الآية ٧٩ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٧٩ من سورة هود

قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّۢ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ٧٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٩ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٩ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ) أي : إنك تعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتهيهن ، ( وإنك لتعلم ما نريد ) أي : ليس لنا غرض إلا في الذكور ، وأنت تعلم ذلك ، فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك ؟

قال السدي : ( وإنك لتعلم ما نريد ) إنما نريد الرجال .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال قوم لوط للوط: (لقد علمت) ، يا لوط (ما لنا في بناتك من حق) ، لأنهن لَسْنَ لنا أزواجًا، (34) كما:- 18385- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: (قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق) ، أي من أزواج ، (وإنك لتعلم ما نريد).

* * * وقوله: (وإنك لتعلم ما نريد) ، يقول: قالوا: وإنك يا لوط لتعلم أنَّ حاجتنا في غير بناتك، وأن الذي نُريد هو ما تنهانَا عنه.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* * * *ذكر من قال ذلك : 18386- حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط، عن السدي : (وإنك لتعلم ما نريد) ، إنا نريد الرجال.

18387- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (وإنك لتعلم ما نريد) ، أي : إن بغيتنا لغير ذلك.

فلما لم يتناهوا، ولم يردَّهم قوله، ولم يقبلوا منه شيئًا مما عرض عليهم من أمور بناته، قال : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ .

-------------------- (34) في المطبوعة والمخطوطة : " ليس لنا أزواجا " ، والصواب ما أثبت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق روي أن قوم لوط خطبوا بناته فردهم ، وكانت سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبدا ; فذلك قوله تعالى : قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وبعد ألا تكون هذه الخاصية .

فوجه الكلام أنه ليس لنا إلى بناتك تعلق ، ولا هن قصدنا ، ولا لنا عادة نطلب ذلك .وإنك لتعلم ما نريد إشارة إلى الأضياف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فـ { قَالُوا } له: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } أي: لا نريد إلا الرجال، ولا لنا رغبة في النساء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالوا لقد علمت ) يا لوط ، ( ما لنا في بناتك من حق ) أي : لسن أزواجا لنا فنستحقهن بالنكاح .

وقيل : معناه ما لنا فيهن من حاجة وشهوة .

( وإنك لتعلم ما نريد ) من إتيان الرجال .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق» حاجة «وإنك لتعلم ما نريد» من إتيان الرجال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال قوم لوط له: لقد علمتَ من قبلُ أنه ليس لنا في النساء من حاجة أو رغبة، وإنك لتعلم ما نريد، أي لا نريد إلا الرجال ولا رغبة لنا في نكاح النساء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ )أى : قال قوم لوط له بسفاهة ووقاحة : لقد علمت يا لوط علما لا شك معه ، أننا لا رغبة لنا فى النساء .

لا عن طريق الزواج ولا عن أى طريق آخر ، فالمراد بالحق هنا : الرغبة والشهوة .قال الشوكانى : قوله ( مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ) أى : ما لنا فيهن من شهوة ولا حاجة ، لأن من احتاج إلى شئ فكأنه حصل له فيه نوع حق ، ومعنى ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة على إتيان الذكور وشدة الشهوة إليهم ، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا حاجة لهم إلى النساء .ويمكن أن يريدوا : أنه لا حق لنا فى نكاحهن .

.

.وقولهك ( وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ) إشارة خبيثة منهم إلى العمل الخبيث الذى ألفوه ، وهو إتيان الذكور دون النساء أى : وإنك لتعلم علماً يقينيا الشئ الذي نريده فلماذا ترجعنا؟!وقولهم هذا الذى حكته الآية الكريمة عنهم ، يدل دلالة واضحة على أنهم قد بلغوا النهاية فى الخبث والوقاحة وتبلد الشعور .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه لما دخلت الملائكة دار لوط عليه السلام مضت امرأته عجوز السوء فقالت لقومه دخل دارنا قوم ما رأيت أحسن وجوهاً ولا أنظف ثياباً ولا أطيب رائحة منهم ﴿ فجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي يسرعون، وبين تعالى أن إسراعهم ربما كان لطلب العمل الخبيث بقوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ نقل أن القوم دخلوا دار لوط وأرادوا أن يدخلوا البيت الذي كان فيه جبريل عليه السلام، فوضع جبريل عليه السلام يده على الباب، فلم يطيقوا فتحه حتى كسروه، فمسح أعينهم بيده فعموا، فقالوا: يا لوط قد أدخلت علينا السحرة وأظهرت الفتنة.

ولأهل اللغة في ﴿ يُهْرَعُونَ ﴾ قولان: القول الأول: أن هذا من باب ما جاءت صيغة الفاعل فيه على لفظ المفعول ولا يعرف له فاعل نحو: أولع فلان في الأمر، وأرعد زيد، وزهى عمرو من الزهو.

والقول الثاني: أنه لا يجوز ورود الفاعل على لفظ المفعول، وهذه الأفعال حذف فاعلوها فتأويل أولع زيد أنه أولعه طبعه وأرعد الرجل أرعده غضبه وزهى عمرو معناه جعله ماله زاهياً وأهرع معناه أهرعه خوفه أو حرصه، واختلفوا أيضاً فقال بعضهم: الإهراع هو الإسراع مع الرعدة.

وقال آخرون: هو العدو الشديد.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمٌ هَؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ ففيه قولان: قال قتادة: المراد بناته لصلبه.

وقال مجاهد وسعيد بن جبير: المراد نساء أمته؛ لأنهن في أنفسهن بنات ولهن إضافة إليه بالمتابعة وقبول الدعوة.

قال أهل النحو: يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، لأنه كان نبياً لهم فكان كالأب لهم.

قال تعالى: ﴿ وأزواجه أمهاتهم  ﴾ وهو أب لهم وهذا القول عندي هو المختار، ويدل عليه وجوه: الأول: أن إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش والفجار أمر متبعد لا يليق بأهل المروءة فكيف بأكابر الأنبياء؟

الثاني: وهو أنه قال: ﴿ هَؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ فبناته اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم.

أما نساء أمته ففيهن كفاية للكل.

الثالث: أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان، وهما: زنتا، وزعوراً، وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة، فأما القائلون بالقول الأول فقد اتفقوا على أنه عليه السلام ما دعا القوم إلى الزنا بالنسوان بل المراد أنه دعاهم إلى التزوج بهن، وفيه قولان: أحدهما: أنه دعاهم إلى التزوج بهن بشرط أن يقدموا الإيمان.

والثاني: أنه كان يجوز تزويج المؤمنة من الكافر في شريعته، وهكذا كان في أول الإسلام بدليل أنه عليه السلام زوج ابنته زينب من أبي العاص بن الربيع وكان مشركاً وزوج ابنته من عتبة بن أبي لهب ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ  ﴾ وبقوله: ﴿ وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ  ﴾ واختلفوا أيضاً، فقال الأكثرون: كان له بنتان، وعلى هذا التقدير ذكر الاثنتين بلفظ الجمع، كما في قوله: ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ  ﴾ ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  ﴾ وقيل: إنهن كن أكثر من اثنتين.

أما قوله تعالى: ﴿ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: ظاهر قوله: ﴿ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ يقتضي كون العمل الذي يطلبونه طاهراً ومعلوم أنه فاسد ولأنه لا طهارة في نكاح الرجل، بل هذا جار مجرى قولنا: الله أكبر، والمراد أنه كبير ولقوله تعالى: ﴿ أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم  ﴾ ولاخير فيها ولما قال أبو سفيان: اعل أحداً واعل هبل قال النبي: «الله أعلى وأجل» ولامقاربة بين الله وبين الصنم.

المسألة الثانية: روي عن عبد الملك بن مروان والحسن وعيسى بن عمر أنهم قرؤا ﴿ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ بالنصب على الحال كما ذكرنا في قوله تعالى: ﴿ وهذا بَعْلِى شَيْخًا  ﴾ إلا أن أكثر النحويين اتفقوا على أنه خطأ قالوا لو قرئ ﴿ هَؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ ﴾ كان هذا نظير قوله: ﴿ وهذا بَعْلِى شَيْخًا ﴾ إلا أن كلمة هن قد وقعت في البين وذلك يمنع من جعل أطهر حالاً وطولوا فيه، ثم قال: ﴿ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو ونافع ولا تخزوني بإثبات الياء على الأصل، والباقون بحذفها للتخفيف ودلالة الكسر عليه.

المسألة الثانية: في لفظ ﴿ لا تخزوني ﴾ وجهان: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تفضحوني في أضيافي، يريد أنهم إذا هجموا على أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحة.

والثاني: لا تخزوني في ضيفي أي لا تخجلوني فيهم، لأن مضيف الضيف يلزمه الخجالة من كل فعل قبيح يوصل إلى الضيف يقال: خزي الرجل إذا استحيا.

المسألة الثالثة: الضيف هاهنا قائم مقام الأضياف، كما قام الطفل مقام الأطفال.

في قوله تعالى: ﴿ أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ  ﴾ ويجوز أن يكون الضيف مصدراً فيستغنى عن جمعه كما يقال: رجال صوم.

ثم قال: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ وفيه قولان: الأول: ﴿ رَّشِيدٌ ﴾ بمعنى مرشد أي يقول الحق ويرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي.

والثاني: رشيد بمعنى مرشد، والمعنى: أليس فيكم رجل أرشده الله تعالى إلى الصلاح.

وأسعده بالسداد والرشاد حتى يمنع عن هذا العمل القبيح، والأول أولى.

ثم قال تعالى: ﴿ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ ﴾ وفيه وجوه: الأول: مالنا في بناتك من حاجة ولا شهوة، والتقدير أن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق، فلهذا السبب جعل نفي الحق كناية عن نفي الحاجة.

الثاني: أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول: معناه إنهن لسن لنا بأزواج ولا حق لنا فيهن ألبتة.

ولا يميل أيضاً طبعنا إليهن فكيف قيامهن مقام العمل الذي نريده وهو إشارة إلى العمل الخبيث.

الثالث: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ ﴾ لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نجيبك إلى ذلك فلا يكون لنا فيهن حق.

ثم إنه تعالى حكى عن لوط أنه عند سماع هذا الكلام قال: ﴿ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: جواب لو محذوف لدلالة الكلام عليه والتقدير: لمنعتكم ولبالغت في دفعكم ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قرآنا سُيّرَتْ بِهِ الجبال  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار  ﴾ قال الواحدي وحذف الجواب هاهنا لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من المنع والدفع.

المسألة الثانية: ﴿ لَوْ أَنَّ بِكُمْ قُوَّةً ﴾ أي لو أن لي ما أتقوى به عليكم وتسمية موجب القوة بالقوة جائز قال الله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ وَمِن رّبَاطِ الخيل  ﴾ والمراد السلاح، وقال آخرون القدرة على دفعهم، وقوله: ﴿ أَوْ آوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ المراد منه الموضع الحصين المنيع تشبيهاً له بالركن الشديد من الجبل.

فإن قيل: ما الوجه هاهنا في عطف الفعل على الاسم؟

قلنا: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ أَوْ آوِى ﴾ بالنصب بإضمار أن، كأنه قيل لو أن لي بكم قوة أو آوياً.

واعلم أن قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ لابد من حمل كل واحد من هذين الكلامين على فائدة مستقلة، وفيه وجوه: الأول: المراد بقوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً ﴾ كونه بنفسه قادراً على الدفع وكونه متمكناً إما بنفسه وإما بمعاونة غيره على قهرهم وتأديبهم، والمراد بقوله: ﴿ أَوْ آوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ هو أن لا يكون له قدرة على الدفع لكنه يقدر على التحصن بحصن ليأمن من شرهم بواسطته.

الثالث: أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمنى حصول قوة قوية على الدفع، ثم استدرك على نفسه وقال: بلى الأولى أن آوى إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله تعالى، وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ كلام منفصل عما قبله ولا تعلق له به، وبهذا الطريق لا يلزم عطف الفعل على الاسم، ولذلك قال النبي عليه السلام: «رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُهْرَعُونَ ﴾ يسرعون كأنما يدفعون دفعاً ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش ويكثرونها، فضروا بها ومرنوا عليها وقل عندهم استقباحها، فلذلك جاؤا يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء.

وقيل معناه: وقد عرف لوط عادتهم في عمل الفواحش قبل ذلك ﴿ هؤلاءآء بَنَاتِى ﴾ أراد أن يقي أضيافه ببناته، وذلك غاية الكرم، وأراد: هؤلاء بناتي فتزوّجوهنّ وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزاً، كما زوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن وائل قبل الوحي وهما كافران وقيل كان لهم سيدان مطاعان، فأراد أن يزوجهما ابنتيه وقرأ ابن مروان ﴿ هنّ أطهر لكم ﴾ بالنصب، وضعفه سيبويه وقال: احتبى ابن مروان في لحنه.

وعن أبي عمرو بن العلاء: من قرأ ﴿ هُنَّ أَطْهَرُ ﴾ بالنصب فقد تربع في لحنه، وذلك أنّ انتصابه على أن يجعل حالا قد عمل فيها ما في هؤلاء من معنى الفعل، كقوله: ﴿ هذا بَعْلِى شَيْخًا ﴾ [هود: 72] أو ينصب هؤلاء بفعل مضمر، كأنه قيل: خذوا هؤلاء، وبناتي: بدل، ويعمل هذا المضمر في الحال، و ﴿ هنّ ﴾ فصل، وهذا لا يجوز لأنّ الفصل مختص بالوقوع بين جزأي الجملة، ولا يقع بين الحال وذي الحال، وقد خرّج له وجه لا يكون ﴿ هؤلاء ﴾ فيه فصلا، وذلك أن يكون هؤلاء مبتدأ و ﴿ بَنَاتِى هُنَّ ﴾ جملة في موضع خبر المبتدأ، كقولك: هذا أخي هو، ويكون ﴿ أَطْهَرُ ﴾ حالاً ﴿ فاتقوا الله ﴾ بإيثارهن عليهم ﴿ وَلاَ تخزوني ﴾ ولا تهينوني ولا تفضحوني، من الخزي، أو ولا تخجلوني، من الخزاية وهي الحياء ﴿ فِى ضَيْفِى ﴾ في حق ضيوفي فإنه إذا خزى ضيف الرجل أو جاره فقد خزى الرجل، وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ رجل واحد يهتدي إلى سبيل الحق وفعل الجميل، والكف عن السوء.

وقرئ: ﴿ ولا تخزون ﴾ بطرح الياء.

ويجوز أن يكون عرض البنات عليهم مبالغة في تواضعه لهم وإظهاراً لشدّة امتعاضه مما أوردوا عليه، طمعاً في أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك، فيتركوا له ضيوفه مع ظهور الأمر واستقرار العلم عنده وعندهم أن لا مناكحة بينه وبينهم، ومن ثمّ ﴿ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ ﴾ مستشهدين بعلمه ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ ﴾ لأنك لا ترى مناكحتنا، وما هو إلا عرض سابري.

وقيل: لما تخذوا إتيان الذكران مذهباً وديناً لتواطؤهم عليه، كان عندهم أنه هو الحق، وأنّ نكاح الإناث من الباطل، فلذلك قالوا: ما لنا في بناتك من حق قط؛ لأنّ نكاح الإناث أمر خارج من مذهبنا الذي نحن عليه.

ويجوز أن يقولوه على وجه الخلاعة، والغرض نفي الشهوة ﴿ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ عنوا إتيان الذكور وما لهم فيه من الشهوة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ ﴾ مِن حاجَةٍ ﴿ وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ﴾ وهو إتْيانُ الذُّكْرانِ.

﴿ قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً ﴾ لَوْ قَوِيتُ بِنَفْسِي عَلى دَفْعِكم.

﴿ أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ إلى قَوِيٍّ أتَمَنَّعُ بِهِ عَنْكم.

شَبَّهَهُ بِرُكْنِ الجَبَلِ في شِدَّتِهِ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «رَحِمَ اللَّهُ أخِي لُوطًا كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» .

وَقُرِئَ « أوْ آوِيَ» بِالنَّصْبِ بِإضْمارٍ أنْ كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ أوْيًا وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَدَفَعْتُكم.

رُوِيَ أنَّهُ أغْلَقَ بابَهُ دُونَ أضْيافِهِ وأخَذَ يُجادِلُهم مِن وراءِ البابِ فَتَسَوَّرُوا الجِدارَ، فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ ما عَلى لُوطٍ مِنَ الكَرْبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

حاجة لأن نكاح الإناث أمر خارج عن مذهبنا فمذهبنا إتيان الذكران {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} عنوا إتيان الذكور ومالهم فيه من الشهوة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا ﴾ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى والنَّهْيِ عَنِ الإخْزاءِ عَنْ أوَّلِ كَلامِهِ ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ ﴾ أيْ حَقٍّ وهو واحِدُ الحُقُوقِ، وعَنَوْا بِهِ قَضاءَ الشَّهْوَةَ أيْ ما لَنا حاجَةٌ في بَناتِكِ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِما يُخالِفُ الباطِلَ أيْ ما لَنا في بَناتِكَ نِكاحُ حَقٍّ لِأنَّكَ لا تَرى جَوازَ نِكاحِنا لِلْمُسْلِماتِ، وما هو إلّا عَرْضٌ سابِرِيٌّ كَذا قِيلَ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ كانَ مِن شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمُ حِلِّ نِكاحِ الكافِرِ المُسْلِمَةَ.

وقِيلَ: إنَّما نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهم حَقٌّ في بَناتِهِ لِأنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوهُنَّ فَرَدَّهم وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم لَمّا اتَّخَذُوا إتْيانَ الذُّكُورِ مَذْهَبًا كانَ عِنْدَهم هو الحَقُّ وأنَّ نِكاحَ الإناثِ مِنَ الباطِلِ فَقالُوا ما قالُوا، وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ لِأنَّ عادَتَهم كانَتْ أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ مِنهم إلّا واحِدَةً وكانُوا كُلُّهم مُتَزَوِّجِينَ ﴿ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ﴾ أيْ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ، والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَفْعُولٌ لِتَعْلَمَ، وهو بِمَعْنى تَعْرِفُ، وهي مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي نُرِيدُهُ، وقِيلَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ فَلا حَذْفَ أيْ إرادَتِنا.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وقَعَتْ مَفْعُولًا -لِنُرِيدُ- وهي حِينَئِذٍ مُعَلَّقَةٌ -لِتَعْلَمَ- ولِما يَئِسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنِ ارْعِوائِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ يقول: ساءه مجيئهم، وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً يعني: صدره اغتماماً، ومخافة عليهم، لا يدري أيأمرهم بالرجوع أم بالنزول؟

وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ يعني: شديد.

ثم قال لامرأته: ويحك، قومي واخبزي ولا تعلمي أحداً.

وكانت امرأته كافرة منافقة، فانطلقت تطلب بعض حاجاتها، وجعلت لا تدخل على أحد إلا أعلمته، وتقول: إن عندنا قوماً من هيئتهم كذا وكذا.

فلما علموا بذلك، جاءوا إلى باب لوط  ، فذلك قوله تعالى: وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ يعني: يسرعون إليه، وهو مشيء بين المشيتين، ويقال: يدفعون إليه دفعاً، ويقال يشتدون إليه شداً، وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني: من قبل أن يبعث إليهم لوط، ويقال: من قبل إتيان الرسل، كانوا يعملون الفواحش، وهي اللواطة والكفر، فلما أرادوا الدخول، قالَ لهم لوط: يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ أي: أحل لكم من ذلك، وكان لوط يناظرهم، ويقول: هن أطهر لكم، وكان جبريل مع أحد عشر من الملائكة، وكسروا الباب، فضرب أعينهم.

قال الضحاك: هؤُلاءِ بَناتِي عرض عليهم بنات قومه.

وقال قتادة: أمرهم لوط أن يتزوجوا النساء، وقال: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ولم يعرض عليهم بناته.

وروى سفيان عن ليث، عن مجاهد، قال: لم يكنَّ بناته، ولكن كُنَّ من أمته، وكل نبي هو أب أمته.

وروي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: 6] وهو أب لهم، وهي قراءة أبي بن كعب.

وهكذا قال سعيد بن جبير: إنه أراد بنات أمته.

ويقال: إن رؤساءهم كانوا خطبوا بناته وكان يأبى، فقال لهم: إني أزوجكم بناتي، هنّ أطهر لكم من الحرام، وكان النكاح بين الكافر والمسلم جائزا.

ثم قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي يقول: لا تفضحوني في أضيافي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يعني: مرشداً صالحاً يزجركم عن هذا الأمر.

ويقال: رجل عاقل، ويقال: رجل على الحق يستحي مني.

قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ يعني: من حاجة، يقولون: ما لنا في النساء من حاجة وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ إنما نريد الأضياف ف قالَ لوط: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً يعني: منعة بالولد أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، أي: أرجع إلى عشيرة كبيرة، يعني: لو كانت لي عشيرة ومنعة لمنعتكم مما تريدون.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «رَحِمَ اللَّهُ أخي لُوطاً لَقَدْ أَوَى إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ» (١) قرأ ابن كثير، ونافع: فَأَسْرِ بجزم الألف، وقرأ الباقون: فَأَسْرِ بقطع الألف ومعناهما واحد، يقال: سريت وأسريت، إذا سرت بالليل.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو إِلَّا امْرَأَتَكَ بضم التاء، وقرأ الباقون بالنصب.

فمن قرأ بالنصب، انصرف إلى الإسراء، يعني: أسر بأهلك إلا امرأتَكَ، على معنى الاستثناء وفي قراءة ابن مسعود: فاسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتَكَ.

ومن قرأ بالضم، فهو ظاهر، يعني: أنها تتخلف مع الهالكين.

وقال لوط لجبريل  : إن أبواب المدينة قد أُغلقت، فجمع لوط أهله وابنتيه ريثا وزعورا، فحمل جبريل لوطاً وابنتيه وماله على جناحه إلى مدينة زغر، وهي إحدى مدائن لوط، وهي خمس مدائن، وهي على أربعة فراسخ من سدوما، ولم يكونوا على مثل عملهم.

فقال له جبريل إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ يعني: وقت هلاكهم وقت الصبح.

فقال لوط: يا جبريل، الآن عجل هلاكهم.

فقال له جبريل: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فلما كان وقت الصبح، أدخل جبريل جناحه تحت أرض المدائن الأربعة، فاقتلعها من الماء الأسود، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديك.

ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، فأقبلت تهوي من السماء إلى الارض فذلك قوله: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً.

قال وهب بن منبه: لما رفعت إلى السماء، أمطر الله عليهم حجارة الكبريت والنار، ثم قلبت.

وقال مقاتل: أمطر على أهلها من كان خارجاً من المدائن الأربعة، حجارة مِنْ سِجِّيلٍ يعني: من طين مطبوخ، كما يطبخ الآجر، مَنْضُودٍ يعني: متتابعا بعضه على إثر بعض.

وقال مجاهد: سِجِّيلٍ بالفارسية: سنج وجك، كقوله: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ [الذاريات: 33] وروي عن ابن عباس، في بعض الروايات، قال: «سنك وكل» .

وقال أبو عبيدة: السجيل: الشديد، مَنْضُودٍ أي ملتزق بالحجارة.

مُسَوَّمَةً قال الفراء: مخططة بالحمرة والسواد.

وقال أبو عبيدة: مُسَوَّمَةً، أي: معلمة.

ويقال: مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يصيبه.

ويقال: مختمة.

وقال وكيع: رفع إلي حجر من تلك الحجارة المختمة بطرسوس.

ثم قال: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ يعني: من قوم لوط  ويقال: هذا تهديد لأهل مكة، وغيرهم من المشركين.

فقال: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ لكيلا يعملوا مثل عملهم.

ويقال: ما هن من الظالمين ببعيد.

قريات لوط ليست ببعيدة من أهل مكة، فأمرهم بأن يعتبروا بها.

وقال الزجاج: سِجِّيلٍ، يعني: ما كتب لهم أن يعذبوا به.

ويقال: سِجِّيلٍ من سجلته، يعني: أرسلته، ومعناه: حجارة مرسلة عليهم، ويقال: كثيرة شديدة.

(١) حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (3375) و (3387) و (6992) ومسلم (151) (238) وأحمد: 2/ 322 والترمذي (3116) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)

وقوله سبحانه: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً: الرسُل هنا: الملائكة أضيافُ إِبراهيم.

قال المهدويُّ: والرسُلُ هنا: جبريلُ وميكائيلُ وإِسرافيلُ، ذكره جماعة من المفسِّرين.

انتهى، واللَّه أعلم بتعيينهم، فإِن صحَّ في ذلك حديثٌ، صِيَر إِليه، وإِلا فالواجبُ الوقف، وسِيءَ بِهِمْ أي: أصابهُ سُوءٌ، و «الذَّرْع» : مصدرٌ مأخوذٌ من الذِّراع، ولما كان الذراعُ موضعَ قُوَّةِ الإِنسان، قيل في الأمر الذي لا طَاقَةَ له به: ضَاقَ بِهَذَا الأمْرِ ذِرَاعُ فُلاَنٍ، وذَرْعُ فلانٍ، أيْ: حيلته بذراعِهِ، وتوسَّعوا في هذا حتَّى قلبوه، فقالوا: فلانٌ رَحْبُ الذّراع، إذا وصفوه باتساع القدرة، وعَصِيبٌ: بناء اسم فاعل، معناه: يعصب

النَّاسَ بالشرِّ، فهو من العِصَابة، ثم كَثُر وصفهم لليَوْمِ بعصيبٍ ومنه: [الوافر] وَقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ «١» وبالجملة ف «عصيب» : في موضع شديد وصعب الوطأة، ويُهْرَعُونَ معناه:

يُسْرِعون، وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ: كَانت عادتهم إِتيان الفاحشة في الرجال.

وقوله: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ: يعني: بالتزويجِ، وقولهم: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ: إِشارة إِلى الأضيافِ، فلما رأَى لوطٌ استمرارهم في غَيِّهم، قال: على جهة التفجُّع والاستكانة: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً.

قال ع «٢» : «لَوْ أنَّ» : جوابها محذوفٌ، أي: لَفَعَلْتُ كذا وكذا، ويروَى أنَّ الملائكةَ وَجَدَتْ عليه حين قال هذه الكلماتِ، وقالوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطاً لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ «٣» فَالْعَجَبُ مِنْهُ لما استكان» .

قال ع «٤» : وإِنما خشي لوطٌ عليه السلام أنْ يمهل اللَّهُ أولئك العِصَابَةَ حتى يَعْصُوهُ في الأضيافِ، كما أمهلهم فيما قَبْلَ ذلك، ثم إِن جبريل عليه السلام ضَرَبَ القوم بجَنَاحِهِ، فطمس أعينهم، ثم أمروا لوطاً بالسُّرَى، وأعلموه بأنَّ العذاب نازلٌ بالقوم، فقال لهم لوطٌ: فَعَذِّبوهم السَّاعة، فقالوا له: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ، أي: بهذا أمَرَ اللَّه، ثم آنسُوه في قَلَقِهِ بقولهم: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ، و «القِطْع» : القطعة من الليل.

قال ص: إِلَّا امْرَأَتَكَ: ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو بالرفع، والباقون بالنَّصْبِ «٥» ، فقيل: كلاهما استثناءٌ من أَحَدٌ، وقيل: النصب على الاستثناء من بِأَهْلِكَ انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ نَحْوَ قَرْيَةِ لُوطٍ، فَأتَوْها عِشاءً.

وقالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أتَوْها نِصْفَ النَّهارِ، فَلَمّا بَلَغُوا نَهْرَ سَدُومَ، لَقُوا بِنْتَ لُوطٍ تَسْتَقِي الماءَ لِأهْلِها، فَقالُوا لَها: ياجارِيَةُ، هَلْ مِن مَنزِلٍ ؟

قالَتْ: نَعَمْ، مَكانَكم لا تَدْخُلُوا حَتّى آتِيَكم فَرَقًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِها، فَأتَتْ أباها، فَقالَتْ: يا أبَتاهُ، أدْرِكْ فِتْيانًا عَلى بابِ المَدِينَةِ ما رَأيْتُ وُجُوهَ قَوْمٍ هي أحْسَنُ مِنهم، لا يَأْخُذْهم قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهم؛ وقَدْ كانَ قَوْمُهُ نَهَوْهُ أنْ يُضِيفَ رَجُلًا؛ فَجاءَ بِهِمْ، ولَمْ يُعْلِمْ بِهِمْ أحَدًا إلّا أهْلَ بَيْتِ لُوطٍ؛ فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ فَأخْبَرَتْ قَوْمَها، فَجاؤُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِيءَ بِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ساءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ساءَهُ مَجِيءُ الرُّسُلِ، لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهم، وأشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ " سِيءَ بِهِمْ " سُوِئَ بِهِمْ، مِنَ السُّوءِ، إلّا أنَّ الواوَ أُسْكِنَتْ ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى السِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ.

قالَ الفَرّاءُ: الأصْلُ فِيهِ: وضاقَ ذَرْعُهُ بِهِمْ، فَنَقَلَ الفِعْلَ عَنِ الذَّرْعِ إلى ضَمِير لُوطٍ، ونُصِبَ الذَّرْعُ بِتَحَوُّلِ الفِعْلِ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا  ﴾ ومَعْناهُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ الرَّأْسِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضاقَ فُلانٌ بِأمْرِهِ ذَرْعًا: إذا لَمْ يَجِدْ مِنَ المَكْرُوهِ في ذَلِكَ الأمْرِ مُخَلِّصًا.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيهِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: وقَعَ بِهِ مَكْرُوهٌ عَظِيمٌ يَصِلُ إلى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ؛ فالذَّرْعُ كِنايَةٌ عَنْ هَذا المَعْنى.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ضاقَ صَبْرُهُ وعَظُمَ المَكْرُوهُ عَلَيْهِ؛ وأصْلُهُ مِن ذَرَعَ فُلانًا القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وسَبَقَهُ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: ضاقَ بِهِمْ وُسْعُهُ، فَنابَ الذَّرْعُ والذِّراعُ عَنِ الوُسْعِ، لِأنَّ الذِّراعَ مِنَ اليَدِ، والعَرَبُ تَقُولُ: لَيْسَ هَذا في يَدِي، يَعْنُونَ: لَيْسَ هَذا في وُسْعِي؛ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا أنَّهم يَجْعَلُونَ الذِّراعَ في مَوْضِعِ الذَّرْعِ، فَيَقُولُونَ: ضِقْتُ بِهَذا الأمْرِ ذِراعًا، قالَ الشّاعِرُ: إلَيْكَ إلَيْكَ ضاقَ بِهِمْ ذِراعًا فَأمّا العَصِيبُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَصِيبُ: الشَّدِيدُ الَّذِي يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، وأنْشَدَ: يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الأبْطالا ∗∗∗ عَصَبَ القَوِيِّ السَّلَمَ الطِّوالا وَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ يَوْمٌ عَصِيبٌ، ويَوْمٌ عَصَبْصَبٌ: إذا كانَ شَدِيدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: " يُهْرَعُونَ " يُسْرِعُونَ.

وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الإهْراعُ شَبِيهٌ بِالرِّعْدَةِ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ: إذا أسْرَعَ، عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، كَما يُقالُ: أُرْعِدَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ الإهْراعُ فِعْلٌ واقِعٌ بِالقَوْمِ وهو لَهم في المَعْنى، كَما قالَتِ العَرَبُ: قَدْ أُوْلِعَ الرَّجُلُ بِالأمْرِ، فَجَعَلُوهُ مَفْعُولًا، وهو صاحِبُ الفِعْلِ، ومِثْلُهُ أُرْعِدَ زَيْد، وسُهِيَ عَمْرٌو مِنَ السَّهْوِ، كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأفاعِيلِ خَرَجَ الِاسْمُ مَعَهُ مُقَدَّرًا تَقْدِيرَ المَفْعُولِ، وهو صاحِبُ الفِعْلِ لا يُعْرَفُ لَهُ فاعِلٌ غَيْرُهُ.

قالَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: لا يَجُوزُ لِلْفِعْلِ أنْ يُجْعَلَ فاعِلُهُ مَفْعُولًا، وهَذِهِ الأفْعالُ المَذْكُورَةُ فاعِلُوها مَحْذُوفُونَ، وتَأْوِيلُ " أُوْلِعَ زَيْدٌ ": أوْلَعَهُ طَبْعُهُ وجِبِلَّتُهُ، و " أُرْعِدَ الرَّجُلُ ": أرْعَدَهُ غَضَبُهُ، و " سُهِيَ عَمْرٌو " جَعْلَهُ ساهِيًا مالُهُ أوْ جَهْلُهُ، و " أُهْرِعَ " مَعْناهُ: أهَرَعَهُ خَوْفُهُ ورُعْبُهُ، فَلِهَذِهِ العِلَّةِ خَرَّجَ هَؤُلاءِ الأسْماءَ مَخْرَجَ المَفْعُولِ بِهِ.

قالَ: وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعَ المَذْعُورِ الخائِفِ؛ لا يُقالُ لِكُلِّ مُسْرِعٍ: مُهْرَعٌ حَتّى يَنْضَمَّ إلى إسْراعِهِ جَزَعٌ وذُعْرٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ إهْراعِهِمْ، أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أخْبَرَتْهم بِالأضْيافِ.

﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أيْ: ومِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إلى لُوطٍ ﴿ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ يَعْنِي فِعْلَهُمُ المُنْكَرُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ هَؤُلاءِ بَناتِي ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ بَناتُهُ لِصُلْبِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جَمَعَ، وقَدْ كُنَّ اثْنَتَيْنِ ؟

فالجَوابُ أنَّهُ قَدْ يَقَعُ الجَمْعُ عَلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ عَنى نِساءَ أُمَّتِهِ، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِمُ التَّزْوِيجَ، أوْ أمَرَهم أنْ يَكْتَفُوا بِنِسائِهِمْ، وهَذا مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَرَضَ تَزْوِيجَ المُؤْمِناتِ عَلى الكافِرِينَ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ كانَ يَجُوزُ ذَلِكَ في شَرِيعَتِهِ، وكانَ جائِزًا في صَدْرِ الإسْلامِ حَتّى نُسِخَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِ إسْلامِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّ عَرْضَهُنَّ عَلَيْهِمْ مَوْقُوفٌ عَلى عَقْدِ النِّكاحِ، فَجازَ أنْ يَقِفَ عَلى شَرْطٍ آخَرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هُنَّ أحَلَّ مِن إتْيانِ الرِّجالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اتَّقُوا عُقُوبَتَهُ.

والثّانِي: اتَّقُوا مَعْصِيَتَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ﴾ حَرَّكَ ياءَ " ضَيْفِي " أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ.

وفي مَعْنى هَذا الخِزْيِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفَضِيحَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الِاسْتِحْياءُ، والمَعْنى: لا تَفْعَلُوا بِأضْيافِي فِعْلًا يَلْزَمُنِي الِاسْتِحْياءُ مِنهُ، لِأنَّ المُضِيفَ يَلْزَمُهُ الِاسْتِحْياءُ مِن كُلِّ فِعْلٍ يَصِلُ إلى ضَيْفِهِ.

والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزى خِزايَةً: إذا اسْتَحْيى، قالَ الشّاعِرُ: مِنَ البَيْضِ لا تَخْزى إذا الرِّيحُ ألْصَقَتْ ∗∗∗ بِها مِرْطَها أوْ زايَلَ الحَلْيُ جِيدَها والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى الهَلاكِ، لِأنَّ المَعَرَّةَ الَّتِي تَقَعُ بِالمُضِيفِ في هَذِهِ الحالِ تَلْزَمُهُ هَلْكَةً، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والضَّيْفُ هاهُنا: بِمَعْنى الأضْيافِ، والواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ، كَما تَقُولُ: هَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ في المُرادِ بِالرَّشِيدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُؤْمِنُ.

والثّانِي: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ والنّاهِي عَنِ المُنْكَرِ.

رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّشِيدُ بِمَعْنى المُرْشِدِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ألَيْسَ مِنكم مُرْشِدٌ يَعِظُكم ويُعَرِّفُكم قَبِيحَ ماتَأْتُونَ ؟

فَيَكُونُ الرَّشِيدُ مِن صِفَةِ الفاعِلِ، كالعَلِيمِ، والشَّهِيدِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّشِيدُ بِمَعْنى المُرْشِدِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ قَدْ أسْعَدَهُ اللَّهُ بِما مَنَحَهُ مِنَ الرَّشادِ يَصْرِفُكم عَنْ إتْيانِ هَذِهِ المَعَرَّةِ ؟

فَيَجْرِي رَشِيدٌ مَجْرى مَفْعُولٍ، كالكِتابِ الحَكِيمِ بِمَعْنى المُحْكَمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مالَنا فِيهِنَّ حاجَةٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَسْنَ لَنا بِأزْواجٍ فَنَسْتَحِقَّهُنَّ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ﴾ قالَ عَطاءٌ: وإنَّكَ لَتَعَلَمُ أنّا نُرِيدُ الرِّجالَ لا النِّساءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً ﴾ أيْ: جَماعَةً أقْوى بِهِمْ عَلَيْكم، وقِيلَ: أرادَ بِالقُوَّةِ البَطْشَ.

﴿ أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ أيْ: أنْضَمُّ إلى عَشِيرَةٍ وشِيعَةٍ تَمْنَعُنِي.

وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: لَحُلْتُ بَيْنَكم وبَيْنَ المَعْصِيَةِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ: " آوِي " مِن قَوْلِهِمْ: أوَيْتُ إلَيْكَ، فَأنا آوِي أُوِيًّا، والمَعْنى: صِرْتُ إلَيْكَ وانْضَمَمْتُ.

ومَجازُ الرُّكْنِ هاهُنا: العَشِيرَةُ العَزِيزَةُ الكَثِيرَةُ المَنِيعَةُ، وأنْشَدَ: يَأْوِي إلى رُكْنٍ مِنَ الأرْكانِ ∗∗∗ في عَدَدٍ طَيْسٍ ومَجْدٍ بانِي والطَّيْسُ: الكَثِيرُ يُقالُ أتانا لَبَنٌ طَيْسٌ وشَرابٌ طَيْسٌ أيْ: كَثِيرٌ.

واخْتَلَفُوا أيَّ وقْتٍ قالَ هَذا لُوطُ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ لُوطًا كانَ قَدْ أغْلَقَ بابَهُ والمَلائِكَةُ مَعَهُ في الدّارِ، وهو يُناظِرُهم ويُناشِدُهم وراءَ البابِ، وهم يُعالِجُونَ البابَ ويَرُومُونَ تَسَوُّرَ الجِدارِ؛ فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ ما يَلْقى مِنَ الكَرْبِ، قالُوا: يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ فافْتَحِ البابَ ودَعْنا وإيّاهم؛ فَفَتَحَ البابَ فَدَخَلُوا، واسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ رَبَّهُ في عُقُوبَتِهِمْ، فَأذِنَ لَهُ، فَضَرَبَ بِجَناحِهِ وُجُوهَهم فَأعْماهم، فانْصَرَفُوا يَقُولُونَ: النَّجاءُ النَّجاءُ، فَإنَّ في بَيْتِ لُوطٍ أسْحَرَ قَوْمٍ في الأرْضِ؛ وجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا لُوطُ، كَما أنْتَ حَتّى تُصْبِحَ، يُوعِدُونَهُ؛ فَقالَ لَهم لُوطٌ: مَتى مَوْعِدُ هَلاكِهِمْ ؟

قالُوا: الصُّبْحُ، قالَ: لَوْ أهْلَكْتُمُوهُمُ الآنَ، فَقالُوا: ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ؟

وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهم لَمّا تَواعَدُوهُ، قالَ في نَفْسِهِ: يَنْطَلِقُ هَؤُلاءِ القَوْمُ غَدًا مِن عِنْدِي، وأبْقى مَعَ هَؤُلاءِ فَيُهْلِكُونِي، فَقالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً.

قُلْتُ: وإنَّما يَتَوَجَّهُ هَذا إذا قُلْنا: إنَّهُ كانَ قَبْلَ عِلْمِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ إنَّما قالَ هَذا لَمّا كَسَرُوا بابَهُ وهَجَمُوا عَلَيْهِ.

وقالَ آخَرُونَ: لَمّا نَهاهم عَنْ أضْيافِهِ فَأبَوْا قالَ هَذا.

وَفِي الجُمْلَةِ، ما أرادَ بِالرُّكْنِ نَصْرَ اللَّهِ وعَوْنَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِن ذَلِكَ، وإنَّما ذَهَبَ إلى العَشِيرَةِ والأُسْرَةِ.

وَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «رَحِمَ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَهُ إلّا في ثَرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ» " قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: فِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِسُوءٍ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِلُوطٍ: إنّا نَرى مَعَكَ رِجالًا سَحَرُوا أبْصارَنا، فَسَتَعْلَمُ غَدًا ما تَلْقى أنْتَ وأهْلَكَ؛ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ﴿ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " فَأسْرِ " بِإثْباتِ الهَمْزِ في اللَّفْظِ مَن أسْرَيْتُ.

وقَرْأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ " فاسْرِ بِأهْلِكَ " بِغَيْرِ هَمْزٍ مِن سَرَيْتُ، وهُما لُغَتانِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: سَرَيْتُ، وأسْرَيْتُ إذا سِرْتَ لَيْلًا، قالَ الشّاعِرُ: سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ وَقالَ النّابِغَةُ: أسَرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزاءِ سارِيَةٌ ∗∗∗ تُزْجِي الشَّمالَ عَلَيْهِ جامِدَ البَرَدِ وَقَدْ رَوَوْهُ: سَرَتْ.

فَأمّا أهْلُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ امْرَأتُهُ وابْنَتاهُ، واسْمٌ ابْنَتَيْهِ: رُبْثا وزُعَرَثا.

وقالَ السُّدِّيُّ: اسْمُ الكُبْرى: رَيَّةُ، واسْم ُالصُّغْرى: عَرُوبَةُ، والمُرادُ بِأهْلِهِ: ابْنَتاهُ.

فَأمّا القِطْعُ، فَهو بِمَعْنى القِطْعَةِ؛ يُقالُ: مَضى قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ، أيْ: قِطْعَةٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِهِ: آخِرَ اللَّيْلِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " بِقِطْعٍ " أيْ: بِبَقِيَّةٍ تَبْقى مِن آخِرِهِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ذِكْرُ القِطْعِ بِمَعْنى القِطْعَةِ مُخْتَصٌّ بِاللَّيْلِ، ولا يُقالُ: عِنْدِي قِطْعٌ مِنَ الثَّوْبِ، بِمَعْنى: عِنْدِي قِطْعَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: لا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الِالتِفاتُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا امْرَأتَكَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِنَصْبِ التّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ جَمّازٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِرَفْعِ التّاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، فالمَعْنى: فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ.

ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ حَمَلَهُ، عَلى ﴿ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ ﴾ .

وإنَّما أُمِرُوا بِتَرْكِ الِالتِفاتِ لِئَلّا يَرَوْا عَظِيمَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.

قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، مَعْناهُ: لَكِنِ امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَلْتَفِتُ فَيُصِيبُها ما أصابَهم؛ فَإذا كانَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، كانَ التِفاتُها مَعْصِيَةً لِرَبِّها، لِأنَّهُ نَدَبَ إلى تَرْكِ الِالتِفاتِ.

قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّها كانَتْ مَعَ لُوطٍ حِينَ خَرَجَ مِنَ القَرْيَةِ، فَلَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ، التَفَتَتْ فَقالَتْ: واقَوْماهُ، فَأصابَها حَجَرٌ فَأهْلَكَها، وهو قَوْلُهُ: ﴿ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ ﴾ لِلْعَذابِ ﴿ الصُّبْحُ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: قالَتِ المَلائِكَةُ: " إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ " فَقالَ: أُرِيدُ أعْجَلَ مِن ذَلِكَ، فَقالُوا لَهُ: ﴿ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ ؟

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ ﴿ وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ ﴿ قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ﴾ ﴿ قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ "الرُسُلُ" هُنا هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا أضْيافَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا إلى بَلَدِ لُوطٍ- وبَيْنَهُ وبَيْنَ قَرْيَةِ إبْراهِيمَ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ- وصَلُوهُ، فَقِيلَ: وجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ، وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ- وهي أكْبَرُ حَواضِرِ قَوْمِ لُوطٍ- فَسَألُوها الدَلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهُمْ، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ، وقالَتْ لَهُمْ: مَكانَكم وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالُوا لَهُ: نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَيْلَةَ، فَقالَ لَهُمْ: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؟

فَقالُوا وما عَمَلُهُمْ؟

فَقالَ أشْهَدُ بِاللهِ لَهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ وقَدْ كانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ لُوطٌ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ لِأصْحابِهِ: هَذِهِ واحِدَةٌ وتَرَدَّدَ القَوْلُ بَيْنَهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ بِهِمُ المَدِينَةَ وحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ أيْ أصابَهُ سُوءٌ.

وسِيءَ فِعْلٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، و"الذَرْعُ": مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الذِراعِ، ولَمّا كانَ الذِراعُ مَوْضِعَ قُوَّةِ الإنْسانِ قِيلَ: في الأمْرِ الَّذِي لا طاقَةَ لَهُ بِهِ: ضاقَ بِهَذا الأمْرِ ذِراعُ فُلانٍ، وذَرْعُ فُلانٍ، أيْ حِيلَتِهِ بِذِراعِهِ، وتَوَسَّعُوا في هَذا حَتّى قَلَبُوهُ فَقالُوا: فُلانٌ رَحْبُ الذِراعِ، إذا وصَفُوهُ بِاتِّساعِ القُدْرَةِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يا سَيِّدُ ما أنْتَ مِن سَيِّدٍ ∗∗∗ مُوَطَّأ الأكْنافِ رَحْبَ الذِراعِ وقَوْلُهُ: هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ أشارَ بِهِ إلى ما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ واحْتِياجِهِ إلى المُدافَعَةِ مَعَ ضَعْفِهِ عنها، وعَصِيبٌ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ مَعْناهُ: يَعْصِبُ الناسَ بِالشَرِّ كَما يَعْصِبُ الخابِطُ السَلَمَةَ إذا أرادَ خَبْطَها ونَفْضَ ورَقِها، ومِنهُ قَوْلُ الحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ: ولَأعْصِبَنَّكم عَصَبَ السَلَمَةِ، فَهو مِنَ العِصابَةِ ثُمَّ كَثُرَ وصْفُهُمُ اليَوْمَ بِعَصِيبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ، وهو عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: فَإنَّكَ إلّا تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ فَ "عَصِيبٌ" - بِالجُمْلَةِ- في مَوْضِعِ شَدِيدٍ وصَعْبِ الوَطْأةِ، واشْتِقاقُهُ كَما ذَكَرْنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَهُ قَوْمُهُ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ الكافِرَةَ لَمّا رَأتِ الأضْيافَ ورَأتْ جَمالَهم وهَيْئَتَهم خَرَجَتْ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ لَهُمْ: إنَّ لُوطًا أضافَ اللَيْلَةَ فِتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ، ومَعْناهُ يُسْرِعُونَ، والإهْراعُ هو أنْ يُسْرِعَ أمْرٌ بِالإنْسانِ حَتّى يَسِيرَ بَيْنَ الخَبَبِ والجَمْزِ، فَهي مِشْيَةُ الأسِيرِ الَّذِي يُسْرِعُ بِهِ، والطامِعِ المُبادِرِ إلى أمْرٍ يَخافُ فَوْتَهُ، ونَحْوُ هَذا يُقالُ هُرِعَ الرَجُلُ وأهْرَعَهُ طَمَعٌ أو عَدُوٌّ أو خَوْفٌ ونَحْوُهُ.

والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: "يُهْرَعُونَ" بِضَمِّ الياءِ أيْ يُهْرِعُهُمُ الطَمَعُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَهْرِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، مَن هَرَعَ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أسارى ∗∗∗ ∗∗∗ تَقُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ وقَوْلُهُ: ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ، أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الفاحِشَةِ في الرِجالِ، فَجاءُوا إلى الأضْيافِ لِذَلِكَ فَقامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا، وقالَ: هَؤُلاءِ بَناتِي فَقالَتْ فِرْقَةٌ أشارَ إلى بَناتِ نَفْسِهِ ونَدَبَهم في هَذِهِ المَقالَةِ إلى النِكاحِ، وذَلِكَ عَلى أنْ كانَتْ سُنَّتُهم جَوازَ نِكاحِ الكافِرِ المُؤْمِنَةَ، أو عَلى أنَّ في ضِمْنِ كَلامِهِ أنْ يُؤْمِنُوا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ الكَلامُ مُدافَعَةً لَمْ يُرِدْ إمْضاؤُهُ، رُوِيَ هَذا القَوْلُ عن أبِي عُبَيْدَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن يَنْهى عن مالِ الغَيْرِ: الخِنْزِيرُ أحَلُّ لَكَ مِن هَذا وهَذا التَنَطُّعُ لَيْسَ مِن كَلامِ الأنْبِياءِ  ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أشارَ بِقَوْلِهِ: بَناتِي إلى النِساءِ جُمْلَةً إذْ نَبِيُّ القَوْمِ أبٌ لَهُمْ، ويُقَوِّي هَذا أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم وأشارَ أيْضًا لُوطٌ- في هَذا التَأْوِيلِ- إلى النِكاحِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ- هي الجُمْهُورُ- "هُنَّ أطْهَرُ" بِرَفْعِ الراءِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ومُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "أطْهَرَ" بِالنَصْبِ قالَ سِيبَوَيْهِ: هو لَحْنٌ، قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: احْتَبى فِيهِ ابْنُ مَرْوانَ في لَحْنِهِ، ووَجْهُهُ عِنْدَ مَن قَرَأ بِهِ النَصْبُ عَلى الحالِ بِأنْ يَكُونَ بَناتِي ابْتِداءٌ وهُنَّ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ هَؤُلاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ إعْرابٌ مَرْوِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، وذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وهو خَطَأٌ في مَعْنى الآيَةِ، وإنَّما قَوَّمَ اللَفْظَ فَقَطْ والمَعْنى إنَّما هو في قَوْلِهِ: أطْهَرُ وذَلِكَ قُصِدَ أنْ يُخْبَرَ بِهِ فَهي حالٌ لا يُسْتَغْنى عنها- كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: وهَذا بَعْلِي شَيْخًا، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ بَناتِي ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهُنَّ فَصْلٌ وأطْهَرَ حالٌ وإنْ كانَ شَرْطُ الفَصْلِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ لِيُفْصَلَ الكَلامَ مِنَ النَعْتِ إلى الخَبَرِ، فَمِن حَيْثُ كانَ الخَبَرُ هُنا في أطْهَرَ ساغَ القَوْلُ بِالفَصْلِ، ولَمّا لَمْ يَسْتَسِغْ ذَلِكَ أبُو عَمْرٍو ولا سِيبَوَيْهِ لَحَّنا ابْنَ مَرْوانَ، وما كانا لِيَذْهَبَ عَلَيْهِما ما ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ، و"الضَيْفُ": مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَماعَةُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ أيْ يَزَعُكم ويَرُدُّكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتِ لُوطٍ فَرَدَّهُمْ، وكانَتْ سُنَّتُهم أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا، فَلِذَلِكَ قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَعُدَ ألّا تَكُونَ هَذِهِ الخاصِّيَّةَ، فَوَجْهُ الكَلامِ: إنّا لَيْسَ لَنا إلى بَناتِكَ تَعَلُّقٌ، ولا هم قَصْدُنا ولا لَنا عادَةٌ نَطْلُبُها في ذَلِكَ وقَوْلُهُمْ: وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ، إشارَةٌ إلى الأضْيافِ فَلَمّا رَأى اسْتِمْرارَهم في غَيِّهِمْ وغَلَبَتَهم وضَعْفَهُ عنهم قالَ- عَلى جِهَةِ التَفَجُّعِ والِاسْتِكانَةِ- لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً وأنَّ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أو وقَعَ ونَحْوُ هَذا، - وهَذا مُطَّرِدٌ في "أنَّ" التابِعَةِ لِ "لَوْ" - وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحَذْفُ مِثْلِ هَذا أبْلَغُ، لِأنَّهُ يَدَعُ السامِعَ يَنْتَهِي إلى أبْعَدِ تَخَيُّلاتِهِ، والمَعْنى لَفَعَلْتُ كَذا وكَذا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أو آوِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: "أو آوِيَ" بِالنَصْبِ، التَقْدِيرُ أو أنْ آوِيَ، فَتَكُونُ "أنْ" مَعَ "آوِي" بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، كَما قالَتْ مَيْسُونُ بِنْتِ بِحَدْلَ: ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي ∗∗∗ ∗∗∗ ويَكُونُ تَرْتِيبُ الكَلامِ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أو أوِيًّا، و"أوى" مَعْناهُ: لَجَأ وانْضَوى، ومُرادُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بالرُكْنِ العَشِيرَةُ والمَنَعَةُ بِالكَثْرَةِ، وبَلَغَ بِهِ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إلى هَذا- مَعَ عِلْمِهِ بِما عِنْدَ اللهِ تَعالى-، فَيُرْوى أنَّ المَلائِكَةَ وجَدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، وقالُوا: إنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ،» فالعَجَبُ مِنهُ لَمّا اسْتَكانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَقْدٌ لِأنَّ يَلْفِظَ لُوطٌ بِهَذِهِ الألْفاظِ، وإلّا فَحالَةُ النَبِيِّ  وقْتَ طَرْحِ سَلا الجَزُورِ ومَعَ أهْلِ الطائِفِ وفي غَيْرِ ما مَوْطِنٍ تَقْتَضِي مَقالَةَ لُوطٍ لَكِنَّ مُحَمَّدًا  لَمْ يَنْطِقْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَزامَةً مِنهُ ونَجْدَةً، وإنَّما خَشِيَ لُوطٌ أنْ يُمْهِلَ اللهُ أُولَئِكَ العِصابَةَ حَتّى يَعْصُوهُ في الأضْيافِ كَما أمْهَلَهم فِيما قَبْلَ ذَلِكَ مِن مَعاصِيهِمْ، فَتَمَنّى رُكْنًا مِنَ البَشَرِ يُعاجِلُهم بِهِ، وهو يَعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى مِن وراءِ عِقابِهِمْ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "لَمْ يَبْعَثِ اللهُ تَعالى بَعْدَ لُوطٍ نَبِيًّا إلّا في ثَرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ"» أيْ في مَنَعَةٍ وعِزَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فصلت جملة ﴿ قالوا ﴾ عن التي قبلها لوقوعها موقع المحاورة مع لوط عليه السّلام.

و ﴿ لقد علمت ﴾ تأكيد لكونه يعلم.

فأكد بتنزيله منزلةَ من ينكر أنه يعلم لأن حالة في عرضه بناته عليهم كحال من لا يعلم خُلقهم، وكذلك التوكيد في ﴿ وإنك لتعلَم ما نريد ﴾ ، وكلا الخبرين مستعمل في لازم فائدة الخبر، أي نحن نعلم أنك قد علمت ما لنا رغبة في بناتك وإنك تعلم مرادنا.

ومثله قوله حكاية عن قوم إبراهيم ﴿ لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ﴾ [الأنبياء: 65].

و ﴿ ما ﴾ الأولى نافية معلّقة لفعل العلم عن العمل، و ﴿ ما ﴾ الثانية موصولة.

والحق: ما يحقّ، أي يجب لأحد أو عليه، فيقال: له حق في كذا، إذا كان مستحقاً له، ويقال: ما له حق في كذا، بمعنى لا يستحقه، فالظاهر أنه أطلق هنا كنايةً عن عدم التعلّق بالشيء وعن التجافي عنه.

وهو إطلاق لم أر مثله، وقد تحيّر المفسرون في تقريره.

والمعنى: ما لنا في بناتك رغبة.

وجوابه بِ ﴿ لَوْ أنّ لي بكم قوة ﴾ جواب يائس من ارعوائهم.

و ﴿ لو ﴾ مستعملة في التمنّي، وهذا أقصى ما أمكنه في تغيير هذا المنكر.

والباء في ﴿ بكم ﴾ للاستعلاء، أي عليكم.

يقال: ما لي به قوة وما لي به طاقة.

ومنه قوله تعالى: ﴿ قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت ﴾ [البقرة: 249].

ويقولون: مَا لي بهذا الأمر يَدان، أي قدرة أو حيلة عليه.

والمعنى: ليت لي قوة أدفعكم بها، ويريد بذلك قوة أنصار لأنّه كان غريباً بينهم.

ومعنى ﴿ أو آوى إلى ركن شديد ﴾ أو أعتصم بما فيه مَنعة، أي بمكان أو ذي سلطان يمنعني منكم.

والركن: الشق من الجبل المتّصل بالأرض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ أنَّهُ ساءَ ظَنُّهُ بِرُسُلِ رَبِّهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِخَلاصِ نَفْسِهِ لِأنَّهُ نَكِرَهم قَبْلَ مَعْرِفَتِهِمْ.

﴿ وَقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أيْ شَدِيدٌ لِأنَّهُ خافَ عَلى الرُّسُلِ مِن قَوْمِهِ أنْ يَفْضَحُوهم عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ خافَهم عَلى نَفْسِهِ فَوَصَفَ يَوْمَهُ بِالعَصِيبِ وهو الشَّدِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: وإنَّكَ إلّا تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وإنَّما قِيلَ لَهُ عَصِيبٌ لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَيْنَ قَرْيَةِ إبْراهِيمَ وقَوْمِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ، والإهْراعُ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والحُجْزى.

قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا سِراعًا مَعَ رِعْدَةٍ.

وَكانَ سَبَبُ إسْراعِهِمْ إلَيْهِ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أعْلَمَتْهم بِأضْيافِهِ وجَمالِهِمْ فَأسْرَعُوا إلَيْهِ طَلَبًا لِلْفاحِشَةِ مِنهم.

﴿ وَمِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن قَبْلِ إسْراعِهِمْ إلَيْهِ كانُوا يَنْكِحُونَ الذُّكُورَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَتِ اللُّوطِيَّةُ في قَوْمِ لُوطٍ في النِّساءِ قَبْلَ الرِّجالِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً، قالَهُ عُمَرُ بْنُ أبِي زائِدَةَ.

﴿ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ قالَ لَهم لُوطٌ ذَلِكَ لِيَفْتَدِيَ أضْيافَهُ مِنهم.

﴿ هَؤُلاءِ بَناتِي ﴾ فِيهِنَّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ ولَمْ يُرِدْ بَناتِ نَفْسِهِ.

قالَ مُجاهِدٌ وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ وهم أوْلادُهُ.

وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ في بَعْضِ القُرْآنِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بَناتِ نَفْسِهِ وأوْلادَ صُلْبِهِ لِأنَّ أمْرَهُ فِيهِنَّ أنْفَذُ مِن أمْرِهِ في غَيْرِهِنَّ، وهو مَعْنى قَوْلِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُزَوِّجُهم بِبَناتِهِ مَعَ كُفْرِ قَوْمِهِ وإيمانِ بَناتِهِ؟

قِيلَ عَنْ هَذا ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ في شَرِيعَةِ لُوطٍ يَجُوزُ تَزْوِيجُ الكافِرِ بِالمُؤْمِنَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ جائِزًا حَتّى نُسِخَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ يُزَوِّجُهم عَلى شَرْطِ الإيمانِ كَما هو مَشْرُوطٌ بِعَقْدِ النِّكاحِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في الحَلالِ وتَنْبِيهًا عَلى المُباحِ ودَفْعًا لِلْبادِرَةِ مِن غَيْرِ بَذْلِ نِكاحِهِنَّ ولا بِخِطْبَتِهِنَّ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

﴿ هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ أيْ أحَلُّ لَكم بِالنِّكاحِ الصَّحِيحِ.

﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تُذِلُّونِي بِعارِ الفَضِيحَةِ، ويَكُونُ الخِزْيُ بِمَعْنى الذُّلِّ.

الثّانِي: لا تُهْلِكُونِي بِعَواقِبِ فَسادِكم، ويَكُونُ الخِزْيُ بِمَعْنى الهَلاكِ.

الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الخِزْيِ ها هُنا الِاسْتِحْياءُ، يُقالُ خَزِيَ الرَّجُلُ إذا اسْتَحى، قالَ الشّاعِرُ: مِنَ البَيْضِ لا تَخْزى إذا الرِّيحُ ألْصَقَتْ ∗∗∗ بِها مِرْطَها أوْ زايَلَ الحُلِيُّ جِيدَها والضَّيْفُ: الزّائِرُ المُسْتَرْقِدُ، يَنْطَلِقُ عَلى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ الشّاعِرُ: لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ ﴿ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مُؤْمِنٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: آمِرٌ بِالمَعْرُوفِ وناهٍ عَنِ المُنْكَرِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

وَيَعْنِي: رَجُلٌ رَشِيدٌ لِيَدْفَعَ عَنْ أضْيافِهِ، وقالَ ذَلِكَ تَعَجُّبًا مِنِ اجْتِماعِهِمْ عَلى المُنْكَرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما لَنا فِيهِنَّ حاجَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: لَيْسَ لَنا بِأزْواجٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

﴿ وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَعْلَمُ أنَّنا لا نَتَزَوَّجُ إلّا بِاِمْرَأةٍ واحِدَةٍ ولَيْسَ مِنّا رَجُلٌ إلّا لَهُ امْرَأةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّنا نُرِيدُ الرِّجالَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال: يسرعون ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ قال: يأتون الرجال.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال: ويسعون إليه.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ يهرعون إليه ﴾ قال: يقبلون إليه بالغضب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: أتونا يهرعون وهم أسارى ** سيوفهم على رغم الأنوف وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ قال: ينكحون الرجال.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قال يا قوم هؤلاء بناتي ﴾ قال: ما عرض لوط عليه السلام بناته على قومه لا سفاحاً ولا نكاحاً إنما قال: هؤلاء بناتي نساؤكم، لأن النبي إذا كان بين ظهري قوم فهو أبوهم، قال الله في القرآن ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ [ الأحزاب: 6] وهو أبوهم في قراءة أبي رضي الله عنه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ هؤلاء بناتي ﴾ قال: لم تكن بناته ولكن كن من أمته وكل نبي أبو أمته.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: إنما دعاهم إلى نسائهم، وكل نبي أبو أمته.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن السدي في قوله: ﴿ هؤلاء بناتي ﴾ قال: عرض عليهم نساء أمته كل نبي فهو أبو أمته، وفي قراءة عبد الله ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم ﴾ [ الأحزاب: 6] .

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما سمعت الفسقة باضياف لوط جاءت إلى باب لوط، فاغلق لوط عليهم الباب دونهم ثم اطلع عليهم فقال: هؤلاء بناتي.

فعرض عليهم بناته بالنكاح والتزويج ولم يعرضها عليهم للفاحشة، وكانوا كفاراً وبناته مسلمات، فلما رأى البلاء وخاف الفضيحة عرض عليهم التزويج، وكان اسم ابنتيه إحداهما رغوثا والأخرى رميثا، ويقال: ديونا إلى قوله: ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ أي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلما لم يتناهوا ولم يردهم قوله ولم يقبلوا شيئاً مما عرض عليهم من أمر بناته قال: ﴿ لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ يعني عشيرة أو شيعة تنصرني لحلت بينكم وبين هذا، فكسروا الباب ودخلوا عليه، وتحوّل جبريل في صورته التي يكون فيها في السماء، ثم قال: يا لوط لا تخف نحن الملائكة لن يصلوا إليك، وأمرنا بعذابهم.

فقال لوط: يا جبريل الآن تعذبهم- وهو شديد الأسف عليهم- قال جبريل: موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله يعبي العذاب في أوّل الليل إذا أراد أن يعذب قوماً ثم يعذبهم في وجه الصبح.

قال: فهيئت الحجارة لقوم لوط في أول الليل لترسل عليهم غدوة الحجارة، وكذلك عذبت الأمم عاد وثمود بالغداة، فلما كان عند وجه الصبح عمد جبريل إلى قرى لوط بما فيها من رجالها ونسائها وثمارها وطيرها فحواها وطواها ثم قلعها من تخوم الثرى، ثم احتملها من تحت جناحه، ثم رفعها إلى السماء الدنيا فسمع سكان سماء الدنيا أصوات الكلاب والطير والنساء والرجال من تحت جناح جبريل، ثم أرسلها منكوسة، ثم أتبعها بالحجارة وكانت الحجارة للرعاة والتجار ومن كان خارجاً عن مدائنهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: عرض عليهم بناته تزويجاً، وأراد أن يقي أضيافه بتزويج بناته.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ﴾ قال: أمرهم هود بتزويج النساء، وقال: هن أطهر لكم.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ ولا تخزونِ في ضيفي ﴾ يقول: ولا تفضحوني.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ قال: رجل يأمر بمعروف وينهى عن المنكر.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ قال: رجل يأمر بمعروف وينهى عن منكر.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ قال: واحد يقول لا إله إلا الله.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ قالوا لقد علمنا ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ﴾ قال: إنما نريد الرجال ﴿ قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ يقول: إلى جند شديد لقاتلتكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال: عشيرة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال: العشيرة.

وأخرج أبو الشيخ عن علي رضي الله عنه.

أنه خطب فقال عشيرة الرجل للرجل خير من الرجل لعشيرته.

أنه إن كف يداً واحدة وكفوا عنه أيدياً كثيرة مع مودتهم وحفاظتهم ونصرتهم، حتى لربما غضب الرجل للرجل وما يعرفه إلا بحسبه وسأتلو عليكم بذلك آيات من كتاب الله تعالى، فتلا هذه الآية ﴿ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال علي رضي الله عنه: والركن الشديد: العشيرة.

فلم يكن للوط عليه السلام عشيرة، فوالذي لا إله إلا غيره ما بعث الله نبياً بعد لوط إلا في ثروة من قومه.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال: بلغني أنه لم يبعث نبيّ بعد لوط إلا في ثروة من قومه حتى النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه.

أن هذه الآية لما نزلت ﴿ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد فلأي شيء استكان» .

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: رحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد، وذكر لنا أن الله لم يبعث نبياً بعد لوط إلا في ثروة من قومه، حتى بعث الله نبيكم صلى الله عليه وسلم في ثروة من قومه» .

وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه قال لوط عليه السلام ﴿ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ فوجد عليه الرسل، وقالوا: يا لوط إن ركنك لشديد.

وأخرج سعيد بن منصور وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما بعث الله نبياً بعد لوط إلا في عز من قومه.

وأخرج البخاري في الأدب والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد- يعني الله تعالى- فما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه» .

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري وابن مردويه من طريق الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يغفر الله للوط إنه كان ليأوي إلى ركن شديد» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن بشر الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الناس كانوا أنذروا قوم لوط، فجاءتهم الملائكة عشية فمروا بناديهم فقال قوم لوط بعضهم لبعض: لا تنفروهم ولم يروا قوماً قط أحسن من الملائكة، فلما دخلوا على لوط عليه السلام راودوه عن ضيفه، فلم يزل بهم حتى عرض عليهم بناته، فأبوا فقالت الملائكة ﴿ إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ قال: رسل ربي؟

قالوا: نعم.

قال لوط: فالآن كذا» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: لما أرسلت الرسل إلى قوم لوط ليهلوكهم قيل لهم: لا تهلكوا قوم لوط حتى يشهد عليهم لوط ثلاث مرات، وكان طريقهم على إبراهيم خليل الرحمن ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ﴾ وكانت مجادلته إياهم قال: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟

قالوا: لا.

قال: فأربعون؟

قالوا: لا.

حتى انتهى إلى عشرة أو خمسة قال: فأتوا لوطاً وهو في أرض له يعمل فيها، فحسبهم ضيفاناً، فأقبل حتى أمسى إلى أهله، فمشوا معه فالتفت إليهم فقال: ما ترون ما يصنع هؤلاء؟

قالوا: وما يصنعون؟

قال: ما من الناس أحد شر منهم.

فمشوا معه حتى قال ذلك ثلاث مرات، فانتهى بهم إلى أهله فانطلقت عجوز السوء امرأته، فأتت قومه فقالت: لقد تضيف لوط الليلة قوماً ما رأيت قط أحسن ولا أطيب ريحاً منهم، فأقبلوا إليه يهرعون فدافعوه بالباب حتى كادوا يغلبون عليه.

فقال ملك بجناحه فسفقه دونهم وعلا وعلوا معه، فجعل يقول ﴿ هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ﴾ إلى قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ فقالوا ﴿ إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ فذلك حين علم أنهم رسل الله، وقال ملك بجناحه فما عشى تلك الليلة أحد بجناحه إلا عمي فباتوا بشر ليلة عمياً ينتظرون العذاب، فاستأذن جبريل عليه السلام في هلاكهم فأذن له، فاحتمل الأرض التي كانوا عليها وأهوى بها حتى سمع أهل سماء الدنيا صغاء كلابهم، وأوقد تحتهم ناراً ثم قلبها بهم، فسمعت امرأة لوط الوجبة وهي معهم، فالتفتت فأصابها العذاب، وتبعت سفارهم الحجارة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما جاءت رسل الله لوطاً عليه السلام ظن أنهم ضيفان لقومه، فادناهم حتى أقعدهم قريباً، وجاء ببناته وهن ثلاثة فأقعدهن بين ضيفانه وبين قومه، فجاءه قومه يهرعون إليه، فلما رآهم قال: ﴿ هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزونِ في ضيفي، قالوا ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد، قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ فالتفت إليه جبريل عليه السلام فقال: ﴿ إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ فلما دنو طمس أعينهم فانطلقوا عمياً يركب بعضهم بعضاً، حتى إذا خرجوا إلى الذين بالباب قالوا: جئناكم من عند أسحر الناس، ثم رفعت في جوف الليل حتى إنهم يسمعون صوت الطير في جوّ السماء، ثم قلبت عليهم فمن أصابته الائتفاكة أهلكته، ومن خرج منها اتبعته حيث كان حجراً فقتلته، فارتحل ببناته حتى بلغ مكان كذا من الشام ماتت ابنته الكبرى، فخرجت عندها عين، ثم انطلق حيث شاء الله أن يبلغ فماتت الصغرى، فخرجت عندها عين فما بقي منهن إلا الوسطى.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أغلق لوط على ضيفه الباب فجاؤوا فكسروا الباب فدخلوا، فطمس جبريل أعينهم فذهبت أبصارهم قالوا: يا لوط جئتنا بسحرة فتوعدوه، فأوجس في نفسه خيفة إذا قد ذهب هؤلاء يؤذونني.

قال جبريل ﴿ لا تخف إنا رسل ربك...

﴾ إن موعدهم الصبح، قال لوط: الساعة.

قال جبريل ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ قال: الساعة.

فرفعت حتى سمع أهل سماء الدنيا نبيح الكلاب، ثم أقبلت ورموا بالحجارة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأسر بأهلك ﴾ يقول: سر بهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ بقطع من الليل ﴾ قال: جوف الليل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بقطع ﴾ قال سواد من الليل.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿ بقطع من الليل ﴾ قال: بطائفة من الليل.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أن نافع بن الأزرق رضي الله عنه قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ ما القطع؟

قال: آخر الليل سحر.

قال مالك بن كنانة: ونائحة تقوم بقطع ليل ** على رجل أهانته شعوب وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يلتفت منكم أحداً ﴾ قال: لا يتخلف.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يلتفت منكم أحداً ﴾ قال: لا ينظر وراءه أحد ﴿ إلا امرأتك ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن هرون رضي الله عنه قال: في حرف ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ فاسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أنها كانت مع لوط لما خرج من الطرية، فسمعت الصوت فالتفتت، فأرسل الله عليها حجراً فأهلكها.

فهي معلوم مكانها شاذة عن القوم، وهي في مصحف عبد الله ﴿ ولقد وفينا إليه أهله كلهم إلا عجوزاً في الغبر ﴾ قال: ولما قيل له إن موعدهم الصبح.

قال: إني أريد أعجل من ذلك.

قال: ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: قال لوط: أهلكوهم الساعة.

قالوا: إنا لن نؤمر إلا بالصبح ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قال له لوط: اهلكوهم الساعة.

قال له جبريل عليه السلام ﴿ إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ﴾ فأنزلت على لوط ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ قال: فأمره أن يسري بأهله بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأته، فسار فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبريل عليه السلام جناحه، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، فجعل عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل، وسمعت امرأة لوط الهدة فقالت: واقوماه...

!

فأدركها حجر فقتلها.

وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي الحلة قال: رأيت امرأة لوط قد مسخت حجراً تحيض عند كل رأس شهر.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ﴾ قال: لما أصبحوا عدا جبريل على قريتهم فنقلها من أركانها، ثم أدخل جناحه، ثم حملها على خوافي جناحيه بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها فكان أول ما سقط منها سرادقها، فلم يصب قوماً ما أصابهم إن الله طمس على أعينهم، ثم قلب قريتهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل.

وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه قال: لما اصبحوا نزل جبريل عليه السلام فاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ السماء الدنيا، ثم أهوى بها جبريل إلى الأرض.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح.

أن جبريل عليه السلام أتى قرية لوط فأدخل يده تحت القرية، ثم رفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وأصوات الدياك، وأمطر الله عليهم الكبريت والنار.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه.

أن جبريل عليه السلام اجتث مدينة قوم لوط من الأرض، ثم رفعها بجناحه حتى بلغ بها حيث شاء الله، ثم جعل عاليها سافلها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: حدثت أن الله تعالى بعث جبريل عليه السلام إلى المؤتفكة، مؤتفكة قوم لوط فاحتملها بجناحه، ثم صعد بها حتى أن أهل السماء ليسمعون نباح كلابهم وأصوات دجاجهم، ثم اتبعها الله بالحجارة يقول الله تعالى ﴿ جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ﴾ فأهلكها الله ومن حولها من المؤتفكات، فكن خمساً صنعة وصغرة وعصرة ودوماً وسدوم، وهي القرية العظمى.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أنها ثلاث قرى فيها من العدد ما شاء الله أن يكون من الكثرة، ذكر لنا أنه كان منها أربعة آلاف ألف، وهي سدوم قرية بين المدينة والشام.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: من طين.

وفي قوله: ﴿ مسوّمة ﴾ قال: السوم بياض في حمرة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: هي بالفارسية سنك وكل حجر وطين.

وفي قوله: ﴿ مسوّمة ﴾ قال: معلمة.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: بالفارسية أوّلها حجارة وآخرها طين.

وفي قوله: ﴿ مسوّمة ﴾ قال: معلمة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: هي كلمة أعجمية عربت سنك وكل.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: حجارة فيها طين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: من طين ﴿ منضود ﴾ مصفوفة ﴿ مسوّمة ﴾ مطوّقة بها نصح من حمرة ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ لم يبرأ منها ظالم بعدهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع رضي الله عنه في قوله: ﴿ منضود ﴾ قال: قد نضد بعضه على بعض.

وفي قوله: ﴿ مسوّمة ﴾ قال: عليها سيما خطوط صفر.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه قال: حجارة مسوّمة لا تشاكل حجارة الأرض.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: السماء الدنيا، والسماء الدنيا اسمها سجيل.

وأخرج ابن شيبة عن ابن سابط رضي الله عنه في قوله: ﴿ حجارة من سجل ﴾ قال: هي بالفارسية.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه.

أنه سأل هل بقي من قوم لوط أحد؟

قال: لا، إلا رجل بقي أربعين يوماً، كان تاجراً بمكة فجاءه حجر ليصيبه في الحرم، فقامت إليه ملائكة الحرم فقالوا للحجر رجع من حيث جئت فإن الرجل في حرم الله.

فرجع الحجر فوقف خارجاً من الحرم أربعين يوماً بين السماء والأرض حتى قضى الرجل تجارته، فلما خرج أصابه الحجر خارجاً من الحرم.

يقول الله: ﴿ ما هي من الظالمين ببعيد ﴾ يعني من ظالمي هذه الأمة ببعيد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ قال: يرهب بها قريشاً أن يصيبهم ما أصاب القوم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ يقول: من ظلمة العرب إن لم يؤمنوا أن يعذبوا بها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع في الآية قال: كل ظالم فيما سمعنا قد جعل بحذائه حجر ينتظر متى يؤمر أن يقع به، فخوف الظلمة فقال: وما هي من الظالمين ببعيد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ قال: من ظالمي هذه الأمة، ثم يقول: والله ما أجار الله منها ظالماً بعد.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن محمد بن المنكدر ويزيد بن حفصة وصفوان بن سليم.

أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قد وجد رجلاً في بعض نواحي العرب ينكح كما كانت تنكح المرأة، وقامت عليه بذلك البينة، فاستشار أبو بكر رضي الله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن هذا ذنب لم يعص الله به أمة من الأمم إلا أمة واحدة، فصنع الله بها ما قد علمتم، أرى أن تحرقه بالنار.

فاجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن يحرقوه بالنار، فكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد رضي الله عنه أن احرقه بالنار، ثم حرقهم ابن الزبير رضي الله عنه في إمارته، ثم حرقهم هشام بن عبد الملك.

وأخرج ابن المنذر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي قال: عذب الله قوم لوط فرماهم بحجارة من سجيل، فلا ترفع تلك العقوبة عمن عمل عمل قوم لوط.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس (١) (٢) وقال ابن (٣) ﴿ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي ﴾ .

فقالوا: لسن لنا بأزواج، وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ .

قال عطاء (٤) (٥) (١) البغوي 4/ 192.

(٢) "زاد المسير" 4/ 139، البغوي 4/ 192.

(٣) في (ي): (أبو) والصحيح ما أثبته، وانظر: "زاد المسير" 4/ 139، البغوي 4/ 192، الثعلبي 7/ 51 ب، الطبري 12/ 86.

(٤) "زاد المسير" 4/ 139، ونقله الطبري عن السدي 12/ 86، الثعلبي 7/ 51 ب، البغوي 4/ 192.

(٥) "تنوير المقباس" ص 143.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ ﴾ الرسل هم الملائكة ومعنى سيء بهم أصابه سوء وشجر لما ظن أنهم من بني آدم وخاف عليهم من قومه ﴿ يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أي شديد ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي يسرعون وكانت امرأة لوط قد أخبرتهم بنزول الأضياف عنده، فأسرعوا ليعملوا بهم عملهم الخبيث ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ أي كانت عادتهم إتيان الفواحش في الرجال ﴿ قَالَ ياقوم هؤلاء بناتي ﴾ المعنى فتزوجوهن، وإنما قال ذلك ليقي أضيافه ببناته، وقيل: اسم بناته الواحدة رئيا، والأخرى غوثا وأن اسم امرأته الهالكة والهة، واسم امرأة نوح والقة ﴿ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ أي: ما لنا فيهم أرب ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ يعنون نكاح الذكور ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾ جواب لو محذوف تقديره: لو كانت لي قدرة على دفعكم لفعلت، ويحتمل أن تكون لو للتمني ﴿ أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ معنى آوي ألجأ، والمراد بالركن الشديد: ما يلجأ إليه من عشيرة وأنصار يحمونه من قومه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يرحم الله أخي لوطاً؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد يعني إلى الله والملائكة ﴿ قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ﴾ الضمير في قالوا للملائكة، والضمير في لن يصلوا لقوم لوط، وذلك أن الله طمس على أعينهم حينئذ ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾ أي اخرج بهم بالليل، فإن العذاب ينزل بأهل هذه المدائن، وقرئ فأسر بوصل الألف وقطعها، وهما لغتان يقال سرى وأسرى ﴿ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل ﴾ أي قطعة منه ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ نُهوا عن الالتفات؛ لئلا تتفطر أكبادهم على قريتهم، وقيل: يلتفت معناه يلتوي ﴿ إِلاَّ امرأتك ﴾ قرئ بالنصب والرفع، فالنصب استثناء من قوله بأسر بأهلك، فيقتضي هذا أنه لم يخرجها مع أهله، والرفع بدل من ولا يلتفت منكم أحد، ورُوي على هذا أنه أخرجها معه، وأنها التفتت وقالت: يا قوماه فأصابها حجر فقتلها ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح ﴾ أي وقت عذابهم الصبح ﴿ أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ ﴾ ذكر أنهم لما قالوا: إن موعدهم الصبح قال لهم لوط: هلا عذبوا الآن فقالوا له: أليس الصبح بقريب ﴿ جَعَلْنَا عاليها سافلها ﴾ الضمير للمدائن رُوي أن جبريل أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، واقتلعها فرفعها حتى سمع أهل السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً ﴾ أي على المدائن، والمراد أهلها.

روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته حجارة من السماء، وأما من كان في المدائن فهلك لما قلبت ﴿ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ قيل: معناه من ماء وطين، وإنما كان من الآجر المطبوخ وقيل: من سجله إذا أرسله، وقيل: هو لفظ أعجمي ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ أي مضموم بعضه فوق بعض ﴿ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ﴾ معناه: معلَّمة بعلامة، رُوي أنه كان فيها بياض وحمرة، وقيل كان في كل حجر اسم صاحبه ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ ﴾ الضمير للحجارة والمراد بالظالمين كفار قريش، فهذا تهديد لهم أي ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، فالمعنى ليست ببعيدة منهم أفلا يعتبرون بها كقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء ﴾ [الفرقان: 40] وقيل: إن الظالمين على العموم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سلم ﴾ بكسر السين بلا ألف فيهما.

حمزة وعلي ﴿ ويعقوب ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وحفص، الآخرون بالرفع.

﴿ سيء بهم ﴾ وبابه كضرب مجهولاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.

الآخرون ﴿ سيء ﴾ مثل ﴿ قيل ﴾ ﴿ تخزوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.

وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ ضيفي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ فاسر ﴾ وبابه بهمزة الوصل: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس من طريق الموصلي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ إلا امرأتك ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو.

الباقون بالنصب.

الوقوف: ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ حنيذ ﴾ ه ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ قوم لوط ﴾ ه ط ﴿ بإسحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع ﴿ يعقوب ﴾ ه ﴿ شيخاً ﴾ ط ﴿ عجيب ﴾ ه ﴿ أهل البيت ﴾ ط ﴿ مجيد ﴾ ه ﴿ في قوم لوط ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ أمر ربك ﴾ ج للاتبداء بأن مع اتصال المعنى.

﴿ مردود ﴾ ه ﴿ عصيب ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للعطف ولاختلاف النظم ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ ضيفي ﴾ ط ﴿ رشيد ﴾ ه ﴿ من حق ﴾ ج لما مر ﴿ ما نريد ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ هـ.

﴿ إلا امرأتك ﴾ ط ﴿ أصابهم ﴾ ط ﴿ الصبح ﴾ ط ﴿ بقريب ﴾ ه ﴿ منضود ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة حجارة ﴿ عند ربك ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه.

التفسير: الرسل ههنا الملائكة، وأجمعوا على أن الأصل فيهم جبرائيل، ثم اختلفوا فقيل: كان معه اثناء عشر ملكاً على أحسن ما يكون من صورة الغلمان.

وقال الضحاك: كانوا تسعة.

وقال ابن عباس: كانوا ثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرائفيل وهم الذين ذكر الله  في سورة الحجر ﴿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم  ﴾ وفي الذاريات ﴿ هل أتاك حديث إبراهيم  ﴾ والظاهر أن البشرى هي البشارة بالولد.

وقيل: بهلاك قوم لوط.

ومعنى ﴿ سلاماً ﴾ سلمنا عليك.

ومعنى ﴿ سلام ﴾ أمركم سلام أو سلام عليكم.

ولأن الرفع يدل على الثبات والاستقرار، والنصب يدل على الحدوث لمكان تقدير الفعل.

قال العلماء: إن سلام إبراهيم كان أحسن اقتداء بقوله  : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحس منها  ﴾ وإنما صح وقوع ﴿ سلام ﴾ مبتدأ مع كونه نكرة لتخصصها بالإِضافة إلى المتكلم إذ أصله سلمت سلاماً فعدل إلى الرفع لإفادة الثبات.

ومن قرأ ﴿ سلماً ﴾ فمعناه السلام أيضاً.

قال الفراء.

سلم وسلام كحل وحلال وحرم وحرام.

وقال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يراد بالسلم خلاف الحرب.

قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك فجاءته الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم فما لبث ﴿ أن جاء ﴾ أي فما لبث في أن جاء بل عجل أو فما لبث مجيئه ﴿ بعجل ﴾ هو ولد البقرة ﴿ حنيذ ﴾ مشوي في حرفة من الأرض بالحجارة المحماة وهو من فعل أهل البادية معروف.

ومعناه محنوذ كطبيخ بمعنى مطبوخ.

وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسماً لقوله: ﴿ بعجل سمين  ﴾ تقول: حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى يقطر عرقاً ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ﴾ إلى العجل أو الطعام ﴿ نكرهم ﴾ أي أنكرهم واستنكر فعلهم ﴿ وأوجس ﴾ أضمر ﴿ منهم خيفة ﴾ لأنه ما كان يعرف أنهم ملائكة وكان من عادة العرب أنه إذا نزل بهم الضيف ولم يتناول طعامهموتوقعوا منه المكروه والشر.

وقيل: إنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به شراً.

وقيل: إنه كان يعرف أنهم ملائكة الله لقولهم: ﴿ لا تخف ﴾ .

﴿ وإنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ لم يقولوا لا تخف إنا ملائكة بل ذكروا سبب الإرسال وهو إهلاك قوم لوط.

وعلى هذا فإنما خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله أو لتعذيب قومه، والاحتمال الأول وهو أنه كان لا يعرف أنهم ملائكة أقرب بدليل إحضاره الطعام واستدلاله بترك أكلهم على توقع الشر منهم.

وإنما ذكروا سبب الإرسال إيجازاً واختصاراً لدلالة الإرسال على كونهم رسلاً لا أضافياً.

وإنما أتوه على صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها لأنه كان مشغوفاً بالضيافة.

وبم عرف الملائكة خوفه؟

قيل: بالتغير في وجهه أو بتعريف الله، أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته ﴾ وهي سارة بنت هاران بن ناحورا بنت عم إبراهيم ﴿ قائمة ﴾ وراء الستر تسمع تحاورهم، أو كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم وهو قعود ﴿ فضحكت ﴾ .

قال العلماء: لا بد للضحك من سبب فقيل: سببه السرور بزوال الخيفة.

وقيل: بهلاك أهل الخبائث.

وعن السدي أن إبراهيم قال لهم: ألا تأكلون؟

قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بالثمن.

فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله على أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبرائيل لميكائيل: حق لمصل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً، فضحكت امرأته فرحاً بهذا الكلام.

وقيل: كانت تقول لإبراهيم اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، ففرحت بموافقة قولهم لقولها فضحكت.

وقيل: طلب إبراهيم  منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي إلى مرعاه فضحكت سارة من طفرته.

وقيل: ضحكت تعجباً من قوم أتاهم العذاب وهم غافلون.

وقيل: تعجبت من خوف إبراهيم مع كثرة خدمه وحشمه من ثلاثة أنفس.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي فبشرناها بإسحق، فضحكت سروراً.

وعن مجاهد وعكرمة ضحكت أي حاضت ومنه ضحكت الطلعة إذا انشقت يعني استعدادها لعلوق الولد.

من قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي يعقوب مولود أو موجود بعد إسحاق، ومن قرأ بالنصب فعلى العبارة المتروكة كأنه قيل: ووهبنا لها إسحق ومن بعد إسحق يعقوب.

أقول من المحتمل أن يكون ﴿ يعقوب ﴾ مجروراً بالعبارة الموجودة أي وبشرناها بيعقوب من بعد إسحاق وقيل: الوراء ولد الولد ووجهه أن يراد بيعقوب أولاده كما يقال هاشم ويراد أولاده ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة تلهف وقد مرت في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت  ﴾ و ﴿ شيخاً ﴾ نصب الحال والعامل فيه ما في هذا من معنى أنبه أو أشير ﴿ إن هذا ﴾ يعني إن تولد ولد من هرمين ﴿ لشيء عجيب ﴾ عادة فأزال الملائكة تعجبها منكرين عليها بقولهم على سبيل الاستئناف ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم ﴾ يا أهل بيت خليل الرحمن.

والمقصود أن رحمته عليكم متكاثرة وبركاته فيكم متواترة وخرق العادات في أهل بيت النبوة غير عجيب.

ويحتمل أن يكون انتصاب ﴿ أهل البيت ﴾ على الاختصاص.

وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم.

ثم أكدوا إزالة التعجب بقولهم: ﴿ إنه حميد ﴾ محمود في أفعاله ﴿ مجيد ﴾ ذو الكرم الكامل فلا يليق به منع الطالب عن مطلوبه.

﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ الخوف الذي لحقه حين أنكر أضيافه ﴿ وجاءته البشرى ﴾ البشارة بحصول الولد ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ في معناهم وفي شأنهم وهو جواب "لما" على حكاية الحال، أو لأن "لما" ترد المضارع إلى الماضي عكس "إن"، ويحتمل أن يكون جواب "لما" محذوفاً دل عليه ﴿ يجادلنا ﴾ أي اجترأ على خطابنا أو قال كذا، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يجادلنا ﴾ وقيل: معناه أخذ يجادلنا ولا بد من حذف مضاف أي يجادل رسلنا لا بمعنى مخالفة أمر الله فإن ذلك يكون معصية بل سعياً في تأخير العذاب عنهم رجاء إيمانهم وتوبتهم.

ويروى أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونها؟

قالوا: لا قال: فأربعون؟

قالوا: لا حتى بلغ العشرة قالوا لا.

قال: فإن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟

قالوا: لا.

فعند ذلك ﴿ قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لنُنَجِّيَنهُ وأهله  ﴾ قال الأصوليون: إن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بايصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور، والملائكة يدعون الفور إما للقرائن أو لأن مطلق الأمر يستدعي ذلك، فهذه هي المجادلة.

أو لعل إبراهيم كان يدعي أن الأمر مشروط لم يحصل بعدوهم لا يسلمون.

وبالجملة فإن العلماء يجادل بعضهم بعضاً عند التمسك بالنصوص وليس يوجب القدح في واحد منهم فكذلك ههنا ولذلك مدحه بقوله: ﴿ إن إبراهيم لحليم ﴾ غير عجول في الأمور ﴿ أوّاه ﴾ كثير التأوّه من الذنوب ﴿ منيب ﴾ راجع إلى الله في كل ما يسنح له.

وهذه الصفات تدل على رقة القلب والشفقة على خلق الله حتى حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب عنهم.

ولما عرفت الملائكة أن العذاب قد حق عليهم قالوا: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ الجدال ﴿ إنه قد جاء أمر ربك ﴾ بإهلاكهم ﴿ وإنهم آتيهم ﴾ لاحق بهم ﴿ عذاب غير مردود ﴾ فلا راد لقضائه فلا ينفع فيهم جدال ولا دعاء.

﴿ ولما جاءت رسلنا ﴾ المذكورون ﴿ لوطاً سيء بهم ﴾ أصله "سوىء" لأنه من ساءه يسوءه نقيض سره يسره، نقلت الكسرة إلى الفاء وأبدلت العين ياء، ومن قرأ ﴿ سيء ﴾ بإبدال العين ياء مكسورة فلكراهة اجتماع الواو والهمزة.

﴿ وضاق بهم ذرعاً ﴾ قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة، وربما قالوا ضقت بالأمر ذرعاً.

﴿ وقال هذا يوم عصيب ﴾ أي شديد من العصب الشد كأنه أريد اشتداد ما فيه من الأمور.

عن ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله فساءه مجيئهم واغتم لذلك لأنه خاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم.

وقيل: سبب المساءة أنه لم يكن قادراً على القيام بحق ضياقتهم لأنه ما كان يجد ما ينفق عليهم.

وقيل: السبب أن قومه منعوه عن إدخال الضيف داره.

وقيل: عرف أنهم ملائكة جاؤوا لإهلاك قومه فرق قلبه على قومه.والصحيح هو الأول.

يروى أنه  قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات.

فلما مشى معهم منطلقاً به إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم؟

قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً - يقول ذلك أربع مرات - فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها فذلك قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال أبو عبيدة: يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضاً.

وقال الجوهري: الإهراع الإسراع.

وأهرع الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مهرع إذا كان يرعد من حمى أو غضب أو فزع.

وقيل: إنما لم يسم فاعله للعلم به.

والمعنى أهرعه خوفه أو حرصه.

ثم بين إسراعهم إنما كان لأجل العمل الخبيث فقال: ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ الفواحش فمرنوا عليها فلذلك جاؤوا مجاهرين لا يكفهم حياء.

وقيل: معناه وكان لوط قد عرف عادتهم في ذلك العمل قبل ذلك فأراد أن يقي أضيافه ببناته فقال: ﴿ هؤلاء نباتي ﴾ عن قتادة: بناته من صلبه.

وعن مجاهد وسعيد بن جبير: أراد نساء أمته لأن النبي كالأب لأمته.

واختير هذا القول لأن عرض البنات الحقيقيات على الفجار لا يليق بذوي المروءات.

ولأن اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم، ولما روي أنه لم يكن له إلا بنتان وأقل الجمع ثلاثة.

والقائلون بالقول الأول قالوا ما دعا القوم إلى الزنا بهن وإنما دعاهم إلى التزوج بهن بعد الإيمان أو مع الكفر، فلعل تزويج المسلمات من الكفار كان جائزاً كما في أول الإسلام، زوج رسول الله  ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى - وهما كافران - فنسخ بقوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا  ﴾ وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه، وقيل: إن بناته كن أكثر من ثنتين.

ويجوز أ يكون قد عرض البنات عليهم لا بطريق الجد بل طمعاً فيهم أن يستحيوا منه ويرقوا له.

و ﴿ أطهر ﴾ بمعنى الطاهر لأنه لا طهارة في نكاح الرجال ﴿ فاتقوا الله ﴾ بإيثارهن عليهم ﴿ ولا تخزون ﴾ ولا تفضحوني من الخزي أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء.

﴿ في ضيفي ﴾ في حق أضيافي فخزي الضيف والجار يورث للمضيف العار والشنار.

والضيف يستوي فيه الواحد والجمع ويجوز أن يكون مصدراً.

﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ صالح أو مصلح مرشد يمنتع أو يمنع عن مثل هذا العمل القبيح.

﴿ قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ﴾ من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ولذلك قالوا ﴿ وإنك لتعلم ما نريد ﴾ ويجوز أن يراد إنهن لسن لنا بأزواج فلا حق لنا فيهن من حيث الشرع ومن حيث الطبع، أو يراد إنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نؤمن ألبتة فلا يتصور لنا حق فيهن.

قال لوط ﴿ لو أن لي بكم قوّة ﴾ وجوابه محذوف أي لفعلت بكم وصنعت وبالغت في دفعكم.

قال أهل المعاني: حذف الجواب أبلغ لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من الدفع والمنع.

والمراد لو أن لي ما أتقوى به عليكم فسمى موجب القوة بالقوة، ويحتمل أن يريد بالقوة القدرة والطاقة ﴿ أو آوي ﴾ أنضم ﴿ إلى ركن شديد ﴾ حام منيع شبه الركن من الجبل في شدته.

وقوله: ﴿ أو آوي ﴾ عطف على الفعل المقدر بعد "لو".

والحاصل أنه تمنى دفعهم بنفسه أو بمعاونة غيره، قال ذلك من شدة القلق والحيرة في الأمر النازل به ولهذا قالت الملائكة وقد رقت عليه وحزنت له: إن ركنك لشديد.

وقال النبي  "رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد فما بعث نبي بعد ذلك إلا في ثروة من قومه" ويحتمل أن يريد بالركن الشديد حصناً يتحصن به فيأمن من شرهم، ويحتمل أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمني حصول قوة قوية على الدفع.

ثم استدرك وقال بل الأولى أن آوي إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله.

روي أنه أغلق بابه لما جاؤوا فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ وهذه جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصل الأعداء إليه ولن يقدروا على ضرره، فأمره الملائكة أن يفتح الباب فدخلوا فاستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال  ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم  ﴾ فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون إن في بيت لوط سحرة.

ثم بين نزول العذاب ووجه خلاص لوط وأهله فقال: ﴿ فأسر بأهلك ﴾ الباء للتعدية إن كانت الهمزة للوصل من السرى، أو زائدة وإن كانت للقطع من الإسراء.

﴿ بقطع من الليل ﴾ عن ابن عباس: أي في آخر الليل بسحر.

وقال قتادة: بعد طائفة من الليل.

وقيل نصف الليل كأنه قطع نصفين ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ أي لا ينظر إلى ما رواءه ﴿ إلا امرأتك ﴾ أكثر القراء على النصب فاعترض بأن الفصيح في مثله هو البدل لأن الكلام غير موجب فكيف اجتمع القراء على غير فصيح؟

فأجاب جار الله بأن الرفع بدل من ﴿ أحد ﴾ على القياس والنصب مستثنى من قوله: ﴿ فأسر ﴾ لا من قوله ﴿ لا يلتفت ﴾ وزيف بأن الاستثناء من ﴿ أسر ﴾ يقتضي كونها غير مسرى بها، والاستثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ يقتضي كونها مسرياً بها لأن الالتفات بعد الإسراء فتكون مسرياً بها غير مسرى بها.

ويمكن أن يجاب بأن ﴿ أسر ﴾ وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات إذ المراد أسر بأهلك إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات، فاستثن على هذا إن شئت من ﴿ أسر ﴾ وإن شئت من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولا تناقض.

وبعضهم - كابن الحاجب - جعل ﴿ إلا امرأتك ﴾ في كلتا القراءتين مستثنى من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولم يستبعد اجتماع القراء على قراءة غير الأقوى.

ويمكن أن يقال: إنما اجتمعوا على النصب ليكون استثناء من ﴿ أسر ﴾ إذ لو جعل استثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ لزم أن تكون مأمورة بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام اللهم إلا أن يجعل الاستثناء منقطعاً على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا كان هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها موجباً للمعصية.

قاله في الكشاف.

وروي أنه أمر أن يخلفها مع قومها فلم يسر بها.

واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.

أقول: في هذا الكلام خلل لا يمكن اجتماعهما على الصحة، والقراءتان يجب اجتماعهما على الصحة لتواتر القراآت كلها.

روي أنها لما سمعت هدّة العذاب أي صوته التفتت وقالت: يا قوماه: فأدركها حجر فقتلها.

وقيل: المراد بعدم الالتفات قطع تعلق القلب عن الأصدقاء والأموال والأمتعة.

فعلى هذا يصح الاستثناءان من غير شائبة التناقض كأنه أمر لوطاً أن يخرج بقومه ويترك هذه المرأة فإنها هالكة من الهالكين.

ثم أمر أن يقعطوا العلائق وأخبر أن امرأته تبقى متعلقة القلب بها.

يروى أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقيل له ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا: ﴿ أليس الصبح بقريب؟

﴾ ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بإهلاكهم ﴿ جعلنا ﴾ أي جعل رسلنا ﴿ عاليها سافلها ﴾ روي أن جبرائيل أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك لم يتبدد لهم طعام ولم يتكسر لهم إناء، ثم قلبها دفعة وضربها على الأرض، ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل - وهو معرب سنك وكل - كأنه مركب من حجر وطين وهو في غاية الصلابة.

وقيل: سجيل أي مثل السجل وهي الدلو العظيمة أو مثلها في تضمن الأحكام الكثيرة، وقيل: أي مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته.

وقيل: أي مما كتب الله أن يعذب به أو كتب عليه أسماء المعذبين من السجل وقد سجل لفلان.

وقيل: من سجين أي من جهنم فأبدلت النون لاماً.

ويل: إنه اسم من أسماء السماء الدنيا.

ومعنى ﴿ منضود ﴾ موضع بعضها فوق بعض في النزول يأتي على سبيل المتابعة والتلاصق.

أو نضد في السماء نضداً معداً لإهلاك الظلمة وفي السماء معادنها في جبال مخصوصة كقوله: { ﴿ من جبال فيها من برد  ﴾ ﴿ مسوّمة ﴾ معلمة للعذاب أو بياض وحمرة، عن الحسن والسدي عليها أمثال الخواتيم.

وقال ابن جريج كان عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض.

وقال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به.

وقال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع.

ومعنى ﴿ عند ربك ﴾ أي في خزائنه لا يتصرف في شيء منها إلا هو، أو مقرر في علمه إهلاك من أهلك بكل واحد منها ﴿ وما هي ﴾ أي تلك الحجارة ﴿ من الظالمين ﴾ أي من كل ظالم ﴿ ببعيد ﴾ وهو وعيد لأهل مكة عن رسول الله  أنه سأل جبرائيل عن هذا فقال يعني من ظالمي أمتك ما من ظالم إلا وهو بصدد سقوط الحجر عليه ساعة فساعة.

وقيل: أي تلك القرى ليست ببعيدة من ظالمي أهل مكة يمرون بها في مسايرهم إلى الشام.

وقيل: المراد أنها وإن كانت في السماء إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمى فكانت كأنها بمكان قريب والله  أعلم بمراده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ ﴾ : قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ ﴾ قيل: أي: ساءه مجيئهم ومكانهم وكرههم لصنيع قومه بالغرباء مخافة أن يفضحوهم ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ : أي: لم يدر كيف يصنع بهم، وكيف يحتال ليدفع عن ضيفه سوء قومه.

والذرع: قيل: هو المقدرة والقوة، أي: ضاق مقدرته وقوته ﴿ وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ قيل: فضيع شديد؛ لأنه يوم يهتك فيه الأستار، ويفضح الرجال.

وفيه دليل جواز الاجتهاد؛ لأنه قال: يوم عصيب فظيع، فعبد لم يظهر له شدته لكنه قاله اجتهاداً، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ [يحتمل: أن يكون قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ لما جاءته الرسل بإهلاك قومه ساءه ذلك، وضاق به ذرعاً كذلك أيضاً.

ويحتمل قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ ] بسوء صنيع قومه بأضيافه، الحرفان جميعاً ينصرفان إلى لوط لمكان قومه، أو لمكان أضيافه، أو يكون أحد الحرفين لمكان ضيفه، والآخر لمكان ما ينزل بقومه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ قال بعضهم: يسرعون إليه.

وقال بعضهم: ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: يهرولون إليه، وهو سير بين السعي وبين المشي بين بينين.

وقال بعضهم: [قوله] ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: يروعون إليه، من الروع، أي: فزعين إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل أن يبعث لوط رسولا إليهم كانوا يعملون السيئات.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل نزول الأضياف بلوط كانوا يعملون السيئات، والسيئات تحتمل الشرك وغيره من الفواحش التي كانوا يرتكبونها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ قال بعضهم: أراد بنات قومه؛ لأن الرسل هم كالآباء لأولاد قومهم ينسبون إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ  ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود  ، (وهو أب لهم كما أزواجه أمهاتهم والنبي أب لهم)؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي ﴾ أراد بنات قومه فنسبهن إلى نفسه؛ لما ذكرنا أنّه كالأب لهم.

ثم يحتمل معنى جعل النبي لأولاد قومه كالأب، وأزواجه كالأم وجهين: أحدهما: نسبوا إليه للشفقة، فهو أشفق بهم من الأب والأم.

أو: لحق التربية وتعليم الدين كالأب لهم؛ فهو أولى بهم من أنفسهم لهذين الوجهين.

وقال بعضهم: أراد بنات نفسه.

ثم اختلف فيه.

قال بعضهم: كان ذلك منه تعريضا لهم للنكاح؛ يقول: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم نكاحاً إن كنتم قابلين للإيمان.

ومنهم من قال: هو تعريض منه لما هو زنا عندهم، لا أنه عرض ذلك عند نفسه، وهذا كما يقولون بأن من أكره على أن يشتم محمداً  فلا بأس بأن يشتم ويقصد بشتمه محمداً آخر يحل له شتمه، وإن كان عند المكره أنه يشتم رسول الله  بعد أن جعل الشاتم في قلبه [غيره]، وكذلك إذا أكره [على] أن يشتم الإله، فيقصد بالشتم شتم آلهتهم، وإن كان عندهم أنه [إنما] يشتم إلهه الذي يعبده؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: ﴿ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ تعريض زنا عندهم، وإن كان عنده أنه ليس لذلك يقصد.

وقال قائلون: قال هذا ليريهم قبح الفعل الذي كانوا يقصدون بأضيافه؛ لأن الزنا كان عندهم محرما فعرض عليهم بناته؛ ليعرفوا قبح ذلك الفعل؛ حيث احتمل فعله في بناته ولم يحتمل في أضيافه؛ ليمتنعوا عن ذلك.

أو يحتمل أن يكون قال ذلك وإن كان كلاهما لا يحلان، لكن أحدهما أيسر وأهون، ويجوز الجمع بين شرين؛ فيقال: هذا أطهر لكم وأحل من هذا، وهذا أيسر من هذا وأهون، وإن كان كلاهما شرين، فالزنا وإن كان حراماً فذلك مما يحل بالنكاح، وأدبار الرجال لا تحل بحال.

وقال بعضهم: إنهم كانوا يخطبون بناته، وكان أبي أن يزوجهن منهم؛ لما لم يكونوا كفؤاً لهن، ثم عرض عليهم في ذلك الوقت؛ ليعلموا قبح ذلك الفعل الذي قصدوا بأضيافه، أو كلام نحو هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلاَ تَفْضَحُونِ  ﴾ ليعلم أن الإخزاء هو الفضيحة؛ هذا يدل أن الخزي هو الذي يفضح من نزل به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ قال بعضهم: هم أن يزوج بعض بناته من يصدر لرأيه فيمنعهم عنهم؛ كأنه يقول: أليس منكم من يرشد ويصدر لرأيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ أي: أليس منكم رجل يقبل الموعظة، ويرشدكم، ويعظكم، أو يقول: أليس منكم رجل رشيد على النفي فيمنعهم عما يريدون ويقصدون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ على التأويلين اللذين ذكرناهما يكون: الحق: حق النكاح، أو حق الاستمتاع، وفي بعض التأويلات من حق: من حاجة، وبذلك يقول عامة أهل التأويل: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ أي: من حاجة ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ يعنون: الأضياف ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾ أي: قوة في نفسي ﴿ أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ قيل: عشيرته.

والركن الشديد عند العرب: العشيرة؛ يقول: لو أن لي بكم قوة في نفسي أو عشيرة يعينوني لقاتلتكم؛ فيه دلالة أن من رأى آخر على فاحشة فله أن يقاتله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ تأويله - والله أعلم -: أنك تعلم أن ليس لنا في بناتك من حق كما ليس لنا في أضيافك من حق فكيف تمنعنا عنهم وتعرض علينا بناتك، فهن فيما ليس لنا فيهن حق كأولئك، والله أعلم.

﴿ قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ ﴾ قيل: قالوا ذلك للوط: لن يصلوا إليك؛ لما طمسوا أعينهم، وهو كقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ  ﴾ .

وقال قائلون قالوا ذلك للوط [لما أوعدوا للوط] حين طمست أعينهم أن ضيفك سحروا أبصارنا، فستعلم غداً ما تلقى أنت وأهلك، فقالوا عند ذلك: لن يصلوا إليك بسوء غداً بأنهم يهلكون.

ودل قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ على أنهم قد هموا للوط وأوعدوه حتى قال ما قال؛ ألا ترى أن الملائكة قالوا له: إنهم لن يصلوا إليك، فهذا على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ ﴾ قيل: قطع من الليل: آخره وهو وقت السحر.

وقيل: هو ثلث الليل، أو ربعه من آخره، وهو واحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ﴾ قيل: لا يتخلف أحد منكم إلا امرأتك؛ فإنها تتخلف، ويصيبها ما أصاب أولئك.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ ﴾ من الالتفات والنظر.

وقيل: لا يترك أحد منكم متابعتك إلا امرأتك؛ فإنها لا تتبعك، فيصيبها ما أصاب أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ﴾ يحتمل النهي عن الالتفات، كأنه يقول: لا يلتفت أحد.

ويحتمل الخبر كأنه يقول: لا يلتفت منكم أحد إلا من ذكر، وهو زوجته، فلذلك علامة لخلافها له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ﴾ ، فقالوا: ﴿ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ : كأن لوطاً استبطأ الصبح لعذابهم، فقالوا: أليس الصبح بقريب، هذا من لوط لا يحتمل أن يكون قال ذلك وهو بين أظهرهم، ويعلم أن قراه يقلب أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها، ولكن قال [ذلك] - والله أعلم - بعدما أخرجوه وأهله من بين أظهرهم، فعند ذلك قال ما قال، واستبطأ وقت نزول العذاب بهم؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ يحتمل: جاء الأمر بالمراد بأمرنا.

أو أمره هو جعله عاليها سافلها.

ثم قال أهل التأويل قوله: ﴿ جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ أدخل جبريل جناحه تحت [قريات لوط] فرفعها إلى السماء، ثم قلبها فجعل ما [هو] أعلاها أسفلها، فهوت إلى الأرض؛ فذلك قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ  ﴾ قيل: [أهوى بها] جبريل من السماء إلى الأرض.

وأمكن أن يكون إذا أهلكهم جعلهم تحت الأرض؛ فذلك جعل أعلاها أسفلها، [لكن أهل التأويل حملوه على ما ذكرنا، وأجمعوا على ذلك.

وقال بعضهم: قلبت القرى، وجعل أعلاها أسفلها] على ما ذكر، وأرسل الحجارة على من كان غائبا عنها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ﴾ .

قال بعضهم: أمطر الحجارة عليها، ثم قلبها جبريل.

وقال بعضهم: أمطر عليها الحجارة بعدما قلبها [جبريل]، فسواها، وكل واحد منهم كان غائبا عن بلده جاءت حجار مكتوب عليها اسمه فقلته حيث كان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ \[قال بعضهم\]: السجيل: هو اسم المكان الذي منه رفع الحجر الذي أمطر.

وقال بعضهم: هو طين مطبوخ كالآجر.

وعن ابن عباس -  - قال: سَنْك وجيل ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ نضد الحجر بالطين وألصق بعضه ببعض [مسومة]: معلمة، مخططة، سود الحمرة.

وقال بعضهم: [ ﴿ مُّسَوَّمَةً ﴾ ]، أي: مكتوب عليها اسم صاحبها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ .

قال بعضهم: ما هي من ظلمة قوم لوط ببعيد.

وقال بعضهم: ما هي من ظالمي أهل [مكة] وحواليهم ببعيد، [أي: عذاب الله ليس ببعيد، فهو] يعذبهم إن شاء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ أي: تلك القرى والأمكنة التي أهلك أهلها ليست ببعيدة من مشركي أهل مكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ ﴾ الآية [الصافات: 137-138]، وفيه تذكير [منته] على هذه الأمة، حيث لم يجعل عذابهم عذاب استئصال بحيث لا يملكون العود عنه والرجوع، ولكن جعل عذابهم الجهاد، حتى لو أرادوا الرجوع عنه ملكوا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال له قومه: لقد علمت -يا لوط- أنَّه ليس لنا حاجة في بناتك ولا نساء قومك، ولا شهوة، وإنك لتعلم ما نريده، فلا نريد إلا الرجال.

<div class="verse-tafsir" id="91.KbnL6"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.5 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله