الآية ٧ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٧ من سورة هود

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 152 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن قدرته على كل شيء ، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ، وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن جامع بن شداد ، عن صفوان بن محرز ، عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " اقبلوا البشرى يا بني تميم " .

قالوا : قد بشرتنا فأعطنا .

قال : " اقبلوا البشرى يا أهل اليمن " .

قالوا : قد قبلنا ، فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان ؟

قال : " كان الله قبل كل شيء ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء " .

قال : فأتاني آت فقال : يا عمران ، انحلت ناقتك من عقالها .

قال : فخرجت في إثرها ، فلا أدري ما كان بعدي .

وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة ; فمنها : قالوا : جئناك نسألك عن أول هذا الأمر فقال : " كان الله ولم يكن شيء قبله - وفي رواية : غيره ، وفي رواية : معه - وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ، ثم خلق السموات والأرض " .

وفي صحيح مسلم ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء " .

وقال البخاري في تفسير هذه الآية : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " قال الله عز وجل : أنفق أنفق عليك " .

وقال : " يد الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار " وقال " أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يده ، وكان عرشه على الماء ، وبيده الميزان يخفض ويرفع " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن يعلى بن عطاء ، عن وكيع بن عدس ، عن عمه أبي رزين - واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي - قال : قلت : يا رسول الله ، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟

قال : " كان في عماء ، ما تحته هواء وما فوقه هواء ، ثم خلق العرش بعد ذلك " .

وقد رواه الترمذي في التفسير ، وابن ماجه في السنن من حديث يزيد بن هارون به وقال الترمذي : هذا حديث حسن .

وقال مجاهد : ( وكان عرشه على الماء ) قبل أن يخلق شيئا .

وكذا قال وهب بن منبه ، وضمرة بن حبيب ، وقاله قتادة ، وابن جرير ، وغير واحد .

وقال قتادة في قوله : ( وكان عرشه على الماء ) ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض .

وقال الربيع بن أنس : ( وكان عرشه على الماء ) فلما خلق السموات والأرض ، قسم ذلك الماء قسمين ، فجعل نصفا تحت العرش ، وهو البحر المسجور .

وقال ابن عباس : إنما سمي العرش عرشا لارتفاعه .

وقال إسماعيل بن أبي خالد ، سمعت سعدا الطائي يقول : العرش ياقوتة حمراء .

وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى : ( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ) فكان كما وصف نفسه تعالى ، إذ ليس إلا الماء وعليه العرش ، وعلى العرش ذو الجلال والإكرام ، والعزة والسلطان ، والملك والقدرة ، والحلم والعلم ، والرحمة والنعمة ، الفعال لما يريد .

وقال الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير قال : سئل ابن عباس عن قول الله : ( وكان عرشه على الماء ) على أي شيء كان الماء ؟

قال : على متن الريح .

وقوله تعالى : ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) أي : خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه وحده لا شريك له ، ولم يخلق ذلك عبثا ، كما قال تعالى : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) ، وقال تعالى : ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) [ المؤمنون : 115 ، 116 ] ، وقال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) [ الذاريات : 56 ] .

وقوله : ( ليبلوكم ) أي : ليختبركم ( أيكم أحسن عملا ) ولم يقل : أكثر عملا بل ( أحسن عملا ) ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله عز وجل ، على شريعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين بطل وحبط .

وقوله : ( ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) يقول تعالى : ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم ، مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض ، [ كما قال تعالى : ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) [ الزخرف : 87 ] ، ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ] وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ) [ العنكبوت : 61 ] ، وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة ، الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة ، كما قال تعالى : ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] ، وقال تعالى : ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) [ لقمان : 28 ] وقولهم : ( إن هذا إلا سحر مبين ) أي : يقولون كفرا وعنادا ما نصدقك على وقوع البعث ، وما يذكر ذلك إلا من سحرته ، فهو يتبعك على ما تقول .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الله الذي إليه مرجعكم أيها الناس جميعًا ، ( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) ، يقول: أفيعجز من خلق ذلك من غير شيء أن يعيدكم أحياءً بعد أن يميتكم؟

* * * وقيل: إن الله تعالى ذكره خلق السموات والأرض وما فيهن في الأيام الستة، فاجتُزِئَ في هذا الموضع بذكر خلق السموات والأرض ، من ذكر خلق ما فيهنّ.

17971- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثّ فيها من كل دابة يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعات الجمعة ، فيما بين العصر إلى الليل .

(8) 17972- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: (في ستة أيام) ، قال: بدأ خلق الأرض في يومين، وقدّر فيها أقواتها في يومين.

17973- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن كعب قال: بدأ الله خلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ، وفرغ منها يوم الجمعة ، فخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة .

قال : فجعل مكان كل يوم ألف سنة.

17974- وحدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك: (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) ، قال: من أيام الآخرة، كل يوم مقداره ألف سنة .

ابتدأ في الخلق يوم الأحد، وختم الخلق يوم الجمعة ، فسميت " الجمعة "، وسَبَت يوم السبت فلم يخلق شيئًا * * * وقوله: (وكان عرشه على الماء) ، يقول: وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض وما فيهن ، (9) كما:- 17975- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (وكان عرشه على الماء) ، قبل أن يخلق شيئًا .

17976- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

17977- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

17978- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وكان عرشه على الماء) ، ينبئكم ربكم تبارك وتعالى كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض.

17979- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (وكان عرشه على الماء) ، قال: هذا بدء خلقه قبل أن يخلق السماء والأرض.

17980- حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد، عن يعلى بن عطاء.

عن وكيع بن حُدُس، عن عمه أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربُّنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟

قال: في عَمَاءٍ ، (10) ما فوقه هواء ، وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء.

(11) 17981- حدثنا ابن وكيع ، ومحمد بن هارون القطان الرازقي قالا حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدُس، عن عمه أبي رزين قال: قلت: يا رسول الله ، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟

قال: كان في عَماء ما فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء .

(12) 17982- حدثنا خلاد بن أسلم قال، أخبرنا النضر بن شميل قال، أخبرنا المسعودي قال، أخبرنا جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن ابن حصين ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتى قومٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فدخلوا عليه، فجعل يبشِّرهم ويقولون: أعطنا !

حتى ساء ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرجوا من عنده.

وجاء قوم آخرون فدخلوا عليه، فقالوا: جئنا نسلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونتفقه في الدين، ونسأله عن بدء هذا الأمر؟

قال: فاقبلوا البشرى إذ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا !

قالوا: قبلنا !

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان الله ولا شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر قبل كل شيء، ثم خلق سبع سماوات .

ثم أتاني آت فقال: تلك ناقتك قد ذهبت، فخرجتُ ينقطع دونها السَّراب ، (13) ولوددتُ أنّي تركتها.

(14) 17983- حدثنا محمد بن منصور قال ، حدثنا إسحاق بن سليمان قال ، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: (وكان عرشه على الماء) ، قال: كان عرش الله على الماء ، ثم اتخذ لنفسه جنّةً، ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقهما بلؤلؤة واحدة قال: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ، [سورة الرحمن: 62] ، قال: وهي التي ( لا تعلم نفس ) ، أو قال: وهما التي لا تعلم نفس مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، [سورة السجدة: 17] .

قال: وهي التي لا تعلم الخلائق ما فيها ، أو : ما فيهما ، يأتيهم كل يوم منها ، أو : منهما ، تحفة.

17984- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قول الله: (وكان عرشه على الماء) ، قال: على أي شيء كان الماء؟

قال: على متن الريح.

(15) 17985- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير قال: سُئل ابن عباس عن قوله: (وكان عرشه على الماء) ، على أي شيء كان الماء؟

قال: على متن الريح.

(16) 17986- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد، عن ابن عباس، مثله.

(17) 17987-.

.

.

.

قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا مبَشّر الحلبي، عن أرطاة بن المنذر قال: سمعت ضمرة يقول: إن الله كان عرشه على الماء، وخلق السموات والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبّح الله ومجّده ألف عام قبل أن يخلق شيئًا من الخلق.

(18) 17988- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال حدثني عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن العرش كان قبل أن يخلق الله السموات والأرض، ثم قبض من صَفاة الماء [قبضة] ، (19) ثم فتح القبضة فارتفع دخانًا (20) ، ثم قضاهُنّ سبع سماوات في يومين.

ثم أخذ طينة من الماء فوضعها مكان البيت، ثم دحا الأرض منها، ثم خلق الأقوات في يومين والسموات في يومين وخلق الأرض في يومين، ثم فرغ من آخر الخلق يوم السابع.

(21) * * * وقوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ، يقول تعالى ذكره: وهو الذي خلق السموات والأرض أيها الناس، وخلقكم في ستة أيام ، (ليبلوكم) ، يقول: ليختبركم (22) ، (أيكم أحسن عملا) ، يقول: أيكم أحسن له طاعة ، كما:- 17989- حدثنا عن داود بن المحبر قال ، حدثنا عبد الواحد بن زيد، عن كليب بن وائل، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه تلا هذه الآية: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، قال: أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله ، وأسرع في طاعة الله ؟

(23) 17990- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، يعني الثقلين.

* * * وقوله: (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين)، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن قلت لهؤلاء المشركين من قومك: إنكم مبعوثون أحياء من بعد مماتكم!

فتلوت عليهم بذلك تنـزيلي ووحيي ، (ليقولن إن هذا إلا سحر مبين ) ، أي : ما هذا الذي تتلوه علينا مما تقول ، إلا سحر لسامعه، مبينٌ لسامعه عن حقيقته أنه سحر.

(24) * * * وهذا على تأويل من قرأ ذلك: (إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) ، * * * وأما من قرأ: (إِنْ هَذَا إِلا سَاحِرٌ مُبِينٌ)، فإنه يوجّه الخبر بذلك عنهم إلى أنهم وَصَفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه فيما أتاهم به من ذلك ساحرٌ مبين.

* * * قال أبو جعفر: وقد بينا الصواب من القراءة في ذلك في نظائره ، فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته ههنا.

(25) ----------------------- الهوامش : (8) الأثر : 17971 - هذا حديث صحيح ، رواه مسلم في صحيحه 17 : 123 ، ورواه أحمد في مسنده 2 : 327 ، رقم : 8323 من ترقيم أخي رحمة الله عليه ، في الجزء الذي لم يطبع من المسند .

ورواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 28 ، 29 ، 32 ، جميعها من طريق القاسم بن بشر بن معروف ، والحسين بن علي الصدائي ، عن حجاج ، فهو صدر إسناد آخر غير هذا الإسناد ، وإن اتفق سائره .

هذا وقد نبتت نابتة تريد أن تبطل نحو هذا الحديث بالرأي ، ثم بالطعن في الصحابي الجليل أبي هريرة .

وسلك بعضهم إلى هذا مسلكا معيبا عند أهل العلم ، في استجلاب ضروب من الملفقات ، يريد بها مذمة رجل من أصحاب رسول الله ، غير متثبت من الأصل الذي يبنى عليه .

فاللهم احفظ دينك من أهوائنا ، فما أهلك الدين والدنيا غير الهوى المسلط على عقولنا ونفوسنا .

وفي هذا الأمر مقال ليس هذا مكانه .

(9) انظر تفسير " العرش " فيما سلف 12 : 482 / 14 : 587 / 15 : 18 .

(10) " العماء " ، في كلام العرب ، السحاب .

قال أبو عبيد القاسم بن سلام : " وإنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم ، ولا ندري كيف كان ذلك العماء " .

وهذه كلمة عالم يعقل عن ربه ، ولا يتنكر لخبر رسوله المبلغ عنه ، العارف بصفاته ، ويقاس عليه مثله مما ورد في أحاديث بدء الخلق وأشباهها ، ما صح إسناد الخبر عن نبي الله ، بأبي هو وأمي .

ونقل الترمذي في سننه عن أحمد ، عن يزيد بن هارون : " العماء : أي ليس معه شيء " .

(11) الأثر : 17980 - " حماد " ، هو " حماد بن سلمة " ، مضى مرارًا .

" ويعلى بن عطاء العامري الطائفي " ، ثقة ، مضى برقم : 2858 ، 11527 ، 11529 ، 16579 .

" ووكيع بن حدس " ، أو " ابن عدس " أبو مصعب العقيلي الطائفي ، ذكره ابن حبان في الثقات .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 178 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 36 .

" وأبو رزين العقيلي " ، هو " لقيط بن عامر بن المنتفق " أو " لقيط بن صبرة " ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مضى برقم : 3223 مضى التفريق هناك بينه وبين " لقيط بن صبرة " ، وهذا الخبر رواه الطبري في تاريخه 1 : 19 من هذه الطريق نفسها .

ورواه أحمد في مسنده 4 : 11 من طريق يزيد بن هارون عن حماد ، وص : 12 من طريق بهز ، عن حماد .

ورواه الترمذي في التفسير ، من طريق يزيد بن هارون ، وقال : " هذا حديث حسن " .

ورواه ابن ماجه في سننه 1 : 64 ، رقم : 182 ، من طريق يزيد .

انظر الأثر التالي رقم : 17981 .

(12) الأثر : 17981 - هو مكرر الأثر السالف ، ومضى تخريجه هناك .

" محمد بن هارون القطان الرازقي " ، شيخ الطبري ، هكذا جاء في المخطوطة أيضًا ، ومثله في التاريخ بغير " الرازقي " ، ولم أجد ذلك في الذي بين يدي من الكتب .

وشيخ الطبري الذي مر مرارًا هو " محمد بن هارون بن إبراهيم الربعي الحربي البزاز " ، أبو نشيط " ، وجائز أن يكون وضع " القطان " مكان " البزاز " فهما متقاربان في المعنى .

أما " الرازقي " ، فهذا مشكل .

إنما يقال له " الحربي " أو " الربعي " وقد مضى " أبو نشيط " برقم : 9511 ، 10371 ، 14294 .

(13) هكذا في المخطوطة : " ينقطع دونها السراب " ، وهو صواب ، ودليله رواية أحمد في مسنده " فإذا السراب ينقطع بيني وبينها " ، بمعنى " ينتهي " ، كما يقال : " منقطع الوادي أو الرمل " ، حيث ينتهي إليه طرفه .

يريد : ينتهي الطرف إلى منتهى السراب من قبل بصره ، فهو لا يراها .

وروى صاحب اللسان حديث أبي ذر " فإذا هي يقطع دونها السراب " ( بضم الياء وفتح القاف وتشديد الطاء ) ، وقال : أي تسرع إسراعًا كثيرًا تقدمت به وفاتت ، حتى إن السراب يظهر دونها ، أي من ورائها ، لبعدها في البر .

أما الحافظ ابن حجر في شرح حديث عمران بن حصين هذا ، فقد شرح رواية البخاري وهي " فإذا هي يقطع دونها السراب " وقال : يقطع ، بفتح أوله ، أي : يحول بيني وبين رؤيتها السراب " ، ( الفتح 6 : 207 ) .

(14) الأثر : 17982 - " خلاد بن أسلم " ، " أبو بكر الصفار " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 3004 ، 11512 ." والنضر بن شميل المازني النحوي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 11512 ، 16767 .

" والمسعودي " ، هو " عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة " ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 15349 ." وجامع بن شداد المحاربي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 8289 ." وصفوان بن محرز بن زياد المازني " ، ثقة ، روى له الخمسة .

مضى برقم : 6496 ، 12866 .

" وابن حصين " ، هو " عمران بن حصين الخزاعي " ، صحابي .

هذا الخبر رواه الطبري في تاريخه 1:19 بهذا الإسناد نفسه ورواه البخاري مطولا من طريق الأعمش ، عن جامع بن شداد ، ورواه مختصرًا من طريق سفيان ، عن جامع بن شداد ( الفتح 6 : 205 - 207 ) ، ومن طريق سفيان ( الفتح 8 : 76 ) .

ورواه أحمد في مسنده من طرق ، من طريق سفيان عن جامع مختصرًا ( 4 : 426 ، 436 ) ومن طريق الأعمش ، عن جامع مطولا ( 4 : 431 ، 432 ) وهو إسناد البخاري بنحو لفظه .

وروايته من هذه الطرق الصحاح ، تقيم رواية المسعودي ، لأن " المسعودي " قد تكلموا فيه ، وأنه اختلط بأخرة ، والمرضي من حديثه ما سمعه القدماء منه .

وكأن " النضر بن شميل " ممن روى عنه قديمًا .

وقد رواه الحاكم في المستدرك 2 : 341 من طريق روح بن عبادة عن المسعودي نفسه ، عن جامع بن شداد ، عن صفوان بن محرز ، عن بريدة الأسلمي الصحابي ، بلفظه وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ووافقه الذهبي .

ولا أدري متى سمع روح بن عبادة من المسعودي .

فإن الاختلاف في " بريدة " و " عمران بن حصين " ، يحتاج إلى فضل تحقيق .

(15) الأثر : 17984 - رواه الحاكم في المستدرك 2 : 341 ، من طريق الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " ووافقه الذهبي .

وسيأتي في الذي يليه من طريق الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، بلا واسطة .

والأعمش يروي عن سعيد بن جبير .

ورواه الطبري في تاريخه من هذه والطريق نفسها 1 : 20 ، 21 .

(16) الأثر : 19786 - هو مكرر الأثرين السالفين ، من طريق الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، بلا واسطة ، ورواه بها الطبري في تاريخه 1 : 21 .

(17) الأثر : 19786 - مكرر الثرين السالفين ، ورواه الطبري في تاريخه منها 1 : 21 .

(18) الأثر : 17987 - " مبشر الحلبي " ، هو " مبشر بن إسماعيل الحلبي " ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 17001 ، وكان في المطبوعة : " ميسر " ، وهو خطأ .

و " أرطاة بن المنذر السكوني " ، ثقة ، من أتباع التابعين ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 58 وابن أبي حاتم 1 / 1 / 326 .

" وضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي " ثقة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 338 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 467 .

وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 21 من هذه الطريق نفسها .

(19) في المطبوعة : " ثم قبض قبضة من صفاء الماء " ، لم يحسن قراءة ما في المخطوطة ، فغيرها .

وزدت " قبضة " بين قوسين ، من رواية هذا الخبر ، بغير هذا الإسناد ، في تاريخ الطبري .

" وصفاة الماء " ، كأنه عنى بها " الزبدة البيضاء " المذكورة في الأثر رقم : 2044 ، 7428 ، وفي الدر المنثور 3 : 322 ، من حديث الربيع بن أنس : " كان عرشه على الماء ، فلما خلق السماوات والأرض ، قسم ذلك الماء قسمين ، فجعل صفاء ( صفاة ) تحت العرش ، وهو البحر المسجور ، فلا تقطر منه قطرة حتى ينفخ في الصور ، فينزل منه مثل الطل ، وتنبت منه الأجسام " .

(20) في المطبوعة : " ثم قبض قبضة من صفاء الماء " ، لم يحسن قراءة ما في المخطوطة ، فغيرها .

وزدت " قبضة " بين قوسين ، من رواية هذا الخبر ، بغير هذا الإسناد ، في تاريخ الطبري .

