الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٥ من سورة هود
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 112 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال ابن عباس : كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم ، وحال وقاعهم ، فأنزل الله هذه الآية .
رواه البخاري من حديث ابن جريج ، عن محمد بن عباد بن جعفر ; أن ابن عباس قرأ : " ألا إنهم تثنوني صدورهم " ، فقلت : يا أبا عباس ، ما تثنوني صدورهم ؟
قال : الرجل كان يجامع امرأته فيستحيي - أو : يتخلى فيستحيي فنزلت : " ألا إنهم تثنوني صدورهم " .
وفي لفظ آخر له : قال ابن عباس : أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا ، فيفضوا إلى السماء ، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء ، فنزل ذلك فيهم .
ثم قال : حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو قال : قرأ ابن عباس " ألا إنهم يثنوني صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم " .
قال البخاري : وقال غيره ، عن ابن عباس : ( يستغشون ) يغطون رءوسهم .
وقال ابن عباس في رواية أخرى في تفسير هذه الآية : يعني به الشك في الله ، وعمل السيئات ، وكذا روي عن مجاهد ، والحسن ، وغيرهم : أي أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئا أو عملوه ، يظنون أنهم يستخفون من الله بذلك ، فأعلمهم الله تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل ، ( يعلم ما يسرون ) من القول : ( وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ) أي : يعلم ما تكن صدورهم من النيات والضمائر والسرائر .
وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة : فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى ، فمهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم حساب ، أو يعجل فينقم فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع وعلمه بالجزئيات ، وبالمعاد وبالجزاء ، وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة .
وقال عبد الله بن شداد : كان أحدهم إذا مر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثنى صدره ، وغطى رأسه فأنزل الله ذلك .
وعود الضمير على الله أولى; لقوله : ( ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون ) .
وقرأ ابن عباس : " ألا إنهم تثنوني صدورهم " ، برفع الصدور على الفاعلية ، وهو قريب المعنى .
القول في تأويل قوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) قال أبو جعفر : اختلفت القراء في قراءة قوله: ( ألا أنهم يثنون صدورهم ) ، فقرأته عامة الأمصار: ( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ) ، على تقدير " يفعلون " من " ثنيت "، و " الصدور " منصوبة.
واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: ذلك كان من فعل بعض المنافقين ، كان إذا مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم غطَّى وجهه وثَنَى ظهره.
*ذكر من قال ذلك: 17938- حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن حصين، عن عبد الله بن شداد في قوله: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم) ، قال: كان أحدهم إذا مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم قال بثوبه على وجهه ، وثنى ظهره.
(26) 17939- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قوله: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه)، قال: من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال: كان المنافقون إذا مرُّوا به ثنى أحدهم صدره ، ويطأطئ رأسه.
فقال الله: (ألا إنهم يثنون صدورهم)، الآية.
17940- حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم، عن حصين قال: سمعت عبد الله بن شداد يقول في قوله: (يثنون صدورهم) ، قال: كان أحدهم إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ثَنَى صدره، وتغشَّى بثوبه ، كي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم.
* * * وقال آخرون: بل كانوا يفعلون ذلك جهلا منهم بالله وظنًّا أن الله يخفى عليه ما تضمره صدورهم إذا فعلوا ذلك.
*ذكر من قال ذلك: 17941- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (يثنون صدورهم) قال: شكًّا وامتراءً في الحق، ليستخفوا من الله إن استطاعوا.
17942- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (يثنون صدورهم) ، شكًّا وامتراءً في الحق.(ليستخفوا منه) ، قال: من الله إن استطاعوا.
17943- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن نجيح، عن مجاهد: (يثنون صدورهم) ، قال: تضيق شكًّا .
17944- حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (يثنون صدورهم) ، قال: تضيق شكًّا وامتراءً في الحق.
قال: (ليستخفوا منه) ، قال: من الله إن استطاعوا 17945- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
17946- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا هوذة قال ، حدثنا عوف، عن الحسن في قوله: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم)، قال: من جهالتهم به، قال الله: (ألا حين يستغشون ثيابهم) ، في ظلمة الليل ، في أجواف بيوتهم ، (يعلم) ، تلك الساعة (ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ).
17947- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم)، قال: كان أحدهم يحني ظهره ، ويستغشي بثوبه.
* * * وقال آخرون: إنما كانوا يفعلون ذلك لئلا يسمعوا كتاب الله .
(27) *ذكر من قال ذلك: 17948- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة : ( ألا إنهم يثنون صدورهم) الآية، قال: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله، قال تعالى: (ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون) وذلك أخفى ما يكون ابن آدم ، إذا حنى صدره واستغشى بثوبه ، وأضمر همَّه في نفسه، فإن الله لا يخفى ذلك عليه.
(28) 17949- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (يستغشون ثيابهم) ، قال: أخفى ما يكون الإنسان إذا أسرَّ في نفسه شيئًا وتغطَّى بثوبه، فذلك أخفى ما يكون، والله يطلع على ما في نفوسهم، والله يعلم ما يسرُّون وما يعلنون.
* * * وقال آخرون: إنما هذا إخبارٌ من الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم عن المنافقين الذين كانوا يضمرون له العداوة والبغضاء ، ويبدون له المحبة والمودة، أنهم معه وعلى دينه.
(29) يقول جل ثناؤه: ألا إنهم يطوون صدورهم على الكفر ليستخفوا من الله، ثم أخبر جل ثناؤه أنه لا يخفى عليه سرائرهم وعلانيتهم.
* * * وقال آخرون: كانوا يفعلون ذلك إذا ناجى بعضهم بعضًا.
*ذكر من قال ذلك: 17950- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه) ، قال: هذا حين يناجي بعضهم بعضًا.
وقرأ: (ألا حين يستغشون ثيابهم) الآية.
* * * وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: (أَلا إِنَّهُمْ تَثْنَونِي صُدُورُهُمْ )، على مثال: " تَحْلَولِي الثمرة " ، " تَفْعَوْعِل ".
17951- حدثنا .
.
.
قال ، حدثنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس يقرأ (أَلا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ )، قال: كانوا لا يأتون النساء ولا الغائط إلا وقد تغشوا بثيابهم ، كراهة أن يُفْضُوا بفروجهم إلى السماء.
(30) 17952- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول، سمعت ابن عباس يقرؤها: (أَلا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ )، قال: سألته عنها فقال: كان ناس يستحيون أن يتخلَّوا فيُفْضُوا إلى السماء، وأن يصيبوا فيْفضُوا إلى السماء.
* * * وروي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر، وهو ما:- 17953- حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، أخبرت ، عن عكرمة: أن ابن عباس قرأ (أَلا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ )، وقال ابن عباس: " تثنوني صدورهم "، الشكُّ في الله ، وعمل السيئات ، (يستغشون ثيابهم) ، يستكبر، أو يستكنّ من الله ، والله يراه، يعلم ما يسرُّون وما يعلنون.
17954- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأ: (أَلا إِنَّهُمْ تَثْنَونِي صُدُورُهُمْ )، قال عكرمة: " تثنوني صدورهم "، قال: الشك في الله ، وعمل السيئات، فيستغشي ثيابه ، ويستكنّ من الله، والله يراه ويعلم ما يسرُّون وما يعلنون * * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، وهو: ( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ) ، على مثال " يفعلون "، و " الصدور " نصب ، بمعنى: يحنون صدورهم ويكنُّونها، (31) كما:- 17955- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (يثنون صدورهم) ، يقول: يكنُّون.
(32) 17956- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (ألا إنهم يثنون صدورهم) ، يقول: يكتمون ما في قلوبهم ، (ألا حين يستغشون ثيابهم)، يعلم ما عملوا بالليل والنهار.
17957- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ألا إنهم يثنون صدورهم) ، يقول: (تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ).
قال أبو جعفر: وهذا التأويل الذي تأوّله الضحاك على مذهب قراءة ابن عباس، إلا أن الذي حدثنا ، هكذا ذكر القراءة في الرواية.
* * * فإذا كانت القراءة التي ذكرنا أولى القراءتين في ذلك بالصواب ، لإجماع الحجة من القراء عليها.
فأولى التأويلات بتأويل ذلك، تأويلُ من قال: إنهم كانوا يفعلون ذلك جهلا منهم بالله أنه يخفى عليه ما تضمره نفوسهم ، أو تناجوه بينهم.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن قوله: (ليستخفوا منه) ، بمعنى: ليستخفوا من الله، وأن الهاء في قوله، (منه) ، عائدة على اسم الله، ولم يجر لمحمّدٍ ذكر قبلُ ، فيجعل من ذكره صلى الله عليه وسلم وهي في سياق الخبر عن الله.
فإذا كان ذلك كذلك ، كانت بأن تكون من ذكر الله أولى.
وإذا صحّ أن ذلك كذلك، كان معلومًا أنهم لم يحدِّثوا أنفسهم أنهم يستخفون من الله ، إلا بجهلهم به.
فأخبرهم جل ثناؤه أنه لا يخفى عليه سرُّ أمورهم وعلانيتها على أيّ حالٍ كانوا ، تغشَّوا بالثياب ، أو أظهروا بالبَرَاز، (33) فقال: (ألا حين يستغشون ثيابهم) ، يعني: يتغشَّون ثيابهم ، يتغطونها ويلبسون.
* * * يقال منه: " استغشى ثوبه وتغشّاه "، قال الله: وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ [سورة نوح: 7 ]، وقالت الخنساء: أَرْعَـى النُّجُـومَ وَمَـا كُـلِّفْتُ رِعْيَتَهَا وَتَــارَةً أَتَغَشَّــى فَضْـلَ أَطْمَـارِي (34) * * * ، (يعلم ما يسرون) ، يقول جل ثناؤه: يعلم ما يسرُّ هؤلاء الجهلة بربهم، الظانُّون أن الله يخفى عليه ما أضمرته صدورهم إذا حنوها على ما فيها ، وثنوها، وما تناجوه بينهم فأخفوه (35) ، (وما يعلنون) ، سواء عنده سرائرُ عباده وعلانيتهم ، (إنه عليم بذات الصدور) ، يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بكل ما أخفته صدور خلقه ، من إيمان وكفر ، وحق وباطل ، وخير وشر، وما تستجنُّه مما لم تُجنُّه بعدُ، (36) كما:- 17958- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (ألا حين يستغشون ثيابهم) ، يقول: يغطون رءوسهم.
* * * قال أبو جعفر: فاحذروا أن يطلع عليكم ربكم وأنتم مضمرون في صُدُوركم الشكّ في شيء من توحيده أو أمره أو نهيه، أو فيما ألزمكم الإيمان به والتصديق، فتهلكوا باعتقادكم ذلك.
-------------------------- الهوامش : (26) قوله : " قال بثوبه على وجهه " ، أي : أخذ ثوبه وحاول أن يغطي به وجهه حتى لا يراه صلى الله عليه وسلم .
و " قال " حرف من اللغة ، يستخدم في معان كثيرة ، ويراد به تصوير الحركة .
انظر ما سلف 2 : 546 ، 547 / الأثر : 5796 ج 5 ص 400 ، تعليق : 1 / الأثر 12523 ج 10 ص 572 ، تعليق : 1 / الأثر 17429 ، ج 14 ص : 541 ، تعليق : 2 .
(27) في المطبوعة : " كلام الله تعالى " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(28) ما بين القوسين ساقط من المخطوطة .
(29) في المطبوعة : " وأنهم " بالواو ، وما في المخطوطة صواب جيد .
(30) الأثر : 17951 - في المطبوعة : " حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة " ، وهذا ليس في المخطوطة ، بل الذي فيها ما أثبته : " حدثنا قال ....
حدثنا أبو أسامة " ، بياض بين الكلامين وفوقه كتب " كذا " ، يعني ، هكذا البياض بالأصل .
(31) في المطبوعة : " يكبونها " و " يكبون " ، بالباء في الموضعين ، والصواب ما في المخطوطة وهي منقوطة هناك فيهما .
(32) في المطبوعة : " يكبونها " و " يكبون " ، بالباء في الموضعين ، والصواب ما في المخطوطة وهي منقوطة هناك فيهما .
(33) " البراز " ( بفتح الباء ) : الفضاء البعيد الواسع ، ليس فيه شجر ولا ستر .
(34) ديوانها : 109 ، من شعرها في مراثي أخيها صخر ، تقول قبله : إنِّــي أَرِقْـتُ فبِـتُّ اللَّيْـلَ سَـاهِرَةً كَأَنَّمَــا كٌحِــلَتْ عَيْنِــي بِعُــوَّارِ " العوار " القذى .
وقولها : " أرعى النجوم " ، تراقبها ، من غلبة الهم عليها ليلا ، فهي ساهرة تأنس بتطويح البصر في السماوات .
و " الأطمار " ، أخلاق الثياب .
تقول : طال حدادها وحزنها ، فلا تبالي أن يكون لها جديد ، فهي في خلقان ثيابها ، فإذا طال سهرها وغلبها ما غلبها ، تغطت بأطمارها فعل الحزين ، وبكت أو انطوت على أحزانها .
(35) انظر تفسير " الإسرار " فيما سلف : 103 .
(36) انظر تفسير " ذات الصدور " فيما سلف 13 : 570 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى : ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدورألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه أخبر عن معاداة المشركين للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ، ويظنون أنه تخفى على الله أحوالهم .
يثنون صدورهم أي يطوونها على عداوة المسلمين ففيه هذا الحذف ، قال ابن عباس : يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة ، ويظهرون خلافه .
نزلت في الأخنس بن شريق ، وكان رجلا حلو الكلام حلو المنطق ، يلقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما يجب ، وينطوي له بقلبه على ما يسوء .
وقال مجاهد : يثنون صدورهم شكا وامتراء .
وقال الحسن : يثنونها على ما فيها من الكفر .
وقيل : نزلت في بعض المنافقين ، كان إذا مر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ثنى صدره وظهره ، وطأطأ رأسه وغطى وجهه ، لكيلا يراه النبي - صلى الله عليه وسلم - فيدعوه إلى الإيمان ; حكي معناه عن عبد الله بن شداد فالهاء في منه تعود على النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقيل : قال المنافقون إذا غلقنا أبوابنا ، واستغشينا ثيابنا ، وثنينا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا ؟
فنزلت الآية .
وقيل : إن قوما من المسلمين كانوا يتنسكون بستر أبدانهم ولا يكشفونها تحت السماء ، فبين الله تعالى أن التنسك ما اشتملت عليه قلوبهم [ ص: 7 ] من معتقد ، وأظهروه من قول وعمل .
وروى ابن جرير عن محمد بن عباد بن جعفر قال : سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول : ( ألا إنهم تثنوني صدورهم ليستخفوا منه ) قال : كانوا لا يجامعون النساء ، ولا يأتون الغائط وهم يفضون إلى السماء ، فنزلت هذه الآية .
وروى غير محمد بن عباد عن ابن عباس : " ألا إنهم تثنوي صدورهم " بغير نون بعد الواو ، في وزن تنطوي ; ومعنى " تثنوي " والقراءتين الأخريين متقارب ; لأنها لا تثنوي حتى يثنوها .
وقيل : كان بعضهم ينحني على بعض يساره في الطعن على المسلمين ، وبلغ من جهلهم أن توهموا أن ذلك يخفى على الله تعالى : ليستخفوا أي ليتواروا عنه ; أي عن محمد أو عن الله .ألا حين يستغشون ثيابهم أي يغطون رءوسهم بثيابهم .
قال قتادة : أخفى ما يكون العبد إذا حنى ظهره ، واستغشى ثوبه ، وأضمر في نفسه همه .
يخبر تعالى عن جهل المشركين، وشدة ضلالهم، أنهم { يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } أي: يميلونها { لِيَسْتَخْفُوا } من الله، فتقع صدورهم حاجبة لعلم الله بأحوالهم، وبصره لهيئاتهم.
قال تعالى -مبينا خطأهم في هذا الظن- { أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } أي: يتغطون بها، يعلمهم في تلك الحال، التي هي من أخفى الأشياء.
بل { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } من الأقوال والأفعال { وَمَا يُعْلِنُونَ } منها، بل ما هو أبلغ من ذلك، وهو: { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما فيها من الإرادات، والوساوس، والأفكار، التي لم ينطقوا بها، سرا ولا جهرا، فكيف تخفى عليه حالكم، إذا ثنيتم صدوركم لتستخفوا منه.
ويحتمل أن المعنى في هذا أن الله يذكر إعراض المكذبين للرسول الغافلين عن دعوته، أنهم -من شدة إعراضهم- يثنون صدورهم، أي: يحدودبون حين يرون الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يراهم ويسمعهم دعوته، ويعظهم بما ينفعهم، فهل فوق هذا الإعراض شيء؟" ثم توعدهم بعلمه تعالى بجميع أحوالهم، وأنهم لا يخفون عليه، وسيجازيهم بصنيعهم.
قوله تعالى : ( ألا إنهم يثنون صدورهم ) قال ابن عباس : نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر ، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب ، وينطوي بقلبه على ما يكره .
قوله : " يثنون صدورهم " أي : يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة .
قال عبد الله بن شداد : نزلت في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره ، وطأطأ رأسه ، وغطى وجهه كي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال قتادة : كانوا يحنون صدورهم كي لا يسمعوا كتاب الله تعالى ولا ذكره .
وقيل : كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويحني ظهره ويتغشى بثوبه .
ويقول : هل يعلم الله ما في قلبي .
وقال السدي : يثنون أي : يعرضون بقلوبهم ، من قولهم : ثنيت عناني .
وقيل : يعطفون ، ومنه : ثني الثوب .
وقرأ ابن عباس : " يثنوني " على وزن " يحلولي " جعل الفعل للمصدر ، ومعناه المبالغة في الثني .
( ليستخفوا منه ) أي : من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال مجاهد : ليستخفوا من الله إن استطاعوا ، ( ألا حين يستغشون ثيابهم ) يغطون رؤوسهم بثيابهم ، ( يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ) قال الأزهري : معنى الآية من أولها إلى آخرها : إن الذين أضمروا عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخفى علينا حالهم .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا الحسن بن محمد بن صباح ، حدثنا حجاج قال : قال ابن جريج أخبرني محمد بن عباد بن جعفر أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ : ( ألا إنهم يثنون صدورهم ) فقال : سألته عنها قال : كان أناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء ، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء ، فنزل ذلك فيهم .
ونزل كما رواه البخاري عن ابن عباس فيمن كان يستحي أن يتخلى أو يجامع فيقبض إلى السماء وقبل في المنافقين «ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه» أي الله «ألا حين يستغشون ثيابهم» يتغطون بها «يعلم» تعالى «ما يُسرون وما يُعلنون» فلا يُغني استخفاؤهم «إنه عليم بذات الصدور» أي بما في القلوب.
إن هؤلاء المشركين يضمرون في صدورهم الكفر؛ ظنًا منهم أنه يخفى على الله ما تضمره نفوسهم، ألا يعلمون حين يغطُّون أجسادهم بثيابهم أن الله لا يخفى عليه سِرُّهم وعلانيتهم؟
إنه عليم بكل ما تُكِنُّه صدورهم من النيات والضمائر والسرائر.
ثم حكى - سبحانه - جانبا من جهالات المنحرفين عن الحق ، ومن أوهامهم الباطلة فقال - تعالى - :( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) .وقوله : ( يَثْنُونَ ) من الثنى بمعنى الطى والستر .
يقال : ثتنيت الثوب إذا طويته على ما فيه من الأشياء المستورة .وثنى الصدور : إمالتها وطأطأتهها وحنيها بحيث تكون القامة غير مستقيمة ، والاستخفاء : محاولة الاختفاء عن الأعين ، ومنه قوله - تعالى -( يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله وَهُوَ مَعَهُمْ .
.
) وقوله : ( يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ .
.
) أى : يتدثرون ويتغطون بها ، مبالغة فى الاستخفاء عن الأعين .
فالسين والتاء فيه للتأكيد ، كما فى قوله - تعالى - ( واستغشوا ثِيَابَهُمْ .
.
.
) أى : جعلوا كالغشاء عليهم .وقد ذكر بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنه كان الرجل من الكفار يدخل بينه ، ويرخى ستره ، ويحنى ظهره ، ويتغشى بثوبه ثم يقول : هل يعلم الله ما فى قلبى فنزلت هذه الآية .وقيل : نزلت فى المنافقين ، كان أحدهم إذا مر بالنبى - صلى الله عليه وسلم - ثنى صدره ، وتغشى بثوبه لئلا يراه .وقيل : " نزلت فى الأخنس بن شريق ، وكان رجلا حلو المنطق ، حسن السياق للحديث ، يظهر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحبة ، ويضمر فى قلبه ما يضادها .
.
"وعلى أية الحال فإن الآية الكريمة تصور تصويرا بديعا جهالات بعض الضالين بعلم الله - تعالى - المحيط بكل شيء ، كما تصور تصويرا دقيقا أوضاعهم الحسية حين يأوون إلى فراشهم ، وحين يلتقون بالنبى - صلى الله عليه وسلم - .والضمير المجررو فى قوله ( منه ) يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وعليه يكون المعنى :ألا إن هؤلاء المشركين يعرضون عن لقاء النبى - صلى الله عليه وسلم - ويطأطئون رءوسهم عند رؤيته ، ليستخفوا منه ، حتى لا يؤثر فيهم بسحر بيانه .ومع أن كلا القولين له وجاهته وله من سبب النزول ما يؤيده ، إلا أننا نميل إلى كون الضمير يعود على الله - تعالى - لأن قوله - بعد ذلك ( يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) يؤيد عودة الضمير إليه - سبحانه - إذ علم السر والعلن مرده إليه وحده .وافتتحت الآية الكريمة بحرف التنبيه ( ألا ) وجئ به مرة أخرى فى قوله ( أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ .
.
) للاهتمام بمضمون الكلام ، وللفت أنظار السامعين إلى ما بلغه هؤلاء الضالون من جهل وانطماس بصيرة .ثم بين - سبحانه - أنه لا يخفى عليه شئ من أحوالهم فقال : ( أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) .أى : ألا يعلم هؤلاء الجاهلون أنهم حين يأوون إلى فراشهم ، ويتدثرون بثيابهم ، يعلم الله - تعالى - ما يسرونه فى قلوبهم من أفكار ، وما يعلنونه بأفواههم من أقوال ، لأنه - سبحانه - محيط بهما تضمره النفوس من خفايا ، وما يدور بها من أسرار .وجملة ( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) تعليلية لتأكيد ما قبلها من علمه - سبحانه - بالسر والعلن .
والمراد بذات الصدور : الأسرار المستكنة فيها .هذا ، وقد ذكر ابن كثير رواية أخرى فى سبب نزول هذه الآية فقال : قال ابن عباس :كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم ، فأنزل الله هذه الآية رواه البخاري من حديث ابن جريج .وفى لفظ آخر له قال ابن عباس : " أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء ، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء ، فنزل ذلك فيهم .
.
.
"وظاهر من هذا الكلام المنقول عن ابن عباس أنها نزلت فى شأن جماعة من المسلمين هذا شأنهم ، ولعل مراده أن الآية تنطبق على صنيعهم وليس فعلهم هو سبب نزولها ، لأن الآية مسوقة للتوبيخ والذم ، والذين يستحقون ذلك هم أولئك المشركون وأشباههم الذين أعرضوا عن الحق ، وجهلوا صفات الله - تعالى - .قال الجمل بعد أن ذكر قول ابن عباس : " وتنزيل الآية على هذا القول بعيد جدا ، لأن الاستحياء من الجماع وقضاء الحاجة فى حال كشف العورة إلى جهة السماء ، أمر مستحسن شرعا ، فكيف يلام عليه فاعله ويذم بمقتضى سياق الآية " .وإذا فالذى يستدعيه السياق ويقتضيه ربط الآيات ، كون الآية فى ذم المشركين ومن على شاكلتهم من المنحرفين عن الطريق المستقيم .
اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ يعني عن عبادته وطاعته ﴿ فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ بين بعده أن التولي عن ذلك باطناً كالتولي عنه ظاهراً فقال: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ ﴾ يعني الكفار من قوم محمد صلى الله عليه وسلم يثنون صدورهم ليستخفوا منه.
واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء الكفار شيئين: الأول: أنهم يثنون صدورهم يقال: ثنيت الشيء إذا عطفته وطويته، وفي الآية وجهان: الوجه الأول: روي أن طائفة من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأرسلنا ستورنا، واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد، فكيف يعلم بنا؟
وعلى هذا التقدير: كان قوله: ﴿ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ كناية عن النفاق، فكأنه قيل: يضمرون خلاف ما يظهرون ليستخفوا من الله تعالى، ثم نبه بقوله: ﴿ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ على أنهم يستخفون منه حين يستغشون ثيابهم.
الوجه الثاني: روي أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه، والتقدير كأنه قيل: إنهم يتصرفون عنه ليستخفوا منه حين يستغشون ثيابهم، لئلا يسمعوا كلام رسول الله وما يتلو من القرآن، وليقولوا في أنفسهم ما يشتهون من الطعن.
وقوله: ﴿ ألا ﴾ للتنبيه، فنبه أولاً على أنهم ينصرفوا عنه ليستخفوا ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ للتنبيه على ذكر الاستخفاء لينبه على وقت استخفائهم، وهو حين يستغشون ثيابهم، كأنه قيل: ألا إنهم ينصرفون عنه ليستخفوا من الله، ألا إنهم يستخفون حين يستغشون ثيابهم.
ثم ذكر أنه لا فائدة لهم في استخفائهم بقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ يزورّون عن الحق وينحرفون عنه؛ لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازورّ عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه ﴿ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ ﴾ يعني: ويريدون ليستخفوا من الله، فلا يطلع رسوله والمؤمنين على ازورارهم.
ونظير إضمار يريدون- لقود المعنى إلى إضماره- الإضمار في قوله تعالى: ﴿ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق ﴾ [الشعراء: 63] معناه فضرب فانفلق.
ومعنى ﴿ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ ويزيدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم أيضاً، كراهة لاستماع كلام الله تعالى: كقول نوح عليه السلام: ﴿ جَعَلُواْ أصابعهم فِي ءاذانهم واستغشوا ثِيَابَهُمْ ﴾ [نوح: 7] ثم قال: ﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ يعني أنه لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء، والله مطلع على ثنيهم صدورهم واستغشائهم ثيابهم، ونفاقهم غير نافق عنده.
روي أنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة وله منطق حلو وحسن سياق للحديث، فكان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم مجالسته ومحادثته، وهو يضمر خلاف ما يظهر.
وقيل: نزلت في المنافقين.
وقرئ: ﴿ تثنوني صدورهم ﴾ ، ﴿ واثنونى ﴾ من الثني، كاحلولى من الحلاوة، وهو بناء مبالغة، قرئ بالتاء والياء.
وعن ابن عباس لتثنوني.
وقرئ تثنونّ وأصله تثنونن (تفعوعل) من الثن وهو ما هش وضعف من الكلأ، يريد: مطاوعة صدورهم للثني، كما ينثني الهش من النبات.
أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم.
وقرئ: ﴿ تثنئن ﴾ من اثنأن (افعال) منه، ثم همز كما قيل: ابيأضت، وادهأمت وقرئ: ﴿ تثنوي ﴾ بوزن ترعوي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ رُجُوعُكم في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو شاذٌّ عَنِ القِياسِ.
﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى تَعْذِيبِكم أشَدَّ عَذابٍ وكَأنَّهُ تَقْدِيرٌ لِكِبَرِ اليَوْمِ.
﴿ ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ يَثْنُونَها عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، أوْ يَعْطِفُونَها عَلى الكُفْرِ وعَداوَةِ النَّبِيِّ ، أوْ يُوَلُّونَ ظُهُورَهم.
وقُرِئَ « يَثْنُونِي» بِالياءِ والتّاءِ مَنِ اثْنُونِي، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ.
و « تَثْنُونَ»، وأصْلُهُ تَثْنُونَنِ مِنَ الثِّنِّ وهو الكَلَأُ الضَّعِيفُ أرادَ بِهِ ضَعْفَ قُلُوبِهِمْ أوْ مُطاوَعَةَ صُدُورِهِمْ لِلثَّنْيِ، و « يَثْنِئْنَ» مِنَ اثْنَأنَّ كابْياضَّ بِالهَمْزَةِ و « تَثْنَوِي» .
﴿ لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ﴾ مِنَ اللَّهِ بِسِرِّهِمْ فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ.
قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إذا أرْخَيْنا سُتُورَنا واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا وطَوَيْنا صُدُورَنا عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ كَيْفَ يَعْلَمُ.
وَقِيلَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ والنِّفاقُ حَدَّثَ بِالمَدِينَةِ.
﴿ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ ﴾ ألا حِينَ يَأْوُونَ إلى فِراشِهِمْ ويَتَغَطَّوْنَ بِثِيابِهِمْ.
﴿ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ ﴾ في قُلُوبِهِمْ.
﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ بِأفْواهِهِمْ يَسْتَوِي في عِلْمِهِ سِرُّهم وعَلَنُهم فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما عَسى يُظْهِرُونَهُ.
﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ بِالأسْرارِ ذاتِ الصُّدُورِ أوْ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها.
<div class="verse-tafsir"
{أَلآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} يزورّون عن الحق وينحرون عنه لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره ومن ازور عنه وانحرف نثى عنه صدره وطوى عنه كشحه {لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} ليطلبوا الخفاء من الله فلا يطلع رسوله والمؤمنون على ازوراراهم {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} يتغطون بها أي يريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم كراهة لاستماع كلام الله كقول نوح عليه السلام جَعَلُواْ أصابعهم فى آذانهم واستغشوا ثِيَابَهُمْ {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي لا تفاوت في علمه بين إسرارهم واعلانهم فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء والله مطلع على ثنيهم صدورهم واستعشائهم ثيابهم ونفاقهم غير نافق عند قيل نزلت في المنافقين {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} بما فيها
﴿ ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ﴾ كَأنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ وذَلِكَ أنَّهُ لَما ألْقى إلَيْهِمْ ما ألْقى وسِيقَ إلَيْهِمْ ما سِيقَ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وقَعَ في ذِهْنِ السّامِعِ أنَّهم بَعْدَما سَمِعُوا مِثْلَ هَذا المَقالِ الَّذِي تَخِرُّ لَهُ صُمُّ الجِبالِ هَلْ قابَلُوهُ بِالإقْبالِ أمْ تَمادَوْا فِيما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإعْراضِ والضَّلالِ فَقِيلَ مُصَدَّرًا بِكَلِمَةِ التَّنْبِيهِ إشْعارًا بِأنَّ ما بَعْدَها مِن هَناتِهِمْ أمْرٌ يَنْبَغِي أنْ يُفْهَمَ ويُتَعَجَّبَ مِنهُ (ألا إنَّهُمْ) إلَخْ فَضَمِيرُ (إنَّهُمْ) لِلْمُشْرِكِينَ المُخاطَبِينَ فِيما تَقَدَّمَ و(يَثْنُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مُضارِعُ ثَنى الشَّيْءَ إذا لَواهُ وعَطَفَهُ ومِنهُ عَلى ما قِيلَ الِاثْنانِ لِعَطْفِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ والثَّناءُ لِعَطْفِ المَناقِبِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ وكَذا الِاسْتِثْناءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ بِالإخْراجِ وأصْلُهُ يَثْنِيُونَ فَأُعِلَّ الإعْلالَ المَعْرُوفَ في نَحْوِ يَرْمُونَ وفي المُرادِ مِنهُ احْتِمالاتٌ مِنها أنَّ الثَّنْيَ كِنايَةٌ أوْ مَجازٌ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى شَيْءٍ واجَهَهُ بِصَدْرِهِ ومَن أعْرَضَ صَرَفَهُ عَنْهُ أيْ أنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم عَنِ الحَقِّ ويَتَحَرَّفُونَ عَنْهُ والمُرادُ اسْتِمْرارُهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ (فَإنْ تَوَلَّوْا) إلَخْ ومِنها أنَّهُ مَجازٌ عَنِ الإخْفاءِ لِأنَّ ما يُجْعَلُ داخِلَ الصَّدْرِ فَهو خَفِيٌّ أيْ أنَّهم يُضْمِرُونَ الكُفْرَ والتَّوَلِّيَ عَنِ الحَقِّ وعَداوَةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومِنها أنَّهُ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ والمَعْنى أنَّهم إذا رَأوُا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَعَلُوا ذَلِكَ ووَلَّوْهُ ظُهُورَهم والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ - بِيَثْنُونَ - عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ وكَأنَّ بَعْضَهم رَأى عَدَمَ صِحَّةِ التَّعَلُّقِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ لَمّا أنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الحَقِّ لا يَصْلُحُ تَعْلِيلُهُ بِالِاسْتِخْفاءِ لِعَدَمِ السَّبَبِيَّةِ فَقَدَّرَ لِذَلِكَ مُتَعَلِّقًا فِعْلَ الإرادَةِ عَلى أنَّهُ حالٌ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ ويُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ عَلى أغْراضِهِمْ وجَعَلَهُ في قَوْدِ المَعْنى إلَيْهِ مِن قَبِيلِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ ﴾ أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ انْسِياقَ الذِّهْنِ إلى تَوْسِيطِ الإرادَةِ بَيْنَ ثَنْيِ الصُّدُورِ والِاسْتِخْفاءِ لَيْسَ بِمَثابَةِ انْسِياقِهِ إلى تَوْسِيطِ الضَّرْبِ بَيْنَ الأمْرِ والِانْفِلاقِ كَما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ القَسْطَلانِيُّ وغَيْرُهُ وقِيلَ إنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ في الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِأنَّ انْحِرافَهم عَنِ الحَقِّ بِقُلُوبِهِمْ وعَطْفَ صُدُورِهِمْ عَلى الكُفْرِ والتَّوَلِّيَ وعَداوَةَ النَّبِيِّ - وعَدَمَ إظْهارِهِمْ ذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِخْفاءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِجَهْلِهِمْ بِما لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الثّالِثِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ إلّا أنْ يُعادَ الضَّمِيرُ مِنهُ إلى الرَّسُولِ - وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَعْضِ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا إذا لَقِيَهُمُ النَّبِيُّ - تَطامَنُوا وثَنَوْا صُدُورَهم كالمُسْتَتِرِ ورَدُّوا إلَيْهِ ظُهُورَهم وغَشُوا وُجُوهَهم بِثِيابِهِمْ تَباعُدًا مِنهُ وكَراهَةً لِلِقائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِ - لَكِنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى الآتِي.
﴿ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ يَقْتَضِي عَوْدَ الضَّمِيرِ إلَيْهِ تَعالى.
واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الِاحْتِمالَ الثّانِيَ مِنَ الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثِ وأمْرُ التَّعْلِيلِ والضَّمِيرُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ وأيَّدَهُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ وكانَ رَجُلًا حُلْوَ المَنطِقِ حَسَنَ السِّياقِ لِلْحَدِيثِ يُظْهِرُ لِرَسُولِ اللَّهِ - المَحَبَّةَ ويُضْمِرُ في قَلْبِهِ ما يُضادُّها لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِما سَمِعْتَ عَنْ أبِي حَيّانَ وقِيلَ: إنَّهُ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الكُفّارِ يَدْخُلُ بَيْتَهُ ويُرْخِي سِتْرَهُ ويَحْنِي ظَهْرَهُ ويَتَغَشّى بِثَوْبِهِ ويَقُولُ: هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قَلْبِي؟
فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ كانَ أحَدُهم إذا مَرَّ بِالنَّبِيِّ - ثَنى صَدْرَهُ وتَغَشّى لِئَلّا يَراهُ وهو في مَعْنى ما تَقَدَّمَ عَنْ أبِي حَيّانَ إلّا أنَّ فِيهِ بَعْضَ الكُفّارِ دُونَ المُنافِقِينَ فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ ما أوْرَدَ عَلى هَذا مِن أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ والنِّفاقُ إنَّما حَدَثَ بِالمَدِينَةِ فَكَيْفَ يَتَسَنّى القَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؟
وقَدْ أُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالنِّفاقِ ظاهِرَهُ بَلْ ما كانَ يَصْدُرُ مِن بَعْضِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ لَهم مُداراةٌ تُشْبِهُ النِّفاقَ وقَدْ يُقالُ: إنَّ حَدِيثَ حُدُوثِ النِّفاقِ بِالمَدِينَةِ لَيْسَ إلّا غَيْرَ مُسَلَّمٍ بَلْ ظُهُورُهُ إنَّما كانَ فِيها والِامْتِيازُ إلى ثَلاثِ طَوائِفَ ثُمَّ لَوْ سَلِمَ فَلا إشْكالَ بَلْ يَكُونُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ إذا فُسِّرَ بِاليَهُودِ ويُرادُ بِهِ ما جَرى عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَمّا سَيَقَعُ وجَعَلَهُ كالواقِعِ لِتَحَقُّقِهِ وهو مِنَ الإعْجازِ لِأنَّهُ وقَعَ كَذَلِكَ فَكَذا ما نَحْنُ فِيهِ.
نَعَمِ الثّابِتُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرٍ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ يَقْرَأُ الآيَةَ فَسَألَهُ عَنْها فَقالَ: أُناسٌ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إلى السَّماءِ وأنْ يُجامِعُوا نِساءَهم فَيُفْضُوا إلى السَّماءِ فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ ولَيْسَ في الرِّواياتِ السّابِقَةِ ما يُكافِئُ هَذِهِ الرِّوايَةَ في الصِّحَّةِ وأمْرُ (يَثْنُونَ) عَلَيْها ظاهِرٌ خَلا أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ بِالأُناسِ جَماعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ كَما صَرَّحَ بِهِ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أشْكَلَ الأمْرُ وذَلِكَ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ المُسْلِمِ إذا اسْتَحْيا مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ فَلِمَ يَكْشِفُ عَوْرَتَهُ مَثَلًا في خَلْوَةٍ كانَ مَقْصُودُهُ مُجَرَّدَ إظْهارِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَحْجُبُ بَصَرَهُ حاجِبٌ ولا يَمْنَعُ عِلْمَهُ شَيْءٌ ومِثْلُ هَذا الحَياءِ أمْرٌ لا يَكادُ يَذُمُّهُ أحَدٌ بَلْ في الآثارِ ما هو صَرِيحٌ في الأمْرِ بِهِ وهو شِعارُ كَثِيرٍ مِن كِبارِ الأُمَّةِ والقَوْلُ بِأنَّ اسْتِحْياءَ أُولَئِكَ المُسْلِمِينَ كانَ مَقْرُونًا بِالجَهْلِ بِصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَظَنُّوا أنَّ الثَّنْيَ يُحْجَبُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِما رَدَّ لا أظُنُّكَ تَقْبَلُهُ وبِالجُمْلَةِ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الرِّواياتِ لا يَخْلُو عَنْ إشْكالٍ ولا يَكادُ يَنْدَفِعُ بِسَلامَةِ الأمْرِ والَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ ويَسْتَدْعِيهِ رَبْطُ الآياتِ كَوْنُ الآيَةِ في المُشْرِكِينَ حَسْبَما تَقَدَّمَ فَتَدَبَّرْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وقَرَأ الحَبْرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما (تَثْنُونِي) بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ وبِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وهو مُضارِعُ اثْنُونِيَ كاحْلَوْلى فَوَزْنَهُ تَفْعَوْعَلَ بِتَكْرِيرِ العَيْنِ وهو مِن أبْنِيَةِ المَزِيدِ المَوْضُوعَةِ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّهُ يُقالُ: حَلى فَإذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ قِيلَ احْلَوْلى وهو لازِمٌ فَصُدُورُهم فاعِلُهُ ويُرادُ مِنهُ ما أُرِيدَ مِنَ المَعانِي في قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا أنَّ المُبالَغَةَ مَلْحُوظَةٌ في ذَلِكَ فَيُقالُ: المَعْنى مَثَلًا تَنْحَرِفُ صُدُورُهُمُ انْحِرافًا بَلِيغًا.
وعَنِ الحَبْرِ أيْضًا وعُرْوَةَ وغَيْرِهِما أنَّهم قَرَأُوا (تَثْنُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ وسُكُونِ الثّاءِ وفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الواوِ وتَشْدِيدِ النُّونِ الأخِيرَةِ والأصْلُ تَثْنُونَنِ بِوَزْنِ تَفْعَوْعَلَ مِنَ الثِّنِّ بِكَسْرِ الثّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ وهو ما هَشَّ وضَعُفَ مِنَ الكَلَأِ أنْشَدَ أبُو زَيْدٍ: يا أيُّها المُفَضَّلُ المَعْنِيُّ إنَّكَ رَيّانُ فَصُمْتَ عَنِّي تَكْفِي اللَّقُوحَ أكْلَةٌ مِن ثِنِّ ولَزِمَ الإدْغامُ لِتَكْرِيرِ العَيْنِ إذا كانَ غَيْرَ مُلْحَقٍ و ﴿ صُدُورَهُمْ ﴾ عَلى هَذِهِ مَرْفُوعٌ أيْضًا عَلى الفاعِلِيَّةِ والمَعْنى عَلى وصْفِ قُلُوبِهِمْ بِالسَّخافَةِ والضَّعْفِ كَذَلِكَ النَّبْتُ الضَّعِيفُ فالصُّدُورُ مَجازٌ عَما فِيها مِنَ القُلُوبِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُطاوِعَ ثَناهُ فَإنَّهُ يُقالُ: ثَناهُ فانْثَنى واثْنُونِي كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ فَقالَ: وافْعَوْعَلَ لِلْمُبالَغَةِ وقَدْ يُوافِقُ اسْتَفْعَلَ ويُطاوِعُ فِعْلٌ ومَثَّلُوهُ بِهَذا الفِعْلِ فالمَعْنى أنَّ صُدُورَهم قَبِلَتِ الثَّنْيَ ويُؤَوَّلُ إلى مَعْنى انْحَرَفَتْ كَما فَسَّرَ بِهِ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ وكَذا عُرْوَةُ الأعْشى أنَّهُ قَرَأ (تَثْنَئِنُّ) كَتَطْمَئِنُّ وأصْلُهُ يَثْنانُ فَقُلِبَتِ الألِفُ هَمْزَةً مَكْسُورَةً رَغْبَةً في عَدَمِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وإنْ كانَ عَلى حَدِّهِ ويُقالُ في ماضِيهِ اثْنَأنَّ كاحْمَأرَّ وابْيَأضَّ وقِيلَ: أصْلُهُ تَثْنُونَ بِواوٍ مَكْسُورَةٍ فاسْتُثْقِلَتِ الكَسْرَةُ عَلى الواوِ فَقُلِبَتْ هَمْزَةً كَما قِيلَ في وِشاحٍ إشاحٌ وفي وِسادَةٍ إسادَةٌ فَوَزْنُهُ عَلى هَذا تَفَوْعَلَ وعَلى الأوَّلِ تَفْعالَ ورُجِّحَ بِاطِّرادِهِ وهو مِنَ الثِّنِّ الكَلَأِ الضَّعِيفِ أيْضًا وقُرِئَ (تَثْنَوِي) كَتَرْعَوِي ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وغَلَطَ النَّقْلُ بِأنَّهُ لا حَظَّ لِلْواوِ في هَذا الفِعْلِ إذْ لا يُقالُ: ثَنَوْتُهُ فانْثَوى كَرَعَوْتُهُ فارْعَوى ووَزْنُ ارْعَوى مِن غَرِيبِ الأوْزانِ وفي الصِّحاحِ تَقْدِيرُهُ افْعَوَلَ ووَزْنُهُ افْعَلَلَّ وإنَّما لَمْ يُدْغَمْ لِسُكُونِ الياءِ وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ وقُرِئَ بِغَيْرِ ذَلِكَ وأوْصَلَ بَعْضُهُمُ القِراءاتِ إلى ثَلاثَ عَشْرَةَ وفَصَّلَها في الدُّرِّ المَصُونِ ومِن غَرِيبِها أنَّهُ قُرِئَ يُثْنُونَ بِالضَّمِّ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ بِأنَّهُ لا يُقالُ: أثْنَيْتُهُ بِمَعْنى ثَنَيْتُهُ ولَمْ يُسْمَعْ في غَيْرِ هَذِهِ القِراءَةِ وقالَ أبُو البَقاءِ: لا يُعْرَفُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ إلّا أنْ يُقالَ: مَعْناهُ عَرَّضُوها لِلِانْثِناءِ كَما تَقُولُ: أبِعْتَ الفَرَسَ إذا عَرَضْتَهُ لِلْبَيْعِ ﴿ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ ﴾ أيْ يَجْعَلُونَها أغْشِيَةً ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أرْعى النُّجُومَ وما كُلِّفْتُ رَعِيَّتَها ∗∗∗ وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطَمارِي وحاصِلُهُ حِينَ يَأْوُونَ إلى فِراشِهِمْ ويَلْتَحِفُونَ بِما يَلْتَحِفُ بِهِ النّائِمُ وهو وقْتٌ كَثِيرًا ما يَقَعُ فِيهِ حَدِيثُ النَّفْسِ عادَةً، وعَنِ ابْنِ شَدّادٍ حِينَ يَتَغَطَّوْنَ بِثِيابِهِمْ لِلِاسْتِخْفاءِ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ مِنَ الثِّيابِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ اللَّيْلُ وهو يَسْتُرُ كَما تَسْتُرُ الثِّيابُ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمُ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَعْلَمُ ﴾ أيْ ألا يَعْلَمُ ﴿ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَقْيِيدُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ الوَقْتِ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ فِيهِ يَعْلَمُ في غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ وقَدَّرَهُ السَّمِينُ وأبُو البَقاءِ يَسْتَخْفُونَ وبَعْضُهم يُرِيدُونَ و(ما) في المَوْضِعَيْنِ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ عائِدُها مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي يُسِرُّونَهُ في قُلُوبِهِمْ والَّذِي يُعْلِنُونَهُ أيَّ شَيْءٍ كانَ ويَدْخُلُ ما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا وخَصَّهُ بَعْضُهم بِهِ وقُدِّمَ هُنا السِّرُّ عَلى العَلَنِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ ما صَنَعُوا وإيذانًا بِافْتِضاحِهِمْ ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ وتَحْقِيقًا لِلْمُساواةِ بَيْنَ العِلْمَيْنِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَكَأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَمُ مِنهُ بِما يُعْلِنُونَهُ وحاصِلُ المَعْنى يَسْتَوِي بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ سِرَّهم وعَلَنَهم فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ما عَسى أنْ يُظْهِرُوهُ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (عَلى حِينِ يَسْتَغْشُونَ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ النّابِغَةِ: عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ وتَقْرِيرٌ لَهُ والمُرادُ - بِذاتِ الصُّدُورِ - الأسْرارُ المُسْتَكِنَّةُ فِيها أوِ القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَتِ الذّاتُ مُقْحَمَةً كَما في ذاتِ غَدْوَةٍ ولا مِن إضافَةِ المُسَمّى إلى اسْمِهِ كَما تُوُهِّمَ أيْ أنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في الإحاطَةِ بِمُضْمَراتِ جَمِيعِ النّاسِ وأسْرارِهِمْ أوْ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سِرٌّ مِن أسْرارِها فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ وكانَ التَّعْبِيرُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ عالِمًا بِذَلِكَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ وُجُودِها الخارِجِيِّ وهَذا مِمّا لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ سِوى شِرْذِمَةٍ مِنَ المُعْتَزِلَةِ قالُوا: إنَّهُ تَعالى إنَّما يَعْلَمُ الأشْياءَ بَعْدَ حُدُوثِها تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ولا يَلْزَمُ هَذا بَعْضَ المُتَكَلِّمِينَ المُنْكِرِينَ لِلْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ لِأنَّهم إذا لَمْ يَقُولُوا بِهِ مَعَ إنْكارِ الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ يَلْزَمُهُمُ القَوْلُ بِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِالمَعْدُومِ الصِّرْفِ وامْتِناعِهِ مِن أجْلِ البَدِيهِيّاتِ والإنْكارُ مُكابَرَةٌ أوْ جَهْلٌ بِمَعْنى التَّعَلُّقِ بِالمَعْدُومِ الصِّرْفِ وقَدْ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ المُحَقِّقُ الدَّوانِيُّ وهو ناشِئٌ عَلى ما قِيلَ عَنِ الذُّهُولِ عَنْ مَعْنى إنْكارِ الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ وبَعْدَ تَحْقِيقِ المُرادِ مِنهُ يَنْدَفِعُ ذَلِكَ وبَيانُهُ أنَّهُ لَيْسَ مَعْنى إنْكارِهِمْ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ صُورَةٌ عِنْدَ العَقْلِ إذا تَصَوَّرْنا شَيْئًا أوْ صَدَّقْنا بِهِ لِأنَّ حُصُولَها عِنْدَهُ في الواقِعِ بَدِيهِيٌّ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ وكَيْفَ يُنْكِرُهُ الجُمْهُورُ والعِلْمُ الحادِثُ مَخْلُوقٌ عِنْدَهم والخَلْقُ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِأعْيانِ المَوْجُوداتِ بَلْ هو بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الحُصُولَ لَيْسَ نَحْوًا آخَرَ مِن وُجُودِ الماهِيَّةِ المَعْلُومَةِ بِأنْ يَكُونَ لِماهِيَّةٍ واحِدَةٍ كالشَّمْسِ مَثَلًا وُجُودانِ أحَدُهُما خارِجِيٌّ والآخَرُ ذِهْنِيٌّ كَما يَقُولُ بِهِ مُثْبِتُوهُ فَهم لا يُنْكِرُونَ الوُجُودَ عَنْ صُوَرِ الأشْياءِ وأشْباحِها وهي مَوْجُوداتٌ خارِجِيَّةٌ وكَيْفِيّاتٌ نَفْسانِيَّةٌ وهي المَخْلُوقَةُ عِنْدَهم وإنَّما يُنْكِرُونَ الوُجُودَ الذِّهْنِيَّ عَنْ أنْفُسِ تِلْكَ الأشْياءِ وذَلِكَ بِشَهادَةِ أدِلَّتِهِمْ حَيْثُ قالُوا: لَوْ حَصَلَتِ النّارُ في الأذْهانِ لاحْتَرَقَتِ الأذْهانُ بِتَصَوُّرِها واللّازِمُ باطِلٌ فَإنَّهُ كَما تَرى إنَّما يَنْفِي الوُجُودَ عَنْ نَفْسِ النّارِ لا عَنْ شَبَحِها ومِثالِها، فالحَقُّ أنَّ الجُمْهُورَ إنَّما أنْكَرُوا ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَقِّقُو الحُكَماءِ مِن أنَّ الحاصِلَ في الأذْهانِ أنْفُسُ ماهِيّاتِ الأشْياءِ ولَمْ يُنْكِرُوا ما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الأشْباحُ وحِينَئِذٍ يُقالُ: عِلْمُ الواجِبِ عِنْدَهم إما تَعَلُّقُهُ بِأشْباحِ الأشْياءِ أوْ صِفَةُ ذاتِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ فَلا يَلْزَمُهُمُ القَوْلُ بِما قالَهُ الشِّرْذِمَةُ ولا يَتَّجِهُ عَلَيْهِمْ أنَّ التَّعَلُّقَ بِتِلْكَ الأشْباحِ المَوْجُودَةِ في الأزَلِ لِكَوْنِهِ نِسْبَةً بَيْنِها وبَيْنَهُ تَعالى مُتَأخِّرٌ عَنْها فَيَلْزَمُ إيجادُ تِلْكَ الأشْباحِ بِلا عِلْمٍ وهو مُحالٌ لِأنّا نَقُولُ لَمّا كانَ الواجِبُ (1) تَعالى مُوجِبًا في عِلْمِهِ وسائِرِ صِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ كانَ وُجُودُ تِلْكَ الصُّوَرِ الإدْراكِيَّةِ الَّتِي هي تِلْكَ الأشْباحُ مُقْتَضى ذاتِهِ تَعالى فَلا بَأْسَ في كَوْنِها سابِقَةً عَلى العِلْمِ بِالذّاتِ وإنَّما المَسْبُوقُ بِالعِلْمِ هو أفْعالُهُ الِاخْتِيارِيَّةُ ثُمَّ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ عِلْمَ الواجِبِ تَبارَكَ وتَعالى بِالأشْياءِ أزَلِيٌّ وتَعَلُّقَهُ بِها حادِثٌ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ إلّا تَعَلُّقٌ حادِثٌ لِأنَّهُ يَلْزَمُ حُدُوثُ نَفْسِ العِلْمِ فَيَعُودُ ما ارْتَكَبَهُ الشِّرْذِمَةُ لِلْقَطْعِ بِأنَّهُ لا يَصِيرُ المَعْلُومُ مَعْلُومًا قَبْلَ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِهِ وهو مِنَ الفَسادِ بِمَكانٍ بَلْ مَعْناهُ أنَّ التَّعَلُّقَ الَّذِي لا تَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ العِلْمِ حادِثٌ وهُناكَ تَعَلُّقٌ تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ وهو قَدِيمٌ وذَلِكَ لِأنَّ الأشْباحَ والأمْثالَ مَعْلُومَةٌ بِالذّاتِ وبِواسِطَتِها تُعْلَمُ الأشْياءُ فَتَعَلُّقُ العِلْمِ عِنْدَهم أعَمُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِذاتِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ أوْ بِمِثالِهِ وشَبَحِهِ ولَمّا لَمْ يَكُنْ وُجُودٌ الحَوادِثِ في الأزَلِ كانَ العِلْمُ المُمْكِنُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها بِالتَّعَلُّقِ بِأمْثالِها وأشْباحِها وبَعْدَ حُدُوثِها يَتَجَدَّدُ التَّعَلُّقُ بِأنْ يَكُونَ بِذاتِ تِلْكَ الحَوادِثِ وبِالجُمْلَةِ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِأمْثالِ الحَوادِثِ وأشْباحِها أزَلِيٌّ وبِأنْفُسِها وذَواتِها حادِثٌ ولا إشْكالَ فِيهِ أصْلًا وبِهَذا التَّحْقِيقِ يَنْدَفِعُ شُبَهاتٌ كَثِيرَةٌ كَما قِيلَ لَكِنْ أوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ بُرْهانَ التَّطْبِيقِ جارٍ في هاتِيكَ الأشْباحِ لَمّا أنَّها مُتَمَيِّزَةُ الآحادِ في نَفْسِ الأمْرِ فَيَلْزَمُ أحَدُ المَحْذُورَيْنِ وفِي المَقامِ أبْحاثٌ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ وقَدْ بَسَّطَ الكَلامَ في ذَلِكَ مَوْلانا إسْماعِيلُ أفَنْدِيٍّ الكَلْنَبَوِيُّ في حَواشِيهِ عَلى شَرْحِ العَضُدِيَّةِ ولِلْمَوْلى الشَّيْخِ إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ تَحْقِيقٌ عَلى طَرْزٍ آخَرَ ذَكَرَهُ في كِتابِهِ مَطْلَعِ الجُودِ فارْجِعْ إلَيْهِ، وبِالجُمْلَةِ لا تَخْفى صُعُوبَةُ هَذِهِ المَسْألَةِ وهي مِمّا زَلَّتْ فِيها أقْدامُ أقْوامٍ ولَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْزُقُكَ تَحْقِيقَها بِمَنِّهِ سُبْحانَهُ وقَدْ قالَ بِهِ أفْضَلُ المُتَأخِّرِينَ مَوْلانا إسْماعِيلُ أفَنْدِيٍّ الكَلْنَبَوِيُّ تَمَّ الجُزْءُ الحادِيَ عَشَرَ بِحَوَلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ ويَلِيهِ الجُزْءُ الثّانِيَ عَشَرَ وأوَّلُهُ (وما مِن دابَّةٍ 12) <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ قال الكلبي: يقول: يكتمون مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ العداوة لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ يعني: ليستروا ذلك منه أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يعني: يلبسون ثيابهم، يعني: حين يُغشي الرجل نفسه بثيابه، يعني: ما تحت ثيابه، ويَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ من العداوة، وَما يُعْلِنُونَ بألسنتهم.
قال الكلبي: نزلت في شأن أخنس بن شريق.
وقال مقاتل: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ يعني: يلوون.
وذلك أن كفار مكة كانوا إذا سمعوا القرآن، نكسوا رؤوسهم على صدورهم، كراهية استماع القرآن، لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ يعني: من النبيّ .
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: أخفى ما يكون للإنسان إذا أسر في نفسه شيئا، ويغطى بثوبه، فذلك أخفى ما يكون والله تعالى مطلع على ما في نفوسهم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: ما في قلوب العباد من الخير والشر.
قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها يعني: إلا الله القائم على رزقها.
ويقال: الله ضامن لرزقها.
ويقال: يرزقها الله حيث ما تَوَجَّهَتْ.
وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها يعني: يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها حيث تأوي بالليل، وَمُسْتَوْدَعَها حيث تموت وتدفن.
وروي عن عبد الله بن مسعود، قال: «مستقرها الأرحام، ومستودعها الأرض التي تموت فيها» .
وقال عبد الله: «إذا كان الرجل بأرض وقد دنا أجله عرضت له الحاجة، حتى إذا كان عند انقضاء أجله قبض، فتقول الأرض يوم القيامة: هذا ما استودعتني» .
وقال سعيد بن جبير، ومجاهد: المستقر الرحم، والمستودع الأصلاب.
كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ يعني: المستقر، والمستودع، وبيان كل شيء، ورزق كل دابة، مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو خلق من درة بيضاء.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أي: أتْقِنَتْ وأجيدَتْ، وبهذه الصفة كان القرآن في الأزَل، ثم فُصِّل بتقطيعه، وتَبْيين أحكامه وأوامره علَى محمَّد نبيه عليه السلام في أزمنةٍ مختلفةٍ ف «ثُمَّ» على بابها، / فالإِحْكَامُ صفةٌ ذاتية، والتفصيلُ إِنما هو بحسب من يفصَّل له، والكتابُ بأَجمعه محكَمٌ ومفَصَّل، والإِحْكَام الذي هو ضدُّ النَّسْخ، والتفصيلُ الذي هو خلافُ الإِجمال، إِنما يقالان مع ما ذَكَرناه باشتراك.
قال ص: ثُمَّ فُصِّلَتْ: «ثُمَّ» لترتيب الأخبار لا لترتيب الوقوع في الزمان، ولَدُنْ بمعنى: «عند» .
انتهى.
قال الداوديّ: وعن الحسن: أُحْكِمَتْ آياتُهُ: قَالَ: أحكمت بالأَمْرِ والنهْي، ثم فُصِّلَتْ بالوعْدِ والوعيدِ، وعنه: فُصِّلَتْ بالثوابِ والعقابِ.
انتهى.
وقدَّم النذير لأن التَّحذيرَ من النَّار هو الأهمُّ.
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، أي: اطلبوا مغفرتَهُ وذلك بطلب دُخُولكم في الإِسلام، ثُمَّ تُوبُوا من الكُفْرِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً، ووصف المَتَاع بالحُسْنِ لطيب عيش المؤمن برجائِهِ في ثوابِ ربِّه، وفَرَحِهِ بالتقرُّب إِليه بأَداء مفتَرَضَاته، والسرورِ بمواعيِدِه سُبْحانه، والكافِرُ ليس في شيء مِنْ هذا، وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ، أي:
كلَّ ذي إِحسان فَضْلَهُ، فيحتملُ أنْ يعود الضميرُ من «فَضْلِهِ» على «ذي فضل» أي:
ثوابَ فَضْلِهِ، ويحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، أي: يؤتى اللَّه فضله كلَّ ذي فضلٍ وعملٍ صالحٍ من المؤمنين، ونَحْو هذا المعنى ما وعد به سبحانَهُ مِنْ تضعيف الحسنَاتِ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ، أي: فقُلْ: إِني أخافُ عليكم عذابَ يوم كبيرٍ، وهو يومُ القيامة.
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨)
وقوله سبحانه: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ...
الآية: قيل: إِن هذه الآية نزلَتْ في الكفَّار الذين كانوا إذا لقيهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تَطَامَنُوا وَثَنَوْا صُدُورهم كالمتستِّر، ورَدُّوا إِليه ظهورَهُم، وغَشُوا وجوهَهُمْ بثيابهم، تباعداً منهم، وكراهيةً للقائه، وهم يَظُنُّون أنَّ ذلك يخفَى عليه، أوْ عن اللَّه عزَّ وجلَّ، وقيل: هي استعارة للْغِلِّ والحِقْدِ الذي كانوا يَنْطَوُونَ
عليه، فمعنى الآية: أَلاَ إِنهم يُسِرُّون العداوةَ، ويَتَكَتَّمون بها، لِتَخْفى في ظَنِّهِم عن اللَّه وهو سبحانه حينَ تغشِّيهم بثيابهم، وإِبلاغِهِم في التستّر، يعلم ما يسرّون، ويَسْتَغْشُونَ
: معناه يجعلونها أغشيةً وأغطيةً.
قال ص: قرأ «١» الجمهور: «يَثْنُونَ» - بفتح الياء- مضارع ثَنَى الشَّيْءَ ثَنْياً:
طَوَاهُ.
انتهى، وقرأ ابن عبَّاس «٢» وجماعة: «تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ» - بالرفْعِ- على وزن «تَفْعَوْعِلُ» ، وهي تحتملُ المعنيين المتقدِّمين، وحكى الطبريُّ عن ابن عبَّاس على هذه القراءة.
أنَّ هذه الآية نزَلَتْ في قومٍ كانوا لا يأتون النساءَ والحَدَثَ إِلاَّ ويستَغْشُونَ ثيابهم كراهيةَ أنْ يُفْضُوا بفروجهم إِلى السماء «٣» .
وقوله عزَّ وجلَّ: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ...
الآية، المرادُ جميعُ الحيوانِ المحتاجِ إِلى رزْقٍ، والمستقر: صُلْب الأبِ، و «المستودَعُ» : بَطْن الأُمِّ، وقيل غير هذا، وقد تقدَّم.
وقوله: فِي كِتابٍ: إِشارةٌ إِلى اللوح المحفوظ.
قال ص: لِيَبْلُوَكُمْ اللام متعلِّقة ب «خَلَقَ» وقيل: بفعلٍ محذوفٍ، أي: أَعْلَمَ بذلك لَيَبْلُوَكُمْ، انتهى.
وَلَئِنْ قُلْتَ: اللام في «لَئِنْ» : مُؤذنةٌ بأَنَّ اللام في لَيَقُولَنَّ لامُ قسم، لا جوابِ شرطٍ، وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ تناقُضٌ منهم لأنهم مقرُّونَ بأن اللَّه خلق السموات والأرض، وهم مع ذلك ينكرون ما هو أيْسَرُ من ذلك، وهو البَعْثُ مِنَ القبورِ، وإِذْ خَلْقُ السموات والأرضِ، أكْبَرُ من خلق الناس.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وكانَ يُجالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ويَحْلِفُ إنَّهُ لِيُحِبُّهُ، ويُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ لَهُ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يُفْضُوا إلى السَّماءِ في الخَلاءِ ومُجامَعَةِ النِّساءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبّادٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في بَعْضِ المُنافِقِينَ، كانَ إذا مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ، ثَنى صَدْرَهُ وظَهْرَهُ وطَأْطَأ رَأْسَهُ وغَطّى وجْهَهُ لِئَلّا يَراهُ رَسُولُ اللَّهِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ.
والرّابِعُ: أنَّ طائِفَةً مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا وأرْخَيْنا سُتُورَنا واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا وثَنَيْنا صُدُورَنا عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ، كَيْفَ يَعْلَمُ بِنا، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَمّا كَتَمُوا، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا لِشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ إذا سَمِعُوا مِنهُ القُرْآنَ حَنَوْا صُدُورَهم، ونَكَّسُوا رُؤُوسَهم، وتَغَشَّوْا ثِيابَهم لِيَبْعُدَ عَنْهم صَوْتُ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَدْخُلُ أسْماعَهم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ يُقالُ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ إذا عَطَفْتَهَ وطَوَيْتَهَ.
وفي مَعْنى الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَكْتُمُونَ ما فِيها مِنَ العَداوَةِ لِمُحَمَّدٍ ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَثْنُونَ صُدُورَهم عَلى الكُفْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: يُحْنُونَها لِئَلّا يَسْمَعُوا كِتابَ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: يَثْنُونَها إذا ناجى بَعْضُهم بَعْضًا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: يَثْنُونَها حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو يَخْرُجُ عَلى ما حَكَيْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها " ألا إنَّهم تَثْنَوْنِي صُدُورُهم " وفَسَّرَها أنَّ ناسًا كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يُفْضُوا إلى السَّماءِ في الخَلاءِ ومُجامَعَةِ النِّساءِ.
فَتَثْنَوْنِي: تَفْعَوْعِلُ، وهو فِعْلٌ لِلصُّدُورِ، مَعْناهُ: المُبالَغَةُ في تَثَنِّي الصُّدُورِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: احْلَوْلى الشَّيْءُ، يَحْلَوْلِي: إذا بالَغُوا في وصْفِهِ بِالحَلاوَةِ، قالَ عَنْتَرَةُ ألا قاتَلَ اللَّهُ الطُّلُولَ البَوالِيا وقاتَلَ ذِكْراكَ السِّنِينَ الخَوالِيا ∗∗∗ وَقَوْلَكَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا تَنالُهُ ∗∗∗ إذا ما هو احْلَوْلى ألا لَيْتَ ذا لِيا فَعَلى هَذا القَوْلِ، هو في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وعَلى بَقِيَّةِ الأقْوالِ، هو في حَقِّ المُنافِقِينَ.
وقَدْ خَرَجَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ في مَعْنى ﴿ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الصُّدُورِ.
والثّانِي: أنَّهُ كِتْمانُ ما فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ﴾ في هاءِ " مِنهُ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: إلى رَسُولِ اللَّهِ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تُدْخِلُ " ألا " تَوْكِيدًا وإيجابًا وتَنْبِيهًا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ ﴾ أيْ: يَتَغَشَّوْنَها ويَسْتَتِرُونَ بِها.
قالَ قَتادَةُ: أخْفى ما يَكُونُ ابْنُ آدَمَ، إذا حَنى ظَهْرَهُ، واسْتَغْشى ثِيابَهُ، وأضْمَرَ هَمَّهُ في نَفْسِهِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ يَعْلَمُ سَرائِرَهم كَما يَعْلَمُ مُظْهَراتِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في (آلِ عِمْرانَ:١١٩) .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا إذا لَقِيَهم رَسُولُ اللهِ تَطامَنُوا وثَنَوْا صُدُورَهم كالمُسْتَتِرِ، ورَدُّوا إلَيْهِ ظُهُورَهُمْ، وغَشَوْا وُجُوهَهم بِثِيابِهِمْ تَباعُدًا مِنهُ وكَراهَةً لِلِقائِهِ، وهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلَيْهِ وعَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
و"صُدُورَهُمْ" مَنصُوبَةٌ -عَلى هَذا- بِـ "يَثْنُونَ".
وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ لِلْغِلِّ والحِقْدِ الَّذِي كانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: "فُلانٌ يَطْوِي كُشْحَهُ عَلى عَداوَتِهِ، ويَثْنِي صَدْرَهُ عَلَيْها".
فَمَعْنى الآيَةِ: ألا إنَّهم يُسِرُّونَ العَداوَةَ ويَتَكَتَّمُونَ بِها لِتَخْفى -فِي ظَنِّهِمْ- عَنِ اللهِ، وهو تَعالى -حِينَ تَغَشِّيهِمْ وإبْلاغِهِمْ في التَسَتُّرِ- يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "يُثْنُونَ" بِضَمِّ الياءِ والنُونِ، مِن أثْنى.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "لَيَثْنُونَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبَزى، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ رَزِينٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ويَزِيدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو الأسْوَدِ، والضَحّاكُ: "تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ" بِرَفْعِ الصُدُورِ، وهي تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في "يَثْنُونَ"، وزْنُها تَفْعَوْعِلُ عَلى بِناءِ مُبالِغَةٍ لِتَكْرارِ الأمْرِ، كَما تَقُولُ: اعْشَوْشَبَتِ الأرْضُ، واحْلَوْلَتِ الدُنْيا، ونَحْوَ ذَلِكَ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أنَّ قَوْمًا كانُوا لا يَأْتُونَ النِساءَ والحَدَثَ إلّا ويَتَغَشَّوْنَ ثِيابَهم كَراهِيَةَ أنْ يَفُضُوا بِفُرُوجِهِمْ إلى السَماءِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِيما رَوى ابْنُ عُيَيْنَةَ-: "تَثْنَوِي" بِتَقْدِيمِ الثاءِ عَلى النُونِ وبِغَيْرِ نُونٍ بَعْدَ الواوِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هَذِهِ القِراءَةُ غَلَطٌ لا تَتَّجِهُ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "تَثْنَوِي" بِتَقْدِيمِ النُونِ عَلى الثاءِ، وقَرَأ عُرْوَةُ، وابْنُ أبِي أبْزى، والأعْشى: "تَثْنَوِنِّ" بِثاءٍ مُثَلَّثَةٍ بَعْدَها نُونٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَها واوٌ مَكْسُورَةٌ، وقَرَآ أيْضًا هُما ومُجاهِدٌ فِيما رُوِيَ عنهُ: "تَثْنَئِنُّ" بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الواوِ، وهاتانِ مُشْتَقَّتانِ مِنَ "الثِنِّ" وهي العُشْبُ المُثْنِي بِسُهُولَةٍ، فَشَبَّهَ صُدُورَهم بِهِ إذْ هي مُجِيبَةٌ إلى هَذا الِانْطِواءِ عَلى المَكْرِ والخُدَعِ.
وأصْلُ "تَثْنَوِنَّ": "تَثْنَوْنِنْ"، سُكِّنَتِ النُونُ المَكْسُورَةُ، ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الواوِ الَّتِي قَبْلَها، وأُدْغِمَتْ في النُونِ الَّتِي بَعْدَها.
وأمّا "تَثْنَئِنُّ" فَأصْلُها: "تَثْنانَّ" مِثْلُ "تَحْمارَّ"، ثُمَّ قالُوا: "اثْنَأنَّ" كَما قالُوا: احْمَأرَّ وابْيَأضَّ.
والضَمِيرُ في "مِنهُ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، هَذا هو الأفْصَحُ الأجْزَلُ في المَعْنى، وَعَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ يُمْكِنُ أنْ يَعُودَ عَلى مُحَمَّدٍ ، و"يَسْتَغْشُونَ" مَعْناهُ: يَجْعَلُونَها أغْشِيَةً وأغْطِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: أرْعى النُجُومَ وما كُلِّفْتُ رَعْيَتَها ∗∗∗ وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطْمارِي وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "عَلى حِينَ يَسْتَغْشُونَ"، ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ النابِغَةِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ و"ذاتُ الصُدُورِ": ما فِيها، والذاتُ تَتَصَرَّفُ في الكَلامِ عَلى وُجُوهٍ هَذا أحَدُها: كَقَوْلِ العَرَبِ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، أيْ بِالَّذِي فِيهِ مِنَ النَفْخِ، وكَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّما هو ذُو بَطْنٍ خارِجَةٍ "، والذاتُ الَّتِي هي حَقِيقَةُ الشَيْءِ ونَفْسُهُ قَلِقَةٌ في هَذا المَوْضِعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ "ذِي بَطْنِهِ" وبَيْنَ "الذاتِ"، وإنَّما يَجْمَعُهُ بَيْنَهُما المَعْنى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مِن دابَّةٍ ﴾ ...
الآيَةُ، تَمادٍ في وصْفِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِنَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ .
والدابَّةُ: ما دَبَّ مِنَ الحَيَوانِ، والمُرادُ جَمِيعُ الحَيَوانِ الَّذِي يَحْتاجُ إلى رِزْقٍ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الطائِرُ والهَوامُّ وغَيْرُ ذَلِكَ، كُلُّها دَوابُّ.
وقَدْ قالَ الأعْشى: نِيافٌ كَغُصْنِ البانِ تَرْتَجُّ إنْ مَشَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ دَبِيبَ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلِ وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عُبَيْدَةَ لِطَيْرٍ: .........................
∗∗∗ ∗∗∗ لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ وفِي حَدِيثِ أبِي عُبَيْدَةَ: « "فَإذا دابَّةٌ مِثْلَ الظَرْبِ"،» يُرِيدُ: مِن حَيَوانِ البَحْرِ، وتَخْصِيصُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ إنَّما هو لِأنَّهُ الأقْرَبُ لِحِسِّهِمْ: والطائِرُ والعائِمُ إنَّما هو في الأرْضِ، وما ماتَ مِنَ الحَيَوانِ قَبْلَ أنْ يَتَغَذّى فَقَدِ اغْتَذى في بَطْنِ أُمِّهِ بِوَجْهٍ ما.
وهَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي أنَّ الرِزْقَ: كُلُّ ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: "إنَّهُ الحَلالُ المُتَمَلَّكُ".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى اللهِ ﴾ إيجابُ تَفَضُّلٍ لِأنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَقْلًا.
والمُسْتَقَرُّ: صُلْبُ الأبِ: والمُسْتَوْدَعُ: بَطْنُ الأُمِّ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ: المَأْوى، والمُسْتَوْدَعُ: القَبْرُ، وهُما -عَلى هَذا- ظَرْفانِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ: ما حَصَلَ مَوْجُودًا مِنَ الحَيَوانِ، والمُسْتَوْدَعُ: ما يُوجَدُ بَعْدُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمُسْتَقَرُّ -عَلى هَذا- مَصْدَرُ اسْتَقَرَّ، ولَيْسَ بِمَفْعُولٍ كَمُسْتَوْدَعٍ، لِأنَّ اسْتَقَرَّ لا يَتَعَدّى.
وقَوْلُهُ: ﴿ فِي كِتابٍ ﴾ إشارَةٌ إلى اللَوْحِ المَحْفُوظِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: هَذا مَجازٌ، وهي إشارَةٌ إلى عِلْمِ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وحَمْلُهُ عَلى الظاهِرِ أولى.
<div class="verse-tafsir"
حُول أسلوب الكلام عن مخاطبة النبي عليه الصلاة والسلام بما أمر بتبليغه إلى إعلامه بحال من أحوال الذين أمر بالتبليغ إليهم في جهلهم بإحاطة علم الله تعالى بكل حال من الكائنات من الذوات والأعمال ظاهرها وخفيها، فقدم لذلك إبطال وهَم من أوْهام أهل الشرك أنهم في مكنة من إخفاء بعض أحوالهم عن الله تعالى، فكان قوله: ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ﴾ إلخ تمهيداً لقوله: ﴿ يعلم ما يسرّون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ﴾ ، جمعاً بين إخبارهم بإحاطة علم الله بالأشياء وبين إبطال توهماتهم وجهلهم بصفات الله.
وقد نشأ هذا الكلام عن قوله تعالى: ﴿ إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير ﴾ [هود: 4] لمناسبة أن المرجوع إليه لما كان موصوفاً بتمام القدرة على كل شيء هو أيضاً موصوف بإحاطة علمه بكل شيء للتلازم بين تمام القدرة وتمام العلم.
وافتتاح الكلام بحرف التنبيه ﴿ ألا ﴾ للاهتمام بمضمونه لغرابة أمرهم المحكي وللعناية بتعليم إحاطة علم الله تعالى.
وضمائر الجماعة الغائبين عائدة إلى المشركين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإبلاغ إليهم في قوله: ﴿ أنْ لا تعبدوا إلا الله ﴾ [هود: 2] وليس بالتفات.
وضمائر الغيبة للمفرد عائدة إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ [هود: 4].
والثّنْي: الطّيُّ، وأصل اشتقاقه من اسم الاثنين.
يقال: ثَنَاه بالتخفيف، إذا جعله ثانياً، يقال: هذا وَاحد فاثْنِه، أي كن ثانياً له، فالذي يطوي الشيء يجعل أحد طاقيه ثانياً للذي قبلَه؛ فثنيُ الصدور: إمالتها وحَنيها تشبيهاً بالطي.
ومعنى ذلك الطأطأة.
وهذا الكلام يحتمل الإجراءَ على حقيقة ألفاظه من الثني والصدور.
ويحتمل أن يكون تمثيلاً لهيئة نفسية بهيئة حسية.
فعلى الاحتمال الأول: يكون ذلك تعجيباً من جهالة أهل الشرك إذ كانوا يقيسون صفات الله تعالى على صفات الناس فيحسبون أن الله لا يطلع على ما يحجبونه عنه.
وقد روي أن الآية أشارت إلى ما يفعله المشركون أن أحدهم يدخل بيته ويرخي الستر عليه ويستغشي ثوبه ويحني ظهره ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي؟
وذلك من جهلهم بعظمة الله.
ففي «البخاري» عن ابن مسعود: اجتمع عند البيت قريشيان وثقفي، كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟
قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا.
فأنزل الله تعالى: ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ﴾ [فصلت: 22، 23].
وجميع أخطاء أهل الضلالة في الجاهلية والأديان الماضية تسري إلى عقولهم من النظر السقيم، والأقيسة الفاسدة، وتقدير الحقائق العالية بمقادير متعارفهم وعوائدهم، وقياس الغائب على الشاهد.
