«لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩٩٠

الحديث رقم ٦٩٩٠ من كتاب «كتاب التعبير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المبشرات.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما…

«لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ.»

بَابُ رُؤْيَا يُوسُفَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ فَاطِرٌ وَالْبَدِيعُ وَالْمُبْتَدِعُ وَالْبَارِئُ وَالْخَالِقُ وَاحِدٌ مِنَ الْبَدْءِ بَادِئَةٍ.

رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿أَسْلَمَا﴾ سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ ﴿وَتَلَّهُ﴾ وَضَعَ وَجْهَهُ بِالْأَرْضِ.

بَابُ التَّوَاطُؤِ عَلَى الرُّؤْيَا

سند حديث: ٦٩٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ…

٦٩٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح حديث: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الشَّرْعِ الْمُسْتَقَرِّ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ تَبْلِيغُهُ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٥ - بَاب الْمُبَشِّرَاتِ

٦٩٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَمْ يَبْقَ مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ. قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُبَشِّرَاتِ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ مُبَشِّرَةٍ، وَهِيَ الْبُشْرَى، وَقَدْ وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُبَادَةَ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ عُبَادَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا هُوَ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ عَنْ عُبَادَةَ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةُ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ أَبِي يَعْلَى.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ) كَذَا ذَكَرَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمُضِيِّ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ وَالْمُرَادُ الِاسْتِقْبَالُ أَيْ لَا يَبْقَى، وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ وَاللَّامُ فِي النُّبُوَّةِ لِلْعَهْدِ وَالْمُرَادُ نُبُوَّتُهُ، وَالْمَعْنَى لَمْ يَبْقَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ الْمُخْتَصَّةِ بِي إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِالرُّؤْيَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: لَمْ يَبْقَ بَعْدِي، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَشَفَ السِّتَارَةَ وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ الْحَدِيثَ.

وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ زُفَرَ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ أَنَّهُ: لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ وَهَذَا يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ، وَظَاهِرُ الِاسْتِثْنَاءِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ أَنَّ الرُّؤْيَا نُبُوَّةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُ أَمْرِ الرُّؤْيَا بِالنُّبُوَّةِ، أَوْ لِأَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ وَصْفِهِ لَهُ كَمَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَافِعًا صَوْتَهُ لَا يُسَمَّى مُؤَذِّنًا وَلَا يُقَالُ إِنَّهُ أَذَّنَ وَإِنْ كَانَتْ جُزْءًا مِنَ الْأَذَانِ، وَكَذَا لَوْ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَائِمٌ لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا وَإِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أُمِّ كُرْزٍ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ الْكَعْبِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.

وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنَ الْمُبَشِّرَاتِ إِلَّا الرُّؤْيَا وَلَهُ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ مَرْفُوعًا: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ وَلَا نَبِيَّ وَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلَكِنْ بَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: رُؤْيَا الْمُسْلِمِينَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ مَا حَاصِلُهُ: التَّعْبِيرُ بِالْمُبَشِّرَاتِ خَرَجَ لِلْأَغْلَبِ، فَإِنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا تَكُونُ

مُنْذِرَةً وَهِيَ صَادِقَةٌ يُرِيهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ رِفْقًا بِهِ لِيَسْتَعِدَّ لِمَا يَقَعُ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِي وَلَا يَبْقَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُ مَا سَيَكُونُ إِلَّا الرُّؤْيَا، وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْإِلْهَامُ فَإِنَّ فِيهِ إِخْبَارًا بِمَا سَيَكُونُ، وَهُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْيِ كَالرُّؤْيَا، وَيَقَعُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ: قَدْ كَانَ فِيمَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ وَفُسِّرَ الْمُحَدَّثُ بِفَتْحِ الدَّالِ بِالْمُلْهَمِ بِالْفَتْحِ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْبَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ فَكَانَتْ كَمَا أَخْبَرُوا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَصْرَ فِي الْمَنَامِ لِكَوْنِهِ يَشْمَلُ آحَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الْإِلْهَامِ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْبَعْضِ، وَمَعَ كَوْنِهِ مُخْتَصًّا فَإِنَّهُ نَادِرٌ، فَإِنَّمَا ذُكِرَ الْمَنَامُ لِشُمُولِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : فَإِنْ يَكُنْ وَكَانَ السِّرُّ فِي نَدُورِ الْإِلْهَامِ فِي زَمَنِهِ وَكَثْرَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ غَلَبَةَ الْوَحْيِ إِلَيْهِ فِي الْيَقَظَةِ وَإِرَادَةَ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ مِنْهُ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ لَا يَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنْهُ فِي زَمَانِهِ شَيْءٌ، فَلَمَّا انْقَطَعَ الْوَحْيُ بِمَوْتِهِ وَقَعَ الْإِلْهَامُ لِمَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ لِلْأَمْنِ مِنَ اللَّبْسِ فِي ذَلِكَ، وَفِي إِنْكَارِ وُقُوعِ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَتِهِ وَاشْتِهَارِهِ مُكَابَرَةٌ مِمَّنْ أَنْكَرَهُ.

٦ - بَاب رُؤْيَا يُوسُفَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ فَاطِرٌ وَالْبَدِيعُ وَالْمُبْدِعُ وَالْبَارِئُ وَالْخَالِقُ وَاحِدٌ. ﴿مِنَ الْبَدْوِ﴾ بَادِيَةٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ رُؤْيَا يُوسُفَ) كَذَا لَهُمْ، وَوَقَعَ لِلنَّسَفِيِّ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ﴾ - فَسَاقَ إِلَى - ﴿سَاجِدِينَ﴾ ثُمَّ قَالَ: إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ كُلَّهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ أَيْضًا. وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ أَيِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَهِيَ رُؤْيَةُ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ سَاجِدِينَ لَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ إِلَى مِصْرَ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَرْتَبَةِ الْمُلْكِ وَسَجَدُوا لَهُ وَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا فِي شَرِيعَتِهِمْ فَكَانَ التَّأْوِيلُ فِي السَّاجِدِينَ وَكَوْنِهَا حَقًّا فِي السُّجُودِ، وَقِيلَ التَّأْوِيلُ وَقَعَ أَيْضًا فِي السُّجُودِ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُمُ السُّجُودُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْخُضُوعِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قَالَ: كَانَتْ تَحِيَّةَ مَنْ قَبْلَكُمْ، فَأَعْطَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ السَّلَامَ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَفِي لَفْظٍ: وَكَانَتْ تَحِيَّةُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَنْ يَسْجُدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِمْ نَحْوُ ذَلِكَ.

قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَرَادُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَيْنَهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ بَلِ الْإِكْرَامِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ

الرُّؤْيَا وَتَفْسِيرِهَا، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: كَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ وَعِبَارَتِهَا أَرْبَعُونَ عَامًا، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ لَهُ شَاهِدًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ وَزَادَ: وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي أَمَدُ الرُّؤْيَا.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ مُدَّةُ الْمُفَارَقَةِ بَيْنَ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَفِي لَفْظٍ: ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَنَقَلَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ تِسْعِينَ سَنَةً، وَعَنِ الْكَلْبِيِّ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً قَالَ: وَقِيلَ سَبْعًا وَسَبْعِينَ، وَنَقَلَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَوْلًا: إِنَّهَا كَانَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا وَالْأَوَّلُ أَقْوَى وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ، وَسَقَطَ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ إِلَى آخِرِ الْبَابِ لِلنَّسَفِيِّ.

قَوْلُهُ: (فَاطِرٌ وَالْبَدِيعُ وَالْمُبْدِعُ وَالْبَارِئُ وَالْخَالِقُ وَاحِدٌ) كَذَا لِبَعْضِهِمُ الْبَارِئُ بِالرَّاءِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرِ الْبَادِئُ بِالدَّالِ بَدَلَ الرَّاءِ وَالْهَمْزُ ثَابِتٌ فِيهِمَا، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الصَّوَابَ بِالرَّاءِ وَأَنَّ رِوَايَةَ الدَّالِ وَهْمٌ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ وَرَدَتْ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى أَيْضًا الْمُبْدِئُ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي الْعَنْكَبُوتِ مَا يَشْهَدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ - ثُمَّ قَالَ -: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ فَالْأَوَّلُ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَاسْمُ الْفَاعِلِ مِنْهُ مُبْدِئٌ وَالثَّانِي مِنَ الثُّلَاثِيِّ وَاسْمُ الْفَاعِلِ مِنْهُ بَادِئٌ وَهُمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا اسْتِطْرَادًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فَأَرَادَ تَفْسِيرَ الْفَاطِرِ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ دَعْوَى الْبُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ الْوَحْدَةَ مَمْنُوعَةٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، كَذَا قَالَ، وَلَمْ يُرِدِ الْبُخَارِيُّ بِذَلِكَ أَنَّ حَقَائِقَ مَعَانِيهَا مُتَوَحِّدَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ إِيجَادُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَقَدْ ذَكَرْتُ قَوْلَ الْفَرَّاءِ أَنَّ فَطَرَ وَخَلَقَ وَفَلَقَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَبْلَ بَابِ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مِنَ الْبَدْءِ وَبَادِئِهِ) كَذَا وَجَدْتُهُ مَضْبُوطًا فِي الْأَصْلِ بِالْهَمْزِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَبِوَاوِ الْعَطْفِ لِأَبِي ذَرٍّ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا تَرَجَّحَتْ رِوَايَةُ الدَّالِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْبَادِئُ وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ مِنَ الْبَدْوِ وَبَادِيَةٍ بِالْوَاوِ بَدَلَ الْهَمْزِ وَبِغَيْرِ هَمْزٍ فِي بَادِيَةٍ وَبِهَاءِ تَأْنِيثٍ، وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ فَفَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ بَادِيَةٌ أَيْ جَاءَ بِكَمْ مِنَ الْبَادِيَةِ، وَذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ مِنَ الْبَدْوِ أَيْ قَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أَيْ مِنَ الْبَادِيَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ أَنَّ فَاطِرَ مَعْنَاهُ الْبَادِئُ مِنَ الْبَدْءِ أَيِ الِابْتِدَاءُ أَيْ بَادِئُ الْخَلْقِ، فَمَعْنَى فَاطِرٍ بَادِئٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧ - بَاب رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَسْلَمَا﴾ سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ. ﴿وَتَلَّهُ﴾ وَضَعَ وَجْهَهُ بِالْأَرْضِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لَفْظُ بَابٍ لِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لِلنَّسَفِيِّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ كُلَّهَا. قِيلَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ نَذَرَ إِنْ رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ سَارَّةَ وَلَدًا أَنْ يَذْبَحَهُ قُرْبَانًا فَرَأَى فِي الْمَنَامِ أَنْ أَوْفِ بِنَذْرِكَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِإِسْحَاقَ انْطَلِقْ بِنَّا نُقَرِّبْ قُرْبَانًا وَأَخَذَ حَبْلًا وَسِكِّينًا ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ

بَيْنَ الْجِبَالِ قَالَ: يَا أَبَتِ أَيْنَ قُرْبَانُكَ؟ قَالَ: أَنْتَ يَا بُنَيَّ، ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ الْآيَاتِ، فَقَالَ: اشْدُدْ رِبَاطِي حَتَّى لَا أَضْطَرِبَ، وَاكْفُفْ ثِيَابَكَ حَتَّى لَا يَنْتَضِحَ عَلَيْهَا مِنْ دَمِي فَتَرَاهُ سَارَّةُ فَتَحْزَنَ، وَأَسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيَّ، فَفَعَلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ يَبْكِي وَأَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ فَلَمْ تَحُزَّ وَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِنْ نُحَاسٍ فَكَبَّهُ عَلَى جَبِينِهِ وَحَزَّ فِي قَفَاهُ، فَذَاكَ قَوْلُهُ: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنُودِيَ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ فَأَخَذَهُ وَحَلَّ عَنِ ابْنِهِ.

هَكَذَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: اجْتَمَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَعْبٌ فَحَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً، فَقَالَ كَعْبٌ: أَفَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ؟ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ يَذْبَحُ ابْنَهُ إسحاق قَالَ الشَّيْطَانُ: إِنْ لَمْ أَفْتِنْ هَؤُلَاءِ عِنْدَ هَذِهِ لَمْ أَفْتِنْهُمْ أَبَدًا، فَذَهَبَ إِلَى سَارَّةَ فَقَالَ: أَيْنَ ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ بِابْنِكِ؟ قَالَتْ: فِي حَاجَتِهِ، قَالَ: كَلَّا إِنَّهُ ذَهَبَ بِهِ لِيَذْبَحَهُ يَزْعُمُ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَخْشَى أَنْ لَا يُطِيعَ رَبَّهُ، فَجَاءَ إِلَى إسحاق فَأَجَابَهُ بِنَحْوِهِ، فَوَاجَهَ إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَأَيِسَ أَنْ يُطِيعُوهُ.

وَسَاقَ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ وَزَادَ: أَنَّهُ سَدَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الطَّرِيقَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ أَنْ يَرْمِيَهَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ عِنْدَ كُلِّ جَمْرَةٍ، وَكَأَنَّ قَتَادَةَ أَخَذَ أَوَّلَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَآخِرَهُ مِمَّا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا رَأَى الْمَنَاسِكَ عَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ عِنْدَ الْمَسْعَى، فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ فَذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، وَكَانَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ، وَتمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ فَقَالَ: يَا أَبَتِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَمِيصٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ فَاخْلَعْهُ، فَنُودِيَ مِنْ خَلْفِهِ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا، فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ فَذَبَحَهُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ وَزَادَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَإِنَّ رَأْسَ الْكَبْشِ لَمُعَلَّقٌ بِقَرْنَيْهِ فِي مِيزَابِ الْكَعْبَةِ.

وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ فَوَارَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ حِينَ دَخَلَ الْبَيْتَ.

وَهَذِهِ الْآثَارُ مِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الْعَبَّاسِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا.

وَعَنِ الْأَحْنَفِ، عَنِ ابْنِ مَيْسَرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَمَسْرُوقٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَعَنْ عَلِيٍّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ وَحَدِيثُ: أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ رُوِّينَاهُ فِي الْخُلَعِيَّاتِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، وَنَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَطْنَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِتَقْوِيَتِهِ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنَ الْقُرْآنِ دَلِيلًا وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الصَّافَّاتِ: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ وَقَوْلُهُ فِي هُودٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾

قَالَ: وَوَجْهُ الْأَخْذِ مِنْهُمَا أَنَّ سِيَاقَهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فِي وَقْتَيْنِ الْأُولَى عَنْ طَلَبٍ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ لَمَّا هَاجَرَ مِنْ بِلَادِ قَوْمِهِ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ فَسَأَلَ مِنْ رَبِّهِ الْوَلَدَ ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قال: «هي (١) في الدُّنيا الرُّؤيا الصَّالحة يراهَا العبدُ أو تُرى له، وفي الآخرةِ بالجنَّة»، وعنده أيضًا عن أبي هُريرة موقوفًا: الرُّؤيا الحسنة هي البُشرى يراها المسلمُ أو تُرى له.

٦٩٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ) بلفظ الماضي والمراد الاستقبال، وفي حديث عائشة عند أحمدَ: «لم يبق بعدِي» (إِلَّا المُبَشِّرَاتُ) قال في «المصابيح»: وحينئذٍ فيكون المقام مقتضيًا للنَّفي بغير «لم» ممَّا يدلُّ على النَّفي في المستقبلِ، كما ورد: «لن (٢) يبقَى من بعدِي من النُّبوَّة إلَّا المبشِّرات» يعني: أنَّ الوحي منقطعٌ بموتهِ، فلا يبقى بعدَه ما يعلم به ما (٣) سيكون غير الرُّؤيا الصَّالحة. انتهى.

وقيل: هو على ظاهرهِ؛ لأنَّه قال ذلك في زمانهِ، واللام في النُّبوَّة للعهدِ، والمراد: نبوَّته، أي: لم يبق بعد النُّبوَّة المختصَّة بي (٤) إلَّا المبشِّرات، وفي (٥) حديثِ ابن عبَّاس عند مسلم قال ذلك في مرض موتهِ، وفي حديث أنسٍ عندَ أبي يعلى مرفوعًا: «إنَّ الرِّسالة والنُّبوَّة قد انقطعتْ، ولا نبيَّ ولا رسولَ بعدي، ولكن بقيتِ المبشِّرات» (قَالُوا): يا رسول الله (وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ) : (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) أي: يراها الشَّخص أو تُرى له، والتَّعبير بالمبشِّرات خرج مخرجَ الغالب، وإلَّا فمن الرُّؤيا ما تكون منذرة، وهي صادقةٌ يُريها الله تعالى لعبدِه المؤمن لطفًا به (٦)، فيستعدُّ لما يقعُ قبل وقوعهِ.

والحديث من أفرادهِ.

(٦) (باب رُؤْيَا يُوسُفَ) وللنَّسفيِّ: «يوسف بنِ يعقوب بنِ إسحاق بنِ إبراهيم خليل الرَّحمن» (وَقولهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾) بدل اشتمالٍ من ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ إنْ جُعل مفعولًا أو منصوبًا بإضمار اذكرْ، و «يوسف» عبريٌّ، ولو كان عربيًّا لصرف لخلوِّه عن سببٍ آخر سوى التَّعريف (﴿لِأَبِيهِ﴾) يعقوب (﴿يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾) من الرُّؤيا لا من الرُّؤية؛ لأنَّ ما ذكره معلومٌ أنَّه منام (﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾) روى ابنُ جرير عن جابرٍ قال: أتى النَّبيَّ رجلٌ من اليهودِ يُقال له: بُستَانَة اليهودي (١) فقال له: يا محمَّد أخبرني عن الكواكبِ الَّتي رآها يوسفُ ساجدةً له ما أسماؤها؟ (٢) قال: فسكت النَّبيُّ فلم يجبْه بشيءٍ، فنزل (٣) جبريلُ فأخبره بأسمائها. قال (٤): فبعثَ رسولُ الله إليه فقال: «هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِأَسْمَائِهَا؟» (٥) فَقَالَ: نعم. «حَرَثَانِ، والطَّارِقُ، والذَّيَّال، وذُو الكَتِفَين، وذُو القَابِس، ووَثَّابٌ، وعَمُودَانِ، والفُلَيْقُ، والمُصَبِّحُ، والضَّرُوْج، وذُو الفَرْغِ». فقال اليهوديُّ: إي والله إنَّها لأسماؤها.

ورواه البيهقيُّ في «الدَّلائل»، وأبو يعلى (٦) الموصلي والبزَّار في «مسنديهما» (﴿وَالشَّمْسَ

وَالْقَمَرَ﴾) هما أبواه، أو أبوه وخالته، والكواكب إخوته. قيل: الواو بمعنى مع، أي: رأيتُ الكواكبَ مع الشَّمس والقمر، وأجريتْ مجرى العُقلاء في ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ لأنَّه وصفها بما هو المختصُّ بالعقلاء وهو السُّجود، وكُرِّرتِ الرُّؤية؛ لأنَّ الأولى تتعلَّق بالذَّات والثَّانية بالحالِ، أو الثَّانية كلامٌ مستأنفٌ على تقديرِ سؤال وقع جوابًا له كأنَّ أباهُ قال له: كيف رأيتَها؟ فقال (١): (﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾) متواضعين (٢) وكان سنُّه اثنتي عشرة سنةً يومئذٍ (﴿قَالَ يَا بُنَيَّ﴾) صغَّره للشَّفقة أو لصغر سنِّه (﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾) جواب النَّهي، أي: إن قصصتَها عليهم كادوكَ، فَهِمَ يعقوب من رُؤياه أنَّ الله يصطفيهِ لرسالتهِ، ويُنعم عليه بشرفِ الدَّارين، فخافَ عليه حسدَ إخوتهِ وبغيهم (﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾) ظاهرُ العداوةِ فيحملُهم على الحسدِ والكيد (﴿وَكَذَلِكَ﴾) أي: وكما اجتباك (٣) بمثلِ هذه الرُّؤيا الدَّالَّة على شرفكَ وعزِّك (﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾) يصطفيكَ للنُّبوَّة والملك (﴿وَيُعَلِّمُكَ﴾) كلامٌ مُبتدأ غيرُ داخلٍ في حكمِ التَّشبيه، كأنَّه (٤) قيل: وهو يعلِّمك (﴿مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾) من تعبيرِ (٥) الرُّؤيا (﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾) بإرسالكَ والإيحاءِ إليك (﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ﴾) أرادَ الجدَّ وأبا الجدِّ (﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ﴾) عطف بيانٍ لـ ﴿أَبَوَيْكَ﴾ (﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾) يعلمُ من يستحقُّ الاجتباء (﴿حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٤ - ٦]) يضعُ الأشياء في مَواضعها، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾ … » إلى آخره وقال بعدَ: ﴿سَاجِدِينَ﴾: «إلى قولهِ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾».

(وَقولهِ تَعَالَى (٦): ﴿يَا أَبَتِ هَذَا﴾) أي: سجودهم (﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾) الَّتي (٧) كان قصَّها على أبيه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وكان هذا سائغًا في شَرائعهم إذا سلَّموا على كبيرٍ (٨) سجدوا له، ولم يزلْ هذا جائزًا من لُدن آدم إلى شريعةِ عيسى ، فحُرِّم هذا في هذه الملَّة المحمَّديَّة

(﴿قَدْ جَعَلَهَا﴾) أي: الرُّؤيا (﴿رَبِّي حَقًّا﴾) صادقة، وأخرج الحاكم والطَّبريُّ والبيهقيُّ في «شعبه» بسندٍ صحيحٍ عن سلمان الفارسيِّ قال: كانَ بين رُؤيا يوسف وعبارتها أربعون عامًا. وذكر البيهقيُّ له شاهدًا عن عبد الله بن شدَّاد وزاد: وإليها ينتهِي أمدُ الرُّؤيا. وعند الطَّبريِّ عن الحسن البصريِّ قال: كانتْ مدَّة المفارقةِ بين يعقوب ويوسف ثمانين سنةً، وفي لفظ: ثلاثًا وثمانين سنةً (١) (﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾) ولم يقلْ من الجبِّ لقولهِ: ﴿لَا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (﴿وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾) من الباديةِ؛ لأنَّهم كانوا أصحابَ مواشٍ ينتقلونَ في المياهِ والمناقع (﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾) أفسدَ بيننا وأَغوى (﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾) بمصالحِ عبادهِ (﴿الْحَكِيمُ﴾) في أفعالهِ وأقوالهِ، وقضائهِ وقدرهِ، وما يختاره ويريدُه (﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾) مُلك مصر (﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾) تعبير الرُّؤيا (﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾) طلبَ ذلك لقول يعقوب لولده: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وإنَّما دعا به ليقتدي به قومه من بعدِه (﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠٠ - ١٠١]) من آبائي، أو على العمومِ.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ ، وثبت قولهُ: «قال (٢) أبو عبد الله» لأبي ذرٍّ: (فَاطِرٌ وَالبَدِيعُ وَالمُبْتَدِعُ) بفوقية بعد الموحدة، ولأبي ذرٍّ: «والمبدع (٣)» بإسقاط الفوقيَّة (وَ ﴿الْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤]) بالراء والهمزة (٤)، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «والبادئ» بالدال المهملة بدل الراء (وَالخَالِقُ) السَّبعة معناها (وَاحِدٌ) ومراده: تفسير الفاطر من قولهِ: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومرادُه: أنَّ الأسماءَ المذكورة ترجعُ إلى معنًى واحدٍ، وهو إيجادُ الشَّيء بعد أن لم يكن، وقولهُ: (مِنَ البَدْءِ (٥)) بفتح الموحدة وسكون المهملة بعدها همزة، كذا في الفرع كأصله، وفي بعض النُّسخ بغير همزةٍ (٦) وهو أوجه؛ لأنَّه يريد تفسير قوله: ﴿وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾ (بَادِئَةٍ) بالهمز أيضًا في الفرع (٧)،

وفي غيره بتركه، أي: وجاء بكم (١) من الباديةِ، أو مرادُه: إنَّ فاطر معناه: البادئ، من البدء، أي: الابتداء، أي: بادئ الخلق بمعنى فاطره، وسقط من قولهِ: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره للنَّسفيِّ.

(٧) (باب) بيان (رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ) الخليل وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» (وَقَوْلُهُ تَعَالَى) رفعٌ، وسقطَتْ الواو في الفرع، وثبتتَ في أصله: (﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾) بلغَ أن يَسعى مع أبيهِ في أشغالهِ وحوائجهِ، و «معه» لا تتعلَّق ببلغَ؛ لاقتضائهِ بلوغهما معًا حدَّ السَّعي، ولا بالسَّعي؛ لأنَّ صلة المصدرِ لا تتقدَّم عليه، فبقِي (٢) أن يكون بيانًا، كأنَّه قال (٣) لما قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ (٤) السَّعْيَ﴾، أي: الحدَّ الَّذي يقدرُ فيه على السَّعي. قيل: مع مَن؟ قال: مع أبيه. وكانَ إذ ذاك ابن ثلاثَ عشرة سنةً، والمعنى في اختصاصِ الأب: أنَّه أرفقُ النَّاس به وأعطفُهم عليه، وغيره ربَّما عنَّف به في الاستسعاءِ فلا يحتملُه؛ لأنَّه لم يستحكمْ قوَّته (﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى﴾) أي: إنِّي رأيتُ (﴿فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾) ورؤيا الأنبياءِ في المنامِ وحيٌ. رواه ابن أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاس مرفوعًا، أي: كالوحي في اليقظةِ، فلهذا قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾) من الرَّأي على وجه المشاورةِ لا من رؤية العين، وإنَّما شاورهُ ليأنسَ للذَّبح وينقادَ للأمر به (﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾) به (﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾) على الذَّبح، أو على قضاءِ الله به (﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾) خضعَا وانقادا لأمرِ الله ، أو أسلما الذَّبيح نفسَه وإبراهيم ابنَه (٥) (﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾) صرعَه عليه ليذبحَهُ من قَفاه ولا يشاهد وجهَهُ عند ذَبحه؛ ليكون أهونَ عليه،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٦٩٨٨ - حدّثنا يَحْيى بنُ قَزَعَةَ، حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ سَعيدِ بنِ المسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رسولَ الله قَالَ: رؤْيا المُؤْمِن جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ

الحَدِيث ٦٩٨٨ طرفه فِي ٧٠١٧

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

ورواهُ ثابِتٌ وحُمَيْدٌ وإسْحاقُ بنُ عَبْدِ الله وشُعَيْبٌ عنْ أنَسِ عنِ النبيِّ

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة عَن أنس بن مَالك. أما رِوَايَة ثَابت بن حميد الْبنانِيّ بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف النُّون فقد وَصلهَا البُخَارِيّ عَن مُعلى بن أَسد، وَسَيَأْتِي فِي: بَاب من رأى النَّبِي وَأما رِوَايَة حميد الطَّوِيل فوصلها أَحْمد عَن مُحَمَّد بن أبي عدي عَنهُ. وَأما رِوَايَة إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة فقد مَضَت عَن قريب. وَأما رِوَايَة شُعَيْب هُوَ ابْن الحبحاب فوصلها أَبُو عبد الله بن مَنْدَه من طَرِيق عبد الله بن سعيد.

٦٩٨٩ - حدّثني إبْرَهِيمُ بنُ حَمْزَةَ، حدّثني ابنُ أبي حازِمٍ والدَّرَاوَرْدِيُّ، عنْ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ الله بنِ خَبَّابٍ، عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ أنّهُ سَمِعَ رسولَ الله يَقُولُ الرَّؤْيا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة وَأَبُو إِسْحَاق الْقرشِي وَابْن أبي حَازِم هُوَ عبد الْعَزِيز، وَاسم أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار، والدراوردي هُوَ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن عبيد، والدراوردي بِفَتْح الدَّال نِسْبَة إِلَى داراورد قَرْيَة من قرى خُرَاسَان، وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْهَاد، والسند كُله مدنيون وَتقدم الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: من النُّبُوَّة كَذَا فِي جَمِيع الطّرق وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء مِنْهَا بِلَفْظ: من الرسَالَة، بدل: من النُّبُوَّة، وَكَانَ السِّرّ فِيهِ أَن الرسَالَة تزيد على النُّبُوَّة بتبليغ الْأَحْكَام للمكلفين بِخِلَاف النُّبُوَّة الْمُجَرَّدَة فَإِنَّهَا اطلَاع على بعض المغيبات.

٥ - (بابُ المُبَشِّرَاتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمُبَشِّرَات وَهِي بِكَسْر الشين جمع مبشرة، قَالَ بَعضهم: وَهِي الْبُشْرَى. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْبُشْرَى اسْم بِمَعْنى الْبشَارَة، والمبشرة اسْم فَاعل للمؤنث من التبشير وَهُوَ إِدْخَال السرُور والفرح على المبشر بِفَتْح الشين، وَالْمرَاد بالمبشرة هُنَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَة، وَقد ورد فِي قَوْله تَعَالَى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيواةِ الدُّنْيَا وَفِى الَاْخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَصَححهُ الْحَاكِم من رِوَايَة أبي سَلمَة عَن عبد الرحمان عَن عبَادَة بن الصَّامِت.

٦٩٩٠ - حدّثنا أبُو اليَمانِ، أخبرنَا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، حدّثني سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله يَقُولُ لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلاّ المُبَشِّرَات قالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: لم يبْق قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: لم يبْق فَإِن قلت: هُوَ فِي معنى الْمَاضِي لَكِن المُرَاد مِنْهُ الِاسْتِقْبَال إِذْ قبل زَمَانه وَحَال زَمَانه كَانَ غَيرهَا بَاقِيا مِنْهَا فَالْمُرَاد بعد. قلت: صدق فِي زَمَانه أَنه لم يبْق لأحد غَيره نبوة. فَإِن قلت: هَل يُقَال لصَاحب الرُّؤْيَا الصَّالِحَة: لَهُ شَيْء من النُّبُوَّة؟ قلت: جُزْء النُّبُوَّة لَيْسَ بنبوة إِذْ جُزْء الشَّيْء غَيره أَو لَا هُوَ وَلَا غَيره فَلَا نبوة لَهُ. فَإِن قلت: الرُّؤْيَا الصَّالِحَة أَعم لاحْتِمَال أَن تكون منذرة إِذا الصّلاح قد يكون بِاعْتِبَار تَأْوِيلهَا. قلت: فَيرجع إِلَى المبشر، نعم يخرج مِنْهَا مَا لَا صَلَاح لَهَا لَا صُورَة وَلَا تَأْوِيلا. وَقَالَ ابْن التِّين. معنى الحَدِيث أَن الْوَحْي يَنْقَطِع بموتي وَلَا يبْقى مَا يعلم مِنْهُ مَا سَيكون إلَاّ الرُّؤْيَا. فَإِن قيل: يرد عَلَيْهِ الإلهام لِأَن

فِيهِ إِخْبَارًا بِمَا سَيكون وَهُوَ للأنبياء بِالنِّسْبَةِ للوحي كالرؤيا وَيَقَع فِي غير الْأَنْبِيَاء كَمَا تقدم فِي مَنَاقِب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد كَانَ فِيمَن مضى من الْأُمَم محدثون، وَفسّر الْمُحدث بِفَتْح الدَّال بالملهم بِفَتْح الْهَاء، وَقد أخبر كثير من الْأَوْلِيَاء عَن أُمُور مغيبة فَكَانَت كَمَا أخبروا. وَأجِيب: بِأَن الْحصْر فِي الْمَنَام لكَونه يَشْمَل آحَاد الْمُؤمنِينَ، بِخِلَاف الإلهام فَإِنَّهُ مُخْتَصّ بِالْبَعْضِ، وَمَعَ كَونه مُخْتَصًّا فَإِنَّهُ نَادِر. وَقَالَ الْمُهلب مَا حَاصله: إِن التَّعْبِير بالمبشرات خرج للأغلب، فَإِن من الرُّؤْيَا مَا تكون منذرة وَهِي صَادِقَة يريها الله لِلْمُؤمنِ رفقا بِهِ ليستعد لما يَقع قبل وُقُوعه.

٦ - (بابُ رُؤْيا يُوسُفَ، عليْهِ السّلامُ)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان رُؤْيا يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، كَذَا وَقع للأكثرين، وَوَقع للنسفي: يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرحمان، صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه.

وقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَاِبِيهِ ياأَبتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ قَالَ يابُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَكَذالِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الَاْحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىءالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وقوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا وَقَالَ ياأَبَتِ هَاذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الَاْحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالَاْرْضِ أَنتَ وَلِىِّ فِى الدُّنُيَا وَالَاْخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ}

وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله، وسيقت هَذِه الْآيَات كلهَا إِلَى قَوْله: بالصالحين فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي سَاق إِلَى ساجدين ثمَّ قَالَ: إِلَى قَوْله: عليم حَكِيم قَوْله: إِذْ قَالَ أَي: اذكر حِين قَالَ يُوسُف لِأَبِيهِ، يَعْنِي يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِم السَّلَام. قَوْله: أحد عشر كوكباً نصب على التَّمْيِيز وأسماؤها: جرثان والطارق وَالذَّيَّال وَذُو الْكَتِفَيْنِ وَذُو القابس وَوَثَّاب وَعَمُودَان والفليق وَالْمصْبح والضروج وَذُو الفرغ. قَوْله: رَأَيْتهمْ لي ساجدين وَلم يُقَال: رَأَيْتهَا سَاجِدَة، لِأَنَّهُ لما وصفهَا الله بِمَا هُوَ خَاص بالعقلاء وَهُوَ السُّجُود أجْرى عَلَيْهَا حكمهم كَأَنَّهَا عَاقِلَة، وَرَأى يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، هَذَا وَهُوَ ابْن اثْنَي عشرَة سنة، وَقيل: كَانَ بَين رُؤْيا يُوسُف ومصير إخْوَته إِلَيْهِ أَرْبَعُونَ سنة، وَقيل: ثَمَانُون. قَوْله: على إخْوَتك وهم يهوذا وروبيل وريالون وشمعون ولاوي ويشجر وَدينه دَان ونفتال وجاد وآشر. قَوْله: فيكيدوا لَك أَي: فيبغوا لَك الغوائل ويحتالوا فِي هلاكك. قَوْله: يجتبيك أَي: يصطفيك. قَوْله: من تَأْوِيل الْأَحَادِيث يَعْنِي: تَعْبِير الرُّؤْيَا. قَوْله: وَيتم نعْمَته عَلَيْك يَعْنِي: يُوصل لَك نعم الدُّنْيَا بِنِعْمَة الْآخِرَة. قَوْله: وعَلى آل يَعْقُوب أَي: أَهله وهم نَسْله وَغَيرهم. قَوْله: أَبَوَيْك أَرَادَ بهما الْجد وَأَبا الْجد قَوْله: هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ وَهُوَ قَوْله: إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكباً قَوْله: أحسن بِي يُقَال: أحسن إِلَيْهِ وَبِه. قَوْله: من البدو أَي: من الْبَادِيَة لأَنهم كَانُوا أهل عمل وَأَصْحَاب مواش ينتقلون فِي الْمِيَاه والمناجع. قَوْله: من بعد أَن نَزغ الشَّيْطَان أَي: أفسد بَيْننَا وأغوى. قَوْله: لطيف ذُو لطف وصنع لما يَشَاء عَالم بدقائق الْأُمُور. قَوْله: من الْملك أَي: ملك مصر وَتَأْويل الْأَحَادِيث تَعْبِير الرُّؤْيَا. قَوْله: فاطر السَّمَوَات يَعْنِي: يَا فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض أَنْت وليي أَي: مُتَوَلِّي أَمْرِي. قَوْله: توفني يَعْنِي: اقبضني إِلَيْك وألحقني بالصالحين يَعْنِي: بآبائي الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، ثمَّ توفاه الله تَعَالَى بِمصْر وَدفن فِي النّيل فِي صندوق من رُخَام وَمَات وعمره مائَة وَعِشْرُونَ سنة.

قَالَ أبُو عَبْدِ الله: فاطِرٌ، والبدِيعُ والمُبْتَدِعُ والبارِيءُ والخالِقُ، واحِدٌ.

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَأَشَارَ إِلَى أَن معنى هَذِه الْأَلْفَاظ الْأَرْبَعَة وَاحِد، وَأَشَارَ بالفاطر إِلَى الْمَذْكُور فِي قَوْله: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الَاْحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالَاْرْضِ أَنتَ وَلِىِّ فِى الدُّنُيَا وَالَاْخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ} ، وَغَيرهَا وَقيل: دَعْوَى البُخَارِيّ الْوحدَة فِي معنى هَذِه الْأَلْفَاظ مَمْنُوعَة عِنْد الْمُحَقِّقين، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن البُخَارِيّ لم يرد بذلك أَن حقائق مَعَانِيهَا متوحدة، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا ترجع إِلَى معنى وَاحِد وَهُوَ إِيجَاد الشَّيْء بعد أَن لم يكن. قلت: قَوْله: وَاحِد، يُنَافِي هَذَا التَّأْوِيل، وَمعنى الفاطر من الْفطر وَهُوَ الِابْتِدَاء والاختراع، قَالَه الْجَوْهَرِي. ثمَّ قَالَ ابْن عَبَّاس: كنت لَا أَدْرِي مَا معنى {فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض} حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يختصمان فِي بِئْر فَقَالَ أَحدهمَا: أَنا فطرتها، أَي: أَنا ابْتَدَأتهَا. قَوْله: والبديع، مَعْنَاهُ الْخَالِق المخترع لَا عَن مِثَال سَابق، فعيل بِمَعْنى مفعل، يُقَال: أبدع فَهُوَ مبدع وَكَذَا فِي بعض النّسخ مبدع. قَوْله: والبارىء والخالق، قَالَ الطَّيِّبِيّ: قيل: الْخَالِق البارىء المصور أَلْفَاظ مترادفة وَهُوَ وهم لِأَن الْخَالِق من الْخلق وَأَصله التَّقْدِير الْمُسْتَقيم، والبارىء مَأْخُوذ من الْبُرْء وَأَصله خلوص الشَّيْء عَن غَيره، إِمَّا على سَبِيل التَّقَصِّي مِنْهُ وَعَلِيهِ قَوْلهم برىء من مَرضه، وَإِمَّا على سَبِيل الْإِنْشَاء مِنْهُ، وَمِنْه: برأَ الله النَّسمَة وَهُوَ البارىء لَهَا، وَقيل: البارىء هُوَ الَّذِي خلق الْخلق بَرِيئًا من التَّفَاوُت والتنافر. قَوْله: البارىء ويروى: البادىء، وَقيل لبَعْضهِم: البارىء بالراء، وَلأبي ذَر وَالْأَكْثَر: البادىء بِالدَّال بدل الرَّاء والهمز ثَابت فيهمَا، وَزعم بعض من عاصرناه من الشُّرَّاح أَن الصَّوَاب بالراء وَرِوَايَة الدَّال وهم، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَنَّهُ وَقع فِي بعض طرق الْأَسْمَاء الْحسنى: المبدىء، وَفِي سُورَة العنكبوت {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىءُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} ثمَّ قَالَ: {قُلْ سِيرُواْ فِى الَاْرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِىءُ النَّشْأَةَ الَاْخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} فاسم الْفَاعِل من الأول مبدىء وَمن الثَّانِي بادىء. انْتهى. قلت: فِي هَذَا الرَّد نظر لَا يخفى.

مِنَ البَدْو بادِئَةٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر آنِفا من قَوْله: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا وَقَالَ ياأَبَتِ هَاذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} أَي: من الْبَادِيَة. وَقد ذَكرْنَاهُ.

٧ - (بابُ رُؤْيا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السّلامُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رُؤْيا إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، كَذَا وَقع لأبي ذَر، وَسقط لفظ: بَاب، لغيره.

وقوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يابُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ ياأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ}

وَقَوله، مجرور عطف على مَا قبله، وسيقت الْآيَات كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: {فَلَمَّا بلغ مِنْهُ السَّعْي} إِلَى قَوْله: {نجزي الْمُحْسِنِينَ} وَسقط للنسفي قَوْله: السَّعْي أَي: بلغ أَن يسْعَى مَعَ أَبِيه فِي أشغاله وحوائجه وَمَعَهُ لَا يتَعَلَّق ببلغ لاقْتِضَائه بلوغهما مَعًا حد السَّعْي وَلَا بالسعي لِأَن صلَة الْمصدر لَا تتقدم عَلَيْهِ فَبَقيَ أَن يكون بَيَانا كَأَنَّهُ قَالَ: لما قَالَ: فَلَمَّا بلغ مَعَه السَّعْي قَوْله: فَلَمَّا أسلما سَيَجِيءُ تَفْسِيره، وَكَذَا تَفْسِير قَوْله: وتله

قَالَ مُجاهِدٌ: أسْلَما سَلَّما مَا أُمِرا بِهِ، وتَلَّهُ وَضَعَ وَجْهَهُ بِالأرْضِ

وصل الْفرْيَابِيّ فِي تَفْسِيره تَعْلِيق مُجَاهِد عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فَذكره، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب وَفِي الْبَاب الَّذِي قبله حَدِيث، وَاكْتفى بِالْقُرْآنِ. وَقَالَ بَعضهم: وَقَول الْكرْمَانِي: إِنَّه كَانَ فِي كل مِنْهُمَا بَيَاض ليلحق بِهِ حَدِيثا يُنَاسِبه مُحْتَمل مَعَ بعده. قلت: لم يقل الْكرْمَانِي هَكَذَا أصلا وَإِنَّمَا قَالَ: وَهَذَانِ البابان مِمَّا ترجمهما البُخَارِيّ وَلم يتَّفق لَهُ إِثْبَات حَدِيث فيهمَا.

٨ - (بابُ التَّواطُؤِ عَلى الرُّؤْيا)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الشَّرْعِ الْمُسْتَقَرِّ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ تَبْلِيغُهُ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٥ - بَاب الْمُبَشِّرَاتِ

٦٩٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَمْ يَبْقَ مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ. قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُبَشِّرَاتِ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ مُبَشِّرَةٍ، وَهِيَ الْبُشْرَى، وَقَدْ وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُبَادَةَ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ عُبَادَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا هُوَ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ عَنْ عُبَادَةَ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةُ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ أَبِي يَعْلَى.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ) كَذَا ذَكَرَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمُضِيِّ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ وَالْمُرَادُ الِاسْتِقْبَالُ أَيْ لَا يَبْقَى، وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ وَاللَّامُ فِي النُّبُوَّةِ لِلْعَهْدِ وَالْمُرَادُ نُبُوَّتُهُ، وَالْمَعْنَى لَمْ يَبْقَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ الْمُخْتَصَّةِ بِي إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِالرُّؤْيَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: لَمْ يَبْقَ بَعْدِي، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَشَفَ السِّتَارَةَ وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ الْحَدِيثَ.

وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ زُفَرَ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ أَنَّهُ: لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ وَهَذَا يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ، وَظَاهِرُ الِاسْتِثْنَاءِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ أَنَّ الرُّؤْيَا نُبُوَّةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُ أَمْرِ الرُّؤْيَا بِالنُّبُوَّةِ، أَوْ لِأَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ وَصْفِهِ لَهُ كَمَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَافِعًا صَوْتَهُ لَا يُسَمَّى مُؤَذِّنًا وَلَا يُقَالُ إِنَّهُ أَذَّنَ وَإِنْ كَانَتْ جُزْءًا مِنَ الْأَذَانِ، وَكَذَا لَوْ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَائِمٌ لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا وَإِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أُمِّ كُرْزٍ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ الْكَعْبِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.

وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنَ الْمُبَشِّرَاتِ إِلَّا الرُّؤْيَا وَلَهُ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ مَرْفُوعًا: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ وَلَا نَبِيَّ وَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلَكِنْ بَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: رُؤْيَا الْمُسْلِمِينَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ مَا حَاصِلُهُ: التَّعْبِيرُ بِالْمُبَشِّرَاتِ خَرَجَ لِلْأَغْلَبِ، فَإِنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا تَكُونُ

مُنْذِرَةً وَهِيَ صَادِقَةٌ يُرِيهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ رِفْقًا بِهِ لِيَسْتَعِدَّ لِمَا يَقَعُ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِي وَلَا يَبْقَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُ مَا سَيَكُونُ إِلَّا الرُّؤْيَا، وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْإِلْهَامُ فَإِنَّ فِيهِ إِخْبَارًا بِمَا سَيَكُونُ، وَهُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْيِ كَالرُّؤْيَا، وَيَقَعُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ: قَدْ كَانَ فِيمَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ وَفُسِّرَ الْمُحَدَّثُ بِفَتْحِ الدَّالِ بِالْمُلْهَمِ بِالْفَتْحِ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْبَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ فَكَانَتْ كَمَا أَخْبَرُوا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَصْرَ فِي الْمَنَامِ لِكَوْنِهِ يَشْمَلُ آحَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الْإِلْهَامِ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْبَعْضِ، وَمَعَ كَوْنِهِ مُخْتَصًّا فَإِنَّهُ نَادِرٌ، فَإِنَّمَا ذُكِرَ الْمَنَامُ لِشُمُولِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : فَإِنْ يَكُنْ وَكَانَ السِّرُّ فِي نَدُورِ الْإِلْهَامِ فِي زَمَنِهِ وَكَثْرَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ غَلَبَةَ الْوَحْيِ إِلَيْهِ فِي الْيَقَظَةِ وَإِرَادَةَ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ مِنْهُ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ لَا يَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنْهُ فِي زَمَانِهِ شَيْءٌ، فَلَمَّا انْقَطَعَ الْوَحْيُ بِمَوْتِهِ وَقَعَ الْإِلْهَامُ لِمَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ لِلْأَمْنِ مِنَ اللَّبْسِ فِي ذَلِكَ، وَفِي إِنْكَارِ وُقُوعِ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَتِهِ وَاشْتِهَارِهِ مُكَابَرَةٌ مِمَّنْ أَنْكَرَهُ.

٦ - بَاب رُؤْيَا يُوسُفَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ فَاطِرٌ وَالْبَدِيعُ وَالْمُبْدِعُ وَالْبَارِئُ وَالْخَالِقُ وَاحِدٌ. ﴿مِنَ الْبَدْوِ﴾ بَادِيَةٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ رُؤْيَا يُوسُفَ) كَذَا لَهُمْ، وَوَقَعَ لِلنَّسَفِيِّ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ﴾ - فَسَاقَ إِلَى - ﴿سَاجِدِينَ﴾ ثُمَّ قَالَ: إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ كُلَّهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ أَيْضًا. وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ أَيِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَهِيَ رُؤْيَةُ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ سَاجِدِينَ لَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ إِلَى مِصْرَ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَرْتَبَةِ الْمُلْكِ وَسَجَدُوا لَهُ وَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا فِي شَرِيعَتِهِمْ فَكَانَ التَّأْوِيلُ فِي السَّاجِدِينَ وَكَوْنِهَا حَقًّا فِي السُّجُودِ، وَقِيلَ التَّأْوِيلُ وَقَعَ أَيْضًا فِي السُّجُودِ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُمُ السُّجُودُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْخُضُوعِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قَالَ: كَانَتْ تَحِيَّةَ مَنْ قَبْلَكُمْ، فَأَعْطَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ السَّلَامَ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَفِي لَفْظٍ: وَكَانَتْ تَحِيَّةُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَنْ يَسْجُدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِمْ نَحْوُ ذَلِكَ.

قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَرَادُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَيْنَهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ بَلِ الْإِكْرَامِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ

الرُّؤْيَا وَتَفْسِيرِهَا، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: كَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ وَعِبَارَتِهَا أَرْبَعُونَ عَامًا، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ لَهُ شَاهِدًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ وَزَادَ: وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي أَمَدُ الرُّؤْيَا.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ مُدَّةُ الْمُفَارَقَةِ بَيْنَ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَفِي لَفْظٍ: ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَنَقَلَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ تِسْعِينَ سَنَةً، وَعَنِ الْكَلْبِيِّ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً قَالَ: وَقِيلَ سَبْعًا وَسَبْعِينَ، وَنَقَلَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَوْلًا: إِنَّهَا كَانَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا وَالْأَوَّلُ أَقْوَى وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ، وَسَقَطَ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ إِلَى آخِرِ الْبَابِ لِلنَّسَفِيِّ.

قَوْلُهُ: (فَاطِرٌ وَالْبَدِيعُ وَالْمُبْدِعُ وَالْبَارِئُ وَالْخَالِقُ وَاحِدٌ) كَذَا لِبَعْضِهِمُ الْبَارِئُ بِالرَّاءِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرِ الْبَادِئُ بِالدَّالِ بَدَلَ الرَّاءِ وَالْهَمْزُ ثَابِتٌ فِيهِمَا، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الصَّوَابَ بِالرَّاءِ وَأَنَّ رِوَايَةَ الدَّالِ وَهْمٌ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ وَرَدَتْ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى أَيْضًا الْمُبْدِئُ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي الْعَنْكَبُوتِ مَا يَشْهَدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ - ثُمَّ قَالَ -: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ فَالْأَوَّلُ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَاسْمُ الْفَاعِلِ مِنْهُ مُبْدِئٌ وَالثَّانِي مِنَ الثُّلَاثِيِّ وَاسْمُ الْفَاعِلِ مِنْهُ بَادِئٌ وَهُمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا اسْتِطْرَادًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فَأَرَادَ تَفْسِيرَ الْفَاطِرِ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ دَعْوَى الْبُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ الْوَحْدَةَ مَمْنُوعَةٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، كَذَا قَالَ، وَلَمْ يُرِدِ الْبُخَارِيُّ بِذَلِكَ أَنَّ حَقَائِقَ مَعَانِيهَا مُتَوَحِّدَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ إِيجَادُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَقَدْ ذَكَرْتُ قَوْلَ الْفَرَّاءِ أَنَّ فَطَرَ وَخَلَقَ وَفَلَقَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَبْلَ بَابِ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مِنَ الْبَدْءِ وَبَادِئِهِ) كَذَا وَجَدْتُهُ مَضْبُوطًا فِي الْأَصْلِ بِالْهَمْزِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَبِوَاوِ الْعَطْفِ لِأَبِي ذَرٍّ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا تَرَجَّحَتْ رِوَايَةُ الدَّالِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْبَادِئُ وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ مِنَ الْبَدْوِ وَبَادِيَةٍ بِالْوَاوِ بَدَلَ الْهَمْزِ وَبِغَيْرِ هَمْزٍ فِي بَادِيَةٍ وَبِهَاءِ تَأْنِيثٍ، وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ فَفَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ بَادِيَةٌ أَيْ جَاءَ بِكَمْ مِنَ الْبَادِيَةِ، وَذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ مِنَ الْبَدْوِ أَيْ قَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أَيْ مِنَ الْبَادِيَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ أَنَّ فَاطِرَ مَعْنَاهُ الْبَادِئُ مِنَ الْبَدْءِ أَيِ الِابْتِدَاءُ أَيْ بَادِئُ الْخَلْقِ، فَمَعْنَى فَاطِرٍ بَادِئٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧ - بَاب رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَسْلَمَا﴾ سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ. ﴿وَتَلَّهُ﴾ وَضَعَ وَجْهَهُ بِالْأَرْضِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لَفْظُ بَابٍ لِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لِلنَّسَفِيِّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ كُلَّهَا. قِيلَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ نَذَرَ إِنْ رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ سَارَّةَ وَلَدًا أَنْ يَذْبَحَهُ قُرْبَانًا فَرَأَى فِي الْمَنَامِ أَنْ أَوْفِ بِنَذْرِكَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِإِسْحَاقَ انْطَلِقْ بِنَّا نُقَرِّبْ قُرْبَانًا وَأَخَذَ حَبْلًا وَسِكِّينًا ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ

بَيْنَ الْجِبَالِ قَالَ: يَا أَبَتِ أَيْنَ قُرْبَانُكَ؟ قَالَ: أَنْتَ يَا بُنَيَّ، ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ الْآيَاتِ، فَقَالَ: اشْدُدْ رِبَاطِي حَتَّى لَا أَضْطَرِبَ، وَاكْفُفْ ثِيَابَكَ حَتَّى لَا يَنْتَضِحَ عَلَيْهَا مِنْ دَمِي فَتَرَاهُ سَارَّةُ فَتَحْزَنَ، وَأَسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيَّ، فَفَعَلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ يَبْكِي وَأَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ فَلَمْ تَحُزَّ وَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِنْ نُحَاسٍ فَكَبَّهُ عَلَى جَبِينِهِ وَحَزَّ فِي قَفَاهُ، فَذَاكَ قَوْلُهُ: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنُودِيَ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ فَأَخَذَهُ وَحَلَّ عَنِ ابْنِهِ.

هَكَذَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: اجْتَمَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَعْبٌ فَحَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً، فَقَالَ كَعْبٌ: أَفَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ؟ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ يَذْبَحُ ابْنَهُ إسحاق قَالَ الشَّيْطَانُ: إِنْ لَمْ أَفْتِنْ هَؤُلَاءِ عِنْدَ هَذِهِ لَمْ أَفْتِنْهُمْ أَبَدًا، فَذَهَبَ إِلَى سَارَّةَ فَقَالَ: أَيْنَ ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ بِابْنِكِ؟ قَالَتْ: فِي حَاجَتِهِ، قَالَ: كَلَّا إِنَّهُ ذَهَبَ بِهِ لِيَذْبَحَهُ يَزْعُمُ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَخْشَى أَنْ لَا يُطِيعَ رَبَّهُ، فَجَاءَ إِلَى إسحاق فَأَجَابَهُ بِنَحْوِهِ، فَوَاجَهَ إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَأَيِسَ أَنْ يُطِيعُوهُ.

وَسَاقَ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ وَزَادَ: أَنَّهُ سَدَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الطَّرِيقَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ أَنْ يَرْمِيَهَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ عِنْدَ كُلِّ جَمْرَةٍ، وَكَأَنَّ قَتَادَةَ أَخَذَ أَوَّلَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَآخِرَهُ مِمَّا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا رَأَى الْمَنَاسِكَ عَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ عِنْدَ الْمَسْعَى، فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ فَذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، وَكَانَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ، وَتمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ فَقَالَ: يَا أَبَتِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَمِيصٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ فَاخْلَعْهُ، فَنُودِيَ مِنْ خَلْفِهِ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا، فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ فَذَبَحَهُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ وَزَادَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَإِنَّ رَأْسَ الْكَبْشِ لَمُعَلَّقٌ بِقَرْنَيْهِ فِي مِيزَابِ الْكَعْبَةِ.

وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ فَوَارَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ حِينَ دَخَلَ الْبَيْتَ.

وَهَذِهِ الْآثَارُ مِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الْعَبَّاسِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا.

وَعَنِ الْأَحْنَفِ، عَنِ ابْنِ مَيْسَرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَمَسْرُوقٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَعَنْ عَلِيٍّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ وَحَدِيثُ: أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ رُوِّينَاهُ فِي الْخُلَعِيَّاتِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، وَنَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَطْنَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِتَقْوِيَتِهِ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنَ الْقُرْآنِ دَلِيلًا وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الصَّافَّاتِ: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ وَقَوْلُهُ فِي هُودٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾

قَالَ: وَوَجْهُ الْأَخْذِ مِنْهُمَا أَنَّ سِيَاقَهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فِي وَقْتَيْنِ الْأُولَى عَنْ طَلَبٍ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ لَمَّا هَاجَرَ مِنْ بِلَادِ قَوْمِهِ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ فَسَأَلَ مِنْ رَبِّهِ الْوَلَدَ ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قال: «هي (١) في الدُّنيا الرُّؤيا الصَّالحة يراهَا العبدُ أو تُرى له، وفي الآخرةِ بالجنَّة»، وعنده أيضًا عن أبي هُريرة موقوفًا: الرُّؤيا الحسنة هي البُشرى يراها المسلمُ أو تُرى له.

٦٩٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ) بلفظ الماضي والمراد الاستقبال، وفي حديث عائشة عند أحمدَ: «لم يبق بعدِي» (إِلَّا المُبَشِّرَاتُ) قال في «المصابيح»: وحينئذٍ فيكون المقام مقتضيًا للنَّفي بغير «لم» ممَّا يدلُّ على النَّفي في المستقبلِ، كما ورد: «لن (٢) يبقَى من بعدِي من النُّبوَّة إلَّا المبشِّرات» يعني: أنَّ الوحي منقطعٌ بموتهِ، فلا يبقى بعدَه ما يعلم به ما (٣) سيكون غير الرُّؤيا الصَّالحة. انتهى.

وقيل: هو على ظاهرهِ؛ لأنَّه قال ذلك في زمانهِ، واللام في النُّبوَّة للعهدِ، والمراد: نبوَّته، أي: لم يبق بعد النُّبوَّة المختصَّة بي (٤) إلَّا المبشِّرات، وفي (٥) حديثِ ابن عبَّاس عند مسلم قال ذلك في مرض موتهِ، وفي حديث أنسٍ عندَ أبي يعلى مرفوعًا: «إنَّ الرِّسالة والنُّبوَّة قد انقطعتْ، ولا نبيَّ ولا رسولَ بعدي، ولكن بقيتِ المبشِّرات» (قَالُوا): يا رسول الله (وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ) : (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) أي: يراها الشَّخص أو تُرى له، والتَّعبير بالمبشِّرات خرج مخرجَ الغالب، وإلَّا فمن الرُّؤيا ما تكون منذرة، وهي صادقةٌ يُريها الله تعالى لعبدِه المؤمن لطفًا به (٦)، فيستعدُّ لما يقعُ قبل وقوعهِ.

والحديث من أفرادهِ.

(٦) (باب رُؤْيَا يُوسُفَ) وللنَّسفيِّ: «يوسف بنِ يعقوب بنِ إسحاق بنِ إبراهيم خليل الرَّحمن» (وَقولهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾) بدل اشتمالٍ من ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ إنْ جُعل مفعولًا أو منصوبًا بإضمار اذكرْ، و «يوسف» عبريٌّ، ولو كان عربيًّا لصرف لخلوِّه عن سببٍ آخر سوى التَّعريف (﴿لِأَبِيهِ﴾) يعقوب (﴿يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾) من الرُّؤيا لا من الرُّؤية؛ لأنَّ ما ذكره معلومٌ أنَّه منام (﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾) روى ابنُ جرير عن جابرٍ قال: أتى النَّبيَّ رجلٌ من اليهودِ يُقال له: بُستَانَة اليهودي (١) فقال له: يا محمَّد أخبرني عن الكواكبِ الَّتي رآها يوسفُ ساجدةً له ما أسماؤها؟ (٢) قال: فسكت النَّبيُّ فلم يجبْه بشيءٍ، فنزل (٣) جبريلُ فأخبره بأسمائها. قال (٤): فبعثَ رسولُ الله إليه فقال: «هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِأَسْمَائِهَا؟» (٥) فَقَالَ: نعم. «حَرَثَانِ، والطَّارِقُ، والذَّيَّال، وذُو الكَتِفَين، وذُو القَابِس، ووَثَّابٌ، وعَمُودَانِ، والفُلَيْقُ، والمُصَبِّحُ، والضَّرُوْج، وذُو الفَرْغِ». فقال اليهوديُّ: إي والله إنَّها لأسماؤها.

ورواه البيهقيُّ في «الدَّلائل»، وأبو يعلى (٦) الموصلي والبزَّار في «مسنديهما» (﴿وَالشَّمْسَ

وَالْقَمَرَ﴾) هما أبواه، أو أبوه وخالته، والكواكب إخوته. قيل: الواو بمعنى مع، أي: رأيتُ الكواكبَ مع الشَّمس والقمر، وأجريتْ مجرى العُقلاء في ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ لأنَّه وصفها بما هو المختصُّ بالعقلاء وهو السُّجود، وكُرِّرتِ الرُّؤية؛ لأنَّ الأولى تتعلَّق بالذَّات والثَّانية بالحالِ، أو الثَّانية كلامٌ مستأنفٌ على تقديرِ سؤال وقع جوابًا له كأنَّ أباهُ قال له: كيف رأيتَها؟ فقال (١): (﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾) متواضعين (٢) وكان سنُّه اثنتي عشرة سنةً يومئذٍ (﴿قَالَ يَا بُنَيَّ﴾) صغَّره للشَّفقة أو لصغر سنِّه (﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾) جواب النَّهي، أي: إن قصصتَها عليهم كادوكَ، فَهِمَ يعقوب من رُؤياه أنَّ الله يصطفيهِ لرسالتهِ، ويُنعم عليه بشرفِ الدَّارين، فخافَ عليه حسدَ إخوتهِ وبغيهم (﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾) ظاهرُ العداوةِ فيحملُهم على الحسدِ والكيد (﴿وَكَذَلِكَ﴾) أي: وكما اجتباك (٣) بمثلِ هذه الرُّؤيا الدَّالَّة على شرفكَ وعزِّك (﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾) يصطفيكَ للنُّبوَّة والملك (﴿وَيُعَلِّمُكَ﴾) كلامٌ مُبتدأ غيرُ داخلٍ في حكمِ التَّشبيه، كأنَّه (٤) قيل: وهو يعلِّمك (﴿مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾) من تعبيرِ (٥) الرُّؤيا (﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾) بإرسالكَ والإيحاءِ إليك (﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ﴾) أرادَ الجدَّ وأبا الجدِّ (﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ﴾) عطف بيانٍ لـ ﴿أَبَوَيْكَ﴾ (﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾) يعلمُ من يستحقُّ الاجتباء (﴿حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٤ - ٦]) يضعُ الأشياء في مَواضعها، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾ … » إلى آخره وقال بعدَ: ﴿سَاجِدِينَ﴾: «إلى قولهِ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾».

(وَقولهِ تَعَالَى (٦): ﴿يَا أَبَتِ هَذَا﴾) أي: سجودهم (﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾) الَّتي (٧) كان قصَّها على أبيه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وكان هذا سائغًا في شَرائعهم إذا سلَّموا على كبيرٍ (٨) سجدوا له، ولم يزلْ هذا جائزًا من لُدن آدم إلى شريعةِ عيسى ، فحُرِّم هذا في هذه الملَّة المحمَّديَّة

(﴿قَدْ جَعَلَهَا﴾) أي: الرُّؤيا (﴿رَبِّي حَقًّا﴾) صادقة، وأخرج الحاكم والطَّبريُّ والبيهقيُّ في «شعبه» بسندٍ صحيحٍ عن سلمان الفارسيِّ قال: كانَ بين رُؤيا يوسف وعبارتها أربعون عامًا. وذكر البيهقيُّ له شاهدًا عن عبد الله بن شدَّاد وزاد: وإليها ينتهِي أمدُ الرُّؤيا. وعند الطَّبريِّ عن الحسن البصريِّ قال: كانتْ مدَّة المفارقةِ بين يعقوب ويوسف ثمانين سنةً، وفي لفظ: ثلاثًا وثمانين سنةً (١) (﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾) ولم يقلْ من الجبِّ لقولهِ: ﴿لَا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (﴿وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾) من الباديةِ؛ لأنَّهم كانوا أصحابَ مواشٍ ينتقلونَ في المياهِ والمناقع (﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾) أفسدَ بيننا وأَغوى (﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾) بمصالحِ عبادهِ (﴿الْحَكِيمُ﴾) في أفعالهِ وأقوالهِ، وقضائهِ وقدرهِ، وما يختاره ويريدُه (﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾) مُلك مصر (﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾) تعبير الرُّؤيا (﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾) طلبَ ذلك لقول يعقوب لولده: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وإنَّما دعا به ليقتدي به قومه من بعدِه (﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠٠ - ١٠١]) من آبائي، أو على العمومِ.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ ، وثبت قولهُ: «قال (٢) أبو عبد الله» لأبي ذرٍّ: (فَاطِرٌ وَالبَدِيعُ وَالمُبْتَدِعُ) بفوقية بعد الموحدة، ولأبي ذرٍّ: «والمبدع (٣)» بإسقاط الفوقيَّة (وَ ﴿الْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤]) بالراء والهمزة (٤)، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «والبادئ» بالدال المهملة بدل الراء (وَالخَالِقُ) السَّبعة معناها (وَاحِدٌ) ومراده: تفسير الفاطر من قولهِ: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومرادُه: أنَّ الأسماءَ المذكورة ترجعُ إلى معنًى واحدٍ، وهو إيجادُ الشَّيء بعد أن لم يكن، وقولهُ: (مِنَ البَدْءِ (٥)) بفتح الموحدة وسكون المهملة بعدها همزة، كذا في الفرع كأصله، وفي بعض النُّسخ بغير همزةٍ (٦) وهو أوجه؛ لأنَّه يريد تفسير قوله: ﴿وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾ (بَادِئَةٍ) بالهمز أيضًا في الفرع (٧)،

وفي غيره بتركه، أي: وجاء بكم (١) من الباديةِ، أو مرادُه: إنَّ فاطر معناه: البادئ، من البدء، أي: الابتداء، أي: بادئ الخلق بمعنى فاطره، وسقط من قولهِ: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره للنَّسفيِّ.

(٧) (باب) بيان (رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ) الخليل وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» (وَقَوْلُهُ تَعَالَى) رفعٌ، وسقطَتْ الواو في الفرع، وثبتتَ في أصله: (﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾) بلغَ أن يَسعى مع أبيهِ في أشغالهِ وحوائجهِ، و «معه» لا تتعلَّق ببلغَ؛ لاقتضائهِ بلوغهما معًا حدَّ السَّعي، ولا بالسَّعي؛ لأنَّ صلة المصدرِ لا تتقدَّم عليه، فبقِي (٢) أن يكون بيانًا، كأنَّه قال (٣) لما قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ (٤) السَّعْيَ﴾، أي: الحدَّ الَّذي يقدرُ فيه على السَّعي. قيل: مع مَن؟ قال: مع أبيه. وكانَ إذ ذاك ابن ثلاثَ عشرة سنةً، والمعنى في اختصاصِ الأب: أنَّه أرفقُ النَّاس به وأعطفُهم عليه، وغيره ربَّما عنَّف به في الاستسعاءِ فلا يحتملُه؛ لأنَّه لم يستحكمْ قوَّته (﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى﴾) أي: إنِّي رأيتُ (﴿فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾) ورؤيا الأنبياءِ في المنامِ وحيٌ. رواه ابن أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاس مرفوعًا، أي: كالوحي في اليقظةِ، فلهذا قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾) من الرَّأي على وجه المشاورةِ لا من رؤية العين، وإنَّما شاورهُ ليأنسَ للذَّبح وينقادَ للأمر به (﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾) به (﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾) على الذَّبح، أو على قضاءِ الله به (﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾) خضعَا وانقادا لأمرِ الله ، أو أسلما الذَّبيح نفسَه وإبراهيم ابنَه (٥) (﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾) صرعَه عليه ليذبحَهُ من قَفاه ولا يشاهد وجهَهُ عند ذَبحه؛ ليكون أهونَ عليه،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٦٩٨٨ - حدّثنا يَحْيى بنُ قَزَعَةَ، حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ سَعيدِ بنِ المسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رسولَ الله قَالَ: رؤْيا المُؤْمِن جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ

الحَدِيث ٦٩٨٨ طرفه فِي ٧٠١٧

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

ورواهُ ثابِتٌ وحُمَيْدٌ وإسْحاقُ بنُ عَبْدِ الله وشُعَيْبٌ عنْ أنَسِ عنِ النبيِّ

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة عَن أنس بن مَالك. أما رِوَايَة ثَابت بن حميد الْبنانِيّ بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف النُّون فقد وَصلهَا البُخَارِيّ عَن مُعلى بن أَسد، وَسَيَأْتِي فِي: بَاب من رأى النَّبِي وَأما رِوَايَة حميد الطَّوِيل فوصلها أَحْمد عَن مُحَمَّد بن أبي عدي عَنهُ. وَأما رِوَايَة إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة فقد مَضَت عَن قريب. وَأما رِوَايَة شُعَيْب هُوَ ابْن الحبحاب فوصلها أَبُو عبد الله بن مَنْدَه من طَرِيق عبد الله بن سعيد.

٦٩٨٩ - حدّثني إبْرَهِيمُ بنُ حَمْزَةَ، حدّثني ابنُ أبي حازِمٍ والدَّرَاوَرْدِيُّ، عنْ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ الله بنِ خَبَّابٍ، عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ أنّهُ سَمِعَ رسولَ الله يَقُولُ الرَّؤْيا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة وَأَبُو إِسْحَاق الْقرشِي وَابْن أبي حَازِم هُوَ عبد الْعَزِيز، وَاسم أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار، والدراوردي هُوَ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن عبيد، والدراوردي بِفَتْح الدَّال نِسْبَة إِلَى داراورد قَرْيَة من قرى خُرَاسَان، وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْهَاد، والسند كُله مدنيون وَتقدم الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: من النُّبُوَّة كَذَا فِي جَمِيع الطّرق وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء مِنْهَا بِلَفْظ: من الرسَالَة، بدل: من النُّبُوَّة، وَكَانَ السِّرّ فِيهِ أَن الرسَالَة تزيد على النُّبُوَّة بتبليغ الْأَحْكَام للمكلفين بِخِلَاف النُّبُوَّة الْمُجَرَّدَة فَإِنَّهَا اطلَاع على بعض المغيبات.

٥ - (بابُ المُبَشِّرَاتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمُبَشِّرَات وَهِي بِكَسْر الشين جمع مبشرة، قَالَ بَعضهم: وَهِي الْبُشْرَى. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْبُشْرَى اسْم بِمَعْنى الْبشَارَة، والمبشرة اسْم فَاعل للمؤنث من التبشير وَهُوَ إِدْخَال السرُور والفرح على المبشر بِفَتْح الشين، وَالْمرَاد بالمبشرة هُنَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَة، وَقد ورد فِي قَوْله تَعَالَى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيواةِ الدُّنْيَا وَفِى الَاْخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَصَححهُ الْحَاكِم من رِوَايَة أبي سَلمَة عَن عبد الرحمان عَن عبَادَة بن الصَّامِت.

٦٩٩٠ - حدّثنا أبُو اليَمانِ، أخبرنَا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، حدّثني سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله يَقُولُ لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلاّ المُبَشِّرَات قالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: لم يبْق قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: لم يبْق فَإِن قلت: هُوَ فِي معنى الْمَاضِي لَكِن المُرَاد مِنْهُ الِاسْتِقْبَال إِذْ قبل زَمَانه وَحَال زَمَانه كَانَ غَيرهَا بَاقِيا مِنْهَا فَالْمُرَاد بعد. قلت: صدق فِي زَمَانه أَنه لم يبْق لأحد غَيره نبوة. فَإِن قلت: هَل يُقَال لصَاحب الرُّؤْيَا الصَّالِحَة: لَهُ شَيْء من النُّبُوَّة؟ قلت: جُزْء النُّبُوَّة لَيْسَ بنبوة إِذْ جُزْء الشَّيْء غَيره أَو لَا هُوَ وَلَا غَيره فَلَا نبوة لَهُ. فَإِن قلت: الرُّؤْيَا الصَّالِحَة أَعم لاحْتِمَال أَن تكون منذرة إِذا الصّلاح قد يكون بِاعْتِبَار تَأْوِيلهَا. قلت: فَيرجع إِلَى المبشر، نعم يخرج مِنْهَا مَا لَا صَلَاح لَهَا لَا صُورَة وَلَا تَأْوِيلا. وَقَالَ ابْن التِّين. معنى الحَدِيث أَن الْوَحْي يَنْقَطِع بموتي وَلَا يبْقى مَا يعلم مِنْهُ مَا سَيكون إلَاّ الرُّؤْيَا. فَإِن قيل: يرد عَلَيْهِ الإلهام لِأَن

فِيهِ إِخْبَارًا بِمَا سَيكون وَهُوَ للأنبياء بِالنِّسْبَةِ للوحي كالرؤيا وَيَقَع فِي غير الْأَنْبِيَاء كَمَا تقدم فِي مَنَاقِب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد كَانَ فِيمَن مضى من الْأُمَم محدثون، وَفسّر الْمُحدث بِفَتْح الدَّال بالملهم بِفَتْح الْهَاء، وَقد أخبر كثير من الْأَوْلِيَاء عَن أُمُور مغيبة فَكَانَت كَمَا أخبروا. وَأجِيب: بِأَن الْحصْر فِي الْمَنَام لكَونه يَشْمَل آحَاد الْمُؤمنِينَ، بِخِلَاف الإلهام فَإِنَّهُ مُخْتَصّ بِالْبَعْضِ، وَمَعَ كَونه مُخْتَصًّا فَإِنَّهُ نَادِر. وَقَالَ الْمُهلب مَا حَاصله: إِن التَّعْبِير بالمبشرات خرج للأغلب، فَإِن من الرُّؤْيَا مَا تكون منذرة وَهِي صَادِقَة يريها الله لِلْمُؤمنِ رفقا بِهِ ليستعد لما يَقع قبل وُقُوعه.

٦ - (بابُ رُؤْيا يُوسُفَ، عليْهِ السّلامُ)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان رُؤْيا يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، كَذَا وَقع للأكثرين، وَوَقع للنسفي: يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرحمان، صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه.

وقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَاِبِيهِ ياأَبتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ قَالَ يابُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَكَذالِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الَاْحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىءالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وقوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا وَقَالَ ياأَبَتِ هَاذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الَاْحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالَاْرْضِ أَنتَ وَلِىِّ فِى الدُّنُيَا وَالَاْخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ}

وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله، وسيقت هَذِه الْآيَات كلهَا إِلَى قَوْله: بالصالحين فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي سَاق إِلَى ساجدين ثمَّ قَالَ: إِلَى قَوْله: عليم حَكِيم قَوْله: إِذْ قَالَ أَي: اذكر حِين قَالَ يُوسُف لِأَبِيهِ، يَعْنِي يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِم السَّلَام. قَوْله: أحد عشر كوكباً نصب على التَّمْيِيز وأسماؤها: جرثان والطارق وَالذَّيَّال وَذُو الْكَتِفَيْنِ وَذُو القابس وَوَثَّاب وَعَمُودَان والفليق وَالْمصْبح والضروج وَذُو الفرغ. قَوْله: رَأَيْتهمْ لي ساجدين وَلم يُقَال: رَأَيْتهَا سَاجِدَة، لِأَنَّهُ لما وصفهَا الله بِمَا هُوَ خَاص بالعقلاء وَهُوَ السُّجُود أجْرى عَلَيْهَا حكمهم كَأَنَّهَا عَاقِلَة، وَرَأى يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، هَذَا وَهُوَ ابْن اثْنَي عشرَة سنة، وَقيل: كَانَ بَين رُؤْيا يُوسُف ومصير إخْوَته إِلَيْهِ أَرْبَعُونَ سنة، وَقيل: ثَمَانُون. قَوْله: على إخْوَتك وهم يهوذا وروبيل وريالون وشمعون ولاوي ويشجر وَدينه دَان ونفتال وجاد وآشر. قَوْله: فيكيدوا لَك أَي: فيبغوا لَك الغوائل ويحتالوا فِي هلاكك. قَوْله: يجتبيك أَي: يصطفيك. قَوْله: من تَأْوِيل الْأَحَادِيث يَعْنِي: تَعْبِير الرُّؤْيَا. قَوْله: وَيتم نعْمَته عَلَيْك يَعْنِي: يُوصل لَك نعم الدُّنْيَا بِنِعْمَة الْآخِرَة. قَوْله: وعَلى آل يَعْقُوب أَي: أَهله وهم نَسْله وَغَيرهم. قَوْله: أَبَوَيْك أَرَادَ بهما الْجد وَأَبا الْجد قَوْله: هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ وَهُوَ قَوْله: إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكباً قَوْله: أحسن بِي يُقَال: أحسن إِلَيْهِ وَبِه. قَوْله: من البدو أَي: من الْبَادِيَة لأَنهم كَانُوا أهل عمل وَأَصْحَاب مواش ينتقلون فِي الْمِيَاه والمناجع. قَوْله: من بعد أَن نَزغ الشَّيْطَان أَي: أفسد بَيْننَا وأغوى. قَوْله: لطيف ذُو لطف وصنع لما يَشَاء عَالم بدقائق الْأُمُور. قَوْله: من الْملك أَي: ملك مصر وَتَأْويل الْأَحَادِيث تَعْبِير الرُّؤْيَا. قَوْله: فاطر السَّمَوَات يَعْنِي: يَا فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض أَنْت وليي أَي: مُتَوَلِّي أَمْرِي. قَوْله: توفني يَعْنِي: اقبضني إِلَيْك وألحقني بالصالحين يَعْنِي: بآبائي الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، ثمَّ توفاه الله تَعَالَى بِمصْر وَدفن فِي النّيل فِي صندوق من رُخَام وَمَات وعمره مائَة وَعِشْرُونَ سنة.

قَالَ أبُو عَبْدِ الله: فاطِرٌ، والبدِيعُ والمُبْتَدِعُ والبارِيءُ والخالِقُ، واحِدٌ.

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَأَشَارَ إِلَى أَن معنى هَذِه الْأَلْفَاظ الْأَرْبَعَة وَاحِد، وَأَشَارَ بالفاطر إِلَى الْمَذْكُور فِي قَوْله: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الَاْحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالَاْرْضِ أَنتَ وَلِىِّ فِى الدُّنُيَا وَالَاْخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ} ، وَغَيرهَا وَقيل: دَعْوَى البُخَارِيّ الْوحدَة فِي معنى هَذِه الْأَلْفَاظ مَمْنُوعَة عِنْد الْمُحَقِّقين، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن البُخَارِيّ لم يرد بذلك أَن حقائق مَعَانِيهَا متوحدة، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا ترجع إِلَى معنى وَاحِد وَهُوَ إِيجَاد الشَّيْء بعد أَن لم يكن. قلت: قَوْله: وَاحِد، يُنَافِي هَذَا التَّأْوِيل، وَمعنى الفاطر من الْفطر وَهُوَ الِابْتِدَاء والاختراع، قَالَه الْجَوْهَرِي. ثمَّ قَالَ ابْن عَبَّاس: كنت لَا أَدْرِي مَا معنى {فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض} حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يختصمان فِي بِئْر فَقَالَ أَحدهمَا: أَنا فطرتها، أَي: أَنا ابْتَدَأتهَا. قَوْله: والبديع، مَعْنَاهُ الْخَالِق المخترع لَا عَن مِثَال سَابق، فعيل بِمَعْنى مفعل، يُقَال: أبدع فَهُوَ مبدع وَكَذَا فِي بعض النّسخ مبدع. قَوْله: والبارىء والخالق، قَالَ الطَّيِّبِيّ: قيل: الْخَالِق البارىء المصور أَلْفَاظ مترادفة وَهُوَ وهم لِأَن الْخَالِق من الْخلق وَأَصله التَّقْدِير الْمُسْتَقيم، والبارىء مَأْخُوذ من الْبُرْء وَأَصله خلوص الشَّيْء عَن غَيره، إِمَّا على سَبِيل التَّقَصِّي مِنْهُ وَعَلِيهِ قَوْلهم برىء من مَرضه، وَإِمَّا على سَبِيل الْإِنْشَاء مِنْهُ، وَمِنْه: برأَ الله النَّسمَة وَهُوَ البارىء لَهَا، وَقيل: البارىء هُوَ الَّذِي خلق الْخلق بَرِيئًا من التَّفَاوُت والتنافر. قَوْله: البارىء ويروى: البادىء، وَقيل لبَعْضهِم: البارىء بالراء، وَلأبي ذَر وَالْأَكْثَر: البادىء بِالدَّال بدل الرَّاء والهمز ثَابت فيهمَا، وَزعم بعض من عاصرناه من الشُّرَّاح أَن الصَّوَاب بالراء وَرِوَايَة الدَّال وهم، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَنَّهُ وَقع فِي بعض طرق الْأَسْمَاء الْحسنى: المبدىء، وَفِي سُورَة العنكبوت {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىءُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} ثمَّ قَالَ: {قُلْ سِيرُواْ فِى الَاْرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِىءُ النَّشْأَةَ الَاْخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} فاسم الْفَاعِل من الأول مبدىء وَمن الثَّانِي بادىء. انْتهى. قلت: فِي هَذَا الرَّد نظر لَا يخفى.

مِنَ البَدْو بادِئَةٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر آنِفا من قَوْله: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا وَقَالَ ياأَبَتِ هَاذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} أَي: من الْبَادِيَة. وَقد ذَكرْنَاهُ.

٧ - (بابُ رُؤْيا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السّلامُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رُؤْيا إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، كَذَا وَقع لأبي ذَر، وَسقط لفظ: بَاب، لغيره.

وقوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يابُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ ياأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ}

وَقَوله، مجرور عطف على مَا قبله، وسيقت الْآيَات كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: {فَلَمَّا بلغ مِنْهُ السَّعْي} إِلَى قَوْله: {نجزي الْمُحْسِنِينَ} وَسقط للنسفي قَوْله: السَّعْي أَي: بلغ أَن يسْعَى مَعَ أَبِيه فِي أشغاله وحوائجه وَمَعَهُ لَا يتَعَلَّق ببلغ لاقْتِضَائه بلوغهما مَعًا حد السَّعْي وَلَا بالسعي لِأَن صلَة الْمصدر لَا تتقدم عَلَيْهِ فَبَقيَ أَن يكون بَيَانا كَأَنَّهُ قَالَ: لما قَالَ: فَلَمَّا بلغ مَعَه السَّعْي قَوْله: فَلَمَّا أسلما سَيَجِيءُ تَفْسِيره، وَكَذَا تَفْسِير قَوْله: وتله

قَالَ مُجاهِدٌ: أسْلَما سَلَّما مَا أُمِرا بِهِ، وتَلَّهُ وَضَعَ وَجْهَهُ بِالأرْضِ

وصل الْفرْيَابِيّ فِي تَفْسِيره تَعْلِيق مُجَاهِد عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فَذكره، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب وَفِي الْبَاب الَّذِي قبله حَدِيث، وَاكْتفى بِالْقُرْآنِ. وَقَالَ بَعضهم: وَقَول الْكرْمَانِي: إِنَّه كَانَ فِي كل مِنْهُمَا بَيَاض ليلحق بِهِ حَدِيثا يُنَاسِبه مُحْتَمل مَعَ بعده. قلت: لم يقل الْكرْمَانِي هَكَذَا أصلا وَإِنَّمَا قَالَ: وَهَذَانِ البابان مِمَّا ترجمهما البُخَارِيّ وَلم يتَّفق لَهُ إِثْبَات حَدِيث فيهمَا.

٨ - (بابُ التَّواطُؤِ عَلى الرُّؤْيا)

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.2 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
أستغفر الله