" وصفاة الماء " ، كأنه عنى بها " الزبدة البيضاء " المذكورة في الأثر رقم : 2044 ، 7428 ، وفي الدر المنثور 3 : 322 ، من حديث الربيع بن أنس : " كان عرشه على الماء ، فلما خلق السماوات والأرض ، قسم ذلك الماء قسمين ، فجعل صفاء ( صفاة ) تحت العرش ، وهو البحر المسجور ، فلا تقطر منه قطرة حتى ينفخ في الصور ، فينزل منه مثل الطل ، وتنبت منه الأجسام " .

(21) في الأثر : 17988 - رواه الطبري في تاريخه 1 : 20 من طريق محمد بن سهل بن عسكر ، عن إسماعيل بن عبد الكريم ، مختصرًا .

(22) انظر تفسير " البلاء " فيما سلف 13 : 448 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(23) الأثر : 17989 - " داود بن المحبر الطائي الثقفي " ، صاحب " كتاب العقل " ، شبه لا شيء ، كان لا يدري ما الحديث ، هكذا قال أحمد بن حنبل .

وهو ضعيف صاحب مناكير ، وذكروا كتاب العقل ، فقال الدارقطني : " كتاب العقل ، وضعه أربعة ، أولهم ميسرة بن عبد ربه ، ثم سرقه منه داود بن المحبر ، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة .

وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء ، فركبه بأسانيد أخر .

ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي ، فأتى بأسانيد أخر " .

وقال الحاكم : " حدثونا عن الحارث بن أبي أسامة عنه بكتاب العقل ، وأكثر ما أودع في ذلك الكتاب من الحديث الموضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 223 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 424 ." وعبد الواحد بن يزيد البصري " ، القاص ، شيخ الصوفية منكر الحديث ، ضعيف بمرة ، مترجم في تعجيل المنفعة ص : 266 ، وميزان الاعتدال 2 : 157، وابن أبي حاتم 3/1/20.

" وكليب بن وائل بن هبار التيمي اليشكري " ، روى عن ابن عمر .

ثقة ، وضعفه أبو زرعة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 229 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 167 .

فهذا حديث ضعيف بمرة ، ولا أصل له .

(24) في المطبوعة : " إلا سحر لسامعه مبين حقيقته أنه سحر " ، وفي المخطوطة : " إلا سحر لسامعه عن حقيقته أنه سحر " ، وبين " سحر " و " لسامعه " حرف " ط " دلالة على الخطأ .

وصواب العبارة ما أثبته إن شاء الله .

وانظر تفسير " السحر " فيما سلف ص : 159 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .

(25) انظر ما سلف 11 : 216 ، 217 ، 265 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبينقوله تعالى : وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام تقدم في ( الأعراف ) بيانه والحمد لله .

وكان عرشه على الماء بين أن خلق العرش والماء قبل خلق الأرض والسماء .

قال كعب : خلق الله ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد من مخافة الله تعالى ; فلذلك يرتعد الماء إلى الآن وإن كان ساكنا ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ، ثم وضع العرش على الماء .

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : إنه سئل عن قوله - عز وجل - : وكان عرشه على الماء فقال : على أي شيء كان الماء ؟

قال : على متن الريح .

وروى البخاري عن عمران بن حصين .

قال : كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه قوم من بني تميم فقال : ( اقبلوا البشرى يا بني تميم ) قالوا : بشرتنا فأعطنا [ مرتين ] فدخل ناس من أهل اليمن فقال : ( اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم ) قالوا : قبلنا ، جئنا لنتفقه في الدين ، ولنسألك عن هذا الأمر ما كان ؟

قال : كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء ثم أتاني رجل فقال : يا عمران أدرك ناقتك فقد [ ص: 10 ] ذهبت ، فانطلقت أطلبها فإذا هي يقطع دونها السراب ; وايم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم .قوله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا أي خلق ذلك ليبتلي عباده بالاعتبار والاستدلال على كمال قدرته وعلى البعث .

وقال قتادة : معنى أيكم أحسن عملا أيكم أتم عقلا .

وقال الحسن وسفيان الثوري : أيكم أزهد في الدنيا .

وذكر أن عيسى - عليه السلام - مر برجل نائم فقال : يا نائم قم فتعبد ، فقال يا روح الله قد تعبدت ، فقال ( وبم تعبدت ) ؟

قال : قد تركت الدنيا لأهلها ; قال : نم فقد فقت العابدين .

الضحاك : أيكم أكثر شكرا .

مقاتل : أيكم أتقى لله .

ابن عباس : أيكم أعمل بطاعة الله - عز وجل - .

وروي عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا : أيكم أحسن عملا قال : أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله فجمع الأقاويل كلها ، وسيأتي في " الكهف " هذا أيضا إن شاء الله تعالى .

وقد تقدم معنى الابتلاء .ولئن قلت إنكم مبعوثون أي دللت يا محمد على البعث .

من بعد الموت وذكرت ذلك للمشركين لقالوا : هذا سحر .

وكسرت ( إن ) لأنها بعد القول مبتدأة .

وحكى سيبويه الفتح .ليقولن الذين كفروا فتحت اللام لأنه فعل متقدم لا ضمير فيه ، وبعده " ليقولن " لأن فيه ضميرا .

و " سحر " أي غرور باطل ، لبطلان السحر عندهم .

وقرأ حمزة والكسائي " إن هذا إلا ساحر مبين " كناية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة { و } حين خلق السماوات والأرض { كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } فوق السماء السابعة.

فبعد أن خلق السماوات والأرض استوى عليه، يدبر الأمور، ويصرفها كيف شاء من الأحكام القدرية، والأحكام الشرعية.

ولهذا قال: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } أي: ليمتحنكم، إذ خلق لكم ما في السماوات والأرض بأمره ونهيه، فينظر أيكم أحسن عملا.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "أخلصه وأصوبه" قيل يا أبا علي: "ما أخلصه وأصوبه" ؟.

فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا، لم يقبل.

وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا.

والخالص: أن يكون لوجه الله، والصواب: أن يكون متبعا فيه الشرع والسنة، وهذا كما قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } وقال تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } فالله تعالى خلق الخلق لعبادته ومعرفته بأسمائه وصفاته، وأمرهم بذلك، فمن انقاد، وأدى ما أمر به، فهو من المفلحين، ومن أعرض عن ذلك، فأولئك هم الخاسرون، ولا بد أن يجمعهم في دار يجازيهم فيها على ما أمرهم به ونهاهم.

ولهذا ذكر الله تكذيب المشركين بالجزاء، فقال: { وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } أي: ولئن قلت لهؤلاء وأخبرتهم بالبعث بعد الموت، لم يصدقوك، بل كذبوك أشد التكذيب ، وقدحوا فيما جئت به، وقالوا: { إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } ألا وهو الحق المبين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ) قبل أن خلق السماء والأرض وكان ذلك الماء على متن الريح .

قال كعب : خلق الله عز وجل ياقوتة خضراء ، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ، ثم خلق الريح ، فجعل الماء على متنها ، ثم وضع العرش على الماء .

قال ضمرة : إن الله تعالى كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض ، وخلق القلم فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه ، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من خلقه ( ليبلوكم ) ليختبركم ، وهو أعلم ، ( أيكم أحسن عملا ) أعمل بطاعة الله ، وأورع عن محارم الله تعالى .

( ولئن قلت ) يا محمد ، ( إنكم مبعوثون ) أي : ( من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) يعنون القرآن .

وقرأ حمزة والكسائي : " ساحر " يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام» أولها الأحد وآخرها الجمعة «وكان عرشه» قبل خلقهما «على الماء» وهو على متن الريح «ليبلوكم» متعلق بخلق أي خلقهما وما فيهما من منافع لكم ومصالح ليختبركم «أيكم أحسن عملا» أي أطوع لله «ولئن قلت» يا محمد لهم «إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن» ما «هذا» القرآن الناطق بالبعث أو الذي تقوله «إلا سحر مبين» بيَّن وفي قراءة ساحر: والمشار إليه النبي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن في ستة أيام، وكان عرشه على الماء قبل ذلك؛ ليختبركم أيكم أحسن له طاعةً وعملا وهو ما كان خالصًا لله موافقًا لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولئن قلت -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين من قومك: إنكم مبعوثون أحياءً بعد موتكم، لسارعوا إلى التكذيب وقالوا: ما هذا القرآن الذي تتلوه علينا إلا سحر بيِّن.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - ما يشهد بعظيم قدرته فقال - تعالى - : ( وَهُوَ الذي خَلَق السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ .

.

.

) .والأيام جمع يوم ، والمراد به هنا مطلق الوقت الذى لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى - .أى : وهو - سبحانه - الذى أنشأ السموات والأرض وما بينهما ، على غير مثال سابق ، فى ستة أيام من أيامه - تعالى - ، التى لا يعلم مقدار زمانها إلا هو .وقيل : أنشأهن فى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا .قال سعيد بن جبير - رضى الله عنه - : كان الله قادرا على خلق السموات والأرض وما بينهما فى لمحة ولحظة ، فخلقهن فى ستة أيام ، تعليما لعباده التثبت والتأنى فى الأمور .وقد جاءت آيات تدل على أنه - سبحانه - خلق الأض فى يومين ، وخلق السموات فى يومين وخلق ما بينهما فى يومين ، وهذه الآيات هى قوله - تعالى - : ( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالمين .

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ .

ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ .

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا .

.

.

) وجملة ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء ) اعتراضية بين قوله ( خَلَق السماوات والأرض ) وبين ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) ويجوز أن تكون حالية من فاعل خلق وهو الله - تعالى - وعرش الله - تعالى - من الألفاظ التى لا يعلمها البشر إلا بالاسم .

وقد جاء ذكر العرش فى القرآن الكريم إحدى وعشرين مرة .ونحن مكلفون بأن نؤمن بأن له - سبحانه - عرشا ، أما كيفيته فنفوض علمها إليه - تعالى - .والمعنى : أن الله - تعالى - خلق السموات والأرض فى ستة أيام ، وكان عرشه قبل خلقهما ليس تحته شئ سوى الماء .قالوا : وفى ذلك دليل على أن العرش والماء كانا موجودين قبل وجود السموات والأرض .قال القرطبي : قوله : ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء ) بين - سبحانه - أن خلق العرش والماء ، كان قبل خلق الأرض والسماء .

.

.ثم قال : وروى البخارى عن عمران بين حصين قال كنت عند النبى - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه قوم من بنى تميم فقال : " " اقبلوا البشرى يا بنى تميم " قالوا : بشرتنا فأعطنا .

فدخل ناس من أهل اليمن فقالوا : جئنا لنتفقه فى الدين ، ولنسألك عن هذا الدين ونسألك عن أول هذا الأمر .قال : " إن الله ولم يكن شئ غيره ، وكان عرشه على الماء .

ثم خلق السموات والأرض ، وكتب فى الذكر كل شئ " " .وقال ابن كثير بعد هذا الحديث وغيره : وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء " .وروى الإِمام أحمد عن لقيط بن عامر العقبلى قال : قلت يا رسول الله ، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟

قال : كان فى عماء ، ما تحته هواء ، وما فوقه هواء ، ثم خلق العرش بعد ذلك .والعلماء : السحاب الرقيق ، أى فوق سحاب مدبرا له ، وعاليا عليه ، والسحاب ليس تحته سوى الهواء ، وليس فوقه سوى الهواء .

والمراد أنه ليس مع الله - تعالى - شئ آخر .وقوله - سبحانه - ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) جملة تعليلية .

ويبلوكم من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان .أى : خلق ما خلق من السموات والأرض وما فيهما من كائنات ، ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه من أسباب معاشكم ، ليعاملكم معاملة من يختبر غيره ، ليتميز المحسن من المسئ ، والمطيع من العاصى ، فيجازى المسحنين والطائعين بما يستحقون من ثواب ، ويعاقب المسيئين والعاصين بما هم أهله من عقاب .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل : ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) وأعمال المؤمنين هى التي تتفاوت إلى حسن وأحسن ، فأما أعمال المؤمنين والكافرين فتفاوتها إلى حسن وقبيح؟

قلت : الذين هم أحسن عملا هم المتقون وهم الذين استبقوا إلى تحصيل ما هو مقصود الله - تعالى - من عباده ، فخصهم بالذكر ، واطرح ذكر من وراءهم ، تشريفا لهم ، وتنبيها على مكانهم منه ، وليكون ذلك لطفا للسامعين ، وترغيبا فى حياة فضلهم .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان موقف الكافرين من البعث والحساب فقال : ( وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت لَيَقُولَنَّ الذين كفروا إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) .أى : ولئن قلت يا محمد لهؤلاء الكافرين الذين أرسلك الله لإِخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان ، لئن قلت لهم ( إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ ) يوم القيامة ( مِن بَعْدِ الموت ) الذى سيدرككم فى هذه الدنيا عند نهايكم آجالكم ( لَيَقُولَنَّ ) لك هؤلاء الكافرون على سبيل الأنكار والتهكم ما هذا الذى تقوله يا محمد ( إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) أى : إلا سحر واضح جلى ظاهر لا لبس فيه ولا غموض .وقرأ حمزة والكسائى وخلف ( إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) فتكون الإِشارة بقوله ( هذا ) إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أى : أنه فى زعمهم يقول كلاما ليسحرهم به ، وليصرفهم عما كان عليه آباؤهم وأجدادهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما أثبت بالدليل المتقدم كونه عالماً بالمعلومات، أثبت بهذا الدليل كونه تعالى قادراً على كل المقدورات وفي الحقيقة فكل واحد من هذين الدليلين يدل على كمال علم الله وعلى كمال قدرته.

واعلم أن قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ قد مضى تفسيره في سورة يونس على سبيل الاستقصاء.

بقي هاهنا أن نذكر ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء ﴾ قال كعب خلق الله تعالى ياقوتة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء، قال أبو بكر الأصم: معنى قوله: ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء ﴾ كقولهم: السماء على الأرض.

وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقاً بالآخر وكيف كانت الواقعة فذلك يدل على أن العرش والماء كانا قبل السموات والأرض، وقالت المعتزلة: في الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما، لأنه لا يجوز أن يخلق ذلك ولا أحد ينتفع بالعرض والماء، لأنه تعالى لما خلقهما فإما أن يكون قد خلقهما لمنفعة أو لا لمنفعة والثاني عبث، فبقي الأول وهو أنه خلقهما لمنفعة، وتلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله وهو محال لكونه متعالياً عن النفع والضرر أو إلى الغير فوجب أن يكون ذلك الغير حياً، لأن غير الحي لا ينتفع.

وكل من قال بذلك قال ذلك الحي كان من جنس الملائكة، وأما أبو مسلم الأصفهاني فقال معنى قوله: ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء ﴾ أي بناؤه السموات كان على الماء، وقد مضى تفسير ذلك في سورة يونس، وبين أنه تعالى إذا بنى السموات على الماء كانت أبدع وأعجب، فإن البناء الضعيف إذا لم يؤسس على أرض صلبة لم يثبت، فكيف بهذا الأمر العظيم إذا بسط على الماء؟

وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما الفائدة في ذكر أن عرشه كان على الماء قبل خلق السموات والأرض؟

والجواب: فيه دلالة على كمال القدرة من وجوه: الأول: أن العرش كونه مع أعظم من السموات والأرض كان على الماء فلولا أنه تعالى قادر على إمساك الثقيل بغير عمد لما صح ذلك، والثاني: أنه تعالى أمسك الماء لا على قرار وإلا لزم أن يكون أقسام العالم غير متناهية، وذلك يدل على ما ذكرناه.

والثالث: أن العرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله تعالى فوق سبع سموات من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، وذلك يدل أيضاً على ما ذكرنا.

السؤال الثاني: هل يصح ما يروى أنه قيل يا رسول الله، أين كان ربنا قبل خلق السموات والأرض؟

فقال كان في عماء فوقه هواء وتحته هواء.

والجواب: أن هذه الرواية ضعيفة، والأولى أن يكون الخبر المشهور أولى بالقبول وهو قوله صلى الله عليه وسلم كان الله وما كان معه شيء، ثم كان عرشه على الماء.

السؤال الثالث: اللام في قوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ يقتضي أنه تعالى خلق السموات والأرض لابتلاء المكلف فكيف الحال فيه؟

والجواب ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى خلق هذا العالم الكثير لمصلحة المكلفين، وقد قال بهذا القول طوائف من العقلاء، ولكل طائفة فيه وجه آخر سوى الوجه الذي قال به الآخرون، وشرح تلك المقالات لا يليق بهذا الكتاب.

والذين قالوا إن أفعاله وأحكامه غير معللة بالمصالح قالوا: لام التعليل وردت على ظاهر الأمر، ومعناه أنه تعالى فعل فعلاً لو كان يفعله من تجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

السؤال الرابع: الابتلاء إنما يصح على الجاهل بعواقب الأمور وذلك عليه تعالى محال، فكيف يعقل حصول معنى الابتلاء في حقه؟

والجواب: أن هذا الكلام على سبيل الاستقصاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما بين أنه خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين وامتحانهم فهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر، لأن الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة والثواب وتخصيص المسيء بالعقاب، وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بالمعاد والقيامة، فعند هذا خاطب محمداً عليه الصلاة والسلام وقال: ﴿ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت لَيَقُولَنَّ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ ومعناه أنهم ينكرون هذا الكلام ويحكمون بفساد القول بالبعث.

فإن قيل: الذي يمكن وصفه بأنه سحر ما يكون فعلاً مخصوصاً، وكيف يمكن وصف هذا القول بأنه سحر؟

قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: قال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا وإحرازاً لهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

الثاني: أن معنى قوله: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ هو أن السحر أمر باطل، قال تعالى حاكياً عن موسى عليه السلام ﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ  ﴾ فقوله: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ أي باطل مبين.

الثالث: أن القرآن هو الحاكم بحصول البعث وطعنوا في القرآن بكونه سحراً لأن الطعن في الأصل يفيد الطعن في الفرع.

الرابع: قرأ حمزة والكسائي ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ ساحر ﴾ يريدون النبي صلى الله عليه وسلم والساحر كاذب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء ﴾ أي ما كان تحته خلق قبل خلق السموات والأرض.

وارتفاعه فوقها إلا الماء.

وفيه دليل على أنّ العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض.

وقيل: وكان الماء على متن الريح، والله أعلم بذلك، وكيفما كان فالله ممسك كل ذلك بقدرته، وكلما ازدادت الأجرام كانت أحوج إليه وإلى إمساكه ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ متعلق بخلق، أي خلقهن لحكمة بالغة، وهي أن يجعلها مساكن لعباده، وينعم عليهم فيها بفنون النعم، ويكلفهم الطاعات واجتناب المعاصي، فمن شكر وأطاع أثابه، ومن كفر وعصى عاقبه.

ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال: ليبلوكم.

يريد: ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون.

فإن قلت: كيف جاز تعليق فعل البلوى؟

قلت: لما في الاختبار من معنى العلم؛ لأنه طريق إليه فهو ملابس له، كما تقول: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن صوتاً؛ لأنّ النظر والاستماع من طريق العلم.

فإن قلت كيف قيل: ﴿ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ وأعمال المؤمنين هي التي تتفاوت إلى حسن وأحسن، فأمّا أعمال المؤمنين والكافرين فتفاوتها إلى حسن وقبيح؟

قلت: الذين هم أحسن عملا هم المتقون، وهم الذين استبقوا إلى تحصيل ما هو غرض الله من عباده، فخصهم بالذكر واطرح ذكر من وراءهم تشريفاً لهم وتنبيهاً على مكانهم منه، وليكون ذلك لطفاً للسامعين، وترغيباً في حيازة فضلهم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً، وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله» قرئ: ﴿ ولئن قلت إنكم مبعثون ﴾ بفتح الهمزة.

ووجهه أن يكون من قولهم: ائت السوق عنك تشتري لنا لحماً، وأنك تشتري بمعنى علك، أي: ولئن قلت لهم لعلكم مبعوثون، بمعنى: توقعوا بعثكم وظنوه، ولا تبتوا القول بإنكاره، لقالوا: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ باتين القول ببطلانه.

ويجوز أن تضمن ﴿ قلت ﴾ معنى (ذكرت) ومعنى قولهم: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ أنّ السحر أمر باطل، وأن بطلانه كبطلان السحر تشبيهاً له به.

أو أشاروا بهذا إلى القرآن لأن القرآن هو الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره.

وقرئ: ﴿ إن هذا إلا ساحر ﴾ ، يريدون الرسول، والساحر: كاذب مبطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ أيْ خَلَقَهُما وما فِيهِما كَما مَرَّ بَيانُهُ في « الأعْرافِ»، أوْ ما في جِهَتَيِ العُلُوِّ والسُّفْلِ وجَمَعَ السَّمَواتِ دُونَ الأرْضِ لِاخْتِلافِ العُلْوِيّاتِ بِالأصْلِ والذّاتِ دُونَ السُّفْلِيّاتِ.

﴿ وَكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ ﴾ قَبْلَ خَلْقِهِما لَمْ يَكُنْ حائِلٌ بَيْنَهُما لا أنَّهُ كانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى إمْكانِ الخَلاءِ وأنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ مِن أجْرامِ هَذا العالَمِ.

وقِيلَ كانَ الماءُ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ.

﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ خَلَقَ ﴾ أيْ خَلَقَ ذَلِكَ كَخَلْقِ مَن خَلَقَ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُبْتَلِي لِأحْوالِكم كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَإنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ أسْبابٌ ومَوادُّ لِوُجُودِكم ومَعاشِكم وما تَحْتاجُ إلَيْهِ أعْمالُكم ودَلائِلُ وأماراتٌ تَسْتَدِلُّونَ بِها وتَسْتَنْبِطُونَ مِنها، وإنَّما جازَ تَعْلِيقُ فَعْلِ البَلْوى لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ كالنَّظَرِ والِاسْتِماعِ، وإنَّما ذِكْرُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ والِاخْتِبارِ شامِلٌ لِفِرَقِ المُكَلَّفِينَ بِاعْتِبارِ الحُسْنِ والقُبْحِ لِلتَّحْرِيضِ عَلى أحاسِنِ المَحاسِنِ، والتَّحْضِيضِ عَلى التَّرَقِّي دائِمًا في مَراتِبِ العِلْمِ والعَمَلِ فَإنَّ المُرادَ بِالعَمَلِ ما يَعُمُّ عَمَلَ القَلْبِ والجَوارِحِ ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ  «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ» .

والمَعْنى أيُّكم أكْمَلُ عِلْمًا وعَمَلًا.

﴿ وَلَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ ما البَعْثُ أوِ القَوْلُ بِهِ أوِ القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ لِذِكْرِهِ إلّا كالسِّحْرِ في الخَدِيعَةِ أوِ البُطْلانِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « إلّا ساحِرٌ» عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى القائِلِ.

وقُرِئَ (أنَّكُمْ) بِالفَتْحِ عَلى تَضَمُّنِ قُلْتَ مَعْنى ذَكَرْتَ أوْ أنْ يَكُونَ أنَّ بِمَعْنى عَلى أيْ ولَئِنْ قُلْتَ عَلَّكم مَبْعُوثُونَ، بِمَعْنى تَوَقَّعُوا بَعْثَكم ولا تَبُتُّوا بِإنْكارِهِ لَعَدُّوهُ مِن قَبِيلِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ مُبالَغَةً في إنْكارِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَهُوَ الّذي خَلَقَ السّماوات والأرض} وما بينهما {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} من الأحد

إلى الجمعة تعليماً للتأني {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء} أي فوقه يعني ما كان تحته خلق قبل خلق السموات والأرض إلا الماء وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السموات والأرض قيل بدأه بخلق ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء ثم خلق ريحاً فأقر الماء على متنه ثم وضع عرشه على الماء وفي وقوف العرش على الماء أعظم اعتبار لأهل الأفكار {لِيَبْلُوَكُمْ} أى خلق السموات والأرض وما بينهما للممتحن فيهما ولم يخلق هذه الأشياء لأنفسها {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أكثر شكراً وعنه عليه السلام أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع فى طاعة

هود (٧ _ ١١)

الله فمن شكر وأطاع أثابه ومن كفر وعصى عاقبه ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال ليبلوكم أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت لَيَقُولَنَّ} الذين كَفَرُواْ {إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أشار بهذا إلى القرآن لأن القرآن هو الناطق بالبعث فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره ساحر حمزة وعلى يريد دون الرسول والساحر كاذب مبطل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ أتى سُبْحانَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ تَقْرِيرًا لِلتَّوْحِيدِ لِأنَّ مَن شَمِلَ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ هو الَّذِي يَكُونُ إلَهًا لا غَيْرُهُ مِمّا لا يَعْلَمُ ولا يَقْدِرُ عَلى ضَرٍّ ونَفْعٍ وتَأْكِيدًا لِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ لِأنَّ العالِمَ القادِرَ يُرْجى ويُخْشى، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ ) وما بَعْدَها تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وفِيهِ بُعْدٌ، وكَأنَّ المُرادَ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ إلَخْ..

خَلْقُهُما وما فِيهِما، أوْ تُجْعَلُ السَّماواتُ مَجازًا عَنِ العُلْوِيّاتِ فَتَشْمَلُها وما فِيها، وتَجْعَلُ الأرْضَ مَجازًا بِمَعْنى السُّفْلِيّاتِ فَتَشْمَلُها وما فِيها مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، واحْتِيجَ لِذَلِكَ لِاقْتِضاءِ المَقامِ إيّاهُ وإلّا فَخَلْقُهُما في تِلْكَ المُدَّةِ لا يُنافِي خَلْقَ غَيْرِهِما فِيها، والمُرادُ بِاليَوْمِ الوَقْتُ مُطْلَقًا لا المُتَعارَفُ إذْ لا يَتَصَوَّرُ ذَلِكَ حِينَ لا شَمْسَ ولا أرْضَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ مُدَّةُ زَمانِ دَوْرِ المُحَدَّدِ المُسَمّى بِالعَرْشِ دَوْرَةً تامَّةً، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ، وقَدْ عُلِمَتْ حالُهُ فِيما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

وفِي عَدَمِ خَلْقِهِما دُفْعَةً كَما عَلِمْتَ دَلِيلٌ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ قادِرًا مُخْتارًا مَعَ ما فِيهِ مِن الِاعْتِبارِ لِلنُّظّارِ والحَثِّ عَلى التَّأنِّي في الأُمُورِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما قِيلَ في وجْهِ تَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ دُونَ الزّائِدِ عَلَيْهِ كالسَّبْعَةِ أوِ النّاقِصِ عَنْهُ كالخَمْسَةِ لِلْخَلْقِ، ولَعَلَّنا نُحَقِّقُ ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ في السَّماواتِ لِاخْتِلافِها بِالأصْلِ والذّاتِ دُونَ الأرْضِ، وإنْ قِيلَ: إنَّها مِثْلُ السَّماءِ في كَوْنِها سَبْعًا طِباقًا بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مَسافَةٌ وفِيها مَخْلُوقاتٌ، وبِذَلِكَ فُسِّرَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ والكَثِيرُ عَلى أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ واحِدَةٌ مُنْقَسِمَةٌ إلى سَبْعَةِ أقالِيمَ وحَمَلُوا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ.

﴿ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (خَلَقَ) مَعَ ضَمِيرِهِ المُسْتَتِرِ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ بِتَقْدِيرِ قَدْ عَلى ما هو المَشْهُورُ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ الماضَوِيَّةِ مِنِ اشْتِراطِ قَدْ ظاهِرَةً أوْ مُقَدَّرَةً، والمُضِيُّ المُسْتَفادُ -مِن كانَ- بِالنِّسْبَةِ لِلْحُكْمِ لا لِلتَّكَلُّمِ أيْ كانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ قَبْلَ خَلْقِهِما وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ مُجاهِدٍ، وبِهِ صَرَّحَ القاضِي البَيْضاوِيُّ، ثُمَّ قالَ: لَمْ يَكُنْ حائِلٌ بَيْنَهُما أيِ العَرْشِ والماءِ لا أنَّهُ كانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى إمْكانِ الخَلاءِ وأنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ مِن أجْرامِ هَذا العالَمِ، انْتَهى، وكَذا صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ لَكِنَّهُ قالَ: لَيْسَ تَحْتَهُ -يَعْنِي العَرْشَ- شَيْءٌ غَيْرُهُ أيِ الماءُ سَواءً كانَ بَيْنَهُما فُرْجَةً، أوْ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِهِ كَما ورَدَ في الأثَرِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى إمْكانِ الخَلاءِ كَيْفَ لا ولَوْ دَلَّ لَدَلَّ عَلى وُجُودِهِ لا عَلى إمْكانِهِ فَقَطْ ولا عَلى كَوْنِ الماءِ أوَّلَ ما حَدَثَ في العالَمِ بَعْدَ العَرْشِ وإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَهُما أقْدَمُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلنِّسْبَةِ بَيْنَهُما، انْتَهى، ولا يَخْفى ما بَيْنَ القاضِي والمُفْتِي مِنَ المُخالَفَةِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الحَقَّ مَعَ المُفْتِي كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وانْتَصَرَ بَعْضُهم لِلْقاضِي بِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ لَلَزِمَ قَبْلَ خَلْقِ تَمامِ العالَمِ أحَدُ الأُمُورِ السِّتَّةِ: إمّا خُرُوجُ الماءِ عَنْ حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ.

أوْ خُرُوجُ العَرْشِ عَنْ حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ.

أوْ تَخَلْخُلُ الماءِ أوْ نُمُوُّهُ أوْ تَخَلْخُلُ العَرْشِ أوْ نُمُوُّهُ، وحِينَ خَلْقِ العالَمِ أحَدُ الأُمُورِ الخَمْسَةِ: إمّا حَرَكَةُ العَرْشِ بِالِاسْتِقامَةِ إلى حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ.

أوْ تَكاثُفُ الماءِ أوْ ذُبُولُهُ أوْ تَكاثُفُ العَرْشِ أوْ ذُبُولُهُ، وهَذِهِ الأُمُورُ باطِلَةٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَدَرَّبَ في الحِكْمَةِ، ويَحْمِلُ الإمْكانَ في كَلامِهِ عَلى الإمْكانِ الوُقُوعِيِّ، أوْ يُرادُ بِهِ الإمْكانُ الذّاتِيُّ وبِالخَلاءِ الخَلاءُ في عالَمِنا هَذا فَإنَّهُ المُتَنازَعُ فِيهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الخَلاءَ في عالَمِنا مُمْكِنٌ بِالإمْكانِ الذّاتِيِّ وتَوْجِيهِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ حِينَئِذٍ عَلى ذَلِكَ هو أنَّ الخَلاءَ قَبْلَ عالَمِنا هَذا كانَ واقِعًا، ووُقُوعُ شَيْءٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ دَلِيلٌ عَلى إمْكانِهِ الذّاتِيِّ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، فَإنَّ ثُبُوتَ الإمْكانِ لِلْمُمْكِنِ واجِبٌ، فالمُمْكِنُ في وقْتٍ مُمْكِنٌ في وقْتٍ آخَرَ كَما حَقَّقَهُ شارِحُ حِكْمَةِ العَيْنِ، ووَجْهُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ أنَّ كُلَّ جِسْمٍ بَسِيطٍ فَلَهُ مَكانٌ طَبِيعِيٌّ، وأنَّ المَكانَ مِن لَوازِمِ وُجُودِ الجِسْمِ، فَإنَّ الفاعِلَ إذا أوْجَدَ الجِسْمَ أوْجَدَهُ لا مَحالَةَ في مَكانٍ كَما صَرَّحُوا بِهِ، والمَكانُ لِلْخَفِيفِ مِنَ الأجْسامِ هو الفَوْقُ، ولِلثَّقِيلِ التَّحْتُ عَلى حَسَبِ الثِّقَلِ والخِفَّةِ وتَحَدُّدُهُما إنَّما هو بِالفَلَكِ الأعْظَمِ فَوُجُودُ الماءِ في جَوْفِ العَرْشِ يَتَوَقَّفُ عَلى وُجُودِ مَكانِهِ المُتَوَقِّفِ عَلى وُجُودِ العَرْشِ فَيَتَأخَّرُ عَنْهُ حُدُوثًا ولا يَخْفى ما في هَذا الوَجْهِ مِنَ النَّظَرِ، ولا أقَلَّ مِن أنْ يُقالَ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى العَرْشَ والماءَ مَعًا؟

عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ الماءَ كانَ مَخْلُوقًا قَبْلَ العَرْشِ فَقَدْ أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ.

والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ.

وابْنُ ماجَهْ.

وابْنُ جَرِيرٍ.

وابْنُ المُنْذِرِ.

والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وغَيْرُهم «عَنْ أبِي رَزِينٍ العَقِيلِيِّ قالَ: ”قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ كانَ رَبُّنا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ؟

قالَ: كانَ في عَماءٍ ما تَحْتَهُ هَواءٌ وما فَوْقَهُ هَواءٌ وخَلَقَ عَرْشَهُ عَلى الماءِ“» وقالَ بَعْضٌ في بَيانِ وجْهِ ذَلِكَ: أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى كَوْنِ العَرْشِ عَلى الماءِ أنَّهُ مَوْضُوعٌ فَوْقَهُ لا مُماسُّهُ وأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّما كانَ بَعْدَهُما اقْتَضى ذَلِكَ أنَّ العَرْشَ مَخْلُوقٌ قَبْلُ وأنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَعْدَهُ وهو مِن فَحْوى الخِطابِ، وقَوْلُهُ: لا أنَّهُ كانَ مَوْضُوعًا إلَخْ لِأنَّ سِياقَهُ لِبَيانِ قُدْرَتِهِ تَعالى يَقْتَضِيهِ وفِيهِ ما فِيهِ كَما لا يَخْفى، وتَعَقَّبَ بَعْضُ فُضَلاءِ الرُّومِ ما ذُكِرَ أوَّلًا بِأنَّ حاصِلَهُ أنَّ الشِّقَّ الثّانِيَ مِنَ الشِّقَّيْنِ المَذْكُورَيْنِ في كَلامِ العَلّامَةِ الثّانِي مُسْتَلْزِمٍ لِأحَدِ أُمُورٍ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الحِكْمَةِ بُطْلانُها فَيَتَعَيَّنُ الأوَّلُ مِنهُما، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ الأوَّلُ، وهو إنَّما يَتِمُّ أنْ لَوْ كانَتِ المُقَدِّماتُ المَذْكُورَةُ في إبْطالِ تِلْكَ الأُمُورِ يَقِينِيَّةً وهو مَمْنُوعٌ فَإنَّ أكْثَرَها مَبْنِيٌّ عَلى أُصُولِ الفَلاسِفَةِ، وقَدْ بَيَّنَ القاضِي نَفْسَهُ بُطْلانَ أكْثَرِها في الطَّوالِعِ وهو إنَّما يُراعِي القَواعِدَ الحِكْمِيَّةَ إذا لَمْ تَكُنْ مُخالِفَةً لِلْقَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ عَلى أنَّ في كَلامِ ذَلِكَ المُنْتَصِرِ خَلَلًا مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ: يَلْزَمُ إمّا خُرُوجُ الماءِ عَلى حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ إلَخْ..

يُقالُ في جَوابِهِ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَخْرُجَ الماءُ عَنْ حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ وذَلِكَ غَيْرُ مُحالٍ وإنْ كانَ خُرُوجُهُ بِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ السَّيَلانِ عَنْ حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ مُحالًا، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّهم ذَكَرُوا أنَّ الماءَ لِثِقَلِهِ الإضافِيِّ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ فَوْقَ الأرْضِ والأرْضُ لِثِقَلِها الحَقِيقِيِّ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَغْمُورَةً بِأسْرِها فِيهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يَفْرِضَ في جَوْفِها نُقْطَةً تَكُونُ الخُطُوطُ الخارِجَةُ مِنها إلى سَطْحِ الماءِ مُتَساوِيَةً مِن جَمِيعِ الجِهاتِ مَعَ أنَّ الأمْرَ اليَوْمَ لَيْسَ كَذَلِكَ لِانْكِشافِ رُبُعٍ شَمالِيٍّ مِنَ الأرْضِ، وانْحِسارُ الماءِ عَنْهُ إمّا بِسَبَبِ قُرْبِ الشَّمْسِ مِنَ الجَنُوبِ إلى الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها في الحَضِيضِ بِقَدْرِ ثِخَنِ المُتَمِّمِ المَحْوِيِّ كَما قِيلَ أوْ لِأمْرٍ آخَرَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، الثّانِي أنَّ ما ذَكَرَهُ مِنِ اسْتِحالَةِ تَخَلْخُلِ الماءِ مَمْنُوعٌ عِنْدَهم أيْضًا، وما يُقالُ: إنَّ القَوْلَ بِالتَّخَلْخُلِ لا يُتَصَوَّرُ في البَسائِطِ الحَقِيقِيَّةِ لِلُزُومِ تَرْكِيبِ ما فِيهِ مَدْفُوعٌ.

فَقَدْ صَرَّحَ في حِكْمَةِ العَيْنِ وشَرْحُها بِأنَّ التَّخَلْخُلَ الحَقِيقِيَّ وهو أنْ يَزْدادَ مِقْدارَ الجِسْمِ مِن غَيْرِ أنْ يُزادَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن خارِجٍ مُمْكِنٌ، وحَقَّقَهُ سَيِّدُ المُحَقِّقِينَ في حَواشِيهِ بِأنَّ الجِسْمَ سَواءٌ كانَ مُرَكَّبًا مِنَ الهَيُولِيِّ والصُّورَةِ أوْ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُ التَّخَلْخُلُ والتَّكاثُفُ فِيهِ لِأنَّ مِقْدارَ الجِسْمِ زائِدٌ عَلَيْهِ والجِسْمُ مِن حَيْثُ هو لا مِقْدارَ لَهُ في ذاتِهِ فَنِسْبَتُهُ إلى جَمِيعِ المَقادِيرِ عَلى السَّواءِ فَأمْكَنَ أنْ يَتَّصِفَ بِأكْبَرِ مِمّا هو مُتَّصِفٌ بِهِ أوْ أصَغَرَ، وأيْضًا الجِسْمُ مُتَّصِلٌ واحِدٌ والمِقْدارُ زائِدٌ عَلَيْهِ والجِسْمُ البَسِيطُ جُزْؤُهُ يُساوِي كُلَّهُ فَإذا اتَّصَفَ الكُلُّ بِمِقْدارٍ خاصٍّ فَجُزْؤُهُ إذا انْفَرَدَ وجَبَ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلِاتِّصافِ بِذَلِكَ المِقْدارِ، والكُلُّ بِالعَكْسِ ضَرُورَةٌ تَساوِي المُتَماثِلاتِ في الأحْكامِ، وحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ إمْكانُ ذَلِكَ، والثّالِثُ أنَّ التَّوْجِيهَ بِحَمْلِ الإمْكانِ عَلى الإمْكانِ الذّاتِيِّ إلَخْ مَنظُورٌ فِيهِ إذْ لا يَلْزَمُ مِن وُقُوعِ شَيْءٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا إمْكانُ وُجُودِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وإنْ كانَ ذَلِكَ الإمْكانُ مُسْتَمِرًّا واجِبًا في جَمِيعِ الأوْقاتِ، فَقَوْلُهُ: إنَّ ثُبُوتَ الإمْكانِ لِلْمُمْكِنِ واجِبٌ فالمُمْكِنُ في وقْتٍ مُمْكِنٍ في كُلِّ وقْتٍ إنْ أرادَ بِهِ أنَّ إمْكانَهُ أمْرٌ ثابِتٌ لَهُ في كُلِّ وقْتٍ عَلى أنَّ قَوْلَهُ في كُلِّ وقْتٍ ظَرْفٌ لِلْإمْكانِ فَهو مُسَلَّمٌ لَكِنَّ اللّازِمَ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُتَّصِفًا بِالإمْكانِ إمْكانًا مُسْتَمِرًّا دائِمًا غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِعَدَمِ الِاتِّصافِ ولا سابِقَ عَلَيْهِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ في كُلِّ وقْتٍ مُمْكِنًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ وُجُودُ الشَّيْءِ في الجُمْلَةِ مُمْكِنًا إمْكانًا مُسْتَمِرًّا ولا يَكُونُ وُجُودُهُ في كُلِّ وقْتٍ مُمْكِنًا بَلْ مُمْتَنِعًا؛ ولا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مِن قَبِيلِ المُمْتَنِعاتِ دُونَ المُمْكِناتِ فَإنَّ إمْكانَ الشَّيْءِ لَيْسَ مَعْناهُ جَوازَ اتِّصافِهِ بِجَمِيعِ أنْحاءِ الوُجُودِ بَلْ مَعْناهُ جَوازُ اتِّصافِهِ بِوُجُودِ ما في الجُمْلَةِ فَيَكْفِي في إمْكانِ الشَّيْءِ جَوازِ اتِّصافِهِ بِالوُجُودِ الواقِعِ في وقْتٍ، والمُمْتَنِعُ هو الَّذِي لا يَقْبَلُ الوُجُودَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وإنْ أرادَ أنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ في كُلِّ وقْتٍ عَلى أنْ يَكُونَ في كُلِّ وقْتٍ ظَرْفًا لِلْوُجُودِ فَهو مَمْنُوعٌ ولا يَتَفَرَّعُ عَلى كَوْنِ ثُبُوتِ الإمْكانِ لِلْمُمْكِنِ واجِبًا، فَإنَّهُ قَدْ حَقَّقَ المُحَقِّقُ الدَّوانِيَ في بَعْضِ تَصانِيفِهِ أنَّ إمْكانَ المُمْكِنِ وإنْ كانَ مُسْتَمِرًّا في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ لا يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ وُجُودِ ذَلِكَ المُمْكِنِ في تِلْكَ الأزْمِنَةِ، وعَلى هَذا اعْتَمَدَ المُتَكَلِّمُونَ في الجَوابِ عَنِ اسْتِدْلالِ الفَلاسِفَةِ عَلى قِدَمِ العالَمِ بِأنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ في الأزَلِ وإلّا لَزِمَ الِانْقِلابُ وهو مُحالٌ بِالضَّرُورَةِ، وقُدْرَةُ البارِي تَعالى أزَلِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ فَلَوْ كانَ العالَمُ حادِثًا لَزِمَ تَرْكَ الجُودِ وهو إفاضَةُ الوُجُودِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الكَمالاتِ عَلى المُمْكِناتِ مُدَّةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وهو مُحالٌ عَلى الجَوادِ الحَقِّ الكَرِيمِ.

(وحاصِلُ الجَوابِ) أنَّ قَوْلَكُمُ العالَمُ مُمْكِنُ الوُجُودِ في الأزَلِ إنْ أرَدْتُمْ بِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ لَهُ الوُجُودُ الأزَلِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ في الأزَلِ مُتَعَلِّقًا بِالوُجُودِ فَهو مَمْنُوعٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ في الأزَلِ مُمْتَنِعًا، وإنْ أرَدْتُمْ بِهِ أنَّ إمْكانَ وُجُودِهِ في الجُمْلَةِ مُسْتَمِرٌّ في الأزَلِ عَلى أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِالإمْكانِ فَمُسَلَّمٌ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ وُجُودُ العالَمِ في الأزَلِ مُمْكِنًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ في الأزَلِ مُسْتَحِيلًا مَعَ أنَّهُ في الأزَلِ مُتَّصِفٌ بِإمْكانِ وُجُودِهِ فِيما لا يَزالُ، وهَذا ما يُقالُ إنَّ أزَلِيَّةَ الإمْكانِ لا تَسْتَلْزِمُ إمْكانَ الأزَلِيَّةِ، وما قِيلَ في إثْباتِ الِاسْتِلْزامِ إنَّ إمْكانَهُ إذا كانَ مُسْتَمِرًّا في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ هو في ذاتِهِ مانِعًا مِن قَبُولِ الوُجُودِ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الأزَلِ فَيَكُونُ عَدَمُ مَنعِهِ مِنهُ أمْرًا مُسْتَمِرًّا في جَمِيعِ تِلْكَ الأجْزاءِ، فَإذا نَظَرَ إلى ذاتِهِ مِن حَيْثُ هو لَمْ يَمْنَعْ مِنِ اتِّصافِهِ بِالوُجُودِ في شَيْءٍ مِنها بَلْ جازَ اتِّصافُهُ بِهِ في كُلٍّ مِنها بَدَلًا فَقَطْ بَلْ مَعًا أيْضًا، وجَوازُ اتِّصافِهِ في كُلٍّ مِنها هو إمْكانُ اتِّصافِهِ بِالوُجُودِ المُسْتَمِرِّ في جَمِيعِ أجْزاءِ الأزَلِ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ فَأزَلِيَّةُ الإمْكانِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِإمْكانِ الأزَلِيَّةِ صَحِيحٌ إلى قَوْلِهِ: لَمْ يَمْنَعْ مِنِ اتِّصافِهِ بِالوُجُودِ في شَيْءٍ مِنها فَإنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ ذاتَهُ لا تَمْنَعُ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الأزَلِ مِن الِاتِّصافِ بِالوُجُودِ في الجُمْلَةِ بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ في شَيْءٍ مِنها مُتَعَلِّقًا بِعَدَمِ المَنعِ فَيَكُونُ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَمْنَعُ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الأزَلِ مِنَ الوُجُودِ بَعْدَهُ فَهو بِعَيْنِهِ أزَلِيَّةُ الإمْكانِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ مَنعِهِ مِنَ الوُجُودِ الأزَلِيِّ الَّذِي هو إمْكانُ الأزَلِيَّةِ، وإنْ أرادَ بِهِ أنَّ ذاتَهُ لا تَمْنَعُ مِنَ الوُجُودِ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الأزَلِ بِأنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِالوُجُودِ فَهو بِعَيْنِهِ إمْكانُ الأزَلِيَّةِ، والنِّزاعُ إنَّما وقَعَ فِيهِ فَهو مُصادَرَةٌ عَلى المَطْلُوبِ، ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ صَدَرَ هَذا الكَلامُ مِن قائِلِهِ مَعَ أنَّ مِنَ المَوْجُوداتِ ما هو إلى الوُجُودِ كَبَعْضِ الحُرُوفِ ومَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ ماهِيَّةُ الزَّمانِ تَقْتَضِي لِذاتِها عَدَمَ اجْتِماعِ أجْزائِها وتَقَدُّمِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ إذْ يَلْزَمُ مِنهُ إمْكانُ وُجُودِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ في الأزَلِ نَظَرًا إلى ذاتِهِ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن شَرْحِ المَواقِفِ وحَواشِيهِ.

وأوْرَدَ عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالخَلاءِ الخَلاءَ في عالَمِنا لِأنَّهُ المُتَنازَعُ فِيهِ أنَّهُ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ المُتَنازَعَ فِيهِ إنَّما هو الخَلاءُ داخِلَ العالَمِ وحَقِيقَتُهُ أنْ يَكُونَ الجِسْمانِ بِحَيْثُ لا يَتَماسّانِ ولَيْسَ بَيْنَهُما ما يَماسُّهُما بِناءً عَلى كَوْنِهِ مُتَقَدِّرًا قَطْعًا، وأمّا الخَلاءُ خارِجَ العالَمِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إذْ لا تُقَدَّرُ هُناكَ بِحَسَبِ نَفْسِ الأمْرِ، فالنِّزاعُ إنَّما هو في التَّسْمِيَةِ بِالبُعْدِ، فالفَلاسِفَةُ يَقُولُونَ حَقَّهُ أنْ لا يُسَمّى بُعْدًا ولا خَلاءً، والمُتَكَلِّمُونَ يُسَمُّونَهُ بُعْدًا مَوْهُومًا ولا شَكَّ أنَّ عالَمَ كَوْنِ العَرْشِ عَلى الماءِ مِن داخِلِ العالَمِ فالخَلاءُ فِيهِ داخِلٌ في المُتَنازَعِ فِيهِ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أيْضًا بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

ومِنَ النّاسِ مَنِ اعْتَرَضَ عَلى قَوْلِهِ: إنَّهُ لَوْ كانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ لَلَزِمَ إلَخْ..

بِأنَّ الأُمُورَ الَّتِي يَلْزَمُ أحَدَها ذَلِكَ التَّقْدِيرُ -وهِيَ فاسِدَةٌ- أكْثَرُها مِمّا ذُكِرَ وسَوَّدَ وجْهَ القِرْطاسِ بِبَيانِ ذَلِكَ وهو مِمّا لا يُحْتاجُ إلَيْهِ بَلْ ولا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وزَعَمَ البَعْضُ أنَّ ما راعاهُ القاضِي في هَذا الفَصْلِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ مُخالِفًا لِلْقَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ، ووَسْوَسَتْ لَهُ نَفْسُهُ أنَّ خُرُوجَ الماءِ عَنْ حَيِّزِهِ مِمّا لا يَجُوزُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنْ كانَ مُوجِبًا بِالذّاتِ فَلا يُتَصَوَّرُ الإخْراجُ مِنهُ سُبْحانَهُ لِأنَّ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ عَلى السَّوِيَّةِ بِحَسَبِ الأوْقاتِ فَلا يُمْكِنُ كَوْنُهُ قاصِرًا في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وإنْ كانَ مُخْتارًا يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ الخُرُوجَ مُمْتَنِعٌ في نَفْسِهِ وهو سُبْحانُهُ لا يَفْعَلُ المُمْتَنِعَ ولا تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ بِهِ، وكَذا يُقالُ في التَّخَلْخُلِ والتَّكاثُفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالطَّبْعِ وإلّا لَكانا دائِمَيْنِ لِأنَّ مُقْتَضى الذّاتِ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى امْتِناعِهِما الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِ حِكْمَةِ المَطالِعِ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُنْتَصِرًا لِنَفْسِهِ.

ولِلْقاضِي بِما لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي، وقالَ ابْنُ صَدْرِ الدِّينِ بَعْدَ نَقْلِ كَلامِ العَلّامَتَيْنِ: قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأبْعادِ والأجْرامِ أنْ لَيْسَ لِمَجْمُوعِ كُراتِ العَناصِرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَلَكِ الأعْظَمِ الَّذِي هو المُرادُ بِالعَرْشِ قَدْرٌ مَحْسُوسٌ فَلا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ كُرَةِ الماءِ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ عِظَمُ كُرَةِ الماءِ بِحَيْثُ يَمْلَأُ جَوْفَ العَرْشِ مَماسًّا مُحَدَّبَهُ مُقَعَّرَهُ وإلّا لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِهِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ السَّطْحِ المُحَدَّبِ بَلْ إمّا أنْ لا يَتَماسّا أصْلًا أوْ يَتَماسّا بِنُقْطَةٍ عَلى ما يَشْهَدُ بِهِ التَّخَيُّلُ الصَّحِيحُ، وكَيْفَ يَتَصَوَّرُ كَوْنُهُ مالِئًا لَهُ وهو الآنَ لَمْ يَمْتَلِئْ إلّا بِالسَّماواتِ والأرْضِ والكُرْسِيِّ والعَناصِرِ بِجُمْلَتِها، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ: لَعَلَّ الماءَ في ابْتِداءِ الخِلْقَةِ قَدْ كانَ عَلى هَذا المِقْدارِ الصَّغِيرِ الَّذِي الآنَ عَلَيْهِ فَتَخَلْخَلَ إلى حَيْثُ مَلَأ جَوْفَهُ لِامْتِناعِ الخَلاءِ، فَلَمّا خَلَقَ سائِرَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ عادَ بِطَبْعِهِ إلى ما تَراهُ لِأنّا نَقُولُ: التَّخَلْخُلُ عِبارَةٌ عَنِ ازْدِيادِ مِقْدارِ الجِسْمِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ فَيَسْتَدْعِي حَرَكَةً أيِّنِيَّةً وهي تَسْتَدْعِي وُجُودَ فَضاءٍ خالٍ عَنِ الشّاغُلِ وهو المُرادُ بِالخَلاءِ، وكَذا لَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ: فَلْيَكُنْ في ابْتِداءِ الخِلْقَةِ عَظِيمَ المِقْدارِ بِحَيْثُ يَمْلَأُ جَوْفَ العَرْشِ وتَكاثَفَ بَعْدَ خَلْقِ سائِرِ الأجْرامِ إلى هَذا المِقْدارِ الصَّغِيرِ لِأنّا نَقُولُ أيْضًا: التَّكاثُفُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ انْتِقاصِ مِقْدارِ الجِسْمِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنهُ شَيْءٌ سَبَبُهُ عَلى ما تَقَرَّرَ عِنْدَهم أمْرانِ: أحَدُهُما التَّخَلْخُلُ السّابِقُ العارِضُ لَهُ بِما يُوجِبُهُ فَإذا زالَ ذَلِكَ العارِضُ عادَ بِطَبْعِهِ إلى مِقْدارِهِ الأوَّلِ كَما في المَدِّ والجَزْرِ، وفي الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ لا يُتَصَوَّرُ هَذا لِأنَّ المَفْرُوضَ أنَّهُ خُلِقَ ابْتِداءً عَظِيمَ المِقْدارِ بِحَيْثُ يَمْلَأُ جَوْفَ العَرْشِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَتَخَلْخَلَ بِعارِضٍ حَتّى يَعُودَ عِنْدَ زَوالِهِ إلى مِقْدارِهِ الطَّبِيعِيِّ الصَّغِيرِ وهو ظاهِرٌ؛ وثانِيهُما الِانْجِمادُ بِاسْتِيلاءِ البُرُودَةِ الشَّدِيدَةِ، وهَذا أيْضًا لا يُتَصَوَّرُ هَهُنا أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ الماءَ المُنْعَقِدَ جَمْدًا وإنْ كانَ أصْغَرَ مِقْدارًا مِنهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ لَكِنَّهُ لا إلى مَرْتَبَةٍ لا يَكُونُ لَهُ قَدْرٌ مَحْسُوسٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مِقْدارِهِ الأوَّلِ بَلْ يَقْرُبُ مِنهُ في الحِسِّ كَما يُشاهَدُ في المِياهِ المُنْعَقِدَةِ ولا قَدْرَ لِكُرَةِ الماءِ المَوْجُودِ الآنَ بِالنِّسْبَةِ إلى المالِئِ جَوْفَ العَرْشِ وهَذا مِثْلُ أنْ يَنْعَقِدَ البَحْرُ فَيَصِيرُ كالعَدَسَةِ ولا يَلْتَزِمُهُ عاقِلٌ.

وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ كُرَةَ الماءِ عَلى ما يُشاهَدُ غَيْرُ مُتَجَمِّدَةٍ بَلْ باقِيَةٌ عَلى طَبْعِها مِنَ الذَّوَبانِ، فَإنْ قُلْتَ: بَقِيَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الماءِ في ابْتِداءِ الخِلْقَةِ عَظِيمَ المِقْدارِ مالِئًا لِجَوْفِ العَرْشِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنْ يُفْرَزَ بَعْضُ أجْزاءِ هَذِهِ الكُرَةِ العَظِيمَةِ ويُجْعَلُ مادَّةً لِسائِرِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ كَما في سُورَةِ انْقِلابِ بَعْضِ العَناصِرِ إلى بَعْضٍ.

ويُؤَيِّدُهُ ما ورَدَ في الأثَرِ مِن أنَّ العَرْشَ كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى الماءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أحْدَثَ في الماءِ اضْطِرابًا فَأزْبَدَ فارْتَفَعَ مِنهُ دُخانٌ، وبَقِيَ الزَّبَدُ عَلى وجْهِ الماءِ فَخَلَقَ فِيهِ اليُبُوسَةَ فَصارَ أرْضًا، وخَلَقَ مِنَ الدُّخانِ السَّماواتِ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ ﴾ قُلْنا: إنَّ هَذا الِاحْتِمالَ غَيْرُ واقِعٍ، أمّا عَلى تَقْدِيرِ تَرَكُّبِ الجِسْمِ مِنَ الهَيُولِي والصُّورَةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المَشّاءُونَ مِنَ الفَلاسِفَةِ؛ فَلِأنَّ هَيُولِيَّ العَناصِرِ وإنْ كانَتْ واحِدَةً بِالشَّخْصِ قابِلَةً لِأنْ يَتَوارَدَ عَلَيْها صُوَرُ العَناصِرِ بِواسِطَةِ اسْتِعْداداتٍ مُتَعاقِبَةٍ تَعْرِضُ إلّا أنَّ هَيُولِيَّ كُلِّ فَلَكٍ مُخالِفَةٌ لِهَيُولِيَّ فَلَكٍ آخَرَ لا تَقْبَلُ إلّا الصُّورَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ تَرَكُّبِهِ مِنَ الجَواهِرِ الفَرْدَةِ عَلى ما هو مَذْهَبُ أهْلِ الحَقِّ، فَلِأنَّها مُتَخالِفَةُ الحَقائِقِ عِنْدَ مُحَقِّقِي المُتَأخِّرِينَ عَلى ما صَرَّحُوا بِهِ، فَما يَتَرَكَّبُ مِنهُ الماءُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَرَكَّبَ مِنهُ سائِرُ الأجْسامِ، وأمّا ما ورَدَ في الأثَرِ وأشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ مِن جَعْلِ الدُّخانِ المُرْتَفِعِ مِنَ الماءِ مادَّةً لِلسَّماواتِ فَمَصْرُوفٌ عَنْ ظاهِرِهِ إذِ الدُّخانُ أجْزاءٌ نارِيَّةٌ خالَطَتْها أجْزاءٌ صِغارٌ أرْضِيَّةٌ تَلَطَّفَتْ بِالحَرارَةِ ولا تَمايُزَ بَيْنَهُما في الحِسِّ لِغايَةِ الصِّغَرِ، فَقَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِما فِيهِما لَمْ تَكُنْ نارٌ وأرْضٌ، فَمِن أيْنَ يَتَوَلَّدُ الدُّخانُ؟

وكَذا إنْ أُرِيدَ بِالدُّخانِ البُخارُ؛ لِأنَّهُ أجْزاءٌ هَوائِيَّةٌ مازَجَتْها أجْزاءٌ صِغارٌ مائِيَّةٌ تَلَطَّفَتْ بِالحَرارَةِ بِحَيْثُ لا تَمايُزَ بَيْنَهُما في الحِسِّ أيْضًا، فَحَيْثُ لا هَواءَ لا بُخارَ؛ ولِهَذا قالَ القاضِي في تَفْسِيرِ ﴿ وهِيَ دُخانٌ): ﴾ أمْرٌ ظَلَمانِيٌّ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ مادَّتَها أوِ الأجْزاءِ المُتَصَغِّرَةِ الَّتِي رُكِّبَتْ مِنها، ومِن هُنا ظَهَرَ أنَّ ما في الأثَرِ لا يُؤَيِّدُ كَوْنَ العَرْشِ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ مُلْتَصِقًا بِهِ، بَلْ يُؤَيِّدُ أنْ لا يَكُونَ بَيْنَهُما حائِلٌ إذِ ارْتِفاعُ الدُّخانِ والبُخارِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ فَضاءٍ تَتَحَرَّكُ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ، وفي صُورَةِ الِالتِصاقُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ تَخَيُّلٌ سَلِيمٌ.

ويَعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّهُ يَجِبُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما فَسَّرَها بِهِ القاضِي، ولا مَجالَ لِلْقَوْلِ بِالوَضْعِ عَلى المَتْنِ فَيَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ، وأمّا قَوْلُ أبِي السُّعُودِ: إنَّهُ لَوْ دَلَّ إلَخْ..

فَفِيهِ أنَّ الوُقُوعَ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى إمْكانِ الشَّيْءِ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِدْلالِ شائِعٌ ذائِعٌ في كَلامِهِمْ، وأمّا أنَّ المُرادَ بِالإمْكانِ الإمْكانُ الوُقُوعِي فَكُلًّا إذِ النِّزاعُ في الإمْكانِ لا الوُقُوعِ، وما يُنْقَلُ عَنِ الأصْمَعِيِّ مِن أنَّ هَذا كَقَوْلِهِمُ: السَّماءُ عَلى الأرْضِ مَعَ أنَّ أحَدَهُما لَيْسَ مُلْتَصِقًا بِالآخَرِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِ القاضِي: لَمْ يَكُنْ حائِلٌ بَيْنَهُما أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حائِلٌ مَحْسُوسٌ بَيْنَهُما، وكانَ حائِلٌ غَيْرُ مَحْسُوسٍ وهو الهَواءُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ولا يَصْلُحُ ما ذُكِرَ مَعْنًى لِذَلِكَ؛ إذِ الفَوْقِيَّةُ كانَتْ قَبْلَ خَلْقِ جَمِيعِ أجْرامِ هَذا العالَمِ، فَعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِالتِصاقِ لا يُتَصَوَّرُ حائِلٌ أصْلًا ثُمَّ بَيَّنَ وجْهَ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ بِنَحْوِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، انْتَهى المُرادُ مِنهُ.

(وأقُولُ): إنَّ هَذا الِاحْتِمالَ الَّذِي أجابَ عَنْهُ بِزَعْمِهِ قَوِيٌّ جِدًّا، وما ذَكَرَهُ عَنْ مُحَقِّقِي المُتَأخِّرِينَ صَرَّحَ الجُمْهُورُ بِخِلافِهِ، وقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ فَلا مانِعَ مِن أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الماءِ الأجْرامَ السَّماوِيَّةَ والأرْضِيَّةَ، بَلْ وكُلَّ شَيْءٍ، وما ذَكَرَهُ في حَيِّزِ تَعْلِيلِ صَرْفِ الأثَرِ عَنْ ظاهِرِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا إذْ يَجُوزُ أنْ يَحِيلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ ذَلِكَ الماءِ المالِئِ أجْزاءً نارِيَّةً وبَعْضَهُ أجْزاءً أرْضِيَّةً، ويَجْعَلُ المَجْمُوعَ دُخانًا، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَحِيلَ البَعْضَ أجْزاءً هَوائِيَّةً فَتَمازَجَ أجْزاءً صِغارًا مائِيَّةً مُتَلَطِّفَةً بِحَرارَةٍ يَخْلُقُها حَيْثُ شاءَ، فَيَتَكَوَّنُ البُخارُ، وفي الأثَرِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ قَبَضَ قَبْضَةً مِنَ الماءِ ثُمَّ فَتَحَ القَبْضَةَ فارْتَفَعَ الدُّخانُ ثُمَّ قَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ، ويُؤَوِّلُ حَدِيثَ الِارْتِفاعِ بِما لا يَسْتَدْعِي الفَضاءَ نَحْوَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَوَجَدَ بَعْضَهُ دُخانًا مُرْتَفِعًا، وقَدْ يُقالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الماءُ في ابْتِداءِ الخِلْقَةِ مالِئًا لِلْعَرْشِ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أرادَ أنْ يَخْلُقَ ما يَخْلُقُ أفْنى مِنهُ ما أرادَ وخَلَقَ بِلا فاصِلٍ يَتَحَقَّقُ مَعَهُ الخَلاءُ بَدَ لَهُ ما خَلَقَ لا مِن شَيْءٍ.

والقَوْلُ بِاسْتِحالَةِ هَذا الخَلْقِ مُفْضٍ إلى فَسادٍ عَظِيمٍ وخَطْبٍ جَسِيمٍ لا يَكادُ يَسْتَسْهِلُهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وهو ظاهِرٌ، وما ذَكَرَهُ في دَفْعِ قَوْلِ شَيْخِ الإسْلامِ: أنَّهُ لَوْ دَلَّ لَدَلَّ إلَخْ...

غَيْرُ ظاهِرٍ فِيهِ، قِيلَ: إذْ الِاعْتِراضُ بِطَرِيقِ أنَّهُ لَوْ دَلَّ لَدَلَّ عَلى وُجُودِ الخَلاءِ لا عَلى إمْكانِهِ الصَّرْفُ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ مَوْجُودًا كانَ وُجُودَهُ ضَرُورِيًّا لا مُمْكِنًا صَرْفًا عَلى ما بَيَّنَ في مَحَلِّهِ، ويُنادِي عَلى أنَّ الِاعْتِراضَ كَذَلِكَ تَقْيِيدُ الإمْكانِ في عِبارَتِهِ بِقَيْدٍ فَقَطْ مَعَ القَوْلِ بِالدَّلالَةِ عَلى الوُجُودِ.

وأوْرَدَ بَعْضُهم عَلى قَوْلِهِ: قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأبْعادِ والأجْرامِ إلَخْ...

أنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ظَنِّ أنَّ الماءَ في الآيَةِ هو الماءُ العُنْصُرِيُّ، وأنَّهُ مِن بَعْضِ الظَّنِّ إذْ ذاكَ إنَّما خُلِقَ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ العَرْشُ الَّذِي خُلِقَ قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِهِ أوْ غَيْرَ مَوْضُوعٍ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ حائِلٍ بَيْنَهُما، وإنَّما هو الماءُ الطَّبِيعِيُّ النُّورِيُّ العَمّائِيُّ الَّذِي تَكَوَّنَ العَرْشُ مِنهُ، وفِيهِ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما قالَهُ الكامِلُ بْنُ الكَمالِ: لَيْسَ المُرادُ مِنَ العَرْشِ تاسِعُ الأفْلاكِ، ولا مِنَ الماءِ أحَدُ العَناصِرِ لِما شَهِدَ بِذَلِكَ شَهادَةً صَحِيحَةً لا مَرَدَّ لَها ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن قَوْلِهِ  : «كانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ» فَلا وجْهَ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى إمْكانِ الخَلاءِ، وأنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَلْ عَرْشُهُ سُبْحانَهُ عِبارَةٌ عَنْ قَيُّومِيَّتِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ في الأصْلِ سَرِيرُ المُلْكِ وهو مَظْهَرُ سُلْطانِهِ، والماءُ إشارَةٌ إلى صِفَةِ الحَياةِ بِاعْتِبارِ أنَّ مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، فَمَعْنى ﴿ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ ﴾ وكانَ حَيًّا قَيُّومًا، وفي لَفْظَةِ (عَلى) تَنْبِيهٌ عَلى تَرَتُّبِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ فَتَدَبَّرْ، انْتَهى.

ولَعَلَّ وجْهَ شَهادَةِ الخَبَرِ بِذَلِكَ النَّفْيِ تَضَمَّنَهُ عَلى تَقْدِيرِ الإثْباتِ ما يُنافِي ما تَضَمَّنَهُ النَّفْيُ فِيهِ إذْ يَكُونُ حِينَئِذٍ شَيْئانِ مَعَهُ سُبْحانَهُ فَضْلًا عَنْ شَيْءٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَتِ الجُمْلَةُ الماضَوِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والظّاهِرُ أنَّها كَغَيْرِها مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ المُسْتَأْنِفَةِ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي أنَّ المَعْنى ﴿ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ ﴾ مَعَ وُجُودِهِ تَعالى بِدُونِ مَعِيَّةِ شَيْءٍ لَهُ لِيَضْطَرَّ إلى حَمْلِ الماءِ والعَرْشِ عَلى ما عَلِمْتُ مِن صِفَتَيْهِ تَعالى، ولا أرى في الحَدِيثِ أكْثَرَ مِن إفادَةِ ثُبُوتِ ما تَضَمَّنَتْهُ المُتَعاطِفاتُ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأمّا أنَّ كَوْنَهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وكَوْنَ عَرْشِهِ سُبْحانَهُ عَلى الماءِ، وكِتابَتَهُ في الذِّكْرِ ما كَتَبَ كُلُّها في وقْتٍ واحِدٍ هو وقْتُ وُجُودِهِ تَعالى الواقِعُ بَعْدَهُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِمُهْلَةٍ وتَراخٍ- فَلا أراهُ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَطْفُ الخَلْقِ عَلى ما قَبْلَهُ بِالواوِ كَسائِرِ المَعْطُوفاتِ.

أخْرَجَ أحْمَدُ.

والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «قالَ أهْلُ اليَمَنِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنا عَنْ أوَّلِ هَذا الأمْرِ كَيْفَ كانَ؟

قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ وكَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ذِكْرَ كُلِّ شَيْءٍ وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ» الخَبَرُ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَتِمُّ أمْرُ الشَّهادَةِ بِمُجَرَّدِ ما تَقَدَّمَ بَلْ لا بُدَّ أيْضًا مِن حَمْلِ الكِتابَةِ في الذِّكْرِ عَلى التَّقْدِيرِ، ونَفى أنْ يَكُونَ هُناكَ كِتابَةٌ ومَكْتُوبٌ فِيهِ حَسْبَما يَتَبادَرُ مِنهُما، ويَلْتَزِمُ هَذا في الخَبَرِ الثّانِي أيْضًا، ومَعَ ذَلِكَ يُعَكِّرُ عَلى القَوْلِ بِكَوْنِ زَمَنِ التَّقْدِيرِ مُتَّحِدًا كَزَمَنِ قَيُّومِيَّتِهِ وحَياتِهِ تَبارَكَ وتَعالى مَعَ زَمَنِ وُجُودِهِ سُبْحانَهُ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّرَ مَقادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ وعَرْشُهُ عَلى الماءِ» لِأنَّ أجْزاءَ الزَّمانِ المَوْهُومِ الفاصِلِ بَيْنَ زَمانِ وُجُودِهِ تَعالى ووُجُودِ صِفاتِهِ وزَمانِ وُجُودِ الخَلْقِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَكَيْفَ تُقَدَّرُ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ وضَرْبُها في نَفْسِها وضَرْبُ الحاصِلِ مِن ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ألْفَ ألْفَ مَرَّةٍ أقَلُّ قَلِيلٍ بَلْ لا شَيْءَ يُذْكَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المُتَناهِي؛ ويُعارِضُ هَذِهِ الشَّهادَةَ أيْضًا ما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ أبِي رَزِينٍ العَقِيلِيِّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وخَلَقَ عَرْشَهُ عَلى الماءِ» فَإنَّهُ نَصَّ في أنَّ العَرْشَ مَخْلُوقٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ القَيُّومِيَّةُ مَخْلُوقَةً، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ ياقُوتَةً خَضْراءَ فَنَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ، وجاءَ حَدِيثُ كَوْنِ الماءِ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.

والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُمْ، وإباءُ ما ذُكِرَ عَنْ كَوْنِ الماءِ بِمَعْنى صِفَةِ الحَياةِ لَهُ تَعالى ظاهِرٌ، ومِثْلُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَرْشُهُ سُبْحانَهُ عَلى الماءِ فَلَمّا خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قَسَّمَ ذَلِكَ الماءَ قِسْمَيْنِ فَجَعَلَ نِصْفًا تَحْتَ العَرْشِ -وهُوَ البَحْرُ المَسْجُورُ- فَلا تَقْطُرُ مِنهُ قَطْرَةٌ حَتّى يُنْفَخَ في الصُّورِ فَيَنْزِلَ مِنهُ مِثْلُ الطَّلِّ فَتَنْبُتُ مِنهُ الأجْسامُ، وجَعَلَ النِّصْفَ الآخَرَ تَحْتَ الأرْضِ السُّفْلى، ولَعَلَّ وجْهَ الأمْرِ بِالتَّدَبُّرِ في كَلامِ هَذا الفاضِلِ الإشارَةُ إلى ما ذَكَرْنا.

وبِالجُمْلَةِ لا شَكَّ أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ الماءِ ما هو أحَدُ العَناصِرٍ، ومِنَ العَرْشِ الجِسْمُ الَّذِي جاءَ في الأخْبارِ مِن وصْفِهِ ما يَبْهَرُ العُقُولَ، وشَهادَةُ الخَبَرِ السّابِقِ مَعَ كَوْنِها شَهادَةَ نَفْيٍ عارَضَتْها شَهاداتُ إثْباتٍ غَيْرَ نَصٍّ في المَطْلُوبِ كَما عَلِمْتُ، ومِن كَوْنِ العَرْشِ عَلى الماءِ ما يَعُمُّ الشِّقَّيْنِ كَوْنُهُ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِهِ مُماسًّا لَهُ وكَوْنُهُ فَوْقَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما ما يَماسُّهُما، وتَخْصِيصُهُ بِالشَّقِّ الثّانِي مِمّا لا يَتِمُّ لَهُ دَلِيلٌ ولا يَصْفُو عَنِ القالِ والقِيلِ، وأنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى كَوْنِ الماءِ أوَّلَ حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ، ومَن رَجَعَ إلى الأخْبارِ المُعَوَّلِ عَلَيْها رَأى بَعْضَها كَخَبَرِ أبِي رَزِينٍ الَّذِي حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ظاهِرًا في أنَّ الماءَ قَبْلَ العَرْشِ، وقُصارى ما يُقالُ في هَذا المَقامِ: إنَّ الحَقَّ مَعَ شَيْخِ الإسْلامِ وأنَّ نُصْرَةَ القاضِي ٍوَإنْ كانَ ناصِرَ الدِّينِ- نُصْرَةٌ خارِجَةٌ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَبِينِ، فَلا تَلْتَفِتُ هَداكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى مَن أطالَ في ذَلِكَ بِلا طائِلٍ، وأتى بِكَلامٍ لا يُشْبِهُ كَلامَ عاقِلٍ، وزَعَمَ أنَّ ذاكَ مِنَ الحِكْمَةِ وهو عَنْها -عِلْمُ اللَّهِ- بِمَراحِلَ، ولَوْلا الوُقُوعُ في العَبَثِ لَنَقَلْناهُ ونَبَّهْنا عَلى ما فِيهِ، وإنْ كانَ حالُ ظاهِرِهِ مُؤْذِنًا بِحالٍ خافِيهِ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: إنَّ البَيْضاوِيَّ إنَّما ذَكَرَ أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى كَذا وكَذا ولَمْ يَدْعُ أنَّ فِيها دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، فَما يَتَوَجَّهُ مِن الِاعْتِراضاتِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى المُسْتَدِلِّ دُونَهُ وكَأنَّ مَن وُجِّهَ إلَيْهِ ذَلِكَ ادَّعى ارْتِضاءَهُ لِلِاسْتِدْلالِ بِدَلِيلِ ما وطَّأهُ لَهُ مِنَ المَقالِ، وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ حَيًّا مُكَلَّفًا؛ لِأنَّ خَلْقَ العَرْشِ عَلى الماءِ لا وجْهَ لِحُسْنِهِ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِ لُطْفٌ بِمُكَلَّفٍ يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، ورَدَّهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ ويَكْتَفِي بِكَوْنِ الإخْبارِ بِهِ نافِعًا لِلْمُكَلَّفِينَ واخْتارَهُ المُرْتَضِي، ومَنشَأُ ذَلِكَ الِاعْتِزالِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِ (خَلَقَ) أيْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْتُمْ، ورَتَّبَ فِيهِما جَمِيعَ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن مَبادِي وُجُودِكم وأسْبابِ مَعاشِكم وأوْدَعَ في تَضاعِيفِهِما ما تَسْتَدِلُّونَ بِهِ مِن تَعاجِيبِ الصَّنائِعِ والعِبَرِ عَلى مَطالِبِكُمُ الدِّينِيَّةِ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم.

﴿ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ فَيُجازِيكم حَسَبَ أعْمالِكُمْ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ أعْلَمُ بِذَلِكَ (لِيَبْلُوَكُمْ) وقِيلَ: التَّقْدِيرُ وخَلَقَكم (لِيَبْلُوَكُمْ) وقِيلَ: في الكَلامِ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: وكانَ خَلْقُهُ لَهُما لِمَنافِعَ يَعُودُ عَلَيْكم نَفْعُها في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ، وفَعَلَ ذَلِكَ (لِيَبْلُوَكُمْ) والكُلُّ كَما تَرى، والِابْتِلاءُ في الأصْلِ الِاخْتِبارُ والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ والِاسْتِعارَةِ، ولا يَصِحُّ إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ لِمَن لا يَعْرِفُ عَواقِبَ الأُمُورِ.

وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ العِلْمِ لِلتَّلازُمِ بَيْنَ العِلْمِ والِاخْتِبارِ، وهو مَحُوجٌ إلى تَكَلُّفِ أنْ يُرادَ لِيَظْهَرَ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ الأزَلِيِّ، وإلّا فالعِلْمُ القَدِيمُ الذّاتِيُّ لَيْسَ مُتَفَرِّعًا عَلى غَيْرِهِ، وما تَقَدَّمَ لا تَكَلُّفَ فِيهِ، وهو مَعَ بَلاغَتِهِ مُصادِفٌ مَحَزَّهُ، والمُرادُ بِالعَمَلِ ما يَشْمَلُ عَمَلَ القَلْبِ وعَمَلَ القالَبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في التّارِيخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ (لِيَبْلُوَكُمْ) إلَخْ..

فَقُلْتُ: ما مَعْنى ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ: لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، ثُمَّ قالَ: وأحْسَنُكم عَقْلًا أوْرَعَكم عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى وأعْمَلُكم بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى”».

لَكِنْ ذَكَرَ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ أنَّ سَنَدَهُ واهٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ أنَّ مَعْنى ( أحْسَنُ عَمَلًا ) أزْهَدُ في الدُّنْيا، وعَنْ مُقاتِلٍ أتْقى لِلَّهِ تَعالى، وعَنِ الضَّحّاكِ أكْثَرُهم شُكْرًا، ولَعَلَّ أخْذَ العَمَلِ شامِلًا لِلْأمْرَيْنِ أوْلى، وأفْضَلُها ما كانَ عَمَلُ القَلْبِ كَيْفَ لا ومَدارُ العِبادَةِ القالَبِيَّةِ الواجِبَةِ عَلى العِبادِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَحِلُّ القَلْبَ، وقَدْ يُرْفَعُ بِهِ لِلْعَبْدِ في يَوْمٍ مِثْلُ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ «“تَفَكُّرُ ساعَةٍ يَعْدِلُ عِبادَةَ سَبْعِينَ سَنَةً» واعْتِبارُ خَلْقِ السَّماواتِ في ضِمْنِ المُفَرَّعِ عَلَيْهِ لِما أنَّ في السَّماواتِ مِمّا هو مِن مَبادِي النَّظَرِ وتَهْيِئَةِ أسْبابِ المَعاشِ الأرْضِيَّةِ الَّتِي بِها قَوامُ القالَبِ ما لا يَخْفى، وقَرِيبٌ مِن هَذا أنَّ ذِكْرَ السَّماواتِ وخَلْقَها لِتَكُونَ أمْكِنَةُ الكَواكِبِ والمَلائِكَةِ العامِلِينَ فِيها لِأجْلِ الإنْسانِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ كَوْنَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها لِلِابْتِلاءِ ظاهِرٌ، وأمّا خَلْقُ السَّماواتِ فَذَكَرَ تَتْمِيمًا واسْتِطْرادًا مَعَ أنَّ السَّماواتِ مَقَرُّ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ وقِبْلَةُ الدُّعاءِ ومَهْبِطُ الوَحْيِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهُ دَخْلٌ في الِابْتِلاءِ في الجُمْلَةِ، ولَعَلَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا أوْلى، وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ البَلْوى عَلى المَشْهُورِ، وجَعَلَ في الكَشّافِ الفِعْلَ هُنا مُعَلَّقًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ، ومَنَعَ في سُورَةِ المُلْكِ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ تَعْلِيقًا مُدَّعِيًا أنَّهُ إنَّما يَكُونُ إذا وقَعَ بَعْدَ الفِعْلِ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا- كَعَلِمْتُ أيَّهُما فَعَلَ كَذا.

وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ -وبَيْنَ كَلامَيْهِ في السُّورَتَيْنِ اضْطِرابٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وأجابَ عَنْهُ في الكَشْفِ بِما حاصِلُهُ أنَّ لِلتَّعْلِيقِ مَعْنَيَيْنِ: مُصْطَلَحٌ ويُعَدّى بِعَنْ وهو المَنفِيُّ في تِلْكَ السُّورَةِ، ولُغَوِيٌّ ويُعَدّى بِالباءِ وعَلى، وهو خاصٌّ بِفِعْلِ القَلْبِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِالسَّبْعَةِ المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ ولا يَكُونُ إلّا في الِاسْتِفْهامِ خاصَّةً دُونَ ما فِيهِ لامُ الِابْتِداءِ ونَحْوِهِ، ومَعْنى تَعْلِيقِ الفِعْلِ عَلى ما فِيهِ ذَلِكَ أنْ يَرْتَبِطَ بِهِ مَعْنى وإعْرابًا سَواءٌ كانَ لَفْظًا أوْ مَحَلًّا وهو المُثْبَتُ هَهُنا.

وقالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ما هُنا عَلى إضْمارِ العِلْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ فَيَعْلَمُ ﴿ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ والتَّعْلِيقُ فِيهِ ظاهِرٌ، وما هُناكَ عَلى تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى العِلْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُعَلِّمَكم أيُّكم إلَخْ..

فَيَصِحُّ النَّفْيُ، ولا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كَلامَهُ أنَّ فِيهِ ما يَأْبى ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْلِيقَ لا يَخْتَصُّ بِما كانَ مِنَ الأفْعالِ بِمَعْنى العِلْمِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ثَعْلَبٌ، والمُبَرِّدُ وابْنُ كِيسانَ، وإنْ وجَّهَهُ أُوَيْسٌ بِما في هَمْعِ الهَوامِعِ، ورَجَّحَهُ الشُّلُوبِينَ، ولا بِالفِعْلِ القَلْبِيِّ مُطْلَقًا بَلْ يَكُونُ فِيهِ وفي غَيْرِهِ مِمّا أُلْحِقَ بِهِ لَكِنْ مَعَ الِاسْتِفْهامِ خاصَّةً، واقْتَصَرَ بَعْضُهم في المُلْحَقِ عَلى بَصَرٍ.

وتَفَكَّرَ.

وسَألَ -وزادَ ابْنُ خَرُوفٍ نَظَرَ- ووافَقَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ.

وابْنُ مالِكٍ وزادَ الأخِيرُ نَسِيَ كَما في قَوْلِهِ.

ومَن أنْتُمْ إنّا نَسِينا مَن أنْتُمْ.

ونازَعَهُ أبُو حَيّانِ بِأنَّ -مَن- تَحْتَمِلُ المَوْصُولِيَّةَ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ مَن هم أنْتُمْ، وكَذا زادَ أيْضًا ما قارَبَ المَذْكُوراتِ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لَها تَعَلُّقٌ بِفِعْلِ القَلْبِ -كَتَرى البَصَرِيَّةِ- في قَوْلِهِ: أما تَرى أيَّ بَرْقٍ هُنالِكَ، وكَيَسْتَنْبِئُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ ﴾ وكَنَبْلُو فِيما نَحْنُ فِيهِ، ونازَعَهُ أبُو حَيّانَ بِأنْ تَرى في الأوَّلِ عِلْمِيَّةٌ، وأيُّكم في الأخِيرِ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها فَبُنِيَتْ وهي بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ بَدَلُ بَعْضٍ، ونَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ ولَمْ أجِدْهُ في بَحْرِهِ، وفي الرَّضِيِّ أنَّ جَمِيعَ أفْعالِ الحَواسِّ تُعَلَّقُ عَنِ العَمَلِ، وفي التَّسْهِيلِ ما يُؤَيِّدُهُ، وأجازَ يُونُسُ تَعْلِيقَ كُلِّ فِعْلٍ غَيْرَ ما ذُكِرَ، وخَرَجَ عَلَيْهِ ﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ ﴾ والجُمْهُورُ لَمْ يُوافِقُوهُ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ الفِعْلَ القَلْبِيَّ وما جَرى مَجْراهُ إمّا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ، فالأوَّلُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ سَواءٌ تَعَدّى بِنَفْسِهِ كَعَرَفَ، أوْ بِحَرْفٍ كَتَفَكَّرَ لِأنَّ مَعْمُولَهُ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا، وبِالتَّعْلِيقِ بَطَلَ عَمَلُهُ في المُفْرَدِ الَّذِي هو مُقْتَضاهُ وتَعَلَّقَ بِالجُمْلَةِ، ولا مَعْنى لِلتَّعْلِيقِ إلّا إبْطالُ العَمَلِ لَفْظًا لا مَحَلًّا وإنْ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فَإمّا أنْ يَجُوزَ وُقُوعُ الثّانِي جُمْلَةً كَما في بابِ عَلِمَ أوَّلًا، فَإنْ جازَ عُلِّقَ عَنِ المَفْعُولَيْنِ نَحْوَ عَلِمْتُ لَزَيْدٌ قائِمٌ لا عَنِ الثّانِي، لِأنَّهُ يَكُونُ جُمْلَةً بِدُونِ تَعْلِيقٍ فَلا وجْهَ لِعَدِّهِ مِنهُ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ أداةِ التَّعْلِيقِ وعَدَمِها، فالتَّعْلِيقُ لا يُبْطِلُ عَمَلَ الفِعْلِ أصْلًا، كَما في عَلِمْتُ زَيْدًا أبُوهُ قائِمٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا لا أبُوهُ قائِمٌ، فَإنَّ عَمَلَهُ في مَحَلِّ الجُمْلَةِ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ وُجُودِ حَرْفِ التَّعْلِيقِ وعَدَمِهِ وإنْ لَمْ يَجُزْ، ووَرَدَ فِيهِ كَلِمَةُ تَعْلِيقٍ كانَ مِنهُ نَحْوَ ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ ﴾ فَإنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا.

والفِعْلُ فِيما نَحْنُ فِيهِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عامِلًا فِيما بَعْدَهُ وهو المُخْتَبَرُ بِهِ غَيْرُ مُتَضَمِّنٍ عِلْمًا، وفِعْلُ البَلْوى إذا كانَ كَذَلِكَ يَتَعَدّى بِالباءِ إلى المُخْتَبَرِ بِهِ ولا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ ﴾ والِاسْتِفْهامُ قَدْ أبْطَلَ مُقْتَضاهُ لَفْظًا وهو التَّعْلِيقُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَضَمِّنًا مَعْنى العِلْمِ ويَكُونُ العِلْمُ عامِلًا فِيهِ وهو مَفْعُولُهُ الثّانِي، وحِينَئِذٍ لا تَعْلِيقَ، ومِن هُنا يَظْهَرُ أنَّ تَعْلِيقَ الفِعْلِ في الآيَةِ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ إعْمالِ فِعْلِ البَلْوى، وعَدَمُ تَعْلِيقِهِ عَلى تَقْدِيرِ إعْمالِ العِلْمِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، انْتَهى، وهو تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وفي الهَمْعِ أنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَ المُعَلِّقِ في بابِ عَلِمَ وأخَواتِها في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ فَإنْ كانَ التَّعْلِيقُ بَعْدَ اسْتِيفاءِ المَفْعُولِ الأوَّلِ فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، وأمّا في غَيْرِ هَذا البابِ فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِمّا يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِهِ نَحْوَ فَكَّرْتُ أهَذا صَحِيحٌ أمْ لا، وجَعْلَ ابْنُ مالِكٍ مِنهُ ﴿ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا ﴾ وإنْ كانَ مِمّا يَتَعَدّى لِواحِدٍ فَهي في مَوْضِعِهِ نَحْوَ عَرَفْتُ أيُّهم زَيْدٌ، فَإنْ كانَ مَفْعُولُهُ مَذْكُورًا نَحْوَ عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هُوَ، فالجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنهُ عَلى ما اخْتارَهُ السَّيْرافِيُّ.

وابْنُ مالِكٍ، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ قِصَّةُ زَيْدٍ أوْ أمْرُهُ عِنْدَ ابْنِ عُصْفُورٍ، والتَزَمَ ذَلِكَ لِيَكُونَ المُبْدَلُ مِنهُ جُمْلَةً في المَعْنى، وبَدَلُ اشْتِمالٍ ولا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ عِنْدَ ابْنِ الصّائِغِ، وذَهَبَ المُبَرَّدُ، والأعْلَمُ، وابْنُ خَرُوفٍ.

وغَيْرُهم إلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِعَرَفْتُ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى عَلِمْتُ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وفِيهِ نَوْعُ مُخالَفَةٍ في الظّاهِرِ لِما تَقَدَّمَ تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ إلّا أنَّهُ اعْتَرَضَ القَوْلَ بِأنَّ ما بَعْدَ فِعْلِ البَلْوى مُخْتَبَرٌ بِهِ بِأنَّ المُخْتَبَرَ بِهِ إنَّما هو خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ في نَفْسِ الأمْنِ مُخْتَبَرًا عَنْهُ، والمُخْتَبَرُ بِهِ ما ذُكِرَ إلّا أنَّهُ جُعِلَ مُخْتَبَرًا بِهِ بِاعْتِبارِ تَرَتُّبِهِ عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ؛ وقالَ بَعْضُ أرْبابِ التَّحْقِيقِ في دَفْعِ المُخالَفَةِ: إنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ جَعَلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ هُنا: ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ بِجُمْلَتِهِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً فَتَكُونُ مُفْرَداتُهُ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْناها الحَقِيقِيِّ مُعْطاةً ما تَسْتَحِقُّهُ، وفِعْلُ البَلْوى يُعَلَّقُ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأنَّهُ لا يَكُونُ جُمْلَةً إذْ هو يَتَعَدّى لَهُ بِالباءِ، وحَرْفُ الجَرِّ لا يَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ، وجَرى التَّعْلِيقُ فِيهِ بِناءً عَلى أنَّهُ مُناسِبٌ لِفِعْلِ القُلُوبِ مَعْنًى، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِجَرَيانِهِ في ذَلِكَ وجَعْلِهِ ثَمَّةَ مُسْتَعارًا لِمَعْنى العِلْمِ، والفِعْلُ إذْ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ عَمِلَ عَمَلَهُ وجَرى عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وعَلِمَ لا يُعَلَّقُ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي، فَكَذا ما هو بِمَعْناهُ فَيَكُونُ قَدْ سَلَكَ في كُلٍّ مِنَ المَوْضِعَيْنِ مَسْلَكًا تَفَنُّنًا، وكَثِيرًا ما يَفْعَلُ ذَلِكَ في كِتابِهِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَعْكِسِ الأمْرَ لِأنَّ ما فَعَلَهُ في كُلِّ أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيها مِنَ النِّعَمِ والمَنافِعِ وخَلْقِ المَوْتِ والحَياةِ، ولا يُخْفى أنَّ هَذا قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ وفِيهِ ما فِيهِ.

والإتْيانُ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ الدّالَّةِ عَلى الِاخْتِصاصِ بِالمُخْتَبَرَيْنِ الأحْسَنَيْنِ أعْمالًا مَعَ شُمُولِ الِاخْتِبارِ لِفِرَقِ المُكَلَّفِينَ، وتَتَفاوَتُ أعْمالُ الكُفّارِ مِنهم إلى حَسَنٍ شَرْعِيٍّ وقَبِيحٍ لا إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ كَما في أعْمالِ المُؤْمِنِينَ لِلتَّحْرِيضِ عَلى أحاسِنِ المَحاسِنِ، والتَّحْضِيضِ عَلى التَّرَقِّي دائِمًا لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ الأصْلَ المَقْصُودَ بِالِاخْتِبارِ ذَلِكَ الفَرِيقُ لِيُجازِيَهم أكْمَلَ الجَزاءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: المَقْصُودُ أنْ يُظْهِرَ أفْضَلِيَّتَكم لِأفْضَلِكم فَإنَّ ذَلِكَ مَفْرُوغٌ عَنْهُ لا يَحِيدُ عَنْهُ ذُو لُبٍّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ وأنْ يَكُونَ مِن بابِ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا، وأيّامّا كانَ فالخِطابُ لَيْسَ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّ إظْهارَ حالِ غَيْرِهِمْ مَقْصُودٌ أيْضًا لَكِنَّهُ لا بِالذّاتِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ.

﴿ ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ .

أيْ مِثْلُهُ في الخَدِيعَةِ والبُطْلانِ، فالتَّرْكِيبُ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، والإشارَةُ إلى القَوْلِ المَذْكُورِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِلْقُرْآنِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ تَلَوْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ ما فِيهِ إثْباتُ البَعْثِ لَقالُوا هَذا المَتْلُوُّ سِحْرٌ، والمُرادُ إنْكارُ البَعْثِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ لِأنَّ إنْكارَ البَعْثِ إنْكارٌ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: إنَّ الإخْبارَ عَنْ كَوْنِهِمْ مَبْعُوثِينَ وإنْ لَمْ يُجِبْ عَنْ كَوْنِهِ بِطْرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ إلّا أنَّهم عِنْدَ سَماعِهِمْ ذَلِكَ تَخَلَّصُوا إلى القُرْآنِ لِأنْبائِهِ عَنْهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ وكَوْنِهِ عِلْمًا عِنْدَهم في ذَلِكَ فَعَمَدُوا إلى تَكْذِيبِهِ، وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا تَمادِيًا مِنهم في العِنادِ وتَفادِيًا عَنْ سَنَنِ الرَّشادِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى نَفْسِ البَعْثِ، وتُعَقِّبَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ التَّسْمِيَةُ بِالسِّحْرِ، فَإنَّهُ إنَّما يُطْلَقُ عَلى شَيْءٍ مَوْجُودٍ ظاهِرًا لا أصْلَ لَهُ في الحَقِيقَةِ، ونَفْسُ البَعْثِ عِنْدَهم مَعْدُومٌ بَحْتٌ، وفِيهِ بَحْثٌ لِجَوازِ أنَّهم أرادُوا مِنَ السِّحْرِ الأمْرَ الباطِلَ والشَّيْءَ الَّذِي لا أصْلَ لَهُ ولا حَقِيقَةَ لِشُيُوعِهِ فِيما بَيْنَهم بِذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ عَلَمٌ لَهُ.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى القائِلِ، والإخْبارُ عَنْهُ بِالسِّحْرِ لِلْمُبالِغَةِ، والخِطابُ في (إنَّكُمْ) إنْ كانَ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ فالمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ لِلتَّخْصِيصِ، أيْ لَيَقُولُنَّ الكافِرُونَ مِنهُمْ، وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ فَذِكْرُ المَوْصُولِ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلى ذَمِّهِمْ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ، وتَعَلُّقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما قَبْلَها إمّا مِن حَيْثُ أنَّ البَعْثَ مِن تَتِمّاتِ الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: الأمْرُ كَما ذُكِرَ، ومَعَ ذَلِكَ إنْ أخْبَرْتَهم بِمُقَدِّمَةٍ فَذَّةٍ مِن مُقَدِّماتِهِ وقَضِيَّةٍ فَرْدَةٍ مِن تَتِمّاتِهِ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ فَضْلًا عَنْ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِما وقَعَ هَذا تَتِمَّةٌ لَهُ، وإمّا مِن حَيْثُ إنَّ البَعْثَ خَلْقٌ جَدِيدٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو الَّذِي خَلَقَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْها ما يَتَرَتَّبُ، ومَعَ ذَلِكَ إنْ أخْبَرْتَهم بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُعِيدُهم تارَةً أُخْرى وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ يَعُدُّونَ ذَلِكَ ما يَعُدُّونَ، فَسُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ.

وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (ولَئِنْ قُلْتُ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلَيْهِ تَعالى أيْ (ولَئِنْ قُلْتُ) ذَلِكَ في كِتابِي المُنَزَّلِ عَلَيْكَ ﴿ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلَخْ، وفي البَحْرِ أنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ ﴿ ولَئِنْ قُلْتَ ﴾ مُسْتَدِلًّا عَلى البَعْثِ مِن بَعْدِ المَوْتِ إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ إلَخْ..

دَلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، فَمَتى أخْبَرَ بِوُقُوعٍ مُمْكِنٍ وقَعَ لا مَحالَةَ، وقَدْ أخْبَرَ بِالبَعْثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وتَيَقَّنَ وُقُوعُهُ، انْتَهى، وهو لَدى الذَّوْقِ السَّلِيمِ كَماءِ البَحْرِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ (أنَّكُمْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَضْمِينِ (قُلْتَ) مَعْنى ذَكَرْتَ ﴿ ولَئِنْ قُلْتَ ﴾ ذاكِرًا ﴿ إنَّكم مَبْعُوثُونَ ﴾ فَإنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ مَفْعُولٍ لِلذِّكْرِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ القَوْلِ بِمَعْنى الذِّكْرِ مَجازًا، وتَعَقَّبَ بِأنَّ الذِّكْرَ والقَوْلَ مُتَرادِفانِ فَلا مَعْنى لِلتَّجَوُّزِ حِينَئِذٍ، ولَمّا كانَ القَوْلُ باقِيًا في التَّضْمِينِ جاءَ الخِطابُ عَلى مُقْتَضاهُ.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ أنَّ بِمَعْنى عَلَّ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وجاءَ ائْتِ السُّوقَ عَلَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا وأنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، وهي لِتَوَقُّعِ المُخاطَبِ لَكِنْ لا عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فَإنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ البَعْثَ بَلْ عَلى سَبِيلِ الأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَوَقَّعُوا بَعْثَكم ولا تَبُتُّوا القَوْلَ بِإنْكارِهِ، وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قاطِعٌ بِالبَعْثِ فَكَيْفَ يَقُولُ لَعَلَّكم مَبْعُوثُونَ، وأيْضًا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ صَرِيحَةٌ في القَطْعِ والبَتِّ، وهَذِهِ صَرِيحَةٌ في خِلافِهِ فَيَتَنافَيانِ، ومِنهم مَن قالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ والِاسْتِدْراجِ فَرُبَّما يَنْتَبِهُونَ إذا تَفَكَّرُوا ويَقْطَعُونَ بِالبَعْثِ إذا نَظَرُوا.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ -إلّا ساحِرٌ- والإشارَةُ إلى القائِلِ، ولا مُبالَغَةَ في الإخْبارِ كَما كانَتْ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْقَوْلِ أوْ لِلْقُرْآنِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما في قَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ قال ابن عباس: «يعني: من أيام الآخرة» .

وقال الحسن: «من أيام الدنيا» وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قبل خلق السموات والأرض، لأنه لم يكن تحته شيء سوى الماء.

قال الفقيه: حدّثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثنا فارس بن مردويه، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا أبو مطيع، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: «بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، بِعُلِوِّهِ وقدرته يعلم ما أنتم فيه.» وروى أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال: «كان عرشه على الماء، فلمَّا خلق الله تعالى السموات والأرض، قسم ذلك الماء قسمين، فجعل نصفه تحت العرش وهو البحر المسجور، وجعل النصف الآخر تحت الأرض السفلى، وهو مكتوب في الكتاب الأول، ويسمى اليم» .

وعن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن قول الله تعالى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ على أي شيء كان الماء؟

قال: «على متن الريح» .

ويقال: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ يعني: فوق الماء كقولك: السماء فوق الأرض، لا أنه ملتزق بالماء.

لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا يعني: ليختبركم أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي أخلص عملاً، وأزهد في الدنيا.

والاختبار من الله تعالى، هو إظهار ما يعلم من خلقه.

ثم قال: وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ يعني: يوم القيامة لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني: ما هذا إِلاَّ كذب بين حتى يخبرنا أنه يكون البعث.

قرأ حمزة والكسائي: ساحر مُّبِينٌ بالألف، وقرأ الباقون سِحْرٌ مُبِينٌ بغير ألف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله عز وجل: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أي: أتْقِنَتْ وأجيدَتْ، وبهذه الصفة كان القرآن في الأزَل، ثم فُصِّل بتقطيعه، وتَبْيين أحكامه وأوامره علَى محمَّد نبيه عليه السلام في أزمنةٍ مختلفةٍ ف «ثُمَّ» على بابها، / فالإِحْكَامُ صفةٌ ذاتية، والتفصيلُ إِنما هو بحسب من يفصَّل له، والكتابُ بأَجمعه محكَمٌ ومفَصَّل، والإِحْكَام الذي هو ضدُّ النَّسْخ، والتفصيلُ الذي هو خلافُ الإِجمال، إِنما يقالان مع ما ذَكَرناه باشتراك.

قال ص: ثُمَّ فُصِّلَتْ: «ثُمَّ» لترتيب الأخبار لا لترتيب الوقوع في الزمان، ولَدُنْ بمعنى: «عند» .

انتهى.

قال الداوديّ: وعن الحسن: أُحْكِمَتْ آياتُهُ: قَالَ: أحكمت بالأَمْرِ والنهْي، ثم فُصِّلَتْ بالوعْدِ والوعيدِ، وعنه: فُصِّلَتْ بالثوابِ والعقابِ.

انتهى.

وقدَّم النذير لأن التَّحذيرَ من النَّار هو الأهمُّ.

وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، أي: اطلبوا مغفرتَهُ وذلك بطلب دُخُولكم في الإِسلام، ثُمَّ تُوبُوا من الكُفْرِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً، ووصف المَتَاع بالحُسْنِ لطيب عيش المؤمن برجائِهِ في ثوابِ ربِّه، وفَرَحِهِ بالتقرُّب إِليه بأَداء مفتَرَضَاته، والسرورِ بمواعيِدِه سُبْحانه، والكافِرُ ليس في شيء مِنْ هذا، وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ، أي:

كلَّ ذي إِحسان فَضْلَهُ، فيحتملُ أنْ يعود الضميرُ من «فَضْلِهِ» على «ذي فضل» أي:

ثوابَ فَضْلِهِ، ويحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، أي: يؤتى اللَّه فضله كلَّ ذي فضلٍ وعملٍ صالحٍ من المؤمنين، ونَحْو هذا المعنى ما وعد به سبحانَهُ مِنْ تضعيف الحسنَاتِ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ، أي: فقُلْ: إِني أخافُ عليكم عذابَ يوم كبيرٍ، وهو يومُ القيامة.

أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨)

وقوله سبحانه: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ...

الآية: قيل: إِن هذه الآية نزلَتْ في الكفَّار الذين كانوا إذا لقيهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تَطَامَنُوا وَثَنَوْا صُدُورهم كالمتستِّر، ورَدُّوا إِليه ظهورَهُم، وغَشُوا وجوهَهُمْ بثيابهم، تباعداً منهم، وكراهيةً للقائه، وهم يَظُنُّون أنَّ ذلك يخفَى عليه، أوْ عن اللَّه عزَّ وجلَّ، وقيل: هي استعارة للْغِلِّ والحِقْدِ الذي كانوا يَنْطَوُونَ

عليه، فمعنى الآية: أَلاَ إِنهم يُسِرُّون العداوةَ، ويَتَكَتَّمون بها، لِتَخْفى في ظَنِّهِم عن اللَّه وهو سبحانه حينَ تغشِّيهم بثيابهم، وإِبلاغِهِم في التستّر، يعلم ما يسرّون، ويَسْتَغْشُونَ

: معناه يجعلونها أغشيةً وأغطيةً.

قال ص: قرأ «١» الجمهور: «يَثْنُونَ» - بفتح الياء- مضارع ثَنَى الشَّيْءَ ثَنْياً:

طَوَاهُ.

انتهى، وقرأ ابن عبَّاس «٢» وجماعة: «تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ» - بالرفْعِ- على وزن «تَفْعَوْعِلُ» ، وهي تحتملُ المعنيين المتقدِّمين، وحكى الطبريُّ عن ابن عبَّاس على هذه القراءة.

أنَّ هذه الآية نزَلَتْ في قومٍ كانوا لا يأتون النساءَ والحَدَثَ إِلاَّ ويستَغْشُونَ ثيابهم كراهيةَ أنْ يُفْضُوا بفروجهم إِلى السماء «٣» .

وقوله عزَّ وجلَّ: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ...

الآية، المرادُ جميعُ الحيوانِ المحتاجِ إِلى رزْقٍ، والمستقر: صُلْب الأبِ، و «المستودَعُ» : بَطْن الأُمِّ، وقيل غير هذا، وقد تقدَّم.

وقوله: فِي كِتابٍ: إِشارةٌ إِلى اللوح المحفوظ.

قال ص: لِيَبْلُوَكُمْ اللام متعلِّقة ب «خَلَقَ» وقيل: بفعلٍ محذوفٍ، أي: أَعْلَمَ بذلك لَيَبْلُوَكُمْ، انتهى.

وَلَئِنْ قُلْتَ: اللام في «لَئِنْ» : مُؤذنةٌ بأَنَّ اللام في لَيَقُولَنَّ لامُ قسم، لا جوابِ شرطٍ، وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ تناقُضٌ منهم لأنهم مقرُّونَ بأن اللَّه خلق السموات والأرض، وهم مع ذلك ينكرون ما هو أيْسَرُ من ذلك، وهو البَعْثُ مِنَ القبورِ، وإِذْ خَلْقُ السموات والأرضِ، أكْبَرُ من خلق الناس.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " مِن حُرُوفِ الزَّوائِدِ، والمَعْنى: وما دابَّةٌ، والدّابَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ يَدُبُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ﴾ قالَ العُلَماءُ: فَضْلًا مِنهُ، لا وُجُوبًا عَلَيْهِ.

و " عَلى " هاهُنا بِمَعْنى " مِن " وقَدْ ذَكَرْنا المُسْتَقَرَّ والمُسْتَوْدَعَ في سُورَةِ (الأنْعامِ:٦٧) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلٌّ في كِتابٍ ﴾ أيْ: ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ذَلِكَ ثابِتٌ في عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَرْشُهُ: سَرِيرُهُ، وكانَ الماءُ إذْ كانَ العَرْشُ عَلَيْهِ عَلى الرِّيحِ.

قالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَواتِ والأرْضَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ أيْ: لِيَخْتَبِرَكُمُ الِاخْتِبارَ الَّذِي يُجازِي عَلَيْهِ، فَيُثِيبُ المُعْتَبِرَ بِما يَرى مِن آياتِ السَّمَواتِ والأرْضِ، ويُعاقِبُ أهْلَ العِنادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: أيُّكم أعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أيُّكم أتَمُّ عَقْلًا، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أيُّكم أزْهَدُ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ وسُفْيانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: السِّحْرُ باطِلٌ عِنْدَهم، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ هَذا إلّا باطِلٌ بَيِّنٌ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّ القُدْرَةَ عَلى خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ تَدُلُّ عَلى بَعْثِ المَوْتى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ أخَّرْنا عنهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عنهُمُ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ قالَ أكْثَرُ أهْلِ التَفْسِيرِ: الأيّامُ هي مِن أيّامِ الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ، يَوْمٌ مِن ألْفِ سَنَةٍ.

قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ، والأوَّلُ أرْجَحُ.

وأجْزَأ ذِكْرُ "السَماواتِ" عن كُلِّ ما فِيها، إذْ كَلُّ ذَلِكَ خُلِقَ في السِتَّةِ الأيّامِ.

واخْتَلَفَتِ الأحادِيثُ في يَوْمِ بِدايَةِ الخَلْقِ -فَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ - فِيما أسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  أخَذَ بِيَدِهِ وقالَ: "خَلَقَ اللهُ التُرْبَةَ يَوْمَ السَبْتِ، والجِبالَ يَوْمَ الأحَدِ، والشَجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ والمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُلاثاءِ، والنُورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وبَثَّ الدَوابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ، وخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ العَصْرِ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ"،» ونَحْوُ هَذا مِن أنَّ البَداءَةَ يَوْمُ السَبْتِ في كِتابِ مُسْلِمٍ، وفي الدَلائِلِ لِثابِتٍ: "وَكانَ خَلْقُ آدَمَ في يَوْمِ الجُمْعَةِ، لا يُعْتَدُّ بِهِ إذْ هو بَشَرٌ كَسائِرِ بَنِيهِ، ولَوِ اعْتَدَّ بِهِ لَكانَتِ الأيّامُ سَبْعَةً خِلافَ ما في كِتابِ اللهِ".

ورُوِيَ عن كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: "بَدَأ اللهُ خَلْقَ السَماواتِ والأرْضَ يَوْمَ الأحَدِ، وفَرَغَ يَوْمَ الجُمْعَةِ، وخَلَقَ آدَمَ في آخِرِ ساعَةٍ مِنهُ".

ونَحْوُ هَذا في جُلِّ الدَواوِينِ أنَّ البَدْأةَ يَوْمَ الأحَدِ، وقالَ قَوْمٌ: خَلَقَ اللهُ تَعالى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ في سِتَّةِ أيّامٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِها في لَحْظَةٍ.

نَهْجًا إلى طَرِيقِ التُؤَدَةِ والمُهْلَةِ في الأعْمالِ لِيُحْكِمَ البَشَرُ أعْمالَهم.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "كانَ العَرْشُ عَلى الماءِ، وكانَ الماءُ عَلى الرِيحِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( خَلَقَ )، والمَعْنى أنَّ خَلْقَهُ إيّاها كانَ لِهَذا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: أعْلَمَ بِذَلِكَ لِيَبْلُوَكُمْ، ومَقْصِدُ هَذا القائِلِ أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ لَمْ تَكُنْ لِسَبَبِ البَشَرِ.

وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "وَلَئِنْ قُلْتُ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قُلْتَ" بِفَتْحِ التاءِ.

ومَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ صِفاتُهُ، وهَؤُلاءِ بِكُفْرِهِمْ في حَيِّزٍ إنْ قُلْتَ لَهُمْ: "إنَّهم مَبْعُوثُونَ" كَذَّبُوا وقالُوا: "هَذا سِحْرٌ".

أيْ: فَهَذا تَناقُضٌ مِنكُمْ، إذْ كُلُّ مَفْطُورٍ يُقِرُّ بِأنَّ اللهَ خالِقُ السَماواتِ والأرْضِ، فَهم مِن جُمْلَةِ المُقِرِّينَ بِهَذا، ومَعَ ذَلِكَ يُنْكِرُونَ ما هو أيْسَرُ مِنهُ بِكَثِيرٍ، وهو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، إذِ البَداءَةُ أعْسَرُ مِنَ الإعادَةِ، وإذْ خَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ الناسِ.

واللامُ في "لَئِنْ" مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ اللامَ في "لَيَقُولَنَّ" لامُ قَسَمٍ لا جَوابُ شَرْطٍ.

وقَرَأ الأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وفِرْقَةٌ مِنَ السَبْعَةِ: "سِحْرٌ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ساحِرٌ" وقَدْ تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ أخَّرْنا عنهُمُ العَذابَ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: ولَئِنْ تَأخَّرَ العَذابُ الَّذِي تُوُعُّدْتُمْ بِهِ عَنِ اللهِ قالُوا: ما هَذا الحابِسُ لِهَذا العَذابِ؟

عَلى جِهَةِ التَكْذِيبِ.

و"الأُمَّةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المُدَّةُ، كَما قالَ: ﴿ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ  ﴾ .

قالَ الطَبَرِيُّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ المُدَّةُ لِأنَّها تَمْضِي فِيها أُمَّةٌ مِنَ الناسِ وتَحْدُثُ فِيها أُخْرى، فَهي -عَلى هَذا- المُدَّةُ الطَوِيلَةُ.

ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِالإخْبارِ عن أنَّ العَذابَ يَوْمَ يَأْتِي لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ ولا يَصْرِفُهُ، و"حاقَ" مَعْناهُ: حَلَّ وأحاطَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكْرُوهِ، و"يَوْمَ" مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: "مَصْرُوفًا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وما من دابّة في الأرض إلاّ على الله رزقها ﴾ [هود: 6].

والمناسبة أنّ خلق السماوات والأرض من أكبر مظاهر علم الله وتعلقات قدرته وإتقان الصنع، فالمقصود من هذا الخبر لازمه وهو الاعتبار بسعة علمه وقدرته، وقد تقدم القول في نظيرها في قوله: ﴿ إنّ ربّكُمْ اللّهُ الذي خلق السموات والأرض في ستة أياممٍ ثم استوى على العرش ﴾ في سورة [الأعراف: 54].

وجملة ﴿ وكان عرشه على الماء ﴾ يجوز أن تكون حالاً وأن تكون اعتراضاً بين فعل (خلق) ولام التعليل.

وأما كونها معطوفة على جملة ﴿ وما من دابّة في الأرض إلاّ على الله رزقها ﴾ [هود: 6] المسوقة مساق الدليل على سعة علم الله وقدرته فغير رشيق لأنّ مضمون هذه الجملة ليس محسوساً ولا متقرراً لدى المشركين إذ هو من المغيبات وبعضه طرأ عليه تغيير بخلق السموات فلا يحسن جعله حجة على المشركين لإثبات سعة علم الله وقدرته المأخوذ من جملة ﴿ وما من دابة في الأرض ﴾ [هود: 6] الخ.

والمعنى إن العرش كان مخلوقاً قبل السموات وكان محيطاً بالماء أو حاوياً للماء.

وحمل العرش على أنّه ذات مخلوقة فوق السموات هو ظاهر الآية.

وذلك يقتضي أن العرش مخلوق قبل ذلك وأن الماء مخلوق قبل السموات والأرض.

وتفصيل ذلك وكيفيته وكيفية الاستعلاء مما لا قبل للأفهام به إذ التعبير عنه تقريب.

ويجوز أن يكون المراد من العرش ملك الله وحكمه تمثيلاً بعرش السلطان، أي كان ملك الله قبل خلق السموات والأرض مُلكاً على الماء.

وقوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ متعلق ب ﴿ خلق ﴾ واللاّم للتعليل.

والبلو: الابتلاء، أي اختبار شيء لتحصيل علم بأحواله، وهو مستعمل كناية عن ظهور آثار خلقه تعالى للمخلوقات، لأن حقيقة البلو مستحيلة على الله لأنّه العليم بكلّ شيء، فلا يحتاج إلى اختباره على نحو قوله: ﴿ إلاّ لنَعْلَم مَن يتّبعُ الرسول ﴾ في سورة [البقرة: 143].

وجُعل البلو علة لخلق السموات والأرض لكونه من حكمة خلق الأرض باعتبار كون الأرض من مجموع هذا الخلق، ثم إن خلق الأرض يستتبع خلق ما جعلت الأرض عامرة به، واختلاف أعمال المخاطبين من جملة الأحوال التي اقتضاها الخلق فكانت من حكمة خلق السموات والأرض، وكان التّعليل هنا بمراتب كثيرة، وعلة العلة علّة.

و ﴿ أيكم ﴾ : اسم استفهام، فهو مبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر سادّة مسدّ الحال اللاّزم ذكرها بعد ضمير الخطاب في ﴿ يبلوكم ﴾ ، نظراً إلى أن الابتلاء لا يتعلق بالذوات، فتعدية فعل (يبلو) إلى ضمير الذوات ليس فيه تمام الفائدة فكان محتاجاً إلى ذكر حال تُقَيّد متعلق الابتلاء، وهذا ضرب من التعليق وليس عينه.

وفي الآية إشارة إلى أن من حكمة خلق الأرض صدور الأعمال الفاضلة من شرف المخلوقات فيها.

ثم إن ذلك يقتضي الجزاء على الأعمال إكمالاً لمقتضى الحكمة ولذلك أعقبت بقوله: ﴿ ولئنْ قلت إنّكم مبعوثون ﴾ الخ.

﴿ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت لَيَقُولَنَّ الذين كفروا إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يظهر أن الواو واو الحال والجملة حال من فاعل ﴿ خلَق السماوات والأرض ﴾ باعتبار ما تعلق بالفعل من قوله في ﴿ ستة أيام ﴾ ، وقوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ ، والتقدير: فعل ذلك الخلق العجيب والحال أنهم ينكرون ما هو دون ذلك وهو إعادة خلق الناس.

ويجهلون أنه لولا الجزاء لكان هذا الخلق عبثاً كما قال تعالى: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ [الدخان: 38].

فإنْ حمل الخبر في قوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض ﴾ على ظاهر الإخبار كانت الحال مقدّرة من فاعل ﴿ خلَق ﴾ أي خلق ذلك مقدّراً أنكم تنكرون عظيم قدرته، وإن حمل الخبر على أنه مستعمل في التنبيه والاعتبار بقدرة الله كانت الحال مقارنة.

ووجه جعلها جملة شرطية إفادة تجدد التكذيب عند كلّ إخبار بالبعث، واللاّم موطّئة للقسَم، وجواب القسَم ﴿ ليقولن ﴾ الخ، فاللام فيه لام جواب القسم.

وجواب (إنْ) محذوف أغنى عنه جواب القسَم كما هو الشأن عند اجتماع شرط وقسم أنْ يحذف جواب المتأخر منهما.

وتأكيد الجملة باللام الموطئة للقسم وما يتبعه من نون التوكيد لتنزيل السامع منزلة المتردد في صدور هذا القول منهم لغرابة صدوره من العاقل، فيكون التأكيد القوي والتنزيل مستعملاً في لازم معناه وهو التعجيب من حال الذين كفروا أن يحيلوا إعادة الخلق وقد شاهدوا آثار بدء الخلق وهو أعظم وأبدع.

وقرأ الجمهور ﴿ إلاّ سحرٌ ﴾ على أنّ ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى المدلول عليه ب (قُلتَ)، ومعنى الإخبار عن القول بأنّه سحرٌ أنهم يزعمون أنّه كلام من قبيل الأقوال التي يقولها السحرة لخصائص تؤثر في النفوس.

وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: ﴿ إلاّ ساحرٌ ﴾ فالإشارة بقوله ﴿ هذا ﴾ إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم المفهوم من ضمير ﴿ قلتَ ﴾ أي أنه يقول كلاماً يسحرنا بذلك.

ووجه جعلهم هذا القول سحراً أن في معتقداتهم وخرافاتهم أنّ من وسائل السحر الأقوال المستحيلة والتكاذيب البهتانيّة، والمعنى أنّهم يكذّبون بالبعث كلّما أخبروا به لا يترددون في عدم إمكان حصوله بله إيمانهم به.

و ﴿ مبين ﴾ اسم فاعل أبان المهموز الذي هو بمعنى بَانَ المجرد، أي بَيّنٌ وَاضحٌ أنه سحر أو أنه ساحرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أيَّكم أتَمَّ عَقْلًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أيُّكم أزْهَدُ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ سُفْيانَ.

الثّالِثُ: أيُّكم أكْثَرُ شُكْرًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: ما رَوى كُلَيْبُ بْنُ وائِلٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ)» .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إلى فَناءِ أُمَّةٍ مَعْلُومَةٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الثّانِي: إلى أجَلٍ مَعْدُودٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةُ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

وَتَكُونُ الأُمَّةُ عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ، وأصْلُها الجَماعَةُ فَعَبَّرَ بِها عَنِ المُدَّةِ لِحُلُولِها في مُدَّةٍ.

﴿ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ﴾ يَعْنِي العَذابَ.

وَفي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِلْعَذابِ لِتَأخُّرِهِ عَنْهم.

الثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ اسْتِعْجالًا لِلْعَذابِ واسْتِهْزاءً، بِمَعْنى ما الَّذِي حَبَسَهُ عَنّا؟

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال أهل اليمن: يا رسول الله أخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟

قال: «كان الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض» فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها.

وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات «عن أبي رزين رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟

قال: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء» قال الترمذي رضي الله عنه: العماء: أي ليس معه شيء.

وأخرج مسلم والترمذي والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال: «دخل قوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: جئنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتفقه في الدين ونسأله عن بدء هذا الأمر.

فقال:كان الله ولا شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق سبع سموات ثم أتاني آت فقال: هذه ناقتك قد ذهبت.

فخرجت والسراب ينقطع دونها، فلوددت أني كنت تركتها» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أنه سئل عن قوله تعالى ﴿ وكان عرشه على الماء ﴾ على أي شيء كان؟

قال: على متن الريح.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكان عرشه على الماء ﴾ قال: قبل أن يخلق شيئاً.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: كان عرشه على الماء، فلما خلق السموات والأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل صفاء تحت العرش وهو البحر المسجور، فلا تقطر منه قطرة حتى ينفخ في الصور فينزل منه مثل الطل فتنبت منه الأجسام، وجعل النصف الآخر تحت الأرض السفلى.

وأخرج داود بن المحبر في كتاب العقل وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في كتاب التاريخ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله؟

قال: ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً، ثم قال: وأحسنكم عقلاً، أورعكم عن محارم الله، وأعلمكم بطاعة الله» .

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ قال: يعني الثقلين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ قال: ليختبركم ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أتم عقلاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أزهد في الدنيا.

أما قوله تعالى: ﴿ ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا ﴾ الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن زائدة رضي الله عنه قال: قرأ سليمان بن موسى في هود عند سبع آيات ﴿ ساحر مبين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ مضى تفسير هذا القدر من الآية في سورة "الأعراف" [54].

وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ﴾ يعني قبل أن يخلق السماء والأرض، قال كعب (١) وقال أهل المعاني: وفي وقوف العرش على الماء، والماء غير قرار أعظم الاعتبار لأهل الأفكار.

قال أبو إسحاق (٢) وقوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ قال ابن عباس (٣) ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ وهو يعني [ليعلم] (٤) (٥) وقال آخر من أهل المعاني: ليعاملكم معاملة المختبر المبتلي مظاهرة في العدل؛ لئلا يتوهم أنه مجازي العباد بحسب ما في المعلوم أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه.

قال أبو بكر: واللام في ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ متعلقة بالفعل الأول ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ يعني لكي يختبركم بالمصنوعات فيها من آياتها، فيثيب المطيع المعتبر بما يرى ويشاهد، ويعاقب أهل العناد للحق.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ ﴾ إلى آخر الآية، قال أبو إسحاق (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ، وليس هذا القول الذي ذكره الله -عز وجل- يوجب أن ينسب إلى السحر؛ لأن هذا خبر وليس بفعل ناقض للعادة، وقال أبو إسحاق (٩) ﴿ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ﴾ (١٠) (١) الثعلبي 7/ 34 أ، البغوي 4/ 162، القرطبي 9/ 8.

قلت: هذا من الإسرائيليات، ويؤيدها ما روى الطبري 12/ 5، وابن أبي حاتم 6/ 2005 من طريق سعيد بن == جبير قال: سئل ابن عباس عن قول الله: ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ﴾ .

قال: على أي شيء كان الماء؟

قال: على متن الريح.

قال أحمد شاكر: رواه الحاكم في المستدرك 2/ 341، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 40.

(٣) "زاد المسير" 4/ 79، الثعلبي 7/ 34 أ، القرطبي 9/ 9.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 40.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 40.

(٧) في (ج): (الأشياء).

(٨) هكذا في (ب)، وفي (ي): يجحدون من البعث من ما ابتداء الخلق أعظم منه.

اهـ.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 40.

(١٠) الإسراء: 47، الفرقان: 8.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء ﴾ دليل على أن العرش والماء كانا موجودين قبل خلق السموات والأرض ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ أي ليختبركم اختباراً تقوم به الحجة عليكم، لأنه كان عالماً بأعمالكم قبل خلقكم ويتعلق ليبلوكم بخلق ﴿ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يحتمل أن يشيروا إلى القرآن، أو إلى القول بالبعث؛ يعنون أنه باطل كبطلان السحر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.

وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.

﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.

﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".

﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.

والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.

ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.

أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.

﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.

أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.

ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.

و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.

وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.

احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.

وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي  قل لهم لا تعبدوا.

وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي  يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب  ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.

ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.

ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.

وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.

وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.

وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.

ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله  : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي  : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟

وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.

والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.

الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.

وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله  .

وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.

ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً  ﴾ .

ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.

وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.

وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.

اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.

ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.

قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.

ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.

قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.

وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.

وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله  وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.

ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه  عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.

ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.

والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.

وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.

وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.

واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.

ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.

ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.

وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ يروى أن موسى  عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله  أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.

ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.

وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.

وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه  .

وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.

وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.

وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.

أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.

والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.

قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.

وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.

قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.

ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.

والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.

وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي  : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.

وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.

فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.

وقال في الكشاف.

أي جماعة من الأوقات.

والعذاب عذاب الآخرة.

وقيل: عذاب يوم بدر.

عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.

ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.

واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.

ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.

وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.

ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.

واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.

وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.

وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.

وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.

أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.

والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.

واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.

قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.

والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله  نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.

وقال الحسن: طلبوا منه  أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية  ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان  بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.

وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه  كان أفسح الناس صدراً.

ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.

ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.

وقد مر مثله في سورة يونس.

عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.

واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.

فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.

تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ﴾ الآية.

وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله  والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله  ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.

ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد  وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.

وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.

ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.

عن أنس أنهم اليهود والنصارى.

وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان  يسهم لهم فيها.

وقال الأصم: هم منكرو البعث.

وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.

وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟

فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.

فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.

وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟

فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.

ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله  : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.

قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله  ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟

نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.

ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟

الثاني ما المراد بالبينة؟

الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟

الرابع الشاهد من هو؟

وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.

بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.

والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.

ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.

وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.

وقيل: أفمن كان محمد  ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب  ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي  هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.

وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد  أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد  وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .

ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.

أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.

ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.

والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.

قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.

وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.

وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.

قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.

وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".

﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه  قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.

﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.

جمع  بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه  لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.

﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.

ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله  حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه  منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون  ﴾ .

وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.

والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.

ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.

واعلم أنه  وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.

الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.

الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.

الخامسة الصد عن سبيل الله.

السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.

الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .

التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .

العاشرة مضاعفة العذاب لهم.

الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".

الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".

الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.

وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.

قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.

وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.

ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.

ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.

وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله  وتوفيقه.

التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.

يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا  ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.

﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.

والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.

﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.

﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.

فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.

﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.

﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.

﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ : قال بعضهم: عنى بالدابة الممتحن به وهو [البشر، وأما غيره من الدواب فقد سخرها للمتحن به.

وقال قائلون: أراد كل دابة تدب على وجه الأرض من الممتحن به وغيره وتمامه: ما من دابة في الأرض] جعل قوامها وحياتها بالرزق إلا على الله إنشاء ذلك الرزق لها، ثم من الرزق ما جعله بسبب، ومنه ما جعله بغير سبب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ : اختلف فيه أيضاً: قال بعضهم: قوله: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ أي: على الله إنشاء رزقها وخلقه لها الذي به قوامها وحياتها؛ وهو كقوله: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ  ﴾ أي: ينشئ ويخلق رزقنا بسبب من السماء من المطر وغيره؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ أي: على الله إنشاء رزقها وخلقه لها.

وقيل: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ أي: على الله أن يبلغ إليها رزقها وما قدر لها وما به معاشها كقوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا...

﴾ الآية [فصلت: 10]: عليه تبليغ رزقها وما به معاشها.

ثم قوله: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ : قال بعضهم: ما جاءها من الرزق إنما جاءها من الله لم يأتها من غيره وعلى الله بمعنى من الله وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ  ﴾ أي: من الناس؛ وهو قول مجاهد.

ويحتمل قوله: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ أي: على الله وفاء ما وعد، وقد كان وعد أن يرزقها، فعليه وفاء وعده وإنجازه.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أنه علم لما خلقها علم أنه يبقيها إلى وقت عليه تبليغ ما به تعيش إلى ذلك الوقت والأجل الذي خلقها ليبقيها إلى ذلك؛ وبعضه قريب من بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: مستقرها بالليل، ومستودعها بالنهار في معاشها.

وقال بعضهم: المستقر: الرحم، والمستودع: الصلب.

وقال بعضهم: المستقر: الصلب، والمستودع: الرحم.

وقال بعضهم: المستقر: المتقلب في الدنيا، والمستودع: مثواها في الآخرة؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ  ﴾ في الدنيا وتحرككم في معاشكم ﴿ وَمَثْوَاكُمْ  ﴾ أي: قراركم ومقامكم في الآخرة.

وقال بعضهم: مستقرها في الدنيا، ومستودعها في القبر.

ويشبه أن يكون هذا إخباراً عن العلم بها في كل حال في حال سكونها وفي حال حركتها؛ لأنها لا تخلو إما أن تكون ساكنة أو متحركة، أي: يعلم عنها كل حالها ويشبه أن يكون صلة ما تقدم وهو قوله: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ...

﴾ الآية [هود: 5]، يخبر أنه إذا لم يخف عليه كون كل دابة في بطن الأرض، وما تغيض به الأرحام وما استودع في الأصلاب، كيف يخفى عليه أعمالهم التي عليها العقاب ولكم بها الثواب وفيها الأمر والنهي؟!

والله أعلم.

و ﴿ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: مبين في كتابه.

قيل: في اللوح المحفوظ، ويحتمل القرآن وغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ .

وقال في موضع آخر: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ  ﴾ .

يجوز أن يكون جعل للأرض يومين: يوماً لوجودها ويوماً لعدمها، وكذلك السماء جعل يوماً لوجودها ويوماً لعدمها؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [إبراهيم: 48]؛ وكقوله: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ  ﴾ ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ  ﴾ .

وكذلك ما بينهما جعل يوماً لوجوده ويوماً لعدمه، فيكون يوم السابع يوم البعث يكون لكل من ذلك يومان: يوم لوجوده، ويوم لعدمه، وقد ذكرنا شيئاً في ذلك مما احتمل وسعنا في سورة الأعراف.

وفي هذه الآية دلالة أن السماوات والأرض دخلتا تحت الأوقات بقوله: ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ  ﴾ إذ الأيام عند الناس إنما هي مضي الأوقات، فإذا دخلتا تحت الأوقات ليستا بأزليتين - على ما يقول بعض الملحدة إنهما أزليتانِ - كانا كذلك، والله أعلم، [وجائز أن يكون اليوم السابع هو اليوم الذي أنشأ الممتحن فيه، فهو المقصود في خلق ما ذكر من الأشياء، أعني من البشر، وقوله:].

﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ ﴾ إن كان العرش اسم الملك والسلطان على ما قال بعض أهل التأويل، فتأويله - والله أعلم - كان أظهر ملكه عن الماء "على" بمعنى "عن"، وذلك جائز في اللغة؛ لأن بالماء ظهور كل شيء وبدأه؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ  ﴾ ، وإن كان العرش اسم السرير والكرسي على ما قاله بعض الناس، فهو عرش الملك وسريره خلقه ليكرم به أولياءه؛ ليمتحن ملائكته بحمله والخدمة له على ما يكون لملوك الأرض سرير يستخدمون خدمهم في ذلك، وهو خلق من خلائقه أضافه إليه كما تضاف الأشياء إلى الله، لكنه يضاف الأشياء إليه مرة بالإجمال مرة جملة ومرة بالإشارة والإفراد، لكن ما أضاف إليه بالإشارة فهو على تعظيم ذلك الشيء، وما أضيف إليه [من] الأشياء بالإجمال والإرسال فهو على ذكر عظمته وكبريائه، كقوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ  ﴾ ونحوه [فيه ذكر سلطانه وعظمته، وقوله: بيت الله ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ ونحوه]، وهو يخرج على ذكر تعظيم البيت والمساجد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ أي: خلق السماوات والأرض وما فيهما للممتحن لم يخلق هذه الأشياء لأنفسها إنما خلقها للممتحن فيهما؛ كقوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ ؛ لأن خلقها لأنفسها [عبث؛ لأنها مخلوقة للفناء خاصة، فكل مخلوق للفناء خاصة فهو عبث؛ لذلك كان ما ذكر والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ ﴾ : هذا القول نفسه: ﴿ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ ﴾ ليس يقولون هذا سحر، ولكن إذا أخبرهم أنهم مبعوثون من بعد الموت، وأقام الحجج والبراهين على البعث فحينئذ قالوا لحجج البعث وبراهينه: ما هذا إلا سحر.

ويحتمل وجها: وهو أن يذكر سفههم أنهم اعتادوا نسبة كل شيء إلى السحر، حتى الأشياء التي لا تحتمل السحر وهو الإخبار؛ لأن السحر إنما يكون في تقليب الأشياء، وأما فيما يخبر عن شيء يكون فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ ﴾ قيل: إلى وقت معلوم وهو البعث، ذكر ﴿ أُمَّةٍ ﴾ - والله أعلم - لأنه وقت [به ينقضي] آجال الأمم جميعاً.

﴿ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ﴾ أي: كانوا يقولون: ما يحبس عنا العذاب الذي يعدنا لم تزل عادتهم استعجال العذاب استهزاء بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ﴾ : ذلك العذاب؛ إذا جاء لا يملك أحد صرفه عنهم؛ كقوله: ﴿ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ وَحَاقَ بِهِم ﴾ : قيل: نزل بهم، وقيل: لحق بهم ما كانوا به يستهزئون جزاء استهزائهم بالرسول والكتاب.

وقوله: ﴿ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ﴾ أي: لا يصرف عنهم بشفاعة من طمعوا بشفاعته؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  كَلاَّ  ﴾ أي: لا يكون ردّاً على ما طمعوا ورجوا لعبادتهم.

وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ونحو ذلك؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تشفع لهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهو سبحانه الَّذي خلق السماوات والأرض على عظمهما، وخلق ما فيهما في ستة أيام، وكان عرشه قبل خلقهما على الماء؛ ليختبركم -أيها الناس- أيكم أحسن عملًا بما يرضي الله، وأيكم أسوأ عملًا بما يسخطه، فيجازي كلًّا بما يستحقه، ولئن قلت -أيها الرسول-: إنكم -أيها الناس- مبعوثون بعد موتكم لتحاسبوا ليقولن الذين كفروا بالله وأنكروا البعث: ما هذا القرآن الَّذي تتلوه إلا سحر واضح، فهو باطل واضح البطلان.

<div class="verse-tafsir" id="91.oMxyO"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله