الآية ١٠١ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٠١ من سورة هود

وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍۢ ١٠١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠١ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠١ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وما ظلمناهم ) أي : إذ أهلكناهم ، ( ولكن ظلموا أنفسهم ) أي : بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم ، ( فما أغنت عنهم آلهتهم ) أي : أصنامهم وأوثانهم التي كانوا يعبدونها ويدعونها ، ( من دون الله من شيء ) أي : ما نفعوهم ولا أنقذوهم لما جاء أمر الله بإهلاكهم ، ( وما زادوهم غير تتبيب ) .

قال مجاهد ، وقتادة ، وغيرهما : أي غير تخسير ، وذلك أن سبب هلاكهم ودمارهم إنما كان باتباعهم تلك الآلهة وعبادتهم إياها فبهذا أصابهم ما أصابهم ، وخسروا بهم ، في الدنيا والآخرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما عاقبنا أهل هذه القرى التي اقتصَصنا نبأها عليك ، يا محمد ، بغير استحقاق منهم عقوبتنا، فنكون بذلك قد وضعنا عقوبتنا إياهُمْ في غير موضعها ، (ولكن ظلموا أنفسهم) ، يقول: ولكنهم أوجبوا لأنفسهم بمعصيتهم الله وكفرهم به، عقوبتَه وعذابه، فأحلوا بها ما لم يكن لهم أن يحلوه بها، وأوجبوا لها ما لم يكن لهم أن يوجبوه لها ، (فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء) ، يقول: فما دفعت عنهم آلهتهم التي يدعونها من دون الله ، (9) ويدعونها أربابًا من عقاب الله وعذابه إذا أحله بهم ربُّهم من شيء ، ولا ردَّت عنهم شيئًا منه ، (لما جاء أمر ربك) ، يا محمد، يقول: لما جاء قضاء ربك بعذابهم، فحقّ عليهم عقابه ، ونـزل بهم سَخَطه ، (وما زادوهم غير تتبيب) ، يقول: وما زادتهم آلهتهم عند مجيء أمر ربك هؤلاء المشركين بعقاب الله غير تخسيرٍ وتدميرٍ وإهلاك.

* * * يقال منه: " تبَّبْتُه أتبِّبُه تَتْبيبًا "، ومنه قولهم للرجل: " تبًّا لك "، قال جرير: عَــرَادَةُ مِــنْ بَقِيَّــةِ قَـوْمِ لُـوطٍ أَلا تَبًّـــا لِمَـــا فَعَلُــوا تَبَابًــا (10) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك : 18553- حدثني المثني قال ، حدثنا سعيد بن سلام أبو الحسن البصري قال ، حدثنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق، عن ابن عمر في قوله: (وما زادوهم غير تتبيب) ، قال: غير تخسير.

(11) 18554- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (غير تتبيب) ، قال: تخسير.

18555- حدثنا المثني قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

18556-حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة: (غير تتبيب) ، يقول: غير تخسير.

18557- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (غير تتبيب) ، قال: غير تخسير.

* * * قال أبو جعفر: وهذا الخبر من الله تعالى ذكره، وإن كان خبرًا عمَّن مَضَى من الأمم قبلنا، فإنه وعيدٌ من الله جلّ ثناؤه لنا أيتها الأمة ، أنا إن سلكنا سبيلَ الأمم قبلَنا في الخلاف عليه وعلى رسوله، سلك بنا سبيلهم في العُقوبة ، وإعلام منه لما أنه لا يظلم أحدًا من خلقه، وأن العباد هم الذين يظلمون أنفسهم، كما:- 18558- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد قال، اعتذر ، يعني ربنا جل ثناؤه ، إلى خلقه فقال: (وما ظلمناهم) ، مما ذكرنا لك من عذاب من عذبنا من الأمم ، (ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم) ، حتى بلغ: (وما زادوهم غير تتبيب) ، قال: ما زادهم الذين كانوا يعبدونهم غير تتبيب.

---------------------- الهوامش : (9) انظر تفسير " أغني عنه " فيما سلف ص : 215 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(10) ديوانه : 72 ، من قصيدته المشهورة في هجاء الراعي النميري ، وكان سببها أن " عرادة النميري " ، وهو رواية الراعي كان نديمًا للفرزدق ، فقدم الراعي البصرة ، فدعاه عرادة فأطعمه وسقاه وقال : فضل الفرزدق على جرير !

فأبى .

فلما أخذ فيه الشراب ، لم يزل به حتى قال : يــا صَـاحِبَيَّ دَنـا الـرَّواحُ فَسِـيرَا غَلَـبَ الفَـرَزْدَقُ فـي الهِجَـاءِ جريرَا فهاج الهجاء بينهما ، فكان مما ذكر به عرادة قوله : أتَــانِي عَـنْ عَـرَادَةَ قَـوْلُ سُـوءٍ فَــلاَ وَأَبِــي عُـرَادَةَ مَـا أَصَابَـا وَكَـمْ لَـكَ يَـا عُـرَادَةُ مِـنْ أُمِّ سُوءٍ بَــأَرْضِ الطَّلْــحِ تَحْـتَبِلُ الزَّبابَـا لَبِئْــسَ الْكَسْـبُ تَكْسِــبُهُ نُمَــيْرٌ إِذَا اسْــتَأْنَوْكَ وانْتَظَــروا الإِيابَـا وكان في المخطوطة والمطبوعة : " عرابة " ، وهو خطأ صرف .

(11) الأثر : 18553 - " سعيد بن سلام ، أبو الحسن البصري العطار الثوري الأعور " ، منكر الحديث ، كذاب يحدث عن الثوري ، لا يكتب حديثه ، مترجم في الكبير 2 / 1 / 441 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 31 ، ولسان الميزان 3 : 31 ، وميزان الاعتدال 1 : 382 .

" ونسير بن ذعلوق الثوري " ، ثقة ، مضى برقم : 5491 ، 13488 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وما ظلمناهم أصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه ، وقد تقدم في " البقرة " مستوفى .ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي .

وحكى سيبويه أنه يقال : ظلم إياهفما أغنت أي دفعت .عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء في الكلام حذف ، أي التي كانوا يعبدون ; أي يدعون .وما زادوهم غير تتبيب أي غير تخسير ; قاله مجاهد وقتادة .

وقال لبيد :فلقد بليت وكل صاحب جدة لبلى يعود وذاكم التتبيبوالتباب الهلاك والخسران ; وفيه إضمار ; أي ما زادتهم عبادة الأصنام ، فحذف المضاف ; أي كانت عبادتهم إياها قد خسرتهم ثواب الآخرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ْ} بأخذهم بأنواع العقوبات { وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ْ} بالشرك والكفر، والعناد.

{ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ْ} وهكذا كل من التجأ إلى غير الله، لم ينفعه ذلك عند نزول الشدائد.

{ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ْ} أي: خسار ودمار، بالضد مما خطر ببالهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما ظلمناهم ) بالعذاب والهلاك ، ( ولكن ظلموا أنفسهم ) بالكفر والمعصية .

( فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك ) عذاب ربك ، ( وما زادوهم غير تتبيب ) أي : غير تخسير ، وقيل : تدمير .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما ظلمناهم» بإهلاكهم بغير ذنب «ولكن ظلموا أنفسهم» بالشرك «فما أغنت» دفعت «عنهم آلهتهم التي يدعون» يعبدون «من دون الله» أي غيره «من» زائدة «شيء لما جاء أمر ربك» عذابه «وما زادوهم» بعبادتهم لها «غير تتبيب» تخسير.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما كان إهلاكهم بغير سبب وذنب يستحقونه، ولكن ظلموا أنفسهم بشركهم وإفسادهم في الأرض، فما نفعتهم آلهتهم التي كانوا يدعُونها ويطلبون منها أن تدفع عنهم الضر لـمَّا جاء أمر ربك بعذابهم، وما زادتهم آلهتهم غير تدمير وإهلاك وخسران.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن ظلموا أَنفُسَهُمْ .

.

