الآية ٦١ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٦١ من سورة هود

۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌۭ مُّجِيبٌۭ ٦١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦١ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦١ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ولقد أرسلنا ( إلى ثمود ) وهم الذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة ، وكانوا بعد عاد ، فبعث الله منهم ( أخاهم صالحا ) فأمرهم بعبادة الله وحده [ لا شريك له الخالق الرازق ] ; ولهذا قال : ( هو أنشأكم من الأرض ) أي : ابتدأ خلقكم منها ، [ من الأرض التي ] خلق منها أباكم آدم ، ( واستعمركم فيها ) أي : جعلكم [ فيها ] عمارا تعمرونها وتستغلونها ، لسالف ذنوبكم ، ( ثم توبوا إليه ) فيما تستقبلونه; ( إن ربي قريب مجيب ) كما قال تعالى : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) الآية [ البقرة : 186 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا، فقال لهم: يا قوم ، اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأخلصوا له العبادة دون ما سواه من الآلهة، فما لكم من إله غيره يستوجب عليكم العبادة، ولا تجوز الألوهة إلا له ، (هو أنشأكم من الأرض) ، يقول: هو ابتدأ خلقكم من الأرض.

(20) * * * وإنما قال ذلك لأنه خلق آدم من الأرض، فخرج الخطاب لهم ، إذ كان ذلك فعله بمن هم منه.

* * * ، (واستعمركم فيها) ، يقول: وجعلكم عُمَّارًا فيها، فكان المعنى فيه: أسكنكم فيها أيام حياتكم.

* * * ، من قولهم: " أعْمر فلانٌ فلانًا دارَه "، و " هي له عُمْرَى " .

(21) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 18283- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (واستعمركم فيها) ، قال: أعمركم فيها 18284- حدثني المثني قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واستعمركم فيها) ، يقول: أعمركم * * * وقوله: (فاستغفروه) ، يقول: اعملوا عملا يكون سببًا لستر الله عليكم ذنوبكم، وذلك الإيمان به، وإخلاص العبادة له دون ما سواه ، واتباعُ رسوله صالح ، (ثم توبوا إليه) ، يقول: ثم اتركوا من الأعمال ما يكرهه ربكم ، إلى ما يرضاه ويحبه ، (إن ربي قريب مجيب) ، يقول: إن ربي قريب ممن أخلص له العبادة ورغب إليه في التوبة، مجيبٌ له إذا دعاه.

------------------------- الهوامش : (20) انظر تفسير " الإنشاء " فيما سلف 12 : 156 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(21) " عمري " ( بضم فسكون ، فراء مفتوحة ) ، مصدر مثل " الرجعي " : و " أعمره الدار " ، جعله يسكنها مدة عمره ، فإذا مات عادت إلى صاحبها .

وكان ذلك من فعل الجاهلية ، فأبطله الله بالإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تعمروا ولا ترقبوا " ، فمن أعمر دارًا أو أرقبها ، فهي لورثته من بعده " .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيبفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : وإلى ثمود أي أرسلنا إلى ثمود" أخاهم " أي في النسب .صالحا وقرأ يحيى بن وثاب وإلى ثمود بالتنوين في كل القرآن ; وكذلك روي عن الحسن .

واختلف سائر القراء فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع .

وزعم أبو عبيدة أنه لولا مخالفة السواد لكان الوجه ترك الصرف ; إذ كان الأغلب عليه التأنيث .

قال النحاس : الذي قال أبو عبيدة - رحمه الله - من أن الغالب عليه التأنيث كلام مردود ; لأن ثمودا يقال له حي ; ويقال له قبيلة ، وليس الغالب عليه القبيلة ; بل الأمر على ضد ما قال عند سيبويه .

والأجود عند سيبويه فيما لم يقل فيه بنو فلان الصرف ، نحو قريش وثقيف وما أشبههما ، وكذلك ثمود ، والعلة في ذلك أنه لما كان التذكير الأصل ، وكان يقع له مذكر ومؤنث كان الأصل الأخف أولى .

والتأنيث جيد بالغ حسن .

وأنشد سيبويه في التأنيث :غلب المساميح الوليد سماحة وكفى قريش المعضلات وسادهاالثانية : قوله تعالى : قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره تقدم .

هو أنشأكم من الأرض أي ابتدأ خلقكم من الأرض ، وذلك أن آدم خلق من الأرض على ما تقدم في " البقرة " و " الأنعام " وهم منه ، وقيل : أنشأكم في الأرض .

ولا يجوز إدغام الهاء من غيره في الهاء من " هو " إلا على لغة من حذف الواو في الإدراج .واستعمركم فيها أي جعلكم [ ص: 51 ] عمارها وسكانها .

قال مجاهد : ومعنى استعمركم أعمركم من قوله : أعمر فلان فلانا داره ; فهي له عمرى .

وقال قتادة : أسكنكم فيها ; وعلى هذين القولين تكون استفعل بمعنى أفعل ; مثل استجاب بمعنى أجاب .

وقال الضحاك : أطال أعماركم ، وكانت أعمارهم من ثلاثمائة إلى ألف .

ابن عباس : أعاشكم فيها .

زيد بن أسلم : أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها من بناء مساكن ، وغرس أشجار .

وقيل : المعنى ألهمكم عمارتها من الحرث والغرس وحفر الأنهار وغيرها .الثالثة : قال ابن العربي قال بعض علماء الشافعية : الاستعمار طلب العمارة ; والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب ، قال القاضي أبو بكر : تأتي كلمة استفعل في لسان العرب على معان : منها ; استفعل بمعنى طلب الفعل كقوله : استحملته أي طلبت منه حملانا ; وبمعنى اعتقد ، كقولهم : استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلا ، أو وجدته سهلا ، واستعظمته أي اعتقدته عظيما ووجدته ، ومنه استفعلت بمعنى أصبت ; كقولهم : استجدته أي أصبته جيدا : ومنها بمعنى فعل ; كقوله : قر في المكان واستقر ; وقالوا وقوله : " يستهزئون " و " يستسخرون " منه ; فقوله تعالى : استعمركم فيها خلقكم لعمارتها ، لا على معنى استجدته واستسهلته ; أي أصبته جيدا وسهلا ; وهذا يستحيل في الخالق ، فيرجع إلى أنه خلق ; لأنه الفائدة ، وقد يعبر عن الشيء بفائدته مجازا ; ولا يصح أن يقال : إنه طلب من الله تعالى لعمارتها ، فإن هذا اللفظ لا يجوز في حقه ، أما أنه يصح أن يقال : إنه استدعى عمارتها فإنه جاء بلفظ استفعل ، وهو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه إذا كان أمرا ، وطلب للفعل إذا كان من الأدنى إلى الأعلى رغبة .قلت : لم يذكر استفعل بمعنى أفعل ، مثل قوله : استوقد بمعنى أوقد ، وقد ذكرناه وهي :الرابعة : ويكون فيها دليل على الإسكان والعمرى وقد مضى القول في " البقرة " في السكنى والرقبى .

وأما العمرى فاختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال :أحدها - أنها تمليك لمنافع الرقبة حياة المعمر مدة عمره ; فإن لم يذكر عقبا فمات المعمر رجعت إلى الذي أعطاها أو لورثته ; هذا قول القاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والليث بن سعد ، وهو مشهور مذهب مالك ، وأحد أقوال الشافعي ، وقد تقدم في " البقرة " حجة هذا القول .الثاني : أنها تمليك الرقبة ومنافعها وهي هبة مبتولة ; وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري [ ص: 52 ] والحسن بن حي وأحمد بن حنبل وابن شبرمة وأبي عبيد ; قالوا : من أعمر رجلا شيئا حياته فهو له حياته ; وبعد وفاته لورثته ; لأنه قد ملك رقبتها ، وشرط المعطي الحياة والعمر باطل ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : العمرى جائزة و العمرى لمن وهبت له .الثالث : إن قال عمرك ولم يذكر العقب كان كالقول الأول ، وإن قال لعقبك كان كالقول الثاني ; وبه قال الزهري وأبو ثور وأبو سلمة بن عبد الرحمن وابن أبي ذئب ، وقد روي عن مالك ; وهو ظاهر قوله في الموطأ .

والمعروف عنه وعن أصحابه أنها ترجع إلى المعمر ; إذا انقرض عقب المعمر ; إن كان المعمر حيا ، وإلا فإلى من كان حيا من ورثته ، وأولى الناس بميراثه .

ولا يملك المعمر بلفظ العمرى عند مالك وأصحابه رقبة شيء من الأشياء ، وإنما يملك بلفظ العمرى المنفعة دون الرقبة .

وقد قال مالك في الحبس أيضا : إذا حبس على رجل وعقبه أنه لا يرجع إليه .

وإن حبس على رجل بعينه حياته رجع إليه ، وكذلك العمرى قياسا ، وهو ظاهر الموطأ .

وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أيما رجل أعمر رجلا عمرى له ولعقبه فقال قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد فإنها لمن أعطيها وأنها لا ترجع إلى صاحبها من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث وعنه قال : إن العمرى التي أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول : هي لك ولعقبك ، فأما إذا قال : هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها ; قال معمر : وبذلك كان الزهري يفتي .قلت : معنى القرآن يجري مع أهل القول الثاني ; لأن الله سبحانه قال : واستعمركم بمعنى أعمركم ; فأعمر الرجل الصالح فيها مدة حياته بالعمل الصالح ، وبعد موته بالذكر الجميل والثناء الحسن ; وبالعكس الرجل الفاجر ; فالدنيا ظرف لهما حياة وموتا .

وقد يقال : إن الثناء الحسن يجري مجرى العقب .

وفي التنزيل : واجعل لي لسان صدق في الآخرين أي ثناء حسنا .

وقيل : هو محمد - صلى الله عليه وسلم - .

قال : وجعلنا ذريته هم الباقين وقال : وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين .[ ص: 53 ] الخامسة : قوله تعالى : فاستغفروه أي سلوه المغفرة من عبادة الأصنام .ثم توبوا إليه أي ارجعوا إلى عبادته ،إن ربي قريب أي قريب الإجابة لمن دعاه .

وقد مضى في " البقرة " عند قوله : فإني قريب أجيب دعوة الداعي القول فيه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { و } أرسلنا { إِلَى ثَمُودَ } وهم: عاد الثانية، المعروفون، الذين يسكنون الحجر، ووادي القرى، { أَخَاهُمْ } في النسب { صَالِحًا } عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فـ { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } أي: وحدوه، وأخلصوا له الدين { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } لا من أهل السماء، ولا من أهل الأرض.

{ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ } أي: خلقكم فيها { وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } أي: استخلفكم فيها، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، ومكنكم في الأرض، تبنون، وتغرسون، وتزرعون، وتحرثون ما شئتم، وتنتفعون بمنافعها، وتستغلون مصالحها، فكما أنه لا شريك له في جميع ذلك، فلا تشركوا به في عبادته.

{ فَاسْتَغْفِرُوهُ } مما صدر منكم، من الكفر، والشرك، والمعاصي, وأقلعوا عنها، { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } أي: ارجعوا إليه بالتوبة النصوح، والإنابة، { إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } أي: قريب ممن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤله، وقبول عبادته، وإثابته عليها، أجل الثواب، واعلم أن قربه تعالى نوعان: عام، وخاص، فالقرب العام: قربه بعلمه، من جميع الخلق، وهو المذكور في قوله تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } والقرب الخاص: قربه من عابديه، وسائليه، ومحبيه، وهو المذكور في قوله تعالى { وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ } وهذا النوع، قرب يقتضي إلطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يقرن، باسمه "القريب" اسمه "المجيب"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإلى ثمود أخاهم صالحا ) أي : أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا في النسب لا في الدين ( قال يا قوم اعبدوا الله ) وحدوا الله عز وجل ، ( ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض ) ابتدأ خلقكم ، ( من الأرض ) وذلك أنهم من آدم عليه السلام وآدم خلق من الأرض ، ( واستعمركم فيها ) أي : جعلكم عمارها وسكانها ، وقال الضحاك : أطال عمركم فيها حتى كان الواحد منهم يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة .

وكذلك قوم عاد .

قال مجاهد : أعمركم من العمرى ، أي : جعلها لكم ما عشتم .

وقال قتادة : أسكنكم فيها .

( فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب ) من المؤمنين ، ( مجيب ) لدعائهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» أرسلنا «إلى ثمود أخاهم» من القبيلة «صالحا قال يا قوم اعبدوا الله» وحدوه «ما لكم من إله غيره هو أنشأكم» ابتدأ خلقكم «من الأرض» بخلق أبيكم آدم منها «واستعمركم فيها» جعلكم عمارا تسكنون بها «فاستغفروه» من الشرك «ثم توبوا» ارجعوا «إليه» بالطاعة «إن ربي قريب» من خلقه بعلمه «مجيب» لمن سأله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده ليس لكم من إله يستحق العبادة غيره جل وعلا، فأخلصوا له العبادة، هو الذي بدأ خَلْقكم من الأرض بخلق أبيكم آدم منها، وجعلكم عُمَّارا لها، فاسألوه أن يغفر لكم ذنوبكم، وارجعوا إليه بالتوبة النصوح.

إن ربي قريب لمن أخلص له العبادة، ورغب إليه في التوبة، مجيب له إذا دعاه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم فتحدثت عن قصة صالح - عليه السلام - مع قومه ، فقال - تعالى -( وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً .

.

.

) .هذه قصة صالح - عليه السلام - مع قومه كما ذكرتها هذه السورة ، وقد وردت هذه القصة فى سور أخرى منها سورة الأعراف ، والشعراء ، والنمل ، والقمر .وصالح - عليه السلام - ينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام - فهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود .

.

بن نوح .وثمود : اسم للقبيلة التى منها صالح ، سميت باسم جدها ثمود ، وقيل سميت بذلك لقلة مائها ، لأن الثمد هو الماء القليل .وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - وهو مكان يقع بين الحجاز والشام إلى وادى القرى ، وموقعه الآن - تقريبا - المنطقة التى بين الحجاز وشرق الأردن ، وما زال المكان الذى كانوا يسكنونه بمدائن صالح حتى اليوم .وقبيلة صالح من القبائل العربية ، وكانوا خلفاء لقوم هود - عليه السلام - فقد قال - سبحانه - : ( واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتاً .

.

.

) وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - إليهم صالحاً ليأمرهم بعبادة الله وحده .وقوله : ( وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ .

.

)معطوف على ما قبله من قصتى نوح وهود - عليهما السلام - .أى : وأرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم فى النسب والموطن صالحا - عليه السلام فقال لهم تكل الكلمة التى قالها كل نبى لقومه : يا قوم اعبدوا الله وحده ، فهو الإِله الذى خلقكم ورزقكم ، وليس هناك من إله سواه يفعل ذلك .ثم ذكرهم بقدرة الله - تعالى - وبنعمه عليهم فقال : ( هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا )والإِنشاء : الإِيجاد والإِحداث على غير مثال سابق .واستعمركم من الإِعمار ضد الخراب فالسين والتاء للمبالغة .

يقال : أعمر فلان فلانا فى المكان واستعمره ، أى جعله يعمره بأنواع البناء والغرس والزرع .أى : اعبدوا الله - تعالى - وحده ، لأنه - سبحانه - هو الذى ابتدأ خلقكم من هذه الأرض ، وأبوكم آدم ما خلق إلا منها وهو الذى جعلكم المعمرين لها ، والساكنين فيها ( تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتاً .

.

.

) قال - تعالى - فى شأنهم .

.

( أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ .

فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ .

وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ .

وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً فَارِهِينَ .

فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ ) فأنت ترى أن صالحا - عليه السلام - قد ذكرهم بجانب من مظاهر قدرة الله ومن أفضاله عليهم ، لكى يستميلهم إلى التفكر والتدبر ، وإلى تصديقه فيما يدعوهم إليه .والفاء فى قوله ( فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ ) للتفريع على ما تقدم .أى : إذا كان الله - تعالى - هو الذى أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فعليكم أن تخلصوا له العبادة ، وأن تطلبوا مغفرته عما سلف منكم من ذنوب .ثم تتوبوا إليه توبة صادقة : تجعلكم تندمون على ما كان منكم فى الماضى من شرك وكفر ، وتعزمون على التمسك بكل ما يرضى الله - تعالى - فى المستقبل .ثم فتح أمامهم باب الأمل فى رحمة الله - تعالى - فقال : ( إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ )أى : إن ربى قريب الرحمة من المحسنين ، مجيب الدعاء الداعين المخلصين ، فاقبلوا على عبادته وطاعته ، ولا تقنطوا من رحمة الله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة وهي قصة صالح مع ثمود، ونظمها مثل النظم المذكور في قصة هود، إلا أن هاهنا لما أمرهم بالتوحيد ذكر في تقريره دليلين: الدليل الأول: قوله: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض ﴾ وفيه وجهان: الوجه الأول: أن الكل مخلوقون من صلب آدم، وهو كان مخلوقاً من الأرض.

وأقول: هذا صحيح لكن فيه وجه آخر وهو أقرب منه، وذلك لأن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث، والمني إنما تولد من الدم، فالإنسان مخلوق من الدم، والدم إنما تولد من الأغذية، وهذه الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانات حالها كحال الإنسان، فوجب انتهاء الكل إلى النبات وظاهر أن تولد النبات من الأرض، فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض.

والوجه الثاني: أن تكون كلمة ﴿ مِنْ ﴾ معناها في التقدير: أنشأكم في الأرض، وهذا ضعيف لأنه متى أمكن حمل الكلام على ظاهره فلا حاجة إلى صرفه عنه، وأما تقرير أن تولد الإنسان من الأرض كيف يدل على وجود الصانع فقد شرحناه مراراً كثيرة.

الدليل الثاني: قوله: ﴿ واستعمركم فِيهَا ﴾ وفيه ثلاثة أوجه: الأول: جعلكم عمارها، قالوا: كان ملوك فارس قد أكثروا في حفر الأنهار وغرس الأشجار، لا جرم حصلت لهم الأعمار الطويلة فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه، ما سبب تلك الأعمار؟

فأوحى الله تعالى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي، وأخذ معاوية في إحياء أرض في آخر عمره فقيل له ما حملك عليه، فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل: ليس الفتى بفتى لا يستضاء به *** ولا يكون له في الأرض آثار الثاني: أنه تعالى أطال أعماركم فيها واشتقاق ﴿ واستعمركم ﴾ من العمر مثل استبقاكم من البقاء.

والثالث: أنه مأخوذ من العمرى، أي جعلها لكم طول أعماركم فإذا متم انتقلت إلى غيركم.

واعلم أن في كون الأرض قابلة للعمارات النافعة للإنسان، وكون الإنسان قادراً عليها دلالة عظيمة على وجود الصانع، ويرجع حاصله إلى ما ذكره الله تعالى في آية أخرى وهي قوله: ﴿ والذى قَدَّرَ فهدى  ﴾ وذلك لأن حدوث الإنسان مع أنه حصل في ذاته العقل الهادي والقدرة على التصرفات الموافقة يدل على وجود الصانع الحكيم وكون الأرض موصوفة بصفات مطابقة للمصالح موافقة للمنافع يدل أيضاً على وجود الصانع الحكيم.

أما قوله: ﴿ فاستغفروه ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ﴾ فقد تقدم تفسيره.

وأما قوله: ﴿ إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ﴾ يعني أنه قريب بالعلم والسمع ﴿ مُّجِيبٌ ﴾ دعاء المحتاجين بفضله ورحمته، ثم بين تعالى أن صالحاً عليه السلام لما قرر هذه الدلائل ﴿ قَالُواْ ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هذا ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنه لما كان رجلاً قوي العقل قوي الخاطر وكان من قبيلتهم قوي رجاؤهم في أن ينصر دينهم ويقوي مذهبهم ويقرر طريقتهم لأنه متى حدث رجل فاضل في قوم طمعوا فيه من هذا الوجه.

الثاني: قال بعضهم المراد أنك كنت تعطف على فقرائنا وتعين ضعفاءنا وتعود مرضانا فقوي رجاؤنا فيك أنك من الأنصار والأحباب، فكيف أظهرت العداوة والبغضة ثم إنهم أضافوا إلى هذا الكلام التعجب الشديد من قوله: ﴿ فقالوا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ﴾ والمقصود من هذا الكلام التمسك بطريق التقليد ووجوب متابعة الآباء والأسلاف، ونظير هذا التعجب ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة حيث قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَئ عُجَابٌ  ﴾ ثم قالوا: ﴿ وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ والشك هو أن يبقى الإنسان متوقفاً بين النفي والإثبات والمريب هو الذي يظن به السوء فقوله: ﴿ وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ ﴾ يعني به أنه لم يترجح في اعتقادهم صحة قوله وقوله: ﴿ مُرِيبٍ ﴾ يعني أنه ترجح في اعتقادهم فساد قوله وهذا مبالغة في تزييف كلامه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض ﴾ لم ينشئكم منها إلا هو، ولم يستعمركم فيها غيره.

وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب ﴿ واستعمركم فِيهَا ﴾ وأمركم بالعمارة، والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار، وعمروا الأعمار الطوال، مع ما كان فيهم من عسف الرعايا، فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم، فأوحى إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي.

