الآية ٥٧ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٥٧ من سورة هود

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ ٥٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 56 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٧ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٧ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول لهم [ رسولهم ] هود : فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له ، فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها ، ( ويستخلف ربي قوما غيركم ) يعبدونه وحده لا يشركون به [ شيئا ] ولا يبالي بكم : فإنكم لا تضرونه بكفركم بل يعود وبال ذلك عليكم ، ( إن ربي على كل شيء حفيظ ) أي : شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم ويجزيهم عليها إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هود لقومه: (فإن تولوا) ، يقول: فإن أدبروا معرضين عما أدعوهم إليه من توحيد الله وترك عبادة الأوثان (8) ، (فقد أبلغتكم) أيها القوم ، (ما أرسلت به إليكم) ، وما على الرسول إلا البلاغ ، (ويستخلف ربي قوما غيركم) ، يهلككم ربي، ثم يستبدل ربي منكم قومًا غيركم ، (9) يوحِّدونه ويخلصون له العبادة ، (ولا تضرونه شيئًا ) ، يقول: ولا تقدرون له على ضرّ إذا أراد إهلاككم أو أهلككم.

* * * وقد قيل: لا يضره هلاككُم إذا أهلككم ، لا تنقصونه شيئًا ، لأنه سواء عنده كُنتم أو لم تكونوا.

* * * ، (إن ربي على كل شيء حفيظ) ، يقول: إن ربي على جميع خلقه ذو حفظ وعلم .

(10) يقول: هو الذي يحفظني من أن تنالوني بسوء.

--------------------- الهوامش : (8) كان حق الكلام أن يقول : " فإن أدبرتم معرضين عما أدعوكم إليه " ، فهو خطاب من هود لقومه ، أي : " فإن تتولوا " ، وحذف إحدى التاءين .

وكأن هذا سهو من أبي جعفر رحمه الله وغفر له.

(9) انظر تفسير " الاستخلاف " فيما سلف من فهارس اللغة ( خلف ) .

(10) انظر تفسير " حفيظ " فيما سلف 8 : 562 / 12 : 25 ، 33 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإن تولوا في موضع جزم ; فلذلك حذفت منه النون ، والأصل تتولوا ، فحذفت التاء لاجتماع تاءين .فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم بمعنى قد بينت لكم .ويستخلف ربي قوما غيركم أي يهلككم ويخلق من هو أطوع له منكم يوحدونه ويعبدونه .

" ويستخلف " مقطوع مما قبله فلذلك ارتفع ; أو معطوف على ما يجب فيما بعد الفاء من قوله : فقد أبلغتكم .

وروي عن حفص عن عاصم " ويستخلف " بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها ; مثل : ويذرهم في طغيانهم يعمهون .[ ص: 49 ] قوله تعالى : ولا تضرونه شيئا أي بتوليكم وإعراضكم .

إن ربي على كل شيء حفيظ أي لكل شيء حافظ .

" على " بمعنى اللام ; فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَإِنْ تَوَلَّوْا } عما دعوتكم إليه { فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ } فلم يبق عليَّ تبعة من شأنكم.

{ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ } يقومون بعبادته، ولا يشركون به شيئا، { وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا } فإن ضرركم، إنما يعود عليكم، فالله لا تضره معصية العاصين.

ولا تنفعه طاعة المطيعين { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } [ { إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } ].

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فإن تولوا ) أي : تتولوا ، يعني : تعرضوا عما دعوتكم إليه ، ( فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ) أي : إن أعرضتم يهلككم الله عز وجل ويستبدل بكم قوما غيركم أطوع منكم ، يوحدونه ويعبدونه ، ( ولا تضرونه شيئا ) بتوليكم وإعراضكم ، إنما تضرون أنفسكم .

وقيل : لا تنقصونه شيئا إذا أهلككم لأن وجودكم وعدمكم عنده سواء ، ( إن ربي على كل شيء حفيظ ) أي : لكل شيء حافظ ، يحفظني من أن تنالوني بسوء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإن تولوْا» فيه حذف إحدى التاءين، أي تعرضوا «فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا» بإشراككم «إن ربي على كل شيء حفيظ» رقيب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإن تُعرضوا عما أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له فقد أبلغتكم رسالة ربي إليكم، وقامت عليكم الحجة، وحيث لم تؤمنوا بالله فسيهلككم ويأتي بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم، ويخلصون لله العبادة، ولا تضرونه شيئًا، إن ربي على كل شيء حفيظ، فهو الذي يحفظني من أن تنالوني بسوء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم هود - عليه السلام - رده على قومه ، بتحذيرهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم فقال : ( فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ .

.

.

)أى : فإن تتولوا عن دعوتى ، وتعرضوا عن الحق الذى جئتكم به من عند ربى ، فتكون عاقبتكم خسرا ، وأمركم فرطا .أما أنا فقد أديت واجبى ، وأبلغتكم ما أرسلت به إليكم من عند ربى بدون تكاسل أن تقصير .

وقوله ( وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً ) وعيد لهم بإهلاكهم وإحلال غيرهم محلهم .أى : وهو - سبحانه - سهلككم بسبب إصراركم على كفركم فى الوقت الذى يشاؤه ، ويستخلف من بعدكم قوما آخرين سواكم ، يرثون دياركم وأموالكم ، ولن تضروا الله شيئا من الضرر بسبب إصراركم على كفركم ، وإنما أنتم الذين تضرون أنفسكم بتعريضها للدمار فى الدنيا ، وللعذاب الدائم فى الآخرة .وقوله : ( إِنَّ رَبِّي على كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) أى : إن ربى قائم على كل شيئ بالحفظ والرقابة والهيمنة ، وقد اقتضت سنته - سبحانه - أن يحفظ رسله وأولياءه ، وأن يخذل أعداءه .وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد ساقت لنا بأسلوب بليغ حكيم .

جانبا من الحوار الذى دار بين هود وقومه وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، فماذا كانت نتيجة هذا الحوال والجدال؟لقد كان نتيجته إنجاء هود والذين آمنوا معه ، وإهلاك أعدائهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ يعني فإن تتولوا ثم فيه وجهان: الأول تقدير الكلام فإن تتولوا لم أعاتب على تقصير في الإبلاغ وكنتم محجوبين كأنه يقول: أنتم الذين أصررتم على التكذيب.

الثاني: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ يعني يخلق بعدكم من هو أطوع لله منكم، وهذا إشارة إلى نزول عذاب الاستئصال ولا تضرونه شيئاً، يعني أن إهلاككم لا ينقص من ملكه شيئاً.

ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبّى على كُلّ شَيء حَفِيظٌ ﴾ وفيه ثلاثة أوجه: الأول: حفيظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها.

الثاني: يحفظني من شركم ومكركم.

الثالث: حفيظ على كل شيء يحفظه من الهلاك إذا شاء ويهلكه إذا شاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ولما ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم، وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم.

من كون كل دابة في قبضته وملكته وتحت قهره وسلطانه، والأخذ بنواصيها، تمثيل لذلك ﴿ إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ يريد أنه على طريق الحق والعدل في ملكه، لا يفوته ظالم، ولا يضيع عنده معتصم به ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ فإن تتولوا.

فإن قلت: الإبلاغ كان قبل التولي، فكيف وقع جزاء للشرط؟

قلت: معناه فإن تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ، وكنتم محجوجين بأنّ ما أرسلت به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ ﴾ كلام مستأنف، يريد: ويهلككم الله ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم ﴿ وَلاَ تَضُرُّونَهُ ﴾ بتوليكم ﴿ شَيْئاً ﴾ من ضرر قط، لأنه لا يجوز عليه المضارّ والمنافع، وإنما تضرون أنفسكم.

