الآية ١٩ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٩ من سورة هود

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ) أي يردون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله عز وجل ويجنبونهم الجنة ، ( ويبغونها عوجا ) أي : ويريدون أن يكون طريقهم عوجا غير معتدلة ، ( وهم بالآخرة هم كافرون ) أي : جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ألا لعنة الله على الظَّالمين الذين يصدّون الناسَ، عن الإيمان به، والإقرار له بالعبودة ، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد ، من مشركي قريش، وهم الذين كانوا يفتنون عن الإسلام من دخل فيه (45) .

، (ويبغونها عوجًا) ، يقول: ويلتمسون سبيل الله ، وهو الإسلام الذي دعا الناس إليه محمد، (46) يقول: زيغًا وميلا عن الاستقامة.

(47) ، (وهم بالآخرة هم كافرون) ، يقول: وهم بالبعث بعد الممات مع صدهم عن سبيل الله وبغيهم إياها عوجًا ، (كافرون ) يقول: هم جاحدون ذلك منكرون.

------------------------ الهوامش: (45) انظر تفسير " الصد " فيما سلف 14 : 216 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(46) انظر تفسير " بغى " فيما سلف 14 : 283 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .

(47) انظر تفسير " العوج " فيما سلف 7 : 53 ، 54 / 12 : 448 ، 559 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين يصدون عن سبيل الله يجوز أن تكون الذين في موضع خفض نعتا للظالمين ، ويجوز أن تكون في موضع رفع ; أي هم الذين .

وقيل : هو ابتداء خطاب من الله تعالى ; أي هم الذين يصدون أنفسهم وغيرهم عن الإيمان والطاعة .ويبغونها عوجا أي يعدلون بالناس عنها إلى المعاصي والشرك .وهم بالآخرة هم كافرون أعاد لفظ هم تأكيدا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم وصف ظلمهم فقال: { الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } فصدوا بأنفسهم عن سبيل الله، وهي سبيل الرسل، التي دعوا الناس إليها، وصدوا غيرهم عنها، فصاروا أئمة يدعون إلى النار.

{ وَيَبْغُونَهَا } أي: سبيل الله { عِوَجًا } أي: يجتهدون في ميلها، وتشيينها، وتهجينها، لتصير عند الناس غير مستقيمة، فيحسنون الباطل ويقبحون الحق، قبحهم الله { وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين يصدون عن سبيل الله ) يمنعون عن دين الله ، ( ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين يصدون عن سبيل الله» دين الإسلام «ويبغونها» يطلبون السبيل «عوجا» «وهم بالآخرة هم» تأكيد «كافرون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هؤلاء الظالمون الذين يمنعون الناس عن سبيل الله الموصلة إلى عبادته، ويريدون أن تكون هذه السبيل عوجاء بموافقتها لأهوائهم، وهم كافرون بالآخرة لا يؤمنون ببعث ولا جزاء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من أفعالهم الشنيعة فقال : ( الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً .

.

.

)و ( يَصُدُّونَ ) من صد بمعنى صرف الغير عن الشئ ومنعه منه .

يقال صد يصد صدودا وصدا .و ( سَبِيلِ الله ) طريقة الموصولة إلى رضائه ، والمراد بها ملة الإِسلام .( وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ) أى يطلبون لها العوج ، يقال : بغيت لفلان كذا إذا طلبته له .والعوج - بكسر العين - الميل والزيغ فى الدين والقول والعمل .

وكل ما خرج عن طريق الهدى إلى طريق الضلال فهو عوج .والعوج - بفتح العين - يكون فى المحسوسات كالميل فى الحائط والرمح وما يشبههما .

أى أن مكسور العين يكون فى المعانى ومفتوحها يكون فى المحس .والمعنى : ألا لعنة الله وخزيه على الظالمين الذين من صفاتهم أنهم لا يكتفون بانصرافهم عن الحق بل يحاوولن صرف غيرهم عنه ويطلبون لملة الإِسلام العوج ويصفونها بذلك تنفيرا للناس منها ، وقوله عوجا مفعول ثان ليبغون ، أو حال من سبيل الله .وقوله ( وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ ) بيان لعقيدتهم الباطلة فى شأن البعث والحساب .

أى : وهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب كافرون .وكرر الضمير ( هم ) لتأكيد كفرهم وللإِشارة إلى أنهم بلغوا فيه مبلغا لم يبلغه أحد سواهم حتى لكأن كفر غيرهم يسير بالنسبة لكفرهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة وطرق مختلفة، فمنها شدة حرصهم على الدنيا ورغبتهم في تحصيلها، وقد أبطل الله هذه الطريقة بقوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا  ﴾ إلى آخر الآية، ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقدحون في معجزاته، وقد أبطل الله تعالى بقوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ  ﴾ ومنها أنهم كانوا يزعمون في الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله، وقد أبطل الله تعالى ذلك بهذه الآية، وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله تعالى، فلما بين وعيد المفترين على الله، فقد دخل فيه هذا الكلام.

واعلم أن قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ إنما يورد في معرض المبالغة.

وفيه دلالة على أن الافتراء على الله تعالى أعظم أنواع الظلم.

ثم إنه تعالى بين وعيد هؤلاء بقوله: ﴿ أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ ﴾ وما وصفهم بذلك لأنهم مختصون بذلك العرض، لأن العرض عام في كل العباد كما قال: ﴿ وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا  ﴾ وإنما أراد به أنهم يعرضون فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم ﴿ هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ ﴾ فحصل لهم من الخزي والنكال مالا مزيد عليه، وفيه سؤالات: السؤال الأول: إذا لم يجز أن يكون الله تعالى في مكان، فكيف قال: ﴿ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ ﴾ والجواب: أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال، ويجوز أيضاً أن يكون ذلك عرضاً على من شاء الله من الخلق بأمر الله من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.

السؤال الثاني: من الأشهاد الذين أضيف إليهم هذا القول؟

الجواب قال مجاهد: هم الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا.

وقال قتادة ومقاتل: ﴿ الأشهاد ﴾ الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد، يعني على رؤوس الناس.

وقال الآخرون: هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

قال الله تعالى: ﴿ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة.

السؤال الثالث: الأشهاد جمع فما واحده؟

والجواب: يجوز أن يكون جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب، وناصر وأنصار، ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل شريف وأشراف.

قال أبو علي الفارسي: وهذا كأنه أرجح، لأن ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل، كقوله: ﴿ وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ ﴿ وجِئْنَا بِك على هَؤُلاء شَهِيداً  ﴾ ثم لما أخبر عن حالهم في عذاب القيامة أخبر عن حالهم في الحال فقال: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين ﴾ وبين أنهم في الحال لملعونون من عند الله، ثم ذكر من صفاتهم أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً يعني أنهم كما ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر والضلال، فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق وإلقاء الشبهات، وتعويج الدلائل المستقيمة، لأنه لا يقال في العاصي يبغي عوجاً، وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيفية الاستقامة، وكيفية العوج بسبب إلقاء الشبهات وتقرير الضلالات.

ثم قال: ﴿ وَهُمْ بالأخرة هُمْ كافرون ﴾ قال الزجاج: كلمة هم كررت على جهة التوكيد لثباتهم في الكفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ ﴾ يحبسون في الموقف وتعرض أعمالهم ويشهد عليهم ﴿ الأشهاد ﴾ من الملائكة والنبيين بأنهم الكذابون على الله بأنه اتخذ ولداً وشريكاً، ويقال ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين ﴾ فوا خزياه ووا فضيحتاه.

والأشهاد: جمع شاهد أو شهيد، كأصحاب أو أشراف ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة.

أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد، وهم الثانية لتأكيد كفرهم بالآخرة واختصاصهم به ﴿ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض ﴾ أي ما كانوا يعجزون الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم، وما كان لهم من يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم، وهو من كلام الأشهاد ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب ﴾ وقرئ: ﴿ يضعف ﴾ ﴿ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع ﴾ أراد أنهم لفرط تصامّهم عن استماع الحق وكراهتهم له، كأنهم لا يستطيعون السمع ولعل بعض المجبرة يتوثب إذا عثر عليه فيوعوع به على أهل العدل، كأنه لم يسمع الناس يقولون في كل لسان: هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه، وهذا مما يمجه سمعي.

ويحتمل أن يريد بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُم مّنْ دون الله أَوْلِيَاء ﴾ أنهم جعلوا آلهتهم أولياء من دون الله، وولايتها ليست بشيء، فما كان لهم في الحقيقة من أولياء، ثم بين نفي كونهم أولياء بقوله: ﴿ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ ﴾ فكيف يصلحون للولاية.

وقوله: ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب ﴾ اعتراض بوعيد ﴿ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم ﴾ اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله، فكان خسرانهم في تجارتهم ما لا خسران أعظم منه، وهو أنهم خسروا أنفسهم ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم ﴾ وبطل عنهم وضاع ما اشتروه وهو ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ من الآلهة وشفاعتها ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ فسر في مكان آخر ﴿ هُمُ الأخسرون ﴾ لا ترى أحداً أبين خسراناً منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ كَأنَّ أسْنَدَ إلَيْهِ ما لَمْ يُنَزِّلْهُ أوْ نَفى عَنْهُ ما أنْزَلَهُ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ الكاذِبُونَ.

﴿ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ﴾ في المَوْقِفِ بِأنْ يُحْبَسُوا وتُعْرَضَ أعْمالُهم.

﴿ وَيَقُولُ الأشْهادُ ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ أوْ مِن جَوارِحِهِمْ، وهو جَمْعُ شاهِدٍ كَأصْحابٍ أوْ شَهِيدٍ كَأشْرافٍ جَمْعُ شَرِيفٍ.

﴿ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ ﴾ تَهْوِيلٌ عَظِيمٌ مِمّا يَحِيقُ بِهِمْ حِينَئِذٍ لِظُلْمِهِمْ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ.

﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ عَنْ دِينِهِ.

﴿ وَيَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ يَصِفُونَها بِالِانْحِرافِ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ أوْ يَبْغُونَ أهْلَها أنْ يَعْوَجُّوا بِالرِّدَّةِ.

﴿ وَهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ والحالُ أنَّهم كافِرُونَ بِالآخِرَةِ وتَكْرِيرُهم لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} يصرفون الناس عن دينه {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة أو يبغون أهلها أن يعرجوا بالارتداد {وَهُمْ بالأخرة هُمْ كافرون} هم الثانية لتأكيد كفرهم بالآخرة واختصاصهم به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ ﴾ أيْ كُلْ مَن يَقْدِرُونَ عَلى صَدِّهِ أوْ يَفْعَلُونَ الصَّدَّ ﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ دِينِهِ القَوِيمِ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مَجازٌ ﴿ ويَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ لَها انْحِرافًا، والمُرادُ أنَّهم يَصِفُونَها بِذَلِكَ وهي أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْهُ، وإطْلاقُ الطَّلَبِ عَلى الوَصْفِ مَجازٌ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ يَبْغُونَ أهْلَها أنْ يَنْحَرِفُوا عَنْها ويَرْتَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى يَطْلُبُونَها عَلى عِوَجٍ ونُصِبَ ( عِوَجًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ حالٌ ويُؤَوَّلُ بِمُعْوَجِّينَ ﴿ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الفَصْلِ فَيُفِيدُ الِاخْتِصاصَ وضَرْبًا مِنَ التَّأْكِيدِ، والِاخْتِصاصُ ادِّعائِيٌّ مُبالَغَةً في كُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ كَأنَّ كُفْرَ غَيْرِهِمْ بِها لَيْسَ بِكُفْرٍ في جَنْبِهِ، وقِيلَ: إنَّ التَّكْرِيرَ لِلتَّأْكِيدِ وتَقْدِيمَ ( بِالآخِرَةِ ) لِلتَّخْصِيصِ، والأوْلى كَوْنُ تَقْدِيمِهِ لِرُءُوسِ الآيِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: ومن أشد في كفره مِمَّنِ افْتَرى يقول: ممن اختلق على الله كذبا، بأن معه شريكاً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ يعني: يساقون إلى ربهم يوم القيامة، وَيَقُولُ الْأَشْهادُ يعني الرسل: قد بلغناهم الرسالة- وقال الضحاك: وَيَقُولُ الْأَشْهادُ، يعني: الأنبياء (١) الملائكة.

وقال الأخفش: الْأَشْهادُ واحدها شاهد، مثل أصحاب وصاحب، ويقال: شهيد وأشهاد، مثل: شريف وأشراف.

قال الله تعالى: هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ يعني: افتروا على الله عز وجل بأن معه شريكاً، وقال الله: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، يعني: عذابه وغضبه على المشركين.

ثم وصفهم فقال تعالى: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: يصرفون الناس عن دين الإسلام وَيَبْغُونَها عِوَجاً يطلبون بملة الإسلام زيفاً وغِيراً، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ أي: ينكرون البعث.

قوله تعالى: أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ يعني: لم يفوتوا، ولم يهربوا من عذاب الله تعالى حتى يجزيهم بأعمالهم الخبيثة، وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يعني: ما كان لهم من عذاب الله تعالى مانع يمنعهم من العذاب، يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ يعني: الرؤساء يكون لهم العذاب بكفرهم، وبما أضلوا غيرهم، مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ يعني: ما كانوا في العذاب يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ يعني: لا يقدرون أن يسمعوا وَما كانُوا يُبْصِرُونَ في النار شيئاً.

ويقال: ذلك التضعيف لهم، لأنهم كانوا لا يستطيعون الاستماع إلى محمد  ، في الدنيا من بغضه، وَما كانُوا يُبْصِرُونَ، أي: عمياً لا ينظرون إليه من بغضه.

وقال الكلبي: يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ بما كانوا يستطيعون السمع والهدى، وبما كانوا لا يبصرون الهدى.

ويقال: مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع، فلم يسمعوا، وكانوا يستطيعون أن يبصروا، فلم يبصروا.

ويقال: مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ يعني: لم يكن لهم سمع القلب، وَما كانُوا يُبْصِرُونَ، أي لم يكن لهم بصر القلب.

قرأ ابن كثير، وابن عامر يضعّف لَهُمْ بتشديد العين بغير ألف، وقرأ الباقون: يُضاعَفُ بالألف، ومعناهما واحد.

ثم بيَّنَ أنّ ضرر ذلك يرجع إلى أنفسهم، فقال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ يعني: غبنوا حظَّ أنفسهم وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: وبطل عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله تعالى، فات عنهم ولا ينفعهم شيئاً.

ثم قال تعالى: لاَ جَرَمَ قال الكلبي: يعني حقا.

ويقال: نعم.

ويقال: لا جَرَمَ، يعني: لا شك.

ويقال: لا كذب.

ويقال: لا جَرَمَ، أي: بلى.

وذكر عن الفراء أنه قال: لا جَرَمَ، كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة حقاً، أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ يعني: الخاسرين.

ويقال: الأخسر إذا قلت بالألف واللام، يكون بمعنى الخاسر، وإذا قلت: أخسر بغير الألف واللام، يكون أخسر من غيره.

ثم أخبر عن المؤمنين، وما أعدّ لهم في الآخرة، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، يعني: الطاعات فيما بينهم وبين ربهم، وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ، قال القتبي: يعني تواضعوا، والإخبات: التواضع.

وقال مقاتل: وَأَخْبَتُوا يقول أخلصوا، ويقال: يخشعون فرقاً من عذاب ربهم، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ يعني: أهل الجنة هُمْ فِيها خالِدُونَ يعني: دائمون، لا يموتون ولا يخرجون منها.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأقوال، فخاطب اللَّه تعالَى نبيَّه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطَبَة، ووقَّفَهُ بها توقيفاً رَادًّا علَى أقوالهم ومبطلاً لها، وليس المعنَى أنَّه عليه السلام هَمَّ بشيء من ذلك، فَزُجِرَ عنه، فإِنه لم يُرِدْ قطُّ تَرْكَ شيء مما أوحِيَ إِليه، ولا ضَاقَ صدْرُهُ به، وإِنما كان يَضِيقُ صدره بأقوالهم وأفعالهم وبُعْدِهِم عن الإِيمان.

قال ص، وع «١» : وعبَّر ب ضائِقٌ وإِن كان أقلَّ استعمالا من «ضَيِّقٍ» لمناسبة تارِكٌ ولأن ضائِقٌ وصفٌ عارضٌ بخلاف «ضيق» فإِنه يدل على الثبوت، والصّالح هنا الأول بالنسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم، والضمير في «به» عائدٌ على البعْضِ، ويحتمل أن يعود على «ما» وأَنْ يَقُولُوا أي: كراهةَ أنْ يقولوا، أو لئلاَّ يقولوا، ثم آنسه تعالَى بقوله: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، أي: هذا القدْرُ هو الذي فُوِّضَ إِليك، واللَّه تعالَى بَعْدَ ذلك هو الوكيلُ الممضي لإِيمان من شاء، وكُفْرِ من شاء أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ: «أم» بمعنى: «بل» ، والافتراء أَخصُّ من الكذبِ، ولا يستعملُ إِلا فيما بَهَتَ به المرءُ وكَابَر.

وقوله سبحانه: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تقدَّم تفسير نظيرها، وقال بعضُ الناس: هذه الآية متقدِّمة على التي في يُونُسَ إِذْ لا يصحُّ أَنْ يعجزوا في واحدةٍ، ثم يكلَّفوا عشراً.

قال ع «٢» : وقائلُ هذا القولِ لم يَلْحَظْ ما ذكَرْناه مِنَ الفَرْقِ بين التكْليفين، في كمال المماثَلَةِ مرةً كما هو في «سورة يونس» ، ووقوفها على النظْمِ مرَّة كما هو هنا، وقوله:

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: يريد في أنّ القرآن مفترى.

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)

وقوله سبحانه: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، لهذه الآية تأويلان:

أحدهما: أنْ تكون المخاطبةُ من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للكفَّار، أي: ويكون ضميرُ يَسْتَجِيبُوا على هذا التأويل عائداً على معبوداتهم.

والثاني: أن تكون المخاطبةُ من اللَّه تعالَى للمُؤمنين، ويكون قوله على هذا فَاعْلَمُوا بمعنى: دُومُوا علَى عِلْمِكُم قال مجاهد: قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ:

هو لأصحابِ محمَّد عليه السلام «١» .

وقوله سبحانه: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ...

الآية: قالت قتادةُ وغيره:

هي في الكَفَرة «٢» ، وقال مجاهد: هي في الكفرة وأهْلِ الرياءِ من المؤمنين «٣» .

وإليه ذهب معاويَةُ، والتأويل الأول أَرْجَحُ بحسب تقدُّمِ ذكْرِ الكفَّار، وقال ابنُ العربيِّ في «أحكامِه» : بل الآية عامَّة في كلِّ من ينوي غيْرَ اللَّهِ بِعَمَلِه، كان معه إيمان أو لم يكُنْ، وفي هذه الآية بيان لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ مَا نَوَى» «٤» ، وذلك أنَّ العبد لا يُعْطَى إِلا عَلَى وَجْهٍ قَصدَهُ، وبحُكْم ما ينعقدُ في ضَمِيرِهِ، وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه.

وقوله: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها: قيل: ذلك في صحَّة أبدانهم وإِدرَارِ أرزَاقهم، وقيل: إِن هذه الآية مطْلَقةٌ، وكذلك التي في «حم عسق» : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ الآية [الشورى: ٢٠] إِلى آخرها، قيَّدتْهما وفسَّرتْهما الآيةُ التي في «سورة سُبْحانَ» ، وهي قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ...

الآية [الإِسراء: ١٨] ، فأخبر سبحانه أَنَّ العبدِ ينوي ويريدُ، واللَّه يحكُمُ ما يريدُ، ثم ذكر ابنُ العربيِّ الحديثَ الصحيحَ في النَّفَرِ الثلاثة الذين كَانَتْ أعمالهم رياءً، وهم رَجُلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورَجُلٌ كثيرُ المالِ، وقولَ اللَّهِ لكلِّ واحدٍ منهم: «مَاذَا عَمِلْتَ؟» ثم قال في آخر الحديث: ثمّ ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ركبتيّ، وقال: يا أبا هريرة،

أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ، ثُمَّ قرأ قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها» «١» ، أي: في الدنيا وهذا نصٌّ في مراد الآية، واللَّه أعلم.

انتهى.

وحَبِطَ: معناه: بَطَلَ وسَقَط، وهي مستعملةٌ في فَسَاد الأعمال.

قال ص: قوله: مَا صَنَعُوا: «ما» بمعنى: «الَّذِي» ، أو مصدريةٌ، و «فيها» :

متعلِّقٌ ب «حَبِطَ» ، والضمير في «فيها» عائدً على الآخرة، أي: ظهر حبوطُ ما صَنَعُوا في الآخرة، أَو متعلِّق ب «صَنَعُوا» فيكون عائداً على الدنيا.

انتهى.

و «الباطل: كُلُّ ما تقتضي ذاتُه أَلاَّ تُنَال به غايةٌ في ثوابٍ ونحوه، وقوله سبحانه:

أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: في الآية تأويلات.

قال ع «٢» : والراجحُ عندِي مِنَ الأقوال في هذه الآية: أَنْ يكون «أَفَمَن» للمؤمنين، أو لهم وللنبيّ صلّى الله عليه وسلّم معهم، والبينة: القرآن وما تضمّن، والشاهد:

الإِنجيلُ، يريد: أَو إِعجاز القرآن في قولٍ، والضميرُ في «يتلوه» للبيِّنة، وفي «منه» للربِّ، والضميرُ في «قبله» للبينة أيضاً، وغير هذا مما ذُكِرَ محتملٌ، فإِن قيل: إِذا كان الضمير في «قَبْله» عائداً على القُرْآنِ، فَلِمَ لَمْ يذْكَر الإِنجيل، وهوَ قبله، وبَيْنَه وبَيْن كتاب موسَى؟، فالجوابُ: أنه خَصَّ التوراة بالذكْرِ لأنه مجمَعٌ عليه، والإِنجيل ليس كذلك لأن اليهود تخالِفُ فيه، فكان الاستشهاد بما تقُومُ به الحجَّةُ على الجميع أولَى، وهذا يجري مَعَ قولِ الجنِّ: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى [الأحقاف: ٣٠] والْأَحْزابِ هاهنا يُراد بهم جميعُ الأُمَمِ، وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنه قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلاَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بي إِلاَّ دَخَلَ النَّار» «٣» ، قال سعيدٌ: فقلْتُ: أَيْنَ مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟

حَتَّى وَجَدتُّهُ فِي هَذِهِ الآيةِ، وكنت إذا سمعت حديثا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم طَلَبْتُ مِصْدَاقَهُ في كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ «٤» ، وقرأ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في (الأعْرافِ:٤٥) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذُكِرَتْ " هم " ثانِيَةً عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ لِشَأْنِهِمْ في الكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ يُضاعَفُ لَهم العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ ﴾ قَوْلُهُ: "وَمَن " اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، وكَأنَّهُ قالَ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى كَذِبًا، والمُرادُ بِـ "مَن" الكَفَرَةُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ويَفْتَرُونَ في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ عِبارَةٌ عَنِ الإشادَةِ بِهِمْ والتَشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ وإلّا فَكَلُّ بَشَرٍ مَعْرُوضٌ عَلى اللهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَقُولُ الأشْهادُ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ الشُهَداءَ مِنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ﴾ إخْبارًا عنهم وشَهادَةً عَلَيْهِمْ وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأشْهادُ بِمَعْنى الشاهِدِينَ، ويُرِيدُ جَمِيعَ الخَلائِقِ، وفي ذَلِكَ إشادَةٌ بِهِمْ، ورُوِيَ في نَحْوِ هَذا حَدِيثٌ: « "إنَّهُ لا يَخْزى أحَدٌ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا وَيَعْلَمُ ذَلِكَ جَمِيعُ مَن شَهِدَ المَحْشَرَ"،» فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "هَؤُلاءِ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْتِفْهامًا عنهم وتَثْبُتًا فِيهِمْ كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا قَدْ عُوقِبَ: هَذا هو الَّذِي فَعَلَ كَذا وإنْ كُنْتَ قَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ الإخْبارُ عنهم.

وقَوْلُهُ: ألا اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، و"اللَعْنَةُ" الإبْعادُ، والَّذِينَ نَعْتُ لِـ الظالِمِينَ ويَحْتَمِلُ الرَفْعَ عَلى تَقْدِيرِ هُمُ الَّذِينَ، ويَصُدُّونَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَدِّيًا عَلى مَعْنى: يَصُدُّونَ الناسَ ويَمْنَعُونَهم مِن سَبِيلِ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ عَلى مَعْنى يَصُدُّونَ هُمْ، أيْ: يُعْرِضُونَ.

وسَبِيلُ اللهِ شَرِيعَتُهُ، ويَبْغُونَها مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ لَها كَما تَقُولُ بَغَيْتُكَ خَيْرًا أو شَرًّا أيْ طَلَبْتُ لَكَ، وعِوَجًا -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَبْغُونَ السَبِيلَ عَلى عِوَجٍ، أيْ فَهم لا يَهْتَدُونَ أبَدًا فَـ عِوَجًا -عَلى هَذا- مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والعِوَجُ الِانْحِرافُ والمَيْلُ المُؤَدِّي إلى الفَسادِ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ: هم عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ، وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ الأوَّلِ: ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الفَصْلِ لِأنَّ الفَصْلَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، أو مَعْرِفَةٍ ونَكِرَةٍ تُقارِبُ المَعْرِفَةَ، لِأنَّها تَفْصِلُ ما بَيْنَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها صِفَةً أو خَبَرًا وتُخَلِّصُهُ لِلْخَبَرِ.

و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلَتِينَ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِمْ.

وخُصَّ ذِكْرُ الأرْضِ لِأنَّ تَصَرُّفَ ابْنِ آدَمَ وتَمَتُّعَهُ إنَّما هو فِيها وهي قُصاراهُ لا يَسْتَطِيعُ النُفُوذَ مِنها.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم ولِيٌّ أو ناصِرٌ كائِنًا مَن كانَ.

والثانِي: أنْ يَقْصِدَ وصْفَ الأصْنامِ والآلِهَةِ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا أولِياءَ حَقِيقَةً، وإنْ كانُوا هم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أولِياءُ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ يُشَدَّدُ حَتّى يَكُونَ ضِعْفَيْ ما كانَ.

ويُضاعَفُ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ ولَيْسَ بِصِفَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أوجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَصِفَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِهَذِهِ الصِفَةِ عَلى مَعْنى أنَّ اللهَ خَتَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ولا يُبْصِرُونَ كَذَلِكَ.

والثانِي: أنْ يَكُونَ وصَفَهم بِذَلِكَ مِن أجْلِ بُغْضَتِهِمْ في النَبِيِّ  فَهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَحْمِلُوا أنْفُسَهم عَلى السَمْعِ مِنهُ والنَظَرِ إلَيْهِ ويَنْظُرُ إلى هَذا حَشْدُ الطُفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ بِالكُرْسُفِ، وإبايَةُ قُرَيْشٍ وقْتَ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلُّ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ رَسُولِ اللهِ  حَتّى رَدَّهم عن ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم.

والثالِثُ: أنْ يَكُونَ وصَفَ بِذَلِكَ الأصْنامَ والآلِهَةَ الَّتِي نَفى عنها- عَلى التَأْوِيلِ المُقَدَّمِ- أنْ تَكُونَ أولِياءَ.

و"ما" في هَذِهِ الوُجُوهِ نافِيَةٌ.

والرابِعُ: أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ بِما كانُوا: بِحَذْفِ الجارِّ، وتَكُونُ ما مَصْدَرِيَّةً، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَحامُلٌ.

قالَهُ الفَرّاءُ، وقَرَنَهُ بِقَوْلِهِ: أُجازِيكَ ما صَنَعْتَ بِي.

والخامِسُ: أنْ تَكُونَ ما ظَرْفِيَّةً، يُضاعَفُ لَهم مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَمْعَ والبَصَرَ، وقَدْ أعْلَمَتِ الشَرِيعَةُ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا فالعَذابُ- إذَنْ- مُتَمادٍ أبَدًا.

وقُدِّمَ السَمْعُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى "البَصَرِ" لِأنَّ حاسَّتَهُ أشْرَفُ مِن حاسَّةِ البَصَرِ، إذْ عَلَيْهِ تُبْنى في الأطْفالِ مَعْرِفَةُ دَلالاتِ الأسْماءِ، وإذْ هو كافٍ في أكْثَرِ المَعْقُولاتِ دُونَ البَصَرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما انقضى الكلام من إبطال زعمهم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم افترى القرآن ونسبه إلى الله، وتعجيزهم عن برهان لما زعموه، كَرّ عليهم أن قد وضح أنهم المفترون على الله عدة أكاذيب، منها نفيهم أن يكون القرآن منزّلاً من عنده.

فعطفت جملة ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ على جملة ﴿ ومن يكْفر به من الأحزاب فالنار موعده ﴾ [هود: 17] لبيان استحقاقهم النار على كفرهم بالقرآن لأنهم كفروا به افتراء على الله إذ نسبوا القرآن إلى غير مَن أنزله، وزعموا أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم افتراه، فكانوا بالغين غاية الظلم حتى لقد يسأل عن وجود فريق أظلَمَ منهم سؤالَ إنكار يؤول إلى معنى النفي، أي لا أحد أظلم.

وقد تقدّم نظيره في قوله تعالى: ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله ﴾ في سورة [البقرة: 114]، وفي سورة [الأعراف: 37] في قوله: ﴿ فمن أظلم ممّن افترى على الله كذباً أو كذّب بآياته.

﴾ وافتراؤهم على الله هو ما وضعوه من دين الشرك، كقولهم: إن الأصنام شفعاؤهم عند الله، وقولهم في كثير من أمور دينهم ﴿ واللّهُ أمرَنا بها ﴾ [الأعراف: 28].

وقال تعالى: ﴿ ما جعل الله من بحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وصيلةٍ ولا حاممٍ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ [المائدة: 103] أي إذ يقولون: أمرنا الله بذلك.

وجملة ﴿ أولئك يعرضون على ربهم ﴾ استئناف.

وتصديرها باسم الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد بعد اسم الإشارة من الخَبر بسبب ما قبل اسم الإشارة من الوصف، وهذا أشد الظلم كما تقدم في ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في سورة [البقرة: 5].

ولمَا يؤذن به اسم الإشارة من معنى تعليل ما قبله فيما بعده علم أن عرضهم على ربهم عَرض زجر وانتقام.

والعرض إذا عدّي بحرف (على) أفاد معنى الإحضار بإراءة.

واختيار وصف السبب للإيماء إلى القدرة عليهم.

وعطف فعل (يقول) على فعل (يعرضون) الذي هو خبر، فهو عطف على جزء الجملة السابقة وهو هنا ابتداء عطف جملة على جملة فكلا الفعلين مقصود بالإخبار عَن اسم الإشارة.

والمعنى أولئك يعرضون على الله للعقاب ويعلن الأشهاد بأنهم كذبوا على ربهم فضحاً لهم.

والأشهاد: جمع شاهد بمعنى حاضر، أو جمع شهيد بمعنى المخبر بما عليهم من الحق.

وهؤلاء الأشهادُ من الملائكة.

واستحضارهم بطريق اسم الإشارة لتمييزهم للناس كلهم حتى يشتهر ما سيخبر به عن حالهم، والمقصود من ذلك شهرتهم بالسوء وافتضاحهم.

والإتيانُ بالموصول في الخبر عنهم إيماء إلى سببية ذلك الوصف الذي في الصلة فيما يرد عليهم من الحكم وهو ألا لعنة الله على الظالمين } ، على أن المقصود تشهيرهم دون الشهادة.

والمقصود من إعلان هذ الصفة التشهير والخزي لا إثبات كذبهم لأن إثبات ذلك حاصل في صحف أعمالهم ولذلك لم يسند العرض إلى أعمالهم وأسند إلى ذواتهم في قوله: ﴿ أولئك يعرضون على ربهم ﴾ .

وجملة ﴿ ألاَ لعنة الله على الظالِمين ﴾ من بقية قول الأشهاد.

وافتتاحها بحرف التنبيه يناسب مقام التشهير، والخبر مستعمل في الدعاء خزياً وتحقيراً لهم، وممّا يؤيد أنه من قول الأشهاد وقوع نظيره في سورة [الأعراف: 44] مصرحاً فيه بذلك ﴿ فأذّن مؤذنٌ بينهم أن لعنة الله على الظالمين ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة هم كافرون ﴾ تقدم نظيره في سورة [الأعراف: 45].

وضمير المؤنث في قوله: (يبغونها) عائد إلى سبيل الله لأنّ السبيل يجوز اعتباره مؤنثاً.

والمعنى: أنهم يبغون أن تصير سبيل الله عَوجاء، فعلم أن سبيل الله مستقيمة وأنهم يحاولون أن يصيروها عَوجاء لأنهم يريدون أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم دينهم ويغضبون من مخالفته إياه.

وهنا انتهى كلام الأشهاد لأن نظيره الذي في سورة [الأعراف: 44] في قوله: ﴿ فأذّن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ﴾ الآية انتهى بما يماثل آخر هذه الآية.

واختصت هذه الآية على نظيرها في الأعراف بزيادة (هم) في قوله: ﴿ هم كافرون ﴾ وهو توكيد يفيد تقوّي الحكم لأن المقام هنا مقام تسجيل إنكارهم البعث وتقريرِه إشعاراً بما يترقبهم من العقاب المناسب فحكي به من كلام الأشهاد ما يناسب هذا، وما في سورة الأعراف حكاية لما قيل في شأن قوم أُدخلوا النار وظهر عقابهم فلا غَرض لحكاية ما فيه تأكيد من كلام الأشهاد، وكلا المقالتين واقع وإنما يحكي البليغ فيما يحكيه ما له مناسبة لمقام الحكاية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ مَعْناهُ ومَن أظْلَمُ لِنَفْسِهِ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِأنْ يَدَّعِيَ إنْزالَ ما لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ أوْ يَنْفِيَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ.

﴿ أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ﴾ وهو حَشْرُهم إلى مَوْقِفِ الحِسابِ كَعَرْضِ الأمِيرِ لِجَيْشِهِ، إلّا أنَّ الأمِيرَ يَعْرِضُهم لِيَراهم وهَذا لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِرُؤْيَتِهِ لَهم قَبْلَ الحَشْرِ.

﴿ وَيَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ﴾ والأشْهادُ جَمْعٌ، وفِيما هو جَمْعٌ لَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ شاهِدٍ مِثْلُ صاحِبٍ وأصْحابٍ.

والثّانِي: جَمْعُ شَهِيدٍ مِثْلُ شَرِيفٍ وأشْرافٍ.

وَفي الأشْهادِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الأنْبِياءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: الخَلائِقُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّ الأشْهادَ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ والأجْسادُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا.

وَفي سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي صَدُّوا عَنْها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  صَدَّتْ قُرَيْشٌ عَنْهُ النّاسَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: دِينُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَيَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي يُؤْمِنُونَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلامِ دِينًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

الثّانِي: يَبْغُونَ مُحَمَّدًا هَلاكًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنْ يَتَأوَّلُوا القُرْآنَ تَأْوِيلًا باطِلًا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى لا جَرَمَ: لا بُدَّ.

الثّانِي: أنَّ ( لا ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ لا دافِعَ لِعَذابِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: جَرَمَ، أيْ كَسَبَ بِكُفْرِهِ اسْتِحْقاقَ النّارِ، ويَكُونُ مَعْنى جَرَمَ: كَسَبَ، أيْ بِما كَسَبَتْ يَداهُ، قالَ الشّاعِرُ: نَصَبْنا رَأْسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما جَرَمَتْ يَداهُ وما اعْتَدَيْنا أيْ بِما كَسَبَتْ يَداهُ.

الثّالِثُ: أنَّ ( لا ) زائِدَةٌ دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، يَعْنِي حَقًّا إنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ.

قالَ الشّاعِرُ: ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا أيْ أحَقَّتْهُمُ الطَّعْنَةُ بِالغَضَبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذين يصدون عن سبيل الله ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم، صدت قريش عنه الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ يعني يرجون بمكة غير الإِسلام ديناً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ مضى تفسيره مشبعًا في سورة آل عمران (١) قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ ، قال الزجاج (٢) ﴿ هُمْ ﴾ ثانية على جهة التوكيد لشأنهم في الكفر.

(١) آل عمران: 99، وخلاصة ما ذكره هنالك ما نقله عن أهل المعاني "تأويل الآية: يطلبون أن يعوجوا سبيل الله، وأن يكون فيها عوج؛ لأن معنى ﴿ سَبِيلِ اللهِ ﴾ الطريق التي هي الوصلة إلى رضا الله، فهم يطلبون أن يعوجوا هذا الطريق، حتى لا يصل إلى رضا الله من سلكها.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 45.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَقُولُ الأشهاد ﴾ جمع شاهد كأصحاب، ويحتمل أن يكون من الشهادة؛ فيراد به الملائكة والأنبياء أو من الشهود بمعنى الحضور، فيراد به كل من حضر الموقف ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ أي: يطلبون اعوجاجها أو يصفونها بالاعوجاج، ﴿ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ ﴾ أي لا يفلتون ﴿ يضاعف لَهُمُ العذاب ﴾ إخبار عن تشديد عذابهم وليس بصفة لأولياء ﴿ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع ﴾ الآية: ما نافية والضمير للكفار، والمعنى وصفهم بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون كقولهم: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ ﴾ [البقرة: 7] الآية، وقيل غير ذلك، وهو بعيد ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ أي لابد ولا شك ﴿ وأخبتوا ﴾ أي: خشعوا وقيل: أنابوا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.

وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.

﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.

﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".

﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.

والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.

ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.

أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.

﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.

أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.

ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.

و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.

وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.

احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.

وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي  قل لهم لا تعبدوا.

وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي  يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب  ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.

ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.

ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.

وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.

وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.

وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.

ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله  : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي  : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟

وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.

والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.

الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.

وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله  .

وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.

ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً  ﴾ .

ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.

وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.

وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.

اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.

ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.

قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.

ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.

قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.

وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.

وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله  وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.

ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه  عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.

ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.

والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.

وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.

وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.

واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.

ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.

ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.

وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ يروى أن موسى  عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله  أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.

ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.

وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.

وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه  .

وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.

وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.

وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.

أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.

والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.

قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.

وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.

قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.

ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.

والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.

وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي  : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.

وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.

فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.

وقال في الكشاف.

أي جماعة من الأوقات.

والعذاب عذاب الآخرة.

وقيل: عذاب يوم بدر.

عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.

ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.

واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.

ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.

وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.

ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.

واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.

وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.

وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.

وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.

أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.

والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.

واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.

قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.

والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله  نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.

وقال الحسن: طلبوا منه  أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية  ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان  بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.

وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه  كان أفسح الناس صدراً.

ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.

ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.

وقد مر مثله في سورة يونس.

عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.

واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.

فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.

تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ﴾ الآية.

وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله  والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله  ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.

ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد  وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.

وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.

ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.

عن أنس أنهم اليهود والنصارى.

وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان  يسهم لهم فيها.

وقال الأصم: هم منكرو البعث.

وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.

وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟

فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.

فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.

وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟

فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.

ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله  : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.

قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله  ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟

نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.

ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟

الثاني ما المراد بالبينة؟

الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟

الرابع الشاهد من هو؟

وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.

بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.

والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.

ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.

وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.

وقيل: أفمن كان محمد  ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب  ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي  هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.

وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد  أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد  وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .

ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.

أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.

ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.

والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.

قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.

وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.

وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.

قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.

وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".

﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه  قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.

﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.

جمع  بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه  لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.

﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.

ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله  حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه  منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون  ﴾ .

وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.

والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.

ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.

واعلم أنه  وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.

الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.

الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.

الخامسة الصد عن سبيل الله.

السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.

الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .

التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .

العاشرة مضاعفة العذاب لهم.

الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".

الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".

الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.

وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.

قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.

وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.

ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.

ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.

وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله  وتوفيقه.

التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.

يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا  ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.

﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.

والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.

﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.

﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.

فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.

﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.

﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.

﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ هو ما ذكرنا أن لا أحد أظلم على نفسه ممن أخذ نفسه من معبوده وشغلها في عبادة من لا يملك له نفعاً إن عبده ولا ضر إن ترك عبادته، أو يقول: لا أحد أظلم على نفسه ممن ألقى نفسه الطاهرة في عذاب الله ونقمته أبداً بافترائه على الله، وبالله العصمة والقوة.

وفي التأويل لا أحد أظلم على نفسه ممن افترى على الله كذباً، وفي المعنى لا أحد أفحش ظلماً ممن افترى على الله كذباً بعد معرفته أن جميع ما له من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ أي: أولئك الذين تعرض أعمالهم على أنفسهم عند ربهم، فإن وافقت أعمالهم [ما في] شهادة خلقتهم أدخلوا الجنة، وإن خالفت أعمالهم شهادة خلقتهم أدخلوا النار، تعرض أعمالهم على أنفسهم عند ربهم؛ لأن الله عز وجل عالم بما كان منهم من الأعمال والأقوال على ربهم، أي: عند ربهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ  ﴾ [أي: عند ربهم] وتأويله ما ذكرنا يعرضون على ربهم لأنفسهم؛ لأنهم إنما يؤمرون وينهون ويمتحنون لأنفسهم ولمنفعة أنفسهم فيكون عرضهم لهم، أو أن يكون قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ ﴾ على ما وعدهم ربهم في الدنيا، أو يقول: أولئك يعرضون لأنفسهم على ربهم من غير غيبة كانت منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ : اختلف فيه: قيل: الأشهاد: الرسل والأنبياء.

وقال بعضهم: الأشهاد: الملائكة.

وقال بعضهم: الأشهاد: المؤمنون.

فمن قال: هم الأنبياء والمؤمنون؛ فهو كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً  ﴾ ومن قال: هم الملائكة؛ كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ...

﴾ الآية [الانفطار: 10-11]، ونحوه.

ومعناه - والله أعلم - أنه: تعرض أعمالهم وأقوالهم على أنفسهم فإن أقروا بها بعثوا إلى النار، وإن أنكروا يشهد عليهم ما ذكر من الشهداء فإن أنكروا يقال له: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ...

﴾ الآية [الإسراء: 14]، فإن أنكروا ذلك [فعند ذلك] تشهد عليهم جوارحهم؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24].

ويحتمل أن يكون الملائكة نادوا في ملأ الخلق قبل أن يدخلوا النار: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم.

ويحتمل ما ذكر من شهادة الذين كانو موكلين بكتابة أعمالهم وأقوالهم يخبرون عما كتبوا في الكتب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : اللعنة.

قال بعضهم: هي الطرد عن جميع المنافع والإبعاد عن رحمة الله في الدنيا عن دينه وفي الآخرة عن ثوابه.

وقال بعضهم: اللعنة هي العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ يصدون يحتمل وجهين: يحتمل أن أعرضوا هم بأنفسهم عن دين الله.

ويحتمل صرفوا الناس عن دين الله، لكنه يتبين ذلك بالمصدر أنه أراد ذا أو ذا، يقال في الإعراض بنفسه: صد يصد صدودا؛ كقوله: ﴿ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً  ﴾ ، ويقال في صرف غيره: صد يصد صدا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً  ﴾ : قال بعضهم: هم بغاة على دين الله بالجور.

وقال بعضهم: يبغون من النساء الميل عن دين الله إلى دينهم، فذلك هو بغي العوج، كل سبيل غير سبيل الله فهو عوج وبغي، كأنه يقول: يبغون سبيلا غير سبيل الله.

﴿ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ : في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أولئك لم يكونوا معجزي الله في الدنيا من أن يعذبهم وينتقم منهم إن شاء.

والثاني: أولئك لم يكونوا سابقي الله في الآخرة في دفع العذاب عن أنفسهم.

وجائز أن يكون الآية في الأئمة منهم والجبابرة يخبر أنهم غير معجزي الله فيما يريد منهم من التعذيب لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ هم حسبوا أن أولئك الذين عبدوهم من دون الله يكونون لهم أولياء؛ لأنهم يقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ كانوا يطمعون في شفاعة الأصنام التي كانوا يعبدونها، أو الذين اتبعوهم يكونون لهم أولياء فأخبر أن ليس لهم أولياء على ما ظنوا وحسبوا، بل يكونون لهم أعداء؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً...

﴾ الآية [الأحقاف: 6]، وأمثاله كثير؛ وكقوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  ﴾ أي: لم يكن لهم ما طمعوا، وقوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً  ﴾ صاروا لهم أعداء على ما ذكر.

ويحتمل ﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ أي: لا ينفعهم ولاية من اتخذوا أولياء؛ كقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ : هذا يدل على أن قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ في الأئمة الذين صرفوا الناس عن دين الله؛ لأنه أخبر أنه يضاعف لهم العذاب.

وهو يحتمل وجهين: أحدهما: لما ضلوا هم بأنفسهم، والآخر: لما صرفوا الناس عن دين الله  .

وقوله - عز وجل -: و ﴿ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ ﴾ : قالت المعتزلة فيه بوجهين: أحدهما: أنهم كانوا يسمعون ويبصرون، لكنه قال لا يستطيعون السمع ولا يبصرون استثقالا منهم لذلك، وهو كما يقول الرجل: ما أستطيع أن أنظر إلى فلان ولا أسمع كلامه، وهو ناظر إليه سامع كلامه، لكنه يقول ذلك لاستثقاله النظر إليه وسماع كلامه؛ فعلى ذلك الأول كانوا يسمعون ويبصرون، لكنهم كانوا يستثقلون السمع والنظر إليهم [فنفى عنهم] ذلك.

والثاني: كانوا لا يستطيعون السمع، أي: كانوا كأنهم لا يستطيعون السمع ولا النظر، وهو ما أخبر أنهم صم بكم عمي، كانوا يتصامون ويتعامون الحق.

وأمّا عندنا: الجواب للتأويل الأول أنهم كانوا لا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون السماع سمع الرحمة والنظر إليه بعين الرحمة والقبول، فهم من ذلك الوجه كانوا لا يستطيعون.

والثاني: يحتمل سمع القلب وبصر القلب، وهم كانوا لا يستطيعون السمع سمع القلب وبصر القلب؛ كقوله: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ  ﴾ وهذه الاستطاعة عندنا هي استطاعة الفعل لا استطاعة الأحوال؛ إذ جوارحهم كانت سليمة صحيحة؛ فدل أنها الاستطاعة التي بها يكون الفعل لما ذكرنا.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع)، ثم سئل الحسن عن ذلك؟

فقال: هو قول الله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً  ﴾ إذا سمعوا الوحي تقنعوا في ثيابهم، فلم يستطيعوا احتمال ذلك.

وفي حرف حفصة: (وما كانوا يستطيعون السمع) بالواو.

وأما في حرف ابن مسعود ظاهر تأويله أي: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع، فلم يسمعوا عنادا وإبطاء، وأصله ما كانوا يستطيعون السمع المكتسب والبصر المكتسب عندنا، ما ذكر من السمع والبصر هو السمع المكتسب والبصر المكتسب والحياة المكتسبة؛ لأن سمع الآخرة وحياتها مكتسبان، وحياة الدنيا والسمع والبصر مخلوقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : أما في الدنيا عبادتهم غير معبودهم الذي كان منه جميع النعم والمنافع، وما لحقهم بذلك من الذل والصغار، وأما في الآخرة فالعذاب والهوان الدائم بدلا عن النعم الدائمة.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: بطل عنهم، ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ : ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ...

﴾ الآية [الزمر: 3] وأمثاله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ ﴾ : قال أبو عوسجة: لا جرم واجب من الكلام، أي: الحق أنهم في الآخرة هم الأخسرون.

وقال بعضهم: لا جرم أي: نعم إنهم في الآخرة هم الأخسرون.

وقال الفراء: قوله: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ أي: لا بد، لكن الناس أكثروا استعماله فصار في معارفهم حقا، ولا بد في الحقيقة حقا؛ لأنه إذا كان لا بد فهو حق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ ﴾ : تأويله - والله أعلم - أن الذين آمنوا بالله وبجميع ما أنزل على رسوله، وعملوا الصالحات ولزموا ذلك حتى صاروا إلى الله أولئك أصحاب الجنة؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ  ﴾ أي: من تاب من الشرك وآمن بالله وعمل صالحاً ثم اهتدى أي: ثم لزم ذلك حتى صار إلى الله هكذا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ لزموا ذلك كله حتى صاروا إلى الله.

ويحتمل قوله: ﴿ ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ  ﴾ سنن الذين أولئك كذا.

وقوله: ﴿ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: الإخبات التخشع والتواضع، أي: تخشعوا وتواضعوا فرقاً من ربهم.

وقال بعضهم: أخبتوا أي: اطمأنوا على ذلك أولئك كذا.

وعن ابن عباس -  -: أخبتوا قال: خافوا من ربهم.

وقال القتبي: أخبتوا أي: تواضعوا لربهم، وقال: الإخبات التواضع والوقار.

وقال أبو عوسجة: الإخبات التوبة والمخبت التائب.

وقال غيرهم: الإخبات الإنابة، أخبتوا أي: أنابوا إلى الله؛ وبعضه قريب من بعض.

ومن قال: الإخبات هو التواضع الخشوع فمعناه - والله أعلم - أي: تواضعوا وخشعوا بالإجابة إلى ما دعاهم إليه ربهم وندبهم إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ ﴾ أي: الصنفين اللذين سبق وصفهما، وهو قوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...

﴾ الآية [هود: 15] فهو وصف الكافر، والفريق الآخر قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ إلى آخر ما ذكر وفيه وصف المؤمن.

أو يكون وصف الكافر ما ذكر: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ هو وصف أحد الفريقين وهم الكفار، والفريق الآخر ما ذكر: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ هذا - والله أعلم - الفريقين اللذين ضرب مثلهما بالأعمى والأصم و [البصير والسميع].

ثم وجه ضرب مثل الكافر بالأعمى والأصم، والمؤمن بالبصير والسميع، فهو - والله أعلم - أن الكافر أعمى القلب وأصم السمع، لم يبصر ما غاب عنه من الموعود، ولا يسمع ما غاب عنه من الموعود، وإنما أبصر ظواهر الأمر؛ وكذلك إنما سمع ظواهر من الأمور وبواديها، لم ينظر إلى الغائب من الموعود ولا سمع ذلك، وهو لم يخلق لمعرفة ذلك الظاهر خاصة، وإنما خلق لما وعد وأوعد في الغائب.

والمؤمن أبصر ذلك الغائب وسمع ما غاب من الموعود، فيقول [كما لم يستو] عندكم في الظاهر البصير والأعمى والسميع والأصم لم يستو من كان أعمى القلب بمن كان بصير القلب بذلك، ولم يستو أيضاً من به صمم القلب بمن كان سميعاً بذلك.

﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ : أنهما لا يستويان، أو يقول: ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ أي: أفلا تتعظون بما نزل من القرآن وتنتهون عما تنهون، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ وجوه من الأسئلة: أحدها: أن يقال: كيف احتج عليهم وهو ما ذكر أنهم عميان وصم أو كالعميان والصم، ولا يكلف الأعمى الإبصار والنظر ولا الأصم السماع؟!

والثاني: يقولون: إنا [بصراء سمعاء] ليس بنا صمم ولا عمى، بل أنتم العميان والصم.

والثالث: كيف ذكر المثل لهم، وهم لا يتفكرون ولا ينظرون في المثل ولا يلتفتون إليه؟!

أما جواب الأول: فأنه احتج عليهم؛ لأنهم تركوا اكتساب بصر الآخرة وسمع سماع الآخرة، فنفى عنهم السمع والبصر والحياة؛ لأنه ببصر المخلوق يكتسب بصرا في الدين وسمعا في أمر الدين وحياة الدين، فيصير بذلك مكتسب الحياة الدائمة والبصر الدائم والسمع الدائم، فيكونون في الآخرة بصراء سمعاء أحياء؛ كقوله: ﴿ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ  ﴾ .

والثاني: نفى عنهم هذه الحواس؛ لأنهم لم ينتفعوا بها؛ لأن هذه الحواس إنما أنشئت لهم وخلقت لينتفعوا بها، وهو المقصود بإنشائها، فإذا تركوا الانتفاع بها فكأنها ليست لهم.

وأما جواب ما قالوا: إنا [بصراء وسمعاء] وأنتم العميان والصم، فيقال لهم: إن أهل الإسلام إذا سمعوا ذلك قد اشتغلوا بالتفكر فما فرغ سماعهم من الآيات والنظر فيها، وأنتم لا بل تعاموا عنها وتصاموا، فدل تفكرهم ونظرهم فيها على أنهم بصراء و [سمعاء وأحياء]، وأنتم يا أهل الكفر العميان والصم والأموات.

والثاني: أن هذه الآيات إنما نزلت في محاجة أهل مكة، وهم قد علموا أن آباءهم لم يكونوا حكماء ولا علماء، فلم يكونوا ما ذكر بصراء ولا أحياء ولا سمعاء، فصاروا صمّاً عمياناً أمواتا؛ ولأن أحد الفريقين لا محالة ما ذكر نحن، أوهم ثم قد استووا في هذه الدنيا وفي العقل والحكمة التفريق بينهما؛ فدل أنهم بما ذكر أولى.

وأما جواب ذكر المثل لهم على علم منهم أنهم لا يقبلون المثل ولا ينظرون بأنه إنما ذكر لأهل الإسلام؛ ولأن ذكر المثل به ربما يبعثهم على النظر فيه والتفكر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين يمنعون الناس عن سبيل الله المستقيم، ويطلبون لسبيله الاعوجاج عن الاستقامة حتَّى لا يسلكها أحد، وهم يكفرون بالبعث بعد الموت ويجحدونه.

من فوائد الآيات تحدي الله تعالى للمشركين بالإتيان بعشر سور من مثل القرآن، وبيان عجزهم عن الإتيان بذلك.

إذا أُعْطِي الكافر مبتغاه من الدنيا فليس له في الآخرة إلا النار.

عظم ظلم من يفتري على الله الكذب وعظم عقابه يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.rweR7"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده