الآية ١١٨ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١١٨ من سورة هود

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ١١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٨ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٨ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة ، من إيمان أو كفران كما قال تعالى : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) [ يونس : 99 ] .

وقوله : ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ) أي : ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم .

قال عكرمة : ( مختلفين ) في الهدى .

وقال الحسن البصري : ( مختلفين ) في الرزق ، يسخر بعضهم بعضا ، والمشهور الصحيح الأول .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربك ، يا محمد ، لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة ، ودين واحد، (1) كما:- 18699- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، يقول: لجعلهم مسلمين كلهم.

* * * وقوله: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) ، يقول تعالى ذكره: ولا يزال النَّاس مختلفين ، (إلا من رحم ربك).

* * * ثم اختلف أهل التأويل في " الاختلاف " الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به.

فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان ، فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء : ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى ، من بين يهوديّ ونصرانيّ، ومجوسي، ونحو ذلك.

وقال قائلو هذه المقالة: استثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان.

*ذكر من قال ذلك : 18700- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، والحنيفيَّة همُ الذين رحم ربُّك 18701- حدثني المثني قال ، حدثنا قبيصة قال ، حدثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) ، قال: اليهود والنصارى والمجوس .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة قال سعيد بن جبير : على ملة الإسلام وحدها .

وقال الضحاك : أهل دين واحد ، أهل ضلالة أو أهل هدى .ولا يزالون مختلفين أي على أديان شتى ; قاله مجاهد وقتادة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته، أن لا يزالوا مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم, متبعين للسبل الموصلة إلى النار، كل يرى الحق، فيما قاله، والضلال في قول غيره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولو شاء ربك لجعل الناس ) كلهم ( أمة واحدة ) على دين واحد .

( ولا يزالون مختلفين ) على أديان شتى من بين يهودي ونصراني ، ومجوسي ، ومشرك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو شاء ربك لجعل الناس أمَّة واحدة» أهل دين واحد «ولا يزالون مختلفين» في الدين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو شاء ربك لجعل الناس كلهم جماعة واحدة على دين واحد وهو دين الإسلام، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، فلا يزال الناس مختلفين في أديانهم؛ وذلك مقتضى حكمته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أخبر - سبحانه - بأن قدرته لا يعجزها شئ فقال : ( وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً ) .والأمة : القوم المجتمعون على أمر واحد؛ يقتدى فيه بعضهم ببعض ، وهذا اللفظ مأخوذ من " أم " بمعنى قصد ، لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده فى مختلف شئونه .ولو شرطية امتناعية ، ومفعول فعل المشيئة محذوف والتقدير :ولو شاء ربك - أيها الرسول الكريم الحريص على إيمان قومه - أن يجعل الناس جميعاً أمة واحدة مجتمعة على الذين الحق لجعلهم ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، ليتميز الخبيث من الطيب ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ( وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً .

.

.

) وقوله - سبحانه - ( وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى .

.

.

) وقوله ( وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ .

إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ) تأكيد لما اقتضته سنته من اختلاف الناس .أى : ولا يزالون ما بقيت الدنيا مختلفين فى شأن الدين الحق ، فمنهم من دخل فيه وآمن به ، ومنهم من أعرض عنه ، إلا الذين رحمهم ربك منهم بهدايتهم إلى الصراط المستقيم من أول الأمر ، فإنهم لم يختلفوا ، بل اتفقوا على الإِيمان بالدين الحق فعصمهم الله - تعالى - من الاختلاف المذموم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بين أنه ما أهلك أهل القرى إلا بظلم وفيه وجوه: الوجه الأول: أن المراد من الظلم هاهنا الشرك قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ والمعنى أنه تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم والحاصل أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر، بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم.

ولهذا قال الفقهاء إن حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة.

وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح.

ويقال في الأثر الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم، فمعنى الآية: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ ﴾ أي لا يهلكهم بمجرد شركهم إذا كانوا مصلحين يعامل بعضهم بعضاً على الصلاح والسداد.

وهذا تأويل أهل السنة لهذه الآية، قالوا: والدليل عليه أن قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب إنما نزل عليهم عذاب الاستئصال لما حكى الله تعالى عنهم من إيذاء الناس وظلم الخلق.

والوجه الثاني: في التأويل وهو الذي تختاره المعتزلة هو أنه تعالى لو أهلكهم حال كونهم مصلحين لما كان متعالياً عن الظلم فلا جرم لا يفعل ذلك بل إنما يهلكهم لأجل سوء أفعالهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ والمعتزلة يحملون هذه الآية على مشيئة الإلجاء والإجبار وقد سبق الكلام عليه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ﴾ والمراد افتراق الناس في الأديان والأخلاق والأفعال.

واعلم أنه لا سبيل إلى استقصاء مذاهب العالم في هذا الموضع ومن أراد ذلك فليطالع كتابنا الذي سميناه بالرياض المونقة إلا أنا نذكر هاهنا تقسيماً جامعاً للمذاهب.

فنقول: الناس فريقان منهم من أقر بالعلوم الحسية كعلمنا بأن النار حارة والشمس مضيئة والعلوم البديهية كعلمنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان، ومنهم من أنكرهما، والمنكرون هم السفسطائية، والمقرون هم الجمهور الأعظم من أهل العالم، وهم فريقان: منهم من سلم أنه يمكن تركيب تلك العلوم البديهية بحيث يستنتج منها نتائج علمية نظرية، ومنهم من أنكره، وهم الذين ينكرون أيضاً النظر إلى العلوم، وهم قليلون، والأولون هم الجمهور الأعظم من أهل العالم، وهم فريقان: منهم من لا يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلاً وهم الأقلون، ومنهم من يثبت له مبدأ وهؤلاء فريقان: منهم من يقول: ذلك المبدأ موجب بالذات، وهم جمهور الفلاسفة في هذا الزمان، ومنهم من يقول: إنه فاعل مختار وهم أكثر أهل العالم، ثم هؤلاء فريقان: منهم من يقول: إنه ما أرسل رسولاً إلى العباد، ومنهم من يقول: إنه أرسل الرسول، فالأولون هم البراهمة.

والقسم الثاني أرباب الشرائع والأديان، وهم المسلمون والنصارى واليهود والمجوس، وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لا حدَّ لها ولا حصر، والعقول مضطربة، والمطالب غامضة، ومنازعات الوهم والخيال غير منقطعة، ولما حسن من بقراط أن يقول في صناعة الطب العمر قصير، والصناعة طويلة، والقضاء عسر، والتجربة خطر، فلأن يحسن ذكره في هذه المطالب العالية والمباحث الغامضة، كان ذلك أولى.

فإن قيل: إنكم حملتم قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ على الاختلاف في الأديان، فما الدليل عليه، ولم لا يجوز أن يحمل على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمال.

قلنا: الدليل عليه أن ما قبل هذه الآية هو قوله: ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ فيجب حمل هذا الاختلاف على ما يخرجهم من أن يكونوا أمة واحدة، وما بعد هذه الآية هو قوله: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ﴾ فيجب حمل هذا الاختلاف على معنى يصح أن يستثنى منه قوله: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ﴾ وذلك ليس إلا ما قلنا.

ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهداية والإيمان لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى، وذلك لأن هذه الآية تدل على أن زوال الاختلاف في الدين لا يحصل إلا لمن خصه الله برحمته، وتلك الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإزاحة العذر، فإن كل ذلك حاصل في حق الكفار، فلم يبق إلا أن يقال: تلك الرحمة هو أنه سبحانه خلق فيه تلك الهداية والمعرفة.

قال القاضي معناه: إلا من رحم ربك بأن يصير من أهل الجنة والثواب، فيرحمه الله بالثواب، ويحتمل إلا من رحمة الله بألطافه، فصار مؤمناً بألطافه وتسهيله، وهذان الجوابان في غاية الضعف.

أما الأول: فلأن قوله: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ﴾ يفيد أن ذلك الاختلاف إنما زال بسبب هذه الرحمة، فوجب أن تكون هذه الرحمة جارية مجرى السبب المتقدم على زوال هذا الاختلاف، والثواب شيء متأخر عن زوال هذا الاختلاف، فالاختلاف جار مجرى المسبب له، ومجرى المعلول، فحمل هذه الرحمة على الثواب بعيد.

وأما الثاني: وهو حمل هذه الرحمة على الألطاف فنقول: جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضاً في حق الكافر، وهذه الرحمة أمر مختص به المؤمن، فوجب أن يكون شيئاً زائداً على تلك الألطاف، وأيضاً فحصول تلك الألطاف هل يوجب رجحان وجود الإيمان على عدمه أو لا يوجبه، فإن لم يوجبه كان وجود تلك الألطاف وعدمها بالنسبة إلى حصول هذا المقصود سيان، فلم يك لطفاً فيه، وإن أوجب الرجحان فقد بينا في الكتب العقلية أنه متى حصل الرجحان فقد وجب، وحينئذ يكون حصول الإيمان من الله، ومما يدل على أن حصول الإيمان لا يكون إلا بخلق الله، أنه ما لم يتميز الإيمان عن الكفر، والعلم عن الجهل، امتنع القصد إلى تكوين الإيمان والعلم، وإنما يحصل هذا الامتياز إذا علم كون أحد هذين الاعتقادين مطابقاً للمعتقد وكون الآخر ليس كذلك، وإنما يصح حصول هذا العلم، أن لو عرف أن ذلك المعتقد في نفسه كيف يكون، وهذا يوجب أنه لا يصح من العبد القصد إلى تكوين العلم بالشيء إلا بعد أن كان عالماً، وذلك يقتضي تكوين الكائن وتحصيل الحاصل وهو محال فثبت أن زوال الاختلاف في الدين وحصول العلم والهداية لا يحصل إلا بخلق الله تعالى وهو المطلوب.

ثم قال تعالى: ﴿ ولذلك خَلَقَهُمْ ﴾ وفيه ثلاثة أقوال: القول الأول: قال ابن عباس: وللرحمة خلقهم، وهذا اختيار جمهور المعتزلة.

قالوا: ولا يجوز أن يقال: وللاختلاف خلقهم، ويدل عليه وجوه: الأول: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى من عوده إلى أبعدهما، وأقرب المذكورين هاهنا هو الرحمة، والاختلاف أبعدهما.

والثاني: أنه تعالى لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك الإيمان، لكان لا يجوز أن يعذبهم عليه، إذ كانوا مطيعين له بذلك الاختلاف.

الثالث: إذا فسرنا الآية بهذا المعنى، كان مطابقاً لقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ .

فإن قيل: لو كان المراد وللرحمة خلقهم لقال: ولتلك خلقهم ولم يقل: ولذلك خلقهم.

قلنا: إن تأنيث الرحمة ليس تأنيثاً حقيقياً، فكان محمولاً على الفضل والغفران كقوله: ﴿ هذا رَحْمَةٌ مّن رَّبّى  ﴾ وقوله: ﴿ إن رحمة الله قريب من المحسنين  ﴾ .

والقول الثاني: أن المراد وللاختلاف خلقهم.

والقول الثالث: وهو المختار أنه خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف.

روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا، وأهل العذاب لأن يختلفوا، وخلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، والذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه: الأول: الدلائل القاطعة الدالة على أن العلم والجهل لا يمكن حصولهما في العبد إلا بتخليق الله تعالى.

الثاني: أن يقال: إنه تعالى لما حكم على البعض بكونهم مختلفين وعلى الآخرين بأنهم من أهل الرحمة وعلم ذلك امتنع انقلاب ذلك، وإلا لزم انقلاب العلم جهلاً وهو محال.

الثالث: أنه تعالى قال بعده: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ ﴾ وهذا تصريح بأنه تعالى خلق أقواماً للهداية والجنة، وأقواماً آخرين للضلالة والنار، وذلك يقوي هذا التأويل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل أمّة واحدة أي ملة واحدة وهي ملة الإسلام، كقوله: ﴿ إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ [الأنبياء: 92] وهذا الكلام يتضمن نفي الاضطرار، وأنه لم يضطرهم إلى الاتفاق على دين الحق، ولكنه مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل، فاختلفوا، فلذلك قال: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ﴾ إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه ﴿ ولذلك خَلَقَهُمْ ﴾ ذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأوّل وتضمنه، يعني: ولذلك من التمكن والاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم، ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ﴾ وهي قوله للملائكة ﴿ لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ ﴾ لعلمه بكثرة من يختار الباطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مُسْلِمِينَ كُلَّهم، وهو دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ وأنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدِ الإيمانَ مِن كُلِّ أحَدٍ وأنَّ ما أرادَهُ يَجِبُ وُقُوعُهُ.

﴿ وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ بَعْضُهم عَلى الحَقِّ وبَعْضُهم عَلى الباطِلِ لا تَكادُ تَجِدُ اثْنَيْنِ يَتَّفِقانِ مُطْلَقًا.

﴿ إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ إلّا ناسًا هَداهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فاتَّفِقُوا عَلى ما هو أُصُولُ دِينِ الحَقِّ والعُمْدَةُ فِيهِ.

﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِـ ﴿ النّاسُ ﴾ فالإشارَةُ إلى الِاخْتِلافِ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ إلَيْهِ وإلى الرَّحْمَةِ، وإنْ كانَ لِمَن فَإلى الرَّحْمَةِ.

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ وعِيدٌ أوْ قَوْلُهُ لِلْمَلائِكَةِ.

﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ ﴾ أيْ مِن عُصاتِهِما ﴿ أجْمَعِينَ ﴾ أوْ مِنهُما أجْمَعِينَ لا مِن أحَدِهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً} أي متفقين على الإيمان والطاعات عن اختيار ولكن لم يشأ ذلك وقالت المعتزلة هى مشيئة قسر وذلك رافع للابتلاء فلا يجوز {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} في الكفر والإيمان أي ولكن شاء أن يكونوا مختلفين لما علم منهم اختيار ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مُجْتَمِعِينَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ بِحَيْثُ لا يَقَعُ مِن أحَدٍ مِنهم كُفْرٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ﴾ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ المُرادَ لَوْ شاءَ لَجَمَعَهم عَلى هُدًى أوْ ضَلالَةٍ ﴿ ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ بَعْضُهم عَلى الحَقِّ وبَعْضُهم عَلى الباطِلِ.

أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَعَلَّ المُرادَ الِاخْتِلافُ في الحَقِّ والباطِلِ مِنَ العَقائِدِ الَّتِي هي أُصُولُ الدِّينِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَشْمَلُ الِاخْتِلافَ في العَقائِدِ والفُرُوعِ وغَيْرِهِما مِن أُمُورِ الدِّينِ لِعَدَمِ ما يَدُلُّ عَلى الخُصُوصِ في النَّظْمِ، فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً يقول: لجمع الناس على ملة واحدة، وأكرمهم بدين الإسلام كلهم، ولكن علم أنهم ليسوا بأهل لذلك، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ يعني: أهل الباطل في الدين إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ يعني: عصم ربك من الاختلاف.

وقال عطاء: ولا يزالون مختلفين، يعني: اليهود والنصارى والمجوس، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ بالحنيفية وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ يعني: الحنيفية خلقهم للرحمة.

وقال الحسن: لِذلِكَ خَلَقَهُمْ يقول: للاختلاف، هؤلاء لجنته، وهؤلاء لناره.

وقال ابن عباس: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ «يعني: فريقين، فريقاً يرحم ولا يختلف» ، وفريقاً لا يرحم ويختلف.

ويقال: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ يعني: للأمر والنهي، بدليل قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] يعني: للأمر والنهي، وقال الضحاك: وللرحمة خلقهم.

وقال مقاتل: وللرحمة خلقهم، وهو الإسلام.

وروى حماد بن سلمة، عن الكلبي قال: خلقهم أهل الرحمة، أن لا يختلفوا.

وقال قتادة: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ للرحمة والعبادة، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ يقول: لا يزال أهل الأديان مختلفين في دين الإسلام.

ثم استثنى بعضاً.

وقال: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وهم المؤمنون أهل الحق، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ يقول: سبق ووجب قول ربك للمختلفين، لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فهذا لام القسم، فكأنه أقسم أن يملأ جهنم من كفار الجنة والناس أجمعين.

قوله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ يعني: ننزل عليك من أخبار الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ يقول: ما نشدد به قلبك ونحفظه، ونعلم أن الذي فعل بك قد فعل بالأنبياء قبلك، وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ قال قتادة: أي في الدنيا.

وقال ابن عباس: «يعني في هذه السورة» .

وروى سعيد بن عامر، عن عوف، عن أبي رجاء، قال: خطبنا ابن عباس على منبر البصرة، فقرأ سورة هود وفسرها، فلما أتى على هذه الآية: وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ «قال: في هذه السورة» ، وقال سعيد بن جبير وأبو العالية ومجاهد مثله.

وهكذا قال مقاتل: عن الفراء.

ثم قال: وَمَوْعِظَةٌ يعني: تأدبة لهذه الأمة، وَذِكْرى يعني: عظة وعبرة، لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: للمصدقين بتوحيد الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: ذلِكَ ذِكْرى: إِشارة إِلى الصلوات، أي: هي سببُ الذكْرَى، وهي العظَةُ، ويحتملُ أنْ تكونَ إِشارةً إِلى الإِخبار بأن الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئَاتِ.

/ ويحتملُ أنْ تكون إِشارةً إِلى جميعِ ما تقدَّم من الأوامر والنواهِي والقَصَص في هذه السّورة، وهو تفسير الطبريّ.

فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ ...

الآية، فَلَوْلا: هي التي للتحضيض، لكن، يقترن بها هنا مَعْنَى التفجُّع والتأسُّف الذي ينبغي أنْ يقع من البَشَر عَلَى هذه الأُمَمِ التي لم تهتد، وهذا نحو قوله سبحانه: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ [يس: ٣٠] ، والقرون من قبلنا قومُ نوحٍ وعادٍ وثمود، ومَنْ تقدم ذكْرُهُ.

وقوله: أُولُوا بَقِيَّةٍ: أي: أولو بقيةٍ مِنْ عقْلٍ وتمييزٍ ودينٍ، يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ وإِنما قيل: بَقِيَّةٍ لأن الشرائِعَ والدوَل ونَحْوَها، قوَّتُها في أولها، ثم لا تزال تَضْعُفُ، فمن ثَبَتَ في وقْتِ الضعْفِ، فهو بقيَّة الصدْرِ الأول.

والْفَسادِ فِي الْأَرْضِ: هو الكُفْر وما اقترن به من المعاصي، وهذه الآيةُ فيها تنبيهٌ لهذه الأُمَّةِ وحضٌّ على تغيير المُنْكَر، ثم استثنى عزَّ وجلَّ القوم الذين نَجَّاهم معَ أنبيائهم، وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم، وقَلِيلًا استثناء مُنْقطعٌ، أيْ: لكن قليلاً ممن أنجينا منهم، نَهَوْا عن الفساد، و «المُتْرَف» : المنعَّم الذي شغلَتْهُ تُرْفَتُهُ عن الحَقِّ حتى هلك وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ منه سبحانه وتعالى عن ذلك، وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً: أي مؤمنة لا يَقَعُ منهم كُفْر قاله قتادة «١» ، ولكنه عزَّ وجلَّ لم يشأْ ذلك، فهم لا يزالُونَ مختلفين في الأديان والآراءِ والمِلَلِ، هذا تأويل الجُمهورِ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، أي: بأن هداه إِلى الإِيمان وقوله تعالى: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ: قال الحسن: أي:

وللاختلاف خلقهم «٢» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ شاءَ أنْ يَجْعَلَهم كُلَّهم مُسْلِمِينَ لَفَعَلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الحَقِّ وأهْلُ الباطِلِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ يُخالِفُونَ هَؤُلاءِ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الأهْواءِ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الحَقِّ.

وقالَ الحَسَنُ: أهْلُ رَحْمَةِ اللَّهِ لا يَخْتَلِفُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى ما هم عَلَيْهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَلَقَهم فَرِيقَيْنِ، فَرِيقًا يُرْحَمُ فَلا يَخْتَلِفُ، وفَرِيقًا لا يُرْحَمُ يَخْتَلِفُ.

والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: لِأنَّ اخْتِلافَهم مُؤَدِّيهِمْ إلى سَعادَةٍ وشَقاوَةٍ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: واللّامُ في قَوْلِهِ: " ولِذَلِكَ " بِمَعْنى " عَلى " .

والثّالِثُ: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الِاخْتِلافِ، رَواهُ مُبارَكٌ عَنِ الحَسَنِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الرَّحْمَةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: ولِرَحْمَتِهِ خَلَقَ الَّذِينَ لا يَخْتَلِفُونَ في دِينِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَبَ قَوْلُ رَبِّكَ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ ﴾ مِن كُفّارِ الجَنَّةِ، وكُفّارِ النّاسِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ ﴿ إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبُّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مَن الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ ﴾ المَعْنى: لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً مُؤْمِنَةً -قالَهُ قَتادَةُ - حَتّى لا يَقَعَ مِنهم كُفْرٌ ولا تَنْزِلَ بِهِمْ مُثْلَةٌ، ولَكِنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، فَهم لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في الأدْيانِ والآراءِ والمِلَلِ.

هَذا تَأْوِيلُ الجُمْهُورِ.

قالَ الحَسَنُ، وعَطاءُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمُ: المَرْحُومُونَ المُسْتَثْنَوْنَ هُمُ المُؤْمِنُونَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ اخْتِلافٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في السَعادَةِ والشَقاوَةِ، وهَذا قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الأوَّلِ إذْ هي ثَمَرَةُ الأدْيانِ والِاخْتِلافِ فِيها، ويَكُونُ الِاخْتِلافُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ إذْ هم مُخالِفُونَ لِلْكَفَرَةِ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في الغِنى والفَقْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مَعْناهُ مِن مَعْنى الآيَةِ.

ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى مِنَ الضَمِيرِ في "يَزالُونَ" مَن رَحِمَهُ مِنَ الناسِ بِأنْ هُداهُ إلى الإيمانِ ووَفَّقَهُ لَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ المُتَأوِّلُونَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ولِشُهُودِ اليَوْمِ المَشْهُودِ- المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ- خَلَقَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ  ﴾ أيْ: لِهَذا خَلَقَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ المَعْنَيانِ وإنْ صَحّا فَهَذا العَوْدُ المُتَباعِدُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى أنْ يَكُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَعِيرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَجاءَتِ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى الأمْرَيْنِ مَعًا: الِاخْتِلافُ والرَحْمَةُ، وقَدْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الطَبَرِيُّ، ويَجِيءُ عَلَيْهِ الضَمِيرُ في "خَلَقَهُمْ" لِلصِّنْفَيْنِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "ذَلِكَ" عائِدٌ عَلى الرَحْمَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن رَحِمَ ﴾ ، أيْ: ولِلرَّحْمَةِ خَلَقَ المَرْحُومِينَ، قالَ الحَسَنُ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الِاخْتِلافِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعْتَرَضُ هَذا بِأنْ يُقالَ: كَيْفَ خَلَقَهم لِلِاخْتِلافِ؟

وهَلْ مَعْنى الِاخْتِلافِ هو المَقْصُودُ بِخَلْقِهِمْ؟

فالوَجْهُ في الِانْفِصالِ أنْ نَقُولَ: إنَّ قاعِدَةَ الشَرْعِ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ خَلْقًا لِلسَّعادَةِ وخَلْقًا لِلشَّقاوَةِ، ثُمَّ يَسَّرَ كُلًّا لِما خُلِقَ لَهُ، وهَذا نَصٌّ في الحَدِيثِ الصَحِيحِ، وجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الِاخْتِلافَ في الدِينِ عَلى الحَقِّ هو أمارَةَ الشَقاوَةِ، وبِهِ تَعَلُّقُ العِقابِ، فَيَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ هُنا: "وَلِلِاخْتِلافِ خَلَقَهُمْ" أيْ: لِثَمَرَةِ الِاخْتِلافِ وما يَكُونُ عنهُ مِنَ الشَقاوَةِ.

ويَصِحُّ أنْ يَجْعَلَ اللامَ في قَوْلِهِ: "وَلِذَلِكَ" لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: وخَلَقَهم لِيَصِيرَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِمُ الِاخْتِلافَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ  ﴾ أيْ: لِآمُرَهم بِالعِبادَةِ، وأُوجِبَها عَلَيْهِمْ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِثَمَرَةِ الأمْرِ ومُقْتَضاهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ أيْ نَفَذَ قَضاؤُهُ وحَقَّ أمْرُهُ، واللامُ في "لَأمْلَأنَّ" لامُ قَسَمٍ، إذِ "الكَلِمَةُ" تَتَضَمَّنُ القَسَمَ، و الجِنُّ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهو مِن أجَنَّ إذا سَتَرَ، و الهاءُ في "الجِنَّةِ" لِلْمُبالَغَةِ، وإنْ كانَ الجِنُّ يَقَعُ عَلى الواحِدِ فالجِنَّةُ جَمْعُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا كان النعي على الأمم الذين لم يقع فيهم من ينهون عن الفساد فاتّبعوا الإجرام، وكان الإخبار عن إهلاكهم بأنّه ليس ظلماً من الله وأنهم لو كانوا مصلحين لَمَا أهلكوا، لمّا كان ذلك كله قد يثير توهّم أن تعاصي الأمم عمّا أراد الله منهم خروج عن قبضة القُدرة الإلهية أعقب ذلك بما يرفع هذا التوهّم بأنّ الله قادر أن يجعلهم أمّة واحدة متفقة على الحق مستمرّة عليه كما أمرهم أن يكونوا.

ولكن الحكمة التي أقيم عليها نظامُ هذا العالم اقتضت أن يكون نظام عقول البشر قابلاً للتطوّح بهم في مسلك الضّلالة أو في مسلك الهدى على مبلغ استقامة التفكير والنظر، والسلامة من حجب الضلالة، وأن الله تعالى لمّا خلق العقول صالحة لذلك جعل منها قبول الحق بحسب الفطرة التي هي سلامة العقول من عوارض الجهالة والضلال وهي الفطرة الكاملة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿ كان الناس أمّةً واحدة ﴾ ، وتقدّم الكلام عليها في سورة [البقرة: 213].

لم يدّخرهم إرشاداً أو نصحاً بواسطة الرُّسُل ودعاة الخير ومُلقّنيه من أتباع الرسل، وهم أولو البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض، فمن الناس مهتد وكثير منهم فَاسِقُونَ ولو شاء لَخلق العقولَ البشرية على إلهام متّحد لا تَعْدوه كما خلق إدراك الحيوانات العُجم على نظام لا تتخطّاه من أوّل النشأة إلى انقضاء العالم، فنجد حال البعير والشّاة في زمن آدم عليه السّلام كحالهما في زماننا هذا، وكذلك يكون إلى انقراض العالم، فلا شكّ أن حكمة الله اقتضت هذا النظام في العقل الإنساني لأنّ ذلك أوفى بإقامة مراد الله تعالى من مساعي البشر في هذه الحياة الدنيا الزائلة المخلوطة، لينتقلوا منها إلى عالم الحياة الأبديّة الخالصة إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فلو خلق الإنسان كذلك لما كان العمل الصالح مقتضياً ثواب النعيم ولا كان الفساد مقتضياً عقاب الجحيم، فلا جرم أنّ الله خلق البشر على نظام من شأنه طريان الاختلاف بينهم في الأخور، ومنها أمر الصلاح والفساد في الأرض وهو أهمّها وأعظمها ليتفاوت الناس في مدارج الارتقاء ويَسْموا إلى مراتب الزلفى فتتميز أفراد هذا النوع في كل أنحاء الحياة حتى يعد الواحد بألف ﴿ ليميز اللّهُ الخبيث من الطيب ﴾ [الأنفال: 37].

وهذا وجه مناسبة عطف جملة ﴿ وتمّت كلمة ربك لأملأنّ جهنم من الجِنة والناس أجمعين ﴾ على جملتي ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ .

ومفعول فعل المشيئة محذوف لأنّ المراد منه ما يُساوي مضمون جواب الشرط فحُذف إيجازاً.

والتقدير: ولو شاء ربك أن يجعل الناس أمّة واحدة لجعلهم كذلك.

والأمّة: الطائفة من الناس الذين اتّحدوا في أمر من عظائم أمور الحياة كالموطن واللّغة والنّسب والدّين.

وقد تقدمت عند قوله تعالي: ﴿ كان الناس أمّةً واحدةً ﴾ في سورة [البقرة: 213].

فتفسر الأمّة في كل مقام بما تدل عليه إضافتها إلى شيء من أسباب تكوينها كما يقال: الأمّة العربيّة والأمّة الإسلاميّة.

ومعنى كونها واحدة أن يكون البشر كلّهم متّفقين على اتّباع دين الحق كما يدل عليه السياق، فآل المعنى إلى: لو شاء ربك لجعل الناس أهل ملّة واحدة فكانوا أمّة واحدة من حيث الدّين الخالص.

وفهم من شرط (لو) أنّ جعلهم أمّة واحدة في الدّين منتفية، أي منتف دوامها على الوحدة في الدّين وإنْ كانوا قد وُجدوا في أوّل النشأة متّفقين فلم يلبثوا حتّى طرأ الاختلاف بينَ ابنيْ آدم عليه السّلام لقوله تعالى: ﴿ كان النّاس أمّة واحدة ﴾ [البقرة: 213] وقوله: ﴿ وما كان النّاس إلاّ أمّةً واحدةً فاختلفوا ﴾ في سورة [يونس: 19]؛ فعلم أنّ الناس قد اختلفوا فيما مضى فلم يكونوا أمّة واحدة، ثم لا يدري هل يؤول أمرهم إلى الاتّفاق في الدّين فأعقب ذلك بأنّ الاختلاف دائم بينهم لأنّه من مقتضى ما جُبِلت عليه العقول.

ولمّا أشعر الاختلاف بأنه اختلاف في الدّين، وأنّ معناه العدول عن الحق إلى الباطل، لأنّ الحق لا يقبل التعدّد والاختلاف، عُقّب عموم ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ باستثناء من ثبتوا على الدين الحق ولم يخالفوه بقوله: ﴿ إلاّ من رحم ربك ﴾ ، أي فعصمهم من الاختلاف.

وفهم من هذا أنّ الاختلاف المذموم المحذّر منه هو الاختلاف في أصول الدّين الذي يترتّب عليه اعتبار المخالف خارجاً عن الدين وإن كان يزعم أنّه من مُتّبعيه، فإذا طرأ هذا الاختلاف وجب على الأمّة قصمه وبذل الوسع في إزالته من بينهم بكلّ وسيلة من وسائل الحقّ والعدل بالإرشاد والمجادلة الحسنة والمناظرة، فإنْ لم ينجع ذلك فبالقتال كما فعل أبو بكر في قتال العرب الذين جحدوا وجوب الزكاة، وكما فعل عليّ كرّم الله وجهه في قتال الحروريّة الذين كفّروا المسلمين.

وهذه الآية تحذير شديد من ذلك الاختلاف.

وأما تعقيبه بقوله: ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ فهو تأكيد بمضمون ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ .

والإشارة إلى الاختلاف المأخوذ من قوله: ﴿ مختلفين ﴾ ، واللاّم للتعليل لأنّه لمّا خلقهم على جِبِلّة قاضية باختلاف الآراء والنزعات وكان مريداً لمقتضى تلك الجبلّة وعالماً به كما بيّناه آنفاً كان الاختلاف علّة غائية لخلقهم، والعلّة الغائية لا يلزمها القصر عليها بل يكفي أنها غاية الفعل، وقد تكون معها غايات كثيرة أخرى فلا ينافي ما هنا قولُه: ﴿ وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون ﴾ [الذاريات: 56] لأنّ القصر هنالك إضافيّ، أي إلاّ بحالة أن يعبدوني لا يشركوا، والقصر الإضافي لا ينافي وجود أحوال أخرى غير ما قُصدَ الردّ عليه بالقصر كما هو بيّن لمن مارس أساليب البلاغة العربية.

وتقديم المعمول على عامله في قوله: ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ ليس للقصر بل للاهتمام بهذه العلّة، وبهذا يَندفع ما يوجب الحيرة في التفسير في الجمع بين الآيتين.

ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿ وتمّت كلمة ربّك لأملأنّ جهنم من الجِنّة والنّاس أجمعين ﴾ لأنّ قوله: ﴿ إلاّ من رحم ربّك ﴾ يؤذن بأنّ المستثنى منه قوم مختلفون اختلافاً لا رحمة لهم فيه، فهو اختلاف مضاد للرحمة، وضدّ النعمة النقمة فهو اختلاف أوجب الانتقام.

وتمام كلمة الرب مجاز في الصّدق والتحقّق، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وتمّت كلمات ربّك صدقاً وعدلاً ﴾ في سورة [الأنعام: 115]، فالمختلفون هم نصيب جهنم.

والكلمة هنا بمعنى الكلام.

فكلمة الله: تقديره وإرادته.

أطلق عليها كلمة } مجازاً لأنّها سبب في صدور كلمة (كن) وهي أمر التكوين.

وتقدّم تفصيله في قوله تعالى: ﴿ وتمّت كلمات ربّك صدقاً وعدلاً ﴾ في سورة [الأنعام: 115].

وجملة ﴿ لأملأنّ جهنّم ﴾ تفسير للكلمة بمعنى الكلام.

وذلك تعبير عن الإرادة المعبّر عنها بالكلام النفسي.

ويجوز أن تكون الكلمة كلاماً خَاطَبَ به الملائكةَ قبل خلق الناس فيكون ﴿ لأمْلأنّ جهنّم ﴾ تفسيراً ل ﴿ كلمة ﴾ .

و ﴿ من الجِنّة والنّاس ﴾ تبعيض، أي لأمْلأن جهنم من الفريقين.

و ﴿ أجمعين ﴾ تأكيد لشمول تثنية كِلا النوعين لاَ لِشُمُول جميع الأفراد لمنافاته لمعنى التبعيض الذي أفادته ﴿ من ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ وحْدَها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أهْلُ دِينٍ واحِدٍ، أهْلُ ضَلالَةٍ وأهْلُ هُدًى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ ﴿ إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مُخْتَلِفِينَ في الأدْيانِ إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ مِن أهْلِ الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ.

الثّانِي: مُخْتَلِفِينَ في الحَقِّ والباطِلِ إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ مِن أهْلِ الطّاعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: مُخْتَلِفِينَ في الرِّزْقِ فَهَذا غَنِيٌّ وهَذا فَقِيرٌ إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ مِن أهْلِ القَناعَةِ.

قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: مُخْتَلِفِينَ بِالشَّقاءِ والسَّعادَةِ إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ بِالتَّوْفِيقِ.

الخامِسُ: مُخْتَلِفِينَ في المَغْفِرَةِ والعَذابِ إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ بِالجَنَّةِ.

السّادِسُ: أنَّهُ مَعْنى مُخْتَلِفِينَ أيْ يُخْلِفُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَكُونُ مَن يَأْتِي خَلَفًا لِلْماضِي لِأنَّ سُوءًا في كُلٍّ مِنهم خَلَفَ بَعْضُهم بَعْضًا، فاقْتَتَلُوا ومِنهُ قَوْلُهُمْ: ما اخْتَلَفَ الجَدِيدانِ، أيْ جاءَ هَذا بَعْدَ ذاكَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ.

الثّانِي: لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: لِلشَّقاءِ والسَّعادَةِ خَلَقَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: لِلْجَنَّةِ والنّارِ خَلَقَهم، قالَهُ مَنصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ قال: أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ قال: أهل الحق وأهل الباطل ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ قال: أهل الحق ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ قال: للرحمة.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ﴾ قال: إلا أهل رحمته فإنهم لا يختلفون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: ﴿ لا يزالون مختلفين ﴾ في الهوى.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء بن أبي رباح ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ أي اليهود، والنصارى، والمجوس، والحنيفية، وهم الذين رحم ربك الحنيفية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك غير مختلف ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ قال: للاختلاف.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ قال: أهل الباطل ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ قال: أهل الحق ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ قال: للرحمة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ قال: اختلاف الملل ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ قال: أهل القبلة ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ قال: للرحمة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت أبدانهم ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ للرحمة والعبادة ولم يخلقهم للاختلاف.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ قال: خلقهم فريقين: فريقاً يرحم فلا يختلف، وفريقاً لا يرحم يختلف.

وكذلك قوله: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ [ هود: 105] .

وأخرج ابن المنذر عن قريش قال: كنت عند عمرو بن عبيد، فجاء رجلان فجلسا فقالا: يا أبا عثمان ما كان الحسن يقول في هذه الآية ﴿ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ﴾ ؟

قال: كان يقول ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ [ الشورى: 7] .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ قال: خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، وخلق هؤلاء لرحمته وهؤلاء لعذابه.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن أبي نجيح.

أن رجلين تخاصما إلى طاوس فاختلفا عليه فقال: اختلفتما علي فقال أحدهما لذلك خلقنا.

قال: كذبت.

قال: أليس الله يقول ﴿ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ﴾ ؟

قال: إنما خلقهم للرحمة والجماعة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، [قال ابن عباس (١) وقال قتادة (٢) (٣) (٤) (٥) قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ ، قال مجاهد وقتادة وعطاء والأعمش (٦) (٧) (١) "زاد المسير" 4/ 171.

(٢) الطبري 12/ 141، القرطبي عن سعيد بن جبير 9/ 114، ابن عطية 7/ 423.

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٤) في (ي): (ولو قدره لم يفعله).

(٥) انظر: "شفاء العليل" لابن القيم 1/ 18، 19.

(٦) روى ذلك عنهم الطبري 12/ 141 - 142، وابن أي حاتم 6/ 2093 - 2094.

(٧) ساقط من (ي).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بِظُلْمٍ ﴾ هذا المجرور في موضع الحال من ربك والمعنى أنه لا يهلك أهل القرى ظالماً لهم، تعالى الله عن ذلك ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ يعني مؤمنة لا خلاف بينهم في الإيمان ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ يعني في الأديان والملل والمذاهب ﴿ ولذلك خَلَقَهُمْ ﴾ قيل: الإشارة إلى الاختلاف، وقيل: إلى الرحمة وقيل إليهما ﴿ وَكُلاًّ نَّقُصُّ ﴾ انتصب كلا بنقص وما بدل من كلا ﴿ وَجَآءَكَ فِي هذه الحق ﴾ الإشارة إلى السورة ﴿ اعملوا...

وانتظروا ﴾ تهديد لهم وإقامة حجة عليهم.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء: يعقوب والمفضل.

الباقون بالنون ﴿ يوم يأتي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعر ونافع وأبو عمرو وعلي في الوصل.

الآخرون بحذف الياء ﴿ لا تكلم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ سعدوا ﴾ بضم السين: حمزة وعلي وخلف وحفص.

قيل إنه على حذف الهمزة من "أسعدوا" لأن ﴿ سعدوا ﴾ لازم ولكنه قد جاء المسعود، الآخرون بفتحها ﴿ وإن كلاً ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ونافع وأبو بكر وحماد.

الباقون بالتشديد.

﴿ لما ﴾ مشدداً: ابن عامر وعاصم ويزيد وحمزة و كذلك في "الطارق".

الباقون بالتخفيف ﴿ وزلفاً ﴾ بضمتين: يزيد.

الآخرون بفتح اللام ﴿ فؤادك ﴾ وبابه بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يرجع ﴾ مجهولاً: نافع وحفص والمفضل ﴿ تعملون ﴾ خطاباً وكذلك في آخر "النمل": أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.

الباقون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ مشهود ﴾ ه ﴿ معدود ﴾ ط ﴿ بإذنه ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع فاء التعقيب.

﴿ وسعيد ﴾ ه ﴿ شهيق ﴾ ه لا لأن ما يتلوه حال والعامل فيه ما في النار من معنى الفعل ﴿ شاء ربك ﴾ ط ﴿ يريد ﴾ ه ﴿ شاء ربك ﴾ ط لأن التقدير يعطون عطاء ﴿ مجذوذ ﴾ ه ﴿ هؤلاء ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ منقوص ﴾ ه ﴿ فاختلف فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ خيبر ﴾ ه ﴿ ولا تطغوا ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ لا لأن ما بعده من تمام جزاء ولا تركنوا ﴿ تنصرون ﴾ ه ﴿ من الليل ﴾ ط ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ للذاكرين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لأن التقدير وقد اتبع ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مصلحون ﴾ ه ﴿ مختلفين ﴾ ه لا ﴿ رحم ربك ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ فؤادك ﴾ ج إذ التقدير وقد جاءك ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ مكانكم ﴾ ط ﴿ عاملون ﴾ ه لا للعطف ﴿ وانتظروا ﴾ ج أي فإنا ﴿ منتظرون ﴾ ط ﴿ وتوكل عليه ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي قصصنا عليك من أحوال الأمم ﴿ لآية ﴾ لعبرة ﴿ لمن خاف ﴾ أي لمن هو أهل لأن يخاف ﴿ عذاب الآخرة ﴾ كقوله: ﴿ هدى للمتقين  ﴾ لأن انتفاعه يعود إليهم.

قال القفال - في تقرير هذا الاعتبار: إنه إذاعلم أن هؤلاء عذبوا على ذنوبهم في الدنيا وهي دار العمل فلأن يعذبوا عليها في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى.

واعترض عليه في التفسير الكبير بأن ظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال في الدنيا.

والقفال جعل الأمر على العكس قال: والأصوب عندي أن هذا تعريض لمن زعم أن إله العالم موجب بالذات لا فاعل مختار، وأن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء عليهم السلام مثل الغرق والخسف والصيحة إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب، وإذا كان كذلك فلا يكون حصولها دليلاً على صدق الأنبياء عليهم السلام.

أما الذي يؤمن بالقيامة ويخاف عذابها فيقطع بأن هذه الوقائع ليست بسبب الكواكب واتصالاتها فيستفيد مزيد الخشية والاعتبار.

أقول: وهذا نظر عميق والأظهر ما ذكرت أوّلاً ومثله في القرآن كثير.

﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى  ﴾ ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون  ﴾ ثم لما كان لعذاب الآخرة دلالة على يوم القيامة أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك يوم مجموع ﴾ أي يجمع لما فيه من الحساب والثواب والعقاب.

﴿ الناس ﴾ وأوثر اسم المفعول على فعله لأجل إفادة الثبات وأن حشر الأولين والآخرين فيه صفة له لازمة نظيره قول المتهدد: إنك لمنهوب مالك محروب قومك.

فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ أي مشهود فيه الخلائق فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به.

والفرق بين هذا الوصف والوصف الأول أن هذا يدل على حضور الناس فيه مع اطلاع البعض منهم على أحوال الباقين من المحاسبة والمساءلة ليس بحيث لا يعرف كل واحد إلا واقعة نفسه.

والجمع المطلق لا يفيد هذ المعنى وإنما فسرنا اليوم بأنه مشهود فيه لا أنه مشهود في نفسه لأن سائر الأيام تشركه في كونها مشهودات.

وإنما يحصل التمييز بأنه مشهود فيه دون غيره كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهوداً فيه دونها ﴿ وما نؤخره إلا ﴾ لانتهاء ﴿ لأجل معدود ﴾ أي انقضاء مدة معلومة عيَّن الله وقوع الجزاء بعدها وفيه فائدتان: إحداهما أن وقت القيامة متعين لا يتقدم ولا يتأخر، والثانية أن ذلك الأجل متناهٍ وكل منتاهٍ فإنه يفنى لا محالة وكل آتٍ قريب.

ثم ذكر بعض أهوال ذلك اليوم فقال: ﴿ يوم يأت ﴾ حذف الياء والاكتفاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، وفاعل ﴿ يأتي ﴾ قيل: الله كقوله: ﴿ أو يأتي ربك  ﴾ أي أمره أو حكمه دليله قراءة من قرأ ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء وقوله: ﴿ بإذنه ﴾ .

وقيل: المراد الشيء المهيب الهائل المستعظم فحذف ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف.

وقيل: فاعله ضمير اليوم والمراد إتيان هوله وشدائده كيلا يصير اليوم ظرفاً لإتيان اليوم.

وانتصاب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ لا تكلم ﴾ أو باذكر مضمراً أو بالانتهاء المقدر أي ينتهي الأجل يوم يأتي وتاء التأنيث محذوفة من لا تكلم، والآيات الدالة على التكلم في ذلك اليوم مع الآيات الدالة على نفي التكلم كقوله  : ﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ﴾ {النحل: 111] وكقوله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ {المرسلات: 35] محمولة على اختلاف المواطن والأزمنة، أو نفى العذر الصحيح المقبول وأثبت العذر الباطل الكاذب.

ثم قسم أهل الموقف المجموعين للحساب أو الأفراد العامة التي دلت عليها نفس فقال: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ أي ومنه سعيد.

ولا خلاف في أن الشقاء والسعادة مقترنان بالعمل الفاسد والعمل الصالح ويترتب عليهما الجنة والنار في الآخرة، وإنما النزاع في أن العمل سبب للشقاء مثلاً كما هو مذهب المعتزلة، أو الشقاء سبب العمل كما هو مذهب أهل السنة، فيختلف تفسير الشقاء بحسب المذهبين فهو عند المعتزلة الحكم بوجوب النار له لإساءته، وعند السني جريان القلم عليه في الأزل بأنه من أهل النار وأنه يعمل عمل أهل النار والتحقيق في المسألة قد مر مراراً.

قيل: قد بقي ههنا قسم آخر ليسوا من أهل النار ولا من أهل الجنة كالمجانين والأطفال فهم أصحاب الأعراف، وتخصيص القسمين بالذكر لا يدل على نفي الثالث.

أما قوله في صفة أهل النار ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ ففيه وجوه قال الليث وكثير من الأدباء: الزفير استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه وحينئذٍ يرتفع صدره وينتفخ جنباه، والشهيق إخراج ذلك الهواء بجهد شديد من الطبيعة، وكلتا الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم.

والحاصل أنهم جعلوا الزفير بمنزلة ابتداء نهيق الحمار، والشهيق بمنزلة آخره.

وقال الحسن: إن لهب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى دركات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من النار، فارتفاعهم في النار هو الزفير، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق.

وقال أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن، وربما يتبعها الغشية، وربما يحصل عقيبه الموت.

وقال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر.

وقيل: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف.

وعن ابن عباس: لهم فيها بكاء لا ينقطع وحزن لا يندفع.

وقال أهل التحقيق: قوة ميلهم إلى الدنيا ولذاتها زفير، وضعفهم عن الاستسعاد بكمالات الروحانيات شهيق.

ثم إن قوماً ذهبوا إلى أن عذاب الكفار منقطع وله نهاية واستدلوا على ذلك بالقرآن والحديث والمعقول.

أما القرآن فقوله  : ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ أي مدة بقائهما ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ وفيه استدلالان: الأول أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض المتناهية بالاتفاق.

الثاني استثناء المشيئة ويؤكد هذا النص قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ {النبأ: 23] وأما الحديث فما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد" وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً.

وأما المعقول فهو أن العقاب ضرر خال عن النفع لا في حق الله  ولا في حق المكلف فيكون قبيحاً.

وأيضاً الكفر جرم متناه ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم.

والجمهور من الأمة على أن عذاب الكافر دائم.

وأجابوا عن الآية بأن المراد سموات الآخرة وأرضها المشار إليهما بقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات  ﴾ ولا بد لأهل الآخرة مما يظلهم ويقلهم فهما السماء والأرض، وإذا علق حصول العذاب للكافر بوجودهما لزم الدوام.

وأيضاً القرآن قد ورد على استعمالات العرب.

وإنهم يعبرون عن الدوام والتأبيد بقولهم "ما دامت السموات والأرض" ونظيره قولهم: "ما اختلف الليل والنهار".

و "ما أقام ثبير وما لاح كوكب".

ويمكن أيضاً أن يقال: حاصل الآية يرجع إلى شرطية هي قولنا: إن دامت السموات والأرض دام عقابهم فإذا قلنا لكن السموات والأرض دائمة لزم دوام عقابهم وهو المطلوب، وإن قلنا لكنهما لم تدوما فإنه لا ينتج مطلوب الخصم لأن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئاً.

وبعبارة أخرى دلت الآية على أنه كلما وجدت السموات والأرض وجد عقابهم.

فلو قلنا لكنهما لم يوجدا لم يلزم منه أن لا يوجد عقابهم، أو يوجد فالآية لا تدل على حصول العقاب لهم دهراً طويلاً ومدة مديدة.

وأما إنه هل يكون له آخر أم لا فذلك إنما يستفاد من دليل آخر كقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وأما الاستدلال بالاستثناء فقد ذكر ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء أن هذا الاستثناء لا ينافي عدم المشيئة كقولك و "الله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك" وقد يكون عزمك على ضربه ألبتة وتعلم أنك لا ترى غير ذلك.

وردّ بالفرق، فإن معنى الآية الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء الله، فالمشيئة قد حصلت جزماً.

ولقائل أن يقول: الماضي ههنا في معنى الاستقبال مثل ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ ﴿ وسيق الذين اتقوا  ﴾ فلم يبق فرق: وقيل: "إلا" بمعنى "سوى" أي سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له.

وقال الأصم وغيره: المراد زمان مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو في الموقف.

وقيل: الاستثناء يرجع إلى قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ كأنهم يصيرون آخر الأمر إلى الهمود والخمود.

وقيل: فائدة الاستثناء أن يعلم إخراج أهل التوحيد من النار والمراد إلا من شاء ربك، وهذا التأويل إنما يليق بقاعدة الأشاعرة وأكدوه بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ فكأنه  يقول: أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد، وليس لأحد عليّ حكم ألبتة.

وأما المعتزلة فكأنهم لا يرضون بهذا ويقولون: إن الاستثناء الثاني لا يساعده لحصول الإجماع على أن أحداً من أهل الجنة لا يدخل النار.

فالصواب أن يقال: إنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، فإن أهل النار ينقلون إلى الزمهرير وإلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأهل الجنة ينقلون إلى العرش أو إلى ما هو أعلى حالاً من الجنة كقوله: ﴿ ورضوان من الله أكبر  ﴾ ثم قالوا: إنه ختم آية الوعيد بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ وآية الوعد بقوله: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ رعاية للمطابقة كأنه قال: إنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له والجذ القطع.

وأما الجواب عن الحديث فقد قال في الكشاف: إن صح فمعناه أنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها.

وأقول: يحتمل أن يكون الألف سبب عدم الإحساس بالعذاب بل يكون سبب الالتذاذ بالمألوف فيكون خلوّ جهنم إشارة إلى هذا المعنى.

وأما الجواب عن المعقول فهو أن السير في الله ومبدأه من عالم التكاليف لما كان غير متناهٍ فعذاب البعد عنه أيضاً يجب أن يكون غير متناهٍ: أو نقول: لا نهاية لنوره فلا غاية لظلمة الغافل عنه والمنكر له.

أو نقول: أوضح الأشياء الوجود الواجب فإذا كان الشخص ذاهلاً عنه كان مسلوب الاستعداد بالكلية فلا يكون إنساناً في الحقيقة، فلا يتصور له عروج من عالم الطبيعة، والعبارات في هذا المقام كثيرة والمعنى واحد يدركه من وفق له وخلق لأجله.

ولما فرغ من أقاصيص عبدة الأصنام وبيان أحوال الأشقياء والسعداء سلّى رسول الله  بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن نهي له عن الامتراء في سوء مغبتهم قائلاً ﴿ فلا تك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال ﴿ في مرية ﴾ في شك ﴿ مما يعبد ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي من عبادة ﴿ هؤلاء ﴾ أو من الذي يعبده هؤلاء المشركون والمراد النهي عن الشك في سوء عاقبة عبادتهم.

ثم علل النهي مستأنفاً فقال: ﴿ ما يعبدون إلا كما يعبد ﴾ كالذي يعبده ﴿ آباؤهم ﴾ أو كعبادة آبائهم.

والحاصل أنهم شبهوا بآبائهم في لزوم الجهل والتقليد.

﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم ﴾ من الرزق والخيرات الدنيوية أو من إزالة العذر وإزاحة العلة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، أو نصيبهم من العذاب كما وفينا آباؤهم أنصباؤهم.

وفي الكشاف أن ﴿ غير منقوص ﴾ حال من النصيب ليعلم أنه تام كامل إذ يجوز أن يوفي بعض الشيء كقولك وفيته شطر حقه.

قلت: هي مغالطة لأن قول القائل: "وفيته شطر حقه" التوفية تعود إلى الشطر.

فلو قيل: غير منقوص كان كالمكرر.

وعاد السؤال.

فالصواب أن يقال: إنه حال مؤكدة أو صفة تقوم مقام المصدر أي توفية نحو ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين  ﴾ أي إفساداً.

ثم أورد نظيراً لإنكارهم نبوّة محمد صلى الله  فقال: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ﴾ آمن به قوم وكفر به قوم آخرون كما اختلف في القرآن، والغرض أن إنكار الحق عادة قديمة للخلق ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ هي أن رحمتي سبقت غضبي أو هي ان دار الجزاء الآخرة لا الدنيا أو هي أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال.

﴿ لقضي بينهم ﴾ بين قوم موسى أو بين قومك بتمييز المحق من المبطل بسبب الإنجاء والإهلاك وهذه من جملة التسلية أيضاً ﴿ وإنهم ﴾ يعني قوم موسى أو قومك ﴿ لفي شك منه ﴾ من كتابه أو من كتابك أو من أمر المعاد أو القضاء أو الجزاء.

ثم جميع الأولين والآخرين في حكم توفية الجزاء ثواباً أ وعقاباً فقال: ﴿ وإن كلاً ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي وإن كلهم يعني أن جميع المختلفين فيه.

ومن قرأ بالتخفيف فعلى إعمال المخففة إذ لا يلزم من التخفيف إبطال العمل كما في "لم يكن" "ولم يك".

ومن قرأ "لما" مخففاً فاللام هي الداخلة في خبر "إن" و "ما" مزيدة للفصل بين لام "إن" وبين لام جواب القسم المقدر كما فصلوا بالألف بين النونات في قولهم "أضربنان".

ويمكن أن يكون "ما" نكرة أي لخلق أو جمع.

والله ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وقبيح وإيمان وجحود.

ومن قرأ "لما" مشدداً فأصله "لمن ما" قلبت النون ميماً فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت الأولى تخفيفاً، وجاز حذف الأولى وإبقاء الساكنة لاتصال اللام بها.

ويجوز أن يكون أصله "لما" بالتنوين - كما في قراءتي الزهري وسليمن بن أرقم - فحذف فبقى "لما" ممدوداً ومعناه ملومين أي مجموعين.

وقرأ أبيّ ﴿ وإن كل لما ليوفينهم ﴾ على أن "إن" نافية و"لما" بمعن "إلا" كما في الطارق.

ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات توفية الجزاء وأن شيئاً من الحقوق لا يضيع عنده.

منها لفظة "إن"، ومنها لام خبر "إن"، ومنها "كل"، ومنها "ما" المزيدة، ومنها القسم، ومنها لا القسم، ومنها نون التأكيد، ومنها لفظ التوفية، ومنها ربك فإن من يربيك يقدر على توفية حقك، ومنها الجمع المضاف، ومنها ختم الآية بقوله: ﴿ إنه بما يعملون خبير ﴾ فإنه إذا كان عالماً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات كان عالماً بعمل كل احد وبمقدار جزاء عمله، وقادراً على إيصال ذلك إليه، ثم إن كلامه حق وصدق وقد أخبر عن التوفية مع المؤكدات المذكورة فيقع وعده ووعيده لا محالة.

ثم أمر نبيه لتقتدي به أمته بكلمة جامعة للعقائد والأعمال قائلاً ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ عن جعفر الصادق  .

معناه افتقر إلى الله بصحة العزم يعني الوثوق به والتوكل عليه ﴿ ومن تاب معك ﴾ عطف على الضمير في ﴿ فاستقم ﴾ وصح للفصل أو هو ابتداء أي ومن تاب معك فليستقم أو مفعول معه.

ثم كما أمر بالاستقامة على جادّة الحق نهى عن الانحراف عنها فقال ﴿ ولا تطغوا ﴾ والطغان مجاوزة الحد.

وقال ابن عباس: يريد تواضعوا للحق ولا تتكبروا على الخلق.

وخصص بعضهم الطغيان بالتجاوز عن حدود القرآن بتحليل حرامه وتحريم حلاله.

وهذه الآية أصل عظيم في الشريعة فيكون الترتيب في الوضوء واجباً كما ورد في القرآن، وكذلك القول في الحدود والكفارات ونصاب الزكاة وأعداد الركعات وغيرها من جميع المأمورات والمنهيات.

ويجب الاحتياط في المسائل الاجتهادية وفي القياسات.

وكذا في الأخلاق والملكات وفي كل ما له طرفا إفراط وتفريط فهما مذمومان.

والمحمود هو الوسط وهو الصراط المستقيم المأمور بالاستقامة والثبات عليه.

ولا ريب أن معرفته صعبة وبتقدير معرفته فالعمل به والبقاء عليه أصعب ولهذا قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله  آية في القرآن أشد ولا أشق من هذه حتى إن أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب فقال  : " شيبتني هود " أعني هذه الآية منها.

ثم لما كان لقرين السوء مدخل عظيم في تغيير العقائد وتبديل الأخلاق نهى عن مخالطة من يضع الشيء في غير موضعه فقال: ﴿ ولا تركنوا ﴾ أي لا تميلوا بالمحبة والهوى ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ فقال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة وتحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لدفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة فغير داخلة في الركون.

أقول: هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية ﴿ أليس الله بكاف عبده  ﴾ وفي قوله: ﴿ فتمسكم النار ﴾ إشارة إلى أن الظلمة أهل النار بل هم في النار أو كالنار ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار  ﴾ ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار.

وقوله: ﴿ وما لكم من دون الله ﴾ من تتمة الجزاء.

وقال في الكشاف: الواو للحال ﴿ من أولياء ﴾ من أنصار أي لا يقدر على منعكم من عذاب الله إلا هو.

﴿ ثم لا تنصرون ﴾ ثم لا ينصركم هو أيضا.

وفيه إقناط كلي.

وفائدة "ثم" تبعيد النصرة من الظلم.

قال أهل التحقيق: الركون الميل اليسير وقوله: ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ أي الذين حدث منهم الظلم.

فلم يقل "ولا تميلوا إلى الظالمين" ليدل على أن قليلاً من الميل إلى من حدث منه شيء من الظلم يوجب هذا العقاب، وإذا كان هذا حال من ركن إلى من ظلم فكيف يكون حال الظالم في نفسه؟

عن رسول الله  "من دعا الظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه" .

وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك.

وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارىء على باب هؤلاء.

ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء؟

فقال: لا.

فقيل له: يموت.

فقال: دعه يموت.

ثم خص من أنواع الاستقامة إقامة الصلاة تنبيهاً على شرفها فقال: ﴿ وأقم الصلاة ﴾ قيل: تمسك بعض الخوارج بهذه الآية على أن الواجب من الصلاة ليس إلا الفجر والعشاء لأنهما طرفا النهار وهما الموصوفان بكونهما زلفاً من الليل، فإن ما لا يكون نهاراً يكون ليلاً.

غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف وهو كثير في كلامهم، ولئن سلم وجوب صلاة أخرى إلا أن قوله: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يشعر بأن إقامة الصلاة طرفي النهار كفارة لترك سائر الصلوات.

وجمهور الأمة على بطلان هذا القول واستدلوا بالآية على وجوب الصلوات الخمس لأن طرفي النهار منصوب على الظرف لإضافتهما إلى الوقت فيكتسب المضاف حكم المضاف إليه كقولك "أتيته نصف النهار" والطرفان هما الغدوة وهي الفجر والعشية وفيها الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشيّ ﴿ وزلفاً ﴾ جمع زلفة كظلم وظلمة أي ساعات ﴿ من الليل ﴾ قريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه.

وقرىء ﴿ زلفاً ﴾ بسكون اللام نحو "بسرة" و "بسر".

والزلف فيمن قرأ بضمتين نحو "بسر" و "بسر".

وقيل: ﴿ زلفاً ﴾ أي قرباً فيكون معطوفاً على الصلاة أي أقم الصلاة وأقم زلفاً أي صلوات يتقرب بها إلى الله عز وجل في بعض الليل.

وبالجملة فصلاة الزلف والمغرب والعشاء.

وقيل: إن طرفي النهار لا يشمل إلا الفجر والعصر وبه استدل على مذهب أبي حنيفة أن التنوير بالفجر أفضل وتأخير العصر أفضل، لأن الأمة أجمعت على أن نفس الطرفين - وهما وقت الطلوع والغروب - لا يصلح لإقامة الصلاة، فكل وقت كان أقرب إلى الطرفين كان أولى بإقامة الصلاة فيه حملاً للمجاز على ما هو أقرب إلى الحقيقة ما أمكن.

هذا ما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره.

ولقائل أن يقول: هذا لا يتمشى في صلاة الفجر لأن الطرف الأول للنهار في الشرع هو طلوع الصبح الصادق، والتنوير مبعد الصلاة منه لا مقرّب.

ولا أدري كيف ذهب عليه هذا المعنى مع إفراط عصبيته للشافعي.

واستدل أيضاً لأبي حنيفة على مذهبه في وجوب الوتر أن أقل الجمع ثلاثة فتجب إقامة الصلاة على النبي  في ثلاث زلف من الليل أي ثلاث ساعات ذهب منها ساعتان للمغرب والعشاء فتعين أن تكون الساعة الثالثة للوتر، وإذا وجب عليه وجب على أمته لقوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ ولمانع أن يمنع أن أقل الجمع ثلاثة أشياء، ثم إن كل ساعة لأجل صلاة، ثم إن كل ما يجب على النبي  يجب على الأمة لأن الاتباع هو الإتيان بمثل فعله أعم من أن يكون على تلك الجهة أم لا.

﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال المفسرون: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: إن في البيت أجود من هذا.

فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها وأصاب منها كل ما يصيب الرجل من زوجته سوى الجماع، ثم ندم فأتى رسول الله  فأخبره بما فعل فقال: أنتظر أمر ربي فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: نعم اذهب فإنها كفارة لما عملت.

فقيل له: هذا له خاصة أم للناس عامة؟

فقال: بل للناس عامة.

وروي أنه  قال له: " توضأ وضوءاً حسناً وصل ركعتين" .

﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال ابن عباس: أي الصلوات الخمس كفارة لسائر الذنوب ما لم تكن كبيرة.

وقيل: المراد إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

وعن مجاهد: الحسنات قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

وقد يحتج بالآية على أن المعصية لا تضرّ مع الإيمان الذي هو رأس الأعمال الحسنة.

﴿ ذلك ﴾ المذكور من قوله: ﴿ فاستقم ﴾ إلى ههنا ﴿ ذكرى للذاكرين ﴾ عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشيدن.

ثم أمر بالصبر على التكاليف المذكورة أمراً ونهياً، ونص عن أن الإتيان بها إحسان وأن جزاءه سيحصل لا محالة فقال: ﴿ واصبر ﴾ الآية.

ثم عاد الى أحوال الأمم الخالية وبين أن السبب في حلول عذاب الاستئصال بهم أمران: الأول أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد وذلك قوله: ﴿ فلولا ﴾ أي فهلا ﴿ كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ﴾ ذوو خير ورشد وفضل، وذلك أن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصارت البقية مثلاً في الجودة.

يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم.

ومن أمثالهم "في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا".

وجوّز في الكشاف أن يكون من البقوى كالتقية في التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه ﴿ إلا قليلاً ﴾ استثناء متصل لأن في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون ناس ناهون إلا ناساً قليلاً.

ومن في ﴿ ممن أنجينا ﴾ للبيان أي هم الذين أنجيناهم.

قال في الكشاف: لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم.

ولقائل أن يقول: إذا كان النهي عن المنكر فرض كفاية لم يلزم أن تنحصر النجاة في الناهين؟

فيحتمل أن تكون من للتبعيض ويجوز - على ما في الكشاف - أن يكون الاستثناء منقطعاً معناه ولكن قليلاً ممن أنجيناه من القرون نهوا عن الفساد.

قال: ولو جعلته متصلاً على ما عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسداً لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم.

تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن: أقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من استثناء الصلحاء منهم أنه لا حاجة لهم إلى التحضيض كأنك قلت: أحضض قومك على القراءة إلا الصلحاء فإنهم لا يحتاجون إلى ذلك لأنهم مواظبون عليها، على أن في جعل الاستثناء منقطعاً شبه تناقض، لأن أول الكلام يدل على أنه لم يكن فيهم ناهٍ وآخره يدل على أن القليل منهم قد نهوا فتأمل في هذا المقام فإنه من مزلة الأقدام.

السبب الثاني.

في نزول العذاب قوله: ﴿ واتبع الذين ظلموا ما أترفوا ﴾ ما غرقوا ﴿ فيه ﴾ من التنعم والتترف من حيث الرياسة والثروة وأسباب العيش الهنيّ ورفضوا ما وراء ذلك مما يتعلق بأمر الدين، فهذه الجملة معطوفة على مدلول الجملة التحضيضية أي ما كان من القرون ناس كذا واتبع الظالمون كذا.

ويجوز أن يكون في الكلام إضمار والواو للحال كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاء إترافهم.

والمترف الذي أبطرته النعمة، وصبي مترف منعم البدن.

وقوله: ﴿ وكانوا مجرمين ﴾ إما معترضة وإما معطوف على ﴿ اتبع ﴾ أي وكانوا مجرمين بذلك، أو على ﴿ أترفوا ﴾ أي اتبعوا الإتراف.

وكونهم مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر.

ثم بين أنه ما ينبغي له  أن يهلك القرى بظلم.

قال أهل السنة: أي بسبب مجرد الشرك والحال أنهم مصلحون في المعاملة والعشرة فيما بينهم، وذلك أن حقوق الله  مبنية على المساهلة بخلاف حقوق العباد، وهذا كما قيل: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.

ويؤكد هذا التفسير أن عذاب الاستئصال إنما نزل بقوم لوط وشعيب لما حكى الله عنهم من إيذاء الناس والإفساد في الأرض.

وقالت المعتزلة قوله: ﴿ بظلم ﴾ حال من الفاعل والمعنى استحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالماً لها وأهلها قوم مصلحون في العمل تنزيهاً لذاته عن الظلم وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين ظلم.

ثم ذكر أن الكل بمشيئته وإرادته فقال: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ مهدية.

والمعتزلة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر وقد مر مراراً.

﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ في الأديان والأخلاق والأفعال، فمنهم من أنكر العلوم كلها حتى الحسيات والضروريات وهم السوفسطائية، ومنهم من سلم استنتاج العلوم كلها والمعارف ولم يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلاً وهم الدهرية، ومنهم من أثبت له مبدأ موجباً بالذات وهم الفلاسفة على ما أشتهر منهم ولهذا المقام تحقيق ليس ههنا موضع بيانه، ومنهم من أنكر النبوات وهم البراهمة، ومنهم من أثبتها وهم المسلمون والمجوس واليهود والنصارى.

وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لا تكاد تدخل تحت الحصر، وإنما لا يحمل الاختلاف في الآية على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمار بل حملناه على الاختلاف في الأديان وما يتعلق بها لأنه ينبو عن ذلك ما قبل الكلام وهو قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ وما بعده وهو قوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ قالت المعتزلة: إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على الدين الحق.

وقال أهل السنة: جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضاً في حق الكافر وهذه الرحمة أمر مختص بالمؤمن مرجح لجانب الإيمان وصدوره منه فإذن الإيمان بخلق الله وتكوينه وكذا ضده.

ثم قال: ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ فاختلف العلماء في المشار إليه بذلك، فالمعتزلة قالوا: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان منه الاختلاف خلقهم يثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره، أو ولما ذكر من الرحمة خلقهم.

والأشاعرة قالوا: ولأجل ما ذكر من الاختلاف خلقهم لما صح في الحديث أنه خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً.

وللدلائل الدالة على أن الكل بإيجاده وتخليقه وأن خلاف معلومه محال وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي علمه وإرادته أو قوله للملائكة ﴿ لأملأن جهنم ﴾ الآية.

وفرق المعتزلة بين معلومه ومراده.

ثم ذكر طرفاً من فوائد القصص المذكور في السورة فقال: ﴿ وكلاً ﴾ أي وكل نبأ ﴿ نقص عليك ﴾ وقوله: ﴿ من أنباء الرسل ﴾ بيان لكل و ﴿ ما نثبت ﴾ بدل من ﴿ كلاً ﴾ أو المراد وكل نوع من الاقتصاص على أنه مصدر أي على الأساليب المختلفة نقص، و ﴿ ما نثبت ﴾ مفعول.

ومعنى تثبيت فؤاده زيادة اليقين والطمأنينة لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم، أو المعنى تثبيت قلبه على أداء الرسالة وتحمل الأذى من قومه أسوة بسائر الأنبياء.

﴿ وجاءك في هذه ﴾ السورة أو في هذه الأنباء ﴿ الحق ﴾ وهو البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والوسط والمعاد ﴿ وموعظة ﴾ وهي الدلائل المقنعة الموقعة للتصديق بقدر الإمكان والأول للخواص أنفع والثاني للعوام أنجع.

﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ وهي الإرشاد إلى الأعمال الصالحة النافعة في الآخرة المحصلة لما هنالك من السعادة، فإن حسن هذا الدين معلوم لمن رجع إلى نفسه وعمل بمقتضى تذكره وفكره.

واعلم أن المعارف الإلهية لا بد لها من قابل وفاعل، وقابلها القلب وإنه ما لم يكن مستعداً لم يحصل له الانتفاع بسماع الدلائل وورودها عليه فلهذا السبب قدم ذكر إصلاح القلب وعلاجه وهو تثبيت الفؤاد، ثم عقبه بذكر المؤثر الفاعل وهو مجيء هذه السورة بل آية منها وهي قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ مشتملة على الحق والموعظة والذكرى، وهذا ترتيب في غاية الحسن.

ثم أمر بالتهديد لمن لم يؤثر فيهم هذه البيانات من أهل مكة وغيرهم فقال: ﴿ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا ﴾ وقد مر تفسير مثله في هذه السورة وفي "الأنعام" ﴿ وانتظروا ﴾ ما يعدكم الشيطان ﴿ إنا منتظرون ﴾ ما وعدنا الرحمن من الغفران والإحسان.

وعن ابن عباس: انتظروا بنا الدوائر فإنا منتظرون بكم العذاب كما حل بنظرائكم.

ثم ختم السورة بآية مشتملة على جميع المطالب من أمر المبدإ والوسط والمعاد وقد سبق تقريره في آخر "البقرة" في تفسير آية ﴿ آمن الرسول  ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.

التأويل: ﴿ ما دامت السموات والأرض ﴾ أي ما دامت سموات الأرواح والقلوب وأرض النفوس البشرية ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ من الأشقياء، وذلك أن أهل الشقاء ضربان: شقي وأشقى.

فالشقي بالمعاصي سعيد بالتوحيد فيخلص من النار آخراً، والأشقى وهو الكافر يبقى فيها مخلداً، ومن أهل الجنة سعيد يبقى خالداً فيها، وأسعد وهم الذين يترقون إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وهناك مقام الوحدة الذي لا انقطاع له كما قال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ ﴿ لموفوهم نصيبهم ﴾ الذي قدر لهم في الأزل من الشقاء.

﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ باستكمال الشقاء لقضي بينهم بالهلاك عاجلاً ﴿ لفي شك منه ﴾ إشارة إلى الضلال.

وقوله: ﴿ مريب ﴾ إشارة إلى الإضلال.

﴿ وإن كلاً ﴾ أي كل واحد من الضالين ومن المضلين ﴿ فاستقم ﴾ أمر التكوين ولذلك قال: ﴿ كما أمرت ﴾ أي في الأزل، وفي قوله: ﴿ ومن تاب معك ﴾ إشارة إلى أن النفوس جبلت على الاعوجاج فيحتاج إلى الرجوع من الطريق المنحرف إلى الصراط المستقيم إلى من اختص بالاستقامة بسبب أمر التكوين كالنبي  ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يعني أن الأعمال الصالحة في الأوقات المعدودة تزيل ظلمات الأوقات المصروفة في قضاء الحوائج النفسانية الضرورية، وذلك أن تعلق الروح النوري العلوي بالجسد الظلماني السفلي موجب لخسران الروح كقوله: ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر  ﴾ إلا أن يتداركه أنوار العمل الصالح فيرقيه من حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية بل إلى الوحدة الربانية، فتندفع عنه ظلمة الجسد السفلي مثاله: إلقاء الحبة في الأرض فإنه من خسران الحبة إلى أن يتداركه الماء وسائر الأسباب فيربيها إلى أن تصير الحبة الواحدة إلى سبعمائة.

وما زاد ذلك الذي ذكرنا من التدارك عظة للذاكرين الذين يريدون أن يذكروا الله في جميع الأحوال فإنهم إذا حافظوا على هذه الأوقات فكأنهم حافظوا على جميعها لأن الإنسان خلق ضعيفاً ليس يقدر على صرف جميع الأوقات في محض العبودية والعبادة.

﴿ فلولا كان من القرون ﴾ صورة التحضيض وحقيقته السؤال ليجاب بأنه لم يكن كذلك لأنك فاعل مختار، فعال لما تريد، خلقت خلقاً للإقرار وخلقت خلقاً للإنكار ولا اعتراض لأحد عليك يؤديه قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ طالبة للحق متوجهة إليه ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ منهم من يطلب الدنيا، ومنهم من يطلب العقبى، ومنهم من يطلب المولى وهم المشار إليهم بقوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ ﴿ ولذلك ﴾ أي لطلب الله ﴿ خلقهم ﴾ بحسن الاستعداد ولأن رحمته سبقت غضبه، ولكن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في الوجود وهو قوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ جرى به القلم للضرورة وما نثبت به فؤادك التثبيت منه والتشكيك منه، بيده مفاتيح أبواب اللطف والقهر ﴿ وقيل للذين لا يؤمنون ﴾ لطلب الحق ووجدانه ﴿ اعلموا ﴾ في طلب المقاصد من باب القهر ﴿ إنا عاملون ﴾ في طلب الحق من باب لطفه ﴿ وانتظروا ﴾ نتائج أعمالكم ﴿ إنا منتظرون ﴾ ثمرات أعمالنا ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي ما غاب عنكم مما أودع من لطفه في سموات القلوب ومن قهره في أرض النفوس ﴿ وإليه يرجع ﴾ أمر أهل السعادة والشقاء ومظاهر اللطف والقهر ﴿ فاعبده ﴾ أيها الطالب للحق فإنك مظهر اللطف ﴿ وتوكل عليه ﴾ في الطلب لا على طلبك فإنك إن طلبته بك لم تجده ﴿ وما ربك بغافل ﴾ في الأزل ﴿ عما تعملون ﴾ إلى الأبد والله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ظاهر هذا يخرج على المعاتبة أو التنبيه والتذكير؛ لأنه يقول: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ ﴾ أي: لم لا كانوا كذا؟

فليس ثم من أولئك من يعاتب أو ينبه، لكنها تخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ ﴾ أي: فهلا كانوا ذوي بقية ﴿ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ومعناه - والله أعلم -: هلا كثر أهل الإسلام فيهم حتى قدروا على النهي عن الفساد في الأرض؛ لأنهم إذا كانوا قليلا لم يقدروا على النهي عن الفساد في الأرض؛ نحو لوط وأهله، كانوا عدداً قليلا كيف كان يقدر على النهي عن الفساد، أو المنع عن ذلك، وكنوح - أيضاً - كان معه نفر يقل عددهم، لم يقدروا على منع قومه عن الفساد ونحوه.

فإذا كان ما ذكرناه فكأنه - والله أعلم - يقول: هلا كثر أهل الإسلام وأولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض.

والثاني: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي: قد كان منهم أولو بقية، لكنهم لم ينهوا عن الفساد في الأرض، فأهلكوا جميعاً إلا قليلا ممن أنجينا منهم، وذلك القليل قد نهوا عن الفساد في الأرض، فنجوا بين أولئك.

حاصل هذا يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما: أحدهما: لم يكن منهم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض؛ على ما قاله بعض أهل التأويل.

والثاني: كان فيهم أولو بقية، لكنهم لم ينهوهم عن الفساد [في الأرض] إلا قليلا منهم فإنهم قد نهوهم عن ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ ﴾ هو يخرج على وجهين: يحتمل: واتبع: الأتباع والسفلة الذين ظلموا من أترفوا فيه من الأموال أي: وسع [عليهم وأعطوا] الأموال وهم الأجلة والأئمة منهم أي: آثروا اتباع الأئمة والأجلة الذين أترفوا فيه على اتباع الرسل والأنبياء.

والثاني: ﴿ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ وهم الأجلة والأئمة ﴿ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ ﴾ أي: ما أعطوا من الأموال أي: آثروا الدنيا وما فيها على اتباع الرسل والأنبياء.

أحد التأويلين يرجع إلى السفلة والأتباع، وهو الأوّل، والثاني إلى الأجلة والأئمة هم آثروا اتباع الدنيا على اتباع الرسل، ثم تبعهم الأتباع والسفلة في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ أي: ما كان ربك ليهلك القرى إهلاك استئصال وانتقام وأهلها كلهم مصلحون، أو أكثر أهلها مصلحون، إنما يهلك القرى إذا كان أهلها كلهم مفسدين، أو عامة أهلها مفسدين؛ هذا يدل [على] أن الحكم في الدار إنما يكون بغلبة أهلها: إن كان أكثر أهلها أهل الإسلام فالحكم حكم الإسلام، وإن كان عامة أهلها أهل الحرب والكفر فالحكم حكمهم، ولا يسمّى أهلها كلهم بالكفر والفساد إذا كان أكثر أهلها مصلحين؛ ألا ترى أنه قال في قوم لوط: ﴿ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ سمى أهل [القرية] قرية وإن كان فيها لوط وأهله مصلحون لم يعد لوطاً وأهله من أهلها.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ ﴾ أي: لا يكون في إهلاكهم ظالماً.

ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: أن الخلق له، فهو بإهلاكه لم يكن ظالماً؛ لأنه أهلك ماله.

والثاني: أنه إنما يهلكهم بظلم كان منهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ...

﴾ الآية، أي: إنما يهلكهم بشيء اكتسبوه، فهم بما اكتسبوا ظلموا أنفسهم، وهو كقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ قالت المعتزلة: هذه المشيئة مشيئة القهر والقسر، وذلك مما يدفع المحنة، ويزول لديه المثوبة والعقوبة، وكذلك في قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً  ﴾ .

وأما عندنا فلو شاء لجعلهم أمة واحدة، مشيئة لا تزول معها المحنة، والذي يدل عليه خصال: أحدها: أن الله  قد عرفنا الإيمان والدين الذي يقع به اجتماع، أو فيه الاختلاف بما ركب فينا من العقول التي بها نعرف حقائق الأشياء ومجازاتها، ومحاسن الأمور وقبيحها، بمعونة السمع أو بالتأمل فيما يحس بالأمرين جميعاً أنه لا يكون إلا بالاختيار، ولا يوصل إلى السبب الذي به يدان إلا بالاستدلال أو التعليم؛ إذ هو طاعة وتصديق، وذلك يكون ممن لا يحس، وطريقه الاجتهاد، وكل ذي أضداد القسر، فمحال أن يعود الكون لو شاء على وجه قد عرفنا أنه لا يكون سمعاً وعقلا، فيكون في الحقيقة كأنه قال لو شاء أن يكون لا يكون، على أن ذا من يقبل عنه هذه الدعوى على قولهم، وهو منذ كان الخلق بين أن كان فيما شاء إثباته من أفعال الخلق فلم يكن ولم يشأ، فكان عندهم، فهو كمن ظهر عجزه بجميع أدلة العجز، ثم يدع أن له القدرة بها، يقهر ما يشاء، فذلك كمن لا يقوم للانتصاب والنهوض فيدع أنه يقدر على الصعود، أو من لا يملك إمساك مثل ذرة أنه ممسك السماوات والأرض.