وفي قراءة عبد الله ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ ﴾ بالجزم وكذلك: ولا تضروه، عطفاً على محل ﴿ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ﴾ والمعنى: إن يتولوا يعذرني ويستخلف قوماً غيركم ولا تضروا إلا أنفسكم ﴿ على كُلّ شَيْء حَفِيظٌ ﴾ أي رقيب عليه مهيمن، فما تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم.

أو من كان رقيباً على الأشياء كلها حافظاً لها وكانت مفتقرة إلى حفظه من المضارّ، لم يضر مثله مثلكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ فَإنْ تَتَوَلَّوْا.

﴿ فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ ﴾ فَقَدْ أدَّيْتُ ما عَلَيَّ مِنَ الإبْلاغِ وإلْزامِ الحُجَّةِ فَلا تَفْرِيطَ مِنِّي ولا عُذْرَ لَكم فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم.

﴿ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ بِالوَعِيدِ لَهم بِأنَّ اللَّهَ يُهْلِكُهم ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا آخَرِينَ في دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ بِالفاءِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالجَزْمِ عَلى المَوْضِعِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَتَوَلَّوْا يَعْذُرْنِي رَبِّي ويَسْتَخْلِفْ.

﴿ وَلا تَضُرُّونَهُ ﴾ بِتَوَلِّيكم.

﴿ شَيْئًا ﴾ مِنَ الضَّرَرِ ومَن جَزَمَ يَسْتَخْلِفْ أسْقَطَ النُّونَ مِنهُ.

﴿ إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ رَقِيبٌ فَلا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم ولا يَغْفَلُ عَنْ مُجازاتِكم، أوْ حافِظٌ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ.

﴿ وَلَمّا جاءَ أمْرُنا ﴾ عَذابُنا أوْ أمَرْنا العَذابَ.

﴿ نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ﴾ وكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ.

﴿ وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ تَكْرِيرٌ لِبَيانِ ما نَجّاهم مِنهُ وهو السَّمُومُ، كانَتْ تَدْخُلُ أُنُوفَ الكَفَرَةِ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ فَتُقَطِّعُ أعْضاءَهم، أوِ المُرادُ بِهِ تَنْجِيَتُهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ أيْضًا، والتَّعْرِيضُ بِأنَّ المُهْلَكِينَ كَما عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالسَّمُومِ فَهم مُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ بِالعَذابِ الغَلِيظِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم} هو فى موضع فقد ثتبتت الحجة عليكم {وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ} كلام مستانف أى ويهلككم الله ويجئ بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم {وَلاَ تضرونه} تبوليكم {شَيْئاً} من ضرر قط إذ لا يجوز عليه المضار وإنما تضرون أنفسكم {إِنَّ رَبّى على كُلّ شَىْء حَفِيظٌ}

رقيب عليه مهيمن فما تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم أو من كان رقيباً على الأشياء كلها حافظاً لها وكانت الأشياء مفتقرة إلى حفظه عن المضار لم يضر مثله مثلكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ تَتَوَلَّوْا فَهو مُضارِعٌ حُذِفَ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ لِاقْتِضاءِ أبْلَغْتُكم لَهُ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ ماضِيًا، وفي الكَلامِ التِفاتٌ ولا يَظْهَرُ حُسْنُهُ ولِذا قَدَّرَ غَيْرَهُ مِمَّنْ جَعَلَهُ كَذَلِكَ فَقُلْ أبْلَغْتُكم لَكِنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ الأعْرَجِ وعِيسى الثَّقَفِيِّ (تُوَلُّوا) بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، والمُرادُ فَإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم فَلا يَصْلُحُ لِلشَّرْطِ، وجَوَّزَ أنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ بِحَمْلِهِ عَلى التَّوَلِّي الواقِعِ بَعْدَما حَجَّهُمْ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِقَوْمِ هُودٍ والخِطابُ مَعَهُمْ، وهو مِن تَمامِ الجُمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وقَدِ انْتَقَلَ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ فَقُلْ لَهم -قَدْ أبْلَغْتُكُمْ- إلَخْ وهو مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ كَما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ ﴾ دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ أيْ إنْ تَتَوَلَّوْا لَمْ أُعاتِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ إنْ تَتَوَلَّوْا فَما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكُمْ، فَإنَّهُ قَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ، وقِيلَ: إنَّهُ الجَزاءُ بِاعْتِبارٍ لازَمَ مَعْناهُ المُسْتَقْبَلَ بِاعْتِبارِ ظُهُورِهِ أيْ فَلا تَفْرِيطَ مِنِّي ولا عُذْرَ لَكُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ جَزاءٌ بِاعْتِبارِ الإخْبارِ لِأنَّهُ كَما يُقْصَدُ تَرَتُّبُ المَعْنى يُقْصَدُ تَرَتُّبُ الإخْبارِ كَما في (وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) عَلى ما مَرَّ وكُلُّ ذَلِكَ لِما أنَّ الإبْلاغَ واقِعٌ قَبْلَ تَوَلِّيهِمْ، والجَزاءُ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ الشَّرْطِ.

وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ صِحَّةَ وُقُوعِهِ جَوابًا لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضْمَنُ ما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ، وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وهَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: اسْتِئْنافٌ بِالوَعِيدِ لَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُهم ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا آخَرِينَ في دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهو اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ عِنْدَ بَعْضٍ بِناءً عَلى جَوازِ تَصْدِيرِهِ بِالواوِ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: المُرادُ بِهِ أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ بِداخِلَةٍ في الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ جَزاءً بَلْ تَكُونُ جُمْلَةً بِرَأْسِها مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ العِبارَةِ، وعَلَيْهِ تَكُونُ مُرَتَّبَةً عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عَلى العَدْلِ يَنْتَقِمُ مِنكم ويُهْلِكُكُمْ، وقالَ الجَلْبِيُّ: لا مانِعَ عِنْدِي مِن حَمْلِهِ عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ جَوابًا عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى التَّوَلِّي وهو الظّاهِرُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُفْعَلُ بِهِمْ إذا تَوَلَّوْا؟

فَقِيلَ: (يَسْتَخْلِفُ) إلَخْ، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ الِاسْتِئْنافَ البَيانِيَّ لا يَقْتَرِنُ بِالواوِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الجَوابِ لَكِنْ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ لِأنَّهُ الجَوابُ في الحَقِيقَةِ، والفاءُ رابِطَةٌ لَهُ ودُخُولُ الفاءِ عَلى المُضارِعِ هُنا لِأنَّهُ تابِعٌ يَتَسامَحُ فِيهِ.

وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فَقُلْ: (يَسْتَخْلِفُ) إلَخْ، وقَرَأ حَفْصٌ بِرِوايَةِ هُبَيْرَةَ و(يَسْتَخْلِفْ) بِالجَزْمِ وهو عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ الجُمْلَةِ الجَزائِيَّةِ مَعَ الفاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: ( فَإنْ تَوَلَّوْا ) يَعْذُرُنِي ويُهْلِكُكم (ويَسْتَخْلِفُ) مَكانَكم آخَرِينَ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ذَلِكَ تَسْكِينًا لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ، وبِجَزْمِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ﴾ ، وقِيلَ: إنَّ مَن جَزَمَ الأوَّلَ جَزَمَ هَذا لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ وهو الظّاهِرُ، والمَعْنى لا تَضُرُّونَهُ بِهَلاكِكم شَيْئًا أيْ لا يَنْتَقِصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا ونَصَبَ (شَيْئًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِتَضُرُّونِ أيْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مَفْعُولًا ثانِيًا مُفَسِّرًا لَهُ بِما يَتَعَدّى لَهُما لِمَكانِ الرِّوايَةِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّكم لا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ ولا عَلى الِانْتِصارِ مِنهُ ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ التَّوَلِّيَ بَدَلَ الإهْلاكِ أيْ ولا تَضُرُّونَهُ بِتَوَلِّيكم شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ أيْ رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا فَلا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكُمْ، فالحِفْظُ كِنايَةٌ عَنِ المُجازاةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَفِيظُ بِمَعْنى الحافِظِ بِمَعْنى الحاكِمِ المُسْتَوْلِي، أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حافِظٌ مُسْتَوْلٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومِن شَأْنِهِ ذَلِكَ كَيْفَ يَضُرُّهُ شَيْءٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: إن تتولوا، ومعناه: إن أعرضتم عن الإيمان، فلم تؤمنوا.

وهذا كقوله: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [محمد: 38] .

ثمّ قال: فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ يعني: إن تتولوا، فأنا معذور لأني قد أبلغتكم الرسالة، وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ إن شاء.

ويقال: قد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم من التوحيد، ونزول العذاب في الدنيا.

وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي بعد هلاككم قَوْماً غَيْرَكُمْ يعني: خيراً منكم وأطوع لله تعالى.

وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً يعني: إن لم تؤمنوا به، فلا تنقصون من ملكه شيئاً.

ويقال: إهلاككم لا ينقصه شيئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ يعني: حافظا، لا يغيب عنه شيء.

ويقال: معناه، حفظ كل شيء عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

منه، يتقدَّمها علْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاحٍ ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها ومِدْراراً بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة «عاد» .

وقوله سبحانه: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أن خصّ القوة بالذكر، إذ كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ، وقولهم: عَنْ قَوْلِكَ، أي: لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا، وقال ص: عَنْ قَوْلِكَ: حالٌ من الضمير في «تاركي» ، أي: صادِرِينَ عن قولك، وقيل: «عن» : للتعليل، كقولهِ: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ [التوبة:

١١٤] وقولهم: إِنْ نَقُولُ ...

الآية: معناه: ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال: / عَرَّ يَعُرُّ، واعترى يَعْتَرِي إِذا أَلمَّ بالشيء.

وقوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً: أي: أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له عليه السلام معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع انفراده وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يقدروا على نيله بسوء، وتُنْظِرُونِ: معناه: تؤخِّروني، أيْ: عاجلوني بما قَدَرْتم عليه.

وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يريد: إِن أفعالَ اللَّه عزَّ وجلَّ في غاية الإحكام، وقوله الصّدق ووعده الحقّ، وعَنِيدٍ: من «عند» إذا عتا.

وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)

وقوله سبحانه: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ...

الآية: حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ: لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ،

كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث «١» .

ت: وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ، وَيَوْمَ: ظَرفٌ، ومعناه: إِن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيّن.

وقوله عز وجل: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ...

الآية: التقديرُ: وأرسلنا إلى ثمود وأَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: أي: اخترعكم، وأوْجَدكم، وذلك باختراع آدم عليه السلام.

وقال ص: مِنَ الْأَرْضِ: لابتداءِ الغاية باعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان.

انتهى.

وقد نقل ع «٢» : في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣» : قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها:

أي: خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال: هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة.

ت: والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق الامتنان عليهم.

انتهى.

وقولهم:

يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا، قال جمهور المفسِّرين: معناه: مسوَّداً نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّداً سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم: وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، معنى: مُرِيبٍ: ملبس متهم، وقوله: أَرَأَيْتُمْ: أي: أتدبرتم، فالرؤية قلبيّة، وآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً، يريد: النبوَّة وما انضاف إِليها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، مَعْناهُ: فَإنْ أعْرَضُوا.

فَعَلى هَذا، في الآيَةِ إضْمارٌ، تَلْخِيصُهُ: فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْحاضِرِينَ، وتَقْدِيرُهُ فَإنْ تَتَوَلَّوْا، فاسْتَثْقَلُوا الجَمْعَ بَيْنَ تاءَيْنِ مُتَحَرِّكَتَيْنِ، فاقْتُصِرَ عَلى إحْداهُما، وأُسْقِطَتِ الأُخْرى، كَما قالَ النّابِغَةُ المَرْءُ يَهْوى أنْ يَعِيـ شَ وطُولُ عَيْشٍ قَدْ يَضُرُّهْ تَفْنى بَشاشَتُهُ ويَبْـ ∗∗∗ قى بَعْدَ حُلْوِ العَيْشِ مَرُّهْ وتَصَرَّفُ الأيّامُ حَـ ∗∗∗ تّى ما يَرى شَيْئًا يَسُرُّهْ أرادَ: وتَتَصَرَّفُ الأيّامُ، فَأسْقَطَ إحْدى التّاءَيْنِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لَهم بِالهَلاكِ.

﴿ إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حَفِيظٌ عَلى أعْمالِ العِبادِ حَتّى يُجازِيَهم بِها.

والثّانِي: أنْ " عَلى " بِمَعْنى اللّامِ، فالمَعْنى: لِكُلِّ شَيْءٍ حافِظٌ، فَهو يَحْفَظُنِي مِن أنْ تَنالُونِي بِسُوءٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ﴾ ﴿ وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "تَوَلَّوْا" بِفَتْحِ اللامِ والتاءِ عَلى مَعْنى "تَتَوَلَّوْا"، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ، والأعْرَجُ: "تُوَلُّوا" بِضَمِّ التاءِ واللامِ، و"إنْ" شَرْطٌ، والجَوابُ في الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ ﴾ ، والمَعْنى: أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمِّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَلَّوْا فِعْلًا ماضِيًا، ويَجِيءُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ فَقُلْ: قَدْ أبْلَغْتُكم.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيَسْتَخْلِفُ" بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ بِذَلِكَ، وقَرَأ عاصِمٌ - فِيما رَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عنهُ-: "وَيَسْتَخْلِفْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: فَقَدْ.

وقَوْلُهُ: ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا أيْ لا يَنْتَقِصُ مُلْكُهُ، ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَلا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا".

والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ ولا عَلى الِانْتِصارِ مِنهُ ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِكم بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ.

ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ رَبَّهُ حَفِيظٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عالِمٌ بِهِ، وفي تَرْدِيدِ هَذِهِ الصِفاتِ ونَحْوِها تَنْبِيهٌ وتَذْكِيرٌ.

و"الأمْرُ" واحِدُ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمَرَ يَأْمُرُ، أيْ أمْرُنا لِلرِّيحِ أو لِخَزَنَتِها ونَحْوُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: "بِرَحْمَةٍ"، إمّا أنْ يَكُونَ إخْبارًا مُجَرَّدًا عن رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لَحِقَتْهُمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَصْدًا إلى الإعْلامِ أنَّ النَجاةَ إنَّما كَمُلَتْ بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللهِ لا بِأعْمالِهِ فَتَكُونُ الآيَةُ- عَلى هَذا- في مَعْنى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ  : « "لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ".

قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَتِهِ"».

وقَوْلُهُ: ﴿ وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَذابَ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ الرِيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا، تَعْدِيدَ النِعْمَةِ، ومَشْهُورُ عَذابِهِمْ بِالرِيحِ هو أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها وتَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَما هي ونَحْوُ هَذا.

وحَكى الزَجّاجُ أنَّها كانَتْ تَدْخُلُ في أبْدانِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا.

وتَعَدّى "جَحَدُوا" بِحَرْفِ جَرٍّ لَمّا نُزِّلَ مَنزِلَةَ "كَفَرُوا"، وانْعَكَسَ ذَلِكَ في الآيَةِ بَعْدَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ﴾ ، شُنْعَةٌ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّ في تَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبَ سائِرِ الرُسُلِ وعِصْيانَهُمْ، إذِ النُبُوّاتُ كُلُّها مُجْمِعَةٌ عَلى الإيمانِ بِاللهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هُودٌ.

وآدَمُ، ونُوحٌ عَلَيْهُمُ السَلامُ.

و"العَنِيدُ": فَعِيلٌ مِن "عَنَدَ" إذا عَتا.

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العَنَدا أيِ: الصِعابَ مِنَ الإبِلِ، وكانَ التَجَبُّرُ والعِنادُ مِن خُلُقِ عادٍ لِقُوَّتِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً ﴾ الآيَةُ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ لِكُفْرِهِمْ وإصْرارِهِمْ حَتّى حَلَّ العَذابُ بِهِمْ، و"اللَعْنَةُ": الإبْعادُ والخِزْيُ، وقَدْ تَيَقَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ وافَوْا عَلى الكُفْرِ فَيُلْعَنُ الكافِرُ المُوافِي عَلى كُفْرِهِ ولا يُلْعَنُ مُعَيَّنٌ حَيٌّ، لا مِن كافِرٍ، ولا مِن فاسِقٍ، ولا مِن بَهِيمَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِالأحادِيثِ.

و"يَوْمَ" ظَرْفٌ مَعْناهُ: أنَّ اللَعْنَةَ عَلَيْهِمْ في الدُنْيا وفي يَوْمِ القِيامَةِ.

ثُمَّ ذُكِرَتِ العِلَّةُ المُوجِبَةُ لِذَلِكَ وهي كُفْرُهم بِرَبِّهِمْ وتَعَدّى "كَفَرَ" بِغَيْرِ الحَرْفِ إذْ هو بِمَعْنى جَحَدُوا كَما تَقُولُ شَكَرْتُ لَكَ وشَكَرْتُكَ، وكَفَرَ نِعْمَتَهُ وكَفْرَ بِنِعْمَتِهِ، و"بُعْدًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو مَقامٌ ذَلِكَ الفِعْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على جملة ﴿ إنّي أشهد الله ﴾ [هود: 54].

وما بينهما اعتراض أوجبه قصد المبادرة بإبطال باطلهم لأنّ مضمون هذه الجملة تفصيل لمضمون جملة ﴿ إنّي أشهد الله ﴾ [هود: 54] بناء على أنّ هذا من كلام هود عليه السّلام.

وعلى هذا الوجه يكون أصل ﴿ تولوا ﴾ تتولوا فحذفت إحدى التّاءين اختصاراً، فهو مضارع، وهو خطاب هود عليه السّلام لقومه، وهو ظاهر إجراء الضمائر على وتيرة واحدة.

ويجوز أن تكون فعلاً ماضياً، والواو لأهل مكّة فيكون كالاعتراض في إجراء القصة لقصد العبرة بمنزلة الاعتراض الواقع في قصّة نوح عليه السّلام بقوله: ﴿ أم يقولون افتراه قل إن افتريته ﴾ [هود: 35] الآية.

خاطب الله نبيّه صلى الله عليه وسلم وأمره بأن يقول لهم: ﴿ قد أبلغتكم ﴾ .

والفاء الأولى لتفريع الاعتبار على الموعظة وتكون جملة ﴿ فقد أبلغتكم ﴾ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مقولَ قول مَأمور به محذوف يدلّ عليه السياق.

والتقدير: فقل قد أبلغتكم.

وهذا الأسلوب من قبيل الكلام الموجّه المحتمل معنيين غير متخالفين، وهو من بديع أساليب الإعجاز، ولأجله جاء فعل ﴿ تولوا ﴾ بتاء واحدة بخلاف ما في قوله: ﴿ وَإنْ تتولوا يستبدل قوماً غيركم ﴾ [محمد: 38].

والتولّي: الإعراض.

وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظاً ﴾ ، في سورة [النساء: 80].

وجعل جوابُ شرط التولّي قوله: فقد أبلغتكم } مع أنّ الإبلاغ سابق على التولّي المجعول شرطاً لأنّ المقصود بهذا الجواب هو لازم ذلك الإبلاغ، وهو انتفاء تبعة تولّيهم عنه وبراءته من جرمهم لأنّه أدّى ما وجب عليه من الإبلاغ، فإنْ كان من كلام هود عليه السّلام ف ﴿ ما أرسلت به ﴾ هو ما تقدّم، وإنْ كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فما أرسل به هو الموعظة بقصّة قوم هود عليه السّلام.

وعلى كلا الوجهين فهو كناية عن الإنذار بتبعة التولّي عليهم ونزول العقاب بهم، ولذلك عطف ﴿ ويستخلف ربّي قوماً غيركم ﴾ أي يزيلكم ويخلفكم بقوم آخرين لا يتولون عن رسولهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ [محمد: 38].

وارتفاع ﴿ يستخلف ﴾ في قراءة الكافّة لأنّه معطوف على الجواب مجاز فيه الرفع والجزم.

وإنما كان الرفع هنا أرجح لإعطاء الفعل حكم الكلام المستأنف ليكون مقصوداً بذاته لا تبعاً للجواب، فبذلك يكون مقصوداً به إخبارهم لإنذارهم بالاستئصال.

وكذلك جملة ﴿ ولا تضرونه شيئاً ﴾ والمراد لا تضرون الله بتولّيكم شيئاً و ﴿ شيئاً ﴾ مصدر مؤكد لفعل ﴿ تضرونه ﴾ المنفي.

وتنكيره للتّقليل كما هو شأن تنكير لفظ الشيء غالباً.

والمقصود من التّأكيد التّنصيص على العموم بنفي الضر لأنّه نكرة في حيّز النفي، أي فالله يلحق بكم الاستئصال، وهو أعظم الضر، ولا تضرونه أقلّ ضر؛ فإنّ المعروف في المقارعات والخصومات أنّ الغالب المضرّ بعدوّه لا يخلو من أن يَلحقه بعض الضرّ من جرّاء المقارعة والمحاربة.

وجملة ﴿ إنّ ربّي على كل شيء حفيظ ﴾ تعليل لجملة ﴿ ولا تضرّونه شيئاً ﴾ ، فموقع ﴿ إنّ ﴾ فيها موقع فاء التفريع.

والحفيظ: أصله مبالغة الحافظ، وهو الذي يضع المحفوظ بحيث لا يناله أحد غير حافظه، وهو هنا كناية عن القدرة والقهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: عَلى تَدْبِيرٍ مُحْكَمٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ عَلى طَرِيقِ الآخِرَةِ في مَصِيرِكم إلَيْهِ لِلْجَزاءِ وفَصْلِ القَضاءِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إلا على الذي فطرني ﴾ أي خلقني.

وأخرج ابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه قال: أمسك عن عاد القطر ثلاث سنين فقال لهم هود ﴿ استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾ فأبوا إلا تمادياً.

وأخرج ابن سعد في الطبقات وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وأبن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن الشعبي رضي الله عنه قال: خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى يرجع.

فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟

قال: لقد طلبت المطر بمخاديج السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾ و ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ﴾ [ نوح: 10] ﴿ يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾ [ نوح: 11] .

وأخرج أبو الشيخ عن هرون التيمي في قوله: ﴿ يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾ قال: يدر ذلك عليهم مطراً ومطراً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ويزدكم قوة إلى قوتكم ﴾ قال: ولد الولد.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ قال: أصابتك بالجنون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ قال: أصابتك الأوثان بجنون.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ما يحملك على ذم آلهتنا إلا أنه قد أصابك منها سوء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن سعيد قال: ما من أحد يخاف لصاً عادياً، أو سبعاً ضارياً، أو شيطاناً مارداً، فيتلو هذه الآية ﴿ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ﴾ إلا صرفه الله عنه.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ قال: الحق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ عذاب غليظ ﴾ قال: شديد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل جبار عنيد ﴾ المشرك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: ﴿ كل جبار عنيد ﴾ قال: الميثاق.

وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي عنيد قال: تمالت عن الحق.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ﴾ قال: لم يبعث نبي بعد عاد إلا لُعِنَتْ عاد على لسانه.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ﴾ قال: لعنة أخرى.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: تتابعت عليهم لعنتان من الله لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ ، أي إن تتولوا، بمعنى تعرضوا عما دعوتكم إليه من الإيمان بالله وعبادته ﴿ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ﴾ ، قال أبو إسحاق (١) (٢) ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ هاهنا فعل ماض، بمعنى أعرضوا، ويكون المعنى على هذا: فإن أعرضوا فقل لهم قد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم.

وقوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس (٣) ﴿ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ﴾ بتوليكم وإعراضكم إنما تضرون أنفسكم؛ لأن ضرر كفركم عائد عليكم.

وقوله: ﴿ إنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ ، قال أكثر أهل المعاني (٤) (٥) (٦) (٧) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 58.

(٢) "تفسير مقاتل" 147 أ، "زاد المسير" 4/ 119.

(٣) قال به الطبري 12/ 61، والبغوي 4/ 184، القرطبي 9/ 53، ابن عطية 7/ 325، الثعلبي 7/ 46 أ.

(٤) "زاد المسير" 4/ 120.

(٥) "تفسير البغوي" 4/ 184، "زاد المسير" 4/ 120، "القرطبي" 9/ 53، "البحر المحيط" 5/ 235، "الثعلبى" 7/ 46 أ.

(٦) في (ي): (بشر).

(٧) الرازي 18/ 14.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ﴾ أصل تولوا هنا تتولوا لأنه فعل مستقبل حذفت منه تاء المضارعة، فإن قيل: كيف وقع الإبلاغ جواباً للشرط، وقد كان الإبلاغ قبل التولي؟

فالجواب: أن المعنى إن تتولوا فلا عتب عليّ لأني قد أبلغتكم رسالة ربي ﴿ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً ﴾ أي لا تنقصونه شيئاً: أي إذا أهلككم واستخلف غيركم ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ إن قيل: لم قال هنا وفي قصة شعيب ولما بالواو وقال في قصة صالح ولوط: فلما بالفاء؟

فالجواب على ما قال الزمخشري: أنه وقع ذلك في قصة صالح ولوط بعد الوعيد، فجيء بالفاء التي تقتضي التسبيب كما تقول وعدته فلما جاء الميعاد بخلاف قصة هود وشعيب، فإنه لم يتقدم ذلك فيهما فعطف بالواو ﴿ ونجيناهم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ يحتمل أن يريد به عذاب الآخرة، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح، ويحتمل أن يريد بالثاني أيضاً الريح، وكرره إعلاماً بأنه عذاب غليظ، وتعديداً للنعمة في نجاتهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فطرني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع والبزي غير الخزاعي ﴿ إني أشهد ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.

﴿ فإن تولوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.

﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم: الخزاز عن هبيرة.

الباقون بالرفع ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم وكذلك في "المعارج": أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعلي الشموني والبرجمي وعباس.

الآخرون بالجر.

﴿ ألا ان ثمود ﴾ غير منصرف والوقف بغير الألف: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الباقون بالتنوين والوقف بالألف.

﴿ لثمود ﴾ بالتنوين في الوصل: علي.

الوقوف: ﴿ هوداً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ مفترون ﴾ ه ﴿ أجراً ﴾ ط ﴿ فطرني ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ بسوء ﴾ ط ﴿ تشركون ﴾ ه لا ﴿ لا تنظرون ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ بناصيتها ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ به إليكم ﴾ ط للاستئناف إلا لمن قرأ ﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم ﴿ غيركم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ منا ﴾ ج لحق المحذوف أي وقد نجيناهم ﴿ غليظ ﴾ ه ط ﴿ عنيد ﴾ ه ﴿ ويوم القيامة ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ هود ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ م لما مر في "الأعراف".

﴿ غيره ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ مجيب ﴾ ه ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ تخسير ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ أيام ﴾ ط ﴿ مكذوب ﴾ ط ﴿ يومئذٍ ﴾ ط ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا لكاف التشبيه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ لثمود ﴾ ه.

التفسير: قد مر في "الأعراف" تفسير قوله: ﴿ وإلى عاد ﴾ الآية.

ومعنى قوله: ﴿ إن أنتم إلا مفترون ﴾ أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام يحسن عبادتها مع أنها لا حس لها ولا شعور.

ثم قال مثل قول نوح ﴿ يا قوم لا أسألكم عليه أجراً ﴾ لأن النصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن نصح من لا يطلب الأجر إلا من الله لا يكون من التهمة في شيء.

قيل: إنما قال في قصة نوح ﴿ مالاً ﴾ دون ﴿ أجراً ﴾ لذكر الخزائن بعده، فلفظ المال بها أليق.

وحذف الواو من ﴿ يا قوم ﴾ لأنه أراد الاستئناف أو البدل دون العطف.

﴿ ويا قو م استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ قد مر مثله في أول السورة.

وقال الأصم: المراد سلوه أن يغفر لكم ما تقدم لكم من إسرافكم ثم اعزموا على أن لا تعودوا إلى مثله.

ثم قصد استمالتهم وترغيبهم في الإِيمان بكثرة المطر وزيادة القوة لأن القوم كانوا حراصاً على جميع الأموال من وجوه العمارة والزراعة مفتخرين بما أوتوا من البطش والقوة، فقدم إليهم في باب الدعوة إلى الدين والترغيب فيه ما كانت همتهم معقودة به ليحصل في ضمنه الغرض الكلي والمقصود الأصلي وهو الفوز بالسعادات الأخروية، وكأنه إنما خصص هذين النوعين من السعادات الدنيوية لأن الأول أصل جميع النعم، والثاني أصل في الانتفاع بتلك النعم.

وقيل: المراد بالقوة الزيادة في المال.

وقيل في النكاح.

وروي أنه حبس عنهم القطر بشؤم التكذيب ثلاث سنين وأعقم نساؤهم فوعدوا أنهم إن آمنوا أحيا الله بلادهم ورزقهم المال والولد.

والمدرار الكثير الدر كما مر في أول "الأنعام".

عن الحسن بن علي رضي الله عه أنه وفد على معاوية فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال لا يولد لي فقال: عليك بالاستغفار.

فكان يكثر الاستغفار حتى إنه ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟

فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود ﴿ ويزدكم قوة إلى قوتكم ﴾ وقول نوح ﴿ ويمددكم بأموال وبنين  ﴾ ثم قول هود ﴿ لا تتولوا ﴾ أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه ﴿ مجرمين ﴾ مصرين على الإِجرام والآثام.

فجحدوا هوداً وقالوا ما جئتنا ببينة كما قالت قريش لرسول الله  ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ولم يشتهر منه معجزة ولكن العلماء قالوا: إظهار الدعوة مع أولئك الأقوام من غير مبالاة وتوانٍ آية من الآيات.

وقوله: ﴿ عن قولك ﴾ حال من الضمير كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ﴿ وما نحن لك بمؤمنين ﴾ لا يصدق مثلنا مثلك أبداً.

ثم زعموا أن بعض آلهتهم اعتراه بسوء أي غشيه وأورثه الخبل والجنون لأنه كان يسب آلهتهم وذلك قولهم: ﴿ إن نقول إلا اعتراك ﴾ وإلا لغو أي ما نقول شيئاً إلا هذا القول فمن ثم يتكلم بكلام المجانين.

والمراد أن الأصنام كافأته على سوء فعله بسوء الجزاء فأظهر نبي الله الجلادة والثقة بالله فيما هو بصدده وتبرأ منهم ومن شركهم فأشهد الله وذلك إشهاد صحيح.

وأشهدهم أيضاً وهذا كالتهاون وقلة المبالاة بهم كقول الرجل لمن نوى قطعه بالكلية: أشهد عليَّ أني لا أحبك تهكماً به.

وقد مر قوله: ﴿ فكيدوني ﴾ الآية في آخر سورة الأعراف.

وقوله: ﴿ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ﴾ تمثيل لغاية التسخير ونهاية التدليل، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته فكان علامة لقهره.

قالت المعتزلة: هذا دليل التوحيد لدلالته على أنه لا مالك إلا هو.

وقوله: ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ دليل العدل.

والأشاعرة قالوا: معناه معنى.

﴿ إن ربك لبالمرصاد  ﴾ أي لا يخفى عليه شيء ولا يفوته هارب ﴿ فإن تولوا فقد أبلغتكم ﴾ كقول القائل إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك فيما مضى.

والمراد فإن تتولوا فأنا غير معاتب ولا مقصر لأني قد قضيت حق الرسالة.

وفي قوله: ﴿ ويستخلف ﴾ إشارة إلى عذاب الاستئصال وأنه يخلق بعدهم من هو أطوع منهم وأنه لا ينقص من ملكه شيئاً ﴿ إن ربي على كل شيء حفيظ ﴾ يحفظ أعمال العباد حتى يجازيهم عليها، أو يحفظني من شرككم وكيدكم، أو يحفظني من الهلاك ﴿ والذين آمنوا معه ﴾ قيل: كانوا أربعة آلاف ﴿ برحمة منا ﴾ أي بفضل وامتنان أو بسبب ما هم فيه من الإيمان والعمل الصالح ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ أطلق التنجية أوّلاً ثم قيدها على معنى وكانت تلك التنجية من عذاب غليظ سموم تدخل في أفواههم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضواً عضواً.

ويحتمل أن يراد بالثانية النجاة من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه.

ولما ذكر قصتهم خاطب محمداً وأشار إلى قبورهم وآثارهم بقوله: ﴿ وتلك عاد ﴾ فانظروا واعتبروا.

ثم استأنف وصف أحوالهم مجملة فقال: ﴿ جحدوا بآيات ربهم ﴾ فلم يتسلقوا من المعجزات إلى صدق الأنبياء، ولم يرتقوا من الممكنات إلى وجود الواجب بالذات ﴿ وعصوا رسله ﴾ قيل: لم يرسل إليه إلا هود، وصح الجمع لأن عصيان رسول واحد يتضمن عصيان كلهم ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله  ﴾ ﴿ واتبعوا أمر كل جبار عنيد ﴾ أطاعوا رؤساءهم وكبراءهم المتمردة والمعاندة ولهذا جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين.

وفي تكرير "ألا" والنداء على كفرهم، والدعاء عليهم بالبعد بعد إهلاكهم دلالة على تفظيع شأنهم وأنهم كانوا مستأهلين للدعاء عليهم بالهلاك، ويحتمل أن يراد البعد من رحمة الله في الآخرة.

وقوله: ﴿ قوم هود ﴾ عطف بيان لعاد إما للتأكيد ومزيد التقرير، وإما لأن عاداً عادان القديمة التي هي قوم هود، والأخرى وهي إِرم.

قوله في قصة ثمود ﴿ هو أنشأكم ﴾ تقديم الضمير للحصر أي لم ينشئكم إلا هو، ومعنى الإنشاء من الأرض أن الكل مخلوق من صلب آدم وهو مخلوق من الأرض.

ويمكن أن يقال: إن الإنسان مخلوق من المني وهو يحصل من الغذاء والغذاء ينتهي إلى النبات ثم إلى الأرض.

وقيل: إن "من" بمعنى "في".

﴿ واستعمركم ﴾ من العمارة أي جعلكم عماراً للأرض، وأمركم بالعمارة.

فمنها واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار فعمروا الأعمار الطوال مع ما كان منهم من الظلم.

فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فأوحى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي وقيل: من العمر نحو استبقاكم من البقاء.

وقيل: من العمرى.

ومعناه أعمركم الله فيها دياركم ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم.

أو جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنه أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لوارثه.

ومعنى كونه  قريباً قد مر في قوله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  ﴾ وذلك في "البقرة" ﴿ قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً ﴾ عن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا.

وقيل: كنا نظن بك الرشد والصلاح وكمال العقل وإصابة الرأي.

وقيل: كنت تعطف على فقيرنا وتعيد ضعيفنا وتعود مرضانا فظننا أنك من الأنصار والأحباب وأهل الموافقة في الدين، فكيف أظهرت العداوة والبغضاء؟

ثم أضافوا إلى هذا الكلام التمسك بالتقليد ومتابعة الآباء، ثم صرحوا بالتوقف والريب في أمره.

ومريب من أرابه إذا أوقعه في الريبة، أو من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة وهو من الإِسناد المجازي واعلم أن قوله ﴿ وإنا لفي شك ﴾ بنون الوقاية ههنا على الأصل، وأما في سورة إبراهيم فإنما قال: ﴿ وإنا ﴾ بغير نون الوقاية لقوله بعده: ﴿ تدعوننا  ﴾ على الجمع فكان اجتماع النونات مستكرهاً.

فأجابهم هو بقوله: ﴿ إن كنت على بينة ﴾ الآية.

وبنى أمره على الفرض والتقدير لأن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول كأنه قال: قدروا أني على بينة ﴿ من ربي ﴾ وأني نبي على الحقيقة فمن يمنعني من عذاب الله ﴿ إن عصيته ﴾ في أوامره ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ أي على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها، أو فما تزيدونني بما تحملونني عليه إلا أني أنسبكم إلى الخسران وأقول إنكم خاسرون.

والمعنى الأول أقرب لأنه كالدلالة على أن متابعتهم لا تزيده إلا خسران الدارين.

﴿ ويا قوم هذه ناقة الله ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف".

ومعنى ﴿ عذاب قريب ﴾ عاجل لا يستأخر إلا ثلاثة أيام و ﴿ غير مكذوب ﴾ من باب الاتساع أي غير مكذوب فيه فحذف الحرف.

وأجرى الضمير مجرى المفعول به أو من باب المجاز كأن الوعد إذا أوفى به فقد صدق ولم يكذب أو المكذوب مصدر كالمجلود وصف به.

قوله: ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بالفاء.

وفي قصة هود بالواو ولمكان التعقيب ههنا بدليل قوله: ﴿ عذاب قريب ﴾ ومثله في قصة لوط لقوله: ﴿ أليس الصبح بقريب  ﴾ وأما في قصة هود فإنه قال: ﴿ ويستخلف ﴾ بلفظ المستقبل ومثله في قصة شعيب ﴿ سوف تعلمون من يأتيه ﴾ بحرف التسويف فلم يكن الفاء مناسباً.

واعتبر هذا المعنى في سائر المواضع كما في سورة يوسف قال: ﴿ ولما جهزهم  ﴾ بالواو أوّلاً لأن التعقيب لم يكن مراداً ثم قال: ﴿ فلما جهزهم  ﴾ لمكان التعقيب والله أعلم.

قوله: ﴿ ومن خزي يومئذٍ ﴾ معطوف على محذوف والتقدير نجينا صالحاً ومن معه من العذاب النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم، أو يتعلق بمعطوف محذوف أي ونجيناهم من خزي يومئذ كما قال: ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ والمعنيان كما قلنا هناك.

والقراءتان في ﴿ يومئذٍ ﴾ لأن الظرف المضاف إلى "إذ" يجوز بناؤه على الفتح، والتنوين في "إذ" عوض من المضاف إليه أعني الجملة، والتقدير يوم إذ كان كذا وكسر الذال للساكنين ﴿ إن ربك هو القوي العزيز ﴾ القادر الغالب فمن قدرته ميز المؤمن من الكافر، ومن عزته وقهره أهلك الكفار بالصيحة التي سمعوها من جانب السماء إما بواسطة جبرائيل وإما لإحداثها في سحاب مع برق شديد محرق.

وإنما تصير الصيحة سبباً للهلاك لأن التموج الشديد في الهواء يوجب تأذي صماخ الإنسان، وقد يتمزق غشاء الدماغ بذلك، والأعراض النفسانية أيضاً إذا قويت أوجبت الموت وتمام القصة مذكور في سورة الأعراف، وقوله: ﴿ ألا إن ثمود ﴾ إلى آخره.

شبيه بما مر في قصة هود، والتأويل كما مر في سورة الأعراف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ﴾ : هذا والله أعلم صلة قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ فيقول: ولقد أرسلنا هوداً إلى عاد أخاهم.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ الأخوة تكون على وجوه: أخوة جنس يقال: هذا أخو هذا نحو مصراعي الباب، يقال لأحدهما: هذا أخو هذا ونحو أحد زوجي الخف وأمثاله.

وأخوة النسب.

وأخوة الدين؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ  ﴾ فهو لم يكن أخا لهم في الدين، فهو يحتمل أنه أخوهم في الجنس وفي النسب؛ لأن الناس كلهم ينسبون إلى آدم فيقال: بنو آدم مع بعد ما بينه وبينهم؛ فعلى ذلك يكون بعضهم لبعض إخوة مع بعد النسب الذي بينهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ : يُعبَد أي: الذين تعبدون ليسوا بآلهة يستحقون العبادة [إنما الإله الذي يستحق العبادة] الله الذي خلقكم وخلق لكم الأشياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ أي: ما أنتم إلا مفترون، لا يحتمل أن يكون هو قال لهم هذا في أول ما دعاهم إلى التوحيد، وفي أول ما ردوا إجابته وكذبوه؛ لأنهم أمروا بلين القول لهم وتذكير النعمة عليهم؛ كقوله لموسى وهارون حيث بعثهما إلى فرعون بقوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ الآية [طه: 44]، ولكن كأنه قال لهم ذلك بعد ما سبق منه إليهم دعاء غير مرة، وأقام عليهم الحجة والبراهين فردوها، فعند ذلك قال لهم هذا حيث قالوا: ﴿ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ...

﴾ الآية [هود: 53].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ : يحتمل في تسميتهم الأصنام التي عبدوها آلهة، يقول: [إن] أنتم إلا مفترون في ذلك.

ويحتمل أنه سماهم مفترين فيما قالوا الله أمرهم بذلك، يقول: أنتم مفترون فيما ادعيتم الأمر بذلك، أو مفترون في إنكارهم البعث والرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ ﴾ : هذا قد ذكر في غير موضع يقول لهم - والله أعلم -: إني لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا يمنعكم ثقل ذلك الأجر وغرمه عن الإجابة، فما الذي يمنعكم عن الإجابة لي ويحملكم على الرد [بل أدعوكم إلى] ما ترغبون فيه، فكيف يمنعكم عن الإجابة والنظر فيما أدعوكم إليه؟!

﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ : أني رسول إليكم بآيات وحجج جئت بها، أو: أفلا تعقلون أنها آيات وحجج ونحوه، أو يقول: أفلا تعقلون أن الله واحد وأنه رب كل شيء وخالق كل شيء ومنشئه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ : يحتمل أن يكون قوله استغفروا ربكم ثم توبوا إليه واحدا.

ويحتمل على التقديم والتأخير توبوا إليه ثم استغفروا ما كان منكم من المساوي، أي: أقبلوا إلى طاعة الله واندموا على أفعالكم.

وقوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ : معلوم أن هودا لم يرد بقوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ ﴾ أن يقولوا: نستغفر الله، ولكن أمرهم أن يطلبوا السبب الذي به تجب لهم المغفرة وتحق وهو التوحيد، كأنه قال: وحدوا ربكم فآمنوا به ثم توبوا إليه، أو يقول: اطلبوا المغفرة بالانتهاء عن الكفر؛ كقوله  : ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: إنه قد كان انقطع عنهم المطر وانقطع نسلهم، فأخبر أنكم إن تبتم إلى الله، واستغفرتم ربكم ﴿ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً...

﴾ الآية حتى تناسلوا وتتوالدوا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً ﴾ أي: يزدكم قوة أفعالكم إلى قوة أبدانكم؛ لأنهم كانوا أهل قوة وأهل بطش بقولهم قالوا: من أشد منا قوة.

ويحتمل على الابتداء: يرسل السماء عليكم مدرارا، ويزدكم قوة إلى قوتكم.

فقوله: ﴿ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ ﴾ عما أدعوكم فيه؛ فتكونوا ﴿ مُجْرِمِينَ ﴾ ولا تتولوا عما أدعوكم فيه؛ فتكونوا مجرمين.

المجرم قال أبو بكر: هو الوثاب في الإثم، وقيل: هو المكتسب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ﴾ : على ما تدعونا إليه، أو على ما تدعي من الرسالة، فعند ذلك قال [لهم هود]: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ .

﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا ﴾ أي: ما نحن بتاركي عبادة آلهتنا عن قولك، أي: بقولك، كان لا يدعوهم هود إلى ترك عبادة آلهتهم بقوله خاصة، ولكن قد دعاهم وأقام على فساد ذلك الحجج والبراهين، لكنهم قالوا متعنتين مكابرين: ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ فيما تدعونا إليه، وتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ ﴾ قيل: [هو كان] يسب آلهتهم ويذكرهم بالعيب فيقولون: إن يعترك من بعض آلهتنا سوء أو يصيبوك بجنون وخبل، فلا عجب أن يصيبك منها فاجتنبها سالما، فذلك يخرج منهم مخرج الامتنان، أي: إنا إنما ننهاك عن سب آلهتنا وذكر العيب فيها إشفاقاً عليك لئلا يصيبك [شيء منها].

وقال ابن عباس -  -: قالوا: "شتمت آلهتنا فخبلتك وأصابتك بالجنون"، فتأويله - والله أعلم - أنك إنما تدعونا إلى ما تدعونا إليه وتدعي ما تدعي لما أصابتك آلهتنا بسوء واعترتك بجنون، كانوا يخوفونه أن تصيبه آلهتهم بسوء بتركه عبادتها، على ما كانوا يرجون ويطمعون بعبادتهم إياها شفاعتها لهم؛ قال: ﴿ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ به وتعبدونه من الآلهة، واشهدوا أنتم أيضاً بأني بريء من ذلك، ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾ : أنتم وآلهتكم فيما تدعونني من الهلاك أو السوء، ﴿ ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ أي: ثم لا تمهلون في ذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾ \[أنتم وآلهتكم\]؛ يقول: اعملوا أنتم وآلهتكم جميعاً التي تزعمون أنها خبلتني وأجنتني، ﴿ ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ .

أي: لا تمهلون، وهذا من أشد آيات النبوة؛ لأنه يقول لهم وهو بين أظهرهم وحيداً، فلولا أنه يقول ذلك لهم بقوة من الله والاعتماد له عليه والانتصار به، وإلا ما اجترأ أحد أن يقول مثل هذا بين أعدائه علم أنه قال ذلك بالله  ؛ وكذلك قول رسول الله  : ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ...

﴾ الآية [الأعراف: 195]، وقول نوح: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ...

﴾ الآية [يونس: 71]، وقول شعيب: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ...

﴾ الآية [هود: 93] وأمثاله، قالوا ذلك بين أظهر الاعداء ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك بالله وذلك من آيات النبوة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: فوضت أمري [إلى الله]، أو وكلت في جميع عملي إليه، أو وثقت به واعتمدت عليه فيما توعدونني من الهلاك، أو توكلت عليه في دفع ما أوعدتموني ربي وربكم، أي: كيف توعدونني بآلهتكم التي تعبدون، ولا تخافون الذي تعلمون أنه هو ربي وربكم؟!

وهو كما قال إبراهيم: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [الأنعام: 81].

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ ﴾ : يميتها متى شاء.

وقوله: ﴿ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ ﴾ أي: في ملكه وسلطانه، يقال: فلان آخذ بحلقوم فلان، وفلان في قبضة فلان ليس أنه في قبضته بنفسه أو آخذ بحلقوم فلان، ولكن يراد أنه في سلطانه وفي ملكه وفي قبضته.

﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: على الذي أمرني ربي ودعاني إليه، أو يكون قوله: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: أن الذي أمرني ربي ودعاني إليه هو صراط مستقيم؛ كقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ  ﴾ .

وقال أبو عوسجة: الاعتراء هو الأخذ، يقال: اعترته الحمى أي أخذته.

وقال القتبي: الاعتراء [هو] الإصابة، بقول: إلا اعتراك: أصابك، يقال: اعتريت: أصبت، وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ﴾ : يحتمل على الإضمار أي: فإن تولوا عن إجابتك وطاعتك فقل قد أبلغتكم [رسالات ربي]؛ لأن قوله: ﴿ تَوَلَّوْاْ ﴾ إنما هو خبر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبْلَغْتُكُمْ ﴾ : خطاب، وأمكن أن يكونا جميعاً على الخطاب، يقول: فإن توليتم عن إجابتي فيما أدعوكم إليه، فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم وليس علي إلا تبليغ الرسالة إليكم؛ كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ، يقول: إنما علي إبلاغ الرسالة إليكم، ليس على جرم توليكم عن إجابتي؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ \[فيه وجهان: أحدهما: يخبر عن هلاكهم؛ لأنه أخبر أنه يستخلف قوماً غيرهم؛ لأنه ما لم يهلك هؤلاء لا يكون غيرهم خلفهم\]: لأنهم كانوا يقولون: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً  ﴾ ، يقول - والله أعلم -: إن قوة أبدانكم وبطشكم لا تعجز الله عن إهلاككم، وفيه أن عاداً ليسوا هم النهاية في العالم، بل يكون بعدهم قوم غيرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً ﴾ أي: لا تضرونه بتوليكم عن إجابتي وردكم رسالة الله إليكم، ليس كملوك الأرض إذا تولى عنهم خدمهم وحشمهم ضرهم ذلك.

والثاني: لا تضرونه كما يضر ملوك الأرض بالقتال والحرب بعضهم بعضا.

والثالث: لا تضرونه لأنه لا منفعة له فيما يدعوكم حتى يضره ضد ذلك؛ إذ ليس يدعوكم إلى ما يدعو لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، إنما يأمركم ويدعوكم لحاجة أنفسكم والمنفعة لكم.

ويحتمل أن يكون لا تضرونه شيئاً جواب قوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً...

﴾ الآية.

﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ \[لا يخفى عليه شيء وإن لطف، فكيف يخفى عليه أعمالكم وأموالكم مع ظهورها وبدوها.

أو يقول: إن ربي على كل شيء حفيظ\]: فيجزيه عليه، ولا يذهب عنه شيء، أي: لا يفوته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً ﴾ .

قوله: ﴿ جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أمر تكوين لا أمر يقتضي الساعة؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا هو أمر تكوين وقد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ : هذا يدل أن من نجا إنما نجا برحمة منه لا بعمله؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول الله  قال: "لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ، لا على ما يقوله المعتزلة: إن من نجا إنما ينجو بعمله لا برحمته.

ثم يحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ وجوهاً؛ تحتمل الرحمة هاهنا هودا، أي: رحمهم به حيث بعث إليهم رسولا فنجا من اتبعه، فإن كان هذا ففيه أن أهل الفترة معاقبون في حال فترتهم؛ لأنه أخبر أن من نجا إنما نجا بهود، فدل أنهم معاقبون قبل بعث الرسل إليهم.

ويحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ أي: بتوفيق منا إياهم نجا من نجا منهم.

والثالث: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ \[قال بعضهم: نجيناهم من العذاب الذي أهلك هؤلاء.

ويحتمل أن يكون على الوعد أي: ينجيهم في الآخرة من عذاب غليظ\].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ ﴾ أي: وتلك أهل قرية عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسلهم، الكفر بالآيات كفر بجميع الرسل، والكفر بواحد من الرسل كفر بالرسل جميعاً وبالله؛ لأن كل واحد من الرسل يدعو إلى الإيمان بالله وبجميع الرسل، فالإيمان بواحد منهم إيمان بالله وبجميع الرسل والآيات، والكفر بواحد منها كفر بالله وبجميع الرسل، وإنما كان الكفر بالآيات كفرا بالله؛ لأن الله إنما يعرف من جهة الآيات والكفر بالآيات كفر به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ قيل: أخبر أنهم اتبعوا أمر الجبابرة وأطاعوهم، وتركوا اتباع الرسل وطاعتهم.

قيل: الجبار هو المتجبر الذي يتجبر على الرسل ويتكبر عليهم؛ لأن الرؤساء منهم كانوا يتجبرون على الرسل ويتكبرون، ثم الأتباع اتبعوا الرؤساء في عملهم.

قال أبو عوسجة: الجبار هو المتجبر، والعنيد هو المعاند المخالف.

وقال القتبي: العنود والعنيد والمعاند المعارض لك بالخلاف عليك.

وقال أبو عبيدة: العنيد والعنود والمعاند هو الجائر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : قال بعضهم: اللعن هو العذاب، أي: أتبعوا في الدنيا وفي الآخرة بالعذاب؛ كقوله: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ أي: عذاب الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُتْبِعُواْ ﴾ أي: ألحقوا، وقيل: إن اللعن هو الطرد، طردوا عن رحمة الله حتى لا ينالوها لا في الدنيا ولا في الآخرة، إلا أن عاداً كفروا ربهم ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ ، أي: ألا بعداً لهم من رحمة الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن تعرضوا وتدبروا عما جئت به فما عليّ إلا إبلاغكم، وقد أبلغتكم كل ما أرسلني الله به، وأمرني بإبلاغه، وقد قامت عليكم الحجة، وسيهلككم ربي، ويأتي بموم غيركم يخلفونكم، ولا تضرون الله ضررًا كبيرًا ولا صغيرًا بتكذيبكم وإعراضكم؛ لأنه غني عن عباده، إن ربي على كل شيء رقيب، فهو الَّذي يحفظني من السوء الَّذي تكيدونني به.

<div class="verse-tafsir" id="91.pgBnp"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.7 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
اللهم صل على محمد