وقد ضل كثير من فرق المسلمين في هذه المسالك لولا أنهم ينتهون إلى معلومات ضرورية من الدين تعصمهم عند الغاية عن الخروج عن دائرة الإسلام وقد جاء بعضهم وأوشك أن يقع.
وعلى الاحتمال الثاني: فهو تمثيل لحالة إضمارهم العداوة للنبيء صلى الله عليه وسلم في نفوسهم وتمويه ذلك عليه وعلى المؤمنين به بحال من يثني صدره ليخفيه ومن يستغشي ثوبه على ما يريد أن يستره به.
وهذا الاحتمال لا يناسب كون الآية مكية إذ لم يكن المشركون يومئذٍ بمصانعين للنبيء صلى الله عليه وسلم وتأويلها بإرادة أهل النفاق يقتضي أن تكون الآية مدنية.
وهذا نقله أحد من المفسرين الأولين.
وفي «أسباب النزول» للواحدي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زُهرة وكان رجلاً حُلو المنطق، وكان يظهر المودة للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو منطو على عداوته، أي عداوة الدين، فضرب الله ثني الصدور مثلاً لإضماره بغض النبي صلى الله عليه وسلم فهو تمثيل وليس بحقيقة.
وصيغة الجمع على هذا مستعملة في إرادة واحدة لقصد إبهامه على نحو قوله: ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ [آل عمران: 173] قيل فإنه هو الأخنس بن شريق.
ووقع في «صحيح البخاري» أن ابن عباس سئل عن هذه الآية فقال: كان ناس من المسلمين يستخفون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزلت هذه الآية.
وهذا التفسير لا يناسب موقع الآية ولا اتساق الضمائر.
فلعل مراد ابن عباس أن الآية تنطبق على صنيع هؤلاء وليس فعلهم هو سبب نزولها.
واعلم أن شأن دعوة الحق أن لا تذهب باطلاً حتى عند من لم يصدقوا بها ولم يتبعوها، فإنها تَلفت عقولهم إلى فَرض صدقها أو الاستعداد إلى دفعها، وكل ذلك يثير حقيقتها ويُشيع دراستها.
وكم من معرضين عن دعوة حق ما وسعهم إلا التحفز لشأنها والإفاقة من غفلتهم عنها.
وكذلك كان شأن المشركين حين سمعوا دعوة القرآن إذْ أخذوا يتدبرون وسائل مقاومتها ونقضها والتفهم في معانيها لإيجاد دفعها، كحال العاصي بن وائل قال لخباب بن الأرَتّ حين تقاضاه أجرَ سيف صنعه فقال له: لا أقضيكه حتى تكفر بمحمد.
فقال خَباب: لا أكفر به حتى يميتك الله ثم يحييك.
فقال العَاصي له: إذا أحياني الله بعد موتي فسيكون لي مال فأقضيك منه.
فنزل فيه قوله تعالى: ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولداً ﴾ [مريم: 77].
وهذا من سوء فهمه لمعنى البعث وتوهمه أنه يُعاد لما كان حاله في الدنيا من أهل ومال.
والاستخفاء: الاختفاء، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل استجاب واستأخر.
وجملة: ﴿ ألا حين يستغشون ثيابهم ﴾ الخ يجوز أن تكون إتماماً لجملة ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ﴾ متصلة بها فيكون حرف ﴿ ألا ﴾ الثاني تأكيداً لنظيره الذي في الجملة قبله لزيادة تحقيق الخبر، فيتعلق ظرف (حين) بفعل ﴿ يثنون صدورهم ﴾ ويتنازعه مع فعل ﴿ يَعلم ما يسرون ﴾ وتكون الحالة الموصوفة حالة واحدة مركبة من ثني الصدور واستغشاء الثياب.
والاستغشاء: التغشي بما يُغْشي، أي يستر، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل قوله: ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ [نوح: 7]، مثل استجاب.
وزيادة ﴿ وما يعلنون ﴾ تصريح بما فهم من الكلام السابق لدفع توهم علمه بالخفيات دون الظاهر.
وجملة: ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ نتيجة وتعليل للجملة قبله، أي يعلم سرهم وجهرهم لأنه شديد العلم بالخفي في النفوس وهو يعلم الجهر بالأوْلى.
فذات الصدور صفة لمحذوف يُعلم من السياق من قوله ﴿ عَليم ﴾ أي الأشياء التي هي صاحبة الصدور.
وكلمة (ذات) مؤنث (ذو) يتوصل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ [الأنفال: 43] وقوله: ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ في سورة [الأنفال: 1].
والصدور مراد بها النفوس لأن العرب يعبرون عن الحواسّ الباطنية بالصدر.
واختيار مثال المبالغة وهو عليم} لاستقصاء التعبير عن إحاطة العلم بكل ما تسعه اللغة الموضوعة لمتعارف الناس فتقصر عن ألفاظٍ تعبر عن الحقائق العالية بغير طريقة استيعاب ما يصلح من المعبرات لتحصيل تقريب المعنى المقصود.
وذات الصدور: الأشياء المستقرة في النفوس التي لا تعدوها.
فأضيفت إليها.
الجزء الثاني عشر <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَثْنُونَ صُدُورَهم عَلى الكُفْرِ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يَثْنُونَها عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ لِيُخْفُوها عَنْهُ، قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
الثّالِثُ: يَثْنُونَها عَلى ما أضْمَرُوهُ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ لِيُخْفُوهُ عَنِ النّاسِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا إذا مَرُّوا بِالنَّبِيِّ غَطَّوْا رُؤُوسَهم وثَنَوْا صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ فَلا يَعْرِفُهم، قالَهُ أبُو رَزِينٍ.
الخامِسُ: أنَّ رَجُلًا قالَ إذا أغْلَقْتُ بابِي وضَرَبْتُ سَتْرِي وتَغَشَّيْتُ ثَوْبِي وثَنَيْتُ صَدْرِي فَمَن يَعْلَمُ بِي؟
فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ.
﴿ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ ﴾ يَعْنِي يَلْبَسُونَ ثِيابَهم ويَتَغَطُّونَ بِها، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: أرْعى النُّجُومَ وما كُلِّفْتُ رَعِيَّتَها وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطْمارِي وَفِي المُرادِ بِ ﴿ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: اللَّيْلُ يَقْصِدُونَ فِيهِ إخْفاءَ أسْرارِهِمْ فِيما يَثْنُونَ صُدُورَهم عَلَيْهِ.
واللَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَسُرُّونَهُ في اللَّيْلِ ولا ما يُخْفُونَهُ في صُدُورِهِمْ، فَكَنّى عَنِ اللَّيْلِ بِاسْتِغْشاءِ ثِيابِهِمْ لِأنَّهم يَتَغَطَّوْنَ بِظُلْمَتِهِ كَما يَتَغَطَّوْنَ إذا اسْتَغْشَوْا ثِيابَهم.
الثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِنَ الكُفّارِ كانُوا لِشِدَّةِ بُغْضَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يُغَطُّونَ بِها وُجُوهَهم ويَصِمُّونَ بِها آذانَهم حَتّى لا يَرَوْا شَخْصَهُ ولا يَسْمَعُوا كَلامَهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ بِألْسِنَتِهِمْ أنَّهم عَلى طاعَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، وتَشْتَمِلُ قُلُوبُهم عَلى بُغْضِهِ ومَعْصِيَتِهِ، فَجَعَلَ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ قُلُوبُهم كالمُسْتَغْشِي بِثِيابِهِ.
الرّابِعُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَنَسَّكُونَ بِسَتْرِ أبْدانِهِمْ ولا يَكْشِفُونَها تَحْتَ السَّماءِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المَنسَكَ ما اشْتَمَلَتْ قُلُوبُهم عَلَيْهِ مِن مُعْتَقَدٍ وما أظْهَرُوهُ مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما يُسِرُّونَ في قُلُوبِهِمْ وما يُعْلِنُونَ بِأفْواهِهِمْ.
الثّانِي: ما يُسِرُّونَ مِنَ الإيمانِ وما يُعْلِنُونَ مِنَ العِباداتِ.
الثّالِثُ: ما يُسِرُّونَ مِن عَمَلِ اللَّيْلِ وما يُعْلِنُونَ مِن عَمَلِ النَّهارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ قِيلَ بِأسْرارِ الصُّدُورِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الثَّقَفِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أنه قرأ ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ﴾ وقال أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم.
وأخرج البخاري وابن مردويه من طريق عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: قرأ ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ألا إنهم تثنوا في صدورهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر من طريق ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: ﴿ ألا إنهم تثنوا في صدورهم ﴾ قال: كانوا لا يأتون النساء ولا الغائط إلا وقد تغشوا بثيابهم كراهة أن يفضوا بفروجهم إلى السماء.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ﴾ قال: الشك في الله وعمل السيئات.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن شداد بن الهاد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ﴾ قال: كان المنافقون إذا مر أحدهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وتغشى ثوبه لكيلا يراه فنزلت.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يثنون صدورهم ﴾ قال: تضيق شكاً وامتراء في الحق ﴿ ليستخفوا منه ﴾ قال: من الله إن استطاعوا.
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألا حين يستغشون ثيابهم ﴾ قال: في ظلمة الليل في أجواف بيوتهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي رزين رضي الله عنه في الآية قال: كان أحدهم يحني ظهره ويستغشى بثوبه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله.
قال تعالى ﴿ ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون ﴾ وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا حنى ظهره واستغشى بثوبه وأضمر همه في نفسه، فإن الله لا يخفى ذلك عليه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ﴾ يقول: يكتمون ما في قلوبهم ﴿ ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ﴾ ما عملوا بالليل والنهار.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله: ﴿ يثنون صدورهم ﴾ يقول: يطأطئون رؤوسهم ويحنون ظهورهم.
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألا حين يستغشون ثيابهم ﴾ قال: في ظلمة الليل وظلمة اللحاف.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ﴾ قال: يكبون ﴿ ألا حين يستغشون ثيابهم ﴾ قال: يغطون رؤوسهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ الآية، قوله: ﴿ يَثْنُونَ ﴾ أصله من ثنيت الشيء إذا حنيته وعطفته وطويته، وانثوى (١) (٢) وروي عن ابن عباس (٣) ﴿ ثنوني صدورهم ﴾ وكل شيء عطفته فقد ثنيه.
قال ابن عباس] (٤) (٥) بما يحب، وينطوي له (٦) (٧) بما يحب، وينطوي له على العداوة والبغض، فذلك الثني وهو الإخفاء، وبنحو من هذا قال الزجاج (٨) ﴿ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ أي: يعطفونها ويطوونها على عداوة محمد ، وفي الآية محذوف تقديره: يثنون صدورهم على عداوته أو على بغضه؛ لأنَّ ثنَي الصدر عطفُه على ما أضمره.
وقوله تعالى: ﴿ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ﴾ ، أي ليتواروا عنه ويكتموا عداوته؛ لئلا يظهروا (٩) .
وقال الحسن (١٠) (١١) ﴿ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ قال قتادة (١٢) وقال ابن الأنباري (١٣) (١٤) [وبعدهم عن الحق إذا سمعوا رسول الله ]، (١٥) ولا يدخل أسماعهم شيء من القرآن (١٦) (١٧) وقال قتادة (١٨) قال ابن الأنباري: فالهاء في هذا القول عائدة على رسول الله ، وعلى القول الأول احتمل أمرين.
القول الثاني -وهو قول عبد الله بن شداد (١٩) ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه، وغطى وجهه لئلا يراه النبي (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ ، قال ابن عباس (٢٢) (٢٣) ﴿ بذات ﴾ لهذا المعنى.
قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية، قال القرظي (٢٤) (٢٥) وقال أبو إسحاق (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ ، قال المفسرون (٢٨) ﴿ عَلَى ﴾ هاهنا بمعنى (من) كقول الشاعر (٢٩) إذا رضيت عليَّ بنو قشير أي: مني، ويدل على صحة هذه قول مجاهد (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا ﴾ أي: حيث تؤوي إليها، ﴿ وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ حيث تموت، وهو قول ابن عباس (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) قال الفراء: ﴿ وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ حيث تأوي ليلاً أو نهارًا، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه أو تدفن، ونحو هذا قال الزجاج وأبو بكر، ومضى استقصاء تفسير المستقر والمستودع في سورة الأنعام (٣٥) قوله تعالى: ﴿ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ ، قال ابن عباس (٣٦) (٣٧) قال الزجاج (٣٨) (٣٩) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ وذكرنا قبل هذا فائدة إثبات ذلك في قوله: ﴿ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ (٤٠) (١) في (ي): (أثوى)، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 504: (اثنوني صدره ..).
(٢) ما سبق من "تهذيب اللغة" 1/ 504، وانظر: "اللسان" 1/ 511 - 512.
(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 3، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 39، "الطبري" 11/ 185.
ونسب ابن عطية هذه القراءة أيضًا إلى مجاهد، وابن يعمر، وابن بزي، ونصر بن عاصم، والجحدري، وابن إسحاق، وأبي رزين، وعلي بن الحسين، وأبي جعفر محمد بن علي، ويزيد بن علي، وجعفر بن محمد، والأسود، والضحاك.
ابن عطية 7/ 239، البحر المحيط 5/ 202.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٥) الثعلبي 7/ 33 أ، "أسباب النزول" للواحدي ص 271، "زاد المسير" 4/ 76، "البحر المحيط" 5/ 202.
والقول بأنها نزلت في الأخنس بن شريق فيه نظر من وجوه: أولاً: عدم ثبوت الرواية بذلك.
ثانيًا: قد صحت الرواية في سبب نزول الآية غير هذا، وهو ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: أناس كانوا يستحبون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم.
ثالثًا: أن الآية مكية، والنفاق ظهر في المدينة فكيف تكون الآية نازلة في المنافقين؟!
رابعًا: أن الأخنس في عداد الصحابة كما ذكر ابن حجر في "الإصابة" 1/ 25 قال: "أسلم الأخنس فكان من المؤلفة، ثم شهد حنينا، ومات في أول خلافة عمر ..
وذكر الذهلي في الزهريات بسند صحيح عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا سفيان وأبا جهل والأخنس اجتمعوا ليلاً يسمعون القرآن سرًا فذكر القصة: وفيها أن الأخنس أتى أبا سفيان فقال: ما تقول؟
قال: أعرف وأنكر، قال أبو سفيان: فما تقول أنت؟
قال: أراه الحق" وقد عدّه في الصحابة: ابن شاهين، وابن فتحون عن الطبري ا.
هـ.
انظر: "روح المعاني" للآلوسي11/ 211، "أضواء البيان" 3/ 12.
(٦) ساقط من (ب).
(٧) "معاني القرآن" 2/ 3.
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 38.
وانظر: "تهذيب اللغة" (غشى) 3/ 2969.
(٩) في (ب): يظهر.
(١٠) الطبري 11/ 184، القرطبي 9/ 5، ابن أبي حاتم 6/ 2000.
(١١) الطبري 11/ 184، والثعلبي 7/ 33 ب، وابن أبي حاتم 6/ 2000، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 579، والبغوي 4/ 161، وابن عطية 7/ 241.
(١٢) الطبري 11/ 184، ابن أبي حاتم 6/ 2000، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 580، والثعلبي 7/ 33 ب، و"زاد المسير" 4/ 78، والقرطبي 9/ 6، وعبد الرزاق 2/ 301.
(١٣) "زاد المسير" 4/ 78.
"البحر المحيط" 5/ 203.
(١٤) ساقط من (ي).
(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(١٦) من كلام ابن الأنباري.
انظر: "زاد المسير" 4/ 77، "البحر" 5/ 203.
(١٧) "تفسير مقاتل" 143 ب.
(١٨) "زاد المسير" 4/ 77، والطبري 15/ 235، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2000، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 580.
(١٩) هو: عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي أبو الوليد المدني، ولد على عهد النبي ، وذكره العجلي من كبار التابعين الثقات، وكان معدودًا في الفقهاء، قتل سنة 81، وقيل 83 هـ.
انظر: "التقريب" ص 307 (3382)، "الكاشف" 1/ 561.
(٢٠) الطبري 11/ 183، وسعيد بن منصور وابن المنذر وأبي حاتم 6/ 1999، == وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 579، والبغوي 4/ 161، و"زاد المسير" 4/ 76، والقرطبي 9/ 5.
(٢١) قلت: بل الراجح بخلاف ذلك، فإن الهاء في (منه) تعود على اسم (الله) ولم يرد ذكر النبي ، ولذا أخبرهم جل وعلا أن استخفاءهم عن الله جهلٌ منهم فقال: ﴿ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .
وقد رجح هذا القول الطبري 11/ 185، وابن عطية 7/ 241 قال: "هذا هو الأفصح الأجزل في المعنى" وابن كثير 2/ 478.
(٢٢) "تنوير المقباس" 138.
(٢٣) بياض في (ب).
(٢٤) هذا القول ذكره البغوي 4/ 161، "زاد المسير" 4/ 78.
(٢٥) ساقط من (ب).
(٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 50 عند قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ﴾ النور: 45.
(٢٧) كذا في النسخ، والصحيح (ذكرًا) بالنصب.
(٢٨) الثعبي 7/ 533، البغوي 4/ 161، "زاد المسير" 4/ 78، القرطبي 9/ 6.
(٢٩) هو: قحيف العقيلي، وعجزه: لعمر الله أعجبني رضاها وهو في "النوادر" ص481، "الكامل" 2/ 190، "الخصائص" 2/ 311، 389، "الهمع" 4/ 176، "اللسان" 3/ 1663 (رضي)، "الخزانة" 10/ 132.
(٣٠) الطبري 12/ 1، ابن أبي حاتم 6/ 2001، ابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 580.
الثعلبي 7/ 33 ب، البغوي 4/ 161 - 162، "زاد المسير" 4/ 78، القرطبي 9/ 6.
(٣١) الطبري 12/ 2، عبد الرزاق 2/ 320، ابن أبي حاتم 6/ 2001، 2003، ابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 581، البغوي 4/ 162، الثعلبي 7/ 34 أفي الهامش، القرطبي 9/ 8.
(٣٢) الثعلبي 7/ 34 أ، القرطبي 9/ 8، الطبري 12/ 2، ابن أبي حاتم 6/ 2003.
(٣٣) "معانى القرآن" 2/ 4.
(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 39.
(٣٥) خلاصة ما ذكره في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ أن المستقر في الرحم والمستودع في أصلاب الرجال.
(٣٦) "تنوير المقباس" 138.
(٣٧) الثعلبي 7/ 34 أ، البغوي 4/ 162، "زاد المسير" 4/ 79، "تفسير مقاتل" 144 أ.
(٣٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 39.
(٣٩) ساقط من (ب).
(٤٠) الأنعام: 59.
وقد نقل هنالك عن ابن الأنباري قوله: "وفائدة كتب الله ذلك في اللوح المحفوظ مع علمه، وأنه لا يفوته شيء، هو أنه -عز وجل- كتب هذه الأشياء وأحصاها قبل أن تكون؛ لتقف الملائكة على نفاذ علمه، وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء، فيكون في ذلك عبرة للملائكة الموكلين باللوح؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث من الأمور فيجدونه موافقًا له".
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ ﴾ قيل: كان الكفار إذا لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يردون إليه ظهورهم، لئلا يرونه من شدة البغض والعداوة، والضمير في منه على هذا يعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل إن ذلك عبارة عما تنطوي عليه صدورهم من البغض والغل، وقيل: هو عبارة عن إعراضهم لأن من أعرض عن شيء انثنى عنه وانحرف، والضمير في منه على هذا يعود على الله تعالى أي يريدون أن يستخفوا من الله تعالى؛ فلا يطلع رسوله ولا المؤمنون على ما في قلوبهم ﴿ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ أي يجعلونها أغشية وأغطية، كراهية لاستماع القرآن، والعامل في حين يعلم ما يسرون، وقيل: المعنى يريدون أن يستخفوا حين يستغشون ثيابهم، فيوقف عليه على هذا، ويكون يعلم استئنافاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.
﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.
الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.
وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.
﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.
﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.
﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".
﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.
والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.
ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.
أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.
أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.
﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.
أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.
ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.
و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.
و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.
وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.
احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.
وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.
وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي قل لهم لا تعبدوا.
وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.
ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.
ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.
ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.
وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.
وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.
وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.
وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.
ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة ﴾ .
سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟
وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.
والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.
الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.
وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله .
وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.
ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً ﴾ .
ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.
وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.
وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.
اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.
ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.
قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.
ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.
قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.
وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.
وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.
ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.
ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.
والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.
وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.
وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.
واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.
ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.
ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.
وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ يروى أن موسى عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.
ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.
وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.
وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه .
وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.
وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.
وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.
أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.
والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.
وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.
قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.
وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.
قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.
ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.
والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.
وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.
ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.
وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.
فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.
وقال في الكشاف.
أي جماعة من الأوقات.
والعذاب عذاب الآخرة.
وقيل: عذاب يوم بدر.
عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.
ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.
واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.
ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.
وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.
ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.
واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.
وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.
وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.
وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.
أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.
والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.
واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.
قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.
والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.
ثم سلى نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.
وقال الحسن: طلبوا منه أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.
وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه كان أفسح الناس صدراً.
ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.
ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.
وقد مر مثله في سورة يونس.
عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.
واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.
فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.
تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ﴾ الآية.
وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.
ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.
وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.
ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.
عن أنس أنهم اليهود والنصارى.
وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان يسهم لهم فيها.
وقال الأصم: هم منكرو البعث.
وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.
وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.
عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟
فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.
فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.
وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟
فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.
ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.
قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.
ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟
نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.
ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟
الثاني ما المراد بالبينة؟
الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟
الرابع الشاهد من هو؟
وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.
بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.
والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.
ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.
وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.
وقيل: أفمن كان محمد ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.
وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.
ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .
ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.
أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.
ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.
والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.
قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.
وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.
وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.
قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.
وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".
﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.
﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.
جمع بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.
وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.
﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.
ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.
وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ .
وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.
والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.
ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟
وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.
واعلم أنه وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.
الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.
الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.
الخامسة الصد عن سبيل الله.
السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.
الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .
التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .
العاشرة مضاعفة العذاب لهم.
الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.
الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".
الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".
الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.
وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.
قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.
وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.
وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.
ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.
ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.
وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله وتوفيقه.
التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.
يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.
﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.
والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.
﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.
﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.
فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.
﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.
﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.
﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ ﴾ : عن عبد الله بن شداد قال: كان أحدهم إذا مر بالنبي تغشى بثوبه وحنى صدره.
وقال قتادة: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله وذكره.
وقال بعضهم: نزلت الآية في رجل يقال له: الأخنس بن شريق الثقفي، كان يجالس النبي ويظهر له أمرا حسنا، وكان حسن المنظر حسن الحديث، وكان النبي يعجبه حديثه ويقر به مجلسه، وكان يضمر خلاف ما يظهر، فأنزل الله: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ يقول: يكتمون ما في صدورهم ويستترون؛ وهو قول ابن عباس.
وأصل تثنية الصدور هو أن يضم أحد طرفي الصدر إلى الطرف الآخر ليكون ما أضمروا أستر وأخفى.
ويشبه ما ذكر من ثني الصدور أن يكون كناية عن ضيق الصدور؛ كقوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ ، أو عبارة عن الكبر؛ كقوله: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [الحج: 9]، وكان أصله الميل إلى غيره، وهو ما قال أبو عوسجة: ﴿ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ أي: يميلون إلى غيره؛ وكذلك قوله: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ ﴾ قال بعضهم: من الله، وقال بعضهم: منه أي من رسول الله، لكن إن كانت الآية في المنافقين على ما ذكره بعض أهل التأويل، فهو الاستسرار والاستتار من رسول الله؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة ويضمرون الخلاف له والعداوة، وإن كانت الآية في المشركين فهو على الاستسرار والاستتار من الله؛ لأنهم لا يبالون الخلاف لرسول الله وإظهار العداوة له، وعندهم أن الله لا يطلع على ما يسرون ويضمرون في قلوبهم، فأخبر أنه يعلم ما أسروا وما أعلنوا، ففيه دلالة إثبات رسالة محمد لأنهم كانوا يسرون ذلك عنه ويضمرونه، فأخبرهم بذلك ليعلم إنما علم ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ أي: يستترون بها.
قال الحسن: ﴿ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ في ظلمة الليل وفي أجواف بيوتهم يعلم تلك الساعة ما يسرون وما يعلنون، وأصله أنهم يعلمون أن الله هو الذي أنشأ هذه الصدور والقلوب، والثياب هم الذين نسجوها واكتسبوها، ثم لا يملكون الاستتار [بما كسبوا هم فلألاَّ يملكوا الاستتار] بما تولى هو إنشاءه أحق.
وقوله: ﴿ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ﴾ ألا إنما هو تأكيد الكلام، وهو قول أبي عبيدة وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ : قال أهل التأويل عليم بما في الصدور ولكن يشبه أن قوله: ﴿ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ عبارة عن صدور لها تدبير وتمييز وهو البشر.
<div class="verse-tafsir"
ألا إن هؤلاء المشركين يحنون صدورهم ليكتموا ما فيها من شك عن الله جهلًا منهم به، ألا حين يغطون رؤوسهم بثيابهم، يعلم الله ما يكتمون وما يظهرون، إنه عليم بما تخفيه الصدور.
من فوائد الآيات إن الخير والشر والنفع والضر بيد الله دون ما سواه.
وجوب اتباع الكتاب والسُّنَّة والصبر على الأذى وانتظار الفرج من الله.
آيات القرآن محكمة لا يوجد فيها خلل ولا باطل، وقد فُصِّلت الأحكام فيها تفصيلًا تامًّا.
وجوب المسارعة إلى التوبة والندم على الذنوب لنيل المطلوب والنجاة من المرهوب.
<div class="verse-tafsir" id="91.2kJeB"