الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٣١ من سورة هود
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 133 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣١ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبرهم أنه رسول من الله ، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، بإذن الله له في ذلك ، ولا يسألهم على ذلك أجرا ، بل هو يدعو من لقيه من شريف ووضيع ، فمن استجاب له فقد نجا .
ويخبرهم أنه لا يقدر على التصرف في خزائن الله ، ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه ، وليس هو بملك من الملائكة ، بل بشر مرسل ، مؤيد بالمعجزات .
ولا أقول عن هؤلاء الذين تحتقرونهم وتزدرونهم : إنه ليس لهم عند الله ثواب على إيمانهم الله أعلم بما في أنفسهم ، فإن كانوا مؤمنين باطنا ، كما هو الظاهر من حالهم ، فلهم جزاء الحسنى ، ولو قطع لهم أحد بشر بعد ما آمنوا ، لكان ظالما قائلا ما لا علم له به .
ولا أقول لكم عندي خزائن الله القول في تأويل قوله تعالى : { ولا أقول لكم عندي خزائن الله } وقوله : { ولا أقول لكم عندي خزائن الله } عطف على قوله : { ويا قوم لا أسألكم عليه أجرا } ومعنى الكلام : ويا قوم لا أسألكم عليه أجرا , ولا أقول لكم عندي خزائن الله التي لا يفنيها شيء , فأدعوكم إلى اتباعي عليها .ولا أعلم الغيب { ولا أعلم } أيضا { الغيب } يعني ما خفي من سرائر العباد , فإن ذلك لا يعلمه إلا الله , فأدعي الربوبية وأدعوكم إلى عبادتي .ولا أقول إني ملك { ولا أقول } أيضا { إني ملك } من الملائكة أرسلت إليكم , فأكون كاذبا في دعواي ذلك , بل أنا بشر .
مثلكم كما تقولون , أمرت بدعائكم إلى الله , وقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم .ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا { ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا } يقول : ولا أقول للذين اتبعوني وآمنوا بالله ووحدوه الذين تستحقرهم أعينكم , وقلتم إنهم أراذلكم : لن يؤتيكم الله خيرا , وذلك الإيمان بالله .الله أعلم بما في أنفسهم { الله أعلم بما في أنفسهم } يقول : الله أعلم بضمائر صدورهم واعتقاد قلوبهم , وهو ولي أمرهم في ذلك , وإنما لي منهم ما ظهر وبدا , وقد أظهروا الإيمان بالله واتبعوني , فلا أطردهم ولا أستحل ذلك .إني إذا لمن الظالمين { إني إذا لمن الظالمين } يقول : إني إن قلت لهؤلاء الذين أظهروا الإيمان بالله وتصديقي : لن يؤتيهم الله خيرا , وقضيت على سرائرهم بخلاف ما أبدته ألسنتهم لي على غير علم مني بما في نفوسهم وطردتهم بفعلي ذلك , لمن الفاعلين ما ليس لهم فعله المعتدين ما أمرهم الله به وذلك هو الظلم .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : 13991 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قوله : { ولا أقول لكم عندي خزائن الله } التي لا يفنيها شيء , فأكون إنما أدعوكم لتتبعوني عليها لأعطيكم منها .
{ ولا أقول إني ملك } نزلت من السماء برسالة , ما أنا إلا بشر مثلكم .
{ ولا أعلم الغيب } ولا أقول اتبعوني على علم الغيب
قوله تعالى : ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب أخبر بتذلله وتواضعه لله عز وجل ، وأنه لا يدعي ما ليس له من خزائن الله ; وهي إنعامه على من يشاء من عباده ; وأنه لا يعلم الغيب ; لأن الغيب لا يعلمه إلا الله - عز وجل - .ولا أقول إني ملك أي لا أقول إن منزلتي عند الناس منزلة الملائكة .
وقد قالت العلماء : الفائدة في الكلام الدلالة على أنالملائكة أفضل من الأنبياء ; لدوامهم على الطاعة ، واتصال عباداتهم إلى يوم القيامة - صلوات الله عليهم أجمعين - .
وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " .ولا أقول للذين تزدري أعينكم أي تستثقل وتحتقر أعينكم ; والأصل تزدريهم حذفت الهاء والميم لطول الاسم .
والدال مبدلة من تاء ; لأن الأصل في تزدري تزتري ; ولكن التاء تبدل بعد الزاي دالا ; لأن الزاي مجهورة [ ص: 26 ] والتاء مهموسة ، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها .
ويقال : أزريت عليه إذا عبته .
وزريت عليه إذا حقرته .
وأنشد الفراء :يباعده الصديق وتزدريه حليلته وينهره الصغيرلن يؤتيهم الله خيرا أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم ، أو ينقص ثوابهم .الله أعلم بما في أنفسهم فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به .إني إذا لمن الظالمين أي إن قلت هذا الذي تقدم ذكره .
و " إذا " ملغاة ; لأنها متوسطة .
{وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} أي: غايتي أني رسول الله إليكم، أبشركم، وأنذركم، وأما ما عدا ذلك، فليس بيدي من الأمر شيء، فليست خزائن الله عندي، أدبرها أنا، وأعطي من أشاء، وأحرم من أشاء، {وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} فأخبركم بسرائركم وبواطنكم {وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} والمعنى: أني لا أدعي رتبة فوق رتبتي، ولا منزلة سوى المنزلة، التي أنزلني الله بها، ولا أحكم على الناس، بظني.
{وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ} أي: ضعفاء المؤمنين، الذين يحتقرهم الملأ الذين كفروا {لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ} فإن كانوا صادقين في إيمانهم، فلهم الخير الكثير، وإن كانوا غير ذلك، فحسابهم على الله.
{إِنِّي إِذًا} أي: إن قلت لكم شيئا مما تقدم {لَمِنَ الظَّالِمِينَ} وهذا تأييس منه، عليه الصلاة والسلام لقومه، أن ينبذ فقراء المؤمنين، أو يمقتهم، وتقنيع لقومه، بالطرق المقنعة للمنصف.
( ولا أقول لكم عندي خزائن الله ) فآتي منها ما تطلبون ، ( ولا أعلم الغيب ) فأخبركم بما تريدون .
وقيل : إنهم لما قالوا لنوح : إن الذين آمنوا بك إنما اتبعوك في ظاهر ما ترى منهم ، قال نوح مجيبا لهم : ولا أقول لكم : عندي خزائن غيوب الله ، التي يعلم منها ما يضمر الناس ، ولا أعلم الغيب ، فأعلم ما يسترونه في نفوسهم ، فسبيلي قبول ما ظهر من إيمانهم ، ( ولا أقول إني ملك ) هذا جواب قولهم : " وما نراك إلا بشرا مثلنا " .
( ولا أقول للذين تزدري أعينكم ) أي : تحتقره وتستصغره أعينكم ، يعني : المؤمنين ، وذلك أنهم قالوا : هم أراذلنا ، ( لن يؤتيهم الله خيرا ) أي : توفيقا وإيمانا وأجرا ، ( الله أعلم بما في أنفسهم ) من الخير والشر مني ، ( إني إذا لمن الظالمين ) لو قلت هذا .
«ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا» إني «أعلم الغيب ولا أقول إني مَلَكٌ» بل أنا بشر مثلكم «ولا أقول للذين تزدري» تحتقر «أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم» قلوبهم «إني إذًا» إن قلت ذلك «لمن الظالمين».
ولا أقول لكم: إني أملك التصرف في خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولست بمَلَك من الملائكة، ولا أقول لهؤلاء الذين تحتقرون من ضعفاء المؤمنين: لن يؤتيكم الله ثوابًا على أعمالكم، فالله وحده أعلم بما في صدورهم وقلوبهم، ولئن فعلتُ ذلك إني إذًا لمن الظالمين لأنفسهم ولغيرهم.
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الجواب عن الشبهة الثانية وهي قولهم لا يتبعك إلا الأراذل من الناس وتقرير هذا الجواب من وجوه: الوجه الأول: أنه عليه الصلاة والسلام قال: أنا لا أطلب على تبليغ دعوة الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المستجيب فقيراً أو غنياً وإنما أجري على هذه الطاعة الشاقة على رب العالمين وإذا كان الأمر كذلك فسواء كانوا فقراء أو أغنياء لم يتفاوت الحال في ذلك.
الوجه الثاني: كأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم إنكم لما نظرتم إلى ظواهر الأمور وجدتموني فقيراً وظننتم أني إنما اشتغلت بهذه الحرفة لأتوسل بها إلى أخذ أموالكم وهذا الظن منكم خطأ فإني لا أسئلكم على تبليغ الرسالة أجراً إن أجري إلا على رب العالمين فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب هذا الظن الفاسد.
والوجه الثالث: في تقرير هذا الجواب أنهم قالوا: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ فهو عليه السلام بين أنه تعالى أعطاه أنواعاً كثيرة توجب فضله عليهم ولذلك لم يسع في طلب الدنيا، وإنما يسعى في طلب الدين، والإعراض عن الدنيا من أمهات الفضائل باتفاق الكل، فلعل المراد تقرير حصول الفضيلة من هذا الوجه.
فأما قوله: ﴿ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ ﴾ فهذا كالدليل على أن القوم سألوه طردهم رفعاً لأنفسهم عن مشاركة أولئك الفقراء.
روى ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم فقال عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ ﴾ وقوله تعالى حكاية عنهم أنهم قالوا: ﴿ وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى ﴾ كالدليل على أنهم طلبوا منه طردهم لأنه كالدليل على أنهم كانوا يقولون: لو اتبعك أشراف القوم لوافقناهم، ثم إنه تعالى حكى عنه أنه ما طردهم، وذكر في بيان ما يوجب الامتناع من هذا الطرد أموراً: الأول: أنهم ملاقو ربهم وهذا الكلام يحتمل وجوهاً منها أنهم قالوا هم منافقون فيما أظهروا فلا تغتر بهم فأجاب بأن هذا الأمر ينكشف عند لقاء ربهم في الآخرة.
ومنها أنه جعله علة في الامتناع من الطرد وأراد أنهم ملاقوا ما وعدهم ربهم، فإن طردتهم استخصموني في الآخرة، ومنها أنه نبه بذلك الأمر على أنا نجتمع في الآخرة فأعاقب على طردهم فلا أجد من ينصرني، ثم بين أنهم يبنون أمرهم على الجهل بالعواقب والاغترار بالظواهر فقال: ﴿ ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ .
ثم قال بعده ﴿ وياقوم مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ والمعنى: أن العقل والشرع تطابقا على أنه لابد من تعظيم المؤمن البر التقي ومن إهانة الفاجر الكافر، فلو قلبت القصة وعكست القضية وقربت الكافر الفاجر على سبيل التعظيم، وطردت المؤمن التقي على سبيل الإهانة كنت على ضد أمر الله تعالى، وعلى عكس حكمه وكنت في هذا الحكم على ضد ما أمر الله تعالى من إيصال الثواب إلى المحقين، والعقاب إلى المبطلين وحينئذ أصير مستوجباً للعقاب العظيم فمن ذا الذي ينصرني من الله تعالى ومن الذي يخلصني من عذاب الله أفلا تذكرون فتعلمون أن ذلك لا يصح ثم أكد هذا البيان بوجه ثالث فقال: ﴿ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله ﴾ أي كما لا أسألكم فكذلك لا أدعي أني أملك مالاً ولا لي غرض في المال لا أخذاً ولا دفعاً، ولا أعلم الغيب حتى أصل به إلى ما أريد لنفسي ولا أتباعي ولا أقول إني ملك حتى أتعظم بذلك عليكم، بل طريقي الخضوع والتواضع ومن كان هذا شأنه وطريقه فإنه لا يستنكف عن مخالطة الفقراء والمساكين، ولا يطلب مجالسة الأمراء والسلاطين وإنما شأنه طلب الدين وسيرته مخالطة الخاضعين والخاشعين فلما كانت طريقتي توجب مخالطة الفقراء فكيف جعلتم ذلك عيباً علي، ثم إنه أكد هذا البيان بطريق رابع فقال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا الله أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ ﴾ وهذا كالدلالة على أنهم كانوا ينسبون أتباعه مع الفقر والذلة إلى النفاق فقال: إني لا أقول ذلك، لأنه من باب الغيب والغيب لا يعلمه إلا الله، فربما كان باطنهم كظاهرهم فيؤتيهم الله ملك الآخرة فأكون كاذباً فيما أخبرت به، فإني إن فعلت ذلك كنت من الظالمين لنفسي ومن الظالمين لهم في وصفهم بأنهم لا خير لهم مع أن الله تعالى آتاهم الخير في الآخرة.
المسألة الثانية: احتج قوم بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء وقالوا: إن الإنسان إذا قال: أنا لا أدعي كذا وكذا، فهذا إنما يحسن إذا كان ذلك الشيء أشرف من أحوال ذلك القائل فلما كان قائل هذا القول هو نوح عليه السلام وجب أن تكون درجة الملائكة أعلى وأشرف من درجات الأنبياء، ثم قالوا: وكيف لا يكون الأمر كذلك والملائكة داوموا على عبادة الله تعالى طول الدنيا مذ خلقوا إلى أن تقوم الساعة، وتمام التقرير أن الفضائل الحقيقية الروحانية ليست إلا ثلاثة أشياء: أولها: الاستغناء المطلق وجرت العادة في الدنيا أن من ملك المال الكثير فإنه يوصف بكونه غنياً فقوله: ﴿ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله ﴾ إشارة إلى أني لا أدعي الاستغناء المطلق.
وثانيها: العلم التام وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَلا أَعْلَمُ الغيب ﴾ .
وثالثها: القدرة التامة الكاملة، وقد تقرر في الخواطر أن أكمل المخلوقات في القدرة والقوة هم الملائكة وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ ﴾ والمقصود من ذكر هذه الأمور الثلاثة بيان أن ما حصل عندي من هذه المراتب الثلاثة إلا ما يليق بالقوة البشرية والطاقة الإنسانية، فأما الكمال المطلق فأنا لا أدعيه وإذا كان الأمر كذلك فقد ظهر أن قوله: ﴿ وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ ﴾ يدل على أنهم أكمل من البشر، وأيضاً يمكن جعل هذا الكلام جواباً عما ذكروه من الشبهة فإنهم طعنوا في أتباعه بالفقر فقال: ﴿ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله ﴾ حتى أجعلهم أغنياء وطعنوا فيهم أيضاً بأنهم منافقون فقال: ﴿ وَلا أَعْلَمُ الغيب ﴾ حتى أعرف كيفية باطنهم وإنما أُجري الأحوال على الظواهر وطعنوا فيهم بأنهم قد يأتون بأفعال لا كما ينبغي فقال: ﴿ وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ ﴾ حتى أكون مبرأ عن جميع الدواعي الشهوانية والبواعث النفسانية.
المسألة الثالثة: احتج قوم بهذه الآية على صدور الذنب من الأنبياء فقالوا: إن هذه الآية دلت على أن طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار من أصول المعاصي، ثم إن محمداً صلى الله عليه وسلم طرد فقراء المؤمنين لطلب مرضاة الكفار حتى عاتبه الله تعالى في قوله: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ وذلك يدل على إقدام محمد صلى الله عليه وسلم على الذنب.
والجواب: يحمل الطرد المذكور في هذه الآية على الطرد المطلق على سبيل التأبيد، والطرد المذكور في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم، على التقليل في أوقات معينة لرعاية المصالح.
المسألة الرابعة: احتج الجبائي على أنه لا تجوز الشفاعة عند الله في دفع العقاب بقول نوح عليه السلام ﴿ مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ ﴾ معناه إن كان هذا الطرد محرماً فمن ذا الذي ينصرني من الله، أي من الذي يخلصني من عقابه ولو كانت الشفاعة جائزة لكانت في حق نوح عليه السلام أيضاً جائزة وحينئذ يبطل قوله: ﴿ مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله ﴾ واعلم أن هذا الاستدلال يشبه استدلالهم في هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿ وَٱتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَٱدْخُلُوا ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَٱشْرَبُوا مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ فَجَعَلْنَٰهَا نَكَٰلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوٓا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ فَٱفْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوٓا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِۦ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَٰفِرِينَ وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَٰسِقُونَ أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَٱتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا وَٱتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقُولُوا رَٰعِنَا وَقُولُوا ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَٰبِ ٱلْجَحِيمِ وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ وَٱتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَٱدْخُلُوا ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَٱشْرَبُوا مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ فَجَعَلْنَٰهَا نَكَٰلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوٓا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ فَٱفْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوٓا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِۦ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَٰفِرِينَ وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَٰسِقُونَ أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَٱتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا وَٱتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقُولُوا رَٰعِنَا وَقُولُوا ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَٰبِ ٱلْجَحِيمِ وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ وَٱتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ والجواب المذكور هناك هو الجواب عن هذا الكلام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَرَءيْتُمْ ﴾ أخبروني ﴿ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ ﴾ على برهان ﴿ مّن رَّبّى ﴾ وشاهد منه يشهد بصحة دعواي ﴿ وءاتاني رَحْمَةً مِنْ عِندهِ ﴾ بإيتاء البينة على أن البينة في نفسها هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة: المعجزة، وبالرحمة: النبوّة.
فإن قلت: فقوله: ﴿ فَعُمّيَتْ ﴾ ظاهر على الوجه الأوّل، فما وجهه على الوجه الثاني؟
وحقه أن يقال فعميتا؟
قلت: الوجه أن يقدّر فعميت بعد البينة، وأن يكون حذفه للاقتصار على ذكره مرة: ومعنى عميت خفيت.
وقرئ: ﴿ فعميت ﴾ بمعنى أخفيت.
وفي قراءة أبي ﴿ فعماها عليكم ﴾ فإن قلت: فما حقيقته؟
قلت: حقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء، لأنّ الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد.
فإن قلت: فما معنى قراءة أبي؟
قلت: المعنى أنهم صمموا على الإعراض عنها فخلاهم الله وتصميمهم، فجعلت تلك التخلية تعمية منه، والدليل عليه قوله: ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كارهون ﴾ يعني أنكرهكم على قبولها ونقسركم على الاهتداء بها، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها، ولا إكراه في الدين؟
وقد جيء بضميري المفعولين متصلين جميعاً.
ويجوز أن يكون الثاني منفصلاً كقولك: أنلزمكم إياها.
ونحوه ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله ﴾ [البقرة: 137] ويجوز: فسيكفيك إياهم.
وحكي عن أبي عمرو إسكان الميم.
ووجهه أنّ الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة، فظنها الراوي سكوناً.
والإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق البصريين؛ لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر.
والضمير في قوله: ﴿ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ راجع إلى قوله لهم: ﴿ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله ﴾ [هود: 25] .
وقرئ: ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ بالتنوين على الأصل.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ إنهم ملاقو رَّبُّهُمْ ﴾ ؟
قلت: معناه أنهم يلاقون الله فيعاقب من طردهم.
أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت، كما ظهر لي منهم وما أعرف غيره منهم.
أو على خلاف ذلك مما تقرفونهم به من بناء إيمانهم على بادئ الرأي من غير نظر وتفكر.
وما علي أن أشق عن قلوبهم وأتعرّف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون.
ونحوه ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ الآية [الأنعام: 52] ، أو هم مصدقون بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة ﴿ تَجْهَلُونَ ﴾ تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل: من قوله: ألاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا أو تجهلون بلقاء ربكم.
أو تجهلون أنهم خير منكم ﴿ مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله ﴾ من يمنعني من انتقامه ﴿ إِن طَرَدتُّهُمْ ﴾ وكانوا يسألونه أن يطردهم ليؤمنوا به، أنفة من أن يكونوا معهم على سواء ﴿ أَعْلَمُ الغيب ﴾ معطوف على ﴿ عِندِى خَزَائِنُ الله ﴾ أي لا أقول عندي خزائن الله، ولا أقول: أنا أعلم الغيب.
ومعناه: لا أقول لكم: عندي خزائن الله فأدعي فضلا عليكم في الغنى، حتى تجحدوا فضلي بقولكم ﴿ وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ [هود: 27] ولا أدعي علم الغيب حتى تنسبوني إلى الكذب والافتراء، أو حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم ﴿ وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ ﴾ حتى تقولوا لي ما أنت إلا بشر مثلنا، ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين لفقرهم أن الله لن يؤتيهم خيراً في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه، كما تقولون، مساعدة لكم ونزولاً على هواكم ﴿ إِنّى إِذًا لَّمِنَ الظالمين ﴾ إن قلت شيئاً من ذلك، والازدراء: افتعال من زري عليه إذا عابه.
وأزرى به: قصر به، يقال ازدرته عينه، واقتحمته عينه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ ﴾ بِدَفْعِ انْتِقامِهِ.
﴿ إنْ طَرَدْتُهُمْ ﴾ وهم بِتِلْكَ الصِّفَةِ والمَثابَةِ.
﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ لِتَعْرِفُوا أنَّ التِماسَ طَرْدِهِمْ وتَوْقِيفَ الإيمانِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِصَوابٍ.
﴿ وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ رِزْقُهُ وأمْوالُهُ حَتّى جَحَدْتُمْ فَضْلِي.
﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ أيْ: ولا أقُولُ لَكم أنا أعْلَمُ الغَيْبَ حَتّى تُكَذِّبُونِي اسْتِبْعادًا، أوْ حَتّى أعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ اتَّبَعُونِي بادِيَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ بَصِيرَةٍ وعَقْدِ قَلْبٍ، وعَلى الثّانِي يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى أقُولُ.
﴿ وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ﴾ حَتّى تَقُولُوا ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا.
﴿ وَلا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ ﴾ ولا أقُولُ في شَأْنِ مَنَ اسْتَرْذَلْتُمُوهم لِفَقْرِهِمْ.
﴿ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ﴾ فَإنَّ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم في الدُّنْيا.
﴿ اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ إنْ قُلْتُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، والِازْدِراءُ بِهِ افْتِعالٌ مِن زَرى عَلَيْهِ إذا عابَهُ قُلِبَتْ تاؤُهُ دالًا لِتَجانُسِ الرّاءِ في الجَهْرِ وإسْنادُهُ إلى الأعْيُنِ لِلْمُبالَغَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَرْذَلُوهم بادِيَ الرُّؤْيَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ بِما عايَنُوا مِن رَثاثَةِ حالِهِمْ وقِلَّةِ مَنالِهِمْ دُونَ تَأمُّلٍ في مَعانِيهِمْ وكَمالاتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله} فأدعي فضلاً عليكم بالغنى حتى تجحدوا فضلي بقولكم وما نرى لكم علينا من فضل {وَلا أَعْلَمُ الغيب} حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم وهو معطوف على عندى خزائن أي لا أقول عندي خزائن الله ولا أقول أنا أعلم الغيب {وَلا أَقُولُ إِنّى ملك} حتى تقولوا لى ما أنت إلا بشر مثلنا {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ} ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين لفقرهم {لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا} في الدنيا والآخرة لهوانه عليه مساعدة لكم ونزولاً على هواكم {الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ} من صدق الاعتقاد وإنما على قبول ظاهر إقرارهم إذ لا أطلع على خفي أسرارهم {إِنّى إِذًا لَّمِنَ الظالمين} إن قلت شيا من ذلك والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عباه وأصله تزتري فأبدلت التاء دالاً
﴿ ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ شُرُوعٌ -عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- في دَفْعِ الشُّبَهِ الَّتِي أوْرَدُوها تَفْصِيلًا وذَلِكَ مِن قَبِيلِ النَّشْرِ المُشَوِّشِ ثِقَةً بِعِلْمِ السّامِعِ، وتَخَلَّلَ ما تَخَلَّلَ بَيْنَ شُبَهِهِمْ وجَوابِها -عَلى ما قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ- لِأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ وتَمْهِيدٌ لِلْجَوابِ وبَيَّنَهُ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ ﴾ إثْباتٌ لِنُبُوَّتِهِ، يَعْنِي ما قُلْتُ لَكم ﴿ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ إلّا عَنْ بَيِّنَةٍ عَلى إثْباتِ نُبُوَّتِي وصِحَّةِ دَعْوَتِي، لَكِنْ خَفِيَتْ عَلَيْكم وعَمِيَتْ حَتّى أوْرَدْتُمْ تِلْكَ الشُّبَهَ الواهِيَةَ، ومَعَ ذَلِكَ لَيْسَ نَظَرِي فِيما ادَّعَيْتُ إلّا إلى الهِدايَةِ وإنِّي لا أطْمَعُ بِمالٍ حَتّى أُلازِمَ الأغْنِياءَ مِنكم وأطْرُدَ الفُقَراءَ وأنْتُمْ تَجْهَلُونَ هَذا المَعْنى؛ حَيْثُ تَقُولُونَ: اطْرُدِ الفُقَراءَ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما بَعَثَنِي إلّا لِلتَّرْغِيبِ في طَلَبِ الآخِرَةِ ورَفْضِ الدُّنْيا فَمَن يَنْصُرُنِي إنْ كُنْتُ أُخالِفُ ما جِئْتُ بِهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِيما شَرَعَ، وفي الكَشْفِ إنَّ قَوْلَهُ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ الآيَةَ، جَوابٌ إجْمالِيٌّ عَنِ الشُّبَهِ كُلِّها مَعَ التَّعْبِيرِ بِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ فِيما يَرْمُونَ إلى أدْنى تَدَبُّرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ ويا قَوْمِ لا أسْألُكُمْ ﴾ تَتْمِيمُ لِلتَّعْبِيرِ وحَثٌّ عَلى ما ضَمَّنَهُ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى ما عِنْدَهُ، وقَوْلُهُ (ما أنا بِطارِدِ) تَصْرِيحٌ بِجَوابٍ ما ضَمَّنُوهُ في قَوْلِهِمْ ﴿ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا ﴾ مِن خِسَّةِ الشُّرَكاءِ وأنَّهُ لَوْلا مَكانُهم لَكانَ يُمْكِنُ الاتِّباعُ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ فِيها هو فِيهِ وأنَّ ما يُورِدُهُ ويُصْدِرُهُ عَنْ بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يُوافِيهِ وأنّى يَدَعُ الحَقَّ الأبْلَجَ بِالباطِلِ اللَّجْلَجِ، ثُمَّ شَرَعَ في الجَوابِ التَّفْصِيلِيِّ بِقَوْلِهِ ﴿ ولا أقُولُ ﴾ إلَخْ، وهو أحْسَنُ مِمّا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وجَعَلُوا هَذا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ ﴿ وما نَرى لَكُمْ ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ يَقُولُ: عَدَمُ اتِّباعِي وتَكْذِيبِي إنْ كانَ لِنَفْيِكم عَنِّي فَضْلَ المالِ والجاهِ فَأنا لَمْ أدَعْهُ ولَمْ أقُلْ لَكم إنَّ خَزائِنَ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى ومالَهُ عِنْدِي حَتّى أنَّكم تُنازِعُونِي في ذَلِكَ وتُنْكِرُونَهُ، وإنَّما كانَ مِنِّي دَعْوى الرِّسالَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالمُعْجِزاتِ، ولَعَلَّ جَوابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ مُسْتَتْبَعٌ لِلْجَوابِ عَنْهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ عُنِيَ بِهِ مُتَّبِعُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وجَعَلَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ كَما جَوَّزَهُ الطَّبَرْسِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وحَمْلُ الخَزائِنِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
وقالَ الجُبّائِيُّ: وأبُو مُسْلِمٍ: إنَّ المُرادَ بِها مَقْدُوراتُ اللَّهِ تَعالى أيْ لا أقُولُ لَكم حِينَ أدَّعِي النُّبُوَّةَ عِنْدِي مَقْدُوراتُ اللَّهِ تَعالى فَأفْعَلُ ما أشاءُ وأُعْطِي ما أشاءُ وأمْنَعُ ما أشاءُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ -بَلْ أدْهى وأمَرُّ- قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ: إنَّ المُرادَ بِها غُيُوبُ اللَّهِ تَعالى وما انْطَوى عَنِ الخَلْقِ، وجَعَلَ ابْنُ الخازِنِ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَطْفًا عَلى ( لا أسْألُكم ) إلَخْ، والمَعْنى عِنْدَهُ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ الَّتِي لا يُفْنِيها شَيْءٌ فَأدْعُوكم إلى اتِّباعِي عَلَيْها لِأُعْطِيَكم مِنها، ﴿ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ عُطِفَ عَلى ( عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ) المَقُولُ لِلْقَوْلِ، وذَكَرَ مَعَهُ النَّفْيَ مَعَ أنَّ العَطْفَ عَلى مَقُولِ القَوْلِ المَنفِيِّ مَنفِيٌّ أيْضًا مِن غَيْرِ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ أداةُ نَفْيٍ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ السّابِقِ والتَّذْكِيرِ بِهِ ودَفْعِ احْتِمالِ أنْ لا يَقُولَ هَذا المَجْمُوعَ، فَلا يُنافِي أنْ يَقُولَ أحَدُهُما أيْ ولا أقُولُ أنا أعْلَمُ الغَيْبَ حَتّى تُكَذِّبُونِي لِاسْتِبْعادِ ذَلِكَ، وما ذَكَرْتُ مِن دَعْوى النُّبُوَّةِ والإنْذارِ بِالعَذابِ إنَّما هو بِوَحْيٍ وإعْلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُؤَيَّدٍ بِالبَيِّنَةِ والغَيْبِ ما لَمْ يُوحَ بِهِ ولَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَنْفِ عَلَيْهِ السَّلامُ القَوْلَ بِعِلْمِ الغَيْبِ عَلى نَحْوِ ما فَعَلَ في السّابِقِ واللّاحِقِ مُبالَغَةً في نَفْيِ هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي لَيْسَ لِأحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى مِنها نَصِيبٌ أصْلًا، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى ( أقُولُ ) أيْ لا أقُولُ لَكم ذَلِكَ ولا أدَّعِي عِلْمَ الغَيْبِ في قَوْلِي إنِّي نَذِيرٌ مُبِينٌ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ حَتّى تُسارِعُوا إلى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى هَذا أوْ ذاكَ إلّا أنَّ المَعْنى لا أعْلَمُ الغَيْبَ حَتّى أعْلَمَ أنَّ هَؤُلاءِ اتَّبَعُونِي بادِيَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ بَصِيرَةٍ وعَقْدِ قَلْبٍ ولا يَخْفى حالُهُ، واعْتُرِضَ عَلى الأوَّلِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِلْمَقامِ، ثُمَّ قِيلَ: والظّاهِرُ أنَّهُ حِينَ ادَّعى النُّبُوَّةَ سَألُوهُ عَنِ المَغِيباتِ، وقالُوا لَهُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا أخْبِرْنا عَنْها، فَقالَ: أنا أدَّعِي النُّبُوَّةَ بِآيَةٍ مِن رَبِّي ولا أعْلَمُ الغَيْبَ إلّا بِإعْلامِهِ سُبْحانَهُ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، كَما أنَّ سُؤالَ طَرْدِهِمْ كَذَلِكَ، انْتَهى، وفِيهِ أنَّ زَعْمَ عَدَمِ المُلاءَمَةِ لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي، وأيْضًا لا يَخْفى أنَّهُ لا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ جَوابًا لِما لَمْ يُذْكَرْ، وأمّا سُؤالُ طَرْدِهِمْ فَإنَّ الِاسْتِحْقارَ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ السَّلَفِ بِهِ ومِثْلُهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، ﴿ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ أيْ لا أقُولُ تَرْوِيجًا لِما أدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ إنِّي مَلَكٌ حَتّى تَقُولُوا لِي ذَلِكَ وتُكَذِّبُونِي، فَإنَّ البَشَرِيَّةَ لَيْسَتْ مِن مَوانِعِ النُّبُوَّةِ بَلْ مِن مَبادِيها، يَعْنِي كَما قِيلَ: إنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ فِقْدانَ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ ذَرِيعَةً إلى تَكْذِيبِي، والحالُ أنِّي لا أدَّعِي شَيْئًا مِن ذَلِكَ ولا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنها، وإنَّما الَّذِي أدَّعِيهِ يَتَعَلَّقُ بِالفَضائِلِ الَّتِي تَتَفاوَتُ بِها مَقادِيرُ البَشَرِ، وقِيلَ: أرادَ بِهَذا لا أقُولُ: إنِّي رُوحانِيٌّ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِن ذِكْرٍ وأُنْثى بَلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم فَلا مَعْنى لِرَدِّكم عَلَيَّ بِقَوْلِكم ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ وعَلى القَوْلَيْنِ لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ خِلافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ وجَعَلَ ذَلِكَ كَلامًا آخَرَ لَيْسَ رَدًّا لِما قالُوهُ سابِقًا مِمّا لا وجْهَ لَهُ فَتَدَبَّرْ.
﴿ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ ﴾ أيْ تَسْتَحْقِرُهم والأصْلُ تَزْتَرِي بِالتّاءِ إلّا أنَّها قُلِبَتْ دالًّا لِتَجانُسِ الزّايِ في الجَهْرِ لِأنَّها مِنَ المَهْمُوسَةِ، وأصْلُ الِازْدِراءِ الإعابَةُ يُقالُ: ازْدَراهُ إذا عابَهُ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلِاسْتِمَرارِ أوْ لِحِكايَةِ الحالِ لِأنَّ الِازْدِراءَ قَدْ وقَعَ، وإسْنادُهُ إلى الأعْيُنِ مَجازٌ لِلْمُبالَغَةِ في رَأْيٍ مِن حَيْثُ إنَّهُ إسْنادٌ إلى الحاسَّةِ الَّتِي لا يُتَصَوَّرُ مِنها تَعْيِيبُ أحَدٍ فَكَأنَّ مَن لا يُدْرِكُ ذَلِكَ يُدْرِكُهُ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحْقَرُوهم بادِيَ الرُّؤْيَةِ وبِما عايَنُوا مِن رَثاثَةِ حالِهِمْ وقِلَّةِ مَنالِهِمْ دُونَ تَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ في مَعانِيهِمْ وكَمالاتِهِمْ، وعائِدُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ واللّامُ لِلْأجَلِ لا لِلتَّبْلِيغِ وإلّا لَقِيلَ فِيما بَعْدُ يُؤْتِيكم أيْ لا أقُولُ مُساعَدَةً لَكم ونُزُولًا عَلى هَواكم في شَأْنِ الَّذِينَ اسْتَرْذَلْتُمُوهم واسْتَحْقَرْتُمُوهم لِفَقْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ﴾ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ فَعَسى اللَّهُ سُبْحانَهُ يُؤْتِيهِمْ خَيْرَيِ الدّارِينَ.
﴿ اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ ﴾ مِمّا يَسْتَعِدُّونَ بِهِ لِإيتاءِ ذَلِكَ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ مِنَ الإيمانِ، وفِيهِ تَوْجِيهٌ لِعَطْفِ نَفْيِ هَذا القَوْلِ الَّذِي لَيْسَ مِمّا يَسْتَنْكِرُهُ الكَفَرَةُ ولا مِمّا يَتَوَهَّمُونَ صُدُورَهُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أصالَةً واسْتِتْباعًا عَلى نَفْيِ هاتَيْكِ الأقْوالِ الَّتِي هي مِمّا يَسْتَنْكِرُونَهُ ويَتَوَهَّمُونَ صُدُورَهُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إنَّ ذَلِكَ مِن جِهَةِ أنَّ كِلا النَّفْيَيْنِ رَدٌّ لِقِياسِهِمُ الباطِلِ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ فِيما سَلَفَ، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ النُّبُوَّةَ تَسْتَتْبِعُ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ مِنِ ادِّعاءِ المَلَكِيَّةِ وعِلْمِ الغَيْبِ وحِيازَةِ الخَزائِنِ، وأنَّ العُثُورَ عَلى مَكانِها واغْتِنامَ مَغانِمِها لَيْسَ مِن دَأْبِ الأراذِلِ، فَأجابَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْيِ ذَلِكَ جَمِيعًا فَكَأنَّهُ قالَ: لا أقُولُ وُجُودَ تِلْكَ الأشْياءِ مِن مَواجِبِ النُّبُوَّةِ ولا عَدَمَ المالِ والجاهِ مِن مَوانِعِ الخَيْرِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَفْيِ القَوْلِ المَذْكُورِ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جازِمٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيُؤْتِيهِمْ خَيْرًا عَظِيمًا في الدّارَيْنِ وأنَّهم عَلى يَقِينٍ راسِخٍ في الإيمانِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الإنْصافِ مَعَ القَوْمِ واكْتِفاءً بِمُخالَفَةِ كَلامِهِمْ وإرْشادًا لَهم إلى مَسْلَكِ الهِدايَةِ بِأنَّ اللّائِقَ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ لا يَبُتَّ القَوْلَ إلّا فِيما يَعْلَمُهُ يَقِينًا ويَبْنِي أُمُورَهُ عَلى الشَّواهِدِ الظّاهِرَةِ، ولا يُجازِفُ فِيما لَيْسَ فِيهِ عَلى بَيِّنَةٍ، انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَتَّ القَوْلَ بِفَوْزِ هَؤُلاءِ في قَوْلِهِ ﴿ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالَّذِينِ آمَنُوا، وأنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِمْ مُلاقِي رَبِّهِمْ مُقَرَّبُونَ في حَضْرَةِ القُدُسِ كَما قالَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وكَذا الحُكْمُ إذا كانَ المَعْنى بِالمَوْصُولِ مَنِ اتَّصَفَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ مُطْلَقًا إذْ يَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِما أنَّ المَسْؤُولَ صَرِيحًا أوْ تَلْوِيحًا طَرْدُهُمْ، ولَعَلَّ البَتَّ تارَةً وعَدَمَهُ أُخْرى لِاقْتِضاءِ المَقامِ، ذَلِكَ وأنَّ في كَوْنِ الكَفَرَةِ قَدْ زَعَمُوا أنَّ العُثُورَ عَلى مَكانِ النُّبُوَّةِ واغْتِنامِ مَغانِمِها لَيْسَ مِن دَأْبِ الأراذِلِ خَفاءً مَعَ دَعْوى أنَّهم لَوَّحُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ ﴾ إلَخِ..
الَّذِي هو مَظِنَّةُ ذَلِكَ الزَّعْمِ إلى التِماسِ طَرْدِهِمْ وتَعْلِيقِ إيمانِهِمْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ أنَفَةً مِن الِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكٍ واحِدٍ.
وفِي البَحْرِ أنَّ مَعْنى ﴿ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ ﴾ إلَخْ، لَيْسَ احْتِقارُكم إيّاهم يَنْقُصُ ثَوابَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ولا يُبْطِلُ أُجُورَهم ولَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وإنَّما الحُكْمُ بِذَلِكَ لِلَّذِي يَعْلَمُ ما في أنْفُسِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ ﴾ إلَخْ.
عَلى مَعْنى لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ لِظَنِّكم بِهِمْ أنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمُ، اللَّهُ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمُ، انْتَهى ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ فَسَّرَ الخَيْرَ بِالإيمانِ، أيْ لا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ إيمانًا، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ أُولَئِكَ المُتَّبِعُونَ المُسْتَرْذِلُونَ وهم مُؤْمِنُونَ عِنْدَهم فَلا مَعْنى لِنَفْيِ القَوْلِ بِإيتاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمُ الإيمانَ مُساعَدَةً لَهم ونُزُولًا عَلى هَواهم.
وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ مِن هَذا الإيمانِ هو المُعْتَدُّ بِهِ الَّذِي لا يَزُولُ أصْلًا كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالخَيْرِ وهم إنَّما أثْبَتُوا لَهُمُ الإتْباعَ بادِيَ الرَّأْيِ، وأرادُوا بِذَلِكَ أنَّهم آمَنُوا إيمانًا لا ثَباتَ لَهُ، ويُجْعَلُ ذَلِكَ رَدًّا لِذَلِكَ القَوْلِ، ويُرادُ مِن ﴿ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ ﴾ ما آتاهم فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ وآمَنُوا بِكَ بِلا تَأمُّلٍ، ومِثْلُ ذَلِكَ الإيمانُ في مَعْرِضِ الزَّوالِ فَهم لا يَثْبُتُونَ عَلَيْهِ ويَرْتَدُّونَ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنِّي لا أحْكُمُ عَلى أُولَئِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما آتاهم إيمانًا لا يَزُولُ وأنَّهم سَيَرْتَدُّونَ كَما زَعَمْتُمْ ويَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ ﴾ تَفْوِيضًا لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى؛ أوْ إشارَةً إلى جَلالَةِ ما آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ مِنَ الإيمانِ كَما يُقالُ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يُقاسِي زَيْدٌ مِن عَمْرٍو إذا كانَ ما يُقاسِيهِ مِنهُ أمْرًا عَظِيمًا لا يُسْتَطاعُ شَرْحُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ إيمانَهم عَظِيمُ القَدْرِ جَلِيلُ الشَّأْنِ فَكَيْفَ أقُولُ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى إيمانًا ثابِتًا وفِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ ما اللَّهُ تَعالى بِهِ أعْلَمُ وحَمَلَ المَوْصُولَ عَلى أُناسٍ مُسْتَرْذَلِينَ جِدًّا غَيْرِ أُولَئِكَ ولَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدْ أيْ لا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيهِمْ أعْيُنُكم ولَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدُ لَنْ يُوَفِّقَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ حَيْثُ كانُوا في غايَةٍ مِن رَثاثَةِ الحالِ والدَّناءَةِ الَّتِي تَزْعُمُونَها مانِعَةً مِنَ الخَيْرِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ مِمّا يَتَأهَّلُونَ بِهِ لِإفاضَةِ التَّوْفِيقِ عَلَيْهِمْ، وهو المَدارُ لِذَلِكَ لا الأحْوالُ الظّاهِرَةُ مِمّا لا أقُولُ بِهِ ﴿ إنِّي إذًا ﴾ أيْ إذا قُلْتُ ذَلِكَ ﴿ لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ لَهم بِحَطِّ مَرْتَبَتِهِمْ ونَقْصِ حُقُوقِهِمْ أوْ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم ظالِمُونَ في ازْدِرائِهِمْ واسْتِرْذالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إذا قُلْتُ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ مِن حِيازَةِ الخَزائِنِ وادِّعاءِ عِلْمِ الغَيْبِ والمَلَكِيَّةِ ونَفْيِ إيتاءِ اللَّهِ تَعالى أُولَئِكَ الخَيْرَ، والقَوْمُ لِمَزِيدِ جَهْلِهِمْ مُحْتاجُونَ لِأنْ يُعَلَّلَ لَهم نَحْوَ الأقْوالِ الأُوَلِ بِلُزُومِ الِانْتِظامِ في زُمْرَةِ الظّالِمِينَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ يعني: لو طردتهم فيعذبني الله بذلك، فمن يمنعني من عذاب الله، إن طردتهم عن مجلسي؟
أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي: أفلا تَتَّعِظُون ولا تفهمون أنّ مَنْ آمن بالله لا يُطْرَدُ؟.
ثم قال: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني: مفاتيح الله في الرزق، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ أن الله يهديكم أم لا.
ويقال: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، يعني: علم ما غاب عني، وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ من الملائكة، وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ يعني: تحتقر أعينكم من السفلة، لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً يعني: لا أقول إن الله تعالى لا يكرمهم بالإيمان، ولا يهدي من هو حقير في أعينكم، ولكن الله يَهْدِى مَن يشاء.
ثم قال: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ يعني: بما في قلوبهم من التصديق والمعرفة، إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ يعني: إن طردتهم فلم أقبل منهم الإيمان، بسبب احتقاركم إياهم ما لم أعلم ما في قلوبهم، كنت ظالماً على نفسي.
فعجز قومه عن جوابه، قالُوا يَا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا، قال مقاتل: يعني: ماريتنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا يعني: مراءنا.
وقال الكلبي: دعوتنا فأكثرت دعاءنا.
ويقال: وعظتنا فأكثرت موعظتنا.
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا يعنيَ: لا نقبل موعظتك، فأتنا بما تعدنا من العذاب، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأن العذاب نازل بنا.
قالَ لهم نوح: إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ إن شاء يُعذبكم، وإن شاء يصرفه عنكم، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ يعني: إن أراد أن يعذبكم لا تفوتون من عذابه.
ثم قال: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي يعني: دعائي وتحذيري ونصيحتي، إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ يعني: إن أردت أن أدعوكم من الشرك إلى التوحيد والتوبة والإيمان، إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ يعني: لا تنفعكم دعوتي، إن أراد الله أن يضلكم عن الهدى، ويترككم على الضلالة ويهلككم.
هُوَ رَبُّكُمْ يعني: هو أولى بكم.
ويقال: هو ربكم رب واحد ليس له شريك وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يعني: بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم.
ثم قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قَال مقاتل: هذا الخطاب لأهل مكة، معناه: أَتقولون إن محمداً تقوله من ذات نفسه قُلْ لهم: إِنِ افْتَرَيْتُهُ من ذات نفسي فَعَلَيَّ إِجْرامِي يعني: خطيئتي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ يعني من خطاياكم.
وقال الكلبي: هذا الخطاب أيضاً لقوم نوح، يعني: قوم نوح أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ يعني: اختلقه من ذات نفسه.
فقال لهم نوح: إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي يعني: آثامي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ يعني: مما تأثمون.
<div class="verse-tafsir"
قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)
وقوله سبحانه: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ...
الآية: كأنه قال: أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا استقام أنْ يقال: قال كذا وكذا إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله: عَلى بَيِّنَةٍ أي: على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور:
«فَعَمِيَتْ» «١» ولذلك وجهان من المعنَى:
أحدهما: خَفِيَتْ.
والثاني: أَنْ يكون المعنَى: فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها.
وقوله: أَنُلْزِمُكُمُوها: يريد: إِلزامَ جبر كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ.
وقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا: يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحت قريش، وتَزْدَرِي: أصله: تَزْتَرِي تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى: تَزْدَرِي: تحتقر، و «الخير» هنا: يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ازدراؤهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال وقد قال بعضُ المفسِّرين: حيثُ ما ذَكَرَ الله الخير/ في القرآن، فهو المال.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي ﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أرادَ بِالخَزائِنِ: عَلِمَ الغَيْبِ المَطْوِيَّ عَنِ الخَلْقِ، لِأنَّهم قالُوا لَهُ: إنَّما اتَّبَعَكَ هَؤُلاءِ في الظّاهِرِ ولَيْسُوا مَعَكَ، فَقالَ لَهم: لَيْسَ عِنْدِي خَزائِنُ غُيُوبِ اللَّهِ فَأعْلَمَ ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ.
وإنَّما قِيلَ لِلْغُيُوبِ: خَزائِنُ لِغُمُوضِها عَنِ النّاسِ واسْتِتارِها عَنْهم.
قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إنَّما آياتُ القُرْآنِ خَزائِنُ، فَإذا دَخَلْتَ خِزانَةً فاجْتَهِدْ أنْ لا تَخْرُجَ مِنها حَتّى تَعْرِفَ ما فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ قِيلَ: إنَّما قالَ لَهم هَذا، لِأنَّ أرْضَهم أجْدَبَتْ، فَسَألُوهُ: مَتى يَجِيءُ المَطَرُ ؟
وقِيلَ: بَلْ سَألُوهُ: مَتى يَجِيءُ العَذابُ ؟
فَقالَ: ولا أعْلَمُ الغَيْبَ.
وقَوْلُهُ: " ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ " جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ .
﴿ وَلا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ ﴾ أيْ: تَحْتَقِرُ وتَسْتَصْغِرُ المُؤْمِنِينَ.
قالَ الزَّجّاجُ: " تَزْدَرِي " تَسْتَقِلُّ وتَسْتَخِسُّ، يُقالُ: زَرَيْتُ عَلى الرَّجُلِ: إذا عِبْتَ عَلَيْهِ وخَسَسْتَ فِعْلَهُ، وأزْرَيْتُ بِهِ: إذا قَصَّرْتَ بِهِ.
وأصْلُ تَزْدَرِي: تَزْتَرِي، إلّا أنَّ هَذِهِ التّاءَ تُبْدَلُ بَعْدَ الزّايِ دالًا، لِأنَّ التّاءَ مِن حُرُوفِ الهَمْسِ، وحُرُوفُ الهَمْسِ خَفِيَّةً، فالتّاءُ بَعْدَ الزّايِ تُخْفى، فَأُبْدِلَتْ مِنها الدّالَ لِجَهْرِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إيمانًا.
ومَعْنى الكَلامِ: لَيْسَ لِي أنْ أطَّلِعَ عَلى ما في نُفُوسِهِمْ فَأقْطَعَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، ولَيْسَ لِاحْتِقارِكم إيّاهم يَبْطُلُ أجْرُهم.
﴿ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ إنْ قُلْتُ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقِيلَ إنْ طَرَدْتُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جادَلْتَنا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجِدالُ: هو المُبالَغَةُ في الخُصُومَةِ والمُناظَرَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الجَدْلِ، وهو شِدَّةُ الفَتْلِ، ويُقالُ لِلصَّقْرِ: أجْدَلُ، لِأنَّهُ مِن أشَدِّ الطَّيْرِ.
ويُقْرَأُ " فَأكْثَرْتَ جَدْلَنا " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنُونَ العَذابَ.
" إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ " أنَّهُ يَأْتِينا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ ﴾ أيْ: أنْصَحُكم.
وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرْطانِ، فَجَوابُ الأوَّلِ النُّصْحُ، وجَوابُ الثّانِي النَّفْعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يُضِلَّكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يُهْلِكَكم، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقالَ: هو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ.
الثّالِثُ: يُضِلَّكم ويُهْلِكَكم، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ رَبُّكُمْ ﴾ أيْ: هو أوْلى بِكم، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ كَما يَشاءُ ﴿ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ بَعْدَ المَوْتِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهِ خَيْرًا اللهِ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا أقُولُ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا ﴾ ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنِّي لا أُمَوِّهُ عَلَيْكم ولا أتَعاطى غَيْرَ ما أهَّلَنِي اللهُ لَهُ، فَلَسْتُ أقُولُ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ، يُرِيدُ القُدْرَةَ الَّتِي يُوجَدُ بِها الشَيْءُ بَعْدَ حالِ عَدَمِهِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَوْجُوداتِ كالرِياحِ والماءِ، ونَحْوُهُ كَثِيرٌ بِإبْداعِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَإنَّ سُمِّي ذَلِكَ- عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ- مُخْتَزَنًا فَيُشْبِهُ.
ألا تَرى المَرْوِيَّ في في أمْرِ رِيحِ عادٍ أنَّهُ فَتَحَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِيحِ قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوْ كانَ عَلى قَدْرِ مِنخَرِ الثَوْرِ لِأهْلَكَ الأرْضَ.
ورُوِيَ أنَّ الرِيحَ عَتَتْ عَلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِتَقْدِيرِها فَلِذَلِكَ وصَفَها اللهُ تَعالى بِالعُتُوِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلى الخَزّانِ.
فَهَذا ونَحْوُهُ يَقْتَضِي أنَّ ثَمَّ خَزائِنَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ ، ثُمَّ انْحَطَّ عَلى هاتَيْنِ فَقالَ: ﴿ وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ﴾ ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ فَضْلُ المَلَكِ عَلى البَشَرِ وعَلى النَبِيِّ وهي مَسْألَةُ اخْتِلافٍ.
وظَواهِرُ القُرْآنِ عَلى ما قُلْناهُ.
وإنْ أخَذْنا قَوْلَهُ: ﴿ وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ﴾ عَلى حَدِّ أنْ لَوْ قالَ: "وَلا أقُولُ إنِّي كَوْكَبٌ أو نَحْوُهُ" زالَتْ طَرِيقَةُ التَفْضِيلِ، ولَكِنَّ الظاهِرَ هو ما ذَكَرْنا.
و"تَزْدَرِي" أصْلُهُ: تَزْتَرِي "تَفْتَعِلُ" مَن زَرى يَزْرِي ومَعْنى "تَزْدَرِي": تَحْتَقِرُ.
و"الخَيْرُ" هُنا يَظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ خَيْرُ الآخِرَةِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ازْدِراؤُهم مِن جِهَةِ الفَقْرِ، فَيَكُونُ الخَيْرُ المالَ وقَدْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: حَيْثُما ذَكَرَ اللهُ الخَيْرَ في القُرْآنِ فَهو المالُ.
وفي هَذا الكَلامِ تَحامُلٌ، والَّذِي يُشْبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَيْثُما ذُكِرَ الخَيْرُ فَإنَّ المالَ يَدْخُلُ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ اللهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ ﴾ تَسْلِيمٌ لِلَّهِ تَعالى، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا وإنَّما يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ويَخْرُجُ حُكْمُهُ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ اللهُ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ ما في نُفُوسِهِمْ ويُجازِيهِمْ بِذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمُ:اتَّبَعَكَ أراذِلُنا عَلى ما يَظْهَرُ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَسَبَما تَقَدَّمَ في بَعْضِ تَأْوِيلاتِ تِلْكَ الآيَةِ آنِفًا، فالمَعْنى لَسْتُ أنا أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِألّا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ بِظَنِّكم بِهِمْ أنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمْ، اللهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ قالَ: "إنِّي إذًا" لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ "لَمِنَ الظالِمِينَ" الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا ﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: قَدْ طالَ مِنكَ هَذا الجِدالُ، وهو المُراجَعَةُ في الحُجَّةِ والمُخاصَمَةُ والمُقابَلَةُ بِالأقْوالِ حَتّى تَقَعَ الغَلَبَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الجَدْلِ وهو شِدَّةُ الفَتْلِ ومِنهُ: حَبْلٌ مَجْدُولٌ، أيْ مُمَرٍّ، ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّقْرِ أجْدَلُ لِشِدَّةِ بِنْيَتِهِ وفَتْلِ أعْضائِهِ و"الجِدالُ" فِعالٌ، مَصْدَرُ فاعَلَ، وهو يَقَعُ مِنِ اثْنَيْنِ، ومَصْدَرُ فاعَلَ يَجِيءُ عَلى فِعالٍ وفَيْعالٍ ومُفاعَلَةٍ، فَتُرِكَتِ الياءُ مِن فَيْعالٍ ورُفِضَتْ.
ومِنَ الجِدالِ ما هو مَحْمُودٌ، وذَلِكَ إذا كانَ مَعَ كافِرٍ حَرْبِيٍّ في مَنَعَتِهِ ويُطْمَعُ بِالجِدالِ أنْ يَهْتَدِيَ، ومِن ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.
ومِنَ الجِدالِ ما هو مَكْرُوهٌ، وهو ما يَقَعُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ في طَلَبِ عِلَلِ الشَرائِعِ وتَصَوُّرِ ما يُخْبِرُ الشَرْعُ بِهِ مِن قُدْرَةِ اللهِ، وقَدْ نَهى النَبِيُّ عن ذَلِكَ، وكَرِهَهُ العُلَماءُ، واللهُ المُسْتَعانُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جَدَلَنا" بِغَيْرِ ألِفٍ، وبِفَتْحِ الجِيمِ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ العَذابَ والهَلاكَ، والمَفْعُولُ الثانِي لِـ "تَعِدُنا" مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: بِما تَعِدُناهُ.
ولَمّا كانَ الكَلامُ يَقْتَضِي العَذابَ جازَ أنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ الوَعْدُ.
<div class="verse-tafsir"
هذا تفصيل لما ردّ به مقالة قومه إجمالاً، فهم استدلوا على نفي نبُوّته بأنهم لم يروا له فضلاً عليهم، فجاء هو في جوابهم بالقول بالموجَب أنه لم يدع فضلاً غير الوحي إليه كما حكى الله عن أنبيائه عليهم السّلام في قوله: ﴿ قالت لهم رسلهم إن نحن إلاّ بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده ﴾ [إبراهيم: 11]، ولذلك نفى أن يكون قد ادّعى غير ذلك.
واقتصر على بعض ما يتوهّمونه من لوازم النبوءة وهو أن يكون أغنى منهم، أو أن يعلم الأمور الغائبة.
والقول بمعنى الدعوى، وإنما نفى ذلك بصيغة المضارع للدّلالة على أنّه منتف عنه ذلك في الحال، فأما انتفاؤه في الماضي فمعلوم لديهم حيث لم يقله، أي لا تظنوا أني مضمر ادّعاء ذلك وإن لم أقله.
والخزائن: جمع خِزانة بكسر الخاء وهي بيت أو مِشكاة كبيرة يجعل لها باب، وذلك لِخزن المال أو الطعام، أي حفظه من الضياع.
وذكر الخزائن هنا استعارة مكنية؛ شبهت النعم والأشياء النافعة بالأموال النفيسة التي تُدخر في الخزائن، ورمز إلى ذلك بذكر ما هو من روادف المشبّه به وهو الخزائن.
وإضافة ﴿ خزائن ﴾ إلى ﴿ الله ﴾ لاختصاص الله بِها.
وأما قوله: ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ فنفي لشبهة قولهم: ﴿ ما نراك إلاّ بشراً مثلنا ﴾ [هود: 27] ولذلك أعاد معه فعل القول، لأنه إبطال دعوى أخرى ألصقوها به، وتأكيده ب (إنّ) لأنه قول لا يقوله قائله إلا مؤكداً لشدة إنكاره لو ادعاه مدّع، فلما نفاه نفى صيغة إثباته.
ولمّا أراد إبطال قولهم: ﴿ وما نراك اتّبعك إلاّ الذين هم أراذلنا ﴾ [هود: 27] أبطله بطريقة التغليط لأنهم جعلوا ضعفهم وفقرهم سبباً لانتفاء فضلهم، فأبطله بأن ضعفهم ليس بحائل بينهم وبين الخير من الله إذ لا ارتباط بين الضعف في الأمور الدنيوية من فقر وقلة وبين الحرمان من نوال الكمالات النفسانية والدينية، وأعاد معه فعل القول لأنه أراد من القول معنى غيرَ المراد منه فيما قيل، فالقول هنا كناية عن الاعتقاد لأن المرء إنما يقول ما يعتقد، وهي تعريضية بالمخاطبين لأنهم يضمون ذلك ويقدرونه.
والازدراء: افتعال من الزري وهو الاحتقار وإلصاق العيب، فأصله: ازتراء، قلبت تاء الافتعال دالاً بعد الزاي كما قلبت في الازدياد.
وإسناد الازدراء إلى الأعين وإنما هو من أفعال النفس مجاز عقلي لأن الأعين سبب الازدراء غالباً، لأن الازدراء ينشأ عن مشاهدة الصفات الحقيرة عند الناظر.
ونظيره إسناد الفرق إلى الأعين في قول الأعشى: كذلك فافعل ما حييت إذا شتَوْا *** وأقدم إذا ما أعينُ الناس تَفرَقُ ونظيره قوله تعالى: ﴿ سَحروا أعْينَ الناس ﴾ [الأعراف: 116] وإنما سحروا عقولهم ولكن الأعين ترى حركات السحرة فتؤثر رؤيتها على عقول المبصرين.
وجيء في النفي بحرف ﴿ لن ﴾ الدّالة على تأكيد نفي الفعل في المستقبل تعريضاً بقومه لأنّهم جعلوا ضعف أتباع نوح عليه السّلام وفقرهم دليلاً على انتفاء الخير عنهم فاقتضى دوام ذلك ما داموا ضعفاء فقراء، فلسان حالهم يقول: لن ينالوا خيراً، فكان رده عليهم بأنه لا يقول: ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ .
وجملة ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ تعليل لنفي أن يقول: ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ .
ولذلك فصلت الجملة ولم تعطف، ومعنى ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ أن أمرهم موكول إلى ربهم الذي علم ما أودعه في نفوسهم من الخير والذي وفقهم إلى الإيمان، أي فهو يعاملهم بما يعلم منهم.
وتعليقه بالنفوس تنبيه لقومه على غلطهم في قولهم: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ [هود: 27] بأنهم نظروا إلى الجانب الجثماني الدنيوي وجهلوا الفضائل والكمالات النفسانية والعطايا اللدنية التي اللّهُ أعلم بها.
واسم التفضيل هنا مسلوبُ المفاضلة مقصود منه شدة العلم.
وجملة ﴿ إني إذن لمن الظالمين ﴾ تعليل ثان لنفي أن يقول: ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ .
و ﴿ إذن ﴾ حرف جواب وجزاء مجازاة للقَول، أي لو قلت ذلك لكنت من الظالمين، وذلك أنه يظلمهم بالقضاء عليهم بما لا يعلم من حقيقتهم، ويظلم نفسه باقتحام القول بما لا يصدق.
وقوله: ﴿ لمن الظالمين ﴾ أبلغ في إثبات الظلم من: إني ظالم، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة [البقرة: 67].
وأكده بثلاث مؤكدات: إنّ ولام الابتداء وحرف الجزاء، تحقيقاً لظلم الذين رموا المؤمنين بالرذالة وسلبوا الفضل عنهم، لأنه أراد التعريض بقومه في ذلك.
وسيجيء في سورة الشعراء ذكر موقف آخر لنوح عليه السلام مع قومه في شأن هؤلاء المؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ﴾ احْتَمَلَ هَذا القَوْلُ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْمِهِ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ الثّانِي: أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهم عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ قُلْ: ﴿ وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الرَّحْمَةُ أيْ لَيْسَ بِيَدِيِ الرَّحْمَةُ فَأسُوقَها إلَيْكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الأمْوالُ، أيْ لَيْسَ بِيَدِي أمْوالٌ فَأُعْطِيَكم مِنها عَلى إيمانِكم.
﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ فَأُخْبِرَكم بِما في أنْفُسِكم.
﴿ وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ﴾ يَعْنِي فَأُبايِنُ جِنْسَكم.
﴿ وَلا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ﴾ والِازْدِراءُ الِاحْتِقارُ.
يُقالُ: ازْدَرَيْتُ عَلَيْهِ إذا عِبْتَهُ، وزَرَيْتُ عَلَيْهِ إذا حَقَّرْتَهُ.
وَأنْشَدَ المُبَرَّدُ: يُباعِدُهُ الصَّدِيقُ وتَزْدَرِيهِ حَلِيلَتُهُ ويَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ ﴿ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ﴾ أيْ لَيْسَ لِاحْتِقارِكم لَهم يَبْطُلُ أجْرُهم أوْ يَنْقُصُ ثَوابُهم، وكَذَلِكَ لَسْتُمْ لِعُلُوِّكم في الدُّنْيا تَزْدادُونَ عَلى أُجُورِكم.
﴿ اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ ويُؤاخِذُهم بِهِ.
﴿ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي إنْ قُلْتُ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا باديَ الرأي ﴾ قال: فيما ظهر لنا.
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه.
مثله.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن كنت على بينة من ربي ﴾ قال: قد عرفتها وعرفت بها أمره وأنه لا إله إلا هو ﴿ وآتاني رحمة من عنده ﴾ قال: الإِسلام والهدى والإِيمان والحكم والنبوة.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنلزمكموها ﴾ قال: أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه ولكنه لم يستطع ذلك ولم يملكه.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أنه كان يقرأ ﴿ أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ أنلزمكموها من شطر قلوبنا ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن أجري ﴾ قال: جزائي.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ قال: قالوا له: يا نوح إن أحببت أن نتبعك فاطردهم وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء.
وفي قوله: ﴿ إنهم ملاقوا ربهم ﴾ قال: فيسألهم عن أعمالهم ﴿ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ التي لا يفنيها شيء فأكون إنما أدعوكم لتتبعوني عليها لأعطيكم منها بملكه أي عليها ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ لا أقول اتبعوني على علمي بالغيب ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ نزلت من السماء برسالة ﴿ ما أنا إلا بشر مثلكم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا أقول للذين تزدري أعينكم ﴾ قال: حقرتموهم.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ قال: يعني إيماناً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قالوا يا نوح قد جادلتنا ﴾ قال: ماريتنا.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ فائتنا بما تعدنا ﴾ قال: تكذيباً بالعذاب وأنه باطل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فعليَّ إجرامي ﴾ قال: عملي ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي مما تعملون.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ ﴾ ، ذكرنا معنى الخزائن في مثل هذه الآية في سورة الأنعام (١) (٢) لهم لما قالوا: ﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ ﴾ الآية، فادَّعوا أن هؤلاء المؤمنين اتبعوه في ظاهر ما يرى منهم، وهم في الحقيقة غير متبعين له، فقال مجيبًا لهم: ﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ ﴾ غيوب الله التي يعلم منها ما ينطوي عليه الناس ويضمرونه، ولا أعلم ما يغيب عني مما يسترونه في نفوسهم؛ فسبيلي قبول إيمانهم الذي يظهر لي، ومضمراتهم لا يعلمها إلا الله، فقيل للغيوب: خزائن لغموضها على الناس واستتارها عنهم، كما يقال: خزن المال: إذا غيبه.
[وقوله: ﴿ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ ، هذا جواب لقولهم: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا ﴾ أي: لا ينبغي أن تحتجوا عليّ بأمر لا أدعيه] (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ ﴾ ، قال أبو إسحاق (٤) ﴿ تَزْدَرِي ﴾ تستقل وتستبخس (٥) (٦) (٧) وقال ابن عباس (٨) ﴿ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ ﴾ يريد: تحتقر وتستصغر، يعني المؤمنين.
﴿ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ﴾ \[وذلك أنهم قالوا: هم أراذلنا، فقال نوح: لا أقول إن الله لا يؤتيهم خيرًا\] (٩) ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، قال الزجاج (١٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ ، قال ابن الأنباري (١١) (١) وهو قوله: ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ .
قال: "الخزائن جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء: إحرازه بحيث لا تناله الأيدي.
والخزانة أيضاً: عمل الخازن" اهـ.
(٢) "زاد المسير" 4/ 98، والبغوي 4/ 172، "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 1027، (خزن).
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 38 بنحوه.
(٥) في (ب): (تستحسن)، وهو وهم من الناسخ.
(٦) في (ب): (في).
(٧) يعني: تزدان، وتزداد.
(٨) قال به الطبري 12/ 30، "زاد المسير" 4/ 99، البغوي 4/ 172، القرطبي 9/ 27.
(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 49 بمعناه.
(١١) "زاد المسير" 4/ 99.
<div class="verse-tafsir"
﴿ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي ﴾ أي على برهان وأمر جلي، وكذلك في قصة صالح وشعيب ﴿ وآتاني رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ يعني النبوّة ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ أي خفيت عليكم، والفاعل على هذا البينة أو الرحمة ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ أي أنكرهكم على قبولها قهراً؟
وهذا هو جواب أرأيتم: ومعنى الآية أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: أرأيتم إن هداني الله وأضلكم أأجبركم على الهدى وأنتم له كارهون؟
﴿ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً ﴾ الضمير في عليه عائد على التبليغ ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الذين آمنوا ﴾ يقتضي أنهم طلبوا منه طرد الضعفاء ﴿ إِنَّهُمْ ملاقوا رَبِّهِمْ ﴾ المعنى أنه يجازيهم على إيمانهم ﴿ مَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ ﴾ أي: من يدفع عني عقاب الله إن ظلمتهم بالطرد ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ﴾ الآية: أي لا أدعي ما ليس لي فتنكرون قولي ﴿ تزدري ﴾ أي تحتقر من قولك: زريت الرجل إذا قصرت به، والمراد بالذين تزدري أعينهم: ضعفاء المؤمنين ﴿ إني إِذاً لَّمِنَ الظالمين ﴾ أي إن قلت للمؤمنين: لن يؤتيهم الله خيراً، والخير هنا يحتمل أن يريد به خير الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني لكم ﴾ بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة.
والآخرون بفتحها ﴿ بادىء ﴾ بالهمزة: أبو عمرو ونصير.
﴿ الرأي ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ فعميت ﴾ مجهولاً مشدداً.
حمزة وعلي وخلف وحفص.
الباقون بضدهما ﴿ أنلزمكموها ﴾ باختلاس ضمة الميم: عباس ﴿ أجري إلا ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ولكني أريكم ﴾ بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصحي إن ﴾ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ بأعيننا ﴾ مدغماً.
حيث كان: عباس ﴿ من كل ﴾ بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ مجريها ﴾ بالضم وبالإمالة: أبو عمرو.
والباقون بالضم مفخماً.
﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء: عاصم ﴿ اركب معنا ﴾ مظهراً: عاصم وحمزة ﴿ عمل ﴾ على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب.
الآخرون ﴿ عمل ﴾ غير بالرفع فيهما ﴿ تسألن ﴾ بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير ﴿ تسألني ﴾ بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ إني أعظك ﴾ ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الرأي ﴾ ج ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فعيمت عليكم ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مالاً ﴾ ط ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ طردتهم ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ أن يغويكم ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ط ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ تجرمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ ظلموا ﴾ ج لا حتمال التعليل.
﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ سخروا منه ﴾ ه ﴿ تسخرون ﴾ ه ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ومن آمن ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ 5 ط ﴿ ومرساها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من الماء ﴾ ط، ﴿ رحم ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل.
﴿ المغرقين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه.
﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ من أهلك ﴾ ج ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ هذا ﴾ ط وعلى قوله: ﴿ فاصبر ﴾ أحسن للابتداء بــ"أن" ﴿ للمتقين ﴾ ه.
التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح.
ومعنى ﴿ إني لكم ﴾ أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إني لكم ﴾ فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول.
و ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بدل من ﴿ إني لكم نذير ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إلا الله ﴾ أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.
ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً.
وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار.
ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات.
الأولى أنه بشر مثلهم.
الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.
والأراذل جمع أرذل.
وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته.
ومعنى ﴿ بادي الرأي ﴾ أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر.
وهذا تفسير من قرأ بغير همز.
وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
ويجوز أن يتعلق ﴿ بادي الرأي ﴾ بقوله: ﴿ أراذلنا ﴾ أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ ﴿ إلا الذين هم أراذلنا رأي العين ﴾ وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي.
الشبهة الثالثة: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان.
ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة ﴾ برهان ﴿ من ربي وآتاني ﴾ بإيتاء تلك البينة ﴿ رحمة ﴾ وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس ﴿ فعيمت ﴾ خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم.
والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين.
ثم قال: ﴿ أنلزمكموها ﴾ أي أنكرهكم على قبول البينة ﴿ وأنتم لها كارهون ﴾ والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك.
وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق.
ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله ﴿ إنهم ملاقو ربهم ﴾ فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم ﴿ ولكني أراكم قوماً تجهلون ﴾ لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل.
ثم أكد عدم طردهم بقوله: ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من عقابه ﴿ إن طردتهم ﴾ لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية.
سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله حتى نهي عنه بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ ؟
الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر.
احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه.
وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو.
ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة.
﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية.
ومعنى ﴿ تزدري ﴾ تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه.
وفي قوله ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق ﴿ إني إذا ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي.
أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم.
ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر.
لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف.
وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء.
ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد.
وقوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي ﴾ كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز.
ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي.
واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر.
وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي.
ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً.
ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ثم أنكر الله عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: ﴿ قل إن افتريته فعليّ إجرامي ﴾ أي عقاب إثمي وهو الافتراء.
﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه.
وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح.
وعن مقاتل أنها من قصة محمد وقعت في أثناء قصة نوح.
قوله : ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ﴾ إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: ﴿ إلا من قد آمن ﴾ فإن "قد" للتوقع.
وقوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم.
قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا فاجراً كفاراً ﴾ علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك.
وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح.
ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء.
ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: ﴿ واصنع الفلك ﴾ وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها.
والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته.
وقوله: ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ في موضع الحال أي متلبساً بذلك.
والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: ﴿ بأعيننا ﴾ وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة.
والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها.
عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.
وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة.
ثم قال: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي في شأنهم.
وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة.
وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل.
وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه.
ثم حكى الحال الماضية بقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ والحال أنه ﴿ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: ﴿ قال إن تسخروا ﴾ استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟
ويحتمل أن يكون ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مر ﴾ أو صفة لــ ﴿ ملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواب ﴿ قيل ﴾ كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.
وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون.
وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون.
وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: ﴿ إن تسخروا منا ﴾ في الحال ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.
أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر.
والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار.
وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ ثم هددهم بقوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا وهو عذاب الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم.
و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام".
روي أن نوحاً اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين.
وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم.
وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة.
قوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ هي غاية لقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك.
﴿ وفار التنور ﴾ أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر.
والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي.
وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء.
عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح.
وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي.
وعن علي أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً.
وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل.
وقيل: بالهند.
روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان.
ويروى عن علي أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً ﴾ وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى ﴿ فار التنور ﴾ طلع الصبح.
وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس.
والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى.
فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين.
فالمراد حمل من كل شيء زوجين.
واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه ﴿ وأهلك ﴾ معطوف على مفعول ﴿ احمل ﴾ وكذا ﴿ من آمن ﴾ وقوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك.
ثم قال ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها.
وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم.
فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.
وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم.
وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه.
قوله وتعالى حكاية عن نوح وأهله ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها ﴾ الآية.
فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها.
فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟
قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره.
الثاني قوله: ﴿ بسم الله ﴾ إما أن تتعلق بقوله: ﴿ اركبوا ﴾ حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله ﴿ ومجريها ومرسيها ﴾ مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها.
وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر.
وعلى التقادير يكون مجموع قوله: ﴿ وقال اركبوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومرساها ﴾ كلاماً واحداً.
وإما أن يكون ﴿ باسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها.
يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.
ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.
وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله .يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره.
يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم.
ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق.
البحث الثالث قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟
والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته.
وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام.
قال في الكشاف: ﴿ وهي تجري بهم ﴾ متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها ﴿ في موج كالجبال ﴾ في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج.
واختلف المفسرون في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه.
واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء.
وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ ويؤكد هذا الظن قوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله ﴿ فخانتاهما ﴾ ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين ﴾ وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون.
وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه.
وقوله: ﴿ وكان في معزل ﴾ هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه.
وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ لا يساعد هذا القول.
وقوله ﴿ يا بني ﴾ بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين.
ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ فأجاب نوح بأنه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ واعترض عليه بأن معنى ﴿ من رحم ﴾ من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟
وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى ، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر.
وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى.
وقوله : ﴿ وقيل يأرض ﴾ الآية.
مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية.
أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها.
فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل ﴿ قيل ﴾ بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته.
وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء ﴾ والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين.
وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ.
ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ﴿ ابلعي ﴾ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.
ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك.
واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور.
ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ من ترشيح استعارة النداء.
ثم قال ﴿ وغيض الماء ﴾ غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى ﴿ وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان.
وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه.
واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ﴿ ابتلعي ﴾ لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوفر.
وقيل: ﴿ ماءك ﴾ بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء.
ولم يحذف مفعول ﴿ ابلعي ﴾ لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض.
ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من ﴿ أقلعي ﴾ حذراً من التطويل.
وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم.
واختير ﴿ غيض ﴾ على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن ﴿ استوت ﴾ أخصر لسقوط همزة الوصل.
ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم ﴾ دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم.
وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها.
ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم.
وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين.
ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء.
ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض.
قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟
وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة.
وقد روى جمع من المفسرين أنه أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين.
وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات.
والظاهر أن القائل في قوله: ﴿ وقيل بعداً ﴾ هو الله لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.
وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه.
وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله أعلم بمراده من كلامه.
﴿ ونادى نوح ربه ﴾ أي أراد أن يدعوه ﴿ فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له ﴿ وإن وعدك ﴾ أي كل ما تعد به ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع.
﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك.
ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: ﴿ غير صالح ﴾ دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح.
وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه.
ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة.
ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ﴾ فيما يستقبل من الزمان ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك.
﴿ وألا تغفر لي ﴾ ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ﴿ ربنا ظلمنا ﴾ الآية.
فلذلك عفى عنه.
﴿ وقيل يا نوح اهبط ﴾ أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً ﴿ بسلام منا ﴾ بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات.
وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً.
والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ فنوح آدم الأصغر.
وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل ﴿ وعلى أمم ممن معك ﴾ إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه.
وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر.
وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: ﴿ وأمم ﴾ وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ﴿ سنمتعهم ﴾ في الدنيا ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة ﴿ منا عذاب أليم ﴾ عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار.
وقوله ﴿ ولا قومك ﴾ للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك.
والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى.
ومعنى ﴿ من قبل هذا ﴾ أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: ﴿ فاصبر ﴾ كما صبر نوح و ﴿ إن العاقبة ﴾ الحميدة ﴿ للمتقين ﴾ .
التأويل: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا.
وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون ﴿ إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق.
﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف ﴿ من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة.
﴿ أفلا تذكرون ﴾ أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟
فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ من التكذيب.
وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها.
﴿ وأوحي إلى نوح ﴾ الروح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك ﴾ وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه ﴿ إلا من قد آمن ﴾ من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه.
فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها ﴿ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم ﴿ واصنع الفلك ﴾ اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ فإن الظلم من شيم النفوس ﴿ إنهم مغرقون ﴾ في بحر الدنيا وشهواتها.
﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ هم النفس وهواها وصفاتها ﴿ يسخرون ﴾ من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة ﴿ وفار ﴾ ماء الشهوة من تنور القالب ﴿ قلنا احمل ﴾ في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة.
والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة ﴿ وأهلك ﴾ وهم صفات الروح لا النفس ﴿ ومن آمن ﴾ وهم القلب والسر.
وفي قوله : ﴿ وقال اركبوا فيها باسم الله ﴾ إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ ﴿ في موج ﴾ من الفتن ﴿ كالجبال ونادى نوح ﴾ الروح ﴿ ابنه ﴾ كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب ﴿ وكان في معزل ﴾ من معرفة الله وطلبه ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ العقل ﴿ يعصمني من الماء ﴾ الفتن ﴿ لا عاصم اليوم ﴾ أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ﴿ ابلعي ﴾ ماء شهواتك ﴿ اقلعي ﴾ عن إنزال مطر الآفات ﴿ وغيض ﴾ ماء الفتن ببركة الشرع ﴿ وقضي الأمر ﴾ ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، ﴿ واستوت ﴾ سفينة الشريعة ﴿ على الجودي ﴾ وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس.
فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ﴿ اهبط ﴾ من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، ﴿ فاصبر ﴾ على تربية الروح و النفس ﴿ إن العاقبة ﴾ لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ : أخبر أنه أرسله إلى قومه، ولم يفهم منه الإرسال من مكان إلى مكان؛ وكذلك قوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ولم يكن مجيئه من مكان إلى مكان، فهذا يدل أنه لا يفهم من ذكر المجيء الانتقال من مكان إلى مكان؛ وكذلك الإرسال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: نذير لمن عصى بالنار وبعقابه بين الإنذار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ ﴾ أي: لا تجعلوا عبادتكم إلا لمعبود هو معبود بشهادة خلقتكم؛ لأن خلقتهم تشهد على أنه هو المستحق للعبادة، لا من تعبدون من الأصنام والأوثان.
ويحتمل قوله: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: وحدوا الله ولا تصرفوا الألوهية إلى غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ : أضاف [الألم إلى اليوم واليوم ليس بمؤلم ولكنه - والله أعلم - أضاف إليه؛ لما فيه يؤلم، وهو كقوله: ﴿ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ والليل لا يسكن ولا يوصف به، لكنه يسكن] فيه، وكذلك قال: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ والنهار لا يبصر، لكنه يبصر فيه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ لما فيه يكون العذاب الأليم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: الخوف في غيره لا يكون في الحقيقة خوفاً؛ وكذلك الرجاء في غيره لا يكون في الحقيقة رجاء، وفي نفسه يكون في الحقيقة خوفاً ورجاء؛ لما يلحقه ضرر في نفسه أن جعل به ذلك لغيره، ويلحقه نفع فيكون الخوف في نفسه حقيقة خوف والرجاء حقيقة رجاء، وأما في غيره لما لا يلحقه ضرر وإن حل ذلك لغيره، ولا ينال من النفع في الرجاء إن نال ذلك الغير، لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: على العلم، أي: إني أعلم أنه ينزل بكم العذاب؛ نحو قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أي: علمتم.
وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ أي: فإن علمتم أن يضيعا حدود الله.
والثاني: يخاف عليهم إشفاقا منه؛ لأن الخلق جبلوا على أن يتألم بما يحل بغير حتى لا يكون في وسع بعض أن يروا ذلك في غيره.
على هذين الوجهين يخرج الخوف على غيره، وفي الخوف رجاء وفي الرجاء خوف؛ لأن الخوف إذا لم يكن فيه رجاء فهو إياس، وقال الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ، والرجاء إذا لم يكن فيه خوف فهو أمن قال: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ...
﴾ كذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ ﴾ : قيل: أشراف قومه وأئمتهم.
﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا ﴾ : وكذلك قال عامة القوم لرسلهم الذين بعثوا إليهم: ﴿ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ ، كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون - والله أعلم -: إن الرسل في الشاهد إنما يجيئون من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من [عند] أحد في الظاهر، والرسول هو الذي يأتي من عند غير، ويكون للرسول خصوصية عند المرسل، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره، فكيف بعثتم إلينا رسلا دون أن نبعث نحن إليكم رسلا؛ إذ أنتم ونحن في الخلقة سواء وفي الأمور الظاهرة سواء؟!
أو نحوه من الكلام، احتجوا على رسلهم في رد الرسالة؛ وكذلك كان عادة الكفرة يقولون للرسل إذا لزمتهم الحجة وأقيم عليهم نسبوها إلى السحر، ونسبوا الرسل أنهم بشر مثلهم.
فجواب هذا كله ما ذكر: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، وما قال لهم نوح: ﴿ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ أي: آتاني رحمة من عنده، وجعل لي بينة وبرهانا على ما آتاني رحمة من عنده بمثل هذا يحتج عليهم.
ويقال أيضاً: إنكم لا تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بما جعلكم أئمة ورؤساء بأمور الدنيا على غيرهم، فكيف تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بفضل الدين والرسالة؟!.
وقوله: ﴿ وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ : احتجوا أيضاً في رد الرسالة يقولون: إن الأراذل هم أتباع لكل من دعاهم وأهل طاعة لكل متبوع، فليس في اتباع الأراذل إياك والضعفاء دلالة ثبوت رسالتك؛ إذ هم يتبعون بلا دليل ولا حجة وهم فروع وأتباع لغير، ولم يتبعك أحد من الأصول.
لكن يقال: إن هؤلاء الأراذل لما اتبعوا الرسول ولم يتبعوا الأئمة والرؤساء الذين معهم الأموال والدنيا، ولم يكن في أيدي الرسل ذلك، ثم تركوا اتباع أولئك وفي أيديهم ما يدعوهم إليه واتبعوا الرسل دل أنهم إنما اتبعوا الرسل بالحجج والبراهين التي أقاموها عليهم أو نحوه.
والأراذل: قيل: هم السفهاء والضعفاء.
وقال القتبي: أراذلنا: شرارنا.
و ﴿ بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ \[قال بعضهم: ظاهر الرأي؛\] من قولك: بدا لي ما كان خفيا.
وقال بعضهم: بادي الرأي: خفيف الرأي لا يعرفون حقائق الأمور، إنما يعرفون ظواهرها، كأنهم يقولون: إنما اتبعك من كان خفيف الرأي وباديه، لم يتبعك من يعرف حقائق الأمور والأصول.
وقد قرئ: (بادئ الرأي) بالهمز، وقد قرئ بغير همز.
ومن قرأ بالهمز فهو من الابتداء، أي: في أول الرأي وابتدائه لا ينظر في عواقب الأمور.
ومن قرأ بغير همز فهو من الظهور، أي: ظاهر الرأي على غير تفكر ونظر فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ...
﴾ الآية: يحتمل هذا أي: فضلا في الخلقة، أو في ملك أو مال ولا في شيء، لكن جواب هذا ما سبق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾ : هكذا كانت عادة الكفرة، يردون دلالات الرسل والحجج بالظن لم يردوا لحقيقة ظهرت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ ﴾ أي: على بيان من ربي، أو على حجة من ربي وبرهان فيما آتاني من رحمته.
والرحمة تحتمل النبوة لأنهم كانوا ينكرون رسالته لما أنه بشر مثلهم، فكيف خص هو بها دونهم وهو مثلهم؟!
فيقول: ﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً ﴾ أي: النبوة، وآتاني - أيضاً - على ذلك بينة وحجة.
وتحتمل الرحمة الدين الذي كان يدعوهم إليه والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، أي: لبست، أو التبس عليكم حيث أعرضتم عنه.
ومن قرأ: بالتشديد: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ يرجع إلى الأتباع والسفلة، أي: عميت عليهم القادة والرؤساء منهم ولبست.
(وعميت) بالتخفيف أي: التبس، وعمي على القادة والرؤساء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ أي: أنوجبها عليكم، وهي التي ذكر أنه آتاها إياه أو البينة التي ذكر أيضاً أو الدين الذي كان يدعوهم إليه، أي: لا نوجبها عليكم ولا نلزمها، وأنتم لها كارهون بلا حجة ولا برهان.
﴿ وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾ أي: لا نلزمها لكم بلا حجة شئتم أو أبيتم ولكن بحجة.
وفيه أن الدين لا يقبل بالإكراه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً ﴾ : على تبليغ الرسالة إليكم، أو على إقامة الحجة على ما أدعي من الرسالة، أو على الدين الذي يدعوهم إليه، أي: لا أسألكم على ذلك أجرا، فلماذا تعرضون عما أدعوكم إليه وأقيمه عليكم ليكون لكم الاحتجاج أو الاعتذار؟!
وكذلك يخرج قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ [أي: لا تسألهم أجرا على ما تبلغه إليهم ويدعوهم إليه]، فيمنعهم ثقل ذلك الغرم إجابتكم إياه، فعلى ذلك الأول ذكر هذا؛ لأن ما يلحق الإنسان من الضرر إنما يمنعه عن الإذعان بالحق [للخلق] والإقبال إليه والقيام بوفائه، أو يمنع ذلك لما لا يتبين له الحق لئلا يكون لهم الاحتجاج والاعتلال عند الله وإن لم يكن لهم حجة؛ وكقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ليس على أنه إذا سألهم على ذلك أجرا يكون لهم عذر في ردِّ ذلك وترك الإجابة له؛ إذ لله أن يكلفهم الإجابة والطاعة له بالمال وبغير المال.
والثاني: بقوله: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه وأبلغكم إياه مالاً، مع حاجتي وقلة مالي، فيقع عندكم أني أدعوكم إليه رغبة فيما في أيديكم من الأموال أو لمنفعة نفسي بل إنما أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه لمنفعة أنفسكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ما أجري إلا على الله في ذلك ليس عليكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ : فيه دلالة أنهم كأنهم كانوا سألوا رسولهم أن يتخذ لهم مجلسا على حدة، ويفرد لهم ذلك دون الأراذل والضعفاء الذين اتبعوه ويطرد الضعفاء؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ...
﴾ الآية [الأنعام: 52].
وقال أهل التأويل: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ أي: ما أنا بالذي لا يقبل الإيمان من الأراذل والضعفاء عندكم؛ لقولهم حيث قالوا: ﴿ وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ لأنهم يقولون: اتبعوك الأراذل ظاهراً، وأما في الباطن فليسوا على ذلك؛ ولذلك قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ يعني: ما في قلوب السفلة فيقول: ما أنا بطارد الذين آمنوا ظاهراً الله أعلم بما في قلوبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل وجهين؛ أي: ملاقو ربهم فيشكون مني إليه في رد إيمانهم، ويخاصمونني في ذلك ويطالبونني في طردي إياهم.
والثاني: أنهم ملاقو ربهم بإيمانهم ظاهراً كان إيمانهم أو باطناً [أي في حال هم يلاقون] ربهم فيجزيهم بما هم عليه ؛ كقوله: ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ﴾ يحتمل تجهلون ما أدعوكم إليه أو تجهلون في قولكم: إنهم إنما آمنوا واتبعوا في ظاهر الحال، وأما في السر فلا، أو تجهلون ما يلحقني في طردهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ ﴾ : أي: من يمنعني من عذاب الله، ﴿ إِن طَرَدتُّهُمْ ﴾ : على ما تدعونني إليه، أو من يمنعني من عذاب الله إن لم أقبل منهم الإيمان.
﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ : أنه لا يسع لي ما تدعونني إليه من طرد هؤلاء أو رد إيمانهم، أو أفلا تذكرون فتؤمنون.
وما روي في حرف أبي بن كعب: (أنلزمكموها شطر أنفسنا) فمعناه أنلزمكموها نحن أنفسنا وأنتم قوم معاندون.
وفي حرف ابن عباس: (أنلزمكموها من شطر أنفسنا) أي: من تلقاء أنفسنا، أي: لا نقدر أن نلزمكم ذلك من تلقاء أنفسنا وأنتم كارهون لذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: يقول: ليس عندي خزائن الله والسعة، فأبذل لكم لتؤمنوا رغبة في المال والسعة.
والثاني: يقول: ليس عندي سعة، فيقع عندكم أني أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه افتعالا رغبة في المال على ما يفعل المفتعلون للرغبة في المال، ولكن لتعلموا أني مكلف في ذلك.
والثالث: يحتمل ما ذكرنا من أسئلة كانت منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ : هذا القول منه لهم يحتمل الوجهين: أحدهما: أنه قال ذلك لهم على أثر أمور وأسئلة كانت منهم من نحو قولهم ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ ﴾ ، وقولهم لرسول الله : ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ ﴾ ، وقولهم: ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ ﴾ وأمثال ما كان منهم، فيقول لهم: ليس ذلك عندي وبيدي، إنما ذلك عند الله وبيده.
﴿ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ يحتمل أن يكونوا سألوه أن يخبرهم عن أمور تستقبلهم قبل أن تستقبلهم، إن كان شرا فيعدوا له في دفعه، وإن كان منافع فيستقبلوا لها ويتهيئوا، فيقول لهم: ذا غيب وأنا لا أعلم الغيب إنما العلم في ذلك إلى الله، ولا أقول: إني ملك أعلم أخبار السماء والأمور التي فيها، إنما أنا بشر مثلكم.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ أي: مفاتيح الله في الرزق، فهذا كأنهم سألوه السعة فيتبعونه، فيقول: ليس عندي ذلك.
ويحتمل أن يكون قال لهم الرسول هذا لدفع الشبهة عنهم، وذلك أن من الكفار من اتخذ الرسول إلها فعبدوه بعدما عاينوا أنه من البشر.
ومنهم من قال: إنه ابن الله.
ومنهم من قال: إنه ملك، وكانوا يعبدون الملائكة وكانوا يخبرونهم عن أشياء غابت عنهم، فظنوا أنه إنما علم ذلك لأنه إله، فيقول لهم ذلك ليدفع عنهم تلك الشبهة ويتبرأ من ذلك؛ ولذلك قال عيسى: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً ﴾ هو - - كان يعلم في نفسه أنه عبد الله، ولكن يقول لهم لئلا ينسبوه إلى الألوهية والربوبية على ما نسبوا إليه، فأقر بالعبودية له، والله أعلم بذلك.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: مفاتيح الله بأنه يهدي السفلة دونكم، ﴿ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ أي: لا أقول: إن عندي علم ذلك أن الله يهديهم وهم مؤمنون في السر؛ وذلك كقوله: ﴿ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : من الصدق.
﴿ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ أي: إنما [أنا] بشر لقولهم: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا...
﴾ إلى آخر الآية [هود: 27].
ثم قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ ﴾ قيل: الذين حقرتموهم يعني السفلة والأتباع.
وقال ابن عباس: (الذين لم تأخذهم أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا) يعني إيماناً الله أعلم بما في أنفسهم من الصدق، إني إذا لمن الظالمين لهم إن لم أقبل منهم [الإيمان] أو طردتهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولا أقول لكم -يا قومي-: عندي خزائن الله التي فيها رزقه، أنفقها عليكم إن آمنتم، ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، ولا أقول لكم: إني من الملائكة، بل أنا بشر مثلكم، ولا أقول عن الفقراء الذين تحتقرهم أعينكم وتستصغرهم: لن يعطيهم الله توفيقًا ولا هداية، الله أعلم بنياتهم وأحوالهم، إني إن ادعيت ذلك لمن الظالمين الذين يستحقون عذاب الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.9pMk1"