الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٥٤ من سورة هود
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٤ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) يقولون : ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها ( قال إني أشهد الله واشهدوا ) [ أي أنتم أيضا ] ( أني بريء مما تشركون)
القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره، عن قول قوم هود : أنهم قالوا له، إذ نصح لهم ودعاهم إلى توحيد الله وتصديقه، وخلع الأوثان والبراءة منها: لا نترك عبادة آلهتنا، وما نقول إلا أن الذي حملك على ذمِّها والنهي عن عبادتها ، أنه أصابك منها خبَلٌ من جنونٌ .
فقال هود لهم: إني أشهد الله على نفسي وأشهدكم أيضًا أيها القوم ، أني بريء مما تشركون في عبادة الله من آلهتكم وأوثانكم من دونه .
قوله تعالى : إن نقول إلا اعتراك أي أصابك .بعض آلهتنا أي أصنامنا .بسوء أي ( بجنون لسبك إياها ) ، عن ابن عباس وغيره .
يقال : عراه الأمر واعتراه إذا ألم به .
ومنه وأطعموا القانع والمعتر .قال إني أشهد الله أي على نفسي .واشهدوا أي وأشهدكم ; لا أنهم كانوا أهل شهادة ; ولكنه نهاية للتقرير ; أي لتعرفواأني بريء مما تشركون أي من عبادة الأصنام التي تعبدونها .
{ إِنْ نَقُولُ } فيك { إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ } أي: أصابتك بخبال وجنون، فصرت تهذي بما لا يعقل.
فسبحان من طبع على قلوب الظالمين، كيف جعلوا أصدق الخلق الذي جاء بأحق الحق، بهذه المرتبة، التي يستحي العاقل من حكايتها عنهم لولا أن الله حكاها عنهم.
( إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا ) أي : أصابك ( بسوء ) يعني : لست تتعاطى ما نتعاطاه من مخالفتنا وسب آلهتنا إلا أن بعض آلهتنا اعتراك ، أي : أصابك بسوء بخبل وجنون ، وذلك أنك سببت آلهتنا فانتقموا منك بالتخبيل لا نحمل أمرك إلا على هذا ، ( قال ) لهم هود ، ( إني أشهد الله ) على نفسي ، ( واشهدوا ) يا قوم ( أني بريء مما تشركون ) .
«إن» ما «نقول» في شأنك «إلا اعتراك» أصابك «بعض آلهتنا بسوءٍ» فخبلك لسبك إياها فأنت تهذي «قال إني أشهد الله» عليَّ «واشهدوا أني بريء مما تشركونـ» ـه به.
ما نقول إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون بسبب نهيك عن عبادتها.
قال لهم: إني أُشهد الله على ما أقول، وأُشهدكم على أنني بريء مما تشركون، مِن دون الله من الأنداد والأصنام، فانظروا واجتهدوا أنتم ومَن زعمتم من آلهتكم في إلحاق الضرر بي، ثم لا تؤخروا ذلك طرفة عين؛ ذلك أن هودًا واثق كل الوثوق أنه لا يصيبه منهم ولا من آلهتهم أذى.
ثم أضافوا إلى إصرارهم هذا استخفافا به وبما يدعو إليه فقالوا : " إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء .
.
"ومعنى اعتراك : أصابك ومسك .
يقال عراه الأمر واعتراه أى أصابه ، وأصله من قولهم : عراه يعروه ، أى : غشية وأصابه .
ومنه قول الشاعر :وإنى لتعرونى لذكراك هزة .
.
...
أى : تصيبنى .أى : ما نحن تباركى آلهتنا عن قولك ، وما نحن لك بمتبعين ، بل عليك أن تيأس يأسا تاما من استجابتنا لك ، وحالتك التى نراها بأعيننا تجعلنا نقول لك : إن سبك لآلهتنا جعل بعضها - لا كلها - يتسلط عليك ، ويوجه قدرته نحوك ، فيصيبك بالجنون والهذيان والأمراض .ولم يقولوا : " اعتراك آلهتنا بسوء " بل قالوا : ( بَعْضُ آلِهَتِنَا ) تهديدا له وإشارة إلى أنه لو تصدت له جميع الآلهة لأهلكته إهلاكا .وهذكا نراهم قد ردوا على نبيهم ومرشدهم بأربعة ردود ، تدرجوا فيها من السئ إلى الأسوأ ، ومن القبيح إلى الأقبح .
.
مما يدل على توغلهم فى الطغيان ، وبلوغهم النهاية فى العناد والكفر والجحود .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : " أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء .
.
"أى : مسك بجنون لسبك إياها ، وصدك عنها ، وعداوتك لها ، مكافأة لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء ، فمن ثم صرت تتكلم بكلام المجانين وتهذى بهذيان المبرسمين .ثم قال .
وقد دلت ردودهم المتقدمة على أن القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد ، لا يبالون بالبهت ، ولا يلتفتون إلى النصح ، ولا تلين شكيمتهم للرشد .وهذا الأخير دال على جهل مفرط ، وبله متناه ، حيث اعقتدوا فى حجارة أنها تنتصر وتنقم .
.
.والآن بعد أن استمع هود - عليه السلام - إلى ردودهم القبيحة ماذا كان موقفه منهم؟لقد كان موقفه منهم : موقف المتبرئ من شركهم ، والمتحدى لطغيانهم والمعتمد على الله - تعالى - وحده فى الانتصار عليهم ، ولقد حكى القرآن رده علهيم فقال :( قَالَ إني أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ .
مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ .
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي على كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ )أى : قال هود - عليه السلام - للطغاة من قومه بعزة وثقة ( قَالَ إني أُشْهِدُ الله ) الذى لا رب سواه على براءتى من عبادتكم لغيره .( واشهدوا ) أنتم أيضا على ( أَنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ ) .أى : على براءتى من كل عبادة تعبدونها لغير الله - تعالى - لأنها عبادة باطلة .
يحتقرها العقلاء ، ويتنزه عنها كل إنسان يحترم نفسه .فأنت تراه فى هذه الآية الكريمة يعلن احتقاره لآلهتهم ، وبراءته من شركهم ، واستخفافه بأصنامهم التى زعموا أن بعضها قد أصابوا بسوء ، ويوثق هذه البراءة بإشهاد الله - تعالى - وإشهادهم .
اعلم أنه تعالى لما حكى عن هود عليه السلام ما ذكره للقوم، حكى أيضاً ما ذكره القوم له وهو أشياء: أولها: قولهم: ﴿ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ ﴾ أي بحجة، والبينة سميت بينة لأنها تبين الحق من الباطل، ومن المعلوم أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزات إلا أن القوم بجهلهم أنكروها، وزعموا أنه ما جاء بشيء من المعجزات.
وثانيها: قولهم: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ ﴾ وهذا أيضاً ركيك، لأنهم كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو الله تعالى وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر، ومتى كان الأمر كذلك فقد ظهر في بديهة العقل أنه لا تجوز عبادتها وتركهم آلهتهم لا يكون عن مجرد قوله بل عن حكم نظر العقل وبديهة النفس.
وثالثها: قوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وهذا يدل على الإصرار والتقليد والجحود.
ورابعها: قولهم: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء ﴾ يقال: اعتراه كذا إذا غشيه وأصابه.
والمعنى: أنك شتمت آلهتنا فجعلتك مجنوناً وأفسدت عقلك، ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ذلك قال هود عليه السلام: ﴿ إِنِى أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنّى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ ﴾ وهو ظاهر.
ثم قال: ﴿ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ وهذا نظير ما قاله نوح عليه السلام لقومه: ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ .
واعلم أن هذا معجزة قاهرة، وذلك أن الرجل الواحد إذا أقبل على القوم العظيم وقال لهم: بالغوا في عداوتي وفي موجبات إيذائي ولا تؤجلون؛ فإنه لا يقول هذا إلا إذا كان واثقاً من عند الله تعالى بأنه يحفظه ويصونه عن كمد الأعداء.
ثم قال: ﴿ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾ قال الأزهري: الناصية عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته.
واعلم أن العرب إذا وصفوا إنساناً بالذلة والخضوع قالوا: ما ناصية فلان إلا بيد فلان، أي أنه مطيع له، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا في القرآن بما يعرفون فقوله: ﴿ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾ أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته، ومنقاد لقضائه وقدره.
ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنه تعالى لما قال: ﴿ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾ أشعر ذلك بقدرة عالية وقهر عظيم فأتبعه بقوله: ﴿ إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي أنه وإن كان قادراً عليهم لكنه لا يظلمهم ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل والصواب، قالت المعتزلة قوله: ﴿ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾ يدل على التوحيد وقوله: ﴿ إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ يدل على العدل، فثبت أن الدين إنما يتم بالتوحيد والعدل.
والثاني: أنه تعالى لما ذكر أن سلطانه قهر جميع الخلق أتبعه بقوله: ﴿ إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ يعني أنه لا يخفى عليه مستتر، ولا يفوته هارب، فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه، كما قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد ﴾ الثالث: أن يكون المراد ﴿ إِنَّ رَبّى ﴾ يدل على الصراط المستقيم، أي يحث، أو يحملكم بالدعاء إليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اعتراك ﴾ مفعول نقول، وإلا لغو.
والمعنى: ما نقول إلا قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء، أي خبلك ومسك بجنون لسبك إياها وصدّك عنها وعداوتك لها.
مكافأة لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن ثم تتكلم بكلام المجانين وتهذي بهذيان المبرسمين.
وليس بعجب من أولئك أن يسموا التوبة والاستغفار خبلا وجنوناً وهم عاد أعلام الكفر وأوتاد الشرك.
وإنما العجب من قوم من المتظاهرين بالإسلام سمعناهم يسمون التائب من ذنوبه مجنوناً والمنيب إلى ربه مخبلا، ولم نجدهم معه على عشر مما كانوا عليه في أيام جاهليته من الموادّة وما ذاك إلا لعرق من الإلحاد أبى إلا أن ينبض، وضب من الزندقة أراد أن يطلع رأسه وقد دلت أجوبتهم المتقدّمة على أنّ القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت ولا يلتفتون إلى النصح.
ولا تلين شكيمتهم للرشد.
وهذا الأخير دال على جهل مفرط وبله متناه، حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنصر وتنتقم، ولعلهم حين أجازوا العقاب كانوا يجيزون الثواب.
من أعظم الآيات أن يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمّة عطاشا إلى إراقة دمه.
يرمونه عن قوس واحدة، وذلك لثقته بربه وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه مخالبهم.
ونحو ذلك قال نوح عليه السلام لقومه: ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ [يونس: 71] أكد براءته من آلهتهم وشركهم ووثقها بما جرت به عادة الناس من توثيقهم الأمور بشهادة الله وشهادة العباد، فيقول الرجل: الله شهيد على أني لا أفعل كذا ويقول لقومه كونوا شهداء على أني لا أفعله.
فإن قلت: هلا قيل: إني أشهد الله وأشهدكم؟
قلت: لأنّ إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد وشدّ معاقده، وأمّا إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم فحسب، فعدل به عن لفظ الأوّل لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه.
اشهد علي أني لا أحبك، تهكما به واستهانة بحاله ﴿ مّمَّا تُشْرِكُونَ به مِن دُونِهِ ﴾ من إشراككم آلهة من دونه، أو مما تشركونه من آلهة من دونه، أي أنتم تجعلونها شركاء له، ولم يجعلها هو شركاء.
ولم ينزل بذلك سلطاناً ﴿ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ﴾ أنتم وآلهتكم أعجل ما تفعلون، من غير إنظار؛ فإني لا أبالي بكم وبكيدكم، ولا أخاف معرتكم وإن تعاونتم عليّ وأنتم الأقوياء الشداد، فكيف تضرني آلهتكم، وما هي إلا جماد لا تضر ولا تنفع، وكيف تنتقم مني إذا نلت منها وصددت عن عبادتها، بأن تخبلني وتذهب بعقلي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ ﴾ ما نَقُولُ إلّا قَوْلَنا اعْتَراكَ أيْ أصابَكَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ إذا أصابَهُ.
﴿ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ ﴾ بِجُنُونٍ لِسَبِّكَ إيّاها وصَدِّكَ عَنْها ومِن ذَلِكَ تَهْذِي وتَتَكَلَّمُ لِخُرافاتٍ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ وإلّا لَغْوٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ.
﴿ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ .
﴿ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ﴾ أجابَ بِهِ عَنْ مَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ بِأنْ أشْهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلى بَراءَتِهِ مِن آلِهَتِهِمْ وفَراغِهِ عَنْ إضْرارِهِمْ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ وتَثْبِيتًا لَهُ، وأمَرَهم بِأنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ اسْتِهانَةً بِهِمْ، وأنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكَيْدِ في إهْلاكِهِ مِن غَيْرِ إنْظارٍ حَتّى إذا اجْتَهَدُوا فِيهِ ورَأوْا أنَّهم عَجَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ وهُمُ الأقْوِياءُ الأشِدّاءُ أنْ يَضُرُّوهُ لَمْ يَبْقَ لَهم شُبْهَةٌ أنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي هي جَمادٌ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ لا تَتَمَكَّنُ مِن إضْرارِهِ انْتِقامًا مِنهُ، وهَذا مِن جُمْلَةِ مُعْجِزاتِهِ فَإنَّ مُواجَهَةَ الواحِدِ الجَمَّ الغَفِيرَ مِنَ الجَبابِرَةِ الفُتّاكِ العِطاشِ إلى إراقَةِ دَمِهِ بِهَذا الكَلامِ لَيْسَ إلّا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ وتُثَبِّطُهم عَنْ إضْرارِهِ لَيْسَ إلّا بِعِصْمَتِهِ إيّاهُ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ ﴾ تَقْرِيرًا لَهُ والمَعْنى أنَّكم وإنْ بَذَلْتُمْ غايَةَ وُسْعِكم لَنْ تَضُرُّونِي فَإنِّي مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ واثِقٌ بِكِلاءَتِهِ وهو مالِكِي ومالِكُكم لا يَحِيقُ بِي ما لَمْ يُرِدْهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى ما لَمْ يُقَدِّرْهُ ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها ﴾ أيْ إلّا وهو مالِكٌ لَها قادِرٌ عَلَيْها يَصْرِفُها عَلى ما يُرِيدُ بِها والأخْذُ بِالنَّواصِي تَمْثِيلٌ لِذَلِكَ.
﴿ إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ أيْ أنَّهُ عَلى الحَقِّ والعَدْلِ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ مُعْتَصِمٌ ولا يَفُوتُهُ ظالِمٌ.
<div class="verse-tafsir"
إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤)
{إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بِسُوء} إن حرف نفي فنفى جميع القول إلا قولاً واحداً وهو قولهم اعتراك أصابك بعض آلهتنا بسوء بجنون وخبل وتقديره ما نقول قولا إلا هذه المقالة أي قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء {قَالَ إِنِى أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ}
﴿ إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ ﴾ أيْ أصابَكَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ، وأصْلُهُ مِنِ اعْتَراهُ بِمَعْنى قَصَدَ عُراهُ أيْ مَحَلَّهُ وناحِيَتَهُ ﴿ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ ﴾ أرادُوا بِهِ -قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى- الجُنُونَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ والتَّنْكِيرُ فِيهِ قِيلَ: لِلتَّقْلِيلِ كَأنَّهم لَمْ يُبالِغُوا في العُتُوِّ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى بَعْضِ آلِهَتِهِمْ دُونَ كُلِّها، وقِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قالَهُ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ أُصِيبَ بِكَثِيرِ سُوءٍ مُبالَغَةً في خُرُوجِهِ عَنْ قانُونِ العَقْلِ، وذَكَرَ البَعْضُ تَعْظِيمًا لِأمْرِ آلِهَتِهِمْ وأنَّ البَعْضَ مِنها لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ ما لَهُ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ وإلّا لَغْوٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ، وأصْلُهُ أنْ نَقُولَ قَوْلًا إلّا قَوْلَنا هَذا فَحُذِفَ المُسْتَثْنى مِنهُ وحُذِفَ القَوْلُ المُسْتَثْنى وأُقِيمَ مَقُولُهُ مَقامَهُ، أوِ (اعْتَراكَ) هو المُسْتَثْنى لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ لَفْظُهُ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ بَعْدَ (إلّا) ولَيْسَ مِمّا اسْتُثْنِيَ فِيهِ الجُمْلَةُ، ومَعْنى هَذا أنَّهُ أفْسَدَ عَقْلَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا لِسَبِّكَ إيّاها وصَدِّكَ عَنْ عِبادَتِها وحَطِّكَ لَها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ بِما مَرَّ مِن قَوْلِكَ: ﴿ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ ﴾ وغَرَضُهم مِن هَذا عَلى ما قِيلَ: بَيانُ سَبَبِ ما صَدَرَ عَنْ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما ذَكَرُوا مِن عَدَمِ التِفاتِهِمْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو مُقَرِّرٌ لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ وما نَحْنُ بِتارِكِي ﴾ إلَخْ..
﴿ وما نَحْنُ لَكَ ﴾ إلَخْ، فَإنَّ اعْتِقادَهم بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالُوا -وحاشاهُ عَنْ ذَلِكَ- يُوجِبُ عَدَمَ الِاعْتِدادِ بِقَوْلِهِ، وعَدَّهُ مِن قَبِيلِ الخُرافاتِ فَضْلًا عَنِ التَّصْدِيقِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، يَعْنُونَ أنّا لا نَعْتَقِدُ كَلامَكَ إلّا ما لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ مِنَ الهَذَياناتِ الصّادِرَةِ عَنِ المَجانِينِ فَكَيْفَ نُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ بِمُوجَبِهِ؟!
ولَقَدْ سَلَكُوا طَرِيقَ المُخالَفَةِ والعِنادِ إلى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ السَّيِّئِ إلى الأسْوَأِ، حَيْثُ أخْبَرُوا أوَّلًا عَنْ عَدَمِ مَجِيئِهِ بِالبَيِّنَةِ مَعَ احْتِمالِ كَوْنِ ما جاءَ بِهِ حُجَّةً في نَفْسِهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى المُرادِ، وثانِيًا عَنْ تَرْكِ الِامْتِثالِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِقَوْلِهِمْ: ﴿ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ ﴾ مَعَ إمْكانِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ في كَلامِهِ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تَصْدِيقَهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ مَعَ كَوْنِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تِلْكَ المَرْتَبَةَ أيْضًا حَيْثُ قالُوا ما قالُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ، انْتَهى.
ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، ولَعَلَّ الإتْيانَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ غَيْرِ مُقْتَرِنَةٍ بِالعاطِفِ كالجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يُؤَيِّدُ كَوْنَها لَيْسَتْ مَسُوقَةً لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَهُما، نَعَمْ تَضْمَنُها لِتَقْرِيرِ ما تَقَدَّمَ مِمّا لا يَكادُ يُنْكَرُ فَتَدَبَّرْ.
﴿ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ أيْ مِمّا أنْتُمْ تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا وهو سُبْحانَهُ لَمْ يَجْعَلْهُ شَرِيكًا ولَمْ يُنْزِلْ بِهِ سُلْطانًا -فَما مَوْصُولَةٌ و ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ -بِتُشْرِكُونَ- لا حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ تُشْرِكُونَ مُجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى في هَذا الحُكْمِ إذْ لا فائِدَةَ في التَّقْيِيدِ بِهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْضًا أيْ مِن إشْراكِكُمْ، وقَدْ جَوَّزَ كِلا الِاحْتِمالَيْنٍ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: أيْ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ أوْ مِمّا تُشْرِكُونَهُ آلِهَةً مِن دُونِهِ، وأمْرُ تَعَلُّقِ الجارِّ فِيهِما واحِدٌ، وتَقْدِيرُ آلِهَةٍ لِإيضاحِ المَعْنى والإشارَةِ إلى أنَّ المَفْعُولَ مُرادٌ لِسَوْقِ الكَلامِ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ صِفَةً لَهُ عَلى الوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّ بَيانَهُ حاصِلُهُما بِنَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في بَيانِ حاصِلِ الأوَّلِ، إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا تَعَلَّقَ المَذْكُورُ ولَيْسَ المَعْنى عَلى آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ، ولِلطِّيبِيِّ ما يُخالِفُ ذَلِكَ ولَيْسَ بِذاكَ، و(إنِّي بَرِيءٌ) مُتَنازَعٌ فِيهِ لِلْفِعْلَيْنِ قَبْلَهُ، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِرْهَمًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا وقَدْ أجابَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا عَنْ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ المَبْنِيَّةِ عَلى اعْتِقادِ كَوْنِ آلِهَتِهِمْ تَضُرُّ وتَنْفَعُ، ولِما كانَ ما وقَعَ أوَّلًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في حَقِّها مِن كَوْنِها بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، إنَّما وقَعَ في ضِمْنِ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِ بِها، وقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وعَدُّوهُ مِمّا يُورِثُ شَيْنًا حَتّى زَعَمُوا ما زَعَمُوا، صَرَّحَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحَقِّ وصَدَعَ بِهِ حَيْثُ أخْبَرَ بِبَراءَتِهِ القَدِيمَةِ عَنْها بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُصَدَّرَةِ -بِأنْ- وأكَّدَ ذَلِكَ -بِأُشْهِدُ اللَّهَ-، فَإنَّهُ كالقَسَمِ في إفادَةِ التَّأْكِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ ويَشْهَدُوا بِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِهانَةُ والِاسْتِهْزاءُ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِخَصْمِهِ إذا لَمْ يُبالِ بِهِ: اشْهَدْ عَلى أنِّي قائِلٌ لَكَ كَذا، وكَأنَّهُ غايَرَ بَيْنَ الشَّهادَتَيْنِ لِذَلِكَ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ جائِزٌ عِنْدَ بَعْضٍ، ومَن لَمْ يُجَوِّزْهُ قَدَّرَ قَوْلًا، أيْ: وأقُولُ (اشْهَدُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشْهادُ اللَّهِ تَعالى إنْشاءً أيْضًا وإنْ كانَ في صُورَةِ الخَبَرِ، وحِينَئِذٍ لا قِيلَ ولا قالَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ إشْهادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم حَقِيقَةً إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
وعُدِلَ عَنِ الخَبَرِ فِيهِ تَمْيِيزًا بَيْنَ الخِطابَيْنِ فَهو خَبَرٌ في المَعْنى كَما هو المَشْهُورُ في الأوَّلِ، لَكِنَّ الأوْلى الحَمْلُ عَلى المَجازِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالِاجْتِماعِ والِاحْتِشادِ مَعَ آلِهَتِهِمْ جَمِيعًا دُونَ بَعْضٍ مِنها حَسْبَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهم ﴿ بَعْضُ آلِهَتِنا ﴾ والتَّعاوُنِ في إيصالِ الكَيْدِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَهاهم عَنِ الإنْظارِ والإمْهالِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ﴾ أيْ إنْ صَحَّ ما لَوَّحْتُمْ بِهِ مِن كَوْنِ آلِهَتِكم مِمّا يَقْدِرُونَ عَلى إضْرارِ مَن يَنالُ مِنها ويَصُدُّ عَنْ عِبادَتِها ولَوْ بِطَرِيقٍ ضِمْنِيٍّ فَإنِّي بَرِيءٌ مِنها، فَكُونُوا أنْتُمْ مَعَها جَمِيعًا وباشِرُوا كَيْدِي ثُمَّ لا تُمْهِلُونِي ولا تُسامِحُونِي في ذَلِكَ، فالفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى زَعْمِهِمْ مِن قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ما قالُوا وعَلى البَراءَةِ كِلَيْهِما، والخِطابُ لِلْقَوْمِ وآلِهَتِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضٍ أنَّهُ لِلْقَوْمِ فَقَطْ، وفِيهِ نَفْيُ قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ضُرِّهِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، فَإنَّ الأقْوِياءَ الأشِدّاءَ إذا لَمْ يَقْدِرُوا مَعَ اجْتِماعِهِمْ واحْتِشادِهِمْ عَلى الضُّرِّ كانَ عَدَمُ قُدْرَةِ الجَماداتِ عَلَيْهِ مَعْلُومًا مِن بابٍ أوْلى، وأيّاما كانَ فَذاكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُفْرِدًا بَيْنَ جَمْعِ عُتاةِ جَبابِرَةٍ عِطاشٍ إلى إراقَةِ دَمِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وقَدْ خاطَبَهم بِما خاطَبَهم وحَقَّرَهم وآلِهَتَهم وهَيَّجَهم عَلى ما هَيَّجَهم فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُباشَرَةِ شَيْءٍ مِمّا كَلَّفُوهُ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى مَزِيدِ ثِقَتِهِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وكَمالِ عِنايَتِهِ بِهِ وعِصْمَتِهِ لَهُ، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ بِإظْهارِ التَّوَكُّلِ عَلى مَن كَفاهُ ضُرُّهم في قَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"
قال له قومه: قالُوا يا هُودُ مَا جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ يقولون: لم تأتنا: بحجة وبيان وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ يقول: لا نترك عبادة آلهتنا بقولك وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ يعني: لا نصدقك بأنك رسول الله إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ يعني: ما نقول: إلا أصابك بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ يعني: - اعتراك من بعض الأوثان الخبل والجنون، فاجتنبها سالما.
ويقال: أن نقول لك إلا نصيحة كيلا يصيبك بعض آلهتنا بشدّة (١) ف قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أنتم أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ من الأوثان فَكِيدُونِي جَمِيعاً يعني: اعملوا بي أنتم وآلهتكم ما استطعتم، واحتالوا في هلاكي ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ أي لا تمهلون.
ثمّ قال: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ يعني: فَوَّضْتُ أمري إلى الله، رَبِّي وَرَبِّكُمْ يعني: خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم، مَّا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها يعني: هو قادر عليها يحييها ويميتها، وهو يرزقها، وهي في ملكه وسلطانه.
ثمّ قال: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: على الحقّ، فإن كان هو قادراً على كل شيء، فإنه لا يشاء إلا العدل.
وقال مجاهد: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يعني: على الحق.
ويقال: عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يعني: بيده الهداية، وهو يهدي إلى صراط مستقيم، وهو دين الإسلام.
ويقال: يدعوكم إلى طريق الإسلام.
ويقال: معناه، أمرني ربي أن أدعوكم إلى صراط مستقيم.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
<div class="verse-tafsir"
منه، يتقدَّمها علْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاحٍ ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها ومِدْراراً بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة «عاد» .
وقوله سبحانه: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أن خصّ القوة بالذكر، إذ كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ، وقولهم: عَنْ قَوْلِكَ، أي: لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا، وقال ص: عَنْ قَوْلِكَ: حالٌ من الضمير في «تاركي» ، أي: صادِرِينَ عن قولك، وقيل: «عن» : للتعليل، كقولهِ: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ [التوبة:
١١٤] وقولهم: إِنْ نَقُولُ ...
الآية: معناه: ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال: / عَرَّ يَعُرُّ، واعترى يَعْتَرِي إِذا أَلمَّ بالشيء.
وقوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً: أي: أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له عليه السلام معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع انفراده وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يقدروا على نيله بسوء، وتُنْظِرُونِ: معناه: تؤخِّروني، أيْ: عاجلوني بما قَدَرْتم عليه.
وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يريد: إِن أفعالَ اللَّه عزَّ وجلَّ في غاية الإحكام، وقوله الصّدق ووعده الحقّ، وعَنِيدٍ: من «عند» إذا عتا.
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)
وقوله سبحانه: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ...
الآية: حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ: لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ،
كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث «١» .
ت: وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ، وَيَوْمَ: ظَرفٌ، ومعناه: إِن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيّن.
وقوله عز وجل: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ...
الآية: التقديرُ: وأرسلنا إلى ثمود وأَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: أي: اخترعكم، وأوْجَدكم، وذلك باختراع آدم عليه السلام.
وقال ص: مِنَ الْأَرْضِ: لابتداءِ الغاية باعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان.
انتهى.
وقد نقل ع «٢» : في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣» : قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها:
أي: خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال: هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة.
ت: والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق الامتنان عليهم.
انتهى.
وقولهم:
يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا، قال جمهور المفسِّرين: معناه: مسوَّداً نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّداً سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم: وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، معنى: مُرِيبٍ: ملبس متهم، وقوله: أَرَأَيْتُمْ: أي: أتدبرتم، فالرؤية قلبيّة، وآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً، يريد: النبوَّة وما انضاف إِليها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ نَقُولُ ﴾ أيْ: ما نَقُولُ في سَبَبِ مُخالَفَتِكَ إيّانا إلّا أنَّ بَعْضَ آلِهَتِنا أصابَكَ بِجُنُونٍ لِسَبِّكِ إيّاها، فالَّذِي تُظْهِرُ مِن عَيْبِها لِما لَحِقَ عَقْلَكَ مِنَ التَّغْيِيرِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ عَرانِي كَذا، واعْتَرانِي: إذا ألَمَّ بِي.
ومِنهُ قِيلَ لِمَن أتاكَ يَطْلُبُ نائِلَكَ، عارٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: أتَيْتُكَ عارِيًا خَلَقًا ثِيابِي عَلى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
حَرَّكَ ياءَ " إنِّي " نافِعٌ.
ومَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الآلِهَةَ عاقَبَتْنِي لِطَعْنِي عَلَيْها، فَإنِّي عَلى يَقِينٍ مِن عَيْبِها والبَراءَةِ مِنها، وها أنا ذا أزِيدُ في الطَّعْنِ عَلَيْها، ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ﴾ أيِ: احْتالُوا أنْتُمْ وأوْثانُكم في ضُرِّي، ثُمَّ لا تُمْهِلُونِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا مِن أعْظَمِ آياتِ الرُّسُلِ، أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ وحْدَهُ، وأُمَّتُهُ مُتَعاوَنَةٌ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ لَهم: كِيدُونِي، فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنهم ضُرَّهُ، وكَذَلِكَ قالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: ﴿ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ ﴾ .
وقالَ مُحَمَّدٌ : ﴿ فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: أنَّها في قَبْضَتِهِ ومُلْكِهِ وسُلْطانِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ النّاصِيَةَ ؟
فالجَوابُ: أنَّ النّاصِيَةَ شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، فَإذا أخَذْتَ بِها مِن شَخْصٍ، فَقَدْ مَلَكْتَ سائِرَ بَدَنِهِ، وذَلَّ لَكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: عَلى الحَقِّ، وقالَ غَيْرُهُ: في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ رَبِّي يَدُلُّ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ المُناسِبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: " إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها " وبَيْنَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ آخِذٌ بِنَواصِي الخَلْقِ، كانَ مَعْناهُ: أنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قَبْضَتِهِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ عَلى طَرِيقٍ لا يَعْدِلُ عَنْهُ هارِبٌ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ مُسْتَتِرٌ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِمْ، فَهو لا يَظْلِمُهم، ولا يُرِيدُ إلّا العَدْلَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عن قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ﴾ ﴿ إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ المَعْنى: ما جِئْتَنا بِآيَةٍ تَضْطَرُّنا إلى الإيمانِ بِكَ، ونَفَوْا أنْ تَكُونَ مُعْجِزاتُهُ آيَةً بِحَسَبِ ظَنِّهِمْ وعَماهم عَنِ الحَقِّ، كَما جَعَلَتْ قُرَيْشٌ القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا ونَحْوَ هَذا، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ : « "ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ"» الحَدِيثُ، وهَذا يَقْضِي بِأنَّ هُودًا وغَيْرَهُ مِنَ الرُسُلِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيَّنْ لَنا بَعْضُها.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ عن قَوْلِكَ ﴾ أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكَ سَبَبَ تَرْكِنا إذْ هو مُجَرَّدٌ عن آيَةٍ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنْ نَقُولُ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: ما نَقُولُ إلّا أنَّ بَعْضَ الآلِهَةِ لَمّا سَبَبْتَها وضَلَّلْتَ عَبَدَتَها أصابَكَ بِجُنُونٍ، يُقالُ: عَرَّ يَعُرُّ واعْتَرى يَعْتَرِي إذا ألَمَّ بِالشَيْءِ، فَحِينَئِذٍ جاهَرَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِالتَبَرِّي مِن أوثانِهِمْ وحَضَّهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهُمْ، ويُذْكَرُ أنَّ هَذِهِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةً وذَلِكَ أنَّهُ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكُفْرِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نِيلِهِ بِسُوءٍ.
و"تُنْظِرُونِ" مَعْناهُ: تُؤَخِّرُونِي، أيْ: عاجِلُونِي بِما قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: أنَّ تَوَكُّلِي عَلى اللهِ الَّذِي هو رَبِّي ورَبُّكم مَعَ ضَعْفِي وانْفِرادِي وقُوَّتِكم وكَثْرَتِكم يَمْنَعُنِي مِنكم ويَحْجِزُ بَيْنِي وبَيْنَكم ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِظَمَ مُلْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها ﴾ ، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "الناصِيَةِ"، إذْ هي في العُرْفِ حَيْثُ يَقْبِضُ القادِرُ المالِكُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ ونَحْوُهُ حَتّى صارَ الأخْذُ بِالناصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ لِتَكُونَ تِلْكَ عَلامَةً أنَّهُ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ.
و"الدابَّةُ": جَمِيعُ الحَيَوانِ، وخُصَّ بِالذِكْرِ إذْ هو صِنْفُ المُخاطَبِينَ والمُتَكَلِّمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ يُرِيدُ أنَّ أفْعالَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ هي في غايَةِ الإحْكامِ، وقَوْلُهُ: الصِدْقُ، ووَعْدُهُ الحَقُّ فَجاءَتِ الِاسْتِقامَةُ في كُلِّ ما يَنْضافُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ.
فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالُواْ ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بتاركى ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بسواء ﴾ .
محاورة منهم لهود عليه السّلام بجواب عن دعوته، ولذلك جردت الجملة عن العاطف.
وافتتاح كلامهم بالنداء يشير إلى الاهتمام بما سيقولونه، وأنه جدير بأن يتنبه له لأنهم نزلوه منزلة البعيد لغفلته فنادوه، فهو مستعمل في معناه الكنائيّ أيضاً.
وقد يكون مراداً منه مع ذلك توبيخه ولومه فيكون كناية ثانية، أو استعمال النّداء في حقيقته ومجازه.
وقولهم: ﴿ ما جئتنا ببينة ﴾ بهتان لأنه أتاهم بمعجزات لقوله تعالى: ﴿ وتلك عادٌ جحدوا بآيات ربهم ﴾ [هود: 59] وإن كان القرآن لم يذكر آية معينة لهود عليه السّلام.
ولعل آيته أنّه وعدهم عند بعثته بوفرة الأرزاق والأولاد واطّراد الخصب وفرة مطردة لا تنالهم في خلالها نكبة ولا مصيبة بحيث كانت خارقة لعادة النعمة في الأمم، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ وقالوا مَن أشد منا قوةً ﴾ [فصلت: 15].
وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من الأنبياء نبيء إلاّ أُوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» الحديث.
وإنما أرادوا أن البيّنات التي جاءهم بها هود عليه السّلام لم تكن طبقاً لمقترحاتهم.
وجعلوا ذلك علة لتصميمهم على عبادة آلهتهم فقالوا: ﴿ وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ﴾ .
ولم يجعلوا ﴿ وما نحن بتاركي ﴾ مفرّعاً على قولهم: ﴿ ما جئتنا ببينة ﴾ .
و ﴿ عن ﴾ في ﴿ عن قولك ﴾ للمجاوزة، أي لا نتركها تركاً صادراً عن قولك، كقوله: ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ [الكهف: 82].
والمعنى على أن يكون كلامه علة لتركهم آلهتهم.
وجملة ﴿ إن نقول إلاّ اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ استئناف بياني لأنّ قولهم: ﴿ وما نحن لك بمؤمنين ﴾ من شأنه أن يثير للسامع ومن معه في أنفسهم أن يقولوا إن لم تؤمنوا بما جاء به أنّه من عند الله فماذا تعدُّون دعوته فيكم، أي نقول إنك ممسوس من بعض آلهتنا، وجعلوا ذلك من فعل بعض الآلهة تهديداً للنّاس بأنه لو تصدّى له جميعُ الآلهة لدكوه دكّاً.
والاعتراء: النزول والإصابة.
والباء للملابسة، أي أصابك بسوء.
ولا شك أنهم يعنون أن آلهتهم أصابته بمسّ من قَبْل أن يقوم بدعوة رفض عبادتها لسبب آخر، وهو كلام غير جار على انتظام الحجّة، لأنه كلام ملفّق من نوع ما يصدر عن السفسطائيين، فجعلوه مجنوناً وجعلوا سبب جنونه مسّاً من آلهتهم، ولم يتفطنوا إلى دخَل كلامهم وهو أن الآلهة كيف تكون سبباً في إثارة ثائر عليها.
والقول مستعمل في المقول اللساني، وهو يقتضي اعتقادهم مَا يقولونه.
﴿ قَالَ إنى أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنِّى برئ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ ﴿ إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّى وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
لما جاءوا في كلامهم برفض ما دعاهم إليه وبجحد آياته وبتصميمهم على ملازمة عبادة أصنامهم وبالتنويه بتصرف آلهتهم أجابهم هود عليه السّلام بأنّه يشهد الله عليهم أنّه أبلغهم وأنّهم كابروا وجحدوا آياته.
وجملة ﴿ أشهد الله ﴾ إنشاء لإشهاد الله بصيغة الإخبار لأنّ كل إنشاء لا يظهر أثره في الخلق من شأنه أن يقع بصيغة الخبر لما في الخبر من قصد إعلام السامع بما يضمره المتكلم، ولذلك كان معنى صيغ العقود إنشاءً بلفظ الخبر.
ثمّ حمَلهم شهادة له بأنه بريء من شركائهم مبادرة بإنكار المنكر وإن كان ذلك قد أتوا به استطراداً، فلذلك كان تعَرّضه لإبطاله كالاعتراض بين جملة ﴿ إني أشهد الله ﴾ وجملة ﴿ فإن تولوا ﴾ [هود: 57] بناء على أن جملة ﴿ فإن تَولوا ﴾ إلى آخرها من كلام هود عليه السّلام، وسيأتي.
ومعنى إشهاده فيراد من شركائهم تحقيق ذلك وأنه لا يتردّد على أمر جازم قد أوجبه المشهود عليه على نفسه.
وأتى في إشهادهم بصيغة الأمر لأنه أراد مزاجة إنشاء الإشهاد دون رائحة معنى الإخبار.
و (ما) في قوله: ﴿ مما تشركون ﴾ موصولة.
والعائد محذوف.
والتقدير: مما يشركونه.
وماصدق الموصول الأصنام، كما دل عليه ضمير الجمع المؤكّدُ في قوله: ﴿ فكيدوني جميعاً ﴾ .
ولما كانت البراءة من الشركاء تقتضي اعتقاد عجزها عن إلحاق إضرار به فرع على البراءة جملة ﴿ فكيدوني جميعاً ﴾ .
وجعل الخطاب لقومه لئلا يكون خطابه لما لا يعقل ولا يسمع، فأمر قومه بأن يكيدوه.
وأدخل في ضمير الكائدين أصنامهم مجاراة لاعتقادهم واستقصاء لتعجيزهم، أي أنتم وأصنامكم، كما دل عليه التفريع على البراءة من أصنامهم.
والأمر ب (كيدوني) مستعمل في الإباحة كناية عن التعجيز بالنسبة للأصنام وبالنسبة لقومه، كقوله تعالى: ﴿ فإن كان لكم كيدٌ فكيدون ﴾ [المرسلات: 39].
وهذا إبطال لقولهم: ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ .
و ﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبيّ؛ تحدّاهم بأن يكيدوه ثم ارتقى في رتبة التعجيز والاحتقار فنهاهم عن التأخير بكيدهم إياه، وذلك نهاية الاستخفاف بأصنامهم وبهم وكناية عن كونهم لا يصلون إلى ذلك.
وجملة ﴿ إنّي توكلت ﴾ تعليل لمضمون ﴿ فكيدوني ﴾ وهو التعجيز والاحتقار.
يعني: أنه واثق بعجزهم عن كيده لأنه متوكل على الله، فهذا معنى ديني قديم.
وأُجري على اسم الجلالة صفة الربوبية استدلالاً على صحة التوكل عليه في دفع ضرهم عنه، لأنه مالكهم جميعاً يدفع ظلم بعضهم بعضاً.
وجملة ﴿ ما من دابة إلاّ هو آخذ بناصيتها ﴾ في محل صفة لاسم الجلالة، أو حال منه، والغرض منها مثل الغرض من صفة الربوبية.
والأخذ: الإمساك.
والناصية: ما انسدل على الجبهة من شعر الرأس.
والأخذ بالناصية هنا تمثيل للتمكّن، تشبيهاً بهيئة إمساك الإنسان من ناصيته حيث يكون رأسه بيد آخذه فلا يستطيع انفلاتاً.
وإنما كان تمثيلاً لأن دواب كثيرة لا نواصي لها فلا يلتئم الأخذ بالناصية مع عموم ﴿ ما من دابة ﴾ ، ولكنه لما صار مثلاً صار بمنزلة: ما من دابة إلا هو متصرف فيها.
ومن بديع هذا المثل أنّه أشدّ اختصاصاً بالنوع المقصود من بين عموم الدّواب، وهو نوع الإنسان.
والمقصود من ذلك أنّه المالك القاهر لجميع ما يدبّ على الأرض، فكونه مالكاً للكلّ يقتضي أن لا يفوته أحد منهم، وكونه قاهراً لهم يقتضي أن لا يعجزه أحد منهم.
وجملة ﴿ إن ربّي على صراط مستقيم ﴾ تعليل لجملة ﴿ إنّي توكّلت على الله ﴾ ، أي توكّلت عليه لأنّه أهل لتوكلي عليه، لأنّه متّصف بإجراء أفعاله على طريق العدل والتأييد لرسله.
و ﴿ على للاستعلاء المجازي، مثل أولئك على هدىً من ربهم ﴾ [البقرة: 5] مستعارة للتمكّن المعنوي، وهو الاتّصاف الراسخ الذي لا يتغير.
والصراط المستقيم مستعار للفعل الجاري على مقتضى العدل والحكمة لأنّ العدل يشبّه بالاستقامة والسواء.
قال تعالى: ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سويّاً ﴾ [مريم: 43].
فلا جرم لا يُسْلم المتوكّل عليه للظّالمين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: عَلى تَدْبِيرٍ مُحْكَمٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ عَلى طَرِيقِ الآخِرَةِ في مَصِيرِكم إلَيْهِ لِلْجَزاءِ وفَصْلِ القَضاءِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إلا على الذي فطرني ﴾ أي خلقني.
وأخرج ابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه قال: أمسك عن عاد القطر ثلاث سنين فقال لهم هود ﴿ استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾ فأبوا إلا تمادياً.
وأخرج ابن سعد في الطبقات وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وأبن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن الشعبي رضي الله عنه قال: خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى يرجع.
فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟
قال: لقد طلبت المطر بمخاديج السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾ و ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ﴾ [ نوح: 10] ﴿ يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾ [ نوح: 11] .
وأخرج أبو الشيخ عن هرون التيمي في قوله: ﴿ يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾ قال: يدر ذلك عليهم مطراً ومطراً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ويزدكم قوة إلى قوتكم ﴾ قال: ولد الولد.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ قال: أصابتك بالجنون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ قال: أصابتك الأوثان بجنون.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ما يحملك على ذم آلهتنا إلا أنه قد أصابك منها سوء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن سعيد قال: ما من أحد يخاف لصاً عادياً، أو سبعاً ضارياً، أو شيطاناً مارداً، فيتلو هذه الآية ﴿ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ﴾ إلا صرفه الله عنه.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ قال: الحق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ عذاب غليظ ﴾ قال: شديد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل جبار عنيد ﴾ المشرك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: ﴿ كل جبار عنيد ﴾ قال: الميثاق.
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي عنيد قال: تمالت عن الحق.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ﴾ قال: لم يبعث نبي بعد عاد إلا لُعِنَتْ عاد على لسانه.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ﴾ قال: لعنة أخرى.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: تتابعت عليهم لعنتان من الله لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ﴾ ، يقال: عراه أمر كذا يعروه، واعتراه يعتريه، وعرَّه واعتره كل ذلك إذا غشيه وأصابه، قال ابن الأعرابي: إذا أتيت رجلا تطلب منه حاجة فقد عروته وعررته واعتريته واعتررته (١) وقال المفسرون وأهل المعاني (٢) ﴿ اعْتَرَاكَ ﴾ : أصابك ومسك، والمعنى: أنهم قالوا لهود: ما نقول في سبب مخالفتك إيانا إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون، فأفسد عقلك وأجنك وخبلك، فالذي تُظهِر من عيبها وطعنها لما لحق عقلَك من التغير، هذا قول عامة أهل التأويل؛ ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة (٣) ﴿ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ ﴾ الآية، يعني إن كانت عندكم عاقبتني لطعني كان (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاشْهَدُوا ﴾ ، قال أهل المعاني (٥) (٦) وقال أبو علي (٧) ﴿ أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ ﴾ على إعمال الثاني كما أن قولى تعالى: ﴿ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴾ كذلك، والتقدير: أشهد الله أني بريء وأشهدوا الله أني بريء، فحذف الأول على حد ضربت وضربني زيد، وحذف حرف الجر مع (٨) (١) ما سبق من "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 2373 (عرا).
(٢) "معاني الفراء" 2/ 19، "معاني الزجاج" 3/ 57، "تهذيب اللغة" (عرا) 3/ 2373.
(٣) رواه عنهم الطبري 12/ 59 - 60، وانظر: الثعلبي 7/ 46 أ، البغوي 4/ 183، ابن عطية 7/ 323، القرطبي 9/ 51، "الدر المنثور" 3/ 610، عبد الرزاق 2/ 304، ابن أبي حاتم 6/ 2046.
(٤) هكذا في النسخ التي بين يدي، ولعل (كان) زائدة.
(٥) القرطبي 9/ 51.
(٦) في (ي): (لتقوم).
(٧) "الحجة" 5/ 178.
(٨) في (جـ): بحذف مع أن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالُواْ ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ﴾ أي بمعجزة، وذلك كذب منهم وجحود، أو يكون معناه بآية تضطرنا إلى الإيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية ﴿ عَن قَوْلِكَ ﴾ أي بسبب قولك ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ آلِهَتِنَا بسواء ﴾ معناه ما نقول إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون لما سببتها ونهيتنا عن عبادتها ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ هذا أمر بمعنى التعجيز أي: لا تقدرون أنتم ولا آلهتكم على شيء، ثم ذكر سبب قوته في نفسه وعدم مبالاته بهم، فقال: إني توكلت على الله الآية ﴿ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ ﴾ أي: هي في قبضته وتحت قهره، والأخذ بالناصية تمثيل ذلك، وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على الله وعدم مبالاته بالخلق ﴿ إِنَّ رَبِّي على صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ يريد أن أفعال الله جميلة وقوله صدق ووعده حق، فالاستقامة تامة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فطرني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع والبزي غير الخزاعي ﴿ إني أشهد ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.
﴿ فإن تولوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.
﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم: الخزاز عن هبيرة.
الباقون بالرفع ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم وكذلك في "المعارج": أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعلي الشموني والبرجمي وعباس.
الآخرون بالجر.
﴿ ألا ان ثمود ﴾ غير منصرف والوقف بغير الألف: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.
الباقون بالتنوين والوقف بالألف.
﴿ لثمود ﴾ بالتنوين في الوصل: علي.
الوقوف: ﴿ هوداً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ مفترون ﴾ ه ﴿ أجراً ﴾ ط ﴿ فطرني ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ بسوء ﴾ ط ﴿ تشركون ﴾ ه لا ﴿ لا تنظرون ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ بناصيتها ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ به إليكم ﴾ ط للاستئناف إلا لمن قرأ ﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم ﴿ غيركم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ منا ﴾ ج لحق المحذوف أي وقد نجيناهم ﴿ غليظ ﴾ ه ط ﴿ عنيد ﴾ ه ﴿ ويوم القيامة ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ هود ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ م لما مر في "الأعراف".
﴿ غيره ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ مجيب ﴾ ه ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ تخسير ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ أيام ﴾ ط ﴿ مكذوب ﴾ ط ﴿ يومئذٍ ﴾ ط ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا لكاف التشبيه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ لثمود ﴾ ه.
التفسير: قد مر في "الأعراف" تفسير قوله: ﴿ وإلى عاد ﴾ الآية.
ومعنى قوله: ﴿ إن أنتم إلا مفترون ﴾ أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام يحسن عبادتها مع أنها لا حس لها ولا شعور.
ثم قال مثل قول نوح ﴿ يا قوم لا أسألكم عليه أجراً ﴾ لأن النصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن نصح من لا يطلب الأجر إلا من الله لا يكون من التهمة في شيء.
قيل: إنما قال في قصة نوح ﴿ مالاً ﴾ دون ﴿ أجراً ﴾ لذكر الخزائن بعده، فلفظ المال بها أليق.
وحذف الواو من ﴿ يا قوم ﴾ لأنه أراد الاستئناف أو البدل دون العطف.
﴿ ويا قو م استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ قد مر مثله في أول السورة.
وقال الأصم: المراد سلوه أن يغفر لكم ما تقدم لكم من إسرافكم ثم اعزموا على أن لا تعودوا إلى مثله.
ثم قصد استمالتهم وترغيبهم في الإِيمان بكثرة المطر وزيادة القوة لأن القوم كانوا حراصاً على جميع الأموال من وجوه العمارة والزراعة مفتخرين بما أوتوا من البطش والقوة، فقدم إليهم في باب الدعوة إلى الدين والترغيب فيه ما كانت همتهم معقودة به ليحصل في ضمنه الغرض الكلي والمقصود الأصلي وهو الفوز بالسعادات الأخروية، وكأنه إنما خصص هذين النوعين من السعادات الدنيوية لأن الأول أصل جميع النعم، والثاني أصل في الانتفاع بتلك النعم.
وقيل: المراد بالقوة الزيادة في المال.
وقيل في النكاح.
وروي أنه حبس عنهم القطر بشؤم التكذيب ثلاث سنين وأعقم نساؤهم فوعدوا أنهم إن آمنوا أحيا الله بلادهم ورزقهم المال والولد.
والمدرار الكثير الدر كما مر في أول "الأنعام".
عن الحسن بن علي رضي الله عه أنه وفد على معاوية فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال لا يولد لي فقال: عليك بالاستغفار.
فكان يكثر الاستغفار حتى إنه ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟
فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود ﴿ ويزدكم قوة إلى قوتكم ﴾ وقول نوح ﴿ ويمددكم بأموال وبنين ﴾ ثم قول هود ﴿ لا تتولوا ﴾ أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه ﴿ مجرمين ﴾ مصرين على الإِجرام والآثام.
فجحدوا هوداً وقالوا ما جئتنا ببينة كما قالت قريش لرسول الله ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ ولم يشتهر منه معجزة ولكن العلماء قالوا: إظهار الدعوة مع أولئك الأقوام من غير مبالاة وتوانٍ آية من الآيات.
وقوله: ﴿ عن قولك ﴾ حال من الضمير كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ﴿ وما نحن لك بمؤمنين ﴾ لا يصدق مثلنا مثلك أبداً.
ثم زعموا أن بعض آلهتهم اعتراه بسوء أي غشيه وأورثه الخبل والجنون لأنه كان يسب آلهتهم وذلك قولهم: ﴿ إن نقول إلا اعتراك ﴾ وإلا لغو أي ما نقول شيئاً إلا هذا القول فمن ثم يتكلم بكلام المجانين.
والمراد أن الأصنام كافأته على سوء فعله بسوء الجزاء فأظهر نبي الله الجلادة والثقة بالله فيما هو بصدده وتبرأ منهم ومن شركهم فأشهد الله وذلك إشهاد صحيح.
وأشهدهم أيضاً وهذا كالتهاون وقلة المبالاة بهم كقول الرجل لمن نوى قطعه بالكلية: أشهد عليَّ أني لا أحبك تهكماً به.
وقد مر قوله: ﴿ فكيدوني ﴾ الآية في آخر سورة الأعراف.
وقوله: ﴿ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ﴾ تمثيل لغاية التسخير ونهاية التدليل، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته فكان علامة لقهره.
قالت المعتزلة: هذا دليل التوحيد لدلالته على أنه لا مالك إلا هو.
وقوله: ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ دليل العدل.
والأشاعرة قالوا: معناه معنى.
﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ أي لا يخفى عليه شيء ولا يفوته هارب ﴿ فإن تولوا فقد أبلغتكم ﴾ كقول القائل إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك فيما مضى.
والمراد فإن تتولوا فأنا غير معاتب ولا مقصر لأني قد قضيت حق الرسالة.
وفي قوله: ﴿ ويستخلف ﴾ إشارة إلى عذاب الاستئصال وأنه يخلق بعدهم من هو أطوع منهم وأنه لا ينقص من ملكه شيئاً ﴿ إن ربي على كل شيء حفيظ ﴾ يحفظ أعمال العباد حتى يجازيهم عليها، أو يحفظني من شرككم وكيدكم، أو يحفظني من الهلاك ﴿ والذين آمنوا معه ﴾ قيل: كانوا أربعة آلاف ﴿ برحمة منا ﴾ أي بفضل وامتنان أو بسبب ما هم فيه من الإيمان والعمل الصالح ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ أطلق التنجية أوّلاً ثم قيدها على معنى وكانت تلك التنجية من عذاب غليظ سموم تدخل في أفواههم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضواً عضواً.
ويحتمل أن يراد بالثانية النجاة من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه.
ولما ذكر قصتهم خاطب محمداً وأشار إلى قبورهم وآثارهم بقوله: ﴿ وتلك عاد ﴾ فانظروا واعتبروا.
ثم استأنف وصف أحوالهم مجملة فقال: ﴿ جحدوا بآيات ربهم ﴾ فلم يتسلقوا من المعجزات إلى صدق الأنبياء، ولم يرتقوا من الممكنات إلى وجود الواجب بالذات ﴿ وعصوا رسله ﴾ قيل: لم يرسل إليه إلا هود، وصح الجمع لأن عصيان رسول واحد يتضمن عصيان كلهم ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله ﴾ ﴿ واتبعوا أمر كل جبار عنيد ﴾ أطاعوا رؤساءهم وكبراءهم المتمردة والمعاندة ولهذا جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين.
وفي تكرير "ألا" والنداء على كفرهم، والدعاء عليهم بالبعد بعد إهلاكهم دلالة على تفظيع شأنهم وأنهم كانوا مستأهلين للدعاء عليهم بالهلاك، ويحتمل أن يراد البعد من رحمة الله في الآخرة.
وقوله: ﴿ قوم هود ﴾ عطف بيان لعاد إما للتأكيد ومزيد التقرير، وإما لأن عاداً عادان القديمة التي هي قوم هود، والأخرى وهي إِرم.
قوله في قصة ثمود ﴿ هو أنشأكم ﴾ تقديم الضمير للحصر أي لم ينشئكم إلا هو، ومعنى الإنشاء من الأرض أن الكل مخلوق من صلب آدم وهو مخلوق من الأرض.
ويمكن أن يقال: إن الإنسان مخلوق من المني وهو يحصل من الغذاء والغذاء ينتهي إلى النبات ثم إلى الأرض.
وقيل: إن "من" بمعنى "في".
﴿ واستعمركم ﴾ من العمارة أي جعلكم عماراً للأرض، وأمركم بالعمارة.
فمنها واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار فعمروا الأعمار الطوال مع ما كان منهم من الظلم.
فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فأوحى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي وقيل: من العمر نحو استبقاكم من البقاء.
وقيل: من العمرى.
ومعناه أعمركم الله فيها دياركم ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم.
أو جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنه أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لوارثه.
ومعنى كونه قريباً قد مر في قوله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ﴾ وذلك في "البقرة" ﴿ قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً ﴾ عن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا.
وقيل: كنا نظن بك الرشد والصلاح وكمال العقل وإصابة الرأي.
وقيل: كنت تعطف على فقيرنا وتعيد ضعيفنا وتعود مرضانا فظننا أنك من الأنصار والأحباب وأهل الموافقة في الدين، فكيف أظهرت العداوة والبغضاء؟
ثم أضافوا إلى هذا الكلام التمسك بالتقليد ومتابعة الآباء، ثم صرحوا بالتوقف والريب في أمره.
ومريب من أرابه إذا أوقعه في الريبة، أو من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة وهو من الإِسناد المجازي واعلم أن قوله ﴿ وإنا لفي شك ﴾ بنون الوقاية ههنا على الأصل، وأما في سورة إبراهيم فإنما قال: ﴿ وإنا ﴾ بغير نون الوقاية لقوله بعده: ﴿ تدعوننا ﴾ على الجمع فكان اجتماع النونات مستكرهاً.
فأجابهم هو بقوله: ﴿ إن كنت على بينة ﴾ الآية.
وبنى أمره على الفرض والتقدير لأن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول كأنه قال: قدروا أني على بينة ﴿ من ربي ﴾ وأني نبي على الحقيقة فمن يمنعني من عذاب الله ﴿ إن عصيته ﴾ في أوامره ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ أي على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها، أو فما تزيدونني بما تحملونني عليه إلا أني أنسبكم إلى الخسران وأقول إنكم خاسرون.
والمعنى الأول أقرب لأنه كالدلالة على أن متابعتهم لا تزيده إلا خسران الدارين.
﴿ ويا قوم هذه ناقة الله ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف".
ومعنى ﴿ عذاب قريب ﴾ عاجل لا يستأخر إلا ثلاثة أيام و ﴿ غير مكذوب ﴾ من باب الاتساع أي غير مكذوب فيه فحذف الحرف.
وأجرى الضمير مجرى المفعول به أو من باب المجاز كأن الوعد إذا أوفى به فقد صدق ولم يكذب أو المكذوب مصدر كالمجلود وصف به.
قوله: ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بالفاء.
وفي قصة هود بالواو ولمكان التعقيب ههنا بدليل قوله: ﴿ عذاب قريب ﴾ ومثله في قصة لوط لقوله: ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ وأما في قصة هود فإنه قال: ﴿ ويستخلف ﴾ بلفظ المستقبل ومثله في قصة شعيب ﴿ سوف تعلمون من يأتيه ﴾ بحرف التسويف فلم يكن الفاء مناسباً.
واعتبر هذا المعنى في سائر المواضع كما في سورة يوسف قال: ﴿ ولما جهزهم ﴾ بالواو أوّلاً لأن التعقيب لم يكن مراداً ثم قال: ﴿ فلما جهزهم ﴾ لمكان التعقيب والله أعلم.
قوله: ﴿ ومن خزي يومئذٍ ﴾ معطوف على محذوف والتقدير نجينا صالحاً ومن معه من العذاب النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم، أو يتعلق بمعطوف محذوف أي ونجيناهم من خزي يومئذ كما قال: ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ والمعنيان كما قلنا هناك.
والقراءتان في ﴿ يومئذٍ ﴾ لأن الظرف المضاف إلى "إذ" يجوز بناؤه على الفتح، والتنوين في "إذ" عوض من المضاف إليه أعني الجملة، والتقدير يوم إذ كان كذا وكسر الذال للساكنين ﴿ إن ربك هو القوي العزيز ﴾ القادر الغالب فمن قدرته ميز المؤمن من الكافر، ومن عزته وقهره أهلك الكفار بالصيحة التي سمعوها من جانب السماء إما بواسطة جبرائيل وإما لإحداثها في سحاب مع برق شديد محرق.
وإنما تصير الصيحة سبباً للهلاك لأن التموج الشديد في الهواء يوجب تأذي صماخ الإنسان، وقد يتمزق غشاء الدماغ بذلك، والأعراض النفسانية أيضاً إذا قويت أوجبت الموت وتمام القصة مذكور في سورة الأعراف، وقوله: ﴿ ألا إن ثمود ﴾ إلى آخره.
شبيه بما مر في قصة هود، والتأويل كما مر في سورة الأعراف والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ﴾ : هذا والله أعلم صلة قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ فيقول: ولقد أرسلنا هوداً إلى عاد أخاهم.
ثم يحتمل قوله: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ الأخوة تكون على وجوه: أخوة جنس يقال: هذا أخو هذا نحو مصراعي الباب، يقال لأحدهما: هذا أخو هذا ونحو أحد زوجي الخف وأمثاله.
وأخوة النسب.
وأخوة الدين؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ فهو لم يكن أخا لهم في الدين، فهو يحتمل أنه أخوهم في الجنس وفي النسب؛ لأن الناس كلهم ينسبون إلى آدم فيقال: بنو آدم مع بعد ما بينه وبينهم؛ فعلى ذلك يكون بعضهم لبعض إخوة مع بعد النسب الذي بينهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ : يُعبَد أي: الذين تعبدون ليسوا بآلهة يستحقون العبادة [إنما الإله الذي يستحق العبادة] الله الذي خلقكم وخلق لكم الأشياء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ أي: ما أنتم إلا مفترون، لا يحتمل أن يكون هو قال لهم هذا في أول ما دعاهم إلى التوحيد، وفي أول ما ردوا إجابته وكذبوه؛ لأنهم أمروا بلين القول لهم وتذكير النعمة عليهم؛ كقوله لموسى وهارون حيث بعثهما إلى فرعون بقوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ الآية [طه: 44]، ولكن كأنه قال لهم ذلك بعد ما سبق منه إليهم دعاء غير مرة، وأقام عليهم الحجة والبراهين فردوها، فعند ذلك قال لهم هذا حيث قالوا: ﴿ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ...
﴾ الآية [هود: 53].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ : يحتمل في تسميتهم الأصنام التي عبدوها آلهة، يقول: [إن] أنتم إلا مفترون في ذلك.
ويحتمل أنه سماهم مفترين فيما قالوا الله أمرهم بذلك، يقول: أنتم مفترون فيما ادعيتم الأمر بذلك، أو مفترون في إنكارهم البعث والرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ ﴾ : هذا قد ذكر في غير موضع يقول لهم - والله أعلم -: إني لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا يمنعكم ثقل ذلك الأجر وغرمه عن الإجابة، فما الذي يمنعكم عن الإجابة لي ويحملكم على الرد [بل أدعوكم إلى] ما ترغبون فيه، فكيف يمنعكم عن الإجابة والنظر فيما أدعوكم إليه؟!
﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ : أني رسول إليكم بآيات وحجج جئت بها، أو: أفلا تعقلون أنها آيات وحجج ونحوه، أو يقول: أفلا تعقلون أن الله واحد وأنه رب كل شيء وخالق كل شيء ومنشئه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ : يحتمل أن يكون قوله استغفروا ربكم ثم توبوا إليه واحدا.
ويحتمل على التقديم والتأخير توبوا إليه ثم استغفروا ما كان منكم من المساوي، أي: أقبلوا إلى طاعة الله واندموا على أفعالكم.
وقوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ : معلوم أن هودا لم يرد بقوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ ﴾ أن يقولوا: نستغفر الله، ولكن أمرهم أن يطلبوا السبب الذي به تجب لهم المغفرة وتحق وهو التوحيد، كأنه قال: وحدوا ربكم فآمنوا به ثم توبوا إليه، أو يقول: اطلبوا المغفرة بالانتهاء عن الكفر؛ كقوله : ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: إنه قد كان انقطع عنهم المطر وانقطع نسلهم، فأخبر أنكم إن تبتم إلى الله، واستغفرتم ربكم ﴿ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً...
﴾ الآية حتى تناسلوا وتتوالدوا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً ﴾ أي: يزدكم قوة أفعالكم إلى قوة أبدانكم؛ لأنهم كانوا أهل قوة وأهل بطش بقولهم قالوا: من أشد منا قوة.
ويحتمل على الابتداء: يرسل السماء عليكم مدرارا، ويزدكم قوة إلى قوتكم.
فقوله: ﴿ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ ﴾ عما أدعوكم فيه؛ فتكونوا ﴿ مُجْرِمِينَ ﴾ ولا تتولوا عما أدعوكم فيه؛ فتكونوا مجرمين.
المجرم قال أبو بكر: هو الوثاب في الإثم، وقيل: هو المكتسب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ﴾ : على ما تدعونا إليه، أو على ما تدعي من الرسالة، فعند ذلك قال [لهم هود]: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ .
﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا ﴾ أي: ما نحن بتاركي عبادة آلهتنا عن قولك، أي: بقولك، كان لا يدعوهم هود إلى ترك عبادة آلهتهم بقوله خاصة، ولكن قد دعاهم وأقام على فساد ذلك الحجج والبراهين، لكنهم قالوا متعنتين مكابرين: ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ فيما تدعونا إليه، وتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ ﴾ قيل: [هو كان] يسب آلهتهم ويذكرهم بالعيب فيقولون: إن يعترك من بعض آلهتنا سوء أو يصيبوك بجنون وخبل، فلا عجب أن يصيبك منها فاجتنبها سالما، فذلك يخرج منهم مخرج الامتنان، أي: إنا إنما ننهاك عن سب آلهتنا وذكر العيب فيها إشفاقاً عليك لئلا يصيبك [شيء منها].
وقال ابن عباس - -: قالوا: "شتمت آلهتنا فخبلتك وأصابتك بالجنون"، فتأويله - والله أعلم - أنك إنما تدعونا إلى ما تدعونا إليه وتدعي ما تدعي لما أصابتك آلهتنا بسوء واعترتك بجنون، كانوا يخوفونه أن تصيبه آلهتهم بسوء بتركه عبادتها، على ما كانوا يرجون ويطمعون بعبادتهم إياها شفاعتها لهم؛ قال: ﴿ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ به وتعبدونه من الآلهة، واشهدوا أنتم أيضاً بأني بريء من ذلك، ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾ : أنتم وآلهتكم فيما تدعونني من الهلاك أو السوء، ﴿ ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ أي: ثم لا تمهلون في ذلك.
ويحتمل قوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾ \[أنتم وآلهتكم\]؛ يقول: اعملوا أنتم وآلهتكم جميعاً التي تزعمون أنها خبلتني وأجنتني، ﴿ ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ .
أي: لا تمهلون، وهذا من أشد آيات النبوة؛ لأنه يقول لهم وهو بين أظهرهم وحيداً، فلولا أنه يقول ذلك لهم بقوة من الله والاعتماد له عليه والانتصار به، وإلا ما اجترأ أحد أن يقول مثل هذا بين أعدائه علم أنه قال ذلك بالله ؛ وكذلك قول رسول الله : ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ...
﴾ الآية [الأعراف: 195]، وقول نوح: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ...
﴾ الآية [يونس: 71]، وقول شعيب: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ...
﴾ الآية [هود: 93] وأمثاله، قالوا ذلك بين أظهر الاعداء ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك بالله وذلك من آيات النبوة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: فوضت أمري [إلى الله]، أو وكلت في جميع عملي إليه، أو وثقت به واعتمدت عليه فيما توعدونني من الهلاك، أو توكلت عليه في دفع ما أوعدتموني ربي وربكم، أي: كيف توعدونني بآلهتكم التي تعبدون، ولا تخافون الذي تعلمون أنه هو ربي وربكم؟!
وهو كما قال إبراهيم: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [الأنعام: 81].
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ ﴾ : يميتها متى شاء.
وقوله: ﴿ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ ﴾ أي: في ملكه وسلطانه، يقال: فلان آخذ بحلقوم فلان، وفلان في قبضة فلان ليس أنه في قبضته بنفسه أو آخذ بحلقوم فلان، ولكن يراد أنه في سلطانه وفي ملكه وفي قبضته.
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: على الذي أمرني ربي ودعاني إليه، أو يكون قوله: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: أن الذي أمرني ربي ودعاني إليه هو صراط مستقيم؛ كقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ .
وقال أبو عوسجة: الاعتراء هو الأخذ، يقال: اعترته الحمى أي أخذته.
وقال القتبي: الاعتراء [هو] الإصابة، بقول: إلا اعتراك: أصابك، يقال: اعتريت: أصبت، وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ﴾ : يحتمل على الإضمار أي: فإن تولوا عن إجابتك وطاعتك فقل قد أبلغتكم [رسالات ربي]؛ لأن قوله: ﴿ تَوَلَّوْاْ ﴾ إنما هو خبر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبْلَغْتُكُمْ ﴾ : خطاب، وأمكن أن يكونا جميعاً على الخطاب، يقول: فإن توليتم عن إجابتي فيما أدعوكم إليه، فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم وليس علي إلا تبليغ الرسالة إليكم؛ كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، يقول: إنما علي إبلاغ الرسالة إليكم، ليس على جرم توليكم عن إجابتي؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ \[فيه وجهان: أحدهما: يخبر عن هلاكهم؛ لأنه أخبر أنه يستخلف قوماً غيرهم؛ لأنه ما لم يهلك هؤلاء لا يكون غيرهم خلفهم\]: لأنهم كانوا يقولون: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ ، يقول - والله أعلم -: إن قوة أبدانكم وبطشكم لا تعجز الله عن إهلاككم، وفيه أن عاداً ليسوا هم النهاية في العالم، بل يكون بعدهم قوم غيرهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً ﴾ أي: لا تضرونه بتوليكم عن إجابتي وردكم رسالة الله إليكم، ليس كملوك الأرض إذا تولى عنهم خدمهم وحشمهم ضرهم ذلك.
والثاني: لا تضرونه كما يضر ملوك الأرض بالقتال والحرب بعضهم بعضا.
والثالث: لا تضرونه لأنه لا منفعة له فيما يدعوكم حتى يضره ضد ذلك؛ إذ ليس يدعوكم إلى ما يدعو لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، إنما يأمركم ويدعوكم لحاجة أنفسكم والمنفعة لكم.
ويحتمل أن يكون لا تضرونه شيئاً جواب قوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً...
﴾ الآية.
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ \[لا يخفى عليه شيء وإن لطف، فكيف يخفى عليه أعمالكم وأموالكم مع ظهورها وبدوها.
أو يقول: إن ربي على كل شيء حفيظ\]: فيجزيه عليه، ولا يذهب عنه شيء، أي: لا يفوته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً ﴾ .
قوله: ﴿ جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أمر تكوين لا أمر يقتضي الساعة؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا هو أمر تكوين وقد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ : هذا يدل أن من نجا إنما نجا برحمة منه لا بعمله؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول الله قال: "لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ، لا على ما يقوله المعتزلة: إن من نجا إنما ينجو بعمله لا برحمته.
ثم يحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ وجوهاً؛ تحتمل الرحمة هاهنا هودا، أي: رحمهم به حيث بعث إليهم رسولا فنجا من اتبعه، فإن كان هذا ففيه أن أهل الفترة معاقبون في حال فترتهم؛ لأنه أخبر أن من نجا إنما نجا بهود، فدل أنهم معاقبون قبل بعث الرسل إليهم.
ويحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ أي: بتوفيق منا إياهم نجا من نجا منهم.
والثالث: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ \[قال بعضهم: نجيناهم من العذاب الذي أهلك هؤلاء.
ويحتمل أن يكون على الوعد أي: ينجيهم في الآخرة من عذاب غليظ\].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ ﴾ أي: وتلك أهل قرية عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسلهم، الكفر بالآيات كفر بجميع الرسل، والكفر بواحد من الرسل كفر بالرسل جميعاً وبالله؛ لأن كل واحد من الرسل يدعو إلى الإيمان بالله وبجميع الرسل، فالإيمان بواحد منهم إيمان بالله وبجميع الرسل والآيات، والكفر بواحد منها كفر بالله وبجميع الرسل، وإنما كان الكفر بالآيات كفرا بالله؛ لأن الله إنما يعرف من جهة الآيات والكفر بالآيات كفر به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ قيل: أخبر أنهم اتبعوا أمر الجبابرة وأطاعوهم، وتركوا اتباع الرسل وطاعتهم.
قيل: الجبار هو المتجبر الذي يتجبر على الرسل ويتكبر عليهم؛ لأن الرؤساء منهم كانوا يتجبرون على الرسل ويتكبرون، ثم الأتباع اتبعوا الرؤساء في عملهم.
قال أبو عوسجة: الجبار هو المتجبر، والعنيد هو المعاند المخالف.
وقال القتبي: العنود والعنيد والمعاند المعارض لك بالخلاف عليك.
وقال أبو عبيدة: العنيد والعنود والمعاند هو الجائر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : قال بعضهم: اللعن هو العذاب، أي: أتبعوا في الدنيا وفي الآخرة بالعذاب؛ كقوله: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ أي: عذاب الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُتْبِعُواْ ﴾ أي: ألحقوا، وقيل: إن اللعن هو الطرد، طردوا عن رحمة الله حتى لا ينالوها لا في الدنيا ولا في الآخرة، إلا أن عاداً كفروا ربهم ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ ، أي: ألا بعداً لهم من رحمة الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِن دُونِهِۦ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ﴾ ما نقول إلا أنَّه أصابك بعض آلهتنا بجنون لما كنت تنهانا عن عبادتهم، قال هود: إني أشهد الله، واشهدوا أنتم أني بريء من عبادة آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، فامكروا بي أنتم وآلهتكم التي تزعمون أنها أصابتني بجنون، ثم لا تمهلوني.
<div class="verse-tafsir" id="91.jrn6Q"