) بيان لمظاهر عدله فى قضائه وأحكامه .والضمير المنصوب فى ( ظَلَمْنَاهُمْ ) يعود إلى أهل هذه القرى ، لأنهم هم المقصودون بالحديث .أى : وما ظلمنا أهل هذه القرى بإهلاكنا إياهم ، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم ، بسبب إصرارهم على الكفر ، وجحودهم للحق ، واستهزائهم بالرسل الذين جاءوا لهدايتهم .

.

.ثم بين - سبحانه - موقف آلهتهم المخزى منهم فقالك ( فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ التي يَدْعُونَ مِن دُونِ الله مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ .

.

) .أى : أن هؤلاء المهلكين عندما نزل بهم العذاب ، لم تنفعهم أصنامهم التى كانوا يعبدونها من دون الله شيئا من النفع .

.

.

بل هى لم تنفع نفسها فقد اندثرت معهم كما اندثروا .والفاء فى قوله - سبحانه - ( فَمَا أَغْنَتْ ) للتفريع على ظلمهم لأنفسهم ، لأن اعتمادهم على شفاعة الأصنام ، وعلى دفاعها عنهم .

.

.

من مظاهر جهلهم وغبائهم وظلمهم لأنفسهم .و ( من ) فى قوله : ( مِن شَيْءٍ ) لتأكيد انتفاء النفع والإِغناء : أى : لم تغن عنهم شيئا ولو قليلا من الإِغناء؛ ولم تنفعهم لا فى قليل ولا كثير .

.

.وجملة ( وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ) تأكيد لنفى النفع ، وإثبات للضر والخسران .والتتبيب : مصدر تب بمعنى خسر ، فلان فلانا إذا وقعه فى الخسران .ومنه قوله - تعالى - ( تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) أى : هلكتا وخسرتا كما قد هلك وخسر هو .أى : وما زادتهم أصنامهم التى كانوا يعتمدون عليها فى دفع الضر سوى الخسران والهلاك .قال الإِمام الرازى : والمعنى : " أن الكفار كانوا يعتقدون فى الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار ، ثم إنه - تعالى - أخبر أنهم عند مساس الحاجة إلى المعين ، ما وجدوا منها شيئا لا جلب نفع ولا دفع ضر ، ثم كما لم يجدوا ذلك فقد وجدوا ضده ، وهو أن ذلك الاعتقاد زالت عنهم به منافع الدنيا والآخرة ، وجلب لهم مضارهما ، فكان ذلك من أعظم موجبات الخسران " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر قصص الأولين قال: ﴿ ذلك مِنْ أَنْبَاء القرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ﴾ والفائدة في ذكرها أمور: أولها: أن الانتفاع بالدليل العقلي المحض إنما يحصل للإنسان الكامل، وذلك إنما يكون في غاية الندرة.

فأما إذا ذكرت الدلائل ثم أكدت بأقاصيص الأولين صار ذكر هذه الأقاصيص كالموصل لتلك الدلائل العقلية إلى العقول.

الوجه الثاني: أنه تعالى خلط بهذه الأقاصيص أنواع الدلائل التي كان الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بها ويذكر مدافعات الكفار لتلك الدلائل وشبهاتهم في دفعها، ثم يذكر عقيبهما أجوبة الأنبياء عنها ثم يذكر عقيبها أنهم لما أصروا واستكبروا وقعوا في عذاب الدنيا وبقي عليهم اللعن والعقاب في الدنيا وفي الآخرة، فكان ذكر هذه القصص سبباً لإيصال الدلائل والجوابات عن الشبهات إلى قلوب المنكرين، وسبباً لإزالة القسوة والغلظة عن قلوبهم، فثبت أن أحسن الطرق في الدعوة إلى الله تعالى ما ذكرناه.

الفائدة الثالثة: أنه عليه السلام كان يذكر هذه القصص من غير مطالعة كتب، ولا تلمذ لأحد وذلك معجزة عظيمة تدل على النبوة كما قررناه.

الفائدة الرابعة: إن الذين يسمعون هذه القصص يتقرر عندهم أن عاقبة الصديق والزنديق والموافق والمنافق إلى ترك الدنيا والخروج عنها، إلا أن المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، والكافر يخرج من الدنيا مع اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة، فإذا تكررت هذه الأقاصيص على السمع، فلابد وأن يلين القلب وتخضع النفس وتزول العداوة ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال، فهذا كلام جليل في فوائد ذكر هذه القصص.

أما قوله: ﴿ ذلك مِنْ أَنْبَاء القرى ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: أو قوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الغائب، والمراد منه هاهنا الإشارة إلى هذه القصص التي تقدمت، وهي حاضرة، إلا أن الجواب عنه ما تقدم في قوله: ﴿ ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ  ﴾ .

البحث الثاني: أن لفظ ذلك يشار به إلى الواحد والاثنين والجماعة لقوله تعالى: ﴿ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك  ﴾ وأيضاً يحتمل أن يكون المراد ذلك الذي ذكرناه هو كذا وكذا.

البحث الثالث: قال صاحب الكشاف: ذلك مبتدأ ﴿ مِنْ أَنْبَاء القرى ﴾ خبر ﴿ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ﴾ خبر بعد خبر أي ذلك المذكور بعض أنباء القرى مقصوص عليك.

ثم قال: ﴿ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ والضمير في قوله: ﴿ مِنْهَا ﴾ يعود إلى القرى شبه ما بقي من آثار القرى وجدرانها بالزرع القائم على ساقه وما عفا منها وبطر بالحصيد، والمعنى أن تلك القرى بعضها بقي منه شيء وبعضها هلك وما بقي منه أثر ألبتة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا ظلمناهم ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ وفيه وجوه: الأول: وما ظلمناهم بالعذاب والإهلاك، ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية.

الثاني: أن الذي نزل بالقوم ليس بظلم من الله بل هو عدل وحكمة، لأجل أن القوم أولاً ظلموا أنفسهم بسبب إقدامهم على الكفر والمعاصي فاستوجبوا لأجل تلك الأعمال من الله ذلك العذاب.

الثالث: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد وما نقصناهم من النعيم في الدنيا والرزق، ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله تعالى.

ثم قال: ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ التى يَدْعُونَ مِن دُونِ الله مِن شَيْء ﴾ أي ما نفعتهم تلك الآلهة في شيء ألبتة.

ثم قال: ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: غير تخسير.

يقال: تب إذا خسر وتببه غيره إذا أوقعه في الخسران، والمعنى أن الكفار كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار ثم إنه تعالى أخبر أنهم عند مساس الحاجة إلى المعين ما وجدوا منها شيئاً لا جلب نفع ولا دفع ضر، ثم كما لم يجدوا ذلك فقد وجدوا ضده، وهو أن ذلك الاعتقاد زال عنهم به منافع الدنيا والآخرة وجلب إليهم مضار الدنيا والآخرة، فكان ذلك من أعظم موجبات الخسران.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ذلك ﴾ مبتدأ ﴿ مِنْ أَنْبَاء القرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ﴾ خبر بعد خبر، أي: ذلك النبأ بعض أنباء القرى المهلكة مقصوص عليك ﴿ مِنْهَا ﴾ الضمير للقرى، أي: بعضها باق وبعضها عافي الأثر، كالزرع القائم على ساقه والذي حصد.

فإن قلت: ما محمل هذه الجملة؟

قلت: هي مستأنفة لا محل لها ﴿ وَمَا ظلمناهم ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ ﴾ فما قدرت أن ترد عنهم بأس الله ﴿ يَدْعُونَ ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية.

و ﴿ لَّمَّا ﴾ منصوب بما أغنت ﴿ أَمْرُ رَبّكَ ﴾ عذابه ونقمته ﴿ تَتْبِيبٍ ﴾ تخسير.

يقال تبّ إذا خسر.

وتببه غيره، إذا أوقعه في الخسران.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ذَلِكَ النَّبَأُ.

﴿ مِن أنْباءِ القُرى ﴾ المُهْلَكَةِ.

﴿ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ﴾ مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ.

﴿ مِنها قائِمٌ ﴾ مِن تِلْكَ القُرى باقٍ كالزَّرْعِ القائِمِ.

﴿ وَحَصِيدٌ ﴾ ومِنها عافِي الأثَرِ كالزَّرْعِ المَحْصُودِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وقِيلَ حالٌ مِنَ الهاءِ في نَقْصِهِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لا واوَ ولا ضَمِيرَ.

﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ بِإهْلاكِنا إيّاهم.

﴿ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِأنْ عَرَّضُوها لَهُ بِارْتِكابِ ما يُوجِبُهُ.

﴿ فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ ﴾ فَما نَفَعَتْهم ولا قَدَرَتْ أنْ تَدْفَعَ عَنْهم بَلْ ضَرَّتْهم.

﴿ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ ﴾ حِينَ جاءَهم عَذابُهُ ونِقْمَتُهُ.

﴿ وَما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ هَلاكٍ أوْ تَخْسِيرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا ظلمناهم} بإهلاكنا إياهم {ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} بارتكاب ما به أهلكوا {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلهتهم} فما قدرت أن ترد عنهم بأس الله {التى يَدْعُونَ} يعبدون وهي حكاية حال ماضية {مِن دُونِ الله مِن شَىْء لَّمَّا جَاء أمر ربك} عذابه ولما منصوب بما أغنت {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} تخسير يقال تب إذا خسر وتبيه غيره أوقعه في الخسران يعني وما أفادتهم عبادة غير الله شيئاً بل أهلكتهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما ظَلَمْناهُمْ ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرى مُرادًا بِها أهْلُها وقَدْ أُرِيدَ مِنها أوَّلًا حَقِيقَتُها، فَفي الكَلامِ اسْتِخْدامٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ القُرى لِأنَّ هُناكَ مُضافًا مُقَدَّرًا أيْ ذَلِكَ مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى؛ والضَّمائِرُ مِنها ما يَعُودُ إلى المُضافِ، ومِنها ما يَعُودُ إلى المُضافِ إلَيْهِ، ومَتى وضَحَ الأمْرُ جازَ مِثْلُ ذَلِكَ.

وقِيلَ: القُرى عَلى ظاهِرِها وإسْنادُ الأنْباءِ إلَيْها مَجازٌ، وضَمِيرُ ( مِنها ) لَها وضَمِيرُ ( ظَلَمْناهم ) لِلْأهْلِ المَفْهُومِ مِنها، وقِيلَ: ( القُرى ) مُجازٌ عَلى أهْلِها، والضَّمِيرانِ راجِعانِ إلَيْها بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، أوْ يُقَدَّرُ المُضافُ والضَّمِيرانِ لَهُ أيْضًا، وعَلى هَذا خَرَجَ ما حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِن أنَّ مَعْنى ﴿ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ ﴾ مِنها باقٍ نَسْلُهُ، ومِنها مُنْقَطِعٌ نَسْلُهُ، وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ إيذانٌ بِإهْلاكِ الأهْلِ فَيَكُونُ المَعْنى هُنا وما ظَلَمْناهم بِإهْلاكِنا إيّاهم ﴿ ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ حَيْثُ اقْتَرَفُوا بِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ﴿ فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ ﴾ أيْ ما نَفَعَتْهم ولا دَفَعَتْ بَأْسَ اللَّهِ تَعالى عَنْهم ﴿ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ ﴾ أيْ يَعْبُدُونَها ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أُوثِرَ صِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ عِبادَتِهِمْ لَها ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ -فَما- نافِيَةٌ لا اسْتِفْهامِيَّةٌ -وإنْ جَوَّزَهُ السَّمِينُ- وتَعَلُّقُ عَنْ بِما عِنْدَهُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الدَّفْعِ، و(مِنِ) الأخِيرَةُ صِلَةٌ ومَجْرُورُها مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِلدَّفْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ ﴾ أيْ حِينَ مَجِيءِ عَذابِهِ مَنصُوبٌ -بِأغْنَتْ- وهَذا -عَلى ما في البَحْرِ- بِناءً عَلى خِلافِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ (لَمّا) حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبِ.

وقُرِئَ -آلِهَتُهُمُ اللّاتِي- و( يَدْعُونَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو وصْفٌ لِلْآلِهَةِ كالَّتِي في المَشْهُورَةِ، وفِيهِ مُطابَقَةٌ لِلْمَوْصُوفِ لَيْسَتْ في (الَّتِي) لَكِنْ قِيلَ -كَما في جَمْعِ الجَوامِعِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ- إنَّ الَّتِي في جَمْعٍ غَيْرِ عالِمٍ أكْثَرُ مِنَ اللّاتِي، نَعَمْ إنَّ الآلِهَةَ قَدْ عُومِلَتْ في الآيَةِ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ لِأنَّ عَبَدَتَها نَزَّلُوها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في اعْتِقادِهِمْ فِيها أنَّها تَنْفَعُ وتَضُرُّ، فَقِيلَ: ﴿ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ اللّاتِي في تِلْكَ القِراءَةِ واقِعٌ مَوْقِعَ الأُلى أوِ الَّذِينَ، و-التَّتْبِيبُ- عَلى ما في البَحْرِ التَّخْسِيرُ، يُقالُ: تَبَّ خَسِرَ، وتَبَّبَهُ خَسِرَهُ.

وذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ أنَّ التَّبَّ الخُسْرانُ والهَلاكُ، والتَّتْبِيبَ الإهْلاكُ، وفي القامُوسِ التَّبُّ والتَّبَبُ والتِّبابُ والتَّتْبِيبُ النَّقْصُ والخَسارُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ تَفْسِيرَ ذَلِكَ بِالتَّخْسِيرِ، وكَذا أخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلّا أنَّهُ اسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ بِشْرِ بْنِ أبِي خازِمٍ: هم جَدَعُوا الأُنُوفَ فَأذْهَبُوها وهم تَرَكُوا بَنِي سَعْدٍ تِبابًا وحِينَئِذٍ فالمَعْنى فَما زادُوهم غَيْرَ تَخْسِيرٍ أوْ خَسارَةٍ لِنُفُوسِهِمْ حَيْثُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ الألِيمَ الدّائِمَ عَلى عِبادَتِهِمْ لَها نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى يعني: هذا الذي وصفت لك وقصصت عليك من أخبار الأمم، والقرون الماضية، نَقُصُّهُ عَلَيْكَ يعني: ينزل جبريل، ليقرأ عليك ليكون فيها دليل نبوتك، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ يعني: من تلك القرى قائم، ومنها ما هو حصيد.

والقائم، يعني: الظاهر ينظر إليه الناظر، والحصيد: يعني، خرب وهلك أصحابه.

ويقال: القائم على بنيانه، والحصيد ما خرب.

وقال قتادة: مِنْها قائِمٌ يعني: خاوية على عروشها وَحَصِيدٌ، يعني: مستأصلة.

وقال الضحاك: مِنْها قائِمٌ يعني: مدينة عاد هلكوا، وبقيت مساكنهم، وَحَصِيدٌ يعني: مدائن قوم لوط، حصدت: أي قلعت من الأرض السفلى.

ثم قال تعالى: وَما ظَلَمْناهُمْ يعني: لم نعذبهم بغير ذنب، وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني: أضروا بأنفسهم حيث أكلوا رزق الله، وعبدوا غيره، وكذبوا رسله، فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ يعني: ما نفعتهم عبادة آلهتهم، الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إنما سماهم آلهة على وجه المجاز، يعني: آلهتهم بزعمهم، ولم يكونوا آلِهَة في الحقيقة.

ومعناه: أصنامهم لا تقدر أن تمنعهم من عذاب الله من شيء، لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ يعني: حين جاء عذاب ربك، وقال القتبي: إذا رأيت لِلَمَّا جواباً فهو بمعنى حين، كقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [الزخرف: 55] يعني: حين أغضبونا، وكقوله: لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ يعني: حين جاء أمر ربك، يعني: عذاب ربك، وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ يعني: غير تخسير، كقوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: 1] أي خسرت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في كلام العرب: العطيّة.

وقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى ...

الآية: ذلِكَ: إِشارة إِلى ما تقدَّم من ذكْر العُقُوبات النَّازلة بالأُمَمِ المذكُورة، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ: أي: منها قائمُ الجُدُرَاتِ، ومتهدِّمٌ دائر، والآيةَ بجملتها متضمِّنة التخويفَ وضَرْبَ المثلِ للحاضرين مِنْ أَهْل مكَّة وغيرهم، وال تَتْبِيبٍ: الخُسْرَانُ ومنه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] .

وقوله: وَكَذلِكَ: الإِشارةُ إِلى ما ذكر من الأخذات في الأمَم، وهذه اية وعيدٍ يعمُّ قرى المُؤمنين والكافرينَ، فإِنَّ «ظالمة» : أعمُّ من «كافرة» ، وقد يمهل اللَّه تعالَى بعْضَ الكَفَرَة، وأما الظَّلَمَةُ، فمعاجَلُون في الغَالِبِ، وقد يُمْلي لَبَعْضِهِمْ، وفي الحديث، من رواية أبي موسَى أن رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْه» ، ثم قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ ...

الآية «١» ، وهذه قراءة الجماعة، وهي تعطي بقاءَ الوَعِيدِ، واستمراره في الزمان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً: أي: لعبرةً وعلامةَ اهتداءٍ، لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ، ثم عَظَّمَ اللَّه أمْرَ الآخرة، فقالَ: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ، وهو يومُ الحَشْر، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يَشْهَدُهُ الأوَّلون والآخِرُون من الملائِكَةِ، والإِنس، والجنِّ والحيوانِ في قول الجمهور، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ لا يتقدّم عنه ولا يتأخّر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ أيْ: بِالعَذابِ والإهْلاكِ.

﴿ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿ فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ ﴾ أيْ: فَما نَفَعَتْهم ولا دَفَعَتْ عَنْهم شَيْئًا ﴿ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ ﴾ بِالهَلاكِ.

﴿ وَما زادُوهُمْ ﴾ يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّخْسِيرُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وَقَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةِ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: التَّدْمِيرُ والإهْلاكُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

فَإنْ قِيلَ: الآلِهَةُ جَمادٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ زادُوهُمْ ﴾ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: وما زادَتْهم عِبادَتُها.

والثّانِي: أنَّها في القِيامَةِ تَكُونُ عَوْنًا عَلَيْهِمْ فَتَزِيدُهم شَرًّا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عنهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ ﴿ وَما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ المَعْنى: وما وضَعْنا عِنْدَهم مِنَ التَعْذِيبِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ، لَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِهِمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، والعِبادَةِ في جَنَبَةِ الأصْنامِ، فَما نَفَعَتْهم تِلْكَ الأصْنامُ ولا دَفَعَتْ عنهم حِينَ جاءَ عَذابُ اللهِ.

والتَتْبِيبُ: الخُسْرانُ، ومِنهُ ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ  ﴾ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: عَرارَةُ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ∗∗∗ ألا تَبًّا لِما عَمِلُوا تِبابًا أيْ: خَسارًا، وصُورَةً زِيادَةِ الأصْنامِ التَتْبِيبُ إنَّما تُتَصَوَّرُ: إمّا بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِقَةَ بِها والتَعَبَ في عِبادَتِها -شَغَلَتْ نُفُوسَهم وصَرَفَتْها عَنِ النَظَرِ في الشَرْعِ وعاقَتْها، فَلِحَقَ عن ذَلِكَ عَنَتٌ وخُسْرانٌ، وإمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى الكُفْرِ يُزادُ إلَيْهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوثانِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ، الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْداثِ في الأُمَمِ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ تَعُمُّ قُرى المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ ﴿ ظالِمَةٌ ﴾ أعَمُّ مِن "كافِرَةٌ"، وقَدْ يُمْهِلُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بَعْضُ الكَفَرَةِ، وأمّا الظَلَمَةُ -فِي الغالِبِ- فَمُعاجَلُونَ، أمّا أنَّهُ يُمْلى لِبَعْضِهِمْ، وفي الحَدِيثِ -مِن رِوايَةِ أبِي مُوسى - أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ ﴾ » الآيَةَ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العَطارِدِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "رَبّكَ إذْ أخَذَ القُرى"، والجُمْهُورُ الأعْظَمُ: ﴿ إذا أخَذَ القُرى ﴾ ، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ هَذِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي بَقاءَ الوَعِيدِ واسْتِمْرارَهُ في الزَمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ ، المَعْنى: إنَّ في أمْرِ هَذِهِ القُرى وما حَلَّ بِها لِعِبْرَةً وعَلامَةَ اهْتِداءٍ لِمَن خافَ أمْرَ الآخِرَةِ، وتَوَقَّعَ أنْ يَنالَهُ عَذابُها فَنَظَرَ وتَأمَّلَ؛ فَإنَّ نَظَرَهُ يُؤَدِّيهِ إلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى، ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ أمْرَ يَوْمِ القِيامَةِ بِوَصْفِهِ بِما تَلْبَّسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُ لِلسَّبَبِ المُتَّصِلِ بَيْنَهُما وبِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلَيْهِ، و ﴿ الناسُ ﴾ -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الناسُ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، و ﴿ مَجْمُوعٌ ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.

وَهَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عَنِ الحَشْرِ، و ﴿ مَشْهُودٌ ﴾ عامٌّ عَلى الإطْلاقِ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ والجِنِّ والحَيَوانِ -فِي قَوْلِ الجُمْهُورِ- وفِيهِ -أعْنِي الحَيَوانَ الصامِتَ- اخْتِلافٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما نُؤَخِّرُهُ ﴾ الآيَةَ.

المَعْنى: وما نُؤَخِّرُ يَوْمَ القِيامَةِ عَجْزًا عن ذَلِكَ، ولَكِنَّ القَضاءَ السابِقَ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عنهُ ولا يَتَأخَّرُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤَخِّرُهُ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُؤَخِّرُهُ" بِالياءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ ﴾ بِحَذْفِ الياءِ مَن (يَأْتِي) في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِإثْباتِها في الوَصْلِ وحَذْفِها في الوَقْفِ، ورُوِيَتْ أيْضًا كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والياءُ ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَقَطَتْ في إمامِ عُثْمانَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "يَوْمَ يَأْتُونَ"، وقَرَأ بِها الأعْمَشُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ التَشْبِيهُ بِالفَواصِلِ، وإثْباتُها في الوَجْهَيْنِ هو الأصْلُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَصْلِ التَخْفِيفُ، كَما قالُوا: "لا أُبالِ ولا أدْرِ"، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: كَفاكَ كَفٌّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطَ بِالسَيْفِ الدَما وَقَوْلُهُ: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في " يَأْتِي " وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ ﴾ ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، لِأنَّ اليَوْمَ المُضافَ إلى الفِعْلِ لا يَكُونُ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، إذِ المُضافُ مُتَعَرَّفٌ بِالمُضافِ إلَيْهِ، والفِعْلُ مُتَعَرَّفٌ بِفاعِلِهِ ولَيْسَ في نَفْسِهِ شَيْئًا مَقْصُودًا مُسْتَقِلًّا دُونَ الفاعِلِ، وقَوْلُهُمْ: "سَيِّدُ قَوْمِهِ، ومَوْلى أخِيهِ، وواحِدُ أُمِّهِ" مُفارِقٌ لِما لا يَسْتَقِلُّ، فَلِذَلِكَ جازَتِ الإضافَةُ فِيها، ويَكُونُ قَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " عَلى هَذا- في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ ، وفي الكَلامِ- عَلى هَذا- عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ صِفَةً لِقَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ خَبَرًا عن قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي ".

وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ ﴾ يُرادُ بِهِ اليَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُ لَيْلَتُهُ، وقَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " يُرادُ بِهِ الحِينُ والوَقْتُ لا النَهارُ بِعَيْنِهِ، فَهو كَما قالَ عُثْمانُ: "إنِّي رَأيْتُ ألّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذا"، وكَما قالَ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَإنَّ الأمانَةَ اليَوْمَ في الناسِ قَلِيلٌ".

ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ ﴾ : وصْفُ المَهابَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وذُهُولُ العَقْلِ وهَوْلُ القِيامَةِ، وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهِلَ المَوْقِفِ في التَلاوُمِ والتَساؤُلِ والتَجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ هَذِهِ هُنا مُخْتَصَّةً في تَكَلَّمَ شَفاعَةً أو إقامَةَ حُجَّةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَمِنهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ نَفْسٌ ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف للتنويه بشأن الأنباء التي مَرّ ذكرُها.

واسم الإشارة إلى المذكور كلّه من القصص من قصة نوح عليه السلام وما بعدها.

والأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر، وتقدّم في سورة الأنعام (34) في قوله: ﴿ ولقد جاءك من نبأى المرسلين.

وجملة نقصّه عليك ﴾ حال من اسم الإشارة.

وعبّر بالمضارع مع أن القصص مضى لاستحضار حالة هذا القصص البليغ.

وجملة ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ معترضة.

حال من ﴿ القرى ﴾ .

و ﴿ قائم ﴾ صفة لموصوف محذوف دلّ عليه عطف ﴿ وحصيد ﴾ ، والمعنى: منها زَرع قائم وزرع حصيد، وهذا تشبيه بليغ.

والقائم: الرزع المستقل على سُوقه.

والحصيد: الزرع المحصود، فعيل بمعنى مفعول.

وكلاهما مشبّه به للباقي من القرى والعافي.

والمرادُ بالقائم ما كان من القرى التي قصّها الله في القرآن قُرى قائماً بعضها كآثار بلد فرعون كالأهرام وبلهوبة (وهو المعروف بأبي الهول) وهيكل الكرنك بمصر، ومثل آثار نينوى بلد قوم يونس، وأنطاكية قرية المرسلين الثلاثة، وصنعاء بلد قوم تُبّع، وقرى بائدة مثل ديار عاد، وقرى قوم لوط، وقرية مدين.

وليس المراد القرى المذكورة في هذه السورة خاصة.

والمقصود من هذه الجملة الأعتبار.

وضمير الغيبة في ﴿ ظلمناهم ﴾ عَائد إلى ﴿ القرى ﴾ باعتبار أهلها لأنّهم المقصود.

وإنّما لم يظلمهم الله تعالى لأنّ ما أصابهم به من العذاب جزاء عن سوء أعمالهم فكانوا هم الظّالمين أنفسَهم إذ جرّوا لأنفسهم العذاب.

وفرع على ظلمهم أنفسَهم انتفاء إغناء آلهتهم عنهم شيئاً، ووجه ذلك الترتب والتفريع أن ظلمهم أنفسهم مَظهره في عبادتهم الأصنام، وهم لمّا عبدوها كانوا يعبدونها للخلاص من طوارق الحدثان ولتكون لهم شفعاء عند الله وكانوا في أمن من أن ينالهم بأس في الدنيا اعتماداً على دفع أصنامهم عنهم فلمّا جاء أمرهم بضد ذلك كان ذلك الضدّ مضاداً لتأميلهم وتقديرهم.

والغرض من هذا التفريع التعريض بتحذير المشركين من العرب من الاعتماد على نفع الأصنام، فقد أيقن المشركون أن أولئك الأمم كانوا يعبدون الأصنام كيف وهؤلاء اقتبسوا عبادة الأصنام من الأمم السّابقين وأيقنوا أنهم قد حَلّ بهم من الاستئصال ما شاهدوا آثاره، فذلك موعظة لهم لو كانوا مهتدين.

وجملة ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ عِلاوة وارتقاء على عدم نفعهم عند الحاجة بأنّهم لم يكن شأنهم عدم الإغناء عنهم فحسبُ ولكنهم زادتهم تتبيباً وخسراناً، أي زادتهم أسبابَ الخسران.

والتتبيب: مصدر تبّبه إذا أوقعه في التبَاب وهو الخسارة.

وظاهر هذا أن أصنامهم زادتهم تتبيباً لمّا جاء أمر الله، لأنّه عطف على الفعل المقيّد ب ﴿ لمّا ﴾ التوقيتية المفيدة أنّ ذلك كان في وقت مجيء أمر الله وهو حلول العذاب بهم.

ووجه زيادتهم إياهم تتبيباً حينئذٍ أنّ تصميمهم على الطمع في إنقاذهم إيّاهم من المصائب حالت دونهم ودون التوبة عند سماع الوعيد بالعذاب.

ويجوز أن يكون العطف لمجرّد المشاركة في الصفة دون قيدها، أي زادوهم تتبيباً قبل مجيء أمر الله بأنْ زادهم اعتقادهم فيها انصرافاً عن النظر في آيات الرّسل وزادهم تأميلهم الأصنام، وقد كانت خرافات الأصنام ومناقبها الباطلة مغرية لهم بارتكاب الفواحش والضلال وانحطاط الأخلاق وفساد التّفكير جرأة على رسل الله حتى حقّ عليهم غضب الله المستوجب حلول عذابه بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُخْبِرُكَ.

الثّانِي: نُتْبِعُ بَعْضَهُ بَعْضًا.

﴿ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ القائِمَ: العامِرَةُ، والحَصِيدَ: الخاوِيَةُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ القائِمَ: الآثارُ، والحَصِيدَ: الدّارِسُ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ: والنّاسُ في قَسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ التَّتْبِيبَ الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الهَلَكَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ لَبِيدٌ: فَلَقَدْ بَلِيتُ وكُلُّ صاحِبِ جِدَّةٍ ∗∗∗ لِبِلًى يَعُودُ وذاكُمُ التَّتْبِيبُ وَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: عَرابَةٌ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ∗∗∗ ألا تَبًّا لِما فَعَلُوا تَبابًا الثّالِثُ: التَّخْسِيرُ، وهو الخُسْرانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وتَأوَّلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ  ﴾ أيْ خَسِرَتْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن الفضل بن مروان رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ قال: نحن أغنى من أن نظلم.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي عاصم رضي الله عنه ﴿ فما أغنت عنهم آلهتهم ﴾ قال: ما نفعت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ يعني غير تخسير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ قال: تخسير.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ أي هلكة.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ قال: وما زادوهم إلا شراً، وقرأ ﴿ تبت يدا أبي لهب وتب ﴾ [ المسد: 1] وقال: التب الخسران ﴿ والتتبيب ﴾ ما زادوهم غير خسران، وقرأ ﴿ ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً ﴾ [ فاطر: 39] .

وأخرج الطستي عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ قال: غير تخسير.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت بشر بن أبي حازم الشاعر وهو يقول: هم جدعوا الأنوف فارعبوها ** وهم تركوا بني سعد تبابا <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ ، قال المفسرون (١) وقال عطاء عن ابن عباس: يريد وما نقصناهم في الدنيا من النعيم ولا من الرزق، ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله، وقوله تعالى: ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ﴾ أي ما نفعتهم (٢) (٣) ﴿ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أي التي يعبدون سوى الله وغيره.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ ، ابن عباس (٤) (٥) (٦) (٧) قال ابن الأنباري (٨) ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ قولان؛ أحدهما: (وما زادتهم عبادتها غير تتبيب) فحذفت العبادة على حذف المضاف، والآخر: أن الآلهة زادتهم بلاءً، وإن كانت من الموات؛ لأنهم ادعوا أن عبادتهم إياها [تنفعهم عند الله، فلما جرى الأمر بخلاف ما قدروا] (٩) (١٠) (١) الطبري 12/ 113، الثعلبى 7/ 56 أ، ابن عطية 7/ 394.

(٢) في (ي): (ولا).

(٣) ساقط من (ي).

(٤) روي هذا القول الطبرى 12/ 113 عن ابن عمر ومجاهد وقتادة.

وذكره في "زاد المسير" 4/ 156 عن ابن عباس "تنوير المقباس" ص 145.

(٥) في (ي): (قال ابن عباس والمفسرون).

(٦) "مجاز القرآن" 1/ 339.

(٧) عند قوله تعالى ﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ  ﴾ .

(٨) انظر: "الزاهر" 1/ 466.

(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ي) (١٠) ساقط من (ي).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا ﴾ أي بالمعجزات ﴿ وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي برهان بين ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ أي يتقدم قدّامهم في النار كما كانوا في الدنيا يتبعونه على الضلال والكفر ﴿ فَأَوْرَدَهُمُ النار ﴾ الورود هنا بمعنى: الدخول، وذكره بلفظ الماضي لتحقق وقوعه ﴿ وَيَوْمَ القيامة ﴾ عطف على في هذه فإن المراد به في الدنيا ﴿ بِئْسَ الرفد المرفود ﴾ أي العطية المعطاة ﴿ قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ باق وداثر ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ﴾ حجة على التوحيد ونفي الشريك ﴿ تَتْبِيبٍ ﴾ أي تخسير ﴿ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس ﴾ أي يجمعون فيه للحساب والثواب والعقاب، وإنما عبر باسم المفعول دون الفعل ليدل على ثبوت الجمع لذلك اليوم، لأن لفظ مجموع أبلغ من لفظ يجمع ﴿ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ أي يحضره الأولون والآخرون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني ﴾ بالفتح ﴿ أريكم ﴾ بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى عن أهل مكة.

﴿ إني أخاف ﴾ ﴿ شقاقي أن ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ وصلواتك ﴾ كما مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ إن صلاتك سكن ﴾ {التوبة: 103] ﴿ توفيقي ﴾ بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع ﴿ أرهطي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ بعدت ثمود ﴾ بالإظهار: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الواو ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ ما نشاء ﴾ ط ﴿ الرشيد ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ما استطعت ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ودود ﴾ ه ﴿ ضعيفاً ﴾ ج لأن "لولا" للابتداء مع الواو ﴿ لرجمناك ﴾ ز لحق النفي وكون الواو للحال أوجه ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل ﴿ ظهرياً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ كاذب ﴾ ط للفصل بين الخير والطلب ﴿ رقيب ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ثمود ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ فرعون ﴾ ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال ﴿ برشيد ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المورود ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ المرفود ﴾ ه ﴿ وحصيد ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ج ﴿ تتبيب ﴾ ه ﴿ ظالمة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه.

التفسير: نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال.

﴿ وإني أخاف عليكم ﴾ عن ابن عباس أنه فسر الخوف بالعلم.

وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم وانتهاءهم.

والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد.

وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإِسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه واشتمل عليه ذلك اليوم.

قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا.

وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم.

قوله: ﴿ أوفوا المكيال ﴾ إلى قوله ﴿ أشياءهم ﴾ قد مر تفسير مثله في الأعراف.

وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو أنه  نهى أوّلاً عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد والتقرير؟

والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحة تعييراً وتوبيخاً لكنه يوهم النهي عن أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب.

وفي أيضاً فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس بواجب بل هو فضل ومروءَة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من الرأس ﴿ بقية الله ﴾ قيل: ثواب الله.

وقيل: طاعته ورضاه كقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خير  ﴾ وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ﴿ خير لكم ﴾ بشرط أن تؤمنوا لأن شيئاً من الأعمال لا ينفع مع الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم.

ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته.

قالت المعتزلة.

في إضافة البقية إلى الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله.

وقرىء ﴿ تقية الله ﴾ بالتاء الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر.

قوله: ﴿ أصلاتك ﴾ قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم أركانه.

وقيل: المراد الأتباع لأنه أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك.

والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة يروى أن شعيباً  كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي تغمزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم: ﴿ أصلاتك تأمرك ﴾ السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم عليها ليلاً ونهاراً هي من باب الجنون والوساوس.

ومعنى ﴿ تأمرك أن نترك ﴾ تأمرك بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.

وقوله ﴿ أو أن نفعل ﴾ معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن نفعل ﴿ في أموالنا ما نشاء ﴾ روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.

﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية فعكسوا تهكماً به.

وقيل: حقيقة وإنه كان معروفاً فيما بينهم بالحلم والرشد فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة تعودناها.

ثم أشار  إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟

﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه.

فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ﴾ إلا أن أصلحكم بالموعظة.

والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

﴿ ما استطعت ﴾ ما للمدة ظرفاً للإصلاح أي مدة استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً للإصلاح فقد يعمل المصدر المعرف كقوله: ضعيف النكاية أعداءه.

أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.

ثم بين أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: ﴿ وما توفيقي إلا بالله ﴾ والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله ﴿ عليه توكلت ﴾ أخصه بتفويض الأمور إليه لأنه مبدأ المبادىء ﴿ وإليه أنيب ﴾ لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه تهديد وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يكسبنكم خلافي ﴿ إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ﴾ من الغرق ﴿ أو قوم هود ﴾ من الريح العقيم ﴿ أو قوم صالح ﴾ من الصيحة ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ لم يقل "ببعيدة" حملاً على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا "ببعيدين" حملاً على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدهم.

أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد.

وجوزوا أن يسوّى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.

﴿ إن ربي رحيم ودود ﴾ يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أو "مفعول" كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة.

ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير والبيان ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقهُ كثيراً مما تقول ﴾ إما لقلة الرغبة أو قالوا تهكماً واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.

كأنهم جعلوا كلامه تخليطاً وهذياناً لا ينفعهم كثير منه.

وقيل: لأنه كان ألثغ ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.

وفسر بعضهم الضعيف بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير.

وزيف هذا القول أما عند من جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة ﴿ فينا ﴾ يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، وأما عند من لا يجوزه - كبعض المعتزلة - فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى.

ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه - والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة - والرجم شر القتل وهو الرمي بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم.

ثم أكدوا المذكور بقولهم ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفاً من شوكتهم ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ولذلك قال في جوابهم ﴿ أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذاناً بأن التهاون بنبي الله كالتهاون بالله كقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله  ﴾ ﴿ واتخذتموه ﴾ أي أمر الله أو ما جئت به ﴿ وراءكم ظهرياً ﴾ منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه.

ثم وصف الله  بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ .

ثم زاد في الوعيد والتهديد بقوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ وقد مر تفسير مثله في "الأنعام" قال في الكشاف: الاستئناف يعني في ﴿ سوف تعلمون ﴾ وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل بالفاء وهو باب في أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.

ثم بالغ في التهديد بقوله: ﴿ وارتقبوا ﴾ انتظروا عاقبة الشقاق ﴿ إني معكم رقيب ﴾ راقب كالضريب بمعنى الضارب،أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.

وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصحية كلتا العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسناً بخلاف قصة صالح.

وإنما دعاه عليه بقوله: ﴿ كما بعدت ثمود ﴾ لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح.

فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم.

قوله  ﴿ بآياتنا وسلطان مبين ﴾ قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين.

والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس.

وقال في كشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها، وقوله: ﴿ إلى فرعون ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ ﴿ فاتبعوا أمر فرعون ﴾ أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود وتكذيب موسى ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى.

ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال فكذلك يقدمهم أي تقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن يراد بالرشد الإِحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد العاقبة.

ثم فسره بأنه ﴿ يقدم قومه ﴾ أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته.

ويقال: قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ومنه مقدم العين.

وإنما قال ﴿ فأوردهم ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع.

والورد المورود الذي وردوه، شبّه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردة.

ثم نعى عليهم بقوله: ﴿ وبئس الورد ﴾ الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده وتذكير ﴿ بئس ﴾ لتذكير الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز نظراً إلى الدار.

وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم ﴿ وأتبعوا في هذه ﴾ حذف صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد.

و ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ أي بئس العطاء المعطى ذلك.

وقيل: الرفد العون والمرفود المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ولعنة في الآخرة.

﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض ﴿ أنباء القرى ﴾ المهلكة ﴿ نقصه عليك ﴾ خبر بعد خبر ثم استأنف فقال ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ أي ومنها حصيد والمراد بعضها باقٍ كالزرع القائم، على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع المحصود ﴿ وما ظلمناهم ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا.

عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله ﴿ فما أغنت ﴾ فما قدرت أن ترد ﴿ عنهم آلهتهم التي يدعون ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء ﴿ وما زادوهم ﴾ يعني آلهتهم ﴿ غير تتبيب ﴾ تخسير.

تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران.

كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين.

ثم بيَّن أن عذابه غير مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الأخذ ﴿ أخذ ربك ﴾ فالأخذ مبتدأ وذلك خبره وقوله ﴿ وهي ظالمة ﴾ حال من القرى باعتبار أهلها ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ وجيع صعب على المأخوذ وهو تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال.

التأويل: ﴿ ولا تنقصوا ﴾ مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة ﴿ إني أراكم بخير ﴾ هو حسن الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق ﴿ بالقسط ﴾ في تعظيم أمرالله والشفقة على خلق الله.

﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ حقوق النصيحة وحسن العشرة في الله ولله ﴿ ولا تعثوا ﴾ في أرض وجودكم ﴿ مفسدين ﴾ ﴿ بقية الله ﴾ بقاؤكم ببقائه ﴿ خير لكم ﴾ مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان.

﴿ رزقاً حسناً ﴾ نوراً تاماً أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق ﴿ وما ﴾ معاملة ﴿ قوم لوط ﴾ من معاملتكم ﴿ ببعيد ﴾ لأن الكفر كله ملة واحدة.

﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ لأن فرعون النفس أمارة بالسوء.

﴿ إذا أخذ القرى ﴾ قرى الأجساد ﴿ منها قائم ﴾ قابل لتدارك ما فات.

ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ : ذلك ما سبق من ذكر القرى والقرون في هذه السورة من أنباء الغيب نقصه عليك؛ [لتفهم رسالتك بها]، ولتكون آية لنبوتك؛ لأنك لم تشاهدها، ولا اختلفت [إلى أحد] منهم فتعلمت منهم، ولا كانت الكتب بلسانك فيقولون: نظرت فيها فأخذت ذلك منها، ثم أنبأت على ما كان وقصصت عليهم؛ ليعلم أنك إنما عرفت بالله، فتكون آية لرسالتك.

وقوله: ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ قال بعض أهل التأويل ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ ﴾ : ترى مكانها وتنظر إليها، ومنها حصيد لا ترى له أثراً ولا مكاناً.

وقال بعضهم: قائم: أي: خاوية على عروشها، وحصيد: مستأصلة.

وعن الحسن قال: منها قائم وما حصد الله أكثر، أي: وما أهلك الله من القرى أكثر.

وأصله عندنا: منها قائم؛ نحو قرى عاد وثمود ومدين، أهلك أهلها وبقيت القرى لأهل الإسلام؛ لأنه يقول في قرى عاد: ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ الآية [الأحقاف: 25]، ومنها حصيد: ما أهلك أهلها والقرى جميعاً نحو قوم نوح؛ أهلكوا ببنيانهم، ونحو قريات قوم لوط أهلكت بأهلها أيضاً حتى لم يبق لا الأهل ولا البنيان، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ ﴾ هلك أهلها وبقي البنيان، ومنها حصيد: هو ما أهلك البنيان بأهله، حتى لم يبق لها أثر، وفيه وجوه ثلاثة: أحدها: آية لرسالته؛ لما ذكرناه وعبرة لأهل التقوى، وهو ما ذكر في آخره: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: عبرة لمن خاف عذاب الآخرة، وزجراً لأهل الشرك والكفر؛ لأنهم يذكرون ما نزل بأولئك فينزجرون عن صنيعهم فيه.

هذه الوجوه التي ذكرناها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ فيه وجهان: أي: لم نظلمهم؛ لأنهم وبنيانهم ملك لله -  - وكل ذي ملك له أن يهلك ملكه، ولا يوصف بالظلم من أتلف ملكه، وهم ظلموا أنفسهم إذ أنفسهم ليست لهم في الحقيقة وكذلك بنيانهم، ومن أتلف ملك غيره فهو ظالم.

والثاني: أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ يقول: وما ظلمناهم بالعذاب؛ إذ هم يستوجبون ذلك بما ارتكبوا، فلم نضع العذاب في غير موضعه؛ بل هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها؛ حيث صرفوها إلى غير مالكها وعبدوا غيره، فهو ظلم؛ هذا التأويل في أنفسهم، وأما البنيان فهو، أنه إنما جعله لهم، فإذا هلكوا هم أهلك ما جعل لهم، إنما أبقي لهم ما داموا، فأما إذا بادوا هم فلا معنى لإبقاء البنيان.

وما ذكر من ظلمهم أنفسهم يحتمل وجوهاً: أحدها: ظلموا أنفسهم بعبادتهم غير الله.

والثاني: ظلموا أنفسهم بصرفهم الناس وصدهم عن سبيل الله وعن عبادة الله وتوحيده إلى عبادة غير الله.

والثالث: ظلموا أنفسهم بسؤالهم العذاب.

وقوله: ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ في هذا وجهان: أحدهما: ما أغنت عنهم عبادة آلهتهم التي عبدوها من دون الله لما جاء أمر ربّك؛ أي: عذاب ربك؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ...

﴾ الآية [الزمر: 3]، يخبر أن عبادتهم الأصنام لا تنفعهم المنفعة التي طمعوا.

والثاني: فما أغنت عنهم أنفس آلهتهم في دفع العذاب عنهم في أحوج حال إليها؛ لعجزهم في أنفسهم وضعفهم؛ كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ فإذا لم يملكوا ذلك في وقت الحاجة إليهم فكيف يملكونه في غيره من الحال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ يحتمل: ما زاد عبادتهم إياها غير تتبيب، أو ما زاد آلهتهم التي عبدوها غير تتبيب.

والتتبيب: قال عامة أهل التأويل: هو التخسير.

وقال أبو عوسجة: غير تتبيب: غير فساد، والتتبيب: الفساد.

وكذلك قال في قوله: ﴿ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ  ﴾ أي: فساد.

وقال غيره: إلا في خسار وقال غيره: غير تخسير.

[وكذلك قالوا في قوله: ﴿ تَبَّتْ  ﴾ أي: خسرت.

وقال أبو عبيدة: غير تتبيب: غير تدبير وإهلاك].

وكذلك قالوا في قوله: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ  ﴾ وكذلك قالوا في قول الناس: تبّاً لك.

وقال بعضهم: غير تتبيب غير شر، والتتبيب: الشر، والتبّ: الشر والخسران، وهما واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ ﴾ أي: هكذا يأخذ كفار هذه الأمة كما أخذ أولئك، أي: كما عذبنا الأمم الخالية وهي ظالمة مشركة كافرة، كذلك نعذب هذه الأمة [لكن أخر عن هذه الأمة]، وفيه رحمة أن ﴿ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ ، أي: أن أخذه بالعذاب أليم شديد، الأخذ نفسه يوصف بالشدة، ولكن لا يوصف بالألم، والعذاب يوصف بالألم، لكن لما وصف بالألم والشدة دل أن الأخذ أخذ بعذاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ﴾ هو ما ذكرناه: فيه عبرة لأهل التقوى ولمن خاف عذاب الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ ﴾ خصّ الناس بالذكر وإن كان الجمع لهم ولغيرهم؛ لأن الآية التي ذكر تكون لهم آية، أو لما هم المقصودون بالجمع بذلك اليوم - والله أعلم - قيل: يجمع فيه الأولون والآخرون ﴿ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ .

قال بعضهم: يشهده أهل السماء وأهل الأرض للعرض والحساب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ ﴾ أي: ما نؤخر العذاب عن هذه الأمة إلا لأجل معدود، وذكر هذا - والله أعلم - جواب ما استعجلوه من العذاب بقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ونحوه، فقال: وما نؤخر العذاب عنهم إلا لأجل معدود، إلا لوقت موقوت؛ أي: إلا لأجل معدود عند الله، ولو كان ما ذكر ابن عباس أنه سبعة آلاف فيكون معدوداً عند الناس، ويكون وقت القيامة معلوماً على قوله، وقد أخبر الله: ﴿ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ أي: لا تكلم نفس بالشفاعة لأحد إلا بإذنه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ  ﴾ أو لا تكلم نفس لأهوال ذلك اليوم ولفزعه؛ كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ  ﴾ وكقوله: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً  ﴾ أو لا تكلم نفس من الأجلة والعظماء لأحد من دونهم بالشفاعة إلا بإذنه، وهو ما ذكرناه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ : فمنهم شقي بأعماله الخبيثة التي إذا اختارها وعملها أدخلته [النار، ومنهم سعيد بما أكرم من الطاعة والخيرات التي إذا اختارها وعملها أدخلته] الجنة، وكل عمل يعمله فيدخله الجنة فهو سعيد به، وكل عمل يعمله فيدخله النار فهو شقي به.

روي في ذلك خبر عن رسول الله  روي عن عمر -  - قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ سألت النبي  فقلت: يا نبي الله، فعلام نعمل، على شيء قد فرغ منه أو شيء لم يفرغ منه؟

قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له" فإن ثبت هذا فهو يدل لما ذكرناه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ ﴾ لما ذكرناه ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ قال بعضهم: الزفير هو كزفير الحمار في الصدر، وهو أول ما ينهق، وأمّا الشهيق فهو كشهيق الحمار في الحلق، فهو آخر ما يفرغ من نهيقه، فهو شهيق.

وقال بعضهم: الزفير هو ما لا يفهم منه شيء إنما هو كالأنين والجزع من شيء يصيبه لا يتبين منه؛ كقوله: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً  ﴾ والشهيق هو ما يرتفع منه الصوت يسمى شهيقاً.

ويحتمل ما ذكر من الزفير والشهيق أنهم يصيرون بعد كثرة دعائهم وندائهم حتى يكون منهم الزفير والشهيق لا يفهم؛ كصوت الدواب إذا أصابها ألم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ عن الحسن قال: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ : تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض؛ لأن السماء هذه أخبر أنها تنشق وتطوى وتبدل؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ  ﴾ و ﴿ يَوْمَ نَطْوِي  ﴾ و ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ  ﴾ ونحوه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ إنما هو صلة الكلام؛ كأنه قال: خالدين فيها إلا ما شاء ربك، وقد يتكلم بمثل هذا على الصلة.

وقال بعضهم: يدوم لهم العذاب أبداً ما دامت السماوات والأرض [لأهل الدنيا ما كانوا فيها؛ لأنهما إنما تفنيان بعد فناء أهلها وإحياء الأهل والبعث، فأخبر أن العذاب يدوم لهم كما يدوم لأهل الدنيا السماء والأرض].

وقال بعضهم: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ما دامت سماء الجنة وأرض الجنة، وسماء النار وأرض النار، لكن ذكر هذا لئلا يتوهم أهل الجنة والنار قبل هلاك سمائها وأرضها على ما يتوهم في توهم هلاك أهل الدنيا قبل هلاك سمائها وأرضها.

وقال بعضهم: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ما دامت الأرض أرضاً والسماء سماء، يتكلمون على ما بعد من أوهامهم فناؤهما، أو على الصلة؛ يقول الرجل لآخر: لا أكلمك ما دام الليل والنهار: أي أبداً.

هذا تأويل قوله: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ وأما قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ قال بعضهم: إن ناساً من أهل التوحيد يعذبون في النار على قدر ذنوبهم وخطاياهم ثم يخرجون منها.

وقد روي في ذلك آثار؛ روي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -  ما - عن النبي  قال: "الاستثناء في الآيتين كلتيهما لأهل الجنة" ، يعني: الذين يخرجون من النار من أهل التوحيد ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ يقول: لم يشقوا شقاء من يخلد في النار وقال في الذين سعدوا إلا ما شاء ربك هم أولئك الذين لم ينالوا من السعادة ما نال أهل الجنة الذين لم يدخلوا النار.

وفي بعضها [عن النبي]  أنه قال: "أما من يريد الله إخراجه [من النار] فإنهم يماتون فيها إماتة" وقال في خبر آخر: "أما من يريد الله له الخلود فلا يخرجون منها" وأمثال هذا من الأخبار، فإن ثبت هذا فهو المعتمد.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ أي: قد شاء لأهل النار الأبد والخلود، وشاء لأهل الجنة عطاء غير مجذوذ؛ أي: غير منقطع.

ويؤيد هذا التأويل ما ذكر في حرف ابن مسعود وأبي: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ في الآيتين؛ وفي الآية الأولى: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ وفي الأخرى: (ما دامت السماوات والأرض عطاء غير مجذوذ) وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي أنهما لم يذكرا الثنيا في أهل الجنة، وأصل هذا ما ذكر أبو عبيد قال: الاستثناء الذي هو في أهل السعادة فهو المشكل؛ لأنه يقال: كيف يستثني وقد وعدهم خلود الأبد في الجنة.

وقال في ذلك أقوالا لا أدري إلى من تسند، إلا أن لها مخارج في كلام العرب وشواهد في الآثار، وإنما يتكلم الناس في هذا على معاني العربية، والله أعلم بما أراد.

قال: فأحد هذه الوجوه في الاستثناء فيما يقال كالرجل يوجب على نفسه الشيء ليفعلنه، ثم يقول: إن شاء الله، وعزمه [و] ضميره مع استثنائه أنه فاعله، لا يريد غيره.

ومما يقوي هذا المذهب قول الله -  -: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ  ﴾ فاستثنى، وقد علم أنهم داخلوه ألبتة.

ومنه ما روي في حديث مكة عن النبي  حين قال: "ولا تحل لقطتها إلا لمنشد" وقال بعضهم: استثنى المنشد وهي لا تحل له، كما لا تحل لغيره.

والوجه الثاني بأن يكون "إلا" في معنى سوى؛ فإن العرب تفعل ذلك؛ تقول: عليك ألف درهم من قبل كذا وكذا، إلا الألف التي قبل ذلك؛ أي: سوى الألف التي قبل ذلك [وغير الألف التي قبل ذلك، وإلا الألف التي قبل ذلك]، فيكون المعنى على هذا أنه وعدهم خلود الأبد سوى ما أعد لهم من الزيادة في الكرامة والمنزلة التي لم يذكرها لهم.

ومما يقوي هذا التأويل ما روي عن نبي الله  قال: "قال الله -  -: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما اطلعتم عليه" ثم قرأ: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ...

﴾ الآية [السجدة: 17]؛ أفلا ترى أن هاهنا من الزيادة ما لم يطلعهم عليه.

والوجه الثالث: أن يكون الاستثناء من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما بين البعث والحساب، وقد قيل ما ذكرناه أنه ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ الذي ذكر، إلى أن يصيروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبد؛ يقول: فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في الحساب.

ومما يقوي هذا المذهب ما قيل في قوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ  ﴾ قيل: ما بين الموت والبعث، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ ﴾ فقد اختلف القراء في قراءتها؛ قرأها الكسائي وحمزة.

بضم السين (سُعِدُواْ) وأما أبو عمرو وأهل المدينة وغيرهم من القراء قرءوا بفتح السين (سُعِدُواْ) على قياس (شَقُواْ).

قال أبو عوسجة: لا أعرف سعدوا بضم السين، وإنما هو سعدوا بفتح السين.

وقال أبو عوسجة (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي: غير مقطوع؛ كقوله: ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً  ﴾ أي قطعاً، وقد ذكرنا قولهم في الزفير والشهيق على قدر حفظنا له.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما ظلمناهم بما أصبناهم به من هلاك، ولكن ظلموا أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بكفرهم بالله، فما دفعت عنهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله ما نزل بهم من عذاب حين جاء أمر ربك -أيها الرسول- بإهلاكهم، وما زادتهم آلهتهم هذه إلا خسرانًا وهلاكًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.gbwK1"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
اللهم صل على محمد