وعن معاوية بن أبي سفيان أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر أمره، فقيل له، فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل: لَيْسَ الفَتَى بِفتَي لاَيسْتَضَاءُ بِه ** وَلاَ تَكُونُ لَهُ في الأَرْضِ آثَارُ وقيل: استعمركم من العمر، نحو استبقاكم من البقاء، وقد جعل من العمرى.

وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون استعمر في معنى أعمر، كقولك استهلكه في معنى أهلكه.

ومعناه: أعمركم فيها دياركم، ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم.

والثاني أن يكون بمعنى جعلكم معمرين دياركم فيها، لأنّ الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنما أعمره إياها، لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره ﴿ قَرِيبٌ ﴾ داني الرحمة سهل المطلب ﴿ مُّجِيبٌ ﴾ لمن دعاه وسأله ﴿ فِينَا ﴾ فيما بيننا ﴿ مَرْجُوّا ﴾ كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد فكنا نرجوك لننتفع بك، وتكون مشاوراً في الأمور ومسترشداً في التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك.

وعن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدّمك على جميعنا.

وقيل: كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه ﴿ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ مُرِيبٍ ﴾ من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين.

أو من (أراب الرجل) إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازي.

قيل: ﴿ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ بحرف الشك وكان على يقين أنه على بينة، لأنّ خطابه للجاحدين، فكأنه قال: قدّروا أني على بينة من ربي، وأني نبيّ على الحقيقة، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره، فمن يمنعني من عذاب الله؟

﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِى ﴾ إذن حينئذ ﴿ غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ يعني تخسرون أعمالي وتبطلونها.

أو فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملونني عليه غير أن أخسركم، أي أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم إنكم خاسرون ﴿ ءَايَةً ﴾ نصب على الحال قد عمل فيها ما دلّ عليه اسم الإشارة من معنى الفعل.

فإن قلت: فبم يتعلق ﴿ لَكُمْ ﴾ قلت بآية حالاً منها متقدّمة؛ لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها، فلما تقدمت انتصبت على الحال ﴿ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ عاجل لا يستأخر عن مسكم لها بسوء إلا يسيراً، وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم ﴿ تَمَتَّعُواْ ﴾ استمتعوا بالعيش ﴿ فِى دَارِكُمْ ﴾ في بلدكم.

وتسمى البلاد الديار؛ لأنه يدار فيه أي يتصرف.

يقال: ديار بكر، لبلادهم.

وتقول العرب الذين حوالي مكة: نحن من عرب الدار، يريدون من عرب البلد.

وقيل: في دار الدنيا.

وقيل: عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت ﴿ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ غير مكذوب فيه، فاتسع في الظرف بحذف الحرف واجرائه مجرى المفعول به، كقولك: يوم مشهود، من قوله: وَيَوْمَ شَهِدْنَاهُ.........

أو على المجاز، كأنه قيل للوعد: نفي بك، فإذا وفى به فقد صدق ولم يكذب.

أو وعد غير كذب، على أنّ المكذوب مصدر كالمجلود والمعقول، وكالمصدوقة بمعنى الصدق ﴿ وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ﴾ قرئ مفتوح الميم لأنه مضاف إلى إذ، وهو غير متمكن، كقوله: عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا فإن قلت: علام عطف؟

قلت: على نجينا، لأنّ تقديره ونجيناهم من خزي يومئذ، كما قال ﴿ وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [هود: 58] على: وكانت التنجية من خزي يومئذ، أي من ذله ومهانته وفضيحته، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه يغضب الله وانتقامه.

ويجوز أن يريد بيومئذ يوم القيامة، كما فسر العذاب الغليظ بعذاب الآخرة.

وقرئ: ﴿ ألا إن ثمود ﴾ و ﴿ لثمود ﴾ كلاهما بالصرف وامتناعه، فالصرف للذهاب إلى الحيّ أو الأب الأكبر، ومنعه للتعريف والتأنيث، بمعنى القبيلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ ﴾ هو كَوْنُكم مِنها لا غَيْرُهُ فَإنَّهُ خَلَقَ آدَمَ ومَوادَّ النُّطَفِ الَّتِي خَلَقَ نَسْلَهُ مِنها مِنَ التُّرابِ.

﴿ واسْتَعْمَرَكم فِيها ﴾ عَمَّرَكم فِيها واسْتَبَقاكم مِنَ العُمُرِ، أوْ أقْدَرَكم عَلى عِمارَتِها وأمْرِكم بِها، وقِيلَ هو مِنَ العُمُرِيِّ بِمَعْنى أعْمَرَكم فِيها دِيارَكم ويَرِثُها مِنكم بَعْدَ انْصِرامِ أعْمارِكم، أوْ جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم تَسْكُنُونَها مُدَّةَ عُمُرِكم ثُمَّ تَتْرُكُونَها لِغَيْرِكم.

﴿ فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ﴾ قَرِيبُ الرَّحْمَةِ.

﴿ مُجِيبٌ ﴾ لِداعِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم مّنْ إله غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض} لم ينشئكم منها إلا هو وانشاوهم منها خلق آدم من التراب ثم خلقهم من آدم {واستعمركم فِيهَا} وجعلكم عمارها وأراد منكم عمارتها أو استعمركم من العمر أي أطال أعماركم فيها وكانت أعمارهم من ثلثمائة إلى ألف وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار وعمروا الأعمار الطوال مع مافيهم من الظلم فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فأوحى الله إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي {فاستغفروه} فاسألوه مغفرته بالإيمان {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ} داني الرحمة {مُّجِيبٌ} لمن دعاه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى مَنعِ صَرْفِ (ثَمُودَ) ذَهابًا إلى القَبِيلَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالصَّرْفِ عَلى إرادَةِ الحَيِّ ﴿ هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلَقَكم مِنها فَإنَّها المادَّةُ الأُولى وآدَمُ الَّذِي هو أصْلُ البَشَرِ خُلِقَ مِنها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أنْشَأ أباكُمْ، وقِيلَ: (مِن) بِمَعْنى فِي، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ الحَصْرُ كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ، كَأنَّ القَوْمَ لِعَدَمِ أدائِهِمْ حَقَّهُ سُبْحانَهُ قَدِ اعْتَقَدُوا أنَّ الفاعِلَ لِذَلِكَ غَيْرُهُ تَعالى، أوْ هو مَعَ غَيْرِهِ فَخُوطِبُوا عَلى وجْهِ قَصْرِ القَلْبِ أوْ قَصْرِ الإفْرادِ بِذَلِكَ، واحْتِمالِ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أحَدَ الأمْرَيْنِ حَقِيقَةً لا تَنْزِيلًا يَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّهم كانُوا طَبِيعِيَّةً أوْ ثَنَوِيَّةً وإلّا فالوَثَنِيَّةُ -وإنْ عَبَدُوا مَعَهُ سُبْحانَهُ غَيْرَهُ- لا يَعْتَقِدُونَ خالِقِيَّةَ غَيْرِهِ لَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأخْذُ الحَصْرِ عَلى ما قِيلَ: مِن تَقْدِيمِ الفاعِلِ المَعْنَوِيِّ، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَفادٌ مِنَ السِّياقِ لِأنَّهُ لَمّا حَصَرَ الإلَهِيَّةَ فِيهِ تَعالى اقْتَضى حَصْرَ الخالِقِيَّةِ أيْضًا، فَبَيانُ ما خُلِقُوا مِنهُ بَعْدَ بَيانِ أنَّهُ الخالِقُ لا غَيْرُهُ يَقْتَضِي هَذا فَتَدَبَّرْ، والظّاهِرُ أنَّ مَن يَقُولُ بِالحَصْرِ هُنا يَقُولُ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واسْتَعْمَرَكم فِيها ﴾ لِمَكانِ العَطْفِ وكَوْنِهِ مَعْطُوفًا بَعْدَ اعْتِبارِ التَّقْدِيمِ فَلا يَنْسَحِبُ عَلى ما بَعْدَهُ مِمّا لا فائِدَةَ في التِزامِهِ، أيْ وهو الَّذِي جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، فالِاسْتِفْعالُ بِمَعْنى الإفْعالِ، يُقالُ: أعْمَرْتُهُ الأرْضَ واسْتَعْمَرْتُهُ إذا جَعَلْتَهُ عامِرَها وفَوَّضْتَ إلَيْهِ عِمارَتَها، وإلى هَذا ذَهَبَ الرّاغِبُ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المَعْنى أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن بِناءِ مَساكِنَ وحَفْرِ أنْهارٍ وغَرْسِ أشْجارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالسِّينُ لِلطَّلَبِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الكَيا، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ عِمارَةَ الأرْضِ واجِبَةٌ لِهَذا الطَّلَبِ، وقَسَّمَها في الكَشّافِ إلى واجِبٍ كَعِمارَةِ القَناطِرِ اللّازِمَةِ والمَسْجِدِ الجامِعِ، ومَندُوبٍ كَعِمارَةِ المَساجِدِ، ومُباحٍ كَعِمارَةِ المَنازِلِ، وحَرامٍ كَعِمارَةِ الخاناتِ، وما يُبْنى لِلْمُباهاةِ أوْ مِن مالٍ حَرامٍ كَأبْنِيَةِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّلَمَةِ، واعْتُرِضَ عَلى ألْكَيا بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ طَلَبُ حَقِيقَةٍ ولَكِنْ نَزَلَ جَعْلُهم مُحْتاجِينَ لِذَلِكَ -وإقْدارُهم عَلَيْهِ وإلْهامُهم كَيْفَ يَعْمُرُونَ- مَنزِلَةَ الطَّلَبِ، وقالَ الضَّحّاكُ: المَعْنى عَمَرَكم فِيها واسْتَبْقاكم وكانَ أحَدُهم يُعَمَّرُ طَوِيلًا حَتّى أنَّ مِنهم مَن يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ، والمَشْهُورُ أنَّ الفِعْلَ مِنَ العُمْرِ وهو مُدَّةُ الحَياةِ بِالتَّشْدِيدِ ومِنَ العِمارَةِ نَقِيضِ الخَرابِ بِالتَّخْفِيفِ، فَفي أخْذِ ذَلِكَ مِنَ العُمْرِ تَجَوُّزٌ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اسْتَعْمَرَ مِنَ العُمْرى بِضَمٍّ فَسُكُونٍ مَقْصُورٌ، وهي -كَما قالَ الرّاغِبُ- في العَطِيَّةِ أنْ تَجْعَلَ لَهُ شَيْئًا مُدَّةَ عُمُرِكَ أوْ عُمُرِهِ، والمَعْنى أعْمَرَكم فِيها ورَبّاكم أيْ أعْطاكم ذَلِكَ ما دُمْتُمْ أحْياءً، ثُمَّ هو سُبْحانَهُ وارِثُها مِنكُمْ، أوِ المَعْنى جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم فِيها لِأنَّ الرَّجُلَ إذا ورِثَ دارَهُ مَن بَعْدَهُ فَكَأنَّما أعْمَرَهُ إيّاها لِأنَّهُ يَسْكُنُها عُمُرَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُها لِغَيْرِهِ ﴿ فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن صُنُوفِ إحْسانِهِ سُبْحانَهُ داعٍ إلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ﴾ أيْ قَرِيبُ الرَّحْمَةِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ﴿ مُجِيبٌ ﴾ لِمَن دَعاهُ وسَألَهُ زِيادَةً في بَيانِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ، والأوَّلُ عِلَّةٌ باعِثَةٌ، وهَذا عِلَّةٌ غائِيَّةٌ وما ألْطَفَ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ، وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّ ( قَرِيبٌ ) ناظِرٌ -لِتُوبُوا- و ﴿ مُجِيبٌ ﴾ -لِاسْتَغْفِرُوا- كَأنَّهُ قِيلَ: ارْجِعُوا إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿ قَرِيبٌ ﴾ مِنكم أقْرَبُ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ واسْألُوهُ المَغْفِرَةَ فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا ﴿ مُجِيبٌ ﴾ السّائِلِينَ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً يعني: وأرسلنا إلى ثمود.

وإنما لم ينصرف، لأنه اسم القبيلة، وفي الموضع الذي ينصرف جعله اسماً للقوم.

قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي: وحدوا الله، وأطيعوه، مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يعني: ليس لكم رب غيره هُوَ أَنْشَأَكُمْ يعني: هُوَ الذى خَلَقَكُمْ، مِنَ الْأَرْضِ يعني: خلق آدم من أديم الأرض، وأنتم ولده، وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها يعني: أسكنكم وأنزلكم فيها، وأصله: أعمركم.

يقال: أعمرته الدار إذا جعلتها له أبداً، وهي العُمْرَى.

وقال مجاهد: وَاسْتَعْمَرَكُمْ يعني: أطال عمركم فيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يعني: توبوا من شرككم، إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ يعني: قريباً ممن دعاه، مجيباً بالإجابة لمن دعاه من أهل طاعته.

قوله تعالى: قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا يعني: كنا نرجو أن ترجع إلى ديننا قبل أن تدعونا إلى دين غير دين آبائنا، أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ يعني: يريبنا أمرك ودعاؤك إيانا إلى هذا الدين.

ومعناه: إنا مريبون في أمرك.

قالَ لهم صالح: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، يقول: أخبروني إن كنت على بيان وحجة ودين أتاني من ربي، وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً يقول: أكرمني الله تعالى بالإسلام والنبوة، أيجوز لي أن أترك أمره، ولا أدعوكم إلى الله، وإلى دينه؟

فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ يقول: فمن يمنعني من عذاب الله إن رجعت إلى دينكم، وتركت دين الله تعالى؟

فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ يقول ما تزيدونني في مقالتكم إلا بصيرة في خسارتكم.

ويقال: معناه، فما تزيدونني غير تكذيب، لأن التكذيب سبب لخسارتهم.

ويقال: معناه، فما تزيدونني إن تركت ما أوجب الله عليَّ من الدعوة غير تخسير لأن العذاب إذا نزل بي لا تقدرون على منعه عني.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

منه، يتقدَّمها علْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاحٍ ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها ومِدْراراً بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة «عاد» .

وقوله سبحانه: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أن خصّ القوة بالذكر، إذ كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ، وقولهم: عَنْ قَوْلِكَ، أي: لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا، وقال ص: عَنْ قَوْلِكَ: حالٌ من الضمير في «تاركي» ، أي: صادِرِينَ عن قولك، وقيل: «عن» : للتعليل، كقولهِ: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ [التوبة:

١١٤] وقولهم: إِنْ نَقُولُ ...

الآية: معناه: ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال: / عَرَّ يَعُرُّ، واعترى يَعْتَرِي إِذا أَلمَّ بالشيء.

وقوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً: أي: أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له عليه السلام معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع انفراده وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يقدروا على نيله بسوء، وتُنْظِرُونِ: معناه: تؤخِّروني، أيْ: عاجلوني بما قَدَرْتم عليه.

وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يريد: إِن أفعالَ اللَّه عزَّ وجلَّ في غاية الإحكام، وقوله الصّدق ووعده الحقّ، وعَنِيدٍ: من «عند» إذا عتا.

وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)

وقوله سبحانه: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ...

الآية: حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ: لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ،

كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث «١» .

ت: وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ، وَيَوْمَ: ظَرفٌ، ومعناه: إِن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيّن.

وقوله عز وجل: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ...

الآية: التقديرُ: وأرسلنا إلى ثمود وأَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: أي: اخترعكم، وأوْجَدكم، وذلك باختراع آدم عليه السلام.

وقال ص: مِنَ الْأَرْضِ: لابتداءِ الغاية باعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان.

انتهى.

وقد نقل ع «٢» : في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣» : قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها:

أي: خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال: هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة.

ت: والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق الامتنان عليهم.

انتهى.

وقولهم:

يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا، قال جمهور المفسِّرين: معناه: مسوَّداً نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّداً سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم: وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، معنى: مُرِيبٍ: ملبس متهم، وقوله: أَرَأَيْتُمْ: أي: أتدبرتم، فالرؤية قلبيّة، وآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً، يريد: النبوَّة وما انضاف إِليها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ﴾ أيْ: أُلْحِقُوا لَعْنَةً تَنْصَرِفُ مَعَهم.

﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ: وفي يَوْمِ القِيامَةِ لُعِنُوا أيْضًا.

﴿ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ أيْ: بِرَبِّهِمْ فَحَذَفَ الباءَ، وأنْشَدُوا: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ [فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ] قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ ألا ﴾ ابْتِداءٌ وتَنْبِيهٌ، و ﴿ بُعْدًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: أبْعَدَهُمُ اللَّهُ فَبَعِدُوا بُعْدًا، والمَعْنى: أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: خَلَقَكم مِن آدَمَ، وآدَمُ خُلِقَ مِنَ الأرْضِ.

والثّانِي: أنْشَأكم في الأرْضِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ واسْتَعْمَرَكم فِيها ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْمَرَكم فِيها أيْ: جَعَلَكم ساكِنِيها مُدَّةَ أعْمارِكم، ومِنهُ العُمْرى، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ألْفِ سَنَةٍ إلى ثَلاثِمِائَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: جَعْلَكم عَمّارَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَهُ لِلْمَمْلَكَةِ بَعْدَ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ، قالَهُ كَعْبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا أظْهَرَ إنْذارَهُمُ، انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنهُ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فَلَمّا أنْذَرَهم، زَعَمُوا أنَّ رَجاءَهم لِخَيْرِهِ قَدِ انْقَطَعَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّنا لَفي شَكٍّ ﴾ إنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ قالَ هاهُنا: " وإنَّنا " وقالَ في (إبْراهِيمَ): " وإنّا " ؟

فالجَوابُ: أنَّهُما لُغَتانِ مِن لُغاتِ قُرَيْشٍ السَّبْعِ الَّتِي نَزَّلَ القُرْآنُ عَلَيْها.

قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ: " إنَّنا " أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ " نا " فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ، نُونا " إنَّ " والنُّونُ المَضْمُومَةُ إلى الألِفِ؛ ومَن قالَ: " إنّا " اسْتَثْقَلَ الجَمْعَ بَيْنَ ثَلاثِ نُوناتِ، وأسْقَطَ الثّالِثَةَ،وَأبْقى الأُولَيَيْنِ؛ وكَذَلِكَ يُقالُ: إنِّي وإنَّنِي، ولَعَلِّي ولَعَلَّنِي - ولَيْتِي ولَيْتَنِي، قالَ اللَّهُ في اللُّغَةِ العُلْيا: ﴿ لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ  ﴾ ، وقالَ الشّاعِرُ في اللُّغَةِ الأُخْرى: أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لَعَلَّنِي ∗∗∗ أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا وَقالَ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ  ﴾ ، وقالَ الشّاعِرُ: كَمُنْيَةِ جابِرٍ إذْ قالَ لَيْتِي ∗∗∗ أُصادِفُهُ وأُتْلِفُ بَعْضَ مالِي فَأمّا المُرِيبُ، فَهو المُوقِعُ لِلرِّيبَةِ والتُّهْمَةِ.

والرَّحْمَةُ يُرادُ بِها هاهُنا: النُّبُوَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ التَّخْسِيرُ: النُّقْصانُ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ بِصارَةٍ في خَسارَتِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكم، أيْ: كُلَّما اعْتَذَرْتُمْ عِنْدِي بِعُذْرٍ فَهو يَزِيدُكم تَخْسِيرًا.

وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكم، لا لِي.

وقالَ بَعْضُهم: المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي بِما قُلْتُمْ إلّا نِسْبَتِي لَكم إلى الخَسارَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ الخُسْرانِ إنْ رَجَعْتُ إلى دِينِكم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ كانَ خاسِرًا، فَزادُوهُ خَسارًا، فَقَدْ أسْلَفْنا الجَوابَ في قَوْلِهِ: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً ﴾ قَدْ شَرَحْناها في سُورَةِ [الأعْرافِ:٧٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَمَتَّعُوا في دارِكُمْ ﴾ أيِ: اسْتَمْتِعُوا بِحَياتِكم، وعَبَّرَ عَنِ الحَياةِ بِالتَّمَتُّعِ، لِأنَّ الحَيَّ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِالحَواسِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عُقِرَتِ النّاقَةُ صَعِدَ فَصِيلُها إلى الجَبَلِ، ورَغا ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ صالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجْلُ يَوْمٍ، ألا إنَّ اليَوْمَ الأوَّلَ تُصْبِحُ وُجُوهُكم مُصْفَرَّةً، واليَوْمَ الثّانِي مُحَمَّرَةً، واليَوْمَ الثّالِثَ مُسْوَدَّةً؛ فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الأوَّلِ، إذا وُجُوههمْ مُصْفَرَّةٌ، فَصاحُوا وضَجُّوا وبَكَوْا، وعَرَفُوا أنَّهُ العَذابُ، فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الثّانِي، إذا وُجُوهُهم مُحَمَّرَةٌ، فَضَجُّوا، وبَكَوْا، فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الثّالِثِ، إذا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ كَأنَّما طُلِيَتْ بِالقارِ، فَصاحُوا جَمِيعًا: ألّا قَدْ حَضَرَكُمُ العَذابُ؛ فَتُكَفَّنُوا وألْقَوْا أنْفُسَهم بِالأرْضِ، لا يَدْرُونَ مِن أيْنَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ، فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الرّابِعِ، أتَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فِيها صَوْتُ كُلِّ صاعِقَةٍ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم في صُدُورِهِمْ.

وقالَ مُقاتِلٌ: حَفَرُوا لِأنْفُسِهِمْ قُبُورًا، فَلَمّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ مِنَ اليَوْمِ الرّابِعِ، ولَمْ يَأْتِهِمُ العَذابُ، ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ قَدْ رَحِمَهم، فَخَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ يَدْعُو بَعْضُهم بَعْضًا، إذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ فَقامَ فَوْقَ المَدِينَةِ فَسَدَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَلَمّا عايَنُوهُ دَخَلُوا قُبُورَهم، فَصاحَ بِهِمْ صَيْحَةً: مُوتُوا عَلَيْكم لَعْنَةُ اللَّهِ فَخَرَجَتْ أرْواحُهم، وتَزَلْزَلَتْ بُيُوتُهم فَوَقَعَتْ عَلى قُبُورِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ وعْدٌ ﴾ أيِ: العَذابُ ﴿ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ أيْ: غَيْرُ كَذِبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، " يَوْمِئِذٍ " بِكَسْرِ المِيمِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها مَعَ الإضافَةِ.

قالَ مَكِّيٌّ: مَن كَسَرَ المِيمَ، أعْرَبَ، وخَفَضَ، لِإضافَةِ الخِزْيِ إلى اليَوْمِ، ولَمْ يَبْنِهِ؛ ومَن فَتَحَ، بَنى اليَوْمَ عَلى الفَتْحِ، لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وهو " إذْ " .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ومِن خِزْيٍ " بِالتَّنْوِينِ، " يَوْمَئِذٍ " بِفَتْحِ المِيمِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذِهِ الواوُ في قَوْلِهِ: " ومِن خِزْيٍ " مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: نَجَّيْناهم مِنَ العَذابِ ومِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَخَلَتْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَأْوِيلُهُ: نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا، ونَجَّيْناهم مِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ.

قالَ: وإنَّما قالَ: " وأخَذَ " لِأنَّ الصَّيْحَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الصِّياحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ اخْتَلَفُوا في صَرْفِ " ثَمُودَ " وتَرْكِ إجْرائِهِ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: في (هُودٍ:٦٩) ﴿ ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ ، وفي (الفُرْقانِ:٣٨) ﴿ وَعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ ﴾ ، وفي (العَنْكَبُوتِ:٣٨) ﴿ وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ ﴾ ، وفي (النَّجْمِ:٥١) ﴿ وَثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالتَّنْوِينِ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ مِنها، وتَرَكُوا ﴿ ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ فَلَمْ يَصْرِفُوهُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِتَرْكِ صَرْفِ هَذِهِ الخَمْسَةِ الأحْرُفِ، وصَرَفَهُنَّ الكِسائِيُّ.

واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ، فَرَوى حُسَيْنُ الجَعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ أنَّهُ أجْرى الأرْبَعَةَ الأحْرُفِ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو؛ ورَوى يَحْيى بْنُ آدَمَ أنَّهُ أجْرى ثَلاثَةً، في (هُودٍ:٦٩) " ألا إنَّ ثَمُودًا "، وفي (الفُرْقانِ:٣٨)، و(العَنْكَبُوتِ:٣٨) .

ورَوى حَفْصٌ عَنْهُ أنَّهُ لَمْ يُجْرِ شَيْئًا مِنها مِثْلَ حَمْزَةَ.

واعْلَمْ أنَّ ثَمُودًا يُرادُ بِهِ القَبِيلَةُ تارَةً، ويُرادُ بِهِ الحَيُّ تارَةً، فَإذا أُرِيدَ بِهِ القَبِيلَةُ، لَمْ يُصْرَفْ، وإذا أُرِيدَ بِهِ الحَيُّ، صُرِفَ.

وما أخْلَلْنا بِهِ، فَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الأعْرافِ:٧٣، والتَّوْبَةِ:٧٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ ﴾ .

والرُّسُلُ هاهُنا: المَلائِكَةُ وفي عَدَدِهِمْ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً، جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: ثَمانِيَةً، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والرّابِعُ: تِسْعَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أحَدَ عَشَرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: أرْبَعَةً، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي هَذِهِ البُشْرى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها البُشْرى بِالوَلَدِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: بِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: بِأنَّ مُحَمَّدًا يَخْرُجُ مِن صُلْبِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: انْتَصَبَ بِالقَوْلِ، لِأنَّهُ حَرْفٌ مَقُولٌ، والسَّلامُ الثّانِي مَرْفُوعٌ بِإضْمارِ " عَلَيْكم " .

وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أضْمَرَ " عَلَيْكم " كَما قالَ الشّاعِرُ: فَقُلْنا السَّلامُ فاتَّقَتْ مِن أمِيرِها ∗∗∗ فَما كانَ إلّا ومْؤُها بِالحَواجِبِ والعَرَبُ تَقُولُ: التَقَيْنا فَقُلْنا: سَلامٌ سَلامٌ.

والثّانِي: أنَّ القَوْمَ سَلَّمُوا، فَقالَ حِينَ أنْكَرَهم هو: سَلامٌ، فَمَن أنْتُمْ ؟

لِإنْكارِهِ إيّاهم.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " قالَ سِلْمٌ " وهو بِمَعْنى سَلامٍ، كَما قالُوا: حِلٌّ وحَلالٌ، وحِرْمٌ وحَرامٌ؛ فَعَلى هَذا، يَكُونُ مَعْنى " سِلْمٍ ": سَلامٌ عَلَيْكم.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَيَكُونُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " سِلْمٌ " فالمَعْنى: أمْرُنا سِلْمٌ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَبِثَ ﴾ أيْ: ما أقامَ حَتّى جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، لِأنَّهُ ظَنَّهم أضْيافًا، وكانَتِ المَلائِكَةُ قَدْ جاءَتْهُ في صُورَةِ الغِلْمانِ الوِضاءِ.

وَفِي الحَنِيذِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّضِيجُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَقْطُرُ ماؤُهُ ودَسَمُهُ وقَدْ شُوِيَ، قالَهُ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما حَفَرْتَ الأرْضَ ثُمَّ غَمَمْتَهُ، وهو مِن فِعْلِ أهْلِ البادِيَةِ، مَعْرُوفٌ، وأصْلُهُ: مَحْنُوذٌ، فَقِيلَ: حَنِيذٌ، كَما قِيلَ: طَبِيخٌ لِلْمَطْبُوخِ، وقَتِيلٌ لِلْمَقْتُولِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المَشْوِيُّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والخامِسُ: المَشْوِيُّ بِالحِجارَةِ المُحْماةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والسّادِسُ: السَّمِيطُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: يُقالُ إنَّهُ المَشْوِيُّ فَقَطْ، ويُقالُ: المَشْوِيُّ الَّذِي يَقْطُرُ، ويُقالُ: المَشْوِيُّ بِالحِجارَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِن الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾ ﴿ قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ التَقْدِيرُ: وأرْسَلَنا إلى ثَمُودَ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا وفي مَعْنى الأُخُوَّةِ في قِصَّةِ هُودٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَإلى ثَمُودَ" بِغَيْرِ صَرْفٍ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "وَإلى ثَمُودٍ" بِالصَرْفِ حَيْثُ وقَعَ، فالأُولى عَلى إرادَةِ القَبِيلَةِ، والثانِيَةُ عَلى إرادَةِ الحَيِّ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ الدالَّةِ عَلى الجُمُوعِ ما يَكْثُرُ فِيهِ إرادَةُ الحَيِّ كَقُرَيْشٍ وثَقِيفٍ وما لا يُقالُ فِيهِ بَنُو فُلانٍ وفِيها ما يَكْثُرُ فِيهِ إرادَةُ القَبِيلَةِ كَتَمِيمَ وتَغَلِبَ، ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ تَغْلِبُ ابْنَةُ وائِلٍ، وقالَ الطِرِّمّاحُ: ..........................

∗∗∗ إذا نَهَلَتْ مِنهُ تَمِيمٌ وعَلَّتِ وقَوْلُ الآخَرِ: تَمِيمُ بْنُ مَرٍّ وأشْياعُها وفِيها ما يَكْثُرُ فِيهِ الوَجْهانِ كَثَمُودَ وسَبَإٍ، فالقِراءَتانِ هُنا فَصِيحَتانِ مُسْتَعْمَلَتانِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةُ: "غَيْرُهُ" بِرَفْعِ الراءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا.

و ﴿ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ ﴾ أيِ: اخْتَرَعَكم وأوجَدَكُمْ، وذَلِكَ بِاخْتِراعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَكَأنَّ إنْشاءَ آدَمَ إنْشاءٌ لِبَنِيهِ.

و"اسْتَعْمَرَكُمْ": أيِ: اتَّخَذَكم عُمّارًا، كَما تَقُولُ: اسْتَكْتَبَ واسْتَعْمَلَ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مِنَ العُمْرِ أيْ عَمَّرَكُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ.

﴾ .

﴿ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾ ، أيْ: إجابَتُهُ وغُفْرانُهُ قَرِيبٌ مِمَّنْ آمَنَ وأنابَ، و"مُجِيبٌ" مَعْناهُ: بِشَرْطِ المَشِيئَةِ.

والظاهِرُ الَّذِي حَكاهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: "مَرْجُوًّا" مَعْناهُ: مُسَوَّدًا، نُؤَمِّلُ فِيكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ في زَعْمِهِمْ- بِقَوْلِهِمْ: "أتَنْهانا"، وحَكى النَقّاشُ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: حَقِيرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ "مَرْجُوًّا" بِمَعْنى حَقِيرٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ لِلْمَعْنى، وذَلِكَ أنَّ القَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: "مَرْجُوًّا" يَكُونُ: لَقَدْ كُنْتَ فِينا سَهْلًا مَرامُكَ قَرِيبًا رَدُّ أمْرِكَ، مِمَّنْ لا يُظَنُّ أنْ يَسْتَفْحِلَ مِن أمْرِهِ مِثْلُ هَذا فَمَعْنى "مَرْجُوٍّ" أيْ: مَرْجُوٌّ اطِّراحُهُ وغَلَبَتُهُ ونَحْوُ هَذا، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ، فَلِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ويُشْبِهُ هَذا المَعْنى قَوْلُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ: "لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ..." الحَدِيثُ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُمْ: "أتَنْهانا" عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ والِاسْتِشْناعِ لِهَذِهِ المَقالَةِ مِنهُ.

و ﴿ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ الأوثانَ والأصْنامَ، ثُمَّ أوجَبُوا أنَّهم في شَكٍّ مِن أمْرِهِ وأقاوِيلِهِ، وأنَّ ذَلِكَ الشَكَّ يَرْتابُونَ بِهِ زائِدًا إلى مَرْتَبَتِهِ مِنَ الشَكِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الحالِ وبَيْنَ حالَةِ التَصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ، ومُرِيبٍ مَعْناهُ: مُلْبِسٌ مُتَّهَمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يا قَوْمِ ما بالُ أبِي ذُؤَيْبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كُنْتُ إذا أتَيْتُهُ مِن غَيْبِ يَشُمُّ عَطْفِي ويَمَسُّ ثَوْبِي ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّنِي أرْبَتْهُ بِرَيْبِ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قوله تعالى: ﴿ وإلى ثمود أخاهم صالحاً إلى قوله غيره ﴾ الكلام فيه كالذي في قوله: ﴿ وإلى عَاد أخاهم هودا ﴾ [هود: 50] إلخ.

وذكر ثمود وصالح عليه السّلام تقدّم في سورة الأعراف.

وثمود: اسم جدّ سميت به القبيلة، فلذلك منع من الصرف بتأويل القبيلة.

وجملة ﴿ هو أنشأكم من الأرض ﴾ في موضع التّعليل للأمر بعبادة الله ونفي إلهية غيره، وكأنهم كانوا مثل مشركي قريش لا يدّعون لأصنامهم خلقاً ولا رزقاً، فلذلك كانت الحجّة عليهم ناهضة واضحة.

والإنشاء: الإيجاد والإحداث، وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين ﴾ في [الأنعام: 6].

وجَعل الخبرين عن الضمير فعلين دون: هو منشئكم ومستعمركم لإفادة القَصر، أي لم ينشئكم من الأرض إلاّ هو، ولم يستعمركم فيها غيره.

والإنشاء من الأرض خلق آدم من الأرض لأنّ إنشاءه إنشاء لنسله، وإنّما ذكر تعلّق خلقهم بالأرض لأنّهم كانوا أهل غرس وزرع، كما قال في سورة [الشعراء: 146 148] ﴿ أتتْركون فيما هاهنا آمنين في جنّاتتٍ وعيوننٍ وزروععٍ ونخللٍ طلعها هضيمٌ ﴾ ولأنّهم كانوا ينحتون من جبال الأرض بيوتاً ويبنون في الأرض قصوراً، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وبوّأكم في الأرض تتّخذون من سهولها قصُوراً وتنحتون الجبال بيوتاً ﴾ [الأعراف: 74]، فكانت لهم منافع من الأرض تناسب نعمة إنشائهم من الأرض فلأجل منافعهم في الأرض قيّدت نعمة الخلق بأنّها من الأرض التي أنشئوا منها، ولذلك عطف عليه ﴿ واستعمركم فيها ﴾ .

والاستعمار: الإعمار، أي جعلكم عامرينها، فالسّين والتاء للمبالغة كالتي في استبقَى واستفاق.

ومعنى الإعمار أنهم جَعلوا الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع لأنّ ذلك يعدّ تعميراً للأرض حتى سمي الحرث عِمارة لأنّ المقصود منه عَمر الأرض.

وفرع على التذكير بهذه النعم أمرهم باستغفاره والتّوبة إليه، أي طلب مغفرة أجرامهم، والإقلاع عمّا لا يرضاه من الشرك والفساد.

ومن تفنّن الأسلوب أن جعلت هذه النعم علّة لأمرهم بعبادة الله وحده بطريق جملة التّعليل، وجعلت علّة أيضاً للأمر بالاستغفار والتّوبة بطريق التّفريع.

وعطف الأمر بالتّوبة بحرف التّراخي للوجه المتقدّم في قوله: ﴿ ويا قوم استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه ﴾ [هود: 51] في الآية المتقدمة.

وجملة ﴿ إنّ ربّي قريب مجيب ﴾ استئناف بيانيّ كأنهم استعظموا أن يكون جرمهم ممّا يقبل الاستغفار عنه، فأجيبوا بأنّ الله قريب مجيب، وبذلك ظهر أنّ الجملة ليست بتعليل.

وحرف ﴿ إنّ ﴾ فيها للتّأكيد تنزيلاً لهم في تعظيم جرمهم منزلة من يشكّ في قبول استغفاره.

والقرب: هنا مستعار للرأفة والإكرام، لأنّ البعد يستعار للجفاء والإعراض.

قال جبير بن الأضبط: تباعد عنّي مطحل إذ دعوته *** أمين فزاد الله ما بيننا بعداً فكذلك يستعار ضدّه لضدّه، وتقدّم في قوله: ﴿ فإنّي قريبٌ أجيب دعوة الداعِ ﴾ في سورة [البقرة: 186].

والمجيب هنَا: مجيب الدّعاء، وهو الاستغفار.

وإجابة الدّعاء: إعطاء السائل مسؤوله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ لِأنَّكم مِن آدَمَ وآدَمُ مِنَ الأرْضِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنْشَأكم في الأرْضِ.

والثّالِثُ: أنْشَأكم بِنَباتِ الأرْضِ.

﴿ واسْتَعْمَرَكم فِيها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أعْمَرَكم فِيها بِأنْ جَعَلَكم فِيها مُدَّةَ أعْمارِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، مِن قَوْلِهِمْ أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى.

الثّانِي: أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ فِيها بِناءِ مَساكِنَ وغَرْسِ أشْجارٍ قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أطالَ فِيها أعْمالَكم، قالَ الضَّحّاكُ، كانَتْ أعْمارُكم ألْفَ سَنَةٍ إلى ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ هو أنشأكم من الأرض ﴾ قال: خلقكم من الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ واستعمركم فيها ﴾ قال: أعمركم فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ واستعمركم فيها ﴾ قال: استخلفكم فيها.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ يقول: ما تزدادون أنتم إلا خساراً.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء الخراساني ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ قال: ما تزيدونني بما تصنعون إلا شراً لكم وخسراناً تخسرونه.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثلاثة أيام ﴾ قال: كان بقي من أجل قوم صالح عند عقر الناقة ثلاثة أيام فلم يعذبوا حتى أكملوها.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ نجينا صالحاً والذين آمنوا...

﴾ الآية.

قال: نجاه الله برحمة منه، ونجاه من خزي يومئذ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأصبحوا في ديارهم جاثمين ﴾ قال: ميتين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يعيشوا فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يعمروا فيها.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يكونوا فيها يعني في الدنيا حين عذبوا ولم يعمروا فيها.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: وغنيت شيئاً قبل نحري وأحسن ** لو كان للنفس اللجوج خلود وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم ينعموا فيها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس (١) وقوله تعالى: ﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء (٢) (٣) (٤) وروي عن ابن عباس (٥) (٦) (١) "تنوير المقباس" 142، الطبري 12/ 62، الثعلبي 7/ 47 أ، البغوي 4/ 185 ابن عطية 7/ 329 "زاد المسير" 4/ 123، القرطبي 9/ 56، ابن كثير 2/ 493، "البحر المحيط" 5/ 238، الرازي 18/ 17.

(٢) قال به الطبري 12/ 63، الثعلبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 185 وغيرهم.

(٣) "مجاز القرآن" 1/ 291.

(٤) الطبري 12/ 63، الثعلبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 185، "زاد المسير" 4/ 123، ابن أبي حاتم 6/ 2048، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 611.

(٥) الثعلبي 7/ 47 ب، القرطبي 9/ 56.

(٦) الثعلبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 185، "زاد المسير" 4/ 123.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض ﴾ لأن آدم خلق من تراب ﴿ واستعمركم فِيهَا ﴾ أي جعلكم تعمرونها.

فهو من العمران للأرض، وقيل: هو من العمر نحو استبقاكم من البقاء ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ أي: كنا نرجو أن ننتفع بك حتى قلت ما قلت، وقيل: المعنى كنا نرجو أن تدخل في ديننا ﴿ فِي دَارِكُمْ ﴾ أي بلدكم ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ قيل: إنها الخميس والجمعة والسبت، لأنهم عقروا الناقة يوم الأربعاء، وأخذهم العذاب يوم الأحد ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ معطوف على نجينا أي نجيناهم من خزي يومئذ ﴿ جاثمين ﴾ ذكر في الأعراف و ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ﴾ أي: كأن لم يقيموا فيها والضمير للدار، وكذلك في قصة شعيب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فطرني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع والبزي غير الخزاعي ﴿ إني أشهد ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.

﴿ فإن تولوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.

﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم: الخزاز عن هبيرة.

الباقون بالرفع ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم وكذلك في "المعارج": أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعلي الشموني والبرجمي وعباس.

الآخرون بالجر.

﴿ ألا ان ثمود ﴾ غير منصرف والوقف بغير الألف: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الباقون بالتنوين والوقف بالألف.

﴿ لثمود ﴾ بالتنوين في الوصل: علي.

الوقوف: ﴿ هوداً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ مفترون ﴾ ه ﴿ أجراً ﴾ ط ﴿ فطرني ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ بسوء ﴾ ط ﴿ تشركون ﴾ ه لا ﴿ لا تنظرون ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ بناصيتها ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ به إليكم ﴾ ط للاستئناف إلا لمن قرأ ﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم ﴿ غيركم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ منا ﴾ ج لحق المحذوف أي وقد نجيناهم ﴿ غليظ ﴾ ه ط ﴿ عنيد ﴾ ه ﴿ ويوم القيامة ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ هود ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ م لما مر في "الأعراف".

﴿ غيره ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ مجيب ﴾ ه ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ تخسير ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ أيام ﴾ ط ﴿ مكذوب ﴾ ط ﴿ يومئذٍ ﴾ ط ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا لكاف التشبيه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ لثمود ﴾ ه.

التفسير: قد مر في "الأعراف" تفسير قوله: ﴿ وإلى عاد ﴾ الآية.

ومعنى قوله: ﴿ إن أنتم إلا مفترون ﴾ أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام يحسن عبادتها مع أنها لا حس لها ولا شعور.

ثم قال مثل قول نوح ﴿ يا قوم لا أسألكم عليه أجراً ﴾ لأن النصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن نصح من لا يطلب الأجر إلا من الله لا يكون من التهمة في شيء.

قيل: إنما قال في قصة نوح ﴿ مالاً ﴾ دون ﴿ أجراً ﴾ لذكر الخزائن بعده، فلفظ المال بها أليق.

وحذف الواو من ﴿ يا قوم ﴾ لأنه أراد الاستئناف أو البدل دون العطف.

﴿ ويا قو م استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ قد مر مثله في أول السورة.

وقال الأصم: المراد سلوه أن يغفر لكم ما تقدم لكم من إسرافكم ثم اعزموا على أن لا تعودوا إلى مثله.

ثم قصد استمالتهم وترغيبهم في الإِيمان بكثرة المطر وزيادة القوة لأن القوم كانوا حراصاً على جميع الأموال من وجوه العمارة والزراعة مفتخرين بما أوتوا من البطش والقوة، فقدم إليهم في باب الدعوة إلى الدين والترغيب فيه ما كانت همتهم معقودة به ليحصل في ضمنه الغرض الكلي والمقصود الأصلي وهو الفوز بالسعادات الأخروية، وكأنه إنما خصص هذين النوعين من السعادات الدنيوية لأن الأول أصل جميع النعم، والثاني أصل في الانتفاع بتلك النعم.

وقيل: المراد بالقوة الزيادة في المال.

وقيل في النكاح.

وروي أنه حبس عنهم القطر بشؤم التكذيب ثلاث سنين وأعقم نساؤهم فوعدوا أنهم إن آمنوا أحيا الله بلادهم ورزقهم المال والولد.

والمدرار الكثير الدر كما مر في أول "الأنعام".

عن الحسن بن علي رضي الله عه أنه وفد على معاوية فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال لا يولد لي فقال: عليك بالاستغفار.

فكان يكثر الاستغفار حتى إنه ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟

فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود ﴿ ويزدكم قوة إلى قوتكم ﴾ وقول نوح ﴿ ويمددكم بأموال وبنين  ﴾ ثم قول هود ﴿ لا تتولوا ﴾ أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه ﴿ مجرمين ﴾ مصرين على الإِجرام والآثام.

فجحدوا هوداً وقالوا ما جئتنا ببينة كما قالت قريش لرسول الله  ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ولم يشتهر منه معجزة ولكن العلماء قالوا: إظهار الدعوة مع أولئك الأقوام من غير مبالاة وتوانٍ آية من الآيات.

وقوله: ﴿ عن قولك ﴾ حال من الضمير كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ﴿ وما نحن لك بمؤمنين ﴾ لا يصدق مثلنا مثلك أبداً.

ثم زعموا أن بعض آلهتهم اعتراه بسوء أي غشيه وأورثه الخبل والجنون لأنه كان يسب آلهتهم وذلك قولهم: ﴿ إن نقول إلا اعتراك ﴾ وإلا لغو أي ما نقول شيئاً إلا هذا القول فمن ثم يتكلم بكلام المجانين.

والمراد أن الأصنام كافأته على سوء فعله بسوء الجزاء فأظهر نبي الله الجلادة والثقة بالله فيما هو بصدده وتبرأ منهم ومن شركهم فأشهد الله وذلك إشهاد صحيح.

وأشهدهم أيضاً وهذا كالتهاون وقلة المبالاة بهم كقول الرجل لمن نوى قطعه بالكلية: أشهد عليَّ أني لا أحبك تهكماً به.

وقد مر قوله: ﴿ فكيدوني ﴾ الآية في آخر سورة الأعراف.

وقوله: ﴿ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ﴾ تمثيل لغاية التسخير ونهاية التدليل، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته فكان علامة لقهره.

قالت المعتزلة: هذا دليل التوحيد لدلالته على أنه لا مالك إلا هو.

وقوله: ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ دليل العدل.

والأشاعرة قالوا: معناه معنى.

﴿ إن ربك لبالمرصاد  ﴾ أي لا يخفى عليه شيء ولا يفوته هارب ﴿ فإن تولوا فقد أبلغتكم ﴾ كقول القائل إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك فيما مضى.

والمراد فإن تتولوا فأنا غير معاتب ولا مقصر لأني قد قضيت حق الرسالة.

وفي قوله: ﴿ ويستخلف ﴾ إشارة إلى عذاب الاستئصال وأنه يخلق بعدهم من هو أطوع منهم وأنه لا ينقص من ملكه شيئاً ﴿ إن ربي على كل شيء حفيظ ﴾ يحفظ أعمال العباد حتى يجازيهم عليها، أو يحفظني من شرككم وكيدكم، أو يحفظني من الهلاك ﴿ والذين آمنوا معه ﴾ قيل: كانوا أربعة آلاف ﴿ برحمة منا ﴾ أي بفضل وامتنان أو بسبب ما هم فيه من الإيمان والعمل الصالح ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ أطلق التنجية أوّلاً ثم قيدها على معنى وكانت تلك التنجية من عذاب غليظ سموم تدخل في أفواههم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضواً عضواً.

ويحتمل أن يراد بالثانية النجاة من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه.

ولما ذكر قصتهم خاطب محمداً وأشار إلى قبورهم وآثارهم بقوله: ﴿ وتلك عاد ﴾ فانظروا واعتبروا.

ثم استأنف وصف أحوالهم مجملة فقال: ﴿ جحدوا بآيات ربهم ﴾ فلم يتسلقوا من المعجزات إلى صدق الأنبياء، ولم يرتقوا من الممكنات إلى وجود الواجب بالذات ﴿ وعصوا رسله ﴾ قيل: لم يرسل إليه إلا هود، وصح الجمع لأن عصيان رسول واحد يتضمن عصيان كلهم ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله  ﴾ ﴿ واتبعوا أمر كل جبار عنيد ﴾ أطاعوا رؤساءهم وكبراءهم المتمردة والمعاندة ولهذا جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين.

وفي تكرير "ألا" والنداء على كفرهم، والدعاء عليهم بالبعد بعد إهلاكهم دلالة على تفظيع شأنهم وأنهم كانوا مستأهلين للدعاء عليهم بالهلاك، ويحتمل أن يراد البعد من رحمة الله في الآخرة.

وقوله: ﴿ قوم هود ﴾ عطف بيان لعاد إما للتأكيد ومزيد التقرير، وإما لأن عاداً عادان القديمة التي هي قوم هود، والأخرى وهي إِرم.

قوله في قصة ثمود ﴿ هو أنشأكم ﴾ تقديم الضمير للحصر أي لم ينشئكم إلا هو، ومعنى الإنشاء من الأرض أن الكل مخلوق من صلب آدم وهو مخلوق من الأرض.

ويمكن أن يقال: إن الإنسان مخلوق من المني وهو يحصل من الغذاء والغذاء ينتهي إلى النبات ثم إلى الأرض.

وقيل: إن "من" بمعنى "في".

﴿ واستعمركم ﴾ من العمارة أي جعلكم عماراً للأرض، وأمركم بالعمارة.

فمنها واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار فعمروا الأعمار الطوال مع ما كان منهم من الظلم.

فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فأوحى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي وقيل: من العمر نحو استبقاكم من البقاء.

وقيل: من العمرى.

ومعناه أعمركم الله فيها دياركم ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم.

أو جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنه أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لوارثه.

ومعنى كونه  قريباً قد مر في قوله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  ﴾ وذلك في "البقرة" ﴿ قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً ﴾ عن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا.

وقيل: كنا نظن بك الرشد والصلاح وكمال العقل وإصابة الرأي.

وقيل: كنت تعطف على فقيرنا وتعيد ضعيفنا وتعود مرضانا فظننا أنك من الأنصار والأحباب وأهل الموافقة في الدين، فكيف أظهرت العداوة والبغضاء؟

ثم أضافوا إلى هذا الكلام التمسك بالتقليد ومتابعة الآباء، ثم صرحوا بالتوقف والريب في أمره.

ومريب من أرابه إذا أوقعه في الريبة، أو من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة وهو من الإِسناد المجازي واعلم أن قوله ﴿ وإنا لفي شك ﴾ بنون الوقاية ههنا على الأصل، وأما في سورة إبراهيم فإنما قال: ﴿ وإنا ﴾ بغير نون الوقاية لقوله بعده: ﴿ تدعوننا  ﴾ على الجمع فكان اجتماع النونات مستكرهاً.

فأجابهم هو بقوله: ﴿ إن كنت على بينة ﴾ الآية.

وبنى أمره على الفرض والتقدير لأن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول كأنه قال: قدروا أني على بينة ﴿ من ربي ﴾ وأني نبي على الحقيقة فمن يمنعني من عذاب الله ﴿ إن عصيته ﴾ في أوامره ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ أي على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها، أو فما تزيدونني بما تحملونني عليه إلا أني أنسبكم إلى الخسران وأقول إنكم خاسرون.

والمعنى الأول أقرب لأنه كالدلالة على أن متابعتهم لا تزيده إلا خسران الدارين.

﴿ ويا قوم هذه ناقة الله ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف".

ومعنى ﴿ عذاب قريب ﴾ عاجل لا يستأخر إلا ثلاثة أيام و ﴿ غير مكذوب ﴾ من باب الاتساع أي غير مكذوب فيه فحذف الحرف.

وأجرى الضمير مجرى المفعول به أو من باب المجاز كأن الوعد إذا أوفى به فقد صدق ولم يكذب أو المكذوب مصدر كالمجلود وصف به.

قوله: ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بالفاء.

وفي قصة هود بالواو ولمكان التعقيب ههنا بدليل قوله: ﴿ عذاب قريب ﴾ ومثله في قصة لوط لقوله: ﴿ أليس الصبح بقريب  ﴾ وأما في قصة هود فإنه قال: ﴿ ويستخلف ﴾ بلفظ المستقبل ومثله في قصة شعيب ﴿ سوف تعلمون من يأتيه ﴾ بحرف التسويف فلم يكن الفاء مناسباً.

واعتبر هذا المعنى في سائر المواضع كما في سورة يوسف قال: ﴿ ولما جهزهم  ﴾ بالواو أوّلاً لأن التعقيب لم يكن مراداً ثم قال: ﴿ فلما جهزهم  ﴾ لمكان التعقيب والله أعلم.

قوله: ﴿ ومن خزي يومئذٍ ﴾ معطوف على محذوف والتقدير نجينا صالحاً ومن معه من العذاب النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم، أو يتعلق بمعطوف محذوف أي ونجيناهم من خزي يومئذ كما قال: ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ والمعنيان كما قلنا هناك.

والقراءتان في ﴿ يومئذٍ ﴾ لأن الظرف المضاف إلى "إذ" يجوز بناؤه على الفتح، والتنوين في "إذ" عوض من المضاف إليه أعني الجملة، والتقدير يوم إذ كان كذا وكسر الذال للساكنين ﴿ إن ربك هو القوي العزيز ﴾ القادر الغالب فمن قدرته ميز المؤمن من الكافر، ومن عزته وقهره أهلك الكفار بالصيحة التي سمعوها من جانب السماء إما بواسطة جبرائيل وإما لإحداثها في سحاب مع برق شديد محرق.

وإنما تصير الصيحة سبباً للهلاك لأن التموج الشديد في الهواء يوجب تأذي صماخ الإنسان، وقد يتمزق غشاء الدماغ بذلك، والأعراض النفسانية أيضاً إذا قويت أوجبت الموت وتمام القصة مذكور في سورة الأعراف، وقوله: ﴿ ألا إن ثمود ﴾ إلى آخره.

شبيه بما مر في قصة هود، والتأويل كما مر في سورة الأعراف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ﴾ : هو ما ذكرنا، أي: أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً.

وقوله: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ : قد ذكرنا أيضاً أن الأخوة تتجه إلى وجوه ثلاثة: أخوة في الدين، وأخوة في الجنس، وأخوة في النسب [فهو لا يحتمل أن يكون أخاهم في الدين، لكنه يحتمل أن يكون أخاهم من الوجهين الآخرين في الجنس والنسب].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ : إن الرسل صلوات الله عليهم جميعاً أول ما دعوا قومهم إنما دعوا إلى توحيد الله وجعل العبادة له؛ لأن غيره من العبادات إنما يقوم بالتوحيد، فكان أول ما دعاهم قومهم إليه لم يزل عادة الرسل وعملهم الدعاء إلى توحيد الله والعبادة له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ : وقال بعض أهل التأويل: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: هو خلقكم من آدم وخلق آدم من الأرض، لكنه أضاف خلق الخلائق إليها؛ كما أضاف في قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...

﴾ الآية [الأعراف: 189]، أخبر أنه خلقنا من نفسه، أي: آدم، وإن لم تكن أنفسنا منه؛ فعلى ذلك إضافته إيانا بالخلق من الأرض، وإن لم يخلق أنفسنا منها، أي: خلق أصلنا وأنشأه من الأرض، فأضاف إنشاءنا إلى ما أنشأ أصلنا.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ أي: جعل نشأة الخلائق كلهم ونماءهم وحياتهم ومعاشهم بالخارج من الأرض؛ إذ به نشوءهم ونماؤهم وحياتهم وقوامهم منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ : قال بعضهم: [أسكنكم فيها، وقال بعضهم: استخلفكم فيها.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: جعلكم عمار الأرض تعمرونها لمعادكم ومعاشكم، جعل عمارة هذه الأرض إلى الخلق هم الذين يقومون بعمارتها وبنائها وأنواع الانتفاع بها، ويرجع كله إلى واحد.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ ﴾ ] أي: جعل عمركم طويلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ : هذا قد ذكرنا فيما تقدم في قصة نوح، أي: كونوا بحال يغفر لكم؛ وهو كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ كأنه قال: فإن انتهوا عن الكفر يغفر لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ﴾ : لحفظ الخلائق أو قريب لمن أنعم عليهم وأمثاله، أو قريب إلى كل من يفزغ إليه، مجيب لدعاء كل داع استجاب له؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي...

﴾ الآية [البقرة: 186]؛ وكقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ...

﴾ الآية [البقرة: 40].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ : قال بعضهم: قولهم: ﴿ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ كنت ترحم الضعفاء وتعود المرضي ونحو ذلك من الكلام، فالساعة صرت على خلاف ذلك.

وقال بعضهم: ﴿ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ كنا نرجو أن ترجع إلى ديننا قبل هذا الذي تدعونا إليه، فالساعة صرت تشتم آلهتنا وتذكرها بعيب، أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا، أي: ما كنا نعرف أن آباءنا عندك سفهاء من قبل هذا، فالساعة تسفه أحلامهم في عبادتهم الأصنام.

﴿ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ \[قالوا هذا؛ احتجاجاً لهم عليه فيما دعاهم إلى توحيد الله وعبادتهم إياه، فقالوا: إنا على يقين أن آباءنا قد عبدوا هذه الآلهة من غير شك فما تدعونا إليه مريب\] أي: يريبنا أمرك ودعاؤك لنا إلى هذا الدين.

قد قيل هذا، ولكنا لا نعلم ما كانوا يرجون فيه، وأما المعنى الذي قالوا له قد كنت فينا مرجوا سوى أنا نعلم أنه كان مرجوا فيهم بالعقل والدين والعلم والبصيرة ونحوه، فكان مرجوا فيهم بالأشياء التي ذكرنا.

هذا نعلمه ولا نعلم ما عنى أولئك بقولهم: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي ﴾ أي: إن كنت على حجة وبرهان وبيان من ربي فيما أدعوكم إلى توحيد الله وصرف العبادة إليه.

والثاني: قوله: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي ﴾ أي: قد كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة يحتمل قوله: رحمة أي: آتاني هدى ونبوة من عنده.

﴿ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: من يمنعني من عذاب الله إن عصيته ورجعت إلى دينكم، أي: لا أحد ينصرني إن أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه، أي: لا أحد ينصرني دون الله لو أجبتكم وأطعتكم فيما دعوتموني إليه.

ثم الذي دعوه إليه يحتمل ترك تبليغ الرسالة إليهم، أو دعوه إلى عبادة الأصنام التي عبدوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: فما تزيدونني بمجادلتكم إياي فيما تجادلونني إلا خسراناً.

وقال بعضهم: فما تزدادون بمعصيتكم إياي إلا خسراناً لأنفسكم.

وقال القتبي: غير تخسير، أي: غير نقصان.

وقال أبو عوسجة: غير تخسير هو من الخسران، يقال: خسرته أي: ألزمته الخسران.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ﴾ : قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال: هذه ناقة الله لكم آية على صدق صالح فيما ادعى من الرسالة، أو هذه ناقة الله لكم [فذروها تأكل في أرض الله، قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال: هذه ناقة الله لكم آية]، أي: لكم آية التي سألتموها من الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ ﴾ : أضاف إليه لخصوصية كانت فيها نحن لا نعرف ذلك، ليست تلك الخصوصية في غيرها من النوق؛ لما جعلها آية لرسالته ونبوته خارجة عما عاينوا من النوق وشاهدوها، وهكذا كانت آيات الرسل كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلم أنها سماوية.

ثم لا نعرف أية خصوصية كانت لها عظم جسمها وغلظ بدنها، حيث قسم الشرب بينهم وبينها حتى جعل يوما لها ويوماً لهم بقوله: ﴿ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ  ﴾ ، ولم يقسم مراعيها بينها وبينهم بقوله: ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ﴾ ، وأما ما قاله بعض الناس: إنها خرجت من صخرة كذا، وأنها كانت تحلب كل يوم كذا وأشياء أخر ذكروها، فإنا لا نعرف ذلك ولا نقطع القول فيه أنه كان كذلك، سوى أنا نعرف أن لها كانت خصوصية ليست تلك الخصوصية لغيرها من النوق، ولو كانت لنا إلى تلك الخصوصية حاجة لبينتها لنا، وأصله ما ذكرنا أنه إذا أضيف جزئية الأشياء إلى الله  فهو على تعظيم تلك الجزئيات المضافة إليه، وإذا أضيف إليه كلية الأشياء فهو على إرادة التعظيم لله والتبجيل له؛ نحو قوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ ﴾ نهاهم أن يمسوها بسوء، ولم يبين ما ذلك السوء، فيحتمل أن يكون ذلك شيء عرفوا هم ونهاهم عن ذلك.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ ﴾ أي: لا تعقروها فيأخذكم عذاب قريب، لما كان ذلك على أثر عقرهم الناقة بثلاثة أيام حيث قال: ﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ ، وما ذكر أيضاً أن وجوههم اصفرت في اليوم الأول، ثم احمرت في اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثالث، ثم نزل بهم العذاب في اليوم الرابع، فذلك أيضاً مما لا نعرفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ قيل: سريعاً لا تمهلون حتى تعذبوا.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ وَعْدٌ ﴾ من الله ﴿ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ : ليس فيه كذب، وكان عذابهم إنما نزل على أثر سؤال الآية، سألوا ذلك فلما أن جاءهم بها كذبوها، فنزل بهم العذاب، وهكذا السنة في الأمم السالفة أنهم إذا سألوا الآية فجاءتهم فلم يؤمنوا بها نزل بهم العذاب، وهو قوله: ﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا...

﴾ الآية [الإسراء: 59]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أي: جاء ما أمر به كما يقال: جاء وعد ربنا، أي: جاء موعود ربنا؛ لأن وعده وأمره لا يجيء، ولكن جاء ما أمر به ووعد به وهو العذاب، أو نقول: جاء أي أتى وقت وقوع ما أمر به ووعد، وهو العذاب الذي وعد وأمر به، والله أعلم.

﴿ نَجَّيْنَا صَالِحاً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ : بنعمة منا أو بفضل منا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ قيل: الخزي هو العذاب الذي يفضحهم، وقيل: كل عذاب فهو خزي، أي: نجاهم من خزي ذلك اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ ﴾ قيل: القوي: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز هو الذي يذل من دونه، وقيل: القوي هو المنتقم المنتصر لأوليائه من أعدائه، والعزيز: هو المنيع في ملكه وسلطانه الذي لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ ﴾ : قيل: عذابهم كان صيحة صاح بهم جبريل، وقيل: الصيحة الصاعقة وكل عذاب فهو صيحة، لكن لا ندري كيف كان، أو أن يكون عذابهم قدر صيحة لسرعة وقوعه بهم، أو يسمى ذلك العذاب صيحة لما رأوه ما يصيحون فيما بينهم أو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ : قال هاهنا: ديارهم، وقال في سورة الأعراف: دارهم، والقصة واحدة.

قال بعضهم: دارهم قراهم، وديارهم منازلهم، ولكن هو واحد أصبحوا جاثمين في دارهم ومنازلهم سواءٌ.

وقوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ قيل: خامدين موتى وأصل قوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ أي: منكبين على وجوههم، يقال: جثم الطائر إذا انكب على وجهه مخافة الصيد، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ﴾ قيل: كأن لم يعيشوا فيها، وقيل: كأن لم يسكنوا فيها، وقيل: كأن لم يعمروا فيها، وأصله أنهم صاروا كأن لم يكونوا فيها لما لا يذكرون بعد هلاكهم، فصاروا من حيث لا يذكرون كأن لم يكونوا، وأما الأخيار والأبرار فإنهم وإن ماتت أبدانهم وصارت كأن لم تكن ففي الذكر كأنهم أحياء حيث يذكرون بعد موتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ ﴾ قيل: كفروا نعمة ربهم، أو كفروا بآيات ربهم، فذلك كله كفر بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ ﴾ \[أي: ألا بعداً لثمود\] من رحمة الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا، قال: يا قوم، اعبدوا الله وحده، ما لكم من معبود يستحق العبادة غيره، هو خلقكم من تراب الأرض بخلق أبيكم آدم منه، وجعلكم عُمَّارَها، فاطلبوا منه المغفرة ثم ارجعوا إليه بعمل الطاعات وترك المعاصي، إن ربي قريب ممن أخلص له العبادة، مجيب من دعاه.

<div class="verse-tafsir" id="91.0OV32"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر