الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١١١ من سورة هود
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 102 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١١ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فقال : ( وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير ) أي : عليم بأعمالهم جميعها ، جليلها وحقيرها ، صغيرها وكبيرها .
وفي هذه الآية قراءات كثيرة ، ويرجع معناها إلى هذا الذي ذكرناه ، كما في قوله تعالى : ( وإن كل لما جميع لدينا محضرون ) [ يس : 32 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) قال أبو جعفر : اختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته جماعة من قراء أهل المدينة والكوفة: (وَإنَّ) مشددة (كُلا لَمَّا) مشددة.
* * * واختلف أهل العربية في معنى ذلك: فقال بعض نحويي الكوفيين: معناه إذا قرئ كذلك : وإنّ كلا لممَّا ليوفينهم ربك أعمالهم ، ولكن لما اجتمعت الميمات حذفت واحدة ، فبقيت ثنتان، فأدغمت واحدة في الأخرى، كما قال الشاعر: (5) وَإِنِّـي لَمِمَّـا أُصْـدِرُ الأَمْـرَ وَجْهَـهُ إِذَا هُــوَ أَعْيـى بالسَّـبِيلِ مَصَـادِرُهُ (6) ثم تخفف، كما قرأ بعض القراء: وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ ، [سورة النحل: 90] ، تخفُّ الياء مع الياء.
(7) وذكر أن الكسائي أنشده: (8) وَأشْــمَتَّ العُــدَاةَ بِنَــا فَـأضْحَوْا لــدَيْ يَتَبَاشَــرُونَ بِمَــا لَقِينَــا (9) وقال: يريد " لديَّ يتباشرون بما لقينا "، فحذف ياء، لحركتهن واجتماعهن ، قال: ومثله: (10) كـــأنَّ مِــنْ آخِرِهــا الْقــادِمِ مَخْــرِمُ نَجْــدٍ فــارعِ المَخَـارِمِ (11) وقال: أراد : إلى القادم، فحذف اللام عند اللام.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك إذا قرئ كذلك: وإن كلا شديدًا وحقًّا ، ليوفينهم ربك أعمالهم.
قال: وإنما يراد إذا قرئ ذلك كذلك: (وإنّ كلا لمَّا) بالتشديد والتنوين، (12) ولكن قارئ ذلك كذلك حذف منه التنوين، فأخرجه على لفظ فعل " لمَّا " ، كما فعل ذلك في قوله: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ، [سورة المؤمنون: 44] ، فقرأ " تترى " ، بعضهم بالتنوين، كما قرأ من قرأ: " لمَّا " بالتنوين، وقرأ آخرون بغير تنوين، كما قرأ (لمَّا) بغير تنوين من قرأه.
وقالوا: أصله من " اللَّمِّ" من قول الله تعالى: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا ، يعني : أكلا شديدًا.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك إذا قرئ كذلك: وإنّ كلا إلا ليوفينهم، كما يقول القائل: " بالله لمَّا قمتَ عنا ، وبالله إلا قمت عنا ".
(13) * * * قال أبو جعفر: ووجدت عامة أهل العلم بالعربية ينكرون هذا القول، ويأبون أن يكون جائزًا توجيه " لمَّا " إلى معنى " إلا " ، في اليمين خاصة .
(14) وقالوا: لو جاز أن يكون ذلك بمعنى إلا جاز أن يقال: " قام القوم لمَّا أخاك " بمعنى: إلا أخاك، ودخولها في كل موضع صلح دخول " إلا " فيه.
قال أبو جعفر: وأنا أرى أنّ ذلك فاسد من وجه هو أبين مما قاله الذين حكينا قولهم من أهل العربية ، في فساده، وهو أنّ " إنّ" إثبات للشيء وتحقيق له، و " إلا "، تحقيق أيضًا، (15) وإنما تدخل نقضًا لجحد قد تقدَّمها.
فإذا كان ذلك معناها، فواجب أن تكون عندَ متأولها التأويلَ الذي ذكرنا عنه، أن تكون " إنّ" بمعنى الجحد عنده، حتى تكون " إلا نقضًا " لها.
وذلك إن قاله قائل، قولٌ لا يخفى جهلُ قائله، اللهم إلا أن يخفف قارئ " إن " فيجعلها بمعنى " إن " التي تكون بمعنى الجحد.
وإن فعل ذلك ، فسدت قراءته ذلك كذلك أيضًا من وجه آخر، وهو أنه يصير حينئذ ناصبًا " لكل " بقوله: ليوفينهم، وليس في العربية أن ينصب ما بعد " إلا " من الفعل ، الاسم الذي قبلها.
لا تقول العرب: " ما زيدًا إلا ضربت "، فيفسد ذلك إذا قرئ كذلك من هذا الوجه ، إلا أن يرفع رافع " الكل "، فيخالف بقراءته ذلك كذلك قراءة القراء وخط مصاحف المسلمين، ولا يخرج بذلك من العيب لخروجه من معروف كلام العرب.
(16) * * * وقد قرأ ذلك بعض قراء الكوفيين: (وَإنْ كُلا) بتخفيف " إن " ونصب (كُلا لمَّا) مشدّدة.
* * * وزعم بعض أهل العربية أن قارئ ذلك كذلك، أراد " إنّ" الثقيلة فخففها، وذكر عن أبي زيد البصري أنه سمع: " كأنْ ثَديَيْه حُقَّان "، فنصب ب " كأن "، والنون مخففة من " كأنّ" ، ومنه قول الشاعر: (17) وَوَجْــــهٌ مُشْـــرِقُ النَّحْـــرِ كَــــأَنْ ثَدْيَيْــــهِ حُقَّــــانِ (18) * * * وقرأ ذلك بعض المدنيين بتخفيف: (إنْ) ونصب (كُلا)، وتخفيف (لَمَا).
* * * وقد يحتمل أن يكون قارئ ذلك كذلك، قصدَ المعنى الذي حكيناه عن قارئ الكوفة من تخفيفه نون " إن " وهو يريد تشديدها، ويريد ب " ما " التي في " لما " التي تدخل في الكلام صلة، (19) وأن يكون قَصَد إلى تحميل الكلام معنى: وإنّ كلا ليوفينهم .
ويجوز أن يكون معناه كان في قراءته ذلك كذلك: وإنّ كُلا ليوفينهم ، أي : ليوفين كُلا ، فيكون نيته في نصب " كل " كانت بقوله: " ليوفينهم "، فإن كان ذلك أراد ، ففيه من القبح ما ذكرت من خلافه كلام العرب.
وذلك أنها لا تنصب بفعل بعد لام اليمين اسمًا قبلَها.
* * * وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والبصرة: (وَإنَّ) مشددة (كُلا لَمَا) مخففة (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ).
ولهذه القراءة وجهان من المعنى: أحدهما: أن يكون قارئها أراد: وإن كلا لمَنَ ليوفينهم ربك أعمالهم، فيوجه " ما " التي في " لما " إلى معنى " من " كما قال جل ثناؤه: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ، [سورة النساء : 3] ، وإن كان أكثر استعمال العرب لها في غير بني آدم ، وينوي باللام التي في " لما " اللام التي تُتَلقَّى بها " إنْ" جوابًا لها، وباللام التي في قوله: (ليوفينهم) ، لام اليمين ، دخلت فيما بين ما وصلتها، كما قال جل ثناؤه: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [سورة النساء : 72] ، وكما يقال : " هذا ما لَغَيرُه أفضلُ منه " .
والوجه الآخر: أن يجعل " ما " التي في " لما " بمعنى " ما " التي تدخل صلة في الكلام، واللام التي فيها هي اللام التي يجاب بها، واللام التي في: (ليوفينهم) ، هي أيضًا اللام التي يجاب بها " إنّ" كررت وأعيدت، إذا كان ذلك موضعها، وكانت الأولى مما تدخلها العرب في غير موضعها ، ثم تعيدها بعدُ في موضعها، كما قال الشاعر: (20) فَلَـوْ أَنَّ قَـوْمِي لَـمْ يَكُونُـوا أَعِـزَّةً لَبَعْـدُ لَقَـدْ لاقَيْـتُ لا بُـدَّ مَصْرَعَـا (21) وقرأ ذلك الزهري فيما ذكر عنه: (وإنَّ كُلا) بتشديد " إنَّ" ، و (لمَّا) بتنوينها، بمعنى: شديدًا وحقًا وجميعًا.
* * * قال أبو جعفر : وأصح هذه القراءات مخرجًا على كلام العرب المستفيض فيهم ، قراءة من قرأ: " وَإنَّ" بتشديد نونها، " كُلا لَمَا " بتخفيف " ما "( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ ) ، بمعنى: وإن كل هؤلاء الذين قصَصَنا عليك ، يا محمد ، قصصهم في هذه السورة، لمن ليوفينهم ربك أعمالهم ، بالصالح منها بالجزيل من الثواب، وبالطالح منها بالشديد من العقاب ، فتكون " ما " بمعنى " مَن " واللام التي فيها جوابًا لـ" إنّ" ، واللام في قوله: ( ليوفينهم ) ، لام قسم.
* * * وقوله: ( إنه بما يعملون خبير) ، يقول تعالى ذكره: إن ربك بما يعمل هؤلاء المشركون بالله من قومك ، يا محمد، " خبير "، لا يخفى عليه شيء من عملهم ، بل يخبرُ ذلك كله ويعلمه ويحيط به ، حتى يجازيهم على جميع ذلك جزاءهم.
(22) -------------------------- الهوامش : (5) لم أعرف قائله .
(6) معاني القرآن للفراء في تفسير الآية .
في المطبوعة : " لما " و " أعيى بالنبيل " ، وكلاهما خطأ ، صوابه من المخطوطة ومعاني القرآن .
وقوله " لمما " هنا ، ليست من باب " لما " التي يذكرها ، إلا في اجتماع الميمات .
وذلك أن قوله : " وإن كلا لمما ليوفينهم " ، أصلها : " لمن ما " ، " من " بفتح فسكون ، اسم .
وأما التي في البيت فهي " لمن ما " ، " من " حرف جر ، ومعناها معنى " ربما " للتكثير ، وشاهدهم عليه قول أبي حية النميري ( سيبويه 1 : 477 ) : وَإِنَّـا لَمِمَّـا نَضْـرِبُ الكَـبْشَ ضَرْبَةً عَـلَى رَأْسِـهِ تُلْقِـي اللِّسَـانَ مِنَ الفَم .
(7) هكذا في المخطوطة : " تخف " ، وفي المطبوعة : " يخفف " ، وأما الذي في معاني القرآن للفراء ، وهذا نص كلامه : " بحذف الياء " ، وهو الصواب الجيد .
(8) لم أعرف قائله .
(9) معاني القرآن للفراء في تفسير الآية ، وفي المطبوعة والمخطوطة : " وأشمت الأعداء " ، وهو خطأ ، صوابه من معاني القرآن .
(10) لم أعرف قائله .
(11) معاني القرآن للفراء ، في تفسير الآية .
وكان في المطبوعة : " من أحرها " ، و " محرم " و " المحارم " ، وهو خطأ .
و " المخرم " ، ( بفتح فسكون فكسر ) ، الطريق في الجبل ، وجمعه " مخارم " .
(12) هذه قراءة الزهري ، كما سيأتي ص : 498 .
(13) في المطبوعة والمخطوطة : " لقد قمت عنا ، وبالله إلا قمت عنا " ، وذلك خطأ ، ولا شاهد فيه ، وصوابه من معاني القرآن للفراء ، في تفسير الآية .
(14) في المطبوعة ، أسقط " إلا " الثانية ، فأفسد الكلام .
(15) في المطبوعة والمخطوطة : " وإلا أيضًا تحقق أيضًا " ، حذفت أولاهما ، لأنه تكرار ولا ريب .
(16) في المطبوعة : " بخروجه " ، والصواب من المخطوطة .
(17) من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها .
(18) سيبويه 1 : 281 ، رفعًا " كأن ثدياه ، وابن الشجري في أماليه 1 : 237 رفعًا 2 : 3 ، نصبا ، والخزانة 4 : 358 ، والعيني ( هامش الخزانة ) 2 : 305 .
(19) " صلة " ، أي : زيادة ، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف .
(20) لم أعرف قائله .
(21) معاني القرآن للفراء ، في تفسير الآية .
وكان في المخطوطة والمطبوعة : " مصرعي " ، وأثبت ما في معاني القرآن .
(22) لنظر تفسير " خبير " فيما سلف من فهارس اللغة ( خبر ) .
قوله تعالى : وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبيرقوله تعالى : وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم أي إن كلا من الأمم التي عددناهم [ ص: 92 ] يرون جزاء أعمالهم ; فكذلك قومك يا محمد .
واختلف القراء في قراءة وإن كلا لما فقرأ أهل الحرمين - نافع وابن كثير وأبو بكر معهم - " وإن كلا لما " بالتخفيف ، على أنها " إن " المخففة من الثقيلة معملة ; وقد ذكر هذا الخليل وسيبويه ، قال سيبويه : حدثنا من أثق به أنه سمع العرب تقول : إن زيدا لمنطلق ; وأنشد قول الشاعر :كأن ظبية تعطو إلى وارق السلمأراد كأنها ظبية فخفف ونصب ما بعدها ; والبصريون يجوزون تخفيف إن المشددة مع إعمالها ; وأنكر ذلك الكسائي وقال : ما أدري على أي شيء قرئ " وإن كلا " !
وزعم الفراء أنه نصب كلا في قراءة من خفف بقوله : ليوفينهم أي وإن ليوفينهم كلا ; وأنكر ذلك جميع النحويين ، وقالوا : هذا من كبير الغلط ; لا يجوز عند أحد : زيدا لأضربنه .
وشدد الباقون إن ونصبوا بها كلا على أصلها .
وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر لما بالتشديد .
وخففها الباقون على معنى : وإن كلا ليوفينهم ، جعلوا " ما " صلة .
وقيل : دخلت لتفصل بين اللامين اللتين تتلقيان القسم ، وكلاهما مفتوح ففصل بينهما ب " ما " .
وقال الزجاج : لام " لما " لام " إن " و " ما " زائدة مؤكدة ; تقول : إن زيدا لمنطلق ، فإن تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقولك : إن الله لغفور رحيم ، وقوله : إن في ذلك لذكرى .
واللام في ليوفينهم هي التي يتلقى بها القسم ، وتدخل على الفعل ويلزمها النون المشددة أو المخففة ، ولما اجتمعت اللامان فصل بينهما ب " ما " و " ما " زائدة مؤكدة ، وقال الفراء : " ما " بمعنى " من " كقوله : وإن منكم لمن ليبطئن أي وإن كلا لمن ليوفينهم ، واللام في " ليوفينهم " للقسم ; وهذا يرجع معناه إلى قول الزجاج ، غير أن " ما " عند الزجاج زائدة وعند الفراء اسم بمعنى " من " .
وقيل : ليست بزائدة ، بل هي اسم دخل عليها لام التأكيد ، وهي خبر " إن " و " ليوفينهم " جواب القسم ، التقدير : وإن كلا خلق ليوفينهم ربك أعمالهم .
وقيل : " ما " بمعنى " من " كقوله : فانكحوا ما طاب لكم من النساء أي من ; وهذا كله هو قول الفراء بعينه .
وأما من شدد لما وقرأ وإن كلا لما بالتشديد فيهما - وهو حمزة ومن وافقه - فقيل : إنه لحن ; حكي عن محمد بن زيد أن هذا لا يجوز ; ولا يقال : إن زيدا إلا لأضربنه ، ولا لما لضربته .
وقال الكسائي : الله أعلم بهذه القراءة ; وما أعرف لها وجها .
وقال هو وأبو علي الفارسي : التشديد فيهما مشكل .
قال النحاس وغيره : وللنحويين في [ ص: 93 ] ذلك أقوال : الأول : أن أصلها " لمن ما " فقلبت النون ميما ، واجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى فصارت لما و " ما " على هذا القول بمعنى " من " تقديره : وإن كلا لمن الذين ; كقولهم :وإني لما أصدر الأمر وجهه إذا هو أعيا بالسبيل مصادرهوزيف الزجاج هذا القول ، وقال : " من " اسم على حرفين فلا يجوز حذفه .
الثاني : أن الأصل .
لمن ما ، فحذفت الميم المكسورة لاجتماع الميمات ، والتقدير : وإن كلا لمن خلق ليوفينهم .
وقيل : " لما " مصدر " لم " وجاءت بغير تنوين حملا للوصل على الوقف ; فهي على هذا كقوله : وتأكلون التراث أكلا لما أي جامعا للمال المأكول ; فالتقدير على هذا : وإن كلا ليوفينهم ربك أعمالهم توفية لما ; أي جامعة لأعمالهم جمعا ، فهو كقولك : قياما لأقومن .
وقد قرأ الزهري لما بالتشديد والتنوين على هذا المعنى .
الثالث : أن " لما " بمعنى " إلا " حكى أهل اللغة : سألتك بالله لما فعلت ; بمعنى إلا فعلت ; ومثله قوله تعالى : إن كل نفس لما عليها حافظ أي إلا عليها ; فمعنى الآية : ما كل واحد منهم إلا ليوفينهم ; قال القشيري : وزيف الزجاج هذا القول بأنه لا نفي لقوله : وإن كلا لما حتى تقدر " إلا " ولا يقال : ذهب الناس لما زيد .
الرابع : قال أبو عثمان المازني : الأصل وإن كلا لما بتخفيف " لما " ثم ثقلت كقوله :لقد خشيت أن أرى جدبا في عامنا ذا بعدما أخصباوقال أبو إسحاق الزجاج : هذا خطأ ، إنما يخفف المثقل ; ولا يثقل المخفف .
الخامس : قال أبو عبيد القاسم بن سلام : يجوز أن يكون التشديد من قولهم : لممت الشيء ألمه لما إذا جمعته ; ثم بني منه فعلى ، كما قرئ ثم أرسلنا رسلنا تترى بغير تنوين وبتنوين .
فالألف على هذا للتأنيث ، وتمال على هذا القول لأصحاب الإمالة ; قال أبو إسحاق : القول الذي لا يجوز غيره عندي أن تكون مخففة من الثقيلة ، وتكون بمعنى " ما " مثل : إن كل نفس لما عليها حافظ وكذا أيضا تشدد على أصلها ، وتكون بمعنى " ما " و " لما " بمعنى " إلا " حكى ذلك الخليل وسيبويه وجميع البصريين ; وأن " لما " يستعمل بمعنى " إلا " قلت : هذا القول الذي ارتضاه الزجاج حكاه عنه النحاس وغيره ; وقد تقدم مثله وتضعيف الزجاج له ، إلا أن ذلك القول صوابه " إن " فيه نافية ، وهنا مخففة من الثقيلة فافترقا وبقيت [ ص: 94 ] قراءتان ; قال أبو حاتم : وفي حرف أبي : " وإن كل إلا ليوفينهم " وروي عن الأعمش " وإن كل لما " بتخفيف " إن " ورفع " كل " وبتشديد " لما " .
قال النحاس : وهذه القراءات المخالفة للسواد تكون فيها " إن " بمعنى " ما " لا غير ، وتكون على التفسير ; لأنه لا يجوز أن يقرأ بما خالف السواد إلا على هذه الجهة .إنه بما يعملون خبير تهديد ووعيد
{ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ْ} أي: لا بد أن الله يقضي بينهم يوم القيامة، بحكمه العدل، فيجازي كلا بما يستحقه.
{ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ ْ} من خير وشر { خَبِيرٌ ْ} فلا يخفى عليه شيء من أعمالهم، دقيقها وجليلها.
( وإن كلا ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو بكر : " وإن كلا " ساكنة النون على تخفيف إن الثقيلة ، والباقون بتشديدها ( لما ) شددها هنا وفي يس والطارق : ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، [ وافق أبو جعفر ها هنا ، وفي الطارق وفي الزخرف ، بالتشديد عاصم وحمزة ] والباقون بالتخفيف ، فمن شدد قال الأصل فيه : ( وإن كلا ) [ لمن ما ، فوصلت من الجارة بما ، فانقلبت النون ميما للإدغام ، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت إحداهن ، فبقيت لما بالتشديد ، و " ما " ها هنا بمعنى : من ، هو اسم لجماعة من الناس ، كما قال تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكم ) ( النساء - 3 ) ، أي : من طاب لكم ، والمعنى : وإن كلا لمن جماعة ليوفينهم ] .
ومن قرأ بالتخفيف قال : " ما " صلة [ زيدت بين اللامين ليفصل بينهما كراهة اجتماعهما ، والمعنى ] وإن كلا ليوفينهم .
وقيل " ما " بمعنى من ، تقديره : لمن ليوفينهم ، واللام في " لما " لام التأكيد [ التي تدخل على خبر إن ] ، وفي ليوفينهم لام القسم ، [ والقسم مضمر ] تقديره : والله ( ليوفينهم ربك أعمالهم ) أي : جزاء أعمالهم ( إنه بما يعملون خبير ) .
«وإن» بالتخفيف والتشديد «كلا» أي كل الخلائق «لما» ما زائدة واللام موطئة لقسم مقدر أو فارقة وفي قراءة بتشديد لما بمعنى إلا فإن نافية «ليوفينهم ربك أعمالهم» أي جزاءها «إنه بما يعملون خبير» عالم ببواطنه كظواهره.
وإن كل أولئك الأقوام المختلفين الذين ذكرنا لك -أيها الرسول- أخبارهم ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم يوم القيامة، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إن ربك بما يعمل هؤلاء المشركون خبير، لا يخفى عليه شيء من عملهم.
وفي هذا تهديد ووعيد لهم.
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المختلفين فى شأن الكتاب ، الشاكين فى صدقه ، سوف يجمعهم الله - تعالى - مع غيرهم يوم القيامة للجزاء والحساب على أعمالهم فقال - تعالى - ( وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) .وقد وردت فى هذه الآية الكريمة عدة قراءات متوارتة منها : قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد ، إن ولما ، وقد قيل فى تخريجها :إن لفظ ( كلا ) اسم ( إن ) والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه ، واللام فى ، ( لما ) هى الداخلة فى خبر ( إن ) وما بعد اللام هو حرف " من " الذى هو من حروف الجر ، و " ما " موصولة أو نكره موصوفة والمراد بها من يعقل ، فيحكون تقدير الكلام : وإن كلا " لمن ما " فقلبت النون ميما للإِدغام فاجتمع ثلاث ميمات ، فحذفت واحدة منها للتخفيف ، فصارت " لما " والجار والمجرور خبر " إن " ، واللام فى ( ليوفينهم ) ، جواب قسم مضمر ، والجملة صلة أو صفة ( لما ) .والتقدير : وإن كلا من أولئك المختلفين وغيرهم لمن خلق الله الذين هم بحق ربك ليوفينهم - سبحانه - جزاء أعمالهم بدون أن يلفت منهم أحد ، إنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ منها .وفى الآية الكريمة توكيدات متنوعة ، حتى لا يشك فى نزول العذاب بالظالمين مهما تأجل ، وحتى لا يشك أحد - أيضا - فى أن ما عليه المشركون هو الباطل الذى لا يعرفه الحق ، وأنه الكفر الذى تلقاه الخلف عن السلف .وكان مقتضى حال الدعوة الإِسلامية فى تلكالفترة التى نزلت فيها هذه السورة - وهى فترة ما بعد حادث الإِسراء والمعراج وقبل الهجرة - يستلزم هذه التأكيدات تثبيتا لقلوب المؤمنين ، وتوهينا للشرك والمشركين .قال الإِمام الفخر الرازى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : سمعت بعض الأفاضل قال : إنه - تعالى - لما أخبر عن توفية الأجيزة على المستحقين فى هذه الآية ، ذكر فيها سبعة أنواع من التأكيدات :أولها : كلمة " إن " وهى للتأكيد ، وثانيها كلمة " كل " وهى أيضا للتأكيد ، وثالثها : اللام الداخلة على خبر " إن " وهى تفيد التأكيد - أيضا - ، ورابعها حرف " ما " إذا جعلناه على قول الفراء موصولا ، وخامسها : القسم المضمر فإن تقدير الكلام : وإن جميعهم والله ليوفينهم : وسادسها : اللام الثانية الداخلة على جواب القسم ، وسابعها : النون المؤكدة فى قوله " ليوفينهم " .فجميع هذه المؤكدات السبتعة تدل على أن أمر القيامة والحساب والجزاء حق .
.
.
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى إصرار كفار مكة على إنكار التوحيد، بين أيضاً إصرارهم على إنكار نبوته عليه السلام وتكذيبهم بكتابه، وبين تعالى أن هؤلاء الكفار كانوا على هذه السيرة الفاسدة مع كل الأنبياء عليهم السلام وضرب لذلك مثلاً؛ وهو أنه لما أنزل التوراة على موسى عليه السلام اختلفوا فيه فقبله بعضهم وأنكره آخرون، وذلك يدل على أن عادة الخلق هكذا.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن المراد: ولولا ما تقدم من حكم الله تعالى بتأخير عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لكان الذي يستحقه هؤلاء الكفار عند عظيم كفرهم إنزال عذاب الاستئصال عليهم لكن المتقدم من قضائه أخر ذلك عنهم في دنياهم.
الثاني: لولا كلمة سبقت من ربك وهي أن الله تعالى إنما يحكم بين المختلفين يوم القيامة وإلا لكان من الواجب تمييز المحق عن المبطل في دار الدنيا.
الثالث: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ ﴾ وهي أن رحمته سبقت غضبه وأن إحسانه راجح على قهره وإلا لقضى بينهم ولما قرر تعالى هذا المعنى قال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ يعني أن كفار قومك لفي شك من هذا القرآن مريب.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى أن من عجلت عقوبته ومن أخرت ومن صدق الرسل ومن كذب فحالهم سواء في أنه تعالى يوفيهم جزاء أعمالهم في الآخرة، فجمعت الآية الوعد والوعيد فإن توفية جزاء الطاعات وعد عظيم وتوفية جزاء المعاصي وعيد عظيم، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ توكيد الوعد والوعيد، فإنه لما كان عالماً بجميع المعلومات كان عالماً بمقادير الطاعات والمعاصي فكان عالماً بالقدر اللائق بكل عمل من الجزاء، فحينئذ لا يضيع شيء من الحقوق والأجزية وذلك نهاية البيان.
المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو والكسائي وإن مشددة النون ﴿ لَّمّاً ﴾ خفيفة قال أبو علي: اللام في ﴿ لَّمّاً ﴾ هي التي تقتضيه إن وذلك لأن حرف إن يقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقوله: ﴿ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ واللام الثانية هي التي تجيء بعد القسم كقولك والله لتفعلن ولما اجتمع لامان دخلت ما لتفصل بينهما فكلمة ما على هذا التقدير زائدة، وقال الفراء: ما موصولة بمعنى من وبقية التقرير كما تقدم ومثله: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ .
والقراءة الثانية: في هذه الآية قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم ﴿ وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا ﴾ مخففتان والسبب فيه أنهم أعملوا إن مخففة كما تعمل مشددة لأن كلمة إن تشبه الفعل فكما يجوز أعمال الفعل تاماً ومحذوفاً في قولك لم يكن زيد قائماً ولم يك زيد قائماً فكذلك أن وإن.
والقراءة الثالثة: قرأ حمزة وابن عامر وحفص: ﴿ وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا ﴾ مشددتان، قالوا: وأحسن ما قيل فيه إن أصل لما بالتنوين كقوله: ﴿ أَكْلاً لَّمّاً ﴾ والمعنى أن كلاً ملمومين أي مجموعين كأنه قيل: وإن كلاً جميعاً.
المسألة الثالثة: سمعت بعض الأفاضل قال: إنه تعالى لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التوكيدات: أولها: كلمة ﴿ إن ﴾ وهي للتأكيد.
وثانيها: كلمة كل وهي أيضاً للتأكيد.
وثالثها: اللام الداخلة على خبر ﴿ إن ﴾ وهي تفيد التأكيد أيضاً.
ورابعها: حرف ﴿ مَا ﴾ إذا جعلناه على قول الفراء موصولاً.
وخامسها: القسم المضمر، فإن تقدير الكلام وإن جميعهم والله ليوفينهم.
وسادسها: اللام الثانية الداخلة على جواب القسم.
وسابعها: النون المؤكدة في قوله: ﴿ لَيُوَفّيَنَّهُمْ ﴾ فجميع هذه الألفاظ السبعة الدالة على التوكيد في هذه الكلمة الواحدة تدل على أن أمر الربوبية والعبودية لا يتم إلا بالبعث والقيامة وأمر الحشر والنشر ثم أردفه بقوله: ﴿ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ وهو من أعظم المؤكدات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّ كُلاًّ ﴾ التنوين عوض من المضاف إليه، يعني: وإنّ كلهم، وإنَّ جميع المختلفين فيه ﴿ لَيُوَفّيَنَّهُمْ ﴾ جواب قسم محذوف.
واللام في ﴿ لَّمَّا ﴾ موطئة للقسم، و ﴿ مَا ﴾ مزيدة والمعنى: وإنّ جميعهم والله ليوفينهم ﴿ رَبُّكَ أعمالهم ﴾ من حسن وقبيح وإيمان وجحود.
وقرئ: ﴿ وإن كلا ﴾ بالتخفيف على إعمال المخففة عمل الثقيلة، اعتباراً لأصلها الذي هو التثقيل.
وقرأ أبيّ: ﴿ وإن كل لما ليوفينهم ﴾ على أنّ إن نافية.
ولما بمعنى إلا.
وقراءة عبد الله مفسرة لها.
وإن كل إلا ليوفينهم، وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم ﴿ وإن كلا لما ليوفينهم ﴾ بالتنوين، كقوله: ﴿ أَكْلاً لَّمّاً ﴾ [الفجر: 19] والمعنى: وإن كلا ملمومين، بمعنى مجموعين، كأنه قيل: وإنّ كلا جميعاً، كقوله: ﴿ فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ [الحجر: 30] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ كَما اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في القُرْآنِ.
﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي كَلِمَةَ الإنْظارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِإنْزالِ ما يَسْتَحِقُّهُ المُبْطِلُ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ عَنِ المُحِقِّ.
﴿ وَإنَّهُمْ ﴾ وإنَّ كُفّارَ قَوْمِكَ.
﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ مِنَ القُرْآنِ.
﴿ مُرِيبٍ ﴾ مُوقِعٌ في الرِّيبَةِ.
﴿ وَإنَّ كُلا ﴾ وإنَّ كُلَّ المُخْتَلِفِينَ المُؤْمِنِينَ مِنهم والكافِرِينَ، والتَّنْوِينُ بَدَلٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ بِالتَّخْفِيفِ مَعَ الإعْمالِ اعْتِبارًا لِلْأصْلِ.
﴿ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ ﴾ اللّامُ الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ والثّانِيَةُ لِلتَّأْكِيدِ أوْ بِالعَكْسِ وما مَزِيدَةٌ بَيْنَهُما لِلْفَصْلِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّ أصْلَهُ لَمَن ما فَقُلِبَتِ النُّونُ مِيمًا لِلْإدْغامِ، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتْ أُولاهُنَّ، والمَعْنى لَمَنِ الَّذِينَ يُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ جَزاءَ أعْمالِهِمْ.
وقُرِئَ لَمًّا بِالتَّنْوِينِ أيْ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ: ﴿ أكْلا لَمًّا ﴾ ﴿ وَإنْ كُلٌّ لَمّا ﴾ عَلى أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ و ﴿ لَمّا ﴾ بِمَعْنى إلّا وقَدْ قُرِئَ بِهِ.
﴿ إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ فَلا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنهُ وإنْ خَفِيَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِنَّ كُلاًّ} التنوين عوض عن المضاف إليه يعني وإن كلهم أي وإن جميع المختلفين فيه وإن مشددة {لَّمّاً} مخفف بصري وعلي ما مزيدة جيء بها ليفصل بها بين لام إن ولام
هود (١١١ _ ١١٣)
{لَيُوَفّيَنَّهُمْ} وهو جواب قسم محذوف واللام في لما موطئة للقسم والمعنى وإن جميعهم والله ليوفينهم {رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} أي جزاء أعمالهم من إيمان وجحود وحسن وقبيح بعكس الأولى أبو بكر مخففان مكي ونافع على إعمال المخففة عمل الثقيلة اعتباراً لأصلها الذي هو التثقيل ولأن إن تشبه الفعل والفعل يعمل قبل الحذف وبعده نحو لم يكن ولم يك فكذا المشبه به مشددتان غيرهم وهو مشكل وأحسن ما قيل فيه أنه من لممت الشيء جمعته لمَّا ثم وقف فصار لما ثم أجرى الوصل مجرى الوقف وجاز أن يكون مثل الدعوى والثروى وما فيه ألف التأنيث من المصادر وقرأ الزهري وإن كلا لما بالتنوين كقوله اكلا لما وهو يؤيد ما ذكرنا والمعنى وإن كلاً ملمومين أي مجموعين كأنه قيل وإن كلاً جميعا كقوله فسجد الملائكة كلهم اجمعون وقال صاحب الإيجاز لما فيه معنى الظرف وقد دخل في الكلام اختصار كأنه قيل وإن كلاً لما بعثوا ليوفينهم ربك أعمالهم وقال الكسائي ليس لي بتشديد لما علم {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}
﴿ وإنَّ كُلا ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما هو المَعْرُوفُ في تَنْوِينِ كُلٍّ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُّحاةِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَنْوِينُ تَمْكِينٍ لَكِنَّهُ لا يَمْنَعُ تَقْدِيرَ المُضافِ إلَيْهِ أيْضًا أيْ وإنَّ كُلَّ المُخْتَلِفِينَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِهِ كُفّارَ هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ أجْزِيهِ أعْمالَهُمْ، ولامُ ﴿ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ، أيْ واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، و(لَمّا) بِالتَّشْدِيدِ وهو مَعَ تَشْدِيدِ أنَّ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وحَفْصٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وتَخْرِيجُ الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مُشْكِلٌ حَتّى قالَ المُبَرَّدُ: إنَّها لَحْنٌ وهو مِنَ الجَسارَةِ بِمَكانٍ لِتَواتُرِ القِراءَةِ ولَيْتَهُ قالَ كَما قالَ الكِسائِيُّ: ما أدْرِي ما وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ، واخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِها فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ أصْلَ (لَمّا) هَذِهِ لَمّا مُنَوَّنًا، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ ثُمَّ بُنِيَ عَلى فَعَلى وهو مَأْخُوذٌ مِن لَمَمْتُهُ إذا جَمَعْتَهُ، ولا يُقالُ إنَّها (لَمًّا) المُنَوَّنَةُ وقَفَ عَلَيْها بِالألِفِ، وأُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى المَوْقِفِ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّما يَكُونُ في الشِّعْرِ واسْتُبْعِدَ هَذا التَّخْرِيجُ بِأنَّهُ لا يُعْرَفُ بِناءُ فَعْلى مِن لَمَّ، وبِأنَّهُ يَلْزَمُ لِمَن أمالَ فَعْلى أنْ يُمِيلَها ولَمْ يُمِلْها أحَدٌ بِالإجْماعِ، وبِأنَّهُ كانَ القِياسُ أنْ تُكْتَبَ بِالياءِ ولَمْ تُكْتَبْ بِها، وسَيُعْلَمُ إعْرابُ الآيَةِ عَلى هَذا مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وقِيلَ: (لَما) المُخَفَّفَةُ وشُدِّدَتْ في الوَقْفِ ثُمَّ أُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، وحِينَئِذٍ فالإعْرابُ ما سَتَعْرِفُهُ أيْضًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى إلّا، وإلّا تَقَعُ زائِدَةً كَما في قَوْلِهِ: حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ يَمِينَ امْرِئٍ إلّا بِها غَيْرَ آثِمٍ فَلا يَبْعُدُ أنَّ (لَمّا) الَّتِي بِمَعْناها زائِدَةٌ وهو وجْهٌ ضَعِيفٌ مَبْنِيٌّ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ في إلّا، وعَنِ المازِنِيِّ أنَّ أنَّ المُشَدَّدَةَ هُنا نافِيَةٌ، و(لَمّا) بِمَعْنى إلّا غَيْرُ زائِدَةٍ وهو باطِلٌ لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ تَثْقِيلُ أنَّ النّافِيَةِ، ولِنَصْبِ -كُلَّ- والنّافِيَةُ لا تُنْصَبُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: (إنَّ) عَلى ظاهِرِها، و(لَمّا) بِمَعْنى إلّا كَما في قَوْلِكَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ إلّا فَعَلْتَ، وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ (لَمّا) هَذِهِ لا تُفارِقُ القَسَمَ قَبْلَها ولَيْسَ كَما ذُكِرَ فَقَدْ تُفارِقُ؛ وإنَّما يُضْعِفُ ذَلِكَ بَلْ يُبْطِلُهُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ المَوْضِعَ لَيْسَ مَوْضِعَ دُخُولِ إلّا ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: إنَّ زَيْدًا إلّا ضَرَبْتَ لَمْ يَكُنْ تَرْكِيبًا عَرَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّ (لَمّا) هَذِهِ أصْلُها لِمَن ما فَهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ اللّامِ ومِنَ المَوْصُولَةِ أوِ المَوْصُوفَةِ وما الزّائِدَةِ فَقُلِبَتِ النُّونُ مِيمًا لِلْإدْغامِ فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ الوُسْطى مِنها ثُمَّ أُدْغِمَ المِثْلانِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المَهْدَوِيُّ، وقالَ الفَرّاءُ: وتَبِعَهُ جَماعَةٌ مِنهم نَصْرٌ الشِّيرازِيُّ: إنَّ أصْلَها لِمَن ما بِمَنِ الجارَّةِ وما المَوْصُولَةِ أوِ المَوْصُوفَةِ وهي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ فَعَمِلَ بِذَلِكَ نَحْوَ ما عَمِلَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَبِلَهُ، وقَدْ جاءَ هَذا الأصْلُ في قَوْلِهِ: وأنا لِمَن ما تَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تَلْقى اللِّسانَ مِنَ الفَمِ واللّامُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ قِيلَ: مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، ونُقِلَ عَنِ الفارِسِيِّ -وهُوَ مُخالِفٌ لِما اشْتُهِرَ عَنِ النُّحاةِ- مِن أنَّ المُوَطِّئَةَ هي الدّاخِلَةُ عَلى شَرْطٍ مُقَدَّمٍ عَلى جَوابِ قَسَمٍ تَقَدَّمَ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا لِتُؤْذِنَ بِأنَّ الجَوابَ لَهُ نَحْوُ: واللَّهِ لَئِنْ أكْرَمْتَنِي لَأكْرَمْتُكَ، ولَيْسَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ جَوابَ القِسْمِ، بَلْ ما يَأْتِي بَعْدَها، وكانَ مَذْهَبُهُ كَمَذْهَبِ الأخْفَشِ أنَّهُ لا يَجِبُ دُخُولُها عَلى الشَّرْطِ، وإنَّما هي ما دَلَّتْ عَلى أنَّ ما بَعْدَها صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْقَسَمِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: إنَّها اللّامُ الدّاخِلَةُ في خَبَرِ إنَّ، ومَن مَوْصُولًا أوْ مَوْصُوفًا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الوَجْهَيْنِ هو الخَبَرُ، والقَسَمُ وجَوابُهُ صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ، والمَعْنى وإنَّ كُلًّا لِلَّذِينَ أوِ الخَلْقِ واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ، ومِن ومَجْرُورُها عَلى الوَجْهِ الثّانِي فِي مَوْضِعِ الخَبَرِ لِأنَّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ أيْضًا لَكِنَّ لَمّا، والمَعْنى وإنَّ كُلًّا لَمِنَ الَّذِينَ أوْ لَمِن خَلْقٍ واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ، قالَ في البَحْرِ: وهَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ جِدًّا ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ مَن وكَذا حَذْفُ نُونِ مِنِ الجارَّةِ إلّا في الشِّعْرِ إذا لَقِيَتْ لامَ التَّعْرِيفِ أوْ شَبَهَها غَيْرَ المُدْغَمَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: مِلْمالِ يُرِيدُونَ مِنَ المالِ، وفي تَفْسِيرِ القاضِي وغَيْرِهِ إنَّ الأصْلَ لَمِن ما بِمِنِ الجارَّةِ قُلِبَتِ النُّونُ مِيمًا فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتْ أُولاهُنَّ، وفِيهِ أيْضًا ما فِيهِ، فَفي المُغْنِي إنَّ حَذْفَ هَذِهِ المِيمِ اسْتِثْقالًا لَمْ يَثْبُتِ انْتَهى، وقالَ الدَّمامِينِيُّ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ تَعْلِيلُ الحَذْفِ بِالِاسْتِثْقالِ وقَدِ اجْتَمَعَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: (عَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) ثَمانِي مِيماتٍ انْتَهى، وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: وإنِّي لَمّا أصْدَرَ الأمْرَ وجَّهَهُ ∗∗∗ إذا هو أعْيا بِالسَّبِيلِ مَصادِرَهُ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ لَمّا بِمَعْنى حِينَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ لَمّا عَمِلُوا ما عَمِلُوا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، والحَذْفُ في الكَلامِ كَثِيرٌ نَحْوَ قَوْلِهِ: إذا قُلْتَ: سِيرُوا إنَّ لَيْلى لَعَلَّها ∗∗∗ جَرى دُونَ لَيْلى مائِلُ القَرْنِ أعْضَبُ أرادَ لَعَلَّها تَلْقانِي أوْ تَصِلُنِي أوْ نَحْوَ ذَلِكَ وهو كَما تَرى، وقالَ أبُو حَيّانَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ التَّخْرِيجاتِ مِمّا تَنَزَّهُ ساحَةُ التَّنْزِيلِ عَنْ مِثْلِها: كُنْتُ قَدْ ظَهَرَ لِي وجْهٌ جارٍ عَلى قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ عارٍ مِنَ التَّكَلُّفِ وهو أنَّ (لَمّا) هَذِهِ هي الجازِمَةُ حُذِفَ فِعْلُها المَجْزُومُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ كَما حَذَفُوهُ في قَوْلِهِمْ: قارَبْتُ المَدِينَةَ ولَمّا يُرِيدُونَ ولَمّا أدْخُلْها، والتَّقْدِيرُ هُنا وإنَّ كُلًّا لَمّا يَنْقُصُ مِن جَزاءِ عَمَلِهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ، وكُنْتُ أعْتَقِدُ أنِّي ما سَبَقْتُ إلى ذَلِكَ حَتّى تَحَقَّقْتُ أنَّ ابْنَ الحاجِبِ وُفِّقَ لِذَلِكَ فَرَأيْتُ في كِتابِ التَّحْرِيرِ نَقْلًا عَنْهُ أنَّهُ قالَ: (لَمّا) هَذِهِ هي الجازِمَةُ حُذِفَ فِعْلُها لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ، وقَدْ ثَبَتَ الحَذْفُ في قَوْلِهِمْ: خَرَجْتُ ولَمّا، وسافَرْتُ ولَمّا ونَحْوَهُ، وهو سائِغٌ فَصِيحٌ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لَمّا يَتْرُكُوا أوْ لَمّا يُهْمِلُوا ويَدُلْ عَلَيْهِ تَفْصِيلُ المَجْمُوعَيْنِ ومُجازاتُهُمْ، ثُمَّ قالَ: وما أعْرِفُ وجْهًا أشْبَهَ مِن هَذا وإنْ كانَتِ النُّفُوسُ تَسْتَبْعِدُهُ مِن جِهَةِ أنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ، انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الأوْلى أنْ يُقَدَّرَ لَمّا يُوَفُّوا أعْمالَهم أيْ إلى الآنِ لَمْ يُوَفَّوْها وسَيُوَفَّوْنَها، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ هِشامٍ لِما يَلْزَمُ عَلى التَّقْدِيراتِ السّابِقَةِ عَلى ما هو المَشْهُورُ في مَعْنى لَمّا أنَّهم سَيَنْقُصُونَ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ وأنَّهم سَيُتْرَكُونَ ويُهْمَلُونَ، وذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يُرادَ وهو ظاهِرٌ، وهَذا وجْهُ النَّظَرِ الَّذِي عَناهُ ابْنُ هِشامٍ في قَوْلِهِ مُعْتَرِضًا عَلى ابْنِ الحاجِبِ: وفي هَذا التَّقْدِيرِ نَظَرٌ.
وقالَ الجَلْبِيُّ: وجْهُهُ أنَّ الدّالَّ عَلى المَحْذُوفِ سابِقٌ عَلَيْهِ بِكَثِيرٍ مَعَ أنَّ ذَلِكَ المَحْذُوفَ لَيْسَ مِن لَفْظِ هَذا الَّذِي قِيلَ: إنَّهُ دالٌّ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِذاكَ، ثُمَّ المُرَجَّحُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ أنَّ ولَما بِالتَّخْفِيفِ وخَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ أنَّ عامِلَةٌ وإنْ خُفِّفَتِ اعْتِبارًا لِلْأصْلِ في العَمَلِ وهو شَبَهُ الفِعْلِ، ولا يَضُرُّ زَوالُ الشَّبَهِ اللَّفْظِيِّ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ مَذْهَبَهم جَوازُ أعْمالِها إذا خُفِّفَتْ لَكِنْ عَلى قِلَّةٍ إلّا مَعَ المُضْمَرِ فَلا يَجُوزُ إلّا إنْ ورَدَ في شَعْرٍ، ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ مِنهم أنَّهُ قالَ: أخْبَرَنِي الثِّقَةُ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: إنَّ عَمْرًا لَمُنْطَلِقٌ.
وزَعَمَ بَعْضٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّ المَكْسُورَةَ إذا خُفِّفَتْ لا تَعْمَلُ، وتَأوَّلَ الآيَةَ بِجَعْلِ (كُلًّا) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ إنْ أرى كُلًّا مَثَلًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَعَلَ هَذا في البَحْرِ مَذْهَبَ الكُوفِيِّينَ، وفي الِارْتِشافِ إنَّ الكُوفِيِّينَ لا يُجَوِّزُونَ تَخْفِيفَ المَكْسُورَةِ لا مُهْمَلَةً ولا مُعْمَلَةً، وذَكَرَ بَعْضُهم مِثْلَهُ وأنَّ ما يَعُدُّها البَصْرِيُّونَ مُخَفَّفَةً يَعُدُّها الكُوفِيُّونَ نافِيَةً، واسْتَثْنى مِنهُمُ الكِسائِيَّ فَإنَّهُ وافَقَ البَصْرِيِّينَ ومَذْهَبُهم في ذَلِكَ هو الحَقُّ، و(كُلًّا) اسْمُها واللّامُ هي الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ إنَّ وما مَوْصُولَةٌ خَبَرُ إنَّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ، وإلى هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، واخْتارَ الطَّبَرِيُّ في اللّامِ مَذْهَبَهُ، وفي (ما) كَوْنِها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والجُمْلَةُ صِفَتُها أيْ وإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ أوْ لَفَرِيقٌ مُوَفًّى عَمَلَهُ، واخْتارَ أبُو عَلِيٍّ في اللّامِ ما اخْتاراهُ؛ وجَعَلَ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ خَبَرًا وما مَزِيدَةً بَيْنَ اللّامَيْنِ وقَدْ عْهِدَتْ زِيادَتُها في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ إنَّ وتَشْدِيدِ لَمّا، وقَرَأ الكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِعَكْسِ ذَلِكَ وتَخْرِيجُ القِراءَتَيْنِ لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِما ذَكَرَ في تَخْرِيجِ القِراءَتَيْنِ قَبْلُ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ، وأنْ بِالتَّخْفِيفِ كُلٌّ بِالرَّفْعِ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ، وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ أنْ نافِيَةٌ وكُلَّ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ وجَوابُها خَبَرُهُ، و(لَمّا) بِمَعْنى إلّا أيْ ما كُلٌّ إلّا أقْسَمَ واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ مَجِيءَ (لَمّا) بِمَعْنى إلّا في كَلامِ العَرَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ جَعْلَها هُنا بِمَعْنى إلّا وجْهٌ لا نَعْرِفُهُ، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ مَعَ اليَمِينِ بِاللَّهِ: لَمّا قُمْتَ عَنّا وإلّا قُمْتَ عَنّا، وأمّا في غَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ نَسْمَعْ مَجِيئَها بِمَعْنى إلّا لا في نَثْرٍ ولا في شِعْرٍ؛ ويَلْزَمُ القائِلَ أنْ يُجَوِّزَ قامَ النّاسُ لَمّا زَيْدًا عَلى مَعْنى إلّا زَيْدًا ولا التِفاتَ إلّا إنْكارِهِما، والقِراءَةُ المُتَواتِرَةُ في ﴿ وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ﴾ ، و ﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ ﴾ تُثْبِتُ ما أنْكَراهُ.
وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ عَلى مَجِيءِ ذَلِكَ، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، وكَوْنُ العَرَبِ خَصَّصَتْ مَجِيئَها كَذَلِكَ بِبَعْضِ التَّراكِيبِ لا يَضُرُّ شَيْئًا، فَكَمْ مِن شَيْءٍ خُصَّ بِتَرْكِيبٍ دُونَ ما أشْبَهَهُ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وسُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ (وإنَّ كُلًّا لَمّا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ والتَّنْوِينِ ولَمْ يَتَعَرَّضُوا في النَّقْلِ عَنْهُما لِتَشْدِيدِ أنْ ولا لِتَخْفِيفِها، وهي في هَذِهِ القِراءَةِ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَمَمْتُ الشَّيْءَ إذا جَمَعْتَهُ كَما مَرَّ ونَصْبُها عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في ﴿ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ عِنْدَ أبِي البَقاءِ وضَعَّفَهُ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّها صِفَةٌ لِكُلٍّ ويُقَدَّرُ مُضافًا إلى نَكِرَةٍ لِيَصِحَّ وصْفُهُ بِالنَّكِرَةِ، وكانَ المَصْدَرُ حِينَئِذٍ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ وإنَّ كُلًّا مَلْمُومِينَ بِمَعْنى مَجْمُوعِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ كُلًّا جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ وجَعَلَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ مِنهُ مَيْلًا إلى القَوْلِ بِالتَّأْكِيدِ.
وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّها مَنصُوبَةٌ -بِلَيُوَفِّيَنَّهُمْ- عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: قِيامًا لا أقُومَنَّ، والتَّقْدِيرُ تَوْفِيَةً جامِعَةً لِأعْمالِهِمْ ﴿ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ وخَبَرُ ( إنَّ في ذَلِكَ ) جُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابُهُ، ورَوى أبُو حاتِمٍ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وإنَّ مِن كُلٍّ إلّا لَيُوَفِّيَنَّهم وخُرِّجَ عَلى أنَّ أنْ نافِيَةٌ ومِن زائِدَةٌ.
وقَرَأ الأعْمَشُ نَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ أسْقَطَ مِن وهو حَرْفُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والوَجْهُ ظاهِرٌ، قِيلَ: وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عِدَّةَ مُؤَكِّداتٍ مِن أنْ واللّامِ وما إذا كانَتْ زائِدَةً والقَسَمِ ونُونِ التَّأْكِيدِ وذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في وعْدِ الطّائِعِينَ ووَعِيدِ العاصِينَ ﴿ إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بِما يَعْمَلُهُ كُلُّ فَرْدٍ مِنَ المُخْتَلِفِينَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ عَلِيمٌ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن جَلائِلِهِ ودَقائِقِهِ، والجُمْلَةُ قِيلَ: تَوْكِيدٌ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كانَ عالِمًا بِمَقادِيرِ الطّاعاتِ والمَعاصِي وما يَقْتَضِيهِ كُلُّ فَرْدٍ مِنها مِنَ الجَزاءِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ، وحِينَئِذٍ تَتَأتّى تَوْفِيَةُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ (تَعْمَلُونَ) عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني: أعطينا موسى التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ يعني: آمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وهذا تعزية للنبي ، حتى يصبر على تكذيبهم كما صبر موسى على تكذيبهم.
ثم قال: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يعني: وجب قول رَّبّكَ بتأخير العذاب عن أمة محمد ، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يعني: لجاءهم العذاب، ولفرغ من هلاكهم، وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يعني: من القرآن، مُرِيبٍ يعني: ظاهر الشك.
قوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر: وَإِنَّ كُلًّا بجزم النون، وقرأ الباقون بالنصب والتشديد.
فمن قرأ بالجزم يكون، معناه: وما كل إلا ليوفينهم، كقوله: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ [يس: 32] يعني: ما كلٌ جميع.
ومن قرأ بالتشديد، يكون إنَّ لتأكيد الكلام.
وقرأ حمزة وابن عامر وعاصم في رواية حفص: لَّمّاً بتشديد الميم، وقرأ الباقون بالتخفيف، فمن قرأ بالتخفيف، يكون لمّا لصلة الكلام، ومعناه: وإنَّ كلاً ليوفينهم، فتكون ما صلة كقولهم: عَمَّا قَلِيلٍ، يعني: عن قليل.
ومن قرأ بالتشديد: يكون بمعنى إلاَّ، يعني: وإنَّ كُلاً إلا ليوفينهم، كقوله: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ [الطارق: 4] فمن قرأ بالتشديد كتلك الآية، يكون معناه: إلا عليها حافظ.
ومعنى الآية: إن كلا الفريقين لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ ثواب أَعْمالَهُمْ بالخير خيراً، وبالشر شراً.
إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ من الخير والشر.
قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ يعني: استقم على التوحيد والطاعة كما أمرت وَمَنْ تابَ مَعَكَ أيضاً يستقيموا على التوحيد وَلا تَطْغَوْا أي: لا تعصوا الله، في التوحيد وطاعته.
إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشرّ بَصِيرٌ.
قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا أبو حفص، عن سعيد، عن قتادة في قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ أي: امضِ على ما أمرت قال: إن الله تعالى أمر بالاستقامة على التوحيد، وأن لا يطغى في نعمته.
وقال القتبي: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ يعني: امضِ على ما أمرت به، إن الله أمر بأن يمضى ما أمر به.
<div class="verse-tafsir"
قال ص: والظاهر أنَّ ضمير فاعل: «يأت» : يعودُ على ما عاد عَلَيْه ضَميرُ «نُؤَخِّره» ، والناصبُ ل «يَوْم» «لا تَكَلَّمُ» ، والمعنى: لا تكَلَّمُ نَفْسٌ يوم يأتي ذلك اليَوْمُ إِلا بإِذنه سبحانه.
انتهى.
وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ: عائدٌ على الجمعِ الذي يتضمَّنه قوله: نَفْسٌ، إِذ هو اسمُ جِنْسٍ يراد به الجَمْعُ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ وهي أصواتُ المكْروبين والمَحْزُونين والمعذَّبين، ونحو ذلك، قال قتادةُ: الزَّفير: أول صَوْتِ الحِمارِ، والشهيقُ: آخره «١» ، فصياحُ أهْل النَّار كذلك، وقال أبو العالية: «الزفير» : من الصدر، و «الشهيق» : من الحَلْق «٢» ، والظاهر ما قال أبو العالية.
وقوله سبحانه: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ: يُرْوَى عن ابن عباس:
أَنَّ اللَّه خلق السموات والأرْضَ مِنْ نُورِ العَرْشِ، ثم يردهما إلى هنالك/ في الآخرة «٣» ، فلهما ثَمَّ بَقَاءٌ دائمٌ، وقيل: معنى: ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ: العبارة عن التأبيدِ بما تَعْهَدُهُ العرب، وذلك أنَّ من فصيح كلامِهَا، إِذا أرادَتْ أَن تخبر عَنْ تأبيد شيء أنْ تقول: لاَ أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا أَمَدَ الدهْرِ، وما نَاحَ الحَمَامُ، وما دامت السموات والأرْضُ، وقيل غير هذا.
قال ص: وقيل: المراد سموات الآخرةِ، وأَرْضها يدلُّ عليه قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [إبراهيم: ٤٨] انتهى.
وأما قوله: إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ:
في الاستثناء ثلاثةُ أقوالٍ:
أحدها: أنه متَّصل، أي: إِلا ما شاء ربُّكَ من إِخراج الموحِّدين وعلَى هذا يكونُ قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا عاماً في الكَفَرَةِ والعُصَاةِ، ويكون الاستثناء من خالِدِينَ،
وهذا قولُ قتادة وجماعةٍ «١» .
الثَّاني: أنَّ هذا الاستثناء ليس بمتَّصل ولا منقطعٍ، وإِنما هو على طريق الاستثناء الذي نَدَبَ إِليه الشَّرْعُ في كلِّ كلام فهو على نحو قوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ [الفتح: ٢٧] .
الثالث: أَنَّ «إِلا» في هذه الآية بمعنى «سوى» ، والاستثناء منقطعٌ، وهذا قول الفَرَّاء، فإِنه يقدِّر الاستثناء المنقطع ب «سِوَى» وسيبَوَيْهِ يقدِّره ب «لكن» ، أيْ: سوَى ما شاء اللَّه زائداً على ذلك ويؤيِّد هذا التأويلَ قوله بَعْدُ: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، وقيل: سِوَى ما أعد اللَّه لهم من أنواعِ العَذَاب، وأشدُّ من ذلك كلِّه سَخَطُهُ سبحانه عليهم، وقيل: الاستثناء في الآيتين من الكَوْنِ في النار والجنَّة، وهو زمانُ المَوْقِفِ، وقيل: الاستثناء في الآية الأولى:
من طُول المُدَّة، وذلك على ما روي أَنَّ جهنم تَخْرَبُ، ويُعْدَمُ أهلُها، وتخفقْ أبوابُهَا، فهم على هذا يَخْلُدون حتَّى يصير أمرهم إِلى هذا.
قال ع «٢» : وهذا قولٌ محتملٌ، والذي رُوِيَ ونُقِل عن ابن مسعود وغيرهِ أنَّ ما يخلى من النَّار إِنما هو الدَّرْكُ الأَعلى المختصُّ بعصاة المؤمنين «٣» ، وهذا الذي يسمَّى جَهَنَّمَ، وسُمِّي الكلُّ به تجوُّزاً.
ت: وهذا هو الصوابُ- إِن شاء اللَّه- وهو تأويل صاحب «العاقبة» أنَّ الذي يَخْرَبُ ما يَخُصُّ عصاةَ المُؤْمِنِين، وتقدَّم الكلام على نظير هذه الآية، وهو قوله في «الأنعام» : خالِدِينَ فِيها إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٢٨] .
قال ع «٤» : والأقوال المترتِّبة في الاستثناء الأوَّلِ مرتبةٌ في الاستثناء الثاني في الذين سعدوا إِلاَّ تأويلَ مَنْ قال: هو استثناء المدة التي تخرَبُ فيها جهنَّم فإِنه لا يترتَّب هنا، وال مَجْذُوذٍ: المقْطُوع، والإِشارة بقوله: مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ إِلى كفَّار العرب، وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ معناه: من العقوبةِ، وقال الداوديُّ عن ابن عباس:
وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ: قال: ما قُدِّر لهم من خَيْرٍ وشرٍّ انتهى «٥» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ كُلا ﴾ يُشِيرُ إلى جَمِيعِ مَن قَصَّ قِصَّتَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِهِ كُفّارَ هَذِهِ الأُمَّةِ.
وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ أوْ بَشَرٌ " لَيُوَفِّيَنَّهم " .
قَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ " وإنَّ " مُشَدَّدَةَ النُّونِ، " لَما " خَفِيفَةً.
واللّامُ في " لَما " لامُ التَّوْكِيدِ، دَخَلَتْ عَلى " ما " وهي خَبَرُ " إنَّ " .
واللّامُ في " لَيُوَفِّيَنَّهم " اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم، ودَخَلَتْ " ما " لِلْفَصْلِ بَيْنَ اللّامَيْنِ.
قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: وقِيلَ: إنَّ " ما " زائِدَةٌ، لَكِنْ دَخَلَتْ لِتَفْصِلَ بَيْنَ اللّامَيْنِ اللَّذَيْنِ يَتَلَقَّيانِ القَسَمَ، وكِلاهُما مَفْتُوحٌ، فَفَصَلَ بِـ " ما " بَيْنَهُما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " وإنْ " بِالتَّخْفِيفِ، وكَذَلِكَ " لَما " .
قالَ سِيبَوَيْهِ: حَدَّثَنا مَن نَثِقُ بِهِ أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: إنْ عَمْرًا لَمُنْطَلِقٌ، فَيُخَفِّفُونَ " إنْ " ويُعْمِلُونَها وأنْشَدَ: ووَجْهٍ حَسَنِ النَّحْرِ كَأنْ ثَدْيَيْهِ حُقّانِ وَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " وإنْ " خَفِيفَةً، " لَمّا " مُشَدَّدَةً، والمَعْنى: وما كُلًّا إلّا؛ وهَذا كَما تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، وإلّا فَعَلْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " وإنَّ " بِالتَّشْدِيدِ، " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ أيْضًا.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ، لِأنَّهُ كَما لا يَحْسُنُ: إنَّ زَيْدًا إلّا مُنْطَلِقٌ، كَذَلِكَ لا يَحْسُنُ تَثْقِيلُ " إنَّ " وتَثْقِيلُ " لَمّا " .
وحَكى عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَّثْقِيلِ في " لَمّا "، ولَمْ يُبْعِدْ فِيما قالَ.
وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: الأصْلُ فِيها " لَمِن ما " ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُّونُ في المِيمِ، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ في اللَّفْظِ، فَحُذِفَتِ المِيمُ المَكْسُورَةُ؛ والتَّقْدِيرُ: وإنَّ كُلًّا لَمِن خَلْقٍ لَيُوَفِّيَنَّهم.
قالَ: وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: " لَمَن ما " بِفَتْحِ المِيمِ في " مَن " فَتَكُونُ " ما " زائِدَةً، وتُحْذَفُ إحْدى المِيماتِ لِتَكْرِيرِ المِيمِ في اللَّفْظِ؛ والتَّقْدِيرِ: لَخَلْقٌ لَيُوَفِّيَنَّهم، ومَعْنى الكَلامِ: لَيُوَفِّيَنَّهم جَزاءَ أعْمالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ لَفْظُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ، والمَعْنى لَهُ ولِأُمَّتِهِ، ولَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ شَكٌّ فَيَقَعْ عنهُ نَهْيٌ، ولَكِنْ مِن فَصاحَةِ القَوْلِ في بَيانِ ضَلالَةِ الكَفَرَةِ إخْراجَهُ في هَذِهِ العِبارَةِ، أيْ حالُهم أوضَحُ مِن أنْ يُمْتَرى فِيها، والمِرْيَةُ: الشَكُّ، و ﴿ هَؤُلاءِ ﴾ إشارَةٌ إلى كُفّارِ العَرَبِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ ﴾ المَعْنى: أنَّهم مُقَلِّدُونَ لا بُرْهانَ عِنْدَهم ولا حُجَّةَ، وإنَّما عِبادَتُهم تَشَبُّهًا مِنهم بِآبائِهِمْ لا عن بَصِيرَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ وعِيدٌ، ومَعْناهُ: العُقُوبَةُ الَّتِي تَقْتَضِيها أعْمالُهُمْ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ أنَّ عَلى الأوَّلِينَ كِفْلًا مِن كُفْرِ الآخِرِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَمُوَفُّوهُمْ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "لَمُوفُوهُمْ" بِسُكُونِ الواوِ وتَخْفِيفِ الفاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ الآيَةُ.
تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ، وذِكْرُ قِصَّةِ مُوسى مَثَلٌ لَهُ: أيْ: لا يَعْظُمُ عَلَيْكَ أمْرُ مَن كَذَّبَكُ فَهَذِهِ هي سِيرَةُ الأُمَمِ، فَقَدْ جاءَ مُوسى، بِكِتابٍ فاخْتَلَفَ الناسُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أُمَّةَ مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ، وأنْ يَعُمَّهُمُ اللَفْظُ أحْسَنُ عِنْدِي، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنَّ كُلا ﴾ و"الكَلِمَةُ" هاهُنا عِبارَةٌ عَنِ الحُكْمِ والقَضاءِ، ومَعْنى ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ : لَفُصِلَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بِنَعِيمِ هَذا وعَذابِ هَذا.
ووَصْفُ الشَكِّ بِالمُرِيبِ تَقْوِيَةٌ لِمَعْنى الشَكِّ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو: "وَإنَّ كُلًّا لَما" بِتَشْدِيدِ النُونِ وتَخْفِيفِ المِيمِ مِن "لَما"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ بِتَخْفِيفِهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ بِتَشْدِيدِهِما، وكَذَلِكَ حَفَصٌ عن عاصِمٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - بِتَخْفِيفِ "إنْ" وتَشْدِيدِ المِيمِ مِن "لَمّا"، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وسُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ: "وَإنَّ كُلًّا لَمًّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ وتَنْوِينِها، وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ: "وَإنْ كُلُّ لَمّا" بِتَخْفِيفِ "إنْ" ورَفْعِ "كُلُّ" وشَدِّ "لَمّا"، وكَذَلِكَ قَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ "لَما"، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإنْ كُلٌّ إلّا لِيُوَفِّيَنَّهُمْ"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: الَّذِي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وَإنْ مِن كُلٍّ إلّا لِيُوَفِّيَنَّهم أعْمالَهُمْ".
فَأمّا الأوَّلُ فَ "إنَّ" فِيها عَلى بابِها، و "كُلًّا" اسْمُها، وعُرْفُها أنْ تَدْخُلَ عَلى خَبَرِها لامٌ، وفي الكَلامِ قَسَمٌ تَدْخُلُ لامُهُ أيْضًا عَلى خَبَرِ "إنَّ"، فَلَمّا اجْتَمَعَ لامانِ فُصِلَ بَيْنَهُما بِ "ما"، هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ .
وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" خَبَرَ "إنَّ"، وهي لِمَن يَعْقِلُ لِأنَّهُ مَوْضِعُ جِنْسٍ وصِنْفٍ، فَهي بِمَنزِلَةِ "مَن"، كَأنَّهُ قالَ: "وَإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ لِيُوَفِّيَنَّهُمْ"، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا واخْتارَهُ، أمّا إنَّهُ يَلْزَمُ القَوْلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَوْصُوفَةً إذْ هي نَكِرَةٌ، كَما قالُوا: مَرَرْتُ بِما مُعْجِبٍ لَكَ، ويَنْفَصِلُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ يَقُومُ مَعْناهُ مَقامَ الصِفَةِ، لِأنَّ المَعْنى: "وَإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ مُوَفّى عَمَلَهُ".
وأمّا مَن خَفَّفَها -وَهِيَ القِراءَةُ الثانِيَةُ في تَرْتِيبِنا- فَحُكْمُ "إنْ" وهي مُخَفَّفَةٌ حُكْمُها مُثَقَّلَةٌ، وتِلْكَ لُغَةٌ فَصَيْحَةٌ، حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ الثِقَةَ أخْبَرَهُ: أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: "إنْ عَمْرًا لِمُنْطَلِقٌ"، وهو نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: ووَجْهٌ مُشْرِقُ النَحْرِ ∗∗∗ كَأنْ ثَدْيَيْهِ حُقّانِ رَواهُ أبُو زَيْدٍ، ويَكُونُ القَوْلُ في فَصْلِ "ما" بَيْنَ اللامَيْنِ حَسْبَما تَقَدَّمَ، ويَدْخُلُها القَوْلُ الآخَرُ مِن أنْ تَكُونَ "ما" خَبَرَ "إنْ".
وأمّا مَن شَدَّدَها أو خَفَّفَ "إنْ" وشَدَّدَ المِيمَ فَفي قِراءَتَيْهِما إشْكالٌ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: "إنَّ "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، كَما تَقُولُ: "سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا وكَذا" بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ "لَمّا" هَذِهِ لا تُفارِقُ القَسَمَ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: أصْلُها "لَمَن ما" فَقُلِبَتِ النُونُ مِيمًا، وأُدْغِمَتْ في الَّتِي بَعْدَها فَبَقِيَ "لَمَمّا" فَحُذِفَتِ الأُولى تَخْفِيفًا لِاجْتِماعِ الأمْثِلَةِ، كَما قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: والبَغْيِ يَعِظُكم بِهِ بِحَذْفِ الياءِ مَعَ الياءِ، وكَما قالَ الشاعِرُ: وأشْمَتَّ العُداةَ بِنا فَأضْحَوْا ∗∗∗ ∗∗∗ لَدىْ يَتَباشَرُونَ بِما لَقِينا قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا ضَعِيفٌ، وقَدِ اجْتَمَعَ في هَذِهِ السُورَةِ مِيماتٌ أكْثَرُ مِن هَذِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ﴾ ولَمْ يُدْغَمْ هُناكَ فَأحْرى ألّا يُدْغَمَ هُنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ الناسِ: أصْلُها "لَمَن ما"، فَ "مَن" خَبَرُ "إنَّ"، و "ما" زائِدَةٌ، وفي التَأْوِيلِ الَّذِي قَبْلَهُ أصْلُهُ: "لَمَن ما"، فَ "ما" هي الخَبَرُ دَخَلَتْ عَلَيْها "مِن" عَلى حَدِّ دُخُولِها في قَوْلِ الشاعِرِ: وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَمّا" أصْلُها "لَمًّا" مُنَوَّنَةً، والمَعْنى: وإنْ كُلًّا عامًّا حَصْرًا شَدِيدًا، فَهُوَ مَصْدَرُ: لَمَّ يَلُمُّ، كَما قالَ: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُراثَ أكْلا لَمًّا ﴾ ، أيْ: شَدِيدًا، قُلْتُ: ولَكِنَّهُ تَرَكَ تَنْوِينَهُ وصَرْفَهُ وبُنِيَ مِنهُ (فَعْلى) كَما فَعَلَ في [تَتْرىَ]، فَقُرِئَ: "تَتْرا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، حُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَثْقِيلِ في "لَمّا".
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأمّا مَن قَرَأ "لَمّا" بِالتَنْوِينِ وشَدِّ المِيمِ فَواضِحُ الوَجْهِ كَما بَيَّنّا.
وأمّا مَن قَرَأ: "وَإنْ كُلٌّ لَما" فَهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، وحَقُّها في أكْثَرِ لِسانِ العَرَبِ - أنْ يَرْتَفِعَ ما بَعْدَها، و "لَما" هُنا بِمَعْنى "إلّا"، كَما قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ ﴾ ، ومَن قَرَأ "إلّا" مُصَرَّحَةً فَمَعْنى قِراءَتِهِ واضِحٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ.
<div class="verse-tafsir"
تذييل للأخبار السابقة.
والواو اعتراضية.
و(إنْ) مخفّفة من ﴿ إنّ ﴾ الثّقيلة في قراءة نافع، وابن كثير، وأبي بكر عن عاص، وأعملت في اسمها فانتصب بعدها.
و(إنْ) المخففة إذا وقعت بعدها جملة اسمية يكثر إعمالها ويكثر إهمالها قاله الخليل وسيبويه ونحاة البصرة وهو الحق.
وقرأ الباقون (إنّ) مشدّدة على الأصل.
وبتنوين ﴿ كُلاّ ﴾ عوض عن المضاف إليه.
والتقدير: وإنّ كلّهم، أي كلّ المذكورين آنفاً من أهل القرى، ومن المشركين المعرّض بهم، ومن المختلفين في الكتاب من أتباع موسى عليه السّلام.
و (لَما) مخفّفة في قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، والكسائي، فاللاّم الدّاخلة على (مَا) لام الابتداء التي تدخل على خبر ﴿ إنّ ﴾ .
واللاّم الثّانية الدّاخلة على ﴿ ليوفينّهم ﴾ لام جواب القسم.
و(مَا) مزيدة للتأكيد.
والفصل بين اللاّمين دفعاً لكراهة توالي مثلين.
وقرأ ابن عامر، وحمزة، وعاصم، وأبو جعفر، وخلَف بتشديد الميم من (لَمّا).
فعند مَن قرأ (إنْ) مخفّفة وشدّد الميم وهو أبو بكر عن عاصم تكون (إن) مخفّفة من الثقيلة، وأمّا مَن شدّد النون (إنّ) وشدّد الميم من (لمّا) وهم ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، وخلف فتوجيه قراءتهم وقراءة أبي بكر ما قاله القراء: إنّها بمعنى (لَمِنْ مَا) فحذف إحدى الميمات الثلاث، يريد أنّ (لَمّا) ليست كلمة واحدة وإن كانت في صُورتها كصورة حرف (لَمّا) في رسم المصحف (لأنّه اتّبع فيه صورة النطق بها) وإنّما هي مركّبة من لاَم الابتداء و(مِنْ) الجارة التي تستعمل في معنى كثرة تكرّر الفعل كالتي في قول أبي حَية النمري: وإنّا لَمِمّا نَضرب الكبش ضربة *** على رأسه تُلقِي اللسانَ من الفم أي نكثر ضرب الكبش، أي أمير جيش العدوّ على رأسه.
وقول ابن عبّاس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاقي من الوحي شدّة، وكان ممّا يحرّك لسانه حين يُنزل عليه القرآن، فقال الله تعالى: ﴿ لا تحرّك به لسانك لتعجل به ﴾ [القيامة: 16] الآية.
فأصل هذه الكلمات في الآية على هذه القراءات: وإنّ كُلا لَمِنْ مَا ليُوفينهم، فلمّا قلبت نون (من) ميماً لإدغامها في ميم (مَا) اجتمع ثلاث ميمات فحذفت الميم الأولى تخفيفاً وهي ميم (مِن) لوجود دليل عليها وهو الميم الثانية لأنّ أصل الميم الثّانية نون (مِن) فصار (لَمّا).
ولام ﴿ ليوفينّهم ﴾ لام قسم.
ومعنى الكثرة في هذه الآية الكناية عن عدم إفلات فريق من المختلفين في الكتاب من إلحاق الجزاء عن عمله به.
والمعنى: وإنّ جميعهم لَلاَقُون جزاء أعمالهم لا يفلت منهم أحد، وإن توفية الله إياهم أعمالهم حقّقه الله ولم يسامح فيه.
فهذا التخريج هو أولى الوجوه التي خرجت عليها هذه القراءة وهو مروي عن الفراء وتبعه المهدوي ونصر الشيرازي النّحوي ومشى عليه البيضاوي.
وقد أنهاها أبو شامة في «شرح منظومَة الشّاطبي» إلى ستّة وجوه وأنهاها غيره إلى ثمانية وجوه.
وفي تفسير الفخر: سمعت بعض الأفاضل قال: إنّ الله تعالى لمّا أخبر عن توفية الأجزية على المستحقّين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التّوكيدات، أوّلها: كلمة (إنْ) وهي للتأكيد، وثانيها (كلّ) وهي أيضاً للتّأكيد، وثالثها اللاّم الدّاخلة على خبر (إنّ)، ورابعها حرف (ما) إذا جعلناه موصولاً على قول الفراء، وخامسها القسم المضمر، وسادسها اللاّم الدّاخلة على جواب القسم، وسابعها النون المؤكدة في قوله: ﴿ ليوفينهم ﴾ .
وتوفية أعمالهم بمعنى توفية جزاء الأعمال، أي إعطاء الجزاء وافياً من الخير على عمل الخير ومن السوء على عمل السوء.
وجملة ﴿ إنّه بما يعملون خبير ﴾ استئناف وتعليل للتّوفية لأنّ إحاطة العلم بأعمالهم مع آرادة جزائهم توجب أن يكون الجزاء مطابقاً للعمل تمام المطابقة.
وذلك محقق التوفية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نَصِيبُهم مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: نَصِيبُهم مِنَ العَذابِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: ما وُعِدُوا بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «سلوا الله العافية فإنه لم يعط أحد أفضل من معافاة بعد يقين، وإياكم والريبة فإنه لم يؤت أحد أشر من ريبة بعد كفر» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ﴾ قال: ما قدر لهم من خير وشر.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم ﴾ قال: موفوهم نصيبهم من العذاب.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي العالية رضي الله عنه ﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم ﴾ قال: من الرزق.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى يوفي كل عبد ما كتب له من الرزق فاجملوا في المطلب، دعوا ما حرم وخذوا ما حل» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ الآية، اختلف القراء (١) ﴿ إِنَّ ﴾ و ﴿ لمَّا ﴾ وتخفيفهما؛ فقرأ أبو عمرو والكسائي: ﴿ وَإِنَّ ﴾ مشددة النون ﴿ لمَا ﴾ خفيفة، قال الزجاج (٢) ﴿ لمَا ﴾ هو الوجه والقياس، ولام ﴿ لمَا ﴾ لام ﴿ إِنَّ ﴾ و (ما) زائدة مؤكدة لم تغير المعنى ولا العمل.
وقال أبو علي (٣) (٤) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (٥) ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً ﴾ ، واللام الأخرى هي التي لتلقّي القسم، نحو: (والله لتفعلن)، ودخلت (ما) لتفصل بين اللامين؛ لأنه إذا كره أن تجتمع "اللام" و"أن" مع اختلاف لفظيهما لاتفاقهما في معنى التأكيد ففصل بينهما فأنْ يفصل بين اللامين مع اتفاق اللفظين أجدر، فقوله ﴿ وَإِنَّ كُلًّا ﴾ ، نصب ﴿ كُلًّا ﴾ بـ (أن) ودخلت اللام -وهي لام الابتداء- على خبر "إن" وهو قوله ﴿ لمَّا ﴾ ، وقد دخلت في الخبر لام أخرى وهي التي يتلقى (٦) (٧) وقال الفراء (٨) ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ ثم جعل اللام التي فيها جوابًا لـ (إنَّ)، وجعل اللام التي في ﴿ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ لامًا دخلت على نية يمين فيما بين "ما" وصلتها، كما تقول: (هذا مَنْ لَيَذْهَبَنَّ)، و (عندي ما لَغَيْرُهُ خيرٌ منه)، ومثله ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ ، وهذا القول كالأول إلا أنه أجاز أن تكون "ما" هاهنا اسمًا بمعنى "مَنْ"، وعند الزجاج (٩) ﴿ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا ﴾ مخففتين.
ووجه هذه القراءة ما ذكره سيبويه (١٠) (١١) ﴿ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا ﴾ يخففون وينصبون.
قال الأزهري (١٢) (١٣) ووجه حسن النحر ...
كأنْ ثدييه حقان أراد (كأنّ) فخفف وأعمل، قال أبو علي (١٤) (١٥) قال الفراء (١٦) (١٧) فلو أنْكِ في يوم الرخاء سألتني ...
فراقكِ لم أبخل وأنتِ صديق فأما مع الظاهر فلا، لكن إذا خففوها رفعوا، قال: ومن قرأ ﴿ وَإِنَّ كُلًّا ﴾ فإنهم نصبوا (كلًا) بـ ﴿ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ كأنه قال: وإن ليوفينهم كلا.
قال: وهذا وجه لا أشتهيه؛ لأن اللام لا يقع الفعل الذي بعدها (١٨) ﴿ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا ﴾ مشددتان.
والكلام في تخفيف "إنَّ" وتشديدها قد ذكرناه، وبقي الكلام في تشديد ﴿ لَمَّا ﴾ هاهنا.
قال أبو إسحاق (١٩) (٢٠) (٢١) قال: وقال بعضهم قولا (٢٢) ﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ معناها إلا عليها.
وقال الفراء (٢٣) (٢٤) (٢٥) واني لمما (٢٦) قال: وربما تحذف بعض الحروف إذا اجتمعت كما أنشد الكسائي (٢٧) وأشمتَّ العداة بنا فأضحوا ...
لَدَيَّ تباشرون بما لقينا معناه لَدَيَّ يتباشرون فحذف لاجتماع الياءات، ومثله (٢٨) كأن من آخرها إلقادمِ ...
مَخْرِمَ نجدِ فارع المخارمِ أراد (إلى القادم)، فحذف اللام عند اللام، قال: وأما من جعل (لما) بمنزلة (إلا) فإنه وجه لا نعرفه، وقد قالت العرب: بالله لما قمت عنا، وإلا قمت عنا وأما (لما) بمعنى (إلا) في الاستثناء فلم يقولوه في شعر ولا غيره؛ لا يجوز: ذهب الناس لما زيد بمعنى (٢٩) قال أبو علي (٣٠) ﴿ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا ﴾ بالتشديد [فيهما (٣١) ﴿ وإن كُلا ﴾ بالتخفيف، ﴿ لمَّا ﴾ بالتشديد] (٣٢) ﴿ إِنَّ ﴾ إذا نصب بها وإن كانت مخففة كانت بمنزلتها مثقلة، و ﴿ لمَّا ﴾ إذا شددت كانت بمنزلة إلا، فكما لا يحسن [(إن زيدًا إلا منطلق) كذلك لا يحسن] (¬7) تثقيل ﴿ إِنَّ ﴾ وتثقيل ﴿ لَمَّا ﴾ ، فأما مجيء ﴿ لَمَّا ﴾ هو في قولك: نشدتك الله لما فعلمت وإلا فعلت؛ فقال الخليل: الوجه لتفعلن كما تقول أقسمت عليك لتفعلن، وأما دخول إلا ولما فلأن المعنى الطلب، فكأنه أراد ما أسألك إلا فعل كذا فلم يذكر حرف النفي في اللفظ وإن كان مرادًا [كما كان مرادًا] (٣٣) (٣٤) ﴿ إِنَّ ﴾ لو خففت فخفف ﴿ إِنَّ ﴾ ورفع ﴿ كُلًّا ﴾ بعدها ثم ثقل ﴿ لَمَّا ﴾ ، فكان يجوز تثقيل ﴿ لَمَّا ﴾ على أن يكون المعنى: ما كل إلا ليوفينهم، فيكون ذلك كقوله ﴿ وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ فأما تثقل ﴿ لمَّا ﴾ مع النصب في (كل) فلا وجه له.
وهذا كله في إبطال ما أجازه الزجاج في تشديد ﴿ لمَّا ﴾ ؛ قال (٣٥) (٣٦) ﴿ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ﴾ فإذا لم يحذف شيء من هذا فلأن لا تحذف ثَمَّ أجدر، وقد قرئ ﴿ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا ﴾ بالتنوين، والمعنى (٣٧) ﴿ أَكْلًا لَمًّا ﴾ .
فإن قال قائل: إن (لما) فيمن ثقل أنها هي ﴿ لمًّا ﴾ هذه ووقف عليها بالألف تم أجري الوصل مجرى الوقف فذلك مما يجوز في الشعر.
قال الكسائي (٣٨) ﴿ إِنَّ ﴾ وشدد ﴿ لمَّا ﴾ فالله أعلم بذلك ليس لي به علم، ولا من خفف "إنّ" ثم نصب (كلاّ) أيضًا وشدد "لمّا" فلست أدري أيضًا، قال أبو علي: ولم يبعد الكسائي فيما قال (٣٩) ﴿ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ، خبير قال: يريد بطاعة أوليائه وخبير بمعصية أعدائه.
(١) قرأ ابن كثير ونافع بالتخفيف فيهما، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر تخفيف النون وتشديد الميم، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد النون، واختلفا في الميم فشددها حمزة وخففها الكسائي.
وقرأ أبو عمرو مثل قراءة الكسائي، وقرأ ابن عامر مثل قراءة حمزة، وقرأ ابن عامر مثل قراءة حمزة، وقرأ حفص عن عاصم بالشديد فيهما مثل حمزة وابن عامر.
انظر: "السبعة" 339، الطبري 12/ 232 - 124 ، "إتحاف" ص 260، "الكشف" 1/ 536.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 81.
(٣) "الحجة" 4/ 381 - 386 بتصرف واخصار.
(٤) ما بين المعقوفين بياض في (ب).
(٥) ساقط من (ي).
(٦) ساقط من (ي).
(٧) ساقط من (ب).
(٨) "معانى القرآن" 2/ 28.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 81.
(١٠) "الحجة" 4/ 386.
(١١) في (أ)، (ب): (إن عمرًا).
(١٢) "تهذيب اللغة" (إن) 1/ 223، وفيه "وقال أبو طالب النحوي، فيما روى عنه المنذري، قال: أهل البصرة غير سيبويه وذويه يقولون: إن العرب تخفف (إن) الشديدة وتعملها ..
" والصحيح ما أثبته كما في "الكتاب" 1/ 283.
(١٣) في رواية (ووجه مشرق النحر) وهو من شواهد سيبويه التي لم تنسب، والنقل مع الشاهد في "الكتاب" 2/ 135، وانظر: "الخزانة" 4/ 358، ابن الشجري 1/ 362، الطبري 12/ 125، "تهذيب اللغة" (إن) 1/ 223، "الإنصاف" ص 166، "أوضح المسالك" 1/ 378، "تلخيص الشواهد" ص 389، "شرح المفصل" 8/ 82، "اللسان" (أنن) 1/ 19، "المقاصد النحوية" 2/ 305.
(١٤) "الحجة" 4/ 386.
(١٥) في (ي): (كما يعمل في غير محذوف).
(١٦) "معاني القرآن" 2/ 29.
(١٧) البيت لم أعثر على قائله وهو في "الإنصاف" 169، "شرح المفصل" لابن يعيش 8/ 71، 73 "خزانة الأدب" 2/ 465، 4/ 452، "شرح الشواهد" للسيوطي ص 31، "همع الهوامع" 2/ 187، "الدر" 1/ 120، "الإنصاف" 1/ 205، "الجنى الداني" / 218، "شرح ابن عقيل" 1/ 384، "اللسان" (حرر) 2/ 830، "المقاصد النحوية" 1/ 311.
(١٨) ساقط من (ب).
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 81.
(٢٠) "تهذيب اللغة" (لم) 4/ 3295.
(٢١) في (جـ)، (ي): (أصلا).
(٢٢) ساقط من (ي).
(٢٣) "معاني القرآن" 2/ 29.
(٢٤) في (ي): لما.
(٢٥) لم أهتد إلى قائله، وانظر: "معاني القرآن" 2/ 29، الطبري 12/ 123 - 124 القرطبي 9/ 105، "الدر المصون" 6/ 403.
(٢٦) في (ب): (فلما).
(٢٧) لم أهتد إلى قائله.
وانظر: "معاني القرآن" 2/ 29، الطبري 12/ 124، "الدر المصون" 6/ 403.
(٢٨) لم أهتد إلى قائله.
وانظر: "معاني القرآن" 2/ 29، "اللسان" (قدم) 6/ 3554، الطبري 15/ 495، "الدر المصون" 6/ 404.
(٢٩) في (ب): (المعنى).
(٣٠) "الحجة" 4/ 387.
(٣١) ساقط من (ي).
(٣٢) و (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٣٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣٤) مثل عربي، انظر: "الإيضاح في علوم البلاغة" للخطيب القزويني 2/ 48، "المستقصى في أمثال العرب" للزمخشري 2/ 130.
(٣٥) أي: أبو علي؛ انظر: "الحجة" 4/ 387، بتصرف.
(٣٦) ساقط من (ب).
(٣٧) في (ب).
(ومعنى).
(٣٨) "مشكل إعراب القرآن" ص 416.
(٣٩) انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 387 - 388، بتصرف.
(٤٠) الطبري 12/ 126، البغوي 4/ 203، "زاد المسير" 4/ 164، القرطبي 9/ 104 من غير نسبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هؤلاء ﴾ المرية الشك والإشارة إلى عبدة الأصنام، أي لا تشك في فساد دين هؤلاء ﴿ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم ﴾ أي: هم متبعون لآبائهم تقليداً من غير برهان ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ يعني من العذاب ﴿ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ ﴾ يعني: القدر، وذلك أن الله قضى أن يفصل بينهم يوم القيامة فلا يفصل في الدنيا ﴿ وَإِنَّ كُلاًّ ﴾ قرئ بتشديد إن وبتخفيفها، وإعمالها عمل الثقيلة، والتنوين في كل عوضاً من المضاف إليه يعني كلهم، واللام في لما موطئة للقسم، وما زائدة، وليوفينّهم خبر إن، وقرئ لما بالتشديد على أن تكون إن نافية، ولمّا بمعنى إلا ﴿ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أعمالهم ﴾ اي جزاء أعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء: يعقوب والمفضل.
الباقون بالنون ﴿ يوم يأتي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعر ونافع وأبو عمرو وعلي في الوصل.
الآخرون بحذف الياء ﴿ لا تكلم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ سعدوا ﴾ بضم السين: حمزة وعلي وخلف وحفص.
قيل إنه على حذف الهمزة من "أسعدوا" لأن ﴿ سعدوا ﴾ لازم ولكنه قد جاء المسعود، الآخرون بفتحها ﴿ وإن كلاً ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ونافع وأبو بكر وحماد.
الباقون بالتشديد.
﴿ لما ﴾ مشدداً: ابن عامر وعاصم ويزيد وحمزة و كذلك في "الطارق".
الباقون بالتخفيف ﴿ وزلفاً ﴾ بضمتين: يزيد.
الآخرون بفتح اللام ﴿ فؤادك ﴾ وبابه بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يرجع ﴾ مجهولاً: نافع وحفص والمفضل ﴿ تعملون ﴾ خطاباً وكذلك في آخر "النمل": أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.
الباقون على الغيبة.
الوقوف: ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ مشهود ﴾ ه ﴿ معدود ﴾ ط ﴿ بإذنه ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع فاء التعقيب.
﴿ وسعيد ﴾ ه ﴿ شهيق ﴾ ه لا لأن ما يتلوه حال والعامل فيه ما في النار من معنى الفعل ﴿ شاء ربك ﴾ ط ﴿ يريد ﴾ ه ﴿ شاء ربك ﴾ ط لأن التقدير يعطون عطاء ﴿ مجذوذ ﴾ ه ﴿ هؤلاء ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ منقوص ﴾ ه ﴿ فاختلف فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ خيبر ﴾ ه ﴿ ولا تطغوا ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ لا لأن ما بعده من تمام جزاء ولا تركنوا ﴿ تنصرون ﴾ ه ﴿ من الليل ﴾ ط ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ للذاكرين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لأن التقدير وقد اتبع ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مصلحون ﴾ ه ﴿ مختلفين ﴾ ه لا ﴿ رحم ربك ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ فؤادك ﴾ ج إذ التقدير وقد جاءك ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ مكانكم ﴾ ط ﴿ عاملون ﴾ ه لا للعطف ﴿ وانتظروا ﴾ ج أي فإنا ﴿ منتظرون ﴾ ط ﴿ وتوكل عليه ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي قصصنا عليك من أحوال الأمم ﴿ لآية ﴾ لعبرة ﴿ لمن خاف ﴾ أي لمن هو أهل لأن يخاف ﴿ عذاب الآخرة ﴾ كقوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ لأن انتفاعه يعود إليهم.
قال القفال - في تقرير هذا الاعتبار: إنه إذاعلم أن هؤلاء عذبوا على ذنوبهم في الدنيا وهي دار العمل فلأن يعذبوا عليها في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى.
واعترض عليه في التفسير الكبير بأن ظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال في الدنيا.
والقفال جعل الأمر على العكس قال: والأصوب عندي أن هذا تعريض لمن زعم أن إله العالم موجب بالذات لا فاعل مختار، وأن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء عليهم السلام مثل الغرق والخسف والصيحة إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب، وإذا كان كذلك فلا يكون حصولها دليلاً على صدق الأنبياء عليهم السلام.
أما الذي يؤمن بالقيامة ويخاف عذابها فيقطع بأن هذه الوقائع ليست بسبب الكواكب واتصالاتها فيستفيد مزيد الخشية والاعتبار.
أقول: وهذا نظر عميق والأظهر ما ذكرت أوّلاً ومثله في القرآن كثير.
﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ﴾ ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ﴾ ثم لما كان لعذاب الآخرة دلالة على يوم القيامة أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك يوم مجموع ﴾ أي يجمع لما فيه من الحساب والثواب والعقاب.
﴿ الناس ﴾ وأوثر اسم المفعول على فعله لأجل إفادة الثبات وأن حشر الأولين والآخرين فيه صفة له لازمة نظيره قول المتهدد: إنك لمنهوب مالك محروب قومك.
فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ أي مشهود فيه الخلائق فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به.
والفرق بين هذا الوصف والوصف الأول أن هذا يدل على حضور الناس فيه مع اطلاع البعض منهم على أحوال الباقين من المحاسبة والمساءلة ليس بحيث لا يعرف كل واحد إلا واقعة نفسه.
والجمع المطلق لا يفيد هذ المعنى وإنما فسرنا اليوم بأنه مشهود فيه لا أنه مشهود في نفسه لأن سائر الأيام تشركه في كونها مشهودات.
وإنما يحصل التمييز بأنه مشهود فيه دون غيره كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهوداً فيه دونها ﴿ وما نؤخره إلا ﴾ لانتهاء ﴿ لأجل معدود ﴾ أي انقضاء مدة معلومة عيَّن الله وقوع الجزاء بعدها وفيه فائدتان: إحداهما أن وقت القيامة متعين لا يتقدم ولا يتأخر، والثانية أن ذلك الأجل متناهٍ وكل منتاهٍ فإنه يفنى لا محالة وكل آتٍ قريب.
ثم ذكر بعض أهوال ذلك اليوم فقال: ﴿ يوم يأت ﴾ حذف الياء والاكتفاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، وفاعل ﴿ يأتي ﴾ قيل: الله كقوله: ﴿ أو يأتي ربك ﴾ أي أمره أو حكمه دليله قراءة من قرأ ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء وقوله: ﴿ بإذنه ﴾ .
وقيل: المراد الشيء المهيب الهائل المستعظم فحذف ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف.
وقيل: فاعله ضمير اليوم والمراد إتيان هوله وشدائده كيلا يصير اليوم ظرفاً لإتيان اليوم.
وانتصاب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ لا تكلم ﴾ أو باذكر مضمراً أو بالانتهاء المقدر أي ينتهي الأجل يوم يأتي وتاء التأنيث محذوفة من لا تكلم، والآيات الدالة على التكلم في ذلك اليوم مع الآيات الدالة على نفي التكلم كقوله : ﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ﴾ {النحل: 111] وكقوله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ {المرسلات: 35] محمولة على اختلاف المواطن والأزمنة، أو نفى العذر الصحيح المقبول وأثبت العذر الباطل الكاذب.
ثم قسم أهل الموقف المجموعين للحساب أو الأفراد العامة التي دلت عليها نفس فقال: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ أي ومنه سعيد.
ولا خلاف في أن الشقاء والسعادة مقترنان بالعمل الفاسد والعمل الصالح ويترتب عليهما الجنة والنار في الآخرة، وإنما النزاع في أن العمل سبب للشقاء مثلاً كما هو مذهب المعتزلة، أو الشقاء سبب العمل كما هو مذهب أهل السنة، فيختلف تفسير الشقاء بحسب المذهبين فهو عند المعتزلة الحكم بوجوب النار له لإساءته، وعند السني جريان القلم عليه في الأزل بأنه من أهل النار وأنه يعمل عمل أهل النار والتحقيق في المسألة قد مر مراراً.
قيل: قد بقي ههنا قسم آخر ليسوا من أهل النار ولا من أهل الجنة كالمجانين والأطفال فهم أصحاب الأعراف، وتخصيص القسمين بالذكر لا يدل على نفي الثالث.
أما قوله في صفة أهل النار ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ ففيه وجوه قال الليث وكثير من الأدباء: الزفير استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه وحينئذٍ يرتفع صدره وينتفخ جنباه، والشهيق إخراج ذلك الهواء بجهد شديد من الطبيعة، وكلتا الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم.
والحاصل أنهم جعلوا الزفير بمنزلة ابتداء نهيق الحمار، والشهيق بمنزلة آخره.
وقال الحسن: إن لهب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى دركات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من النار، فارتفاعهم في النار هو الزفير، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق.
وقال أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن، وربما يتبعها الغشية، وربما يحصل عقيبه الموت.
وقال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر.
وقيل: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف.
وعن ابن عباس: لهم فيها بكاء لا ينقطع وحزن لا يندفع.
وقال أهل التحقيق: قوة ميلهم إلى الدنيا ولذاتها زفير، وضعفهم عن الاستسعاد بكمالات الروحانيات شهيق.
ثم إن قوماً ذهبوا إلى أن عذاب الكفار منقطع وله نهاية واستدلوا على ذلك بالقرآن والحديث والمعقول.
أما القرآن فقوله : ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ أي مدة بقائهما ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ وفيه استدلالان: الأول أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض المتناهية بالاتفاق.
الثاني استثناء المشيئة ويؤكد هذا النص قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ {النبأ: 23] وأما الحديث فما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد" وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً.
وأما المعقول فهو أن العقاب ضرر خال عن النفع لا في حق الله ولا في حق المكلف فيكون قبيحاً.
وأيضاً الكفر جرم متناه ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم.
والجمهور من الأمة على أن عذاب الكافر دائم.
وأجابوا عن الآية بأن المراد سموات الآخرة وأرضها المشار إليهما بقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ﴾ ولا بد لأهل الآخرة مما يظلهم ويقلهم فهما السماء والأرض، وإذا علق حصول العذاب للكافر بوجودهما لزم الدوام.
وأيضاً القرآن قد ورد على استعمالات العرب.
وإنهم يعبرون عن الدوام والتأبيد بقولهم "ما دامت السموات والأرض" ونظيره قولهم: "ما اختلف الليل والنهار".
و "ما أقام ثبير وما لاح كوكب".
ويمكن أيضاً أن يقال: حاصل الآية يرجع إلى شرطية هي قولنا: إن دامت السموات والأرض دام عقابهم فإذا قلنا لكن السموات والأرض دائمة لزم دوام عقابهم وهو المطلوب، وإن قلنا لكنهما لم تدوما فإنه لا ينتج مطلوب الخصم لأن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئاً.
وبعبارة أخرى دلت الآية على أنه كلما وجدت السموات والأرض وجد عقابهم.
فلو قلنا لكنهما لم يوجدا لم يلزم منه أن لا يوجد عقابهم، أو يوجد فالآية لا تدل على حصول العقاب لهم دهراً طويلاً ومدة مديدة.
وأما إنه هل يكون له آخر أم لا فذلك إنما يستفاد من دليل آخر كقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وأما الاستدلال بالاستثناء فقد ذكر ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء أن هذا الاستثناء لا ينافي عدم المشيئة كقولك و "الله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك" وقد يكون عزمك على ضربه ألبتة وتعلم أنك لا ترى غير ذلك.
وردّ بالفرق، فإن معنى الآية الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء الله، فالمشيئة قد حصلت جزماً.
ولقائل أن يقول: الماضي ههنا في معنى الاستقبال مثل ﴿ ونادى أصحاب الأعراف ﴾ ﴿ وسيق الذين اتقوا ﴾ فلم يبق فرق: وقيل: "إلا" بمعنى "سوى" أي سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له.
وقال الأصم وغيره: المراد زمان مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو في الموقف.
وقيل: الاستثناء يرجع إلى قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ كأنهم يصيرون آخر الأمر إلى الهمود والخمود.
وقيل: فائدة الاستثناء أن يعلم إخراج أهل التوحيد من النار والمراد إلا من شاء ربك، وهذا التأويل إنما يليق بقاعدة الأشاعرة وأكدوه بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ فكأنه يقول: أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد، وليس لأحد عليّ حكم ألبتة.
وأما المعتزلة فكأنهم لا يرضون بهذا ويقولون: إن الاستثناء الثاني لا يساعده لحصول الإجماع على أن أحداً من أهل الجنة لا يدخل النار.
فالصواب أن يقال: إنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، فإن أهل النار ينقلون إلى الزمهرير وإلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأهل الجنة ينقلون إلى العرش أو إلى ما هو أعلى حالاً من الجنة كقوله: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ ثم قالوا: إنه ختم آية الوعيد بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ وآية الوعد بقوله: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ رعاية للمطابقة كأنه قال: إنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له والجذ القطع.
وأما الجواب عن الحديث فقد قال في الكشاف: إن صح فمعناه أنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها.
وأقول: يحتمل أن يكون الألف سبب عدم الإحساس بالعذاب بل يكون سبب الالتذاذ بالمألوف فيكون خلوّ جهنم إشارة إلى هذا المعنى.
وأما الجواب عن المعقول فهو أن السير في الله ومبدأه من عالم التكاليف لما كان غير متناهٍ فعذاب البعد عنه أيضاً يجب أن يكون غير متناهٍ: أو نقول: لا نهاية لنوره فلا غاية لظلمة الغافل عنه والمنكر له.
أو نقول: أوضح الأشياء الوجود الواجب فإذا كان الشخص ذاهلاً عنه كان مسلوب الاستعداد بالكلية فلا يكون إنساناً في الحقيقة، فلا يتصور له عروج من عالم الطبيعة، والعبارات في هذا المقام كثيرة والمعنى واحد يدركه من وفق له وخلق لأجله.
ولما فرغ من أقاصيص عبدة الأصنام وبيان أحوال الأشقياء والسعداء سلّى رسول الله بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن نهي له عن الامتراء في سوء مغبتهم قائلاً ﴿ فلا تك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال ﴿ في مرية ﴾ في شك ﴿ مما يعبد ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي من عبادة ﴿ هؤلاء ﴾ أو من الذي يعبده هؤلاء المشركون والمراد النهي عن الشك في سوء عاقبة عبادتهم.
ثم علل النهي مستأنفاً فقال: ﴿ ما يعبدون إلا كما يعبد ﴾ كالذي يعبده ﴿ آباؤهم ﴾ أو كعبادة آبائهم.
والحاصل أنهم شبهوا بآبائهم في لزوم الجهل والتقليد.
﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم ﴾ من الرزق والخيرات الدنيوية أو من إزالة العذر وإزاحة العلة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، أو نصيبهم من العذاب كما وفينا آباؤهم أنصباؤهم.
وفي الكشاف أن ﴿ غير منقوص ﴾ حال من النصيب ليعلم أنه تام كامل إذ يجوز أن يوفي بعض الشيء كقولك وفيته شطر حقه.
قلت: هي مغالطة لأن قول القائل: "وفيته شطر حقه" التوفية تعود إلى الشطر.
فلو قيل: غير منقوص كان كالمكرر.
وعاد السؤال.
فالصواب أن يقال: إنه حال مؤكدة أو صفة تقوم مقام المصدر أي توفية نحو ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ أي إفساداً.
ثم أورد نظيراً لإنكارهم نبوّة محمد صلى الله فقال: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ﴾ آمن به قوم وكفر به قوم آخرون كما اختلف في القرآن، والغرض أن إنكار الحق عادة قديمة للخلق ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ هي أن رحمتي سبقت غضبي أو هي ان دار الجزاء الآخرة لا الدنيا أو هي أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال.
﴿ لقضي بينهم ﴾ بين قوم موسى أو بين قومك بتمييز المحق من المبطل بسبب الإنجاء والإهلاك وهذه من جملة التسلية أيضاً ﴿ وإنهم ﴾ يعني قوم موسى أو قومك ﴿ لفي شك منه ﴾ من كتابه أو من كتابك أو من أمر المعاد أو القضاء أو الجزاء.
ثم جميع الأولين والآخرين في حكم توفية الجزاء ثواباً أ وعقاباً فقال: ﴿ وإن كلاً ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي وإن كلهم يعني أن جميع المختلفين فيه.
ومن قرأ بالتخفيف فعلى إعمال المخففة إذ لا يلزم من التخفيف إبطال العمل كما في "لم يكن" "ولم يك".
ومن قرأ "لما" مخففاً فاللام هي الداخلة في خبر "إن" و "ما" مزيدة للفصل بين لام "إن" وبين لام جواب القسم المقدر كما فصلوا بالألف بين النونات في قولهم "أضربنان".
ويمكن أن يكون "ما" نكرة أي لخلق أو جمع.
والله ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وقبيح وإيمان وجحود.
ومن قرأ "لما" مشدداً فأصله "لمن ما" قلبت النون ميماً فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت الأولى تخفيفاً، وجاز حذف الأولى وإبقاء الساكنة لاتصال اللام بها.
ويجوز أن يكون أصله "لما" بالتنوين - كما في قراءتي الزهري وسليمن بن أرقم - فحذف فبقى "لما" ممدوداً ومعناه ملومين أي مجموعين.
وقرأ أبيّ ﴿ وإن كل لما ليوفينهم ﴾ على أن "إن" نافية و"لما" بمعن "إلا" كما في الطارق.
ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات توفية الجزاء وأن شيئاً من الحقوق لا يضيع عنده.
منها لفظة "إن"، ومنها لام خبر "إن"، ومنها "كل"، ومنها "ما" المزيدة، ومنها القسم، ومنها لا القسم، ومنها نون التأكيد، ومنها لفظ التوفية، ومنها ربك فإن من يربيك يقدر على توفية حقك، ومنها الجمع المضاف، ومنها ختم الآية بقوله: ﴿ إنه بما يعملون خبير ﴾ فإنه إذا كان عالماً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات كان عالماً بعمل كل احد وبمقدار جزاء عمله، وقادراً على إيصال ذلك إليه، ثم إن كلامه حق وصدق وقد أخبر عن التوفية مع المؤكدات المذكورة فيقع وعده ووعيده لا محالة.
ثم أمر نبيه لتقتدي به أمته بكلمة جامعة للعقائد والأعمال قائلاً ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ عن جعفر الصادق .
معناه افتقر إلى الله بصحة العزم يعني الوثوق به والتوكل عليه ﴿ ومن تاب معك ﴾ عطف على الضمير في ﴿ فاستقم ﴾ وصح للفصل أو هو ابتداء أي ومن تاب معك فليستقم أو مفعول معه.
ثم كما أمر بالاستقامة على جادّة الحق نهى عن الانحراف عنها فقال ﴿ ولا تطغوا ﴾ والطغان مجاوزة الحد.
وقال ابن عباس: يريد تواضعوا للحق ولا تتكبروا على الخلق.
وخصص بعضهم الطغيان بالتجاوز عن حدود القرآن بتحليل حرامه وتحريم حلاله.
وهذه الآية أصل عظيم في الشريعة فيكون الترتيب في الوضوء واجباً كما ورد في القرآن، وكذلك القول في الحدود والكفارات ونصاب الزكاة وأعداد الركعات وغيرها من جميع المأمورات والمنهيات.
ويجب الاحتياط في المسائل الاجتهادية وفي القياسات.
وكذا في الأخلاق والملكات وفي كل ما له طرفا إفراط وتفريط فهما مذمومان.
والمحمود هو الوسط وهو الصراط المستقيم المأمور بالاستقامة والثبات عليه.
ولا ريب أن معرفته صعبة وبتقدير معرفته فالعمل به والبقاء عليه أصعب ولهذا قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله آية في القرآن أشد ولا أشق من هذه حتى إن أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب فقال : " شيبتني هود " أعني هذه الآية منها.
ثم لما كان لقرين السوء مدخل عظيم في تغيير العقائد وتبديل الأخلاق نهى عن مخالطة من يضع الشيء في غير موضعه فقال: ﴿ ولا تركنوا ﴾ أي لا تميلوا بالمحبة والهوى ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ فقال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة وتحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لدفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة فغير داخلة في الركون.
أقول: هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ وفي قوله: ﴿ فتمسكم النار ﴾ إشارة إلى أن الظلمة أهل النار بل هم في النار أو كالنار ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾ ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار.
وقوله: ﴿ وما لكم من دون الله ﴾ من تتمة الجزاء.
وقال في الكشاف: الواو للحال ﴿ من أولياء ﴾ من أنصار أي لا يقدر على منعكم من عذاب الله إلا هو.
﴿ ثم لا تنصرون ﴾ ثم لا ينصركم هو أيضا.
وفيه إقناط كلي.
وفائدة "ثم" تبعيد النصرة من الظلم.
قال أهل التحقيق: الركون الميل اليسير وقوله: ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ أي الذين حدث منهم الظلم.
فلم يقل "ولا تميلوا إلى الظالمين" ليدل على أن قليلاً من الميل إلى من حدث منه شيء من الظلم يوجب هذا العقاب، وإذا كان هذا حال من ركن إلى من ظلم فكيف يكون حال الظالم في نفسه؟
عن رسول الله "من دعا الظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه" .
وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك.
وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارىء على باب هؤلاء.
ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء؟
فقال: لا.
فقيل له: يموت.
فقال: دعه يموت.
ثم خص من أنواع الاستقامة إقامة الصلاة تنبيهاً على شرفها فقال: ﴿ وأقم الصلاة ﴾ قيل: تمسك بعض الخوارج بهذه الآية على أن الواجب من الصلاة ليس إلا الفجر والعشاء لأنهما طرفا النهار وهما الموصوفان بكونهما زلفاً من الليل، فإن ما لا يكون نهاراً يكون ليلاً.
غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف وهو كثير في كلامهم، ولئن سلم وجوب صلاة أخرى إلا أن قوله: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يشعر بأن إقامة الصلاة طرفي النهار كفارة لترك سائر الصلوات.
وجمهور الأمة على بطلان هذا القول واستدلوا بالآية على وجوب الصلوات الخمس لأن طرفي النهار منصوب على الظرف لإضافتهما إلى الوقت فيكتسب المضاف حكم المضاف إليه كقولك "أتيته نصف النهار" والطرفان هما الغدوة وهي الفجر والعشية وفيها الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشيّ ﴿ وزلفاً ﴾ جمع زلفة كظلم وظلمة أي ساعات ﴿ من الليل ﴾ قريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه.
وقرىء ﴿ زلفاً ﴾ بسكون اللام نحو "بسرة" و "بسر".
والزلف فيمن قرأ بضمتين نحو "بسر" و "بسر".
وقيل: ﴿ زلفاً ﴾ أي قرباً فيكون معطوفاً على الصلاة أي أقم الصلاة وأقم زلفاً أي صلوات يتقرب بها إلى الله عز وجل في بعض الليل.
وبالجملة فصلاة الزلف والمغرب والعشاء.
وقيل: إن طرفي النهار لا يشمل إلا الفجر والعصر وبه استدل على مذهب أبي حنيفة أن التنوير بالفجر أفضل وتأخير العصر أفضل، لأن الأمة أجمعت على أن نفس الطرفين - وهما وقت الطلوع والغروب - لا يصلح لإقامة الصلاة، فكل وقت كان أقرب إلى الطرفين كان أولى بإقامة الصلاة فيه حملاً للمجاز على ما هو أقرب إلى الحقيقة ما أمكن.
هذا ما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره.
ولقائل أن يقول: هذا لا يتمشى في صلاة الفجر لأن الطرف الأول للنهار في الشرع هو طلوع الصبح الصادق، والتنوير مبعد الصلاة منه لا مقرّب.
ولا أدري كيف ذهب عليه هذا المعنى مع إفراط عصبيته للشافعي.
واستدل أيضاً لأبي حنيفة على مذهبه في وجوب الوتر أن أقل الجمع ثلاثة فتجب إقامة الصلاة على النبي في ثلاث زلف من الليل أي ثلاث ساعات ذهب منها ساعتان للمغرب والعشاء فتعين أن تكون الساعة الثالثة للوتر، وإذا وجب عليه وجب على أمته لقوله: ﴿ فاتبعوه ﴾ ولمانع أن يمنع أن أقل الجمع ثلاثة أشياء، ثم إن كل ساعة لأجل صلاة، ثم إن كل ما يجب على النبي يجب على الأمة لأن الاتباع هو الإتيان بمثل فعله أعم من أن يكون على تلك الجهة أم لا.
﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال المفسرون: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: إن في البيت أجود من هذا.
فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها وأصاب منها كل ما يصيب الرجل من زوجته سوى الجماع، ثم ندم فأتى رسول الله فأخبره بما فعل فقال: أنتظر أمر ربي فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: نعم اذهب فإنها كفارة لما عملت.
فقيل له: هذا له خاصة أم للناس عامة؟
فقال: بل للناس عامة.
وروي أنه قال له: " توضأ وضوءاً حسناً وصل ركعتين" .
﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال ابن عباس: أي الصلوات الخمس كفارة لسائر الذنوب ما لم تكن كبيرة.
وقيل: المراد إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وعن مجاهد: الحسنات قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وقد يحتج بالآية على أن المعصية لا تضرّ مع الإيمان الذي هو رأس الأعمال الحسنة.
﴿ ذلك ﴾ المذكور من قوله: ﴿ فاستقم ﴾ إلى ههنا ﴿ ذكرى للذاكرين ﴾ عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشيدن.
ثم أمر بالصبر على التكاليف المذكورة أمراً ونهياً، ونص عن أن الإتيان بها إحسان وأن جزاءه سيحصل لا محالة فقال: ﴿ واصبر ﴾ الآية.
ثم عاد الى أحوال الأمم الخالية وبين أن السبب في حلول عذاب الاستئصال بهم أمران: الأول أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد وذلك قوله: ﴿ فلولا ﴾ أي فهلا ﴿ كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ﴾ ذوو خير ورشد وفضل، وذلك أن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصارت البقية مثلاً في الجودة.
يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم.
ومن أمثالهم "في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا".
وجوّز في الكشاف أن يكون من البقوى كالتقية في التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه ﴿ إلا قليلاً ﴾ استثناء متصل لأن في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون ناس ناهون إلا ناساً قليلاً.
ومن في ﴿ ممن أنجينا ﴾ للبيان أي هم الذين أنجيناهم.
قال في الكشاف: لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم.
ولقائل أن يقول: إذا كان النهي عن المنكر فرض كفاية لم يلزم أن تنحصر النجاة في الناهين؟
فيحتمل أن تكون من للتبعيض ويجوز - على ما في الكشاف - أن يكون الاستثناء منقطعاً معناه ولكن قليلاً ممن أنجيناه من القرون نهوا عن الفساد.
قال: ولو جعلته متصلاً على ما عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسداً لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم.
تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن: أقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من استثناء الصلحاء منهم أنه لا حاجة لهم إلى التحضيض كأنك قلت: أحضض قومك على القراءة إلا الصلحاء فإنهم لا يحتاجون إلى ذلك لأنهم مواظبون عليها، على أن في جعل الاستثناء منقطعاً شبه تناقض، لأن أول الكلام يدل على أنه لم يكن فيهم ناهٍ وآخره يدل على أن القليل منهم قد نهوا فتأمل في هذا المقام فإنه من مزلة الأقدام.
السبب الثاني.
في نزول العذاب قوله: ﴿ واتبع الذين ظلموا ما أترفوا ﴾ ما غرقوا ﴿ فيه ﴾ من التنعم والتترف من حيث الرياسة والثروة وأسباب العيش الهنيّ ورفضوا ما وراء ذلك مما يتعلق بأمر الدين، فهذه الجملة معطوفة على مدلول الجملة التحضيضية أي ما كان من القرون ناس كذا واتبع الظالمون كذا.
ويجوز أن يكون في الكلام إضمار والواو للحال كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاء إترافهم.
والمترف الذي أبطرته النعمة، وصبي مترف منعم البدن.
وقوله: ﴿ وكانوا مجرمين ﴾ إما معترضة وإما معطوف على ﴿ اتبع ﴾ أي وكانوا مجرمين بذلك، أو على ﴿ أترفوا ﴾ أي اتبعوا الإتراف.
وكونهم مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر.
ثم بين أنه ما ينبغي له أن يهلك القرى بظلم.
قال أهل السنة: أي بسبب مجرد الشرك والحال أنهم مصلحون في المعاملة والعشرة فيما بينهم، وذلك أن حقوق الله مبنية على المساهلة بخلاف حقوق العباد، وهذا كما قيل: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.
ويؤكد هذا التفسير أن عذاب الاستئصال إنما نزل بقوم لوط وشعيب لما حكى الله عنهم من إيذاء الناس والإفساد في الأرض.
وقالت المعتزلة قوله: ﴿ بظلم ﴾ حال من الفاعل والمعنى استحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالماً لها وأهلها قوم مصلحون في العمل تنزيهاً لذاته عن الظلم وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين ظلم.
ثم ذكر أن الكل بمشيئته وإرادته فقال: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ مهدية.
والمعتزلة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر وقد مر مراراً.
﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ في الأديان والأخلاق والأفعال، فمنهم من أنكر العلوم كلها حتى الحسيات والضروريات وهم السوفسطائية، ومنهم من سلم استنتاج العلوم كلها والمعارف ولم يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلاً وهم الدهرية، ومنهم من أثبت له مبدأ موجباً بالذات وهم الفلاسفة على ما أشتهر منهم ولهذا المقام تحقيق ليس ههنا موضع بيانه، ومنهم من أنكر النبوات وهم البراهمة، ومنهم من أثبتها وهم المسلمون والمجوس واليهود والنصارى.
وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لا تكاد تدخل تحت الحصر، وإنما لا يحمل الاختلاف في الآية على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمار بل حملناه على الاختلاف في الأديان وما يتعلق بها لأنه ينبو عن ذلك ما قبل الكلام وهو قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ وما بعده وهو قوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ قالت المعتزلة: إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على الدين الحق.
وقال أهل السنة: جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضاً في حق الكافر وهذه الرحمة أمر مختص بالمؤمن مرجح لجانب الإيمان وصدوره منه فإذن الإيمان بخلق الله وتكوينه وكذا ضده.
ثم قال: ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ فاختلف العلماء في المشار إليه بذلك، فالمعتزلة قالوا: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان منه الاختلاف خلقهم يثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره، أو ولما ذكر من الرحمة خلقهم.
والأشاعرة قالوا: ولأجل ما ذكر من الاختلاف خلقهم لما صح في الحديث أنه خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً.
وللدلائل الدالة على أن الكل بإيجاده وتخليقه وأن خلاف معلومه محال وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي علمه وإرادته أو قوله للملائكة ﴿ لأملأن جهنم ﴾ الآية.
وفرق المعتزلة بين معلومه ومراده.
ثم ذكر طرفاً من فوائد القصص المذكور في السورة فقال: ﴿ وكلاً ﴾ أي وكل نبأ ﴿ نقص عليك ﴾ وقوله: ﴿ من أنباء الرسل ﴾ بيان لكل و ﴿ ما نثبت ﴾ بدل من ﴿ كلاً ﴾ أو المراد وكل نوع من الاقتصاص على أنه مصدر أي على الأساليب المختلفة نقص، و ﴿ ما نثبت ﴾ مفعول.
ومعنى تثبيت فؤاده زيادة اليقين والطمأنينة لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم، أو المعنى تثبيت قلبه على أداء الرسالة وتحمل الأذى من قومه أسوة بسائر الأنبياء.
﴿ وجاءك في هذه ﴾ السورة أو في هذه الأنباء ﴿ الحق ﴾ وهو البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والوسط والمعاد ﴿ وموعظة ﴾ وهي الدلائل المقنعة الموقعة للتصديق بقدر الإمكان والأول للخواص أنفع والثاني للعوام أنجع.
﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ وهي الإرشاد إلى الأعمال الصالحة النافعة في الآخرة المحصلة لما هنالك من السعادة، فإن حسن هذا الدين معلوم لمن رجع إلى نفسه وعمل بمقتضى تذكره وفكره.
واعلم أن المعارف الإلهية لا بد لها من قابل وفاعل، وقابلها القلب وإنه ما لم يكن مستعداً لم يحصل له الانتفاع بسماع الدلائل وورودها عليه فلهذا السبب قدم ذكر إصلاح القلب وعلاجه وهو تثبيت الفؤاد، ثم عقبه بذكر المؤثر الفاعل وهو مجيء هذه السورة بل آية منها وهي قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ مشتملة على الحق والموعظة والذكرى، وهذا ترتيب في غاية الحسن.
ثم أمر بالتهديد لمن لم يؤثر فيهم هذه البيانات من أهل مكة وغيرهم فقال: ﴿ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا ﴾ وقد مر تفسير مثله في هذه السورة وفي "الأنعام" ﴿ وانتظروا ﴾ ما يعدكم الشيطان ﴿ إنا منتظرون ﴾ ما وعدنا الرحمن من الغفران والإحسان.
وعن ابن عباس: انتظروا بنا الدوائر فإنا منتظرون بكم العذاب كما حل بنظرائكم.
ثم ختم السورة بآية مشتملة على جميع المطالب من أمر المبدإ والوسط والمعاد وقد سبق تقريره في آخر "البقرة" في تفسير آية ﴿ آمن الرسول ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.
التأويل: ﴿ ما دامت السموات والأرض ﴾ أي ما دامت سموات الأرواح والقلوب وأرض النفوس البشرية ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ من الأشقياء، وذلك أن أهل الشقاء ضربان: شقي وأشقى.
فالشقي بالمعاصي سعيد بالتوحيد فيخلص من النار آخراً، والأشقى وهو الكافر يبقى فيها مخلداً، ومن أهل الجنة سعيد يبقى خالداً فيها، وأسعد وهم الذين يترقون إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وهناك مقام الوحدة الذي لا انقطاع له كما قال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ ﴿ لموفوهم نصيبهم ﴾ الذي قدر لهم في الأزل من الشقاء.
﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ باستكمال الشقاء لقضي بينهم بالهلاك عاجلاً ﴿ لفي شك منه ﴾ إشارة إلى الضلال.
وقوله: ﴿ مريب ﴾ إشارة إلى الإضلال.
﴿ وإن كلاً ﴾ أي كل واحد من الضالين ومن المضلين ﴿ فاستقم ﴾ أمر التكوين ولذلك قال: ﴿ كما أمرت ﴾ أي في الأزل، وفي قوله: ﴿ ومن تاب معك ﴾ إشارة إلى أن النفوس جبلت على الاعوجاج فيحتاج إلى الرجوع من الطريق المنحرف إلى الصراط المستقيم إلى من اختص بالاستقامة بسبب أمر التكوين كالنبي ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يعني أن الأعمال الصالحة في الأوقات المعدودة تزيل ظلمات الأوقات المصروفة في قضاء الحوائج النفسانية الضرورية، وذلك أن تعلق الروح النوري العلوي بالجسد الظلماني السفلي موجب لخسران الروح كقوله: ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر ﴾ إلا أن يتداركه أنوار العمل الصالح فيرقيه من حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية بل إلى الوحدة الربانية، فتندفع عنه ظلمة الجسد السفلي مثاله: إلقاء الحبة في الأرض فإنه من خسران الحبة إلى أن يتداركه الماء وسائر الأسباب فيربيها إلى أن تصير الحبة الواحدة إلى سبعمائة.
وما زاد ذلك الذي ذكرنا من التدارك عظة للذاكرين الذين يريدون أن يذكروا الله في جميع الأحوال فإنهم إذا حافظوا على هذه الأوقات فكأنهم حافظوا على جميعها لأن الإنسان خلق ضعيفاً ليس يقدر على صرف جميع الأوقات في محض العبودية والعبادة.
﴿ فلولا كان من القرون ﴾ صورة التحضيض وحقيقته السؤال ليجاب بأنه لم يكن كذلك لأنك فاعل مختار، فعال لما تريد، خلقت خلقاً للإقرار وخلقت خلقاً للإنكار ولا اعتراض لأحد عليك يؤديه قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ طالبة للحق متوجهة إليه ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ منهم من يطلب الدنيا، ومنهم من يطلب العقبى، ومنهم من يطلب المولى وهم المشار إليهم بقوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ ﴿ ولذلك ﴾ أي لطلب الله ﴿ خلقهم ﴾ بحسن الاستعداد ولأن رحمته سبقت غضبه، ولكن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في الوجود وهو قوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ جرى به القلم للضرورة وما نثبت به فؤادك التثبيت منه والتشكيك منه، بيده مفاتيح أبواب اللطف والقهر ﴿ وقيل للذين لا يؤمنون ﴾ لطلب الحق ووجدانه ﴿ اعلموا ﴾ في طلب المقاصد من باب القهر ﴿ إنا عاملون ﴾ في طلب الحق من باب لطفه ﴿ وانتظروا ﴾ نتائج أعمالكم ﴿ إنا منتظرون ﴾ ثمرات أعمالنا ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي ما غاب عنكم مما أودع من لطفه في سموات القلوب ومن قهره في أرض النفوس ﴿ وإليه يرجع ﴾ أمر أهل السعادة والشقاء ومظاهر اللطف والقهر ﴿ فاعبده ﴾ أيها الطالب للحق فإنك مظهر اللطف ﴿ وتوكل عليه ﴾ في الطلب لا على طلبك فإنك إن طلبته بك لم تجده ﴿ وما ربك بغافل ﴾ في الأزل ﴿ عما تعملون ﴾ إلى الأبد والله حسبي.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ ﴾ تأويله - والله أعلم -: لا تكن يا محمد في شك بأن هؤلاء قد بلغوا في عبادتهم الأصنام والأوثان الحد الذي بلغ آباؤهم في عبادتهم الأصنام والأوثان فأهلكوا إذا بلغوا ذلك الحد، فهؤلاء - أيضاً - قد بلغوا ذلك المبلغ؛ أي: مبلغ الهلاك، لكن الله برحمته وفضله أخره عنهم إلى وقت.
أو يقال: إن هؤلاء قد بلغوا في العبادة لغير الله بعد نزول القرآن والحجة المبلغ الذي كان بلغ آباؤهم قبل نزول الحجة والبرهان في عبادتهم غير الله.
أو كان في قوم قد أظهروا الموافقة لهم، وكانوا يعبدون الأصنام في السر على ما كان يعبد آباؤهم، فقال: هؤلاء وإن أظهروا الموافقة لك فقد بلغوا بصنيعهم في السر مبلغ آبائهم، والله أعلم هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إخبار عن قوم خاص أنه لا يؤمن أحد منهم؛ ليجعل شغله بغيرهم.
والثاني: إخبار ألا يؤمن جميع قومك كما لم يؤمن قوم موسى بأجمعهم؛ بل قد آمن منهم فريق، ولم يؤمن فريق، فعلى ذلك يكون قومك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ قال بعضهم: قوله: وإنا لموفوهم نصيبهم في الدنيا من الأرزاق، وما قدر لهم من النعم ﴿ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ ، لا ينقص ما قدر لهم؛ أي: لا يهلكون حتى يوفى لهم الرزق.
وقال قائلون: (وإنا لموفوهم بأعمالهم غير منقوص) أي: لا ينقصون من أعمالهم شيئاً، ولا يزادون عليها، إن كان حسناً فحسن، وإن كان شرّاً فشر؛ فهو على الجزاء.
وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ يقول: إنا نوفر لهم حظهم من العذاب في الآخرة، غير منقوص عنهم ذلك العذاب.
وقوله: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ إن كان التأويل في قوله: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ ﴾ على الإياس من قوم علم الله منهم أنهم لا يؤمنون، فيكون تأويله ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ...
﴾ الآية [هود: 15]، وإن كان الثاني فهو ما ذكر في آية أخرى قوله: ﴿ وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ...
﴾ الآية [هود: 111].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ ﴾ أي: التوراة ﴿ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ أي: اختلف في الكتاب، والاختلاف فيه يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: في الإيمان به والكفر منهم، من آمن به، ومنهم من كفر.
والثاني: اختلفوا فيه: في الزيادة والنقصان، والتبديل والتحويل والتحريف؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ...
﴾ الآية [آل عمران: 78]، وكقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ...
﴾ الآية [البقرة: 79] وقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ وأمثاله من الآيات.
والوجه الثالث: من الاختلاف: اختلفوا في تأويله وفي معناه بعد ما آمنوا به وقبلوه، فالاختلاف في التأويل مما احتمل كتابنا، وأمّا التبديل والتحويل والتحريف، والزيادة والنقصان فإنه لا يحتمل لما ضمن الله حفظ هذا الكتاب بقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ وقال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ...
﴾ الآية [فصلت: 42]، وجعله ميسراً على ألسن الناس وقلوبهم، حتى من زاد، أو نقص، أو بدل، أو حرف شيئاً أو قدم، أو أخر عرف ذلك، فهو - والله أعلم - لما لا يحتمل إحكام هذا نسخها ولا شرائعه تبديلها، وأما الكتب السالفة فإنما جعل حفظها إليهم بقوله: ﴿ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ فهو - والله أعلم - لما احتمل شرائعها وأحكامها نسخها وتبديلها، لذلك كان الأمر ما ذكرناه.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ ذكر هذا لرسول الله يصبره على ما اختلف فيه قومه في الكتاب الذي أنزل عليه؛ يقول: وقد اختلف فيما أنزل على من كان قبلك كما اختلف فيما أنزل عليك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ بالهلاك إهلاك استئصال واستيعاب.
وكلمته التي سبقت تحتمل ما كان من حكمه أن يختم الرسالة بمحمد وأن يجعله خاتم النبيين، وأمته آخر الأمم، بهم تقوم الساعة، يحتمل أن يكون كلمته التي ذكر هذا الذي ذكرناه.
وتحتمل وجهاً آخر: وهو أن كان من حكمه أنهم إذا اختلفوا في الكتاب والدين، وصاروا بحيث لا يهتدون إلى شيء، ولا يجدون سبيلا إلى الدين أن يبعث رسولا يبين لهم الدين، ويدعوهم إلى الهدى؛ لولا هذا الحكم الذي سبق وإلا لقضي بينهم بالهلاك.
والثالث: [لولا] ما سبق منه أن يؤخر العذاب عن هذه الأمة إلى وقت وإلا لقضي بينهم بالهلاك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل الكملة التي ذكر أنها سبقت في قوم موسى، وهو أنه لا يهلكهم بعد الغرق إهلاك استئصال، والتوراة إنما أنزلت من بعد، فقد آمن [من قومه قوم، وهو ما قال]: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ...
﴾ الآية [الأعراف: 159].
[وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ في الدين مريب].
وقال بعضهم: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ يعني: من العذاب مريب وقد ذكرنا الفرق بين الشك والريب فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ قيل: ﴿ لَّمَّا ﴾ هاهنا صلة، يقول - والله أعلم -: وإن كلا ليفينهم ربك جزاء أعمالهم في الآخرة إن كان شرّاً فشرّ، وإن كان حسناً فحسن.
ومن قرأ ﴿ لَّمَّا ﴾ بالتشديد [فتأويله يحتمل] وجهين: أحدهما: إلا.
والثاني: لما؛ أي: "لَمِمْمَا" اجتمع فيها ميمات طرحت الواحدة وأدغمت إحداهما في الأخرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ وهو وعيد.
<div class="verse-tafsir"
وإن كل من ذُكِر من المختلفين ليُتِمَّنَّ له ربك -أيها الرسول- جزاء أعمالهم، فما كان خيرًا كان جزاؤه خيرًا ,وما كان شرًّا كان جزاؤه شرًّا، إن الله بدقائق ما يعملونه عليم، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.6ezaQ"