على أنه لو كان كذلك ليجيء أن يكون يقدر على فعل الكفر والسفة والكذب، إذ من يقدر على فعل شيء لا يقدر على فعل ضده عندهم ليس ذلك بقدرة.

ثم لو كان ذلك كله بلا غير، يصير له فعلا، فكان يكون في الحقيقة سفيهاً كذوباً، ومن كان ذلك وصفه فهو غير رب ولا حكيم، ومن ربوبيته تحت قدرة غيره أو حكمته تحتمل المضادات، فهو مسئول عما يفعل، مطالب بالحجج، فأنى يكون لمن ذلك وصفه ربوبية جل عن ذلك.

والثاني: أن الذي يكون بالقسر والقهر يكون أمر الخلقة، لا أمر فعل العبد، وذلك في الحقيقة لله، لا للبشر، وما هو له من جهة الخلقة موجود؛ لأن نفس كل أحد بالخلقة مؤمن، وقد شاء الله تلك المشيئة، فالقول بلو شاء لا معنى له؛ بل قد شاء وكان، ولا قوة إلا بالله.

والثالث: أنه وعد أن لو شاء أن يجعل كذا لفعل؛ وهو لو فعل لكان يجعل من قد آمن منهم في الحقيقة مؤمناً في المجاز، كافراً في الحقيقة؛ لأنهم بهذا يصيرون أمّة واحدة؛ إذ صار كثير منهم مؤمنين بالاختيار، لا يحتمل أن يجعلهم على غير ذلك، فيكون محموداً عدلا، والله الموفق.

ثم الأصل أن الله -  - قد جعل أدلة كل موعود في الحس ظاهراً، وكل مقدور عليه بالوعد والدعوى له مما جبل عليه أمراً بيّناً، وهذا النوع من المشيئة عندهم والدعوى بما جعل جميع مانعٌ لأن يكون كائناً، فيصير بالذي به ادعى لنفسه من القدرة مكذباً بما جعل لمنع مثله الأدلة، ومن ذلك وصفه، فهو غير حكيم، جل الله عن هذا.

على أن المتأمل بما أخبر يجد حقيقته دون أن يحتاج إلى دليل يوضح قدرته على ما ادعى على بقاء المحنة سبيلا سهلا بحمد الله لا يحتاج إلى ما ذكروا من المكابرة، وهو ما قال الله -  -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً...

﴾ الآية [الزخرف: 33].

ومعلوم أنهم لو كفروا جميعاً بما ذكر لكانوا مختارين، وإلى ما جاءوا به غير مضطرين، فإذا استقام كونهم على دين الكفر بذلك لا يحتمل ألا يوجب ذلك بقاء على الإيمان لو كانوا [مختارين لذلك يستقيم كونهم على دين الإيمان مختارين، أو لو جعل ذلك للمؤمنين] فيقدرون على قولهم أن يجعلهم كفاراً بالمحنة، لا يقدر على أن يجعلهم مؤمنين بها؛ لأن ذلك وصف العجز عندهم، وإن كان لا يكون كذلك عندنا؛ لأنه يستقيم القول بالأقدار على إحداث غيره، ومحال القول على جعل غيره قديماً، أو على إحواج غيره إليه لا يحتمل الوصف بالقدرة على إغناء غيره عنه، وعليهم أوضح؛ إذ أجازوا [له] القدرة على كل حركة للعبد وسكون بالاضطرار، ولم يجوزوا في ذلك بالاختيار، اللهم إلا أن يقولوا: لا يجوز أن يكون العبد غير كامل القدرة، وهي القدرة على مضادات الأشياء، والله يجوز له الوصف بالقدرة الناقصة، فيكون قريباً مما جعلوا للعبد قدرة على ما يجهل الرب، ويجعله كاذباً فيما يخبر على بقاء الربوبية له، والله لا يقدر على مثله في العبد على بقاء العبودية له بالمحنة، أو ما أقدروا العبد على إهلاك من وعد الله فيه الإبقاء، ويريد ذلك، وذلك فضله، ووعد له مع ذلك أن يعطيه كذا، فيأتي معاند فيقتله، ويمنع الرب عن إنجاز وعده، وعن سلطان بقائه؛ جل الرب عن هذا، وذلك في قولهم فيما يضرب الله لنبي أو صديق أجلا يرى به مصلحة عباده يقدر الكافر على قتله قبل مجيء ذلك الأجل، وإبطال جميع ما وعد والإيقاء بما هو صنيعه من إبقاء الحياة فيه، ولا يقدر الله على إنجاز ما وعد وإيفائه على ما أراد، والعبد بحاله إلا أن يعجزه، أو يميته، أو يجعله زمناً، والله المستعان.

ثم الأصل أن كل مريد بفعله فيما فعله أمراً لا يكون ذلك، وهو لم يكن فعله إلا لذلك يوجب أحد أمرين في الحكمة: إما جهلا بالعواقب وخطأ بالفعل؛ كمن يفعل فعلا يحزن عليه أو يلحقه به مكروه، فهو لا يفعله له يظهر فاعله أنه عن جهل فعل، وعلى الخطأ خرج فعله، وعلى ذلك معنى التحذير في الخلق والتنبيه بقولهم: "لدوا للموت وابنوا للخراب" وسرق ليقطع، وبارز ليقتل من حيث كان والثاني متصلا بالأول ينبه عن الغفلة على إرادة التحذير أنه إليه يئول أمر فعله وعلى ذلك قوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ...

﴾ الآية [القصص: 8]، أو أن يقال ذلك على أنه كذلك في فعله عند الله وإن جهله هو، أو يوجب السفه في الفعل والعبث؛ إذ هو يقصد بفعله ما يعلم أنه لا يكون، أو يريد ما يتيقن أنه لا يبلغ، وإذا كان كذلك فإعطاء الله -  - القدرة ليؤمن، أو خلقه ليعبد، وأراد أنه يفعل ذلك، واختار ذلك الفعل، لذلك يوجب أحد ذينك الوجهين جل الله عنهما وتعالى، وقد ثبت أن الله -  - عالم بالعواقب، متعالٍ عن العبث، ثبت أنه خلق من خلق، وأعطى ما أعطى لما علم أنه يكون، وقد علم ما يكون، وعلى هذا التقدير يخرج الأمر في قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ...

﴾ الآية [الأعراف: 179]، وقوله: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 85].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ أنه خلقهم للذي علم أنهم يصيرون إليه من اختلاف أو اتفاق، أو عداوة أو ولاية، لا يريد غير الذي علم، ولا يعلم غير الذي يكون ممن يعلم ما يكون، ولا قوة إلا بالله.

وقالت المعتزلة: قوله: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ أي: للرحمة خلقهم؛ فقال: بعض متكلمي أصحابنا: إن الرحمة تذكر بالتأنيث وهو إنما ذكر بالتذكير؛ حيث قال: ﴿ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ ولم يقل: ولتلك خلقهم دل أنه ليس على ما يقولون.

وقال قائلون: للاختلاف خلقهم إلا من رحم ربك.

وقال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ أي: خلقهم لئلا يهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون.

وعندنا ما ذكرنا أنه خلقهم للذي علم أنه يكون منهم، وأنهم يصيرون إليه من الاختلاف أو الاتفاق، أو العداوة أو الولاية، لا يخلقهم لغير الذي علم أنه يكون منهم، ولا يريد - أيضاً - غير ما علم أنهم يصيرون إليه، ولا يعلم غير ما يكون منهم، والله الموفق.

وتأويل المعتزلة في قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أنها مشيئة [القسر والقهر]، فذلك بعيد؛ لأنه لا يكون في حال القهر والاضطرار إيمان؛ لأن من أكره واضطر على الإيمان حتى آمن فإنه لا يكون إيمانه إيمانا، إنما يكون الإيمان إيماناً في حال الاختيار إذا آمن مختاراً ممتحناً فيه، فعند ذلك يكون إيمانه إيماناً دل أن تأويلهم فاسد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ تأويله - والله أعلم -: كل الذي نقص عليك أو قصصنا عليك من أنباء الرسل، نبأ بعد نبأ، ونبأ على إثر نبأ؛ ما نثبت به فؤادك.

وقوله: ﴿ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ يحتمل وجوهاً.

أحدها: نثبت به فؤادك؛ لما يحتمل أن نفسه كانت تنازعه وتناقشه بأن الذي أنزل عليه أو يأتي به ملك، أو كان ذلك من إيحاء الشيطان وإلقائه عليه ووساوسه، فقص عليه من أنباء الرسل وأخبارهم؛ ليكون له آية بينه وبين ربه؛ ليعلم أن ما أنزل عليه وما يأتي به إنما هو ملك من الله؛ جاء ليدفع به نوازع نفسه وخطراته؛ إذ لا سبيل للشيطان إلى معرفة تلك الأنباء، ولا في وسعه إلقاؤها عليه، فيكون له بها طمأنينة قلبه، وهو كقول إبراهيم؛ حيث قال: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ...

﴾ الآية [البقرة: 260]، كأن نفس إبراهيم تنازعه في كيفية إحياء الموتى، فسأل ربه ليريه ذلك؛ ليطمئن بذلك قلبه، وإن كان يعلم أنه يحيي الموتى، وأنه قادر على ذلك.

والثاني: قص عليه أنباء الرسل واحداً بعد واحد؛ ليثبت به فؤاده ليعلم كيفية معاملتهم قومهم، وماذا لقوا من قومهم، وكيف صبروا على أذاهم ليصبر هو على ما صبر أولئك، وليعامل هو قومه بمثل معاملتهم.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ بنبأ بعد نبأ؛ لتنظر وتتفكر في كل نبأ وخبر، وتعرف ما فيه، فيكون ذلك أثبت في قلبه، وهو كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ بإنزال الآية واحدة بعد واحدة، وسورة بعد سورة، وذلك أثبت في فؤاده من إنزاله جملة؛ لأنه يزدحم في مسامعه وفؤاده، وإذا كان بالتفاريق نظر وتفكر، فهو أثبت في قلبه وفؤاده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ﴾ أي: في هذه الأنباء التي قصها عليك جاءك فيها الحق، وهو ما ذكرناه.

وقال بعضهم: ﴿ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ﴾ أي: في هذه السورة الحق، وهو ما ذكر من الأنباء: نبأ بعد نبأ، وهو كالأول.

وقال بعضهم: ﴿ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: في هذه الدنيا الحق؛ يعني: الآيات والحجج والبراهين لرسالته ودينه ﴿ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: جاءك ما تعظ به قومك، وتذكر به المؤمنين.

[وقوله: ﴿ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ خص المؤمنين بذلك لما يكون منفعة الموعظة والذكرى للمؤمنين] وإلا هو موعظة وذكرى للكل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو شاء ربك -أيها الرسول- أن يجعل الناس أمة واحدة على الحق لفعل، لكنه لم يشأ ذلك، فلا يزالون مختلفين فيه بسبب اتباع الهوى والبغي.

<div class="verse-tafsir" id="91.LJL6O"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.9 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله