الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩٨٥
الحديث رقم ٦٩٨٥ من كتاب «كتاب التعبير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الرؤيا من الله.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٩٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
أَخْبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الرؤيا الصالحةَ المُفرِحة في المنام من الله، وأرشد بأنْ يَحمد الله عليها، ويخبر بها، وإذا رأى ما يَكره ويُحزن فإنما هي من الشيطان؛ فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد؛ فإنها لا تضره حيث جعل الله ما ذُكر سببًا للسلامة من المكروه المترتِّب على الرؤيا.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ.
٦٩٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ"
قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ) أَيْ مُطْلَقًا، وَإِنْ قُيِّدَتْ فِي الْحَدِيثِ بِالصَّالِحَةِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَا دُخُولَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ، وَأَمَّا مَا لَهُ فِيهِ دَخْلٌ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ نِسْبَةً مَجَازِيَّةً، مَعَ أَنَّ الْكُلَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، وَإِضَافَةَ الرُّؤْيَا إِلَى اللَّهِ لِلتَّشْرِيفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ أَنَّ الَّتِي تُضَافُ إِلَى اللَّهِ لَا يُقَالُ لَهَا حُلُمٌ وَالَّتِي تُضَافُ لِلشَّيْطَانِ لَا يُقَالُ لَهَا رُؤْيَا وَهُوَ تَصَرُّفٌ شَرْعِيٌّ، وَإِلَّا فَكُلٌّ يُسَمَّى رُؤْيَا، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرُ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ فَأَطْلَقَ عَلَى كُلٍّ رُؤْيَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ الْقَيْدِ فِي الْمَنَامِ. وذكر فيه حديثين:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ: وَزُهَيْرٌ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ: (الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الصَّالِحَةُ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، وَسَقَطَ الْوَصْفُ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِلَفْظِ الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ كَالتَّرْجَمَةِ، وَكَذَا فِي الطِّبِّ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ وَيَحْيَى الْقَطَّانِ كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِثْلُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الصَّالِحَةُ، زَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُخْبِرُ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ.
وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيَبْشُرْ وَلَا يُخْبِرْ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ وَقَوْلُهُ: فَلْيَبْشُرْ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْبُشْرَى، وَقِيلَ بِنُونٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لِيُحَدِّثَ بِهَا، وَزَعَمَ عِيَاضٌ أَنَّهَا تَصْحِيفٌ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ مُسْلِمٍ: فَلْيَسْتُرْ بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ مِنَ السَّتْرِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَلَا يَقُصُّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْوُدِّ أَوْ ذِي رَأْيٍ، وَفِي أُخْرَى: وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا، وَفِي أُخْرَى: وَلَا يَقُصَّ الرُّؤْيَا إِلَّا عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا الْعَالِمُ فَإِنَّهُ يُؤَوِّلُهَا لَهُ عَلَى الْخَيْرِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ، وَأَمَّا النَّاصِحُ فَإِنَّهُ يُرْشِدُ إِلَى مَا يَنْفَعُهُ وَيُعِينُهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا اللَّبِيبُ وَهُوَ الْعَارِفُ بِتَأْوِيلِهَا فَإِنَّهُ يُعْلِمُهُ بِمَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَوْ يَسْكُتُ، وَأَمَّا الْحَبِيبُ فَإِنْ عَرَفَ خَيْرًا قَالَهُ وَإِنْ جَهِلَ أَوْ شَكَّ سَكَتَ.
قُلْتُ: وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّ اللَّبِيبَ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْعَالِمِ وَالْحَبِيبَ عَبَّرَ بِهِ مِنَ النَّاصِحِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا.
قَوْلُهُ: وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ كَذَا اخْتَصَرَهُ، وَسَيَأْتِي ضَبْطُ الْحُلْمِ وَمَعْنَاهُ فِي بَابِ الْحُلْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الطَّرِيقِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فَزَادَ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ
شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَأَذَاهَا فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّ، وَكَذَا مَضَى فِي الطِّبِّ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْحُلْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمُ الْحُلْمَ يَكْرَهُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ فَلَنْ يَضُرَّهُ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: عَنْ يَسَارِهِ حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ، وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْآتِيَةِ فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، بِلَفْظِ: وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَلْيَتْفُلْ ثَلَاثًا وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرُّهُ وَهَذِهِ أَتَمُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ لَفْظًا.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: سَمَّى الشَّارِعُ الرُّؤْيَا الْخَالِصَةَ مِنَ الْأَضْغَاثِ صَالِحَةً وَصَادِقَةً وَأَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ، وَسَمَّى الْأَضْغَاثَ حُلْمًا وَأَضَافَهَا إِلَى الشَّيْطَانِ؛ إِذْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً عَلَى شَاكِلَتِهِ فَأَعْلَمَ النَّاسَ بِكَيْدِهِ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى دَفْعِهِ لِئَلَّا يُبَلِّغُوهُ أَرَبَهُ فِي تَحْزِينِهِمْ وَالتَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِك: أُضِيفَتْ إِلَى الشَّيْطَانِ لِكَوْنِهَا عَلَى هَوَاهُ وَمُرَادِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: يَخْلُقُ اللَّهُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ بِحَضْرَةِ الْمَلَكِ وَيَخْلُقُ الرُّؤْيَا الَّتِي تُقَابِلُهَا بِحَضْرَةِ الشَّيْطَانِ، فَمِنْ ثَمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُخَيِّلُ بِهَا وَلَا حَقِيقَةَ لَهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
الحديث الثاني عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ، وَسَيَأْتِي مَنْسُوبًا فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللَّهِ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيَتَحَدَّثْ بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَلْيَتَحَدَّثْ وَمِثْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ) زَادَ فِي نُسْخَةٍ بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ، فَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَبْوَابِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ ثَلَاثُ أَشْيَاءَ: أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يَسْتَبْشِرَ بِهَا، وَأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا لَكِنْ لِمَنْ يُحِبُّ دُونَ مَنْ يَكْرَهُ، وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَدَبِ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَنْ يَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَأَنْ يَتْفُلَ حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلَا يَذْكُرُهَا لِأَحَدٍ أَصْلًا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْقَيْدِ فِي الْمَنَامِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ خَامِسَةٌ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَلَفْظُهُ: فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحِ الْبُخَارِيُّ بِوَصْلِهِ وَصَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِهِ، وَغَفَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: زَادَ التِّرْمِذِيُّ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، انْتَهَى.
وَزَادَ مُسْلِمٌ سَادِسَةً وَهِيَ التَّحَوُّلُ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ يَعْنِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مِثْلَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ.
وَأَمَّا طَرِيقُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فَلَيْسَتْ فِيهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهَا قُتَيْبَةُ، وَفِي الْجُمْلَةِ فَتَكْمُلُ الْآدَابُ سِتَّةً الْأَرْبَعَةَ الْمَاضِيَةَ وَالصَّلَاةَ وَالتَّحَوُّلَ، وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ
ذِكْرَ سَابِعَةٍ وَهِيَ قِرَاءَةُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ فَيُتَّجَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَهَا فِي صَلَاتِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الْعَابِرِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ حِكْمَةَ هَذِهِ الْأُمُورِ: فَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَوَاضِحٌ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ يُكْرَهُ، وَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا مِنْهُ وَأَنَّهُ يُخَيِّلُ بِهَا لِقَصْدِ تَحْزِينِ الْآدَمِيِّ وَالتَّهْوِيلِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا التَّفْلُ فَقَالَ عِيَاضٌ: أَمَرَ بِهِ طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةَ تَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا، وَخُصَّتْ بِهِ الْيَسَارُ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْأَقْذَارِ وَنَحْوِهَا. قُلْتُ: وَالتَّثْلِيثُ لِلتَّأْكِيدِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ فِي مَقَامِ الرُّقْيَةِ لِيَتَقَرَّرَ عِنْدَ النَّفْسِ دَفْعُهُ عَنْهَا وَعَبَّرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالْبُصَاقِ إِشَارَةً إِلَى اسْتِقْذَارِهِ، وَقَدْ وَرَدَ بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ النَّفْثِ وَالتَّفْلِ وَالْبَصْقِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّفْثِ فِي الرُّقْيَةِ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: اخْتُلِفَ فِي النَّفْثِ وَالتَّفْلِ فَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَلَا يَكُونَانِ إِلَّا بِرِيقٍ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُشْتَرَطُ فِي التَّفْلِ رِيقٌ يَسِيرٌ وَلَا يَكُونُ فِي النَّفْثِ، وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّفْثِ فِي الرُّقْيَةِ فَقَالَتْ: كَمَا يَنْفُثُ آكِلُ الزَّبِيبِ لَا رِيقَ مَعَهُ. قَالَ: وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا يَخْرُجُ مَعَهُ مِنْ بَلَّةٍ بِغَيْرِ قَصْدٍ، قَالَ: وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَجَعَلَ يَجْمَعُ بُزَاقَهُ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَفَائِدَةُ التَّفْلِ التَّبَرُّكُ بِتِلْكَ الرُّطُوبَةِ وَالْهَوَاءِ، وَالنَّفْثُ لِلْمُبَاشِرِ لِلرُّقْيَةِ الْمُقَارِنِ لِلذِّكْرِ الْحَسَنِ كَمَا يُتَبَرَّكُ بِغُسَالَةِ مَا يُكْتَبُ مِنَ الذِّكْرِ وَالْأَسْمَاءِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي الرُّؤْيَا فَلْيَنْفُثْ وَهُوَ نَفْخٌ لَطِيفٌ بِلَا رِيقٍ فَيَكُونُ التَّفْلُ وَالْبَصْقُ مَحْمُولَيْنِ عَلَيْهِ مَجَازًا.
قُلْتُ: لَكِنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفٌ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الرُّقْيَةِ التَّبَرُّكُ بِرُطُوبَةِ الذِّكْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمَطْلُوبُ هُنَا طَرْدُ الشَّيْطَانِ وَإِظْهَارُ احْتِقَارِهِ وَاسْتِقْذَارُهُ كَمَا نَقَلَهُ هُوَ عَنْ عِيَاضٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالَّذِي يَجْمَعُ الثَّلَاثَةَ الْحَمْلُ عَلَى التَّفْلِ فَإِنَّهُ نَفْخٌ مَعَهُ رِيقٌ لَطِيفٌ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى النَّفْخِ قِيلَ لَهُ نَفْثٌ وَبِالنَّظَرِ إِلَى الرِّيقِ قِيلَ لَهُ بُصَاقٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ مَا ذُكِرَ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ مِنَ الْمَكْرُوهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الرُّؤْيَا كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَةَ وِقَايَةً لِلْمَالِ انْتَهَى.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَجُّهِ إِلَى اللَّهِ وَاللَّجَإِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِي التَّحْرِمِ بِهَا عِصْمَةٌ مِنَ الْأَسْوَاءِ وَبِهَا تَكْمُلُ الرَّغْبَةُ وَتَصِحُّ الطَّلَبَةُ لِقُرْبِ الْمُصَلِّي مِنْ رَبِّهِ عِنْدَ سُجُودِهِ، وَأَمَّا التَّحَوُّلُ فَلِلتَّفَاؤُلِ بِتَحَوُّلِ تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْأَحَادِيثُ.
قُلْتُ: لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدَةٍ، نَعَمْ أَشَارَ الْمُهَلَّبُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ كَافِيَةٌ فِي دَفْعِ شَرِّهَا وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فَيَحْتَاجُ مَعَ الِاسْتِعَاذَةِ إِلَى صِحَّةِ التَّوَجُّهِ وَلَا يَكْفِي إِمْرَارُ الِاسْتِعَاذَةِ بِاللِّسَانِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: الصَّلَاةُ تَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ، لِأَنَّهُ إِذَا قَامَ فَصَلَّى تَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ وَبَصَقَ وَنَفَثَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ وَاسْتَعَاذَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ دَعَا اللَّهَ فِي أَقْرَبِ الْأَحْوَالِ إِلَيْهِ فَيَكْفِيهِ اللَّهُ شَرَّهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
وَوَرَدَ فِي صِفَةِ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الرُّؤْيَا أَثَرٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ إِذَا اسْتَيْقَظَ: أَعُوذُ بِمَا عَاذَتْ بِهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ وَرُسُلِهِ مِنْ شَرِّ رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنْ يُصِيبَنِي فِيهَا مَا أَكْرَهُ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ.
وَوَرَدَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ فِي الْمَنَامِ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرَوَّعُ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ غَضَبِهِ وَعَذَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ.
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يُفَزَّعُ فِي مَنَامِهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: إِذَا اضْطَجَعْتَ فَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ فَذَكَرَهُ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ، وَاسْتَثْنَى الدَّاوُدِيُّ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ: إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ مَا يَكُونُ فِي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ لِكَوْنِهَا قَدْ تَقَعُ إِنْذَارًا كَمَا تَقَعُ تَبْشِيرًا وَفِي الْإِنْذَارِ نَوْعُ مَا يَكْرَهُهُ الرَّائِي فَلَا يُشْرَعُ إِذَا عَرَفَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ وَنَحْوِهَا، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا وَرَدَ مِنْ مَرَائِي النَّبِيِّ ﷺ كَالْبَقَرِ الَّتِي تُنْحَرُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِعَاذَةِ فِي الصَّادِقَةِ أَنْ لَا يَتَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ وَلَا أَنْ لَا يُصَلِّيَ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِدَفْعِ مَكْرُوهِ الْإِنْذَارِ مَعَ حُصُولِ مَقْصُودِ الْإِنْذَارِ، وَأَيْضًا فَالْمَنْذُورَةُ قَدْ تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْمُبَشِّرَةِ لِأَنَّ مَنْ أُنْذِرَ بِمَا سَيَقَعُ لَهُ وَلَوْ كَانَ لَا يَسُرُّهُ أَحْسَنُ حَالًا مِمَّنْ هَجَمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْزَعِجُ مَا لَا يَنْزَعِجُ مَنْ كَانَ يَعْلَمُ بِوُقُوعِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَنْهُ وَرِفْقًا بِهِ.
قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ أَصْلُهَا حَقٌّ تُخْبِرُ عَنِ الْحَقِّ وَهُوَ بُشْرَى وَإِنْذَارٌ وَمُعَاتَبَةٌ لِتَكُونَ عَوْنًا لِمَا نُدِبَ إِلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ غَالِبُ أُمُورِ الْأَوَّلِينَ الرُّؤْيَا إِلَّا أَنَّهَا قَلَّتْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ لِعِظَمِ مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهَا مِنَ الْوَحْيِ وَلِكَثْرَةِ مَنْ فِي أُمَّتِهِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ مِنَ الْمُحَدَّثِينَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَأَهْلِ الْيَقِينِ. فَاكْتَفَوْا بِكَثْرَةِ الْإِلْهَامِ وَالْمُلْهَمِينَ عَنْ كَثْرَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي كَانَتْ فِي الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ وَالصَّالِحَةُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى حُسْنِ ظَاهِرِهَا أَوْ صِدْقِهَا، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةُ أَوِ السُّوءُ يَحْتَمِلُ سُوءَ الظَّاهِرِ أَوْ سُوءَ التَّأْوِيلِ، وَأَمَّا كَتْمُهَا مَعَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ صَادِقَةً فَخَفِيَتْ حِكْمَتُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَخَافَةِ تَعْجِيلِ اشْتِغَالِ سِرِّ الرَّائِي بِمَكْرُوهِ تَفْسِيرِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُبْطِئُ فَإِذَا لَمْ يُخْبِرْ بِهَا زَالَ تَعْجِيلُ رَوْعِهَا وَتَخْوِيفِهَا وَيَبْقَى إِذَا لَمْ يَعْبُرْهَا لَهُ أَحَدٌ بَيْنَ الطَّمَعِ فِي أَنَّ لَهَا تَفْسِيرًا حَسَنًا، أَوِ الرَّجَاءِ فِي أَنَّهَا مِنَ الْأَضْغَاثِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَسْكَنَ لِنَفْسِهِ.
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَذْكُرْهَا عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا تَقَعُ عَلَى مَا يَعْبُرُ بِهِ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْوَهْمِ تَأْثِيرًا فِي النُّفُوسِ لِأَنَّ التَّفْلَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ يَدْفَعُ الْوَهْمَ الَّذِي يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِنَ الرُّؤْيَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَهْمِ تَأْثِيرٌ لَمَا أَرْشَدَ إِلَى مَا يَدْفَعُهُ، وَكَذَا فِي النَّهْيِ عَنِ التَّحْدِيثِ بِمَا يَكْرَهُ لِمَنْ يَكْرَهُ وَالْأَمْرُ بِالتَّحْدِيثِ بِمَا يُحِبُّ لِمَنْ يُحِبُّ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ) ظَاهِرُ الْحَصْرِ أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ لَا تَشْتَمِلُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَكْرَهُهُ الرَّائِي، وَيُؤَيِّدُهُ مُقَابَلَةُ رُؤْيَا الْبُشْرَى بِالْحُلْمِ وَإِضَافَةُ الْحُلْمِ إِلَى الشَّيْطَانِ، وَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْلِ أَهْلِ التَّعْبِيرِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ: أنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ قَدْ تَكُونُ بُشْرَى وَقَدْ تَكُونُ إِنْذَارًا نَظَرٌ، لِأَنَّ الْإِنْذَارَ غَالِبًا يَكُونُ فِيمَا يَكْرَهُ الرَّائِي، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْإِنْذَارَ لَا يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الْمَكْرُوهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا يَكْرَهُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ظَاهِرِ الرُّؤْيَا وَمِمَّا تُعَبَّرُ بِهِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الرُّؤْيَا يَعْنِي مَا كَانَ فِيهِ تَهْوِيلٌ أَوْ تَخْوِيفٌ أَوْ تَحْزِينٌ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ تَخَيُّلَاتِ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا اسْتَعَاذَ الرَّائِي مِنْهُ صَادِقًا فِي الْتِجَائِهِ إِلَى اللَّهِ وَفَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّفْلِ وَالتَّحَوُّلِ وَالصَّلَاةِ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ مَا بِهِ وَمَا يَخَافُهُ مِنْ مَكْرُوهِ ذَلِكَ وَلَمْ يُصِبْهُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ بَلِ الْخَبَرُ عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا يَكْرَهُهُ الرَّائِي بِتَنَاوُلِ مَا يَتَسَبَّبُ بِهِ الشَّيْطَانُ وَمَا لَا تَسَبُّبَ لَهُ فِيهِ، وَفِعْلُ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ مَانِعٌ مِنْ وُقُوعِ الْمَكْرُوهِ كَمَا جَاءَ أَنَّ الدُّعَاءَ يَدْفَعُ الْبَلَاءَ وَالصَّدَقَةَ تَدْفَعُ مَيْتَةَ السُّوءِ وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَلَكِنَّ الْأَسْبَابَ عَادَاتٌ لَا مَوْجُودَاتٌ، وَأَمَّا مَا يُرَى أَحْيَانًا مِمَّا يُعْجِبُ الرَّائِيَ وَلَكِنَّهُ لَا يَجِدُهُ فِي الْيَقَظَةِ وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي قِسْمٍ آخَرَ وَهُوَ مَا كَانَ الْخَاطِرُ بِهِ مَشْغُولًا قَبْلَ النَّوْمِ ثُمَّ يَحْصُلُ النَّوْمُ فَيَرَاهُ فَهَذَا قِسْمٌ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
إضافة الرُّؤيا وهي اسمٌ للمرئيِّ المحبوبِ إلى الله تعالى فإضافة تشريفٍ، فظاهرُه (١): أنَّ المضافةَ إلى الله لا يُقال لها حُلُم، والمضافة (٢) إلى الشَّيطان لا يُقال لها: رؤيا، وهو تصريفٌ شرعيٌّ، وإلَّا فالكلُّ يسمَّى رؤيا. وفي حديث آخر [خ¦٧٠١٧] «الرُّؤيا ثلاث»، فأطلق على كلٍّ رؤيا.
وحديث الباب سبقَ في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٤٧]، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ وابنُ ماجه.
٦٩٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعد الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الهَادِ) بغير تحتية بعد المهملة، وهو: يزيدُ بنُ عبد الله بنِ أسامةَ بنِ عبد الله بنِ شدَّاد بنِ الهاد اللَّيثيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بخاء معجمة مفتوحة وموحدتين الأولى مشددة بينهما ألف الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الخُدْرِيِّ) ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ) في منامه (رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا) وفي مسلم حديث: «فإن رأى رؤيا (٣) حسنةً فليَبْشُر ولا يُخبرْ إلَّا من يحبُّ»، وفي التِّرمذيِّ من حديثِ أبي رَزين: «ولا يقصُّها إلَّا على وادٍّ»، وفي أخرى: «ولا يُحدِّث بها إلَّا لبيبًا أو حبيبًا». وفي أخرى: «لا تُقَصُّ الرُّؤيا إلَّا على عالمٍ أو ناصحٍ»، قيل: لأنَّ العالم يؤولها على الخيرِ مهما أمكنَه، والنَّاصح يُرشد إلى ما ينفعُ، واللَّبيب العارفُ بتأويلها، والحبيبُ إن عرفَ خيرًا قاله، وإن جهلَ أو شكَّ سكتَ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وليتحدَّث» بزيادة فوقيَّة بعد التحتية (٤) وفتح الدال المهملة (وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ
فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ) لأنَّه الَّذي يخيَّل فيها أو أنَّها تناسب صفته (١) من الكذبِ والتَّهويل وغير ذلك، بخلاف الرُّؤيا الصَّادقة فأُضيفتْ إلى الله إضافةَ تشريفٍ وإن كان الجميع (٢) بخلقِ الله وتقديره، كما أنَّ الجميعَ عباد الله وإن كانوا عُصَاة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] و ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] (فَلْيَسْتَعِذْ) بالله ﷿ (مِنْ شَرِّهَا) أي (٣): من شرِّ الرُّؤيا (وَلَا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ) وفي «مستخرج أبي نُعيم» حديث: «وإذا رَأى أحدُكُم شيئًا يكرهُهُ فلينفُثْ ثلاثَ مرَّات، ويتعوَّذ بالله من شرِّها»، وفي «باب الحلم من الشَّيطان» عند المؤلِّف [خ¦٧٠٠٥] «فليبصقْ عن يسارهِ»، ولمسلم: «عن يساره (٤) حين يهبُّ من نومه (٥) ثلاث مرَّات»، وعند المؤلِّف في «باب إذا رأى ما يكره» [خ¦٧٠٤٤] «فليتعوَّذ بالله من شرِّها ومن شرِّ الشَّيطان، وليتفلْ ثلاثًا، ولا يحدِّث بها أحدًا» (فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ).
ومحصِّله: أنَّ الرُّؤيا الصَّالحة آدابها ثلاثة: حَمْدُ الله عليها، وأنْ يستبشرَ بها، وأنْ يتحدَّث بها لكن لمن يحبُّ دون من يكرهُ، وأنَّ آدابَ (٦) الحلم أربعة: التَّعوُّذ بالله من شرِّها ومن شرِّ الشَّيطان، وأن يتفلَ (٧) حين يستيقظَ من نومهِ، ولا يذكرها لأحدٍ أصلًا. وفي حديث أبي هريرة عند المؤلِّف في «باب القيد في المنام» [خ¦٧٠١٧] «وليقم فليصلِّ»، لكن لم يصرِّح البخاريُّ بوصلهِ وصرَّح به مسلم. وعند مسلم (٨): «وليتحوَّلْ عن جنبهِ الَّذي كان عليه»، والحكمةُ في التَّفل -كما قال بعضهم-: طردُ الشَّيطان الَّذي حضر الرُّؤيا المكروهة، أو إشارة إلى استقذارِهِ، والصَّلاة جامعة لما ذكر على ما لا يخفَى، وعند سعيدِ بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الرَّزَّاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النَّخعيِّ قال: إذا رَأى أحدُكم في منامهِ ما يكرَه، فليقلْ إذا استيقظَ: أعوذُ بما عاذتْ به ملائكةُ الله ورسوله
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَفِي رِوَايَة عبَادَة: أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ، وَفِي رِوَايَة ابْن عمر: سِتَّة وَعِشْرُونَ، وَقيل: جَاءَ فِيهِ اثْنَان وَسَبْعُونَ، وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ، وَسَبْعَة وَعِشْرُونَ، وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ فعلى هَذَا يَنْتَهِي الْعدَد إِلَى سِتَّة عشر وَجها. وَأجَاب من تكلم فِي بَيَان وَجه الِاخْتِلَاف الْأَعْدَاد بِأَنَّهُ وَقع بِحَسب الْوَقْت الَّذِي حدث فِيهِ النَّبِي بذلك كَأَن يكون لما أكمل ثَلَاث عشرَة سنة بعد مَجِيء الْوَحْي إِلَيْهِ حدث بِأَن الرُّؤْيَا جُزْء من سِتَّة وَعشْرين إِن ثَبت الْخَبَر بذلك، وَذَلِكَ وَقت الْهِجْرَة، وَلما أكمل عشْرين حدث بِأَرْبَعِينَ وَلما أكمل اثْنَيْنِ وَعشْرين حدث بأَرْبعَة وَأَرْبَعين، ثمَّ بعْدهَا بِخَمْسَة وَأَرْبَعين، ثمَّ حدث بِسِتَّة وَأَرْبَعين فِي آخر حَيَاته. وَأما مَا عدا ذَلِك من الرِّوَايَات بعد الْأَرْبَعين فضعيف، وَرِوَايَة الْخمسين يحْتَمل أَن تكون لجبر الْكسر، وَرِوَايَة السّبْعين للْمُبَالَغَة وَمَا عدا ذَلِك لم يثبت. وَالله أعلم.
٣ - (بابُ الرُّؤيا مِنَ الله)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الرُّؤْيَا من الله، وَإِضَافَة الرُّؤْيَا إِلَى الله للتشريف كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} والرؤيا المضافة إِلَى الله لَا يُقَال لَهَا: حلم، وَالَّتِي تُضَاف إِلَى الشَّيْطَان لَا يُقَال لَهَا رُؤْيا، وَهَذَا تصرف شَرْعِي وإلَاّ فَالْكل يُسمى: رُؤْيا.
٦٩٨٤ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ، حدّثنا زُهَيْرٌ، حدّثنا يَحْياى هُوَ ابنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: الرُّؤْيا مِنَ الله، والحُلُمُ مِنَ الشَّيْطانِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة هَذَا على هَذِه الرِّوَايَة من غير ذكر الْوَصْف للرؤيا، وَهِي رِوَايَة أَحْمد بن يحيى الْحلْوانِي عَن أَحْمد بن يُونُس شيخ البُخَارِيّ، ويروى الرُّؤْيَا الصادقة من الله وَفِي رِوَايَة الْكشميهني الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَهِي الَّتِي وَقعت فِي مُعظم الرِّوَايَات.
وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَة الْكُوفِي، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرحمان بن عَوْف، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الطِّبّ عَن خَالِد بن مخلد. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة.
قَوْله: والحلم بِضَم الْحَاء وَاللَّام قَالَ ابْن التِّين: كَذَا قرأناه وَفِي ضبط الْجَوْهَرِي بِسُكُون اللَّام وَهُوَ مَا يرَاهُ النَّائِم وحلم بِفَتْح الْحَاء وَاللَّام كضرب تَقول: حلمت بِكَذَا وحلمته، وَقَالَ ابْن سَيّده فِي مثلثه: وَيجمع على أَحْلَام لَا غير، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الحالم النَّائِم يرى فِي مَنَامه شَيْئا وَإِذا لم ير شَيْئا فَلَيْسَ بحالم. وَقَالَ الزّجاج: الْحلم بِالضَّمِّ لَيْسَ بمصدر، وَإِنَّمَا هُوَ اسْم، وَحكى ابْن التياني فِي الموعب عَن الْأَصْمَعِي فِي الْمصدر حلماً وحلماً والحلم بِالْكَسْرِ الأناءة يُقَال مِنْهُ: حلم، بِضَم اللَّام. قَوْله: من الشَّيْطَان أضيفت إِلَيْهِ لكَونهَا على هَوَاهُ وَمرَاده، وَقيل: لِأَنَّهُ الَّذِي يخيل بهَا وَلَا حَقِيقَة لَهَا فِي نفس الْأَمر.
٦٩٨٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، حدّثنا اللَّيْثُ، حدّثني ابنُ الهادِ، عنْ عَبدِ الله بنِ خَبَّابٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ يَقُولُ إِذا رَأى أحَدُكُمْ رُؤْيا يُحِبُّها فإنّما هِيَ مِنَ الله، فَلْيَحْمَدِ الله عَلَيْها، ولْيُحَدِّثْ بِها، وَإِذا رَأى غَيْرَ ذالِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فإنَّما هِيَ مِنَ الشَّيْطانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّها وَلَا يَذْكرْها لأحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ
الحَدِيث ٦٩٨٥ طرفه فِي: ٧٠٤٥
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَإِنَّمَا هِيَ من الله وَابْن الْهَاد هُوَ يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد اللَّيْثِيّ، وَعبد الله بن خباب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو سعيد بن مَالك الْخُدْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي الرُّؤْيَا وَالْيَوْم وَاللَّيْلَة جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: وليحدث بهَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: وليتحدث بهَا. قَوْله: فليستعذ وَفِي بعض النّسخ: فليستعذ بِاللَّه. قَوْله: لَا تضره وَفِي رِوَايَة
الْكشميهني: فَإِنَّهَا لن تضره.
٤ - (بابٌ الرُّؤْيا الصَّالِحَةَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة. . إِلَى آخِره، وَسَقَطت هَذِه التَّرْجَمَة للنسفي، وَذكر أحاديثها فِي الْبَاب الَّذِي قبله.
٦٩٨٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يَحْياى بنِ أبي كَثِيرٍ وأثْنى عَلَيْهِ خَيْراً، وَقَالَ: لَ قِيتُهُ باليَمامَةِ عنْ أبِيهِ، حدّثنا أبُو سَلَمَةَ، عنْ أبي قَتادَةَ، عنِ النبيَّ قَالَ: الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ مِنَ الله، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ، فإذَا حَلَمَ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ ولْيَبْصُقْ عنْ شِمالِهِ فإنَّها لَا تَضُرَّهُ
وعنْ أبِيهِ قَالَ: حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ أبي قَتادَةَ عنْ أبِيهِ عَن النبيِّ مِثْلَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن يحيى بن أبي كثير ضد الْقَلِيل الْيَمَانِيّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لم يتَقَدَّم ذكره.
قَوْله: وَأثْنى عَلَيْهِ خيرا أَي: وَأثْنى مُسَدّد على عبد الله بن يحيى خيرا، وَهِي جملَة حَالية. أَي: أثنى عَلَيْهِ خيرا حَال كَونه حدث عَنهُ، وَقد أثنى عَلَيْهِ أَيْضا إِسْحَاق بن إِسْرَائِيل فِيمَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيقه قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير وَكَانَ من خِيَار النَّاس. وَأهل الْوَرع وَالدّين. قَوْله: لَقيته بِالْيَمَامَةِ أَي: قَالَ مُسَدّد: لقِيت عبد الله بن يحيى بِالْيَمَامَةِ بتَخْفِيف الْمِيم، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْيَمَامَة بِلَاد كَانَ اسْمهَا الجو بِالْجِيم وَتَشْديد الْوَاو، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بَين مَكَّة واليمن، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْيَمَامَة اسْم جَارِيَة زرقاء كَانَت تبصر الرَّاكِب من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام، يُقَال: أبْصر من زرقاء الْيَمَامَة، فسميت الْبِلَاد الْمَذْكُورَة باسم هَذِه الْجَارِيَة لِكَثْرَة مَا أضيف إِلَيْهَا، وَقيل: جو الْيَمَامَة. قَوْله: عَن أَبِيه هُوَ يحيى بن أبي كثير، وَاسم أبي كثير صَالح بن المتَوَكل، وَقيل، غير ذَلِك، روى عَن أبي سَلمَة بن عبد الرحمان بن عَوْف، وروى عَنهُ ابْنه عبد الله الْمَذْكُور، وَأَبُو قَتَادَة هُوَ الْحَارِث بن ربعي وَقد مضى عَن قريب. قَوْله: فَإِذا حلم بِفَتْح اللَّام. قَوْله: فليتعوذ مِنْهُ أَي: من الشَّيْطَان لِأَنَّهُ ينْسب إِلَيْهِ. قَوْله: وليبصق أَمر بالبصق عَن شِمَاله طرد للشَّيْطَان الَّذِي حضر رُؤْيَاهُ الْمَكْرُوهَة وتحقيراً لَهُ واستقذاراً، وَخص الشمَال لِأَنَّهُ مَحل الأقذار والمكروهات، ويروى: فلينفث، ويروى أَيْضا: فليتفل، وَأكْثر الرِّوَايَات على الثَّانِي، وَادّعى بَعضهم أَن مَعْنَاهَا وَاحِد، وَلَعَلَّ المُرَاد بِالْجَمِيعِ النفث وَهُوَ نفخ بِلَا ريق وَيكون التفل والبصق محمولين مجَازًا.
قَوْله: وَعَن أَبِيه هُوَ عطف على السَّنَد الَّذِي قبله وَهَذَا يدل على أَن مُسَددًا لَهُ طَرِيقَانِ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. أَحدهمَا: عَن عبد الله بن يحيى عَن أَبِيه عَن أبي سَلمَة وَهُوَ الْمَذْكُور وَالْآخر: عَن عبد الله بن يحيى عَن أَبِيه عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه أبي قَتَادَة عَن النَّبِي وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عَن أَبِيه عَن أبي سَلمَة. قَوْله: مثله أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ أَصْحَاب عُلُوم الحَدِيث: إِذا روى الرَّاوِي حَدِيثا بِسَنَدِهِ ثمَّ اتبعهُ بِإِسْنَاد آخر لَهُ، وَقَالَ فِي آخِره. مثله، أَو: نَحوه، فَهَل يجوز رِوَايَة لفظ الحَدِيث الأول بِالْإِسْنَادِ الثَّانِي؟ فَقَالَ شُعْبَة: لَا. وَقَالَ الثَّوْريّ: نعم، وَقَالَ ابْن معِين: يجوز فِي مثله، وَلَا يجوز فِي نَحوه.
٦٩٨٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حَدثنَا غُنْدرٌ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ قَتادَةَ، عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، عنْ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، عنِ النبيِّ قَالَ: رُؤْيا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبوَّةِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا أَيْضا عَن بنْدَار وَأبي مُوسَى كِلَاهُمَا عَن غنْدر وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الرُّؤْيَا عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، وَمضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ.
٦٩٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ"
قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ) أَيْ مُطْلَقًا، وَإِنْ قُيِّدَتْ فِي الْحَدِيثِ بِالصَّالِحَةِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَا دُخُولَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ، وَأَمَّا مَا لَهُ فِيهِ دَخْلٌ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ نِسْبَةً مَجَازِيَّةً، مَعَ أَنَّ الْكُلَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، وَإِضَافَةَ الرُّؤْيَا إِلَى اللَّهِ لِلتَّشْرِيفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ أَنَّ الَّتِي تُضَافُ إِلَى اللَّهِ لَا يُقَالُ لَهَا حُلُمٌ وَالَّتِي تُضَافُ لِلشَّيْطَانِ لَا يُقَالُ لَهَا رُؤْيَا وَهُوَ تَصَرُّفٌ شَرْعِيٌّ، وَإِلَّا فَكُلٌّ يُسَمَّى رُؤْيَا، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرُ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ فَأَطْلَقَ عَلَى كُلٍّ رُؤْيَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ الْقَيْدِ فِي الْمَنَامِ. وذكر فيه حديثين:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ: وَزُهَيْرٌ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ: (الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الصَّالِحَةُ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، وَسَقَطَ الْوَصْفُ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِلَفْظِ الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ كَالتَّرْجَمَةِ، وَكَذَا فِي الطِّبِّ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ وَيَحْيَى الْقَطَّانِ كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِثْلُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الصَّالِحَةُ، زَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُخْبِرُ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ.
وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيَبْشُرْ وَلَا يُخْبِرْ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ وَقَوْلُهُ: فَلْيَبْشُرْ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْبُشْرَى، وَقِيلَ بِنُونٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لِيُحَدِّثَ بِهَا، وَزَعَمَ عِيَاضٌ أَنَّهَا تَصْحِيفٌ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ مُسْلِمٍ: فَلْيَسْتُرْ بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ مِنَ السَّتْرِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَلَا يَقُصُّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْوُدِّ أَوْ ذِي رَأْيٍ، وَفِي أُخْرَى: وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا، وَفِي أُخْرَى: وَلَا يَقُصَّ الرُّؤْيَا إِلَّا عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا الْعَالِمُ فَإِنَّهُ يُؤَوِّلُهَا لَهُ عَلَى الْخَيْرِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ، وَأَمَّا النَّاصِحُ فَإِنَّهُ يُرْشِدُ إِلَى مَا يَنْفَعُهُ وَيُعِينُهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا اللَّبِيبُ وَهُوَ الْعَارِفُ بِتَأْوِيلِهَا فَإِنَّهُ يُعْلِمُهُ بِمَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَوْ يَسْكُتُ، وَأَمَّا الْحَبِيبُ فَإِنْ عَرَفَ خَيْرًا قَالَهُ وَإِنْ جَهِلَ أَوْ شَكَّ سَكَتَ.
قُلْتُ: وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّ اللَّبِيبَ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْعَالِمِ وَالْحَبِيبَ عَبَّرَ بِهِ مِنَ النَّاصِحِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا.
قَوْلُهُ: وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ كَذَا اخْتَصَرَهُ، وَسَيَأْتِي ضَبْطُ الْحُلْمِ وَمَعْنَاهُ فِي بَابِ الْحُلْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الطَّرِيقِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فَزَادَ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ
شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَأَذَاهَا فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّ، وَكَذَا مَضَى فِي الطِّبِّ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْحُلْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمُ الْحُلْمَ يَكْرَهُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ فَلَنْ يَضُرَّهُ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: عَنْ يَسَارِهِ حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ، وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْآتِيَةِ فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، بِلَفْظِ: وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَلْيَتْفُلْ ثَلَاثًا وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرُّهُ وَهَذِهِ أَتَمُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ لَفْظًا.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: سَمَّى الشَّارِعُ الرُّؤْيَا الْخَالِصَةَ مِنَ الْأَضْغَاثِ صَالِحَةً وَصَادِقَةً وَأَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ، وَسَمَّى الْأَضْغَاثَ حُلْمًا وَأَضَافَهَا إِلَى الشَّيْطَانِ؛ إِذْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً عَلَى شَاكِلَتِهِ فَأَعْلَمَ النَّاسَ بِكَيْدِهِ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى دَفْعِهِ لِئَلَّا يُبَلِّغُوهُ أَرَبَهُ فِي تَحْزِينِهِمْ وَالتَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِك: أُضِيفَتْ إِلَى الشَّيْطَانِ لِكَوْنِهَا عَلَى هَوَاهُ وَمُرَادِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: يَخْلُقُ اللَّهُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ بِحَضْرَةِ الْمَلَكِ وَيَخْلُقُ الرُّؤْيَا الَّتِي تُقَابِلُهَا بِحَضْرَةِ الشَّيْطَانِ، فَمِنْ ثَمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُخَيِّلُ بِهَا وَلَا حَقِيقَةَ لَهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
الحديث الثاني عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ، وَسَيَأْتِي مَنْسُوبًا فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللَّهِ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيَتَحَدَّثْ بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَلْيَتَحَدَّثْ وَمِثْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ) زَادَ فِي نُسْخَةٍ بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ، فَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَبْوَابِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ ثَلَاثُ أَشْيَاءَ: أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يَسْتَبْشِرَ بِهَا، وَأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا لَكِنْ لِمَنْ يُحِبُّ دُونَ مَنْ يَكْرَهُ، وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَدَبِ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَنْ يَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَأَنْ يَتْفُلَ حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلَا يَذْكُرُهَا لِأَحَدٍ أَصْلًا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْقَيْدِ فِي الْمَنَامِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ خَامِسَةٌ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَلَفْظُهُ: فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحِ الْبُخَارِيُّ بِوَصْلِهِ وَصَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِهِ، وَغَفَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: زَادَ التِّرْمِذِيُّ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، انْتَهَى.
وَزَادَ مُسْلِمٌ سَادِسَةً وَهِيَ التَّحَوُّلُ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ يَعْنِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مِثْلَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ.
وَأَمَّا طَرِيقُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فَلَيْسَتْ فِيهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهَا قُتَيْبَةُ، وَفِي الْجُمْلَةِ فَتَكْمُلُ الْآدَابُ سِتَّةً الْأَرْبَعَةَ الْمَاضِيَةَ وَالصَّلَاةَ وَالتَّحَوُّلَ، وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ
ذِكْرَ سَابِعَةٍ وَهِيَ قِرَاءَةُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ فَيُتَّجَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَهَا فِي صَلَاتِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الْعَابِرِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ حِكْمَةَ هَذِهِ الْأُمُورِ: فَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَوَاضِحٌ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ يُكْرَهُ، وَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا مِنْهُ وَأَنَّهُ يُخَيِّلُ بِهَا لِقَصْدِ تَحْزِينِ الْآدَمِيِّ وَالتَّهْوِيلِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا التَّفْلُ فَقَالَ عِيَاضٌ: أَمَرَ بِهِ طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةَ تَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا، وَخُصَّتْ بِهِ الْيَسَارُ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْأَقْذَارِ وَنَحْوِهَا. قُلْتُ: وَالتَّثْلِيثُ لِلتَّأْكِيدِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ فِي مَقَامِ الرُّقْيَةِ لِيَتَقَرَّرَ عِنْدَ النَّفْسِ دَفْعُهُ عَنْهَا وَعَبَّرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالْبُصَاقِ إِشَارَةً إِلَى اسْتِقْذَارِهِ، وَقَدْ وَرَدَ بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ النَّفْثِ وَالتَّفْلِ وَالْبَصْقِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّفْثِ فِي الرُّقْيَةِ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: اخْتُلِفَ فِي النَّفْثِ وَالتَّفْلِ فَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَلَا يَكُونَانِ إِلَّا بِرِيقٍ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُشْتَرَطُ فِي التَّفْلِ رِيقٌ يَسِيرٌ وَلَا يَكُونُ فِي النَّفْثِ، وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّفْثِ فِي الرُّقْيَةِ فَقَالَتْ: كَمَا يَنْفُثُ آكِلُ الزَّبِيبِ لَا رِيقَ مَعَهُ. قَالَ: وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا يَخْرُجُ مَعَهُ مِنْ بَلَّةٍ بِغَيْرِ قَصْدٍ، قَالَ: وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَجَعَلَ يَجْمَعُ بُزَاقَهُ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَفَائِدَةُ التَّفْلِ التَّبَرُّكُ بِتِلْكَ الرُّطُوبَةِ وَالْهَوَاءِ، وَالنَّفْثُ لِلْمُبَاشِرِ لِلرُّقْيَةِ الْمُقَارِنِ لِلذِّكْرِ الْحَسَنِ كَمَا يُتَبَرَّكُ بِغُسَالَةِ مَا يُكْتَبُ مِنَ الذِّكْرِ وَالْأَسْمَاءِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي الرُّؤْيَا فَلْيَنْفُثْ وَهُوَ نَفْخٌ لَطِيفٌ بِلَا رِيقٍ فَيَكُونُ التَّفْلُ وَالْبَصْقُ مَحْمُولَيْنِ عَلَيْهِ مَجَازًا.
قُلْتُ: لَكِنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفٌ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الرُّقْيَةِ التَّبَرُّكُ بِرُطُوبَةِ الذِّكْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمَطْلُوبُ هُنَا طَرْدُ الشَّيْطَانِ وَإِظْهَارُ احْتِقَارِهِ وَاسْتِقْذَارُهُ كَمَا نَقَلَهُ هُوَ عَنْ عِيَاضٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالَّذِي يَجْمَعُ الثَّلَاثَةَ الْحَمْلُ عَلَى التَّفْلِ فَإِنَّهُ نَفْخٌ مَعَهُ رِيقٌ لَطِيفٌ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى النَّفْخِ قِيلَ لَهُ نَفْثٌ وَبِالنَّظَرِ إِلَى الرِّيقِ قِيلَ لَهُ بُصَاقٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ مَا ذُكِرَ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ مِنَ الْمَكْرُوهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الرُّؤْيَا كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَةَ وِقَايَةً لِلْمَالِ انْتَهَى.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَجُّهِ إِلَى اللَّهِ وَاللَّجَإِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِي التَّحْرِمِ بِهَا عِصْمَةٌ مِنَ الْأَسْوَاءِ وَبِهَا تَكْمُلُ الرَّغْبَةُ وَتَصِحُّ الطَّلَبَةُ لِقُرْبِ الْمُصَلِّي مِنْ رَبِّهِ عِنْدَ سُجُودِهِ، وَأَمَّا التَّحَوُّلُ فَلِلتَّفَاؤُلِ بِتَحَوُّلِ تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْأَحَادِيثُ.
قُلْتُ: لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدَةٍ، نَعَمْ أَشَارَ الْمُهَلَّبُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ كَافِيَةٌ فِي دَفْعِ شَرِّهَا وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فَيَحْتَاجُ مَعَ الِاسْتِعَاذَةِ إِلَى صِحَّةِ التَّوَجُّهِ وَلَا يَكْفِي إِمْرَارُ الِاسْتِعَاذَةِ بِاللِّسَانِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: الصَّلَاةُ تَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ، لِأَنَّهُ إِذَا قَامَ فَصَلَّى تَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ وَبَصَقَ وَنَفَثَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ وَاسْتَعَاذَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ دَعَا اللَّهَ فِي أَقْرَبِ الْأَحْوَالِ إِلَيْهِ فَيَكْفِيهِ اللَّهُ شَرَّهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
وَوَرَدَ فِي صِفَةِ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الرُّؤْيَا أَثَرٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ إِذَا اسْتَيْقَظَ: أَعُوذُ بِمَا عَاذَتْ بِهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ وَرُسُلِهِ مِنْ شَرِّ رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنْ يُصِيبَنِي فِيهَا مَا أَكْرَهُ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ.
وَوَرَدَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ فِي الْمَنَامِ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرَوَّعُ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ غَضَبِهِ وَعَذَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ.
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يُفَزَّعُ فِي مَنَامِهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: إِذَا اضْطَجَعْتَ فَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ فَذَكَرَهُ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ، وَاسْتَثْنَى الدَّاوُدِيُّ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ: إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ مَا يَكُونُ فِي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ لِكَوْنِهَا قَدْ تَقَعُ إِنْذَارًا كَمَا تَقَعُ تَبْشِيرًا وَفِي الْإِنْذَارِ نَوْعُ مَا يَكْرَهُهُ الرَّائِي فَلَا يُشْرَعُ إِذَا عَرَفَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ وَنَحْوِهَا، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا وَرَدَ مِنْ مَرَائِي النَّبِيِّ ﷺ كَالْبَقَرِ الَّتِي تُنْحَرُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِعَاذَةِ فِي الصَّادِقَةِ أَنْ لَا يَتَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ وَلَا أَنْ لَا يُصَلِّيَ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِدَفْعِ مَكْرُوهِ الْإِنْذَارِ مَعَ حُصُولِ مَقْصُودِ الْإِنْذَارِ، وَأَيْضًا فَالْمَنْذُورَةُ قَدْ تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْمُبَشِّرَةِ لِأَنَّ مَنْ أُنْذِرَ بِمَا سَيَقَعُ لَهُ وَلَوْ كَانَ لَا يَسُرُّهُ أَحْسَنُ حَالًا مِمَّنْ هَجَمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْزَعِجُ مَا لَا يَنْزَعِجُ مَنْ كَانَ يَعْلَمُ بِوُقُوعِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَنْهُ وَرِفْقًا بِهِ.
قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ أَصْلُهَا حَقٌّ تُخْبِرُ عَنِ الْحَقِّ وَهُوَ بُشْرَى وَإِنْذَارٌ وَمُعَاتَبَةٌ لِتَكُونَ عَوْنًا لِمَا نُدِبَ إِلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ غَالِبُ أُمُورِ الْأَوَّلِينَ الرُّؤْيَا إِلَّا أَنَّهَا قَلَّتْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ لِعِظَمِ مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهَا مِنَ الْوَحْيِ وَلِكَثْرَةِ مَنْ فِي أُمَّتِهِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ مِنَ الْمُحَدَّثِينَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَأَهْلِ الْيَقِينِ. فَاكْتَفَوْا بِكَثْرَةِ الْإِلْهَامِ وَالْمُلْهَمِينَ عَنْ كَثْرَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي كَانَتْ فِي الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ وَالصَّالِحَةُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى حُسْنِ ظَاهِرِهَا أَوْ صِدْقِهَا، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةُ أَوِ السُّوءُ يَحْتَمِلُ سُوءَ الظَّاهِرِ أَوْ سُوءَ التَّأْوِيلِ، وَأَمَّا كَتْمُهَا مَعَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ صَادِقَةً فَخَفِيَتْ حِكْمَتُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَخَافَةِ تَعْجِيلِ اشْتِغَالِ سِرِّ الرَّائِي بِمَكْرُوهِ تَفْسِيرِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُبْطِئُ فَإِذَا لَمْ يُخْبِرْ بِهَا زَالَ تَعْجِيلُ رَوْعِهَا وَتَخْوِيفِهَا وَيَبْقَى إِذَا لَمْ يَعْبُرْهَا لَهُ أَحَدٌ بَيْنَ الطَّمَعِ فِي أَنَّ لَهَا تَفْسِيرًا حَسَنًا، أَوِ الرَّجَاءِ فِي أَنَّهَا مِنَ الْأَضْغَاثِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَسْكَنَ لِنَفْسِهِ.
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَذْكُرْهَا عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا تَقَعُ عَلَى مَا يَعْبُرُ بِهِ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْوَهْمِ تَأْثِيرًا فِي النُّفُوسِ لِأَنَّ التَّفْلَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ يَدْفَعُ الْوَهْمَ الَّذِي يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِنَ الرُّؤْيَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَهْمِ تَأْثِيرٌ لَمَا أَرْشَدَ إِلَى مَا يَدْفَعُهُ، وَكَذَا فِي النَّهْيِ عَنِ التَّحْدِيثِ بِمَا يَكْرَهُ لِمَنْ يَكْرَهُ وَالْأَمْرُ بِالتَّحْدِيثِ بِمَا يُحِبُّ لِمَنْ يُحِبُّ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ) ظَاهِرُ الْحَصْرِ أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ لَا تَشْتَمِلُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَكْرَهُهُ الرَّائِي، وَيُؤَيِّدُهُ مُقَابَلَةُ رُؤْيَا الْبُشْرَى بِالْحُلْمِ وَإِضَافَةُ الْحُلْمِ إِلَى الشَّيْطَانِ، وَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْلِ أَهْلِ التَّعْبِيرِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ: أنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ قَدْ تَكُونُ بُشْرَى وَقَدْ تَكُونُ إِنْذَارًا نَظَرٌ، لِأَنَّ الْإِنْذَارَ غَالِبًا يَكُونُ فِيمَا يَكْرَهُ الرَّائِي، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْإِنْذَارَ لَا يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الْمَكْرُوهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا يَكْرَهُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ظَاهِرِ الرُّؤْيَا وَمِمَّا تُعَبَّرُ بِهِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الرُّؤْيَا يَعْنِي مَا كَانَ فِيهِ تَهْوِيلٌ أَوْ تَخْوِيفٌ أَوْ تَحْزِينٌ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ تَخَيُّلَاتِ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا اسْتَعَاذَ الرَّائِي مِنْهُ صَادِقًا فِي الْتِجَائِهِ إِلَى اللَّهِ وَفَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّفْلِ وَالتَّحَوُّلِ وَالصَّلَاةِ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ مَا بِهِ وَمَا يَخَافُهُ مِنْ مَكْرُوهِ ذَلِكَ وَلَمْ يُصِبْهُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ بَلِ الْخَبَرُ عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا يَكْرَهُهُ الرَّائِي بِتَنَاوُلِ مَا يَتَسَبَّبُ بِهِ الشَّيْطَانُ وَمَا لَا تَسَبُّبَ لَهُ فِيهِ، وَفِعْلُ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ مَانِعٌ مِنْ وُقُوعِ الْمَكْرُوهِ كَمَا جَاءَ أَنَّ الدُّعَاءَ يَدْفَعُ الْبَلَاءَ وَالصَّدَقَةَ تَدْفَعُ مَيْتَةَ السُّوءِ وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَلَكِنَّ الْأَسْبَابَ عَادَاتٌ لَا مَوْجُودَاتٌ، وَأَمَّا مَا يُرَى أَحْيَانًا مِمَّا يُعْجِبُ الرَّائِيَ وَلَكِنَّهُ لَا يَجِدُهُ فِي الْيَقَظَةِ وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي قِسْمٍ آخَرَ وَهُوَ مَا كَانَ الْخَاطِرُ بِهِ مَشْغُولًا قَبْلَ النَّوْمِ ثُمَّ يَحْصُلُ النَّوْمُ فَيَرَاهُ فَهَذَا قِسْمٌ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
إضافة الرُّؤيا وهي اسمٌ للمرئيِّ المحبوبِ إلى الله تعالى فإضافة تشريفٍ، فظاهرُه (١): أنَّ المضافةَ إلى الله لا يُقال لها حُلُم، والمضافة (٢) إلى الشَّيطان لا يُقال لها: رؤيا، وهو تصريفٌ شرعيٌّ، وإلَّا فالكلُّ يسمَّى رؤيا. وفي حديث آخر [خ¦٧٠١٧] «الرُّؤيا ثلاث»، فأطلق على كلٍّ رؤيا.
وحديث الباب سبقَ في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٤٧]، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ وابنُ ماجه.
٦٩٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعد الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الهَادِ) بغير تحتية بعد المهملة، وهو: يزيدُ بنُ عبد الله بنِ أسامةَ بنِ عبد الله بنِ شدَّاد بنِ الهاد اللَّيثيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بخاء معجمة مفتوحة وموحدتين الأولى مشددة بينهما ألف الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الخُدْرِيِّ) ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ) في منامه (رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا) وفي مسلم حديث: «فإن رأى رؤيا (٣) حسنةً فليَبْشُر ولا يُخبرْ إلَّا من يحبُّ»، وفي التِّرمذيِّ من حديثِ أبي رَزين: «ولا يقصُّها إلَّا على وادٍّ»، وفي أخرى: «ولا يُحدِّث بها إلَّا لبيبًا أو حبيبًا». وفي أخرى: «لا تُقَصُّ الرُّؤيا إلَّا على عالمٍ أو ناصحٍ»، قيل: لأنَّ العالم يؤولها على الخيرِ مهما أمكنَه، والنَّاصح يُرشد إلى ما ينفعُ، واللَّبيب العارفُ بتأويلها، والحبيبُ إن عرفَ خيرًا قاله، وإن جهلَ أو شكَّ سكتَ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وليتحدَّث» بزيادة فوقيَّة بعد التحتية (٤) وفتح الدال المهملة (وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ
فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ) لأنَّه الَّذي يخيَّل فيها أو أنَّها تناسب صفته (١) من الكذبِ والتَّهويل وغير ذلك، بخلاف الرُّؤيا الصَّادقة فأُضيفتْ إلى الله إضافةَ تشريفٍ وإن كان الجميع (٢) بخلقِ الله وتقديره، كما أنَّ الجميعَ عباد الله وإن كانوا عُصَاة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] و ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] (فَلْيَسْتَعِذْ) بالله ﷿ (مِنْ شَرِّهَا) أي (٣): من شرِّ الرُّؤيا (وَلَا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ) وفي «مستخرج أبي نُعيم» حديث: «وإذا رَأى أحدُكُم شيئًا يكرهُهُ فلينفُثْ ثلاثَ مرَّات، ويتعوَّذ بالله من شرِّها»، وفي «باب الحلم من الشَّيطان» عند المؤلِّف [خ¦٧٠٠٥] «فليبصقْ عن يسارهِ»، ولمسلم: «عن يساره (٤) حين يهبُّ من نومه (٥) ثلاث مرَّات»، وعند المؤلِّف في «باب إذا رأى ما يكره» [خ¦٧٠٤٤] «فليتعوَّذ بالله من شرِّها ومن شرِّ الشَّيطان، وليتفلْ ثلاثًا، ولا يحدِّث بها أحدًا» (فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ).
ومحصِّله: أنَّ الرُّؤيا الصَّالحة آدابها ثلاثة: حَمْدُ الله عليها، وأنْ يستبشرَ بها، وأنْ يتحدَّث بها لكن لمن يحبُّ دون من يكرهُ، وأنَّ آدابَ (٦) الحلم أربعة: التَّعوُّذ بالله من شرِّها ومن شرِّ الشَّيطان، وأن يتفلَ (٧) حين يستيقظَ من نومهِ، ولا يذكرها لأحدٍ أصلًا. وفي حديث أبي هريرة عند المؤلِّف في «باب القيد في المنام» [خ¦٧٠١٧] «وليقم فليصلِّ»، لكن لم يصرِّح البخاريُّ بوصلهِ وصرَّح به مسلم. وعند مسلم (٨): «وليتحوَّلْ عن جنبهِ الَّذي كان عليه»، والحكمةُ في التَّفل -كما قال بعضهم-: طردُ الشَّيطان الَّذي حضر الرُّؤيا المكروهة، أو إشارة إلى استقذارِهِ، والصَّلاة جامعة لما ذكر على ما لا يخفَى، وعند سعيدِ بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الرَّزَّاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النَّخعيِّ قال: إذا رَأى أحدُكم في منامهِ ما يكرَه، فليقلْ إذا استيقظَ: أعوذُ بما عاذتْ به ملائكةُ الله ورسوله
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَفِي رِوَايَة عبَادَة: أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ، وَفِي رِوَايَة ابْن عمر: سِتَّة وَعِشْرُونَ، وَقيل: جَاءَ فِيهِ اثْنَان وَسَبْعُونَ، وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ، وَسَبْعَة وَعِشْرُونَ، وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ فعلى هَذَا يَنْتَهِي الْعدَد إِلَى سِتَّة عشر وَجها. وَأجَاب من تكلم فِي بَيَان وَجه الِاخْتِلَاف الْأَعْدَاد بِأَنَّهُ وَقع بِحَسب الْوَقْت الَّذِي حدث فِيهِ النَّبِي بذلك كَأَن يكون لما أكمل ثَلَاث عشرَة سنة بعد مَجِيء الْوَحْي إِلَيْهِ حدث بِأَن الرُّؤْيَا جُزْء من سِتَّة وَعشْرين إِن ثَبت الْخَبَر بذلك، وَذَلِكَ وَقت الْهِجْرَة، وَلما أكمل عشْرين حدث بِأَرْبَعِينَ وَلما أكمل اثْنَيْنِ وَعشْرين حدث بأَرْبعَة وَأَرْبَعين، ثمَّ بعْدهَا بِخَمْسَة وَأَرْبَعين، ثمَّ حدث بِسِتَّة وَأَرْبَعين فِي آخر حَيَاته. وَأما مَا عدا ذَلِك من الرِّوَايَات بعد الْأَرْبَعين فضعيف، وَرِوَايَة الْخمسين يحْتَمل أَن تكون لجبر الْكسر، وَرِوَايَة السّبْعين للْمُبَالَغَة وَمَا عدا ذَلِك لم يثبت. وَالله أعلم.
٣ - (بابُ الرُّؤيا مِنَ الله)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الرُّؤْيَا من الله، وَإِضَافَة الرُّؤْيَا إِلَى الله للتشريف كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} والرؤيا المضافة إِلَى الله لَا يُقَال لَهَا: حلم، وَالَّتِي تُضَاف إِلَى الشَّيْطَان لَا يُقَال لَهَا رُؤْيا، وَهَذَا تصرف شَرْعِي وإلَاّ فَالْكل يُسمى: رُؤْيا.
٦٩٨٤ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ، حدّثنا زُهَيْرٌ، حدّثنا يَحْياى هُوَ ابنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: الرُّؤْيا مِنَ الله، والحُلُمُ مِنَ الشَّيْطانِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة هَذَا على هَذِه الرِّوَايَة من غير ذكر الْوَصْف للرؤيا، وَهِي رِوَايَة أَحْمد بن يحيى الْحلْوانِي عَن أَحْمد بن يُونُس شيخ البُخَارِيّ، ويروى الرُّؤْيَا الصادقة من الله وَفِي رِوَايَة الْكشميهني الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَهِي الَّتِي وَقعت فِي مُعظم الرِّوَايَات.
وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَة الْكُوفِي، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرحمان بن عَوْف، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الطِّبّ عَن خَالِد بن مخلد. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة.
قَوْله: والحلم بِضَم الْحَاء وَاللَّام قَالَ ابْن التِّين: كَذَا قرأناه وَفِي ضبط الْجَوْهَرِي بِسُكُون اللَّام وَهُوَ مَا يرَاهُ النَّائِم وحلم بِفَتْح الْحَاء وَاللَّام كضرب تَقول: حلمت بِكَذَا وحلمته، وَقَالَ ابْن سَيّده فِي مثلثه: وَيجمع على أَحْلَام لَا غير، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الحالم النَّائِم يرى فِي مَنَامه شَيْئا وَإِذا لم ير شَيْئا فَلَيْسَ بحالم. وَقَالَ الزّجاج: الْحلم بِالضَّمِّ لَيْسَ بمصدر، وَإِنَّمَا هُوَ اسْم، وَحكى ابْن التياني فِي الموعب عَن الْأَصْمَعِي فِي الْمصدر حلماً وحلماً والحلم بِالْكَسْرِ الأناءة يُقَال مِنْهُ: حلم، بِضَم اللَّام. قَوْله: من الشَّيْطَان أضيفت إِلَيْهِ لكَونهَا على هَوَاهُ وَمرَاده، وَقيل: لِأَنَّهُ الَّذِي يخيل بهَا وَلَا حَقِيقَة لَهَا فِي نفس الْأَمر.
٦٩٨٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، حدّثنا اللَّيْثُ، حدّثني ابنُ الهادِ، عنْ عَبدِ الله بنِ خَبَّابٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ يَقُولُ إِذا رَأى أحَدُكُمْ رُؤْيا يُحِبُّها فإنّما هِيَ مِنَ الله، فَلْيَحْمَدِ الله عَلَيْها، ولْيُحَدِّثْ بِها، وَإِذا رَأى غَيْرَ ذالِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فإنَّما هِيَ مِنَ الشَّيْطانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّها وَلَا يَذْكرْها لأحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ
الحَدِيث ٦٩٨٥ طرفه فِي: ٧٠٤٥
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَإِنَّمَا هِيَ من الله وَابْن الْهَاد هُوَ يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد اللَّيْثِيّ، وَعبد الله بن خباب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو سعيد بن مَالك الْخُدْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي الرُّؤْيَا وَالْيَوْم وَاللَّيْلَة جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: وليحدث بهَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: وليتحدث بهَا. قَوْله: فليستعذ وَفِي بعض النّسخ: فليستعذ بِاللَّه. قَوْله: لَا تضره وَفِي رِوَايَة
الْكشميهني: فَإِنَّهَا لن تضره.
٤ - (بابٌ الرُّؤْيا الصَّالِحَةَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة. . إِلَى آخِره، وَسَقَطت هَذِه التَّرْجَمَة للنسفي، وَذكر أحاديثها فِي الْبَاب الَّذِي قبله.
٦٩٨٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يَحْياى بنِ أبي كَثِيرٍ وأثْنى عَلَيْهِ خَيْراً، وَقَالَ: لَ قِيتُهُ باليَمامَةِ عنْ أبِيهِ، حدّثنا أبُو سَلَمَةَ، عنْ أبي قَتادَةَ، عنِ النبيَّ قَالَ: الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ مِنَ الله، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ، فإذَا حَلَمَ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ ولْيَبْصُقْ عنْ شِمالِهِ فإنَّها لَا تَضُرَّهُ
وعنْ أبِيهِ قَالَ: حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ أبي قَتادَةَ عنْ أبِيهِ عَن النبيِّ مِثْلَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن يحيى بن أبي كثير ضد الْقَلِيل الْيَمَانِيّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لم يتَقَدَّم ذكره.
قَوْله: وَأثْنى عَلَيْهِ خيرا أَي: وَأثْنى مُسَدّد على عبد الله بن يحيى خيرا، وَهِي جملَة حَالية. أَي: أثنى عَلَيْهِ خيرا حَال كَونه حدث عَنهُ، وَقد أثنى عَلَيْهِ أَيْضا إِسْحَاق بن إِسْرَائِيل فِيمَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيقه قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير وَكَانَ من خِيَار النَّاس. وَأهل الْوَرع وَالدّين. قَوْله: لَقيته بِالْيَمَامَةِ أَي: قَالَ مُسَدّد: لقِيت عبد الله بن يحيى بِالْيَمَامَةِ بتَخْفِيف الْمِيم، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْيَمَامَة بِلَاد كَانَ اسْمهَا الجو بِالْجِيم وَتَشْديد الْوَاو، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بَين مَكَّة واليمن، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْيَمَامَة اسْم جَارِيَة زرقاء كَانَت تبصر الرَّاكِب من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام، يُقَال: أبْصر من زرقاء الْيَمَامَة، فسميت الْبِلَاد الْمَذْكُورَة باسم هَذِه الْجَارِيَة لِكَثْرَة مَا أضيف إِلَيْهَا، وَقيل: جو الْيَمَامَة. قَوْله: عَن أَبِيه هُوَ يحيى بن أبي كثير، وَاسم أبي كثير صَالح بن المتَوَكل، وَقيل، غير ذَلِك، روى عَن أبي سَلمَة بن عبد الرحمان بن عَوْف، وروى عَنهُ ابْنه عبد الله الْمَذْكُور، وَأَبُو قَتَادَة هُوَ الْحَارِث بن ربعي وَقد مضى عَن قريب. قَوْله: فَإِذا حلم بِفَتْح اللَّام. قَوْله: فليتعوذ مِنْهُ أَي: من الشَّيْطَان لِأَنَّهُ ينْسب إِلَيْهِ. قَوْله: وليبصق أَمر بالبصق عَن شِمَاله طرد للشَّيْطَان الَّذِي حضر رُؤْيَاهُ الْمَكْرُوهَة وتحقيراً لَهُ واستقذاراً، وَخص الشمَال لِأَنَّهُ مَحل الأقذار والمكروهات، ويروى: فلينفث، ويروى أَيْضا: فليتفل، وَأكْثر الرِّوَايَات على الثَّانِي، وَادّعى بَعضهم أَن مَعْنَاهَا وَاحِد، وَلَعَلَّ المُرَاد بِالْجَمِيعِ النفث وَهُوَ نفخ بِلَا ريق وَيكون التفل والبصق محمولين مجَازًا.
قَوْله: وَعَن أَبِيه هُوَ عطف على السَّنَد الَّذِي قبله وَهَذَا يدل على أَن مُسَددًا لَهُ طَرِيقَانِ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. أَحدهمَا: عَن عبد الله بن يحيى عَن أَبِيه عَن أبي سَلمَة وَهُوَ الْمَذْكُور وَالْآخر: عَن عبد الله بن يحيى عَن أَبِيه عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه أبي قَتَادَة عَن النَّبِي وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عَن أَبِيه عَن أبي سَلمَة. قَوْله: مثله أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ أَصْحَاب عُلُوم الحَدِيث: إِذا روى الرَّاوِي حَدِيثا بِسَنَدِهِ ثمَّ اتبعهُ بِإِسْنَاد آخر لَهُ، وَقَالَ فِي آخِره. مثله، أَو: نَحوه، فَهَل يجوز رِوَايَة لفظ الحَدِيث الأول بِالْإِسْنَادِ الثَّانِي؟ فَقَالَ شُعْبَة: لَا. وَقَالَ الثَّوْريّ: نعم، وَقَالَ ابْن معِين: يجوز فِي مثله، وَلَا يجوز فِي نَحوه.
٦٩٨٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حَدثنَا غُنْدرٌ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ قَتادَةَ، عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، عنْ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، عنِ النبيِّ قَالَ: رُؤْيا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبوَّةِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا أَيْضا عَن بنْدَار وَأبي مُوسَى كِلَاهُمَا عَن غنْدر وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الرُّؤْيَا عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، وَمضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.