الآية ١١ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١١ من سورة هود

إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( إلا الذين صبروا ) أي : في الشدائد والمكاره ، ( وعملوا الصالحات ) أي : في الرخاء والعافية ، ( أولئك لهم مغفرة ) أي : بما يصيبهم من الضراء ، ( وأجر كبير ) بما أسلفوه في زمن الرخاء ، كما جاء في الحديث : " والذي نفسي بيده ، لا يصيب المؤمن هم ولا غم ، ولا نصب ولا وصب ، ولا حزن حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه ، وفي الصحيحين : " والذي نفسي بيده ، لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له ، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له ، وليس ذلك لأحد غير المؤمن " وهكذا قال الله تعالى : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) [ سورة العصر ] ، وقال تعالى : ( إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين ) الآية [ المعارج : 19 - 22 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

فقال تعالى ذكره: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات)، فإنهم إن تأتهم شدّة من الدنيا وعسرة فيها ، لم يثنهم ذلك عن طاعة الله، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه.

فإن نالوا فيها رخاء وسعةً ، شكروه وأدَّوا حقوقه بما آتاهم منها.

يقول الله: (أولئك لهم مغفرة) يغفرها لهم، ولا يفضحهم بها في معادهم ، (وأجر كبير)، يقول: ولهم من الله مع مغفرة ذنوبهم ، ثوابٌ على أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا، جزيلٌ، وجزاءٌ عظيم.

18006- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: (إلا الذين صبروا ) ، عند البلاء ، (وعملوا الصالحات ) ، عند النعمة ، (أولئك لهم مغفرة) ، لذنوبهم ، (وأجر كبير)، قال: الجنة.

* * *

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات يعني المؤمنين ، مدحهم بالصبر على الشدائد .

وهو في موضع نصب .

قال الأخفش : هو استثناء ليس من الأول ; أي لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة .

وقال الفراء : هو استثناء من ولئن أذقناه أي من الإنسان ، فإن الإنسان بمعنى الناس ، والناس يشمل الكافر والمؤمن ; فهو استثناء متصل وهو حسن .أولئك لهم مغفرة ابتداء وخبر" وأجر " معطوف ." كبير " صفة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

:ـ وأنه إذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسته، أنه يفرح ويبطر، ويظن أنه سيدوم له ذلك الخير، ويقول: { ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } أي: فرح بما أوتي مما يوافق هوى نفسه، فخور بنعم الله على عباد الله، وذلك يحمله على الأشر والبطر والإعجاب بالنفس، والتكبر على الخلق، واحتقارهم وازدرائهم، وأي عيب أشد من هذا؟" وهذه طبيعة الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله وأخرجه من هذا الخلق الذميم إلى ضده، وهم الذين صبروا أنفسهم عند الضراء فلم ييأسوا، وعند السراء فلم يبطروا، وعملوا الصالحات من واجبات ومستحبات.

{ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } لذنوبهم، يزول بها عنهم كل محذور.

{ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } وهو: الفوز بجنات النعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إلا الذين صبروا ) قال الفراء : هذا استثناء منقطع ، معناه : لكن الذين صبروا ( وعملوا الصالحات ) فإنهم إن نالتهم شدة صبروا ، وإن نالوا نعمة شكروا ، ( أولئك لهم مغفرة ) لذنوبهم ، ( وأجر كبير ) وهو الجنة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إلا» لكن «الذين صبروا» على الضراء «وعملوا الصالحات» في النعماء «أولئك لهم مغفرة وأجر كبير» هو الجنة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لكن الذين صبروا على ما أصابهم من الضراء إيمانًا بالله واحتسابًا للأجر عنده، وعملوا الصالحات شكرا لله على نعمه، هؤلاء لهم مغفرة لذنوبهم وأجر كبير في الآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات .

.

) استثناء من هؤلاء الناس الذين لا يصبرون عند الشدة ، ولا يشكرون عند الرخاء .أى : إلا الذين صبروا على النعمة كما صبروا على الشدة ، وعملوا فى الحالتين الأعمال الصالحات التى ترضى الله - تعالى - .( أولئك ) الموصوفون بذلك ( لَهُمْ ) من الله - تعالى - ( مَّغْفِرَةٌ ) عظيمة تمسح ذنوبهم ( وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) منه - سبحانه - لهم .

جزاء صبرهم الجميل ، وعملهم الصالح .وفى الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " والذى نفسى بيده ، لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ، وليس ذلك لأحد غير المؤمن " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر أن عذاب أولئك الكفار وإن تأخر إلا أنه لابد وأن يحيق بهم، ذكر بعده ما يدل على كفرهم، وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب.

فقال: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ ﴿ الإنسان ﴾ في هذه الآية فيه قولان: القول الأول: أن المراد منه مطلق الإنسان ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى استثنى منه قوله: ﴿ إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فثبت أن الإنسان المذكور في هذه الآية داخل فيه المؤمن والكافر، وذلك يدل على ما قلناه.

الثاني: أن هذه الآية موافقة على هذا التقرير لقوله تعالى: ﴿ وَٱلْعَصْرِ  إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ  إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوْا بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِٱلصَّبْرِ  ﴾ وموافقة أيضاً لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا  ﴾ الثالث: أن مزاج الإنسان مجبول على الضعف والعجز.

قال ابن جريج في تفسير هذه الآية يا ابن آدم إذا نزلت لك نعمة من الله فأنت كفور، فإذا نزعت منك فيؤس قنوط.

والقول الثاني: أن المراد منه الكافر، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الأصل في المفرد المحلى بالألف واللام أن يحمل على المعهود السابق لولا المانع، وهاهنا لا مانع فوجب حمله عليه والمعهود السابق هو الكافر المذكور في الآية المتقدمة.

الثاني: أن الصفات المذكورة للإنسان في هذه الآية لا تليق إلا بالكافر لأنه وصفه بكونه يؤساً، وذلك من صفات الكافر لقوله تعالى: ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القووم الكافرون  ﴾ ووصفه أيضاً بكونه كفوراً، وهو تصريح بالكفر ووصفه أيضاً بأنه عند وجدان الراحة يقول: ﴿ ذهب السيئات عني ﴾ وذلك جراءة على الله تعالى، ووصفه أيضاً بكونه فرحاً ﴿ والله لاَ يُحِبُّ الفرحين  ﴾ ووصفه أيضاً بكونه فخوراً، وذلك ليس من صفات أهل الدين.

ثم قال الناظرون لهذا القول: وجب أن يحمل الاستثناء المذكور في هذه الآية على الاستثناء المنقطع حتى لا تلزمنا هذه المحذورات.

المسألة الثانية: لفظ الإذاقة والذوق يفيد أقل ما يوجد به الطعم، فكان المراد أن الإنسان بوجدان أقل القليل من الخيرات العاجلة يقع في التمرد والطغيان، وبإدراك أقل القليل من المحنة والبلية يقع في اليأس والقنوط والكفران فالدنيا في نفسها قليلة، والحاصل منها للإنسان الواحد قليل، والإذاقة من ذلك المقدار خير قليل ثم إنه في سرعة الزوال يشبه أحلام النائمين وخيالات الموسوسين، فهذه الإذاقة من قليل، ومع ذلك فإن الإنسان لا طاقة له بتحملها ولا صبر له على الإتيان بالطريق الحسن معها.

وأما النعماء فقال الواحدي: إنها إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة يظهر أثرها على صاحبها، لأنها خرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حمراء وعوراء، وهذا هو الفرق بين النعمة والنعماء، والمضرة والضراء.

المسألة الثالثة: اعلم أن أحوال الدنيا غير باقية، بل هي أبداً في التغير والزوال، والتحول والانتقال، إلا أن الضابط فيه أنه إما أن يتحول من النعمة إلى المحنة، ومن اللذات إلى الآفات وإما أن يكون بالعكس من ذلك، وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب، ومن المحرمات إلى الطيبات.

أما القسم الأول: فهو المراد من قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾ وحاصل الكلام أنه تعالى حكم على هذا الإنسان بأنه يؤس كفور.

وتقريره أن يقال: أنه حال زوال تلك النعمة يصير يؤساً، وذلك لأن الكافر يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي، ثم إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس.

وأما المسلم الذي يعتقد أن تلك النعمة إنما حصلت من الله تعالى وفضله وإحسانه وطوله فإنه لا يحصل له اليأس، بل يقول لعله تعالى يردها إلى بعد ذلك أكمل وأحسن وأفضل مما كانت، وأما حال كون تلك النعمة حاصلة فإنه يكون كفوراً لأنه لما اعتقد أن حصولها إنما كان على سبيل الاتفاق أو بسبب أن الإنسان حصلها بسبب جده وجهده، فحينئذ لا يشتغل بشكر الله تعالى على تلك النعمة.

فالحاصل أن الكافر يكون عند زوال تلك النعمة يؤوساً وعند حصولها يكون كفوراً.

وأما القسم الثاني: وهو أن ينتقل الإنسان من المكروه إلى المحبوب، ومن المحنة إلى النعمة، فهاهنا الكافر يكون فرحاً فخوراً.

أما قوة الفرح فلأن منتهى طمع الكافر هو الفوز بهذه السعادات الدنيوية وهو منكر للسعادات الأخروية الروحانية، فإذا وجد الدنيا فكأنه قد فاز بغاية السعادات فلا جرم يعظم فرحه بها، وأما كونه فخوراً فلأنه لما كان الفوز بسائر المطلوب نهاية السعادة لا جرم يفتخر به، فحاصل الكلام أنه تعالى بين أن الكافر عند البلاء لا يكون من الصابرين، وعند الفوز بالنعماء لا يكون من الشاكرين.

ثم لما قرر ذلك قال: ﴿ إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ والمراد منه ضد ما تقدم فقوله: ﴿ إِلاَّ الذين صَبَرُواْ ﴾ المراد منه أن يكون عند البلاء من الصابرين، وقوله: ﴿ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ المراد منه أن يكون عند الراحة والخير من الشاكرين.

ثم بين حالهم فقال: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ فجمع لهم بين هذين المطلوبين.

أحدهما: زوال العقاب والخلاص منه وهو المراد من قوله: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ ﴾ والثاني: الفوز بالثواب وهو المراد من قوله: ﴿ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ ومن وقف على هذا التفصيل الذي ذكرناه علم أن هذا الكتاب الكريم كما أنه معجز بحسب ألفاظه فهو أيضاً معجز بحسب معانيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الإنسان ﴾ للجنس ﴿ رَحْمَةً ﴾ نعمة من صحة وأمن وجدة ﴿ ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ ﴾ ثم سلبنا تلك النعمة ﴿ إنه ليؤوس ﴾ شديد اليأس من أن تعود إليه مثل تلك النعمة المسلوبة.

قاطع رجاءه من سعة فضل الله من غير صبر ولا تسليم لقضائه ولا استرجاع ﴿ كَفُورٌ ﴾ عظيم الكفران لما سلف له من التقلب في نعمة الله نَسَّاءٌ له ﴿ ذَهَبَ السيئات عَنّي ﴾ أي المصائب التي ساءتني ﴿ إِنَّهُ لَفَرِحٌ ﴾ أشر بطر ﴿ فَخُورٌ ﴾ على الناس بما أذاقه الله من نعمائه، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر ﴿ إِلاَّ الذين ﴾ آمنوا، فإنّ عادتهم إن نالتهم رحمة أن يشكروا، وإن زالت عنهم نعمة أن يصبروا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ﴾ ولَئِنْ أعْطَيْناهُ نِعْمَةً بِحَيْثُ يَجِدُ لَذَّتَها.

﴿ ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ ﴾ ثُمَّ سَلَبْنا تِلْكَ النِّعْمَةَ مِنهُ.

﴿ إنَّهُ لَيَئُوسٌ ﴾ قَطُوعٌ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِقِلَّةِ صَبْرِهِ وعَدَمِ ثِقَتِهِ بِهِ.

﴿ كَفُورٌ ﴾ مُبالِغٌ في كُفْرانِ ما سَلَفَ لَهُ مِنَ النِّعْمَةِ.

﴿ وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ ﴾ كَصِحَّةٍ بَعْدَ سَقَمٍ وغِنًى بَعْدَ عَدَمٍ، وفي اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ نُكْتَةٌ لا تَخْفى.

﴿ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي ﴾ أيِ المَصائِبُ الَّتِي ساءَتْنِي.

﴿ إنَّهُ لَفَرِحٌ ﴾ بَطِرٌ بِالنِّعَمِ مُغْتَرٌّ بِها.

﴿ فَخُورٌ ﴾ عَلى النّاسِ مَشْغُولٌ عَنِ الشُّكْرِ والقِيامِ بِحَقِّها، وفي لَفْظِ الإذاقَةِ والمَسِّ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ في الدُّنْيا مِنَ النِّعَمِ والمِحَنِ كالأُنْمُوذَجِ لِما يَجِدُهُ في الآخِرَةِ، وأنَّهُ يَقَعُ في الكُفْرانِ والبَطَرِ بِأدْنى شَيْءٍ لِأنَّ الذَّوْقَ إدْراكُ الطَّعْمِ والمَسَّ مُبْتَدَأُ الوُصُولِ.

﴿ إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ عَلى الضَّرّاءِ إيمانًا بِاللَّهِ تَعالى واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ.

﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ شُكْرًا لِآلائِهِ سابِقِها ولاحِقِها.

﴿ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ لِذُنُوبِهِمْ.

﴿ وَأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ أُقِلُّهُ الجَنَّةُ والِاسْتِثْناءُ مِنَ الإنْسانِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَإذا كانَ مُحَلّى بِاللّامِ أفادَ الِاسْتِغْراقَ ومَن حَمَلَهُ عَلى الكافِرِ لِسَبْقِ ذِكْرِهِمْ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِلاَّ الذين صَبَرُواْ} في المحنة والبلاء {وَعَمِلُواْ الصالحات} وشكروا في النعمة والرخاء {أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} يعني الجنة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الإنْسانِ، وهو مُتَّصِلٌ إنْ كانَتْ ألْ فِيهِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، وهو الَّذِي نَقَلَهُ الطَّبَرَسِيُّ مُخالِفًا لِابْنِ الخازِنِ عَنِ الفَرّاءِ، ومُنْقَطِعٌ إنْ كانَتْ لِلْعَهْدِ إشارَةٌ إلى الإنْسانِ الكافِرِ مُطْلَقًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ مِنهُ كافِرٌ مُعَيَّنٌ وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، وحَدِيثُ الِانْقِطاعِ عَلى الرِّوايَتَيْنِ مُتَّصِلٌ، ونُسِبَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِهِما إلى الزَّجّاجِ والأخْفَشِ، وأيّامّا كانَ فالمُرادُ صَبَرُوا عَلى ما أصابَهم مِنَ الضَّرّاءِ سابِقًا أوْ لاحِقًا إيمانًا بِاللَّهِ تَعالى واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ تَعالى.

﴿ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ شُكْرًا عَلى نِعَمِهِ سُبْحانَهُ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، قالَ المُدَقِّقُ في الكَشْفِ: لِما تَضَمَّنَ اليَأْسُ عَدَمَ الصَّبْرِ، والكُفْرانُ عَدَمَ الشُّكْرِ كانَ المُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ ضِدَّهُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِالصَّبْرِ والشُّكْرِ، فَلَمّا قِيلَ: (إلّا الَّذِينَ) إلَخْ كانَ بِمَنزِلَةِ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وشَكَرُوا وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِ، فَكُنِّيَ بِهِما عَنْهُ فَلِذا فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا، فَإنَّ عادَتَهم إذا أتَتْهم رَحْمَةٌ أنْ يَشْكُرُوا وإذا زالَتْ عَنْهم نِعْمَةٌ أنْ يَصْبِرُوا؛ فَلِذا حَسُنَتِ الكِنايَةُ بِهِ عَنِ الإيمانِ، ثُمَّ عَرَّضَ بِشَيْخِهِ الطِّيبِيِّ بِقَوْلِهِ: وأمّا دَلالَةُ (صَبَرُوا) عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ شُكْرٌ لِأنَّهُ ورَدَ في الأثَرِ: «الإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ ونِصْفٌ شُكْرٌ،» ودَلالَةُ عَمِلُوا عَلى أنَّ الصَّبْرَ إيمانٌ لِأنَّهُما ضَمِيمَتانِ في الأكْثَرِ فَغَيْرُ مُطابِقٍ لِما نَحْنُ فِيهِ إلّا أنْ يُرادَ وجْهٌ آخَرُ كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا المُؤْمِنَ الصّالِحَ الصّابِرَ الشّاكِرَ وهو وجْهٌ، لَكِنَّ القَوْلَ ما قالَتْ حِذامُ لِأنَّ الكِنايَةَ تُفِيدُ ذَلِكَ مَعَ ما فِيها مِنَ الحُسْنِ والمُبالَغَةِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ ﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ عَظِيمَةٌ لِذُنُوبِهِمْ ما كانَتْ ﴿ وأجْرٌ ﴾ ثَوابٌ لِأعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ ﴿ كَبِيرٌ ﴾ وُصِفَ بِذَلِكَ لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ ورَفْعِ التَّكالِيفِ والأمْنِ مِنَ العَذابِ ورِضا اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ في جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ، ووَجْهُ تَعَلُّقِ الآياتِ الثَّلاثِ بِما قَبْلَهُنَّ عَلى ما في البَحْرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ عَذابَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ وكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ العَذابَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ كُفْرِ نَعْماءِ اللَّهِ تَعالى، وما يَتَرَتَّبُ عَلى إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ البَطَرِ والفَخْرِ، قِيلَ: وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الوَجْهَ تَضَمُّنُ الآياتِ تَعْلِيلَ الحَيْقِ ويُبْعِدُهُ تَعْلِيلُهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ قَبْلُ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ الِاشْتِراكُ في الذَّمِّ فَما تَضْمَنُهُ الآياتُ قَبْلَ بَيانِ بَعْضِ هِناتِهِمْ وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ بَيانُ بَعْضٍ آخَرَ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ وجْهَ التَّعَلُّقِ مِن حَيْثُ إنَّ إذاقَةَ النَّعْماءِ ومِساسَ الضَّرّاءِ فَصْلٌ مِن بابِ الِابْتِلاءِ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّفْصِيلِ مِنَ الإجْمالِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ والمَعْنى أنَّ كُلًّا مِن إذاقَةِ النَّعْماءِ ونَزْعِها مَعَ كَوْنِهِ ابْتِلاءً لِلْإنْسانِ أيَشْكُرُ أمْ يَكْفُرُ لا يَهْتَدِي إلى سَنَنِ الصَّوابِ بَلْ يَحِيدُ في كِلْتا الحالَتَيْنِ عَنْهُ إلى مَهاوِي الضَّلالِ فَلا يَظْهَرُ مِنهُ حُسَنُ عَمَلٍ إلّا مِنَ الصّابِرِينَ الصّالِحِينَ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ إنْكارَهُمُ البَعْثَ واسْتِهْزاءَهم بِالعَذابِ بِسَبَبِ بَطَرِهِمْ وفَخْرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما فَعَلُوا ما فَعَلُوا لِأنَّ طَبِيعَةَ الإنْسانِ مَجْبُولَةٌ عَلى ذَلِكَ انْتَهى، ولا يَخْفى ما في الأوَّلِ مِنَ البُعْدِ.

والثّانِي أقْرَبُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* * * (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ الر ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ ﴿ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ﴾ أيْ حَقائِقُهُ وأعْيانُهُ في العالَمِ الكُلِّيِّ فَلا تَتَبَدَّلُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ في العالَمِ الجُزْئِيِّ وجُعِلَتْ مُبَيِّنَةً مُعَيِّنَةً بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴿ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ ﴾ فَلِذا أُحْكِمَتْ ﴿ خَبِيرٍ ﴾ فَلِذا فُصِّلَتْ، وقَدْ يُقالُ: الإشارَةُ إلى آياتِ القُرْآنِ قَدْ أُحْكِمَتْ في قُلُوبِ العارِفِينَ ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ أحْكامُها عَلى أبْدانِ العامِلِينَ، وقِيلَ: ﴿ أُحْكِمَتْ ﴾ بِالكَراماتِ ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بِالبَيِّناتِ ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ أيْ أنْ لا تُشْرِكُوا في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وخَصِّصُوهُ عَزَّ وجَلَّ بِالعِبادَةِ ﴿ إنِّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرُ ﴾ عِقابِ الشِّرْكِ وتَبِعَتِهِ ﴿ وبَشِيرٌ ﴾ بِثَوابِ التَّوْحِيدِ وفائِدَتِهِ وقِيلَ: ﴿ نَذِيرٌ ﴾ بِعَظائِمِ قَهْرِهِ ﴿ وبَشِيرٌ ﴾ بِلَطائِفِ وصْلِهِ ﴿ وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾ اطْلُبُوا مِنهُ سُبْحانَهُ أنْ يَسْتُرَكم عَنِ النَّظَرِ إلى الغَيْرِ حَتّى أفْعالَكم وصِفاتِكم ﴿ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ ﴾ ارْجِعُوا بِالفَناءِ ذاتًا، وقِيلَ: ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾ مِنَ الدَّعاوِي (وتُوبُوا إلَيْهِ) مِنَ الخَطِراتِ المَذْمُومَةِ ﴿ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا ﴾ بِتَوْفِيقِكم لِاتِّباعِ الشَّرِيعَةِ حالَ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، ويُقالُ: المَتاعُ الحَسَنُ صَفاءُ الأحْوالِ.

وسَناءُ الأذْكارِ، وحَلاوَةُ الأفْكارِ وتَجَلِّي الحَقائِقِ وظُهُورُ اللَّطائِفِ، والفَرَحُ بِرِضْوانِ اللَّهِ تَعالى وطِيبِ العَيْشِ بِمُشاهَدَةِ أنْوارِهِ سُبْحانَهُ، والمَتاعُ كُلَّ المَتاعِ مُشاهَدَةُ المُحِبِّ حَبِيبَهُ ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ: مُنايَ مِنَ الدُّنْيا لِقاؤُكَ مَرَّةً فَإنْ نِلْتُها اسْتَوْفَيْتُ كُلَّ مُنائِيا ﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو وقْتُ وفاتِكم ﴿ ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ ﴾ بِالسَّعْيِ والِاجْتِهادِ وبَذْلِ النَّفْسِ ﴿ فَضْلَهُ ﴾ في الدَّرَجاتِ والقُرْبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ؛ ويُقالُ: (يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ) في الِاسْتِعْدادِ ﴿ فَضْلَهُ ﴾ في الكَمالِ وسُئِلَ أبُو عُثْمانَ عَنْ مَعْنى ذَلِكَ فَقالَ: يُحَقِّقُ آمالَ مَن أحْسَنَ بِهِ ظَنَّهُ ﴿ وإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ تُعْرِضُوا عَنِ امْتِثالِ الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ وهو يَوْمُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ عَجْزُ ما سِواهُ تَعالى، ويَتَبَيَّنُ قُبْحُ مُخالَفَةِ ما أمَرَ بِهِ وفَظاعَةَ ارْتِكابِ ما نَهى عَنْهُ ﴿ ألا إنَّهم يَثْنُونَ ﴾ يَعْطِفُونَ صُدُورَهم عَلى ما فِيها مِنَ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ ﴿ لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ﴾ تَعالى وذَلِكَ لِمَزِيدِ جَهْلِهِمْ بِما يَجُوزُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ وما لا يَجُوزُ ﴿ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ وسائِرِ الأحْوالِ، وقِيلَ: ( ما يُسِرُّونَ) مِنَ الخَطِراتِ ﴿ وما يُعْلِنُونَ ﴾ مِنَ النَّظَراتِ، وقِيلَ: ﴿ ما يُسِرُّونَ ﴾ بِقُلُوبِهِمْ ﴿ وما يُعْلِنُونَ ﴾ بِأفْواهِهِمْ، وقِيلَ: ﴿ ما يُسِرُّونَ ﴾ بِاللَّيْلِ (وما يُعْلِنُونَ) بِالنَّهارِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى، ومِن النّاسِ مِن جَعْلِ ضَمِيرٌ مِنهُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ يُبْعِدُهُ ظُهُورَ أنَّ ضَمِيرَ (يَعْلَمُ) لَهُ تَعالى لَكِنَّ ذْكِرَ في أسْرارِ القُرْآنِ أنَّهُ تَعالى كَسا أنْوارَ جَلالِهِ أفْئِدَةَ الصِّدِّيقِينَ فَيَرَوْنَ بِأبْصارِ قُلُوبِهِمْ ما يَجْرِي في صُدُورِ الخَلائِقِ مِنَ المُضْمِراتِ والخَطِراتِ كَما يَرَوْنَ الظَّواهِرَ بِالعُيُونِ الظّاهِرَةِ، وقَدْ جاءَ ”اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى“، وعَلى هَذا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (يَعْلَمُ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأيّامّا كانَ فالآيَةُ نازِلَةٌ في غَيْرِ المُؤْمِنِينَ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ أنَّ الأمْرَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُشْكِلٌ.

وقالَ بَعْضُ أرْبابِ الذَّوْقِ: إنَّ الآيَةَ عَلَيْهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أُولَئِكَ الأُناسَ لَمْ يَصِلُوا إلى مَقامِ الجَمْعِ ولَمْ يَتَحَقَّقُوا بِأعْلى مَراتِبِ التَّوْحِيدِ، وفِيهِ خَفاءٌ أيْضًا فَتَفَطَّنْ ﴿ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ﴾ أيْ ما تَتَغَذّى بِهِ شَبَحًا ورُوحًا، ويُقالُ: لِكُلٍّ رِزْقٌ عَلَيْهِ تَعالى بِقَدْرِ حَوْصَلَتِهِ، فَرِزْقُ الظّاهِرِ لِلْأشْباحِ، ورِزْقُ المُشاهَدَةِ لِلْأرْواحِ، ورِزْقُ الوَصْلَةِ لِلْأسْرارِ؛ ورِزْقُ الرَّهْبَةِ لِلنُّفُوسِ، ورِزْقُ الرَّغْبَةِ لِلْعُقُولِ، ورِزْقُ القُرْبَةِ لِلْقُلُوبِ، وهَذا بِالنَّظَرِ إلى الإنْسانِ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى سائِرِ الحَيَواناتِ فَلَها أيْضًا رِزْقٌ مَحْسُوسٌ ورِزْقٌ مَعْقُولٌ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى ﴿ ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها ﴾ فَمُسْتَقَرُّ الجَمِيعِ أصْلابُ العَدَمِ ومُسْتَوْدَعُها أرْحامُ الحُدُوثِ ﴿ وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ وما في كُلٍّ ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ ﴾ أيْ كانَ حَيًّا قَيُّومًا -كَما قالَ ابْنُ الكَمالِ.

وقِيلَ: الماءُ إشارَةٌ إلى المادَّةِ الهَيُولانِيَّةِ، والمَعْنى ﴿ وكانَ عَرْشُهُ ﴾ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِالذّاتِ لا بِالزَّمانِ مْسُتَعْلِيًا عَلى المادَّةِ فَوْقَها بِالرُّتْبَةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وإنْ شِئْتَ التَّطْبِيقَ عَلى ما في تَفاصِيلِ وُجُودِكَ فالمَعْنى عَلى ما قِيلَ: خَلَقَ سَماواتِ قُوى الرُّوحانِيَّةِ وأرْضَ الجَسَدِ في الأشْهُرِ السِّتَّةِ الَّتِي هي أقَلُّ مُدَّةَ الحَمْلِ، وكانَ عَرْشُهُ الَّذِي هو قَلْبُ المُؤْمِنِ عَلى ماءِ مادَّةِ الجَسَدِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ مُتَعَلِّقًا بِهِ تَعَلُّقَ التَّصْوِيرِ والتَّدْبِيرِ ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ قِيلَ: جَعَلَ غايَةَ الخَلْقِ ظُهُورَ الأعْمالِ أيْ خَلَقْنا ذَلِكَ لِنَعْلَمَ العِلْمَ التَّفْصِيلِيَّ التّابِعَ لِلْوُجُودِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ ﴿ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ ﴿ ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ﴾ إلَخْ..

تَضْمَنُ الإشارَةُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَكُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ واثِقًا بِرَبِّهِ تَعالى مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ غَيْرَ مُحْتَجِبٍ عَنْهُ بِرُؤْيَةِ الأسْبابِ؛ لِئَلّا يَحْصُلَ لَهُ اليَأْسُ والكُفْرانُ والبَطَرُ والفَخْرُ بِذَلِكَ وُجُودًا وعَدَمًا، فَإنْ آتاهُ رَحْمَةً شَكَرَهُ أوَّلًا بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَلْبِهِ.

وثانِيًا بِاسْتِعْمالِ جَوارِحِهِ في مَراضِيهِ وطاعاتِهِ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ تَعالى فِيها، وثالِثًا بِإطْلاقِ لِسانِهِ بِالحَمْدِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى وبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الشُّكْرُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ ﴾ وإلى ذَلِكَ أشارَ مَن قالَ: أفادَتْكُمُ النَّعْماءُ مِنِّي ثَلاثَةً ∗∗∗ يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرَ المُحْجَبا وبِالشُّكْرِ تَزْدادُ النِّعَمُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ ﴾ وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إذا وصَلَتْ إلَيْكم أطْرافُ النِّعَمِ فَلا تَنْفِرُوا أقْصاها بِقِلَّةِ الشُّكْرِ، ثُمَّ إنْ نَزَعَها مِنهُ فَلْيَصْبِرْ ولا يَتَّهِمِ اللَّهَ تَعالى بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ تَعالى أبَرُّ بِالعَبْدِ وأرْحَمُ وأخْبَرُ بِمَصْلَحَتِهِ وأعْلَمُ، ثُمَّ إذا أعادَها عَلَيْهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَبْطَرَ ويَغْتَرَّ ويَفْتَخِرَ بِها عَلى النّاسِ فَإنَّ الِاغْتِرارَ والِافْتِخارَ بِما لا يَمْلِكُهُ مِنَ الجَهْلِ بِمَكانٍ، وقَدْ أفادَ سُبْحانَهُ أنَّ مِن سَجايا الإنْسانِ في الشِّدَّةِ بَعْدَ الرَّحْمَةِ اليَأْسَ والكُفْرانَ وبِالنَّعْماءِ بَعْدَ الضَّرّاءِ الفَرَحَ والفَخْرَ ﴿ إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ مَعَ اللَّهِ تَعالى في حالَتَيِ النَّعْماءِ والضَّرّاءِ والشِّدَّةِ والرَّخاءِ، فالفَقْرُ والغِنى مَثَلًا عِنْدَهم مَطِيَّتانِ لا يُبالُونَ أيُّهُما امْتَطَوْا ﴿ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ ما فِيهِ صَلاحُهم في كُلِّ أحْوالِهِمْ ﴿ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ مِن ذُنُوبِ ظُهُورِ النَّفْسِ بِاليَأْسِ والكُفْرانِ والفَرَحِ والفَخْرِ ﴿ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ مِن ثَوابِ تَجَلِّياتِ الأفْعالِ والصِّفاتِ وجَنانِهِما، واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ يعني: سنين معلومة، يعني: إلى الوقت الذي جعل أجلهم.

وقال القتبي: يعني: إلى حين توفته وفي قوله: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: 45] إنما هو سبع سنين لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ يعني: العذاب، على وجه الاستهزاء، أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ يعني: العذاب لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ يعني: ليس أحد يصرف العذاب عنهم، إذا نزل بهم في الدنيا وفي الآخرة.

وَحاقَ بِهِمْ يعني: نزل بهم مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ إنه غير نازل بهم.

قوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ يعني: أصبنا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً، يعني: نعمة وخيراً وعافية ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ يعني: آيس من رحمة الله، كفور بنعم الله تعالى.

ثم قال: وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ يعني: أعطيناه خيراً وعافية وسعة في الرزق بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ يعني: أصابته لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي يعني: فلا يشكر الله تعالى.

ذكر في الابتداء لَيَقُولَنَّ بنصب اللام بلفظ الواحد، لتقديم الفعل على الاسم، وفي الثاني: بضم اللام لأنه فعل جماعة ولم يذكر الاسم، وفي الثالث: ذكر بنصب اللام لأنه فعل الواحد.

ويقول: ذهب السيئات عني إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ يعني: بطراً فرحاً بما أعطاه الله تعالى، وهو الطغيان في النعمة، فَخُورٌ في نعم الله تعالى، ومتكبر على الناس.

ثم استثنى، فقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، وهم المؤمنون الذين صبروا على الطاعات والشدائد ليسوا كذلك، وليسوا من أهل هذه الصفة، إذا ابتلوا صبروا وإذا أعطوا شكروا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بينهم وبين ربهم أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم في الدنيا وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يعني: ثواباً عظيماً في الجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ، أي: المتوعَّد به إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ، أي مدَّةٍ معدودة لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ، أي: ما هذا الحابسُ لهذا العذاب على جهة التكذيب، وَحاقَ:

معناه: حَلَّ وأحاط.

البخاريّ: حاق: نزل.

وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣)

وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ...

الآية: «الرحمة» هنا: تَعمُّ جميع ما ينتفُعُ به مِنْ مطعوم وملبوس وجاه وغير ذلك، والْإِنْسانَ هنا اسمُ جنْسٍ، والمعنَى: إِن هذا الخُلُقَ في سجيَّة الإِنسان، ثم استثنى منهم الذين ردَّتهم الشرائعُ والإِيمانُ/ إِلى الصبْرِ والعملِ الصالحِ، وكَفُورٌ هنا: مِنْ كُفْر النعمة، وال نَعْماءَ: تَشْمَلُ الصحَّة والمَال، وال ضَرَّاءَ: من الضُّرِّ، وهو أيضاً شاملٌ ولفظة ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي: يقتضي بطَراً وجهلاً أَنَّ ذلك بإِنعامٍ من اللَّه تعالى، والسَّيِّئاتُ هنا: كلّ ما يسوء في الدنيا، والفرح هنا: مطلق فلذلك ذُمَّ، إِذ الفرحُ انهمال النفْسِ، ولا يأتي الفرحُ في القرآن ممدوحاً إِلا إِذا قيد بأنه في خَيْرٍ.

وقوله: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا: استثناء متصلٌ على ما قدَّمنا مِنْ أَنَّ الإِنسان عامٌ يراد به الجنْسُ وهو الصواب، ومَنْ قال: إِنه مخصوصٌ بالكافر قال: هاهنا الاستثناء منقطعٌ، وهو قول ضعيفٌ من جهة المعنَى، لا من جهة اللفظ لأن صفة الكُفْر لا تطلق على جميعِ الناسِ كما تقتضي لفظةُ الإِنسان واستثنى اللَّه تعالى من الماشِينَ على سجيَّة الإِنسان هؤلاءِ الذين حملَتْهم الأديان على الصبْرِ على المكارِهِ، والمثابرةِ على عبادةِ اللَّهِ، وليس شَيْءٌ من ذلك في سجيَّة البَشَر، وإِنما حمل على ذلك خَوْفُ اللَّه وحبُّ الدَّارِ الآخرة، والصبْرُ على العملِ الصالحِ لا يَنْفَعُ إِلاَّ مع هداية وإِيمانٍ، ثم وعد تعالَى أهْلَ هذه الصفة بالمَغْفِرةِ للذُّنُوبِ والتفضُّلِ بالأجرِ والنَّعِيمِ.

وقوله سبحانه: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ: سَببُ هذه الآية: أَنَّ كفَّار قريش قالوا: يا محمَّد، لو تركْتَ سبَّ آلهتنا، وتسفيه آبائنا، لَجَالَسْناك واتبعناك، وقالوا له: ائت بِقُرآن غيرِ هذا أو بدِّله، ونحو هذا من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الإنْسانِ، لِأنَّهُ في مَعْنى النّاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ .

وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنِ الَّذِينَ صَبَرُوا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوَصْفُ الأوَّلُ لِلْكافِرِ، والَّذِينَ صَبَرُوا أصْحابُ مُحَمَّدٍ  .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ "أذَقْنا" هاهُنا مُسْتَعارَةٌ، لِأنَّ "الرَحْمَةَ" هاهُنا تَعُمُّ جَمِيعَ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِن مَطْعُومٍ ومَلْبُوسٍ وجاهٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

و"الإنْسانُ" هاهُنا اسْمُ الجِنْسِ، والمَعْنى: إنَّ هَذا الخَلْقَ في سَجِيَّةِ الناسِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمُ الَّذِينَ رَدَّتْهُمُ الشَرائِعُ والإيمانُ إلى الصَبْرِ والعَمَلِ الصالِحِ.

و"لَيَؤُوسٌ" و"كَفُورٌ" بِناءانِ لِلْمُبالِغَةِ، و"كَفُورٌ" هاهُنا مِن كُفْرِ النِعْمَةِ، والمَعْنى: إنَّهُ يَيْأسُ ويَتَحَرَّجُ ويَتَسَخَّطُ، ولَوْ نَظَرَ إلى نِعْمَةِ اللهِ الباقِيَةِ عَلَيْهِ في عَقْلِهِ وحَواسِّهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَمْ يَكْفُرْها، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، فَإنِ اتَّفَقَ هَذا أنْ يَكُونَ في كافِرٍ أيْضًا بِالشَرْعِ صَحَّ ذَلِكَ ولَكِنْ لَيْسَ مِن لَفْظِ الآيَةِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ: "الإنْسانُ" إنَّما يُرادُ بِهِ الكافِرُ، وحَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ لَفْظَةُ "كَفُورٍ"، وهَذا عِنْدِي مَرْدُودٌ، لِأنَّ صِفَةَ الكُفْرِ لا تُطْلَقُ عَلى جَمِيعِ الناسِ كَما تَقْتَضِي لَفْظَةُ الإنْسانِ.

والنَعْماءُ: تَشْمَلُ الصِحَّةَ والمالَ ونَحْوَ ذَلِكَ والضَرّاءُ مِنَ الضُرِّ، وهو أيْضًا شامِلٌ.

وقَدْ يَكْثُرُ اسْتِعْمالُ الضَرّاءِ فِيما يَخُصُّ البَدَنَ.

ولَفْظُ ﴿ ذَهَبَ السَيِّئاتُ عَنِّي ﴾ تَقْتَضِي بَطَرًا وجَهْلًا أنَّ ذَلِكَ بِإنْعامٍ مِنَ اللهِ تَعالى، واعْتِقادَ أنَّ ذَلِكَ بِاتِّفاقٍ أو بِعَقْدٍ مِنَ الِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةِ، وإلّا فَلَوْ قالَها مَن يَعْتَقِدُ أنَّ ذَهابَها بِإنْعامٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ.

و"السَيِّئاتُ" هاهُنا: كُلُّ ما يَسُوءُ في الدُنْيا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَفَرِحٌ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَفَرُحٌ" بِضَمِّها، وهَذا الفَرَحُ مُطْلَقٌ، ولِذَلِكَ ذُمَّ، إذِ الفَرَحُ انْهِمالُ النَفْسِ، ولا يَأْتِي الفَرَحُ في القُرْآنِ مَمْدُوحًا إلّا إذا قُيِّدَ بِأنَّهُ في خَيْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ الآيَةُ، هَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ "الإنْسانَ" عامٌّ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ومَن قالَ "إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ" قالَ هاهُنا: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا مِن جِهَةِ اللَفْظِ فَجَيِّدٌ، وكَذَلِكَ قالَهُ مِنَ النُحاةِ قَوْمٌ، واسْتَثْنى اللهُ مِنَ الماشِينَ عَلى سَجِيَّةِ الإنْسانِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَمَلَتْهُمُ الأدْيانُ عَلى الصَبْرِ عَلى المَكارِهِ ومُثابَرَةِ عِبادَةِ اللهِ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في سَجِيَّةِ البَشَرِ، وإنَّما حَمَلَ عَلى ذَلِكَ حُبُّ اللهِ وخَوْفُ الدارِ الآخِرَةِ والصَبْرُ والعَمَلُ الصالِحُ لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ هِدايَةٍ وإيمانٍ، ثُمَّ وعَدَ تَبارَكَ وتَعالى أهْلَ هَذِهِ الصِفَةِ -تَحْرِيضًا عَلَيْها وحَضًّا- بِالمَغْفِرَةِ لِلذُّنُوبِ والتَفَضُّلِ بِالأجْرِ والنَعِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

احتراس باستثناء من (الإنسان).

والمراد بالّذين صبروا المؤمنون بالله لأنّ الصبر من مقارنات الإيمان فَكنيَ بالذين صبروا عن المؤمنين فإنّ الإيمان يَرُوضُ صاحبَه على مفارقة الهوى ونبذ معتاد الضلالة.

قال تعالى: ﴿ إلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصّالحَات وَتَوَاصَوْا بالْحَقّ وَتَوَاصَوْا بالصّبْر ﴾ [العصر: 3].

ومنْ معاني الصبر انتظار الفرج ولذلك أوثرَ هنا وصفُ (صبروا) دون (آمنوا) لأنّ المرادَ مقابلة حالهم بحال الكفّار في قوله: ﴿ إنّه ليؤوس كفور ﴾ [هود: 9].

ودل الاستثناء على أنّهم متّصفون بضد صفات المستثنى منهم.

وفي هذا تحذير من الوقوع فيما يماثل صفات الكافرين على اختلاف مقادير.

وقد نسجت الآية على هذا المنوال من الإجمال لتذهب نفوس السامعين من المؤمنين في طرق الحذر من صفتي اليأس وكفران النعمة، ومن صفتي الفرح والفخر كل مذهب ممكن.

وجملة ﴿ أولئك لهم مغفرة وأجْرٌ كبير ﴾ مستأنفة ابتدائية.

والإتيان باسم الإشارة عقب وصفهم بما دل عليه الاستثناء وبالصبر وعمل الصالحات تنبيهٌ على أنّهم استحقوا ما يذكر بعد اسم الإشارة لأجْل ما ذكر قبله من الأوصاف كقوله: ﴿ أولَئكَ عَلَى هُدىً منْ رَبهمْ وأولئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُون ﴾ [البقرة: 5].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ وأبُو صالِحٍ وقَتادَةُ والسِّرِّيُّ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبِ طاعَتِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ قَوْلًا رابِعًا: أنَّ البَيِّنَةَ هي الإشْرافُ عَلى القُلُوبِ والحِكْمَةُ عَلى الغُيُوبِ.

﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لِسانُهُ يَشْهَدُ لَهُ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَلا تَحْسِبَنِي كافِرًا لَكَ نِعْمَةً عَلى شاهِدِي يا شاهِدَ اللَّهِ فاشْهَدْ الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَوى المِنهالُ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ، قِيلَ لَهُ: فَما نَزَلَ فِيكَ؟

قالَ ﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ الخامِسُ: أنَّهُ مَلِكٌ يَحْفَظُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا سادِسًا: ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ بِمَعْرِفَةِ حُجَجِهِ ودَلائِلِهِ وهو عَقْلُهُ ووَحْدَتُهُ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو التَّوْراةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ومِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ كِتابُ مُوسى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ إمامًا ورَحْمَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما يَعْنِي مُتَقَدِّمًا عَلَيْنا ورَحْمَةً لَهم.

الثّانِي: إمامًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِاقْتِدائِهِمْ بِما فِيهِ ورَحْمَةً لَهم.

﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يَعْنِي مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ.

﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الأدْيانِ كُلِّها لِأنَّهم يَتَحَزَّبُونَ: قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هُمُ المُتَحَزِّبُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  المُجْتَمِعُونَ عَلى مُحارَبَتِهِ.

وَفي المُرادِ بِهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قُرَيْشٌ، قالَ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أهْلُ المِلَلِ كُلِّها.

﴿ فالنّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ أيْ أنَّها مَصِيرُهُ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: أوْرَدْتُمُوها حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً ∗∗∗ فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في مِرْيَةٍ مِنَ القُرْآنِ قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: في مِرْيَةٍ مِن أنَّ النّارَ مَوْعِدُ الكُفّارِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ المُكَلَّفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: لما نزل ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ [ الأنبياء: 1] قال ناس: إن الساعة قد اقتربت فتناهوا، فتناهى القوم قليلاً ثم عادوا إلى أعمالهم أعمال السوء، فأنزل الله: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ [ النحل: 1] فقال أناس: أهل الضلالة هذا أمر الله قد أتى، فتناهى القوم ثم عادوا إلى مكرهم مكر السوء، فأنزل الله هذه الآية ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر إلى أمة معدودة قال: إلى أجل معدود.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ليقولن ما يحبسه ﴾ قال: للتكذيب به وأنه ليس بشيء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ﴾ يقول: وقع العذاب الذي استهزأوا به.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولئن أذقنا الإِنسان منا رحمة...

﴾ الآية.

قال: يا ابن آدم إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافية فكفور لما بك منها، وإذا نزعت منك يبتغي لك فراغك فيؤوس من روح الله قنوط من رحمته، كذلك أمر المنافق والكافر.

وفي قوله: ﴿ ولئن أذقناه نعماء ﴾ إلى قوله: ﴿ ذهب السيئات عني ﴾ قال: غره بالله وجرأه عليه أنه لفرح والله لا يحب الفرحين، فخور لما أعطى لا يشكر الله، ثم استثنى فقال: ﴿ إلا الذين صبروا ﴾ يقول: عند البلاء ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ عند النعمة ﴿ أولئك لهم مغفرة ﴾ لذنوبهم ﴿ وأجر كبير ﴾ قال: الجنة ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ إن تفعل فيه ما أمرت وتدعو إليه كما أرسلت ﴿ أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز ﴾ لا ترى معه مالاً ﴿ أو جاء معه ملك ﴾ ينذر معه ﴿ إنما أنت نذير ﴾ فبلغ ما أمرت به فإنما أنت رسول ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ قد قالوه ﴿ فأتوا بعشر سور مثله ﴾ مثل القرآن ﴿ وادعوا شهداءكم ﴾ يشهدوا إنها مثله.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ قال لأصحاب محمد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُو ﴾ يعني (١)  ، والمؤمنين، مدحهم بالصبر على الشدة والمكاره، وهذا استثناء منقطع، وليس من الأول، ومعناه: لكن الذين صبروا، وهذا قول الأخفش (٢) (٣) وقال الفراء (٤) ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ ﴾ ؛ لأنه (٥) ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ .

قال أبو بكر: هذا ضعيف؛ لأنه يوجب أن تحت "الإنسان" مؤمنين وكافرين، وقد بين الله اختصاص الكفر معه بقوله: {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ}، فإن ذهب ذاهب إلى أن المراد به كفر النعمة كان اتصال الاستثناء محتملا على ضعفه، وأهل العلم بالقرآن على الأول.

وقوله تعالى: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ ، أي: في الشدة والنعمة.

(١) "زاد المسير" 4/ 81.

ابن أبي حاتم 6/ 2008 عن زيد بن أسلم.

(٢) "معاني القرآن" 2/ 575.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 41.

(٤) "معاني القرآن" 2/ 4.

(٥) في (ي): (الآية).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ﴾ الآية: ذم لمن يقنط عند الشدائد، ولمن يفتخر ويتكبر عند النعم، والرحمة هنا والنعماء يراد بهما الخيرات الدنيوية، والإنسان عام يراد به الجنس والاستثناء على هذا متصل، وقيل: المراد بالإنسان الكافر فالاستثناء منقطع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.

وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.

﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.

﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".

﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.

والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.

ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.

أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.

﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.

أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.

ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.

و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.

وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.

احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.

وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي  قل لهم لا تعبدوا.

وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي  يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب  ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.

ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.

ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.

وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.

وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.

وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.

ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله  : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي  : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟

وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.

والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.

الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.

وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله  .

وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.

ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً  ﴾ .

ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.

وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.

وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.

اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.

ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.

قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.

ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.

قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.

وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.

وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله  وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.

ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه  عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.

ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.

والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.

وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.

وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.

واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.

ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.

ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.

وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ يروى أن موسى  عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله  أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.

ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.

وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.

وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه  .

وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.

وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.

وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.

أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.

والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.

قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.

وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.

قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.

ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.

والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.

وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي  : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.

وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.

فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.

وقال في الكشاف.

أي جماعة من الأوقات.

والعذاب عذاب الآخرة.

وقيل: عذاب يوم بدر.

عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.

ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.

واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.

ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.

وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.

ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.

واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.

وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.

وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.

وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.

أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.

والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.

واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.

قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.

والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله  نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.

وقال الحسن: طلبوا منه  أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية  ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان  بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.

وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه  كان أفسح الناس صدراً.

ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.

ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.

وقد مر مثله في سورة يونس.

عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.

واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.

فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.

تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ﴾ الآية.

وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله  والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله  ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.

ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد  وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.

وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.

ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.

عن أنس أنهم اليهود والنصارى.

وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان  يسهم لهم فيها.

وقال الأصم: هم منكرو البعث.

وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.

وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟

فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.

فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.

وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟

فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.

ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله  : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.

قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله  ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟

نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.

ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟

الثاني ما المراد بالبينة؟

الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟

الرابع الشاهد من هو؟

وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.

بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.

والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.

ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.

وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.

وقيل: أفمن كان محمد  ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب  ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي  هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.

وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد  أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد  وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .

ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.

أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.

ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.

والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.

قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.

وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.

وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.

قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.

وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".

﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه  قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.

﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.

جمع  بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه  لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.

﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.

ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله  حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه  منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون  ﴾ .

وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.

والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.

ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.

واعلم أنه  وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.

الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.

الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.

الخامسة الصد عن سبيل الله.

السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.

الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .

التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .

العاشرة مضاعفة العذاب لهم.

الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".

الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".

الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.

وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.

قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.

وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.

ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.

ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.

وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله  وتوفيقه.

التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.

يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا  ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.

﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.

والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.

﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.

﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.

فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.

﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.

﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.

﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ﴾ قيل: سعة في المال ونعمة.

﴿ ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ ﴾ إياسه ذهاب ذلك المال عنه ونزعه منه عن العود ذلك إليه ويقنطه، والإياس قد يكون كفرا؛ كقوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ ﴾ في حال ذهاب النعمة، والكَفُور في حال النعمة والسعة، كفور لما رأى نزع ذلك المال والسعة منه جورا وظلماً فهو كفور.

وعن ابن عباس قال: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ ﴾ يعني الكافر، ﴿ مِنَّا رَحْمَةً ﴾ يقول: نعمة العافية وسعة في المال وما يسر به، ﴿ ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ ﴾ يعني الرحمة ﴿ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ ﴾ يعني قنوط آيس وأقنطه من رحمة الله؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ  ﴾ .

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾ : الفرح هو الرضا؛ كقوله: ﴿ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا  ﴾ أي: رضوا بها.

وقيل الفرح: البطر يبطر في حال السعة والرخاء؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ  ﴾ ، والفرح قد يبلغ كفرا، ويكون الفرح سرورا ولا يكون كفرا.

فخور: يفتخر على الفقراء بالمال الذي أعطي، أو يفتخر على الأنبياء والرسل بالتكذيب، وكذلك كان عادة رؤسائهم أنهم كانوا ذوي مال وسعة، فلا بد يرون الرسالة تكون فيمن دونهم في المال والسعة؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ؛ وكقولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً  ﴾ ونحوه.

ويحتمل قوله: ﴿ لَيَئُوسٌ ﴾ في حال الشدة، كفور لله في نعمه [في الرخاء وأصل ذلك] أنهم كانوا لا ينظرون في النعم إلى من أنعم عليهم، إنما ينظرون إلى أعين النعم وأنفسها؛ لذلك حملهم نزع ما أعطوا منهم على الإياس والقنوط، وإعطاؤها إياهم على الكفران والفرح والفخر، ولو نظروا في تلك النعم إلى المنعم لم يقع لهم إياس عند النزع، ولا الكفران والفرح عند النيل، بل يصبرون عند النزع من أيديهم ويشكرون للمنعم عليهم في حال النيل.

ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: [إلا الذين صبروا على البلايا والشدائد وعملوا الصالحات يعني: الطاعات ويشبه أن يكون قوله:] ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ أي: آمنوا على ما ذكر في غير واحد من الآيات: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَٱلْعَصْرِ  إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ  إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ عن المعاصي فلم يرتكبوها، ﴿ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: الطاعات والإيمان نفسه هو اعتقاد الانتهاء عن المعاصي كلها، والاتقاء عن جميع ما يدخل نقصاً فيها وإتيان الطاعات جميعاً، وهكذا يعتقد كل مؤمن أن [يتقي وينتهي] كل معصية، ويأتي بكل طاعة ويعمل بها، هذا اعتقاد كل مؤمن وحقيقة الوفاء بذلك كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ : يشبه أن يكون قوله: ﴿ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ لما ارتكبوا على الصغائر من الذنوب، وانتهوا عن الكبائر منها، ﴿ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ على ما أتوا وعملوا من الكبائر من الطاعات.

ويحتمل قوله ﴿ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ الستر في الدنيا ستر عليهم تلك الذنوب في الدنيا فلم يطلع عليها الخلق ﴿ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ بما أظهر منهم ما كان من الطاعات والخيرات حتى نظر الناس إليهم بعين تعظيم بما ظهر منهم من الخيرات وخفي عليهم ما ارتكبوا من المعاصي.

هذا التأويل يكون في الدنيا، والأول في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إلا الذين صبروا على المكاره والطاعات وعن المعاصي، وعملوا الأعمال الصالحات، فلهم حال آخر، حيث لا يصيبهم يأس، ولا كفر بنعم الله، ولا تطاول على الناس، أولئك المتصفون بهذه الصفات لهم مغفرة من ربهم لذنوبهم، ولهم جزاء كبير في الآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.gPJyE"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.7 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله