«بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦٢٧

الحديث رقم ٦٦٢٧ من كتاب «كتاب الأيمان والنذور» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي وايم الله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «بعث رسول الله ﷺ بعثا وأمر عليهم أسامة بن…

«بَعَثَ رَسُولُ اللهِ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ.»

سند حديث: ٦٦٢٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ…

٦٦٢٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «بعث رسول الله ﷺ بعثا وأمر عليهم أسامة بن…

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً إلى أطراف الروم حيث قُتل زيد بن حارثة والد أسامة المذكور رضي الله عنهما، وهو البعث الذي أمر بتجهيزه عند موته عليه الصلاة والسلام، وأنفذه أبو بكر رضي الله عنه بعده، وجعل عليهم أسامة بن زيد أميرًا حاكمًا عليهم، فتكلم بعضُ الناس في إمارته عليهم، لصغر سِنِّه ولغيره، وكان ممن انتدب مع أسامة كبارُ المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر وغيرهما رضي الله عنهم، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم بما قالوا، فقال عليه الصلاة والسلام: إن تتكلموا في إمارته فقد تكلمتم في إمارة أبيه زيد بن حارثة في غزوة مؤتة من قبل، والله إن زيدًا كان حقيقًا وجديرًا بالإمارة، فهم طعنوا في إمارة زيد وظهر لهم في آخر الأمر أنه كان جديرًا لائقًا بها، فكذلك حال أسامة، وقال: وإن كان أبوه زيد من أحب الناس إلي، وأسامة من أحب الناس إليَّ بعد أبيه زيد.
ومن أسباب طعْنِ مَن طَعَنَ في إمارتهما أنهما كانا من الموالي، وكانت العرب لا ترى تأمير الموالي، وتستنكف عن اتباعهم كل الاستنكاف، فلما جاء الله عز وجل بالإسلام ورفع قدر من لم يكن له عندهم قدر بالسابقة والهجرة والعلم والتقى عَرف حقَّهم أهل الدين، وهم عامة الصحابة، وأما أهل النفاق فإنهم كانوا يسارعون إلى الطعن وشدة النكير عليه، وكان صلى الله عليه وسلم قد بعث زيدًا أميرًا على عدة سرايا وأعظمها جيش مؤتة وسار تحت رايته فيها نجباء الصحابة، وكان خليقًا بذلك لسوابقه وفضله وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحبته له، وكذلك ابنه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • منقبة زيد بن حارثة، وابنه أسامة رضي الله عنهما.
  • جواز تولية الصغار على الكبار، والمفضول على الفاضل للمصلحة.
  • إلغاء الإسلام للعادات الجاهلية السيئة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «بعث رسول الله ﷺ بعثا وأمر عليهم أسامة بن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

طَاعَةٌ وَالتَّمَادِي وَاجِبٌ وَالْحِنْثُ مَعْصِيَةٌ وَعَكْسُهُ بِالْعَكْسِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْلٍ فَيَمِينُهُ أَيْضًا طَاعَةٌ وَالتَّمَادِي مُسْتَحَبٌّ وَالْحِنْثُ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكَ مَنْدُوبٍ فَبِعَكْسِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ فَإِنْ كَانَ يَتَجَاذَبُهُ رُجْحَانُ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَيِّبًا وَلَا يَلْبَسُ نَاعِمًا فَفِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافٌ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَوَّبَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ: إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّمَادِيَ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ ذِكْرَ الْأَهْلِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْأَهْلِ إِذَا وُجِدَتِ الْعِلَّةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُرِفَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَمُطَابَقَتُهُ بَعْدَ تَمْهِيدِ تَقْسِيمِ أَحْوَالِ الْحَالِفِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْيَمِينَ كَأَنْ لَا يَقْصِدَهَا أَوْ يَقْصِدَهَا لَكِنْ يَنْسَى أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا إِثْمَ، وَإِنْ قَصَدَهَا وَانْعَقَدَتْ ثُمَّ رَأَى أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الْيَمِينِ فَلْيَحْنَثْ وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، فَإِنْ تَخَيَّلَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَرْفَعُ عَنْهُ إِثْمَ الْحِنْثِ فَهُوَ تَخَيُّلٌ مَرْدُودٌ، سَلَّمْنَا لَكِنَّ الْحِنْثَ أَكْثَرُ إِثْمًا مِنَ اللَّجَاجِ فِي تَرْكِ فِعْلِ ذَلِكَ الْخَيْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلِلْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ الْتِفَاتٌ إِلَى الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتِ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ وَالْمُرَادُ لَا تَجْعَلِ الْيَمِينَ الَّذِي حَلَفْتَ أَنْ لَا تَفْعَلَ خَيْرًا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلٍ أَوْ تَرْكٍ سَبَبًا يُعْتَذَرُ بِهِ عَنِ الرُّجُوعِ عَمَّا حَلَفْتَ عَلَيْهِ خَشْيَةً مِنَ الْإِثْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْحِنْثِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِثْمًا حَقِيقَةً لَكَانَ عَمَلُ ذَلِكَ الْخَيْرِ رَافِعًا لَهُ بِالْكَفَّارَةِ الْمَشْرُوعَةِ، ثُمَّ يَبْقَى ثَوَابُ الْبِرِّ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ الَّذِي قَبْلَهُ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ لِوُرُودِ الْأَمْرِ فِيهِ بِفِعْلِ الْخَيْرِ وَكَذَا الْكَفَّارَةِ.

٢ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ وَايْمُ اللَّهِ

٦٦٢٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَايْمُ اللَّهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِفَتْحِهَا وَالْمِيمُ مَضْمُومَةٌ، وَحَكَى الْأَخْفَشُ كَسْرَهَا مَعَ كَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ اسْمٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَحَرْفٌ عِنْدَ الزَّجَّاجِ، وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَهَمْزَةُ قَطْعٍ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ جَمْعُ يَمِينٍ، وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وَاحْتَجُّوا بِجَوَازِ كَسْرِ هَمْزَتِهِ وَفَتْحِ مِيمِهِ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فَلَوْ كَانَ جَمْعًا لَمْ تُحْذَفْ هَمْزَتُهُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا أُصِيبَ بِوَلَدِهِ وَرِجْلِهِ لَيْمُنُكَ لَئِنِ ابْتَلَيْتَ لَقَدْ عَافَيْتَ قَالَ: فَلَوْ كَانَ جَمْعًا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ بِحَذْفِ بَعْضِهِ، قَالَ: وَفِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ لُغَةً جَمَعْتُهَا فِي بَيْتَيْنِ وَهُمَا:

هَمْزُ ايْمٍ وَايْمُنُ فَافْتَحْ وَاكْسِرْ أَوْ أَمِ قُلْ … أَوْ قُلْ مِ أَوْ مَنْ بِالتَّثْلِيثِ قَدْ شُكِلَا

وَايْمُنُ اخْتِمْ بِهِ وَاللَّهِ كُلًّا أَضِفْ … إِليْهِ فِي قَسَمٍ تَسْتَوْفِ مَا نُقِلَا

قَالَ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ تِلْمِيذُ ابْنِ مَالِكٍ: فَاتَهُ أَمِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهَيْمِ بِالْهَاءِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ، وَقَدْ حَكَاهَا الْقَاسِمُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُعَلِّمُ

الْأَنْدَلُسِيُّ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي أَوَائِلِ هَذَا الشَّرْحِ فِي آخِرِ التَّيَمُّمِ لُغَاتٍ فِي هَذَا فَبَلَغَتْ عِشْرِينَ، وَإِذَا حُصِرَ مَا ذُكِرَ هُنَا زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُهُ يَمِينُ اللَّهِ وَيُجْمَعُ أَيْمُنًا فَيُقَالُ: وَأَيْمُنُ اللَّهِ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَأَنْشَدَ لِزُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى:

فَتُجْمَعُ أَيْمُنٌ مِنَّا وَمِنْكُمْ … بِمَقْسَمَةٍ تَمُورُ بِهَا الدِّمَاءُ

وَقَالُوا عِنْدَ الْقَسَمِ: وَأَيْمُنُ اللَّهِ، ثُمَّ كَثُرَ فَحَذَفُوا النُّونَ كَمَا حَذَفُوهَا مِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَالُوا لَمْ يَكُ، ثُمَّ حَذَفُوا الْيَاءَ فَقَالُوا: أَمِ اللَّهِ ثُمَّ حَذَفُوا الْأَلْفَ فَاقْتَصَرُوا عَلَى الْمِيمِ مَفْتُوحَةً وَمَضْمُومَةً وَمَكْسُورَةً، وَقَالُوا أَيْضًا: مُنُ اللَّهِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا، وَأَجَازُوا فِي أَيْمُنِ فَتْحَ الْمِيمِ وَضَمَّهَا وَكَذَا فِي أَيْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَ الْأَلِفَ وَجَعْلَ الْهَمْزَةَ زَائِدَةً أَوْ مُسَهَّلَةً، وَعَلَى هَذَا تَبْلُغُ لُغَاتُهَا عِشْرِينَ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَالُوا: أَيْمُ اللَّهِ وَرُبَّمَا حَذَفُوا الْيَاءَ فَقَالُوا: أَمِ اللَّهِ، وَرُبَّمَا أَبْقَوُا الْمِيمَ وَحْدَهَا مَضْمُومَةً فَقَالُوا: مُ اللَّهِ وَرُبَّمَا كَسَرُوهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ حَرْفًا وَاحِدًا فَشَبَّهُوهَا بِالْبَاءِ قَالُوا: وَأَلِفُهَا أَلِفُ وَصْلٍ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وَلَمْ يَجِئْ أَلِفُ وَصْلٍ مَفْتُوحَةً غَيْرُهَا، وَقَدْ تَدْخُلُ اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ فَيُقَالُ: لَيْمُنُ اللَّهِ قَالَ الشَّاعِرُ:

فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ لَمَّا نَشَدْتُهُمْ … نَعَمْ وَفَرِيقٌ لَيْمُنُ اللَّهِ مَا نَدْرِي

وَذَهَبَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ إِلَى أَنَّ أَلِفَهَا أَلِفُ قَطْعٍ، وَإِنَّمَا خُفِّفَتْ هَمْزَتُهَا وَطُرِحَتْ فِي الْوَصْلِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ: ايْمُ اللَّهِ مَعْنَاهُ اسْمُ اللَّهِ أُبْدِلَ السِّينُ يَاءً، وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ لِأَنَّ السِّينَ لَا تُبْدَلُ يَاءً، وَذَهَبَ الْمُبَرِّدُ إِلَى أَنَّهَا عِوَضٌ مِنْ وَاوِ الْقَسَمِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَايْمُ اللَّهِ وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ. وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ يَمِينَ اللَّهِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:

فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا … وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالي

وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ يَمِينٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ نَوَى الْيَمِينَ انْعَقَدَتْ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَ الْيَمِينِ لَمْ يَنْعَقِدْ يَمِينًا، وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا إِنْ نَوَى، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا الِانْعِقَادُ، وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِي مَعْنَاهُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: تَاللَّهِ، وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَعَمْرُ اللَّهِ، وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ لَعَمْرُ اللَّهِ شَاعَ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ عُرْفًا بِخِلَافِ أَيْمُ اللَّهِ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِالِانْعِقَادِ مُطْلَقًا بِأَنَّ مَعْنَاهُ يَمِينُ اللَّهِ وَيَمِينُ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَصِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ قَوْلَ وَايْمُ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: وَحَقِّ اللَّهِ وَقَالَ: إِنَّهُ تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَقَدِ اسْتَغْرَبُوهُ. وَوَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مَا يُقَوِّيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالِانْعِقَادِ مُطْلَقًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ إِلَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الْمُتَقَدِّمِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ وَحَقِّ اللَّهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي بَعْثِ أُسَامَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي آخِرِ الْمَغَازِي وَفِي الْمَنَاقِبِ، وَضُبِطَ قَوْلُهُ فِيهِ وَأَيْمُ اللَّهِ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣ - بَاب كَيْفَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ؟

وَقَالَ سَعْدٌ: قَالَ النَّبِيُّ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ

وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ : لَاهَا اللَّهِ إِذًا. يُقَالُ: وَاللَّهِ وَبِاللَّهِ وَتَاللَّهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وعهدُ الله، وهو مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ، أي: قسمِي، أو يمينِي، أو لازمٌ لي، وفيها لغاتٌ كثيرةٌ وتفتحُ همزتها وتكسر، وهمزتُها همزة وصلٍ وقد تُقطع، ونحاةُ الكوفةِ يقولون: إنَّها جمع يمين، وغيرهم يقولون: هي اسمٌ موضوعٌ للقسمِ. وقال المالكيَّة والحنفيَّةُ: إنَّها يمينٌ. وقال الشَّافعيَّة: إن نَوى اليمين انعقدَ، وإنْ نوى غير اليمين لم ينعقدْ يمينًا، وإن أطلق فوجهان: أصحُّهما لا ينعقدُ، وعن أحمدَ روايتان أصحُّهما الانعقادُ، وحكى الغزاليُّ في معناهَا وجهين: أحدهما: أنَّه كقولهِ: بالله، والثَّاني وهو الرَّاجح: أنَّه كقولهِ: أحلفُ بالله.

٦٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ) وفي نسخةٍ بـ «اليونينيَّة»: «حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفر» المدنيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيِّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ بَعْثًا) وهو البعثُ الَّذي أمرَ بتجهيزهِ عند موتهِ وأنفذَهُ أبو بكر بعدَه (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ) بتشديد الميم، جعلَ عليهم أميرًا (أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمْرَتِهِ) بكسر الهمزة وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في إمارتِهِ» وكان أشدَّهم في ذلك كلامًا عيَّاشُ بنُ أبي ربيعةَ المخزوميُّ، فقال: يستعملُ هذا الغلام على المهاجرين وكان فيهم أبو بكر وعمر، فسمع عُمر ذلك (١) فأخبرَ النَّبيَّ بذلك (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَُنُونَ فِي إِمْرَتِهِ) بضم العين وفتحها في الفرعِ كأصلهِ، قيل: وهما لغتان (فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَُنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ) زيد بن حارثة (مِنْ قَبْلُ) في غزوة مُؤتة (وَايْمُ اللهِ) أي: أَحلفُ بالله (إِنْ كَانَ) زيد (لَخَلِيقًا) بفتح اللام والخاء المعجمة وبالقاف، لجديرًا (لِلإِمَارَةِ) بكسر الهمزة (وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ) بتشديد الياء (وَإِنَّ هَذَا) أسامة ابنه (لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ).

والحديث سبقَ في «مناقبِ زيدٍ » [خ¦٣٧٣٠].

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَيْفَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ) الَّتي كان يواظبُ على القسمِ بها أو يكثرُ؟ (وَقَالَ سَعْدٌ) بسكون العين، ابنُ أبي وقَّاص، ممَّا وصله المؤلِّف في «مناقبِ عمر » [خ¦٣٤٨٣] (قَالَ النَّبِيُّ ): «إيهًا يا ابنَ الخطَّاب» (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بيد (١) قدرتهِ وتصريفِهِ (٢) «ما لقيكَ الشَّيطان سالكًا فجًّا قطُّ إلَّا سلكَ فجًّا غير فجِّك».

(وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ) الحارثُ بن ربعيٍّ الأنصاريُّ، ممَّا (٣) سبق موصولًا في «باب من لم يخمِّس الأسلابَ» من «كتاب الخمس» [خ¦٣١٤٢] (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) (عِنْدَ النَّبِيِّ ) عام حنين: (لَاهَا اللهِ) بالوصل، أي: لا واللهِ (إِذًا) بالتَّنوين جواب وجزاء، أي: لا والله إذا صدقَ لا يكون كذَا، وتمامُه: «لا يعْمِدُ» -يعني: النَّبيَّ «إلى أسدٍ من أُسْد الله يقاتلُ عن اللهِ ورسولهِ فيُعْطيكَ سَلَبَه» فقال النَّبيُّ : «صدق (٤) فأعطِهِ» الحديثَ، وسبقَ في البابِ المذكورِ. قال البخاريُّ: (يُقَالُ: وَاللهِ) بالواو (وَبِاللهِ) بالموحدةِ (وَتَاللهِ) بالفوقيَّة، يريدُ أنَّها حروف قَسَمٍ، فالأوَّلان يدخلانِ على كلِّ ما يُقسم به، والثَّالث لا يدخل إلَّا على الجلالة الشَّريفة، نعم سُمعَ شاذًّا: ترب الكعبةِ وتالرَّحمن، ونقل الماورديُّ: أنَّ أصل حروفِ القسمِ الواو ثم الموحدةِ (٥) ثمَّ المثنَّاة، ونقل ابنُ الصبَّاغ عن أهلِ اللُّغة: أنَّ الموحدة هي الأصل، وأنَّ الواو بدل منها، وأنَّ المثنَّاة بدلٌ من الواو، وقوَّاه ابنُ الرِّفعة بأنَّ الباء تعملُ في الضَّمير بخلافِ الواو، ولو قالَ: اللهَِْ ُ مثلًا -بتثليث آخرهِ أو تسكينهِ (٦) - لأفعلنَّ كذا، فكنايةٌ إنْ نوى بها اليمين فيمينٌ، وإلَّا فلا، واللَّحنُ لا يمنعُ الانعقادَ، ولو قال: أقسمتُ، أو أقسمُ، أو حلفتُ، أو أحلفُ بالله

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

طَاعَةٌ وَالتَّمَادِي وَاجِبٌ وَالْحِنْثُ مَعْصِيَةٌ وَعَكْسُهُ بِالْعَكْسِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْلٍ فَيَمِينُهُ أَيْضًا طَاعَةٌ وَالتَّمَادِي مُسْتَحَبٌّ وَالْحِنْثُ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكَ مَنْدُوبٍ فَبِعَكْسِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ فَإِنْ كَانَ يَتَجَاذَبُهُ رُجْحَانُ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَيِّبًا وَلَا يَلْبَسُ نَاعِمًا فَفِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافٌ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَوَّبَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ: إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّمَادِيَ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ ذِكْرَ الْأَهْلِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْأَهْلِ إِذَا وُجِدَتِ الْعِلَّةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُرِفَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَمُطَابَقَتُهُ بَعْدَ تَمْهِيدِ تَقْسِيمِ أَحْوَالِ الْحَالِفِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْيَمِينَ كَأَنْ لَا يَقْصِدَهَا أَوْ يَقْصِدَهَا لَكِنْ يَنْسَى أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا إِثْمَ، وَإِنْ قَصَدَهَا وَانْعَقَدَتْ ثُمَّ رَأَى أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الْيَمِينِ فَلْيَحْنَثْ وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، فَإِنْ تَخَيَّلَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَرْفَعُ عَنْهُ إِثْمَ الْحِنْثِ فَهُوَ تَخَيُّلٌ مَرْدُودٌ، سَلَّمْنَا لَكِنَّ الْحِنْثَ أَكْثَرُ إِثْمًا مِنَ اللَّجَاجِ فِي تَرْكِ فِعْلِ ذَلِكَ الْخَيْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلِلْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ الْتِفَاتٌ إِلَى الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتِ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ وَالْمُرَادُ لَا تَجْعَلِ الْيَمِينَ الَّذِي حَلَفْتَ أَنْ لَا تَفْعَلَ خَيْرًا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلٍ أَوْ تَرْكٍ سَبَبًا يُعْتَذَرُ بِهِ عَنِ الرُّجُوعِ عَمَّا حَلَفْتَ عَلَيْهِ خَشْيَةً مِنَ الْإِثْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْحِنْثِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِثْمًا حَقِيقَةً لَكَانَ عَمَلُ ذَلِكَ الْخَيْرِ رَافِعًا لَهُ بِالْكَفَّارَةِ الْمَشْرُوعَةِ، ثُمَّ يَبْقَى ثَوَابُ الْبِرِّ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ الَّذِي قَبْلَهُ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ لِوُرُودِ الْأَمْرِ فِيهِ بِفِعْلِ الْخَيْرِ وَكَذَا الْكَفَّارَةِ.

٢ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ وَايْمُ اللَّهِ

٦٦٢٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَايْمُ اللَّهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِفَتْحِهَا وَالْمِيمُ مَضْمُومَةٌ، وَحَكَى الْأَخْفَشُ كَسْرَهَا مَعَ كَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ اسْمٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَحَرْفٌ عِنْدَ الزَّجَّاجِ، وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَهَمْزَةُ قَطْعٍ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ جَمْعُ يَمِينٍ، وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وَاحْتَجُّوا بِجَوَازِ كَسْرِ هَمْزَتِهِ وَفَتْحِ مِيمِهِ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فَلَوْ كَانَ جَمْعًا لَمْ تُحْذَفْ هَمْزَتُهُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا أُصِيبَ بِوَلَدِهِ وَرِجْلِهِ لَيْمُنُكَ لَئِنِ ابْتَلَيْتَ لَقَدْ عَافَيْتَ قَالَ: فَلَوْ كَانَ جَمْعًا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ بِحَذْفِ بَعْضِهِ، قَالَ: وَفِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ لُغَةً جَمَعْتُهَا فِي بَيْتَيْنِ وَهُمَا:

هَمْزُ ايْمٍ وَايْمُنُ فَافْتَحْ وَاكْسِرْ أَوْ أَمِ قُلْ … أَوْ قُلْ مِ أَوْ مَنْ بِالتَّثْلِيثِ قَدْ شُكِلَا

وَايْمُنُ اخْتِمْ بِهِ وَاللَّهِ كُلًّا أَضِفْ … إِليْهِ فِي قَسَمٍ تَسْتَوْفِ مَا نُقِلَا

قَالَ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ تِلْمِيذُ ابْنِ مَالِكٍ: فَاتَهُ أَمِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهَيْمِ بِالْهَاءِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ، وَقَدْ حَكَاهَا الْقَاسِمُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُعَلِّمُ

الْأَنْدَلُسِيُّ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي أَوَائِلِ هَذَا الشَّرْحِ فِي آخِرِ التَّيَمُّمِ لُغَاتٍ فِي هَذَا فَبَلَغَتْ عِشْرِينَ، وَإِذَا حُصِرَ مَا ذُكِرَ هُنَا زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُهُ يَمِينُ اللَّهِ وَيُجْمَعُ أَيْمُنًا فَيُقَالُ: وَأَيْمُنُ اللَّهِ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَأَنْشَدَ لِزُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى:

فَتُجْمَعُ أَيْمُنٌ مِنَّا وَمِنْكُمْ … بِمَقْسَمَةٍ تَمُورُ بِهَا الدِّمَاءُ

وَقَالُوا عِنْدَ الْقَسَمِ: وَأَيْمُنُ اللَّهِ، ثُمَّ كَثُرَ فَحَذَفُوا النُّونَ كَمَا حَذَفُوهَا مِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَالُوا لَمْ يَكُ، ثُمَّ حَذَفُوا الْيَاءَ فَقَالُوا: أَمِ اللَّهِ ثُمَّ حَذَفُوا الْأَلْفَ فَاقْتَصَرُوا عَلَى الْمِيمِ مَفْتُوحَةً وَمَضْمُومَةً وَمَكْسُورَةً، وَقَالُوا أَيْضًا: مُنُ اللَّهِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا، وَأَجَازُوا فِي أَيْمُنِ فَتْحَ الْمِيمِ وَضَمَّهَا وَكَذَا فِي أَيْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَ الْأَلِفَ وَجَعْلَ الْهَمْزَةَ زَائِدَةً أَوْ مُسَهَّلَةً، وَعَلَى هَذَا تَبْلُغُ لُغَاتُهَا عِشْرِينَ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَالُوا: أَيْمُ اللَّهِ وَرُبَّمَا حَذَفُوا الْيَاءَ فَقَالُوا: أَمِ اللَّهِ، وَرُبَّمَا أَبْقَوُا الْمِيمَ وَحْدَهَا مَضْمُومَةً فَقَالُوا: مُ اللَّهِ وَرُبَّمَا كَسَرُوهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ حَرْفًا وَاحِدًا فَشَبَّهُوهَا بِالْبَاءِ قَالُوا: وَأَلِفُهَا أَلِفُ وَصْلٍ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وَلَمْ يَجِئْ أَلِفُ وَصْلٍ مَفْتُوحَةً غَيْرُهَا، وَقَدْ تَدْخُلُ اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ فَيُقَالُ: لَيْمُنُ اللَّهِ قَالَ الشَّاعِرُ:

فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ لَمَّا نَشَدْتُهُمْ … نَعَمْ وَفَرِيقٌ لَيْمُنُ اللَّهِ مَا نَدْرِي

وَذَهَبَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ إِلَى أَنَّ أَلِفَهَا أَلِفُ قَطْعٍ، وَإِنَّمَا خُفِّفَتْ هَمْزَتُهَا وَطُرِحَتْ فِي الْوَصْلِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ: ايْمُ اللَّهِ مَعْنَاهُ اسْمُ اللَّهِ أُبْدِلَ السِّينُ يَاءً، وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ لِأَنَّ السِّينَ لَا تُبْدَلُ يَاءً، وَذَهَبَ الْمُبَرِّدُ إِلَى أَنَّهَا عِوَضٌ مِنْ وَاوِ الْقَسَمِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَايْمُ اللَّهِ وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ. وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ يَمِينَ اللَّهِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:

فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا … وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالي

وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ يَمِينٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ نَوَى الْيَمِينَ انْعَقَدَتْ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَ الْيَمِينِ لَمْ يَنْعَقِدْ يَمِينًا، وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا إِنْ نَوَى، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا الِانْعِقَادُ، وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِي مَعْنَاهُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: تَاللَّهِ، وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَعَمْرُ اللَّهِ، وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ لَعَمْرُ اللَّهِ شَاعَ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ عُرْفًا بِخِلَافِ أَيْمُ اللَّهِ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِالِانْعِقَادِ مُطْلَقًا بِأَنَّ مَعْنَاهُ يَمِينُ اللَّهِ وَيَمِينُ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَصِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ قَوْلَ وَايْمُ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: وَحَقِّ اللَّهِ وَقَالَ: إِنَّهُ تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَقَدِ اسْتَغْرَبُوهُ. وَوَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مَا يُقَوِّيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالِانْعِقَادِ مُطْلَقًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ إِلَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الْمُتَقَدِّمِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ وَحَقِّ اللَّهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي بَعْثِ أُسَامَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي آخِرِ الْمَغَازِي وَفِي الْمَنَاقِبِ، وَضُبِطَ قَوْلُهُ فِيهِ وَأَيْمُ اللَّهِ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣ - بَاب كَيْفَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ؟

وَقَالَ سَعْدٌ: قَالَ النَّبِيُّ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ

وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ : لَاهَا اللَّهِ إِذًا. يُقَالُ: وَاللَّهِ وَبِاللَّهِ وَتَاللَّهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وعهدُ الله، وهو مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ، أي: قسمِي، أو يمينِي، أو لازمٌ لي، وفيها لغاتٌ كثيرةٌ وتفتحُ همزتها وتكسر، وهمزتُها همزة وصلٍ وقد تُقطع، ونحاةُ الكوفةِ يقولون: إنَّها جمع يمين، وغيرهم يقولون: هي اسمٌ موضوعٌ للقسمِ. وقال المالكيَّة والحنفيَّةُ: إنَّها يمينٌ. وقال الشَّافعيَّة: إن نَوى اليمين انعقدَ، وإنْ نوى غير اليمين لم ينعقدْ يمينًا، وإن أطلق فوجهان: أصحُّهما لا ينعقدُ، وعن أحمدَ روايتان أصحُّهما الانعقادُ، وحكى الغزاليُّ في معناهَا وجهين: أحدهما: أنَّه كقولهِ: بالله، والثَّاني وهو الرَّاجح: أنَّه كقولهِ: أحلفُ بالله.

٦٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ) وفي نسخةٍ بـ «اليونينيَّة»: «حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفر» المدنيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيِّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ بَعْثًا) وهو البعثُ الَّذي أمرَ بتجهيزهِ عند موتهِ وأنفذَهُ أبو بكر بعدَه (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ) بتشديد الميم، جعلَ عليهم أميرًا (أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمْرَتِهِ) بكسر الهمزة وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في إمارتِهِ» وكان أشدَّهم في ذلك كلامًا عيَّاشُ بنُ أبي ربيعةَ المخزوميُّ، فقال: يستعملُ هذا الغلام على المهاجرين وكان فيهم أبو بكر وعمر، فسمع عُمر ذلك (١) فأخبرَ النَّبيَّ بذلك (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَُنُونَ فِي إِمْرَتِهِ) بضم العين وفتحها في الفرعِ كأصلهِ، قيل: وهما لغتان (فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَُنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ) زيد بن حارثة (مِنْ قَبْلُ) في غزوة مُؤتة (وَايْمُ اللهِ) أي: أَحلفُ بالله (إِنْ كَانَ) زيد (لَخَلِيقًا) بفتح اللام والخاء المعجمة وبالقاف، لجديرًا (لِلإِمَارَةِ) بكسر الهمزة (وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ) بتشديد الياء (وَإِنَّ هَذَا) أسامة ابنه (لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ).

والحديث سبقَ في «مناقبِ زيدٍ » [خ¦٣٧٣٠].

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَيْفَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ) الَّتي كان يواظبُ على القسمِ بها أو يكثرُ؟ (وَقَالَ سَعْدٌ) بسكون العين، ابنُ أبي وقَّاص، ممَّا وصله المؤلِّف في «مناقبِ عمر » [خ¦٣٤٨٣] (قَالَ النَّبِيُّ ): «إيهًا يا ابنَ الخطَّاب» (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بيد (١) قدرتهِ وتصريفِهِ (٢) «ما لقيكَ الشَّيطان سالكًا فجًّا قطُّ إلَّا سلكَ فجًّا غير فجِّك».

(وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ) الحارثُ بن ربعيٍّ الأنصاريُّ، ممَّا (٣) سبق موصولًا في «باب من لم يخمِّس الأسلابَ» من «كتاب الخمس» [خ¦٣١٤٢] (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) (عِنْدَ النَّبِيِّ ) عام حنين: (لَاهَا اللهِ) بالوصل، أي: لا واللهِ (إِذًا) بالتَّنوين جواب وجزاء، أي: لا والله إذا صدقَ لا يكون كذَا، وتمامُه: «لا يعْمِدُ» -يعني: النَّبيَّ «إلى أسدٍ من أُسْد الله يقاتلُ عن اللهِ ورسولهِ فيُعْطيكَ سَلَبَه» فقال النَّبيُّ : «صدق (٤) فأعطِهِ» الحديثَ، وسبقَ في البابِ المذكورِ. قال البخاريُّ: (يُقَالُ: وَاللهِ) بالواو (وَبِاللهِ) بالموحدةِ (وَتَاللهِ) بالفوقيَّة، يريدُ أنَّها حروف قَسَمٍ، فالأوَّلان يدخلانِ على كلِّ ما يُقسم به، والثَّالث لا يدخل إلَّا على الجلالة الشَّريفة، نعم سُمعَ شاذًّا: ترب الكعبةِ وتالرَّحمن، ونقل الماورديُّ: أنَّ أصل حروفِ القسمِ الواو ثم الموحدةِ (٥) ثمَّ المثنَّاة، ونقل ابنُ الصبَّاغ عن أهلِ اللُّغة: أنَّ الموحدة هي الأصل، وأنَّ الواو بدل منها، وأنَّ المثنَّاة بدلٌ من الواو، وقوَّاه ابنُ الرِّفعة بأنَّ الباء تعملُ في الضَّمير بخلافِ الواو، ولو قالَ: اللهَِْ ُ مثلًا -بتثليث آخرهِ أو تسكينهِ (٦) - لأفعلنَّ كذا، فكنايةٌ إنْ نوى بها اليمين فيمينٌ، وإلَّا فلا، واللَّحنُ لا يمنعُ الانعقادَ، ولو قال: أقسمتُ، أو أقسمُ، أو حلفتُ، أو أحلفُ بالله

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.7 / 29.5
الإضاءة 66%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله