متردِّدًا بينهما على اعتبارين كقولِ المنافق: محمَّدٌ رسولُ الله، فإنَّه يصحُّ أن يقال: صدقٌ لكون المخبر عنه كذلك، ويصحُّ أن يقال: كذب؛ لمخالفةِ قوله لضميرهِ (وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي) يوصلُ (إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ) في السِّرِّ والعلانيَّة، ويتكرَّر ذلك منه (حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا) بكسر الصاد والدال المشددة، وهو من أبنيَةِ المبالغةِ ونظيرُهُ الضِّحيك، والمراد فرطُ صدقهِ حتَّى يصدِّق قوله العملُ، فالتَّنكير للتَّعظيم والتَّفخيم، أي: بلغَ في الصِّدق إلى غايتهِ ونهايتهِ حتَّى دخلَ في زمرتهم واستحقَّ ثوابهم (وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي) يوصلُ (إِلَى الفُجُورِ) الَّذي هو ضدُّ البرِّ (وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي) يوصلُ (إِلَى النَّارِ) قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ) ويتكرَّر ذلك منه (حَتَّى يُكْتَبَ) بضم أوله، مبنيًّا للمفعول (عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا) أي: يحكمُ له بذلك ويظهره للمخلوقين من الملأ الأعلى، ويلقي ذلك في قلوبِ أهل الأرضِ وألسنتهم (١)، فيستحقُّ بذلك صفة الكذَّابين وعقابهم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «حتَّى يكون» بدل: يكتب، وعن ابنِ مسعودٍ -ممَّا ذكرهُ الإمام مالكٍ بلاغًا-: لا يزالُ العبد يكذب ويتحرَّى الكذب، فينكتْ في قلبه نكتةً سوداء حتَّى يسودَّ قلبه، فيكتب عند الله من الكذَّابين.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الِاسْتِصْحَاءَ وَالْغَرَضُ مِنْهُ ضَحِكُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ غَرِقْنَا أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَسَاقَهُ فِي الدَّعَوَاتِ عَلَى لَفْظِ أَبِي عَوَانَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ شَيْخُهُ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُنَانيُّ الْبَصْرِيُّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الَّذِي لَقِيَهُ مَحْبُوبٌ، وَوَهِمَ مَنْ وَحَّدَهُمَا كَشَيْخِنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى عَنْهُ هُنَا، وَرَوَى عَنْ رَجُلٍ عَنْهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا اثْنَانِ أَحَدُهُمَا فِي عِدَادِ شُيُوخِ الْآخَرِ، وَشَيْخُ الْبُخَارِيِّ اسْمُهُ مُحَمَّدُ وَاسْمُ أَبِيهِ مَحْبُوبٌ، وَالْآخَرُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَاسْمُ أَبِيهِ الْحَسَنُ، وَمَحْبُوبٌ لَقَبُ مُحَمَّدٍ لَا لَقَبُ الْحَسَنِ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ حَدِيثًا وَاحِدًا قَالَ فِيهِ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ وَسَبَبُ الْوَهْمِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأَسَانِيدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مَحْبُوبٌ فَظَنُّوا أَنَّهُ لَقَبُ الْحَسَنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

٦٩ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

وَمَا يُنْهَى عَنْ الْكَذِبِ

٦٠٩٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا.

٦٠٩٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".

٦٠٩٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ قال النبي : "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالَا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ بِالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وَمَا يُنْهَى عَنِ الْكَذِبِ) قَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الْقَوْلِ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا وَعْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَلَا يَكُونَانِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ إِلَّا فِي الْخَبَرِ، وَقَدْ يَكُونَانِ فِي غَيْرِهِ كَالِاسْتِفْهَامِ وَالطَّلَبِ، وَالصِّدْقُ مُطَابَقَةُ الْقَوْلِ الضَّمِيرَ وَالْمُخْبَرَ عَنْهُ، فَإِنِ انْخَرَمَ شَرْطٌ لَمْ يَكُنْ صِدْقًا، بَلْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذِبًا أَوْ مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا عَلَى اعْتِبَارَيْنِ، كَقَوْلِ الْمُنَافِقِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ صَدَقَ لِكَوْنِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ كَذَلِكَ، ويَصِحُّ أَنْ يُقَالَ كَذَبَ لِمُخَالَفَةِ قَوْلِهِ لِضَمِيرِهِ. وَالصِّدِّيقُ مَنْ كَثُرَ مِنْهُ الصِّدْقُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ فِي كُلِّ مَا يَحِقُّ فِي الِاعْتِقَادِ، وَيَحْصُلُ نَحْوَ صَدَقَ ظَنِّي، وَفِي الْفِعْلِ نَحْوَ صَدَقَ فِي الْقِتَالِ، وَمِنْهُ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ اهـ مُلَخَّصًا. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ مَعَ الصَّادِقِينَ فَقِيلَ: مَعْنَاهُ مِثْلَهُمْ،

وَقِيلَ: مِنْهُمْ.

قُلْتُ: وَأَظُنُّ الْمُصَنِّفَ لَمَّحَ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَمَا أَدَّاهُ صِدْقُهُ فِي الْحَدِيثِ إِلَى الْخَيْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْآيَةِ بَعْدَ أَنْ وَقَعَ لَهُ مَا وَقَعَ مِنْ تَرْكِ الْمُسْلِمِينَ كَلَامَهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ، حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَقَالَ فِي قِصَّتِهِ: مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، أَعْظَمُ من نَفْسِي مِنْ صِدْقِي أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُ فَأَهْلَكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْكَذِبُ مِنْ قَبَائِحِ الذُّنُوبِ، وَلَيْسَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ، بَلْ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَلِذَلِكَ يُؤْذَنُ فِيهِ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا إِلَى الْمَصْلَحَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْكَذِبُ - إِذَا لَمْ يَنْشَأْ عَنْهُ ضَرَرٌ - مُبَاحًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، فَلَا يُبَاحُ مِنْهُ إِلَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: الْكَذِبُ يُجَانِبُ الْإِيمَانَ وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا وَقَالَ: الصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ قَالَ: يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ الْأَشْبَهَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَشَاهِدُ الْمَرْفُوعِ مِنْ مُرْسَلِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ فِي الْمُوَطَّأِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَمْلُ حَدِيثِ صَفْوَانَ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ.

قَوْلُهُ: (جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَأَمَّا جَرِيرٌ الْمَذْكُورُ فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَهُوَ ابْنُ حَازِمٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الْهِدَايَةِ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ الْمُوصِولَةُ إِلَى الْمَطْلُوبِ، هَكَذَا وَقَعَ أَوَّلُ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَوَقَعَ فِي أَوَّلِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ: عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ. وَفِيهِ: وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (إِلَى الْبِرِّ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَصْلُهُ التَّوَسُّعُ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرَاتِ كُلِّهَا، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ الْخَالِصِ الدَّائِمِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ قَوْلُهُ: (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، وَكَذَا زَادَهَا فِي الشِّقِّ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا) فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْه اللَّهِ صِدِّيقًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصِّدْقُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ فِي الصِّدْقِ.

قَوْلُهُ: (إنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ) قَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ الْفَجْرِ الشَّقُّ، فَالْفُجُورُ شَقُّ سِتْرِ الدِّيَانَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَيْلِ إِلَى الْفَسَادِ، وَعَلَى الِانْبِعَاثِ فِي الْمَعَاصِي، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلشَّرِّ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَكُونُ وَهُوَ وَزْنُ الْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابَةِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِظْهَارُهُ لِلْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَإِلْقَاءُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ بَلَاغًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً مُفِيدَةً، وَلَفْظُهُ: لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، فَيُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ، فَيُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَاذِبِينَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ، وَهُوَ قَصْدُهُ وَالِاعْتِنَاءُ بِهِ، وَعَلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الْكَذِبِ وَالتَّسَاهُلِ فِيهِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَسَاهَلَ فِيهِ كَثُرَ مِنْهُ فَيُعْرَفُ بِهِ. قُلْتُ: وَالتَّقْيِيدُ بِالتَّحَرِّي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُهُ: وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، وَكَذَا قَالَ فِي الْكَذِبِ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ، وَأَوَّلُهُ عِنْدَهُ عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، وَفِيهِ: وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، وَقَالَ فِيهِ: وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ فَذَكَرَهُ، وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ تَوَقَّى الْكَذِبَ بِالْقَصْدِ الصَّحِيحِ إِلَى الصِّدْقِ صَارَ لَهُ الصِّدْقُ سَجِيَّةً حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْوَصْفَ بِهِ، وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْحَمْدَ وَالذَّمَّ فِيهِمَا يَخْتَصُّ بِمَنْ يَقْصِدُ إِلَيْهِمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٠٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكرِ ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبد الحميدِ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابن مسعودٍ (، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ) بكسر الموحدة وتشديد الراء، أي: يوصلُ إلى الخيراتِ كلِّها، والصِّدق يطلقُ على صدق اللِّسان وهو نقيضُ الكذبِ، والصِّدقُ في النِّيَّة وهو الإخلاص، فيراعي معنى الصِّدق في مُنَاجاته ولا يكنْ ممَّن قال: وجَّهت وجهي لله، وهو غافلٌ كاذبٌ، والصِّدق في العزم على خيرٍ نواه، أي: يقوِّي عزمه أنَّه إذا ولي مثلًا لا يظلم، والصِّدق في الوفاء بالعزمِ، أي: حال وقوعِ الولايةِ مثلًا، والصِّدق في الأعمالِ وأقلُّه استواءُ سريرتهِ وعلانيَّتهُ، والصِّدق في المقاماتِ كالصِّدق في الخوفِ والرَّجاء وغيرهما، فمن اتَّصف بالستَّة كان صدِّيقًا أو ببعضِها كان صِادقًا. وقال الرَّاغب: الصِّدق مطابقةُ القول الضَّمير والمخبرَ عنه، فإن انخرمَ شرط لم يكن صدقًا بل يكون كذبًا أو متردِّدًا بينهما على اعتبارين كقولِ المنافق: محمَّدٌ رسولُ الله، فإنَّه يصحُّ أن يقال: صدقٌ لكون المخبر عنه كذلك، ويصحُّ أن يقال: كذب؛ لمخالفةِ قوله لضميرهِ (وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي) يوصلُ (إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ) في السِّرِّ والعلانيَّة، ويتكرَّر ذلك منه (حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا) بكسر الصاد والدال المشددة، وهو من أبنيَةِ المبالغةِ ونظيرُهُ الضِّحيك، والمراد فرطُ صدقهِ حتَّى يصدِّق قوله العملُ، فالتَّنكير للتَّعظيم والتَّفخيم، أي: بلغَ في الصِّدق إلى غايتهِ ونهايتهِ حتَّى دخلَ في زمرتهم واستحقَّ ثوابهم (وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي) يوصلُ (إِلَى الفُجُورِ) الَّذي هو ضدُّ البرِّ (وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي) يوصلُ (إِلَى النَّارِ) قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ) ويتكرَّر ذلك منه (حَتَّى يُكْتَبَ) بضم أوله، مبنيًّا للمفعول (عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا) أي: يحكمُ له بذلك ويظهره للمخلوقين من الملأ الأعلى، ويلقي ذلك في قلوبِ أهل الأرضِ وألسنتهم (١)، فيستحقُّ بذلك صفة الكذَّابين وعقابهم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «حتَّى يكون» بدل: يكتب، وعن ابنِ مسعودٍ -ممَّا ذكرهُ الإمام مالكٍ بلاغًا-: لا يزالُ العبد يكذب ويتحرَّى الكذب، فينكتْ في قلبه نكتةً سوداء حتَّى يسودَّ قلبه، فيكتب عند الله من الكذَّابين.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.6 / 29.5
الإضاءة 84%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
الله أكبر