الآية ٨١ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٨١ من سورة هود

قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ ٨١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 143 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨١ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨١ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ) وأمروه أن يسري بأهله من آخر الليل ، وأن يتبع أدبارهم ، أي : يكون ساقة لأهله ، ( ولا يلتفت منكم أحد ) أي : إذا سمعت ما نزل بهم ، ولا تهولنكم تلك الأصوات المزعجة ، ولكن استمروا ذاهبين [ كما أنتم ] .

( إلا امرأتك ) قال الأكثرون : هو استثناء من المثبت وهو قوله : ( فأسر بأهلك ) تقديره ( إلا امرأتك ) وكذلك قرأها ابن مسعود ونصب هؤلاء امرأتك; لأنه من مثبت ، فوجب نصبه عندهم .

وقال آخرون من القراء والنحاة : هو استثناء من قوله : ( ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ) فجوزوا الرفع والنصب ، وذكر هؤلاء [ وغيرهم من الإسرائيليات ] أنها خرجت معهم ، وأنها لما سمعت الوجبة التفتت وقالت واقوماه .

فجاءها حجر من السماء فقتلها .

ثم قربوا له هلاك قومه تبشيرا له; لأنه قال لهم : " أهلكوهم الساعة " ، فقالوا : ( إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ) هذا وقوم لوط وقوف على الباب وعكوف قد جاءوا يهرعون إليه من كل جانب ، ولوط واقف على الباب يدافعهم ويردعهم وينهاهم عما هم فيه ، وهم لا يقبلون منه ، بل يتوعدونه ، فعند ذلك خرج عليهم جبريل ، عليه السلام ، فضرب وجوههم بجناحه ، فطمس أعينهم ، فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق ، كما قال تعالى : ( ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر [ ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر ] ) [ القمر : 37 - 39 ] .

وقال معمر ، عن قتادة ، عن حذيفة بن اليمان قال : كان إبراهيم - عليه السلام - يأتي قوم لوط ، فيقول : أنهاكم الله أن تعرضوا لعقوبته ؟

فلم يطيعوه ، حتى إذا بلغ الكتاب أجله [ لمحل عذابهم وسطوات الرب بهم قال ] انتهت الملائكة إلى لوط وهو يعمل في أرض له ، فدعاهم إلى الضيافة فقالوا : إنا ضيوفك الليلة ، وكان الله قد عهد إلى جبريل ألا يعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة ، ذكر ما يعمل قومه من الشر [ والدواهي العظام ] ، فمشى معهم ساعة ، ثم التفت إليهم فقال : أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟

ما أعلم على وجه الأرض شرا منهم .

أين أذهب بكم ؟

إلى قومي وهم [ من ] أشر خلق الله ، فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال : احفظوها هذه واحدة .

ثم مشى معهم ساعة ، فلما توسط القرية وأشفق عليهم واستحيا منهم قال : أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟

ما أعلم على وجه الأرض أشر منهم ، إن قومي أشر خلق الله .

فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال : احفظوا ، هاتان اثنتان ، فلما انتهى إلى باب الدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم فقال إن قومي أشر من خلق الله ؟

أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟

ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرا منهم .

فقال جبريل للملائكة : احفظوا ، هذه ثلاث ، قد حق العذاب .

فلما دخلوا ذهبت عجوز السوء فصعدت فلوحت بثوبها ، فأتاها الفساق يهرعون سراعا ، قالوا : ما عندك ؟

قالت : ضيف لوط قوما ما رأيت قط أحسن وجوها منهم ، ولا أطيب ريحا منهم .

فهرعوا يسارعون إلى الباب ، فعالجهم لوط على الباب ، فدافعوه طويلا هو داخل وهم خارج ، يناشدهم الله ويقول : ( هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ) فقام الملك فلز بالباب - يقول فسده - واستأذن جبريل في عقوبتهم ، فأذن الله له ، فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء ، فنشر جناحه .

ولجبريل جناحان ، وعليه وشاح من در منظوم ، وهو براق الثنايا ، أجلى الجبين ، ورأسه حبك حبك مثل المرجان وهو اللؤلؤ ، كأنه الثلج ، ورجلاه إلى الخضرة .

فقال يا لوط : ( إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ) امض يا لوط عن الباب ودعني وإياهم ، فتنحى لوط عن الباب ، فخرج إليهم ، فنشر جناحه ، فضرب به وجوههم ضربة شدخ أعينهم ، فصاروا عميا لا يعرفون الطريق [ ولا يهتدون بيوتهم ] ثم أمر لوط فاحتمل بأهله في ليلته قال : ( فأسر بأهلك بقطع من الليل ) .

وروي عن محمد بن كعب [ القرظي ] وقتادة ، والسدي نحو هذا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة للوط، لما قال لوط لقومه لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، ورأوا ما لقي من الكرب بسببهم منهم: (يا لوط إنا رسل ربك) ، أرسلنا لإهلاكهم، وإنهم لن يصلوا إليك وإلى ضيفك بمكروه، فهوّن عليك الأمر ، (فأسر بأهلك بقطع من الليل) ، يقول: فاخرج من بين أظهرهم أنت وأهلك ببقية من الليل.

(45) * * * يقال منه: " أسرى " و " سرى "، وذلك إذا سار بليل ، (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك).

* * * واختلفت القراءة في قراءة قوله: (فأسر) .

فقرأ ذلك عامة قراء المكيين والمدنيين: " فَاسْرِ"، وصلٌ بغير همز الألف ، من " سرى ".

* * * وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة: (فَأَسْرِ) بهمز الألف ، من " أسرى " .

* * * قال أبو جعفر: والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان، قد قرأ بكل واحدة منهما أهل قدوة في القراءة، وهما لغتان مشهورتان في العرب ، معناهما واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.

* * * وأما قوله: (إلا امرأتك) ، فإن عامَّة القراء من الحجاز والكوفة، وبعض أهل البصرة، قرأوا بالنصب (إلا امْرَأَتَكَ) ، بتأويل: فأسر بأهلك إلا امرأتك، وعلى أن لوطًا أمر أن يسري بأهله سوى زوجته، فإنه نهي أن يسري بها، وأمر بتخليفها مع قومها.

* * * وقرأ ذلك بعض البصريين: (إلا امْرَأَتُكَ) ، رفعًا ، بمعنى: ولا يلتفت منكم أحد ، إلا امرأتك ، فإن لوطًا قد أخرجها معه، وإنه نهي لوط ومن معه ممن أسرى معه أن يلتفت سوى زوجته، وأنها التفتت فهلكت لذلك.

* * * وقوله: (إنه مصيبها ما أصابهم) ، يقول: إنه مصيب امرأتك ما أصاب قومك من العذاب ، (إن موعدهم الصبح) ، يقول: إن موعد قومك الهلاك الصبح.

فاستبطأ ذلك منهم لوط وقال لهم: بلى عجِّلوا لهم الهلاك !

فقالوا: (أليس الصبح بقريب) أي عند الصبح نـزولُ العذاب بهم، كما:- 18407- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (أليس الصبح بقريب) ، أي : إنما ينـزل بهم من صبح ليلتك هذه، فامض لما تؤمر.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك :- 18408- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: فمضت الرُّسُل من عند إبراهيم إلى لوط، فلما أتوا لوطًا، وكان من أمرهم ما ذكر الله، قال جبريل للوط: يا لوط ، إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين ، فقال لهم لوط: أهلكوهم الساعة !

فقال له جبريل عليه السلام: (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) ؟

فأنـزلت على لوط: (أليس الصبح بقريب) ، قال: فأمره أن يسري بأهله بقطع من الليل، ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته، قال: فسار، فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها ، أدخل جبريل جناحَه فرفعها ، حتى سمع أهلُ السماء صياح الديكة ونباحَ الكلاب، فجعل عاليها سافلَها، وأمطر عليها حجارة من سجِّيل.

قال: وسمعت امرأة لوط الهَدَّة، فقالت: واقوماه !

فأدركها حَجَرٌ فقتَلها.

(46) 18409- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية قال: كان لوط أخذ على امرأته أن لا تذيع شيئًا من سرّ أضيافه.

قال: فلما دخل عليه جبريل ومن معه، رأتهم في صورة لم تر مثلها قطُّ ، فانطلقت تسعى إلى قومها، فأتت النادي فقالتْ بيدها هكذا، وأقبلوا يهرعون مشيا بين الهرولة والجمز، فلما انتهوا إلى لوط ، قال لهم لوطٌ ما قال الله في كتابه.

قال جبريل: (يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) ، قال: فقال بيده، (47) فطمس أعينهم، فجعلوا يطلبونهم، يلمسون الحيطان وهم لا يبصرون.

(48) 18410- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حذيفة قال: لما بَصُرت بهم ، يعني بالرسل ، عجوزُ السَّوء امرأتُه، انطلقت فأنذرتهم، فقالت: قد تضيَّف لوطًا قوم، (49) ما رأيت قومًا أحسن وجوهًا !

، قال: ولا أعلمه إلا قالت: ولا أشد بياضًا وأطيبَ ريحًا !

قال: فأتوه يُهْرعون إليه، كما قال الله، فأصْفق لوط البابَ.

قال: فجعلوا يعالجونه.

قال: فاستأذن جبريل ربَّه في عقوبتهم، فأذن له، فصفقهم بجناحه، فتركهم عميانًا يتردَّدون في أخبث ليلة أتت عليهم قطُّ .

(50) فأخبروه : (إنا رسل ربك فأسر بأهلك بقطع من الليل) ، قال: ولقد ذكر لنا أنه كانت مع لوط حين خرج من القرية امرأته، ثم سمعت الصوت، فالتفتت، وأرسل الله عليها حجرًا فأهلكها.

وقوله: (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) ، فأراد نبيُّ الله ما هو أعجل من ذلك، فقالوا : (أليس الصبح بقريب )؟

(51) 18411- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا الحكم بن بشير قال ، حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن سعيد بن بشير، عن قتادة قال: انطلقت امرأته ، يعني امرأة لوط ، حين رأتهم ، يعني حين رأت الرسل ، إلى قومها فقالت: إنه قد ضافه الليلة قوم ما رأيت مثلَهم قط، أحسنَ وجوهًا ولا أطيبَ ريحًا !

فجاؤوا يُهرعون إليه، فبادرهم لوط إلى أن يزحمهم على الباب، (52) فقال: هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ، فقالوا: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ ، (53) فدخلوا على الملائكة، فتناولتهم الملائكة وطمست أعينهم، فقالوا: يا لوط جئتنا بقوم سحرة سحرونا، كما أنت حتى تصبح !

قال: واحتمل جبريل قَرْيات لوط الأربع، في كل قرية مائة ألف، فرفعهم على جناحه بين السماء والأرض، حتى سمع أهل السماء الدنيا أصواتَ ديكتهم، ثم قلبَهم، فجعل الله عاليها سافَلها.

(54) 18412- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: قال حذيفة: لما دخلوا عليه، ذهبت عَجُوزه عجوزُ السوء، فأتت قومها فقالت: لقد تضيَّف لوطًا الليلة قومٌ ما رأيت قومًا قطُّ أحسنَ وجوهًا منهم !

قال: فجاؤوا يسرعون، (55) فعاجلَهم إلى لوط، (56) فقام ملك فلزَّ الباب ، يقول: فسدّه ، واستأذن جبريل في عقوبتهم، فأذن له، فضربهم جبريل بجناحه، فتركهم عميانًا، فباتوا بشرّ ليلة، ثم قالوا (إنا رسل ربك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) ، قال: فبلغنا أنها سمعت صوتًا، فالتفتت فأصابها حجر، وهى شاذَّة من القوم معلومٌ مكانها.

(57) 18413- حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن حذيفة بنحوه، إلا أنه قال: فعاجلهم لوط.

(58) 18414- حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدي قال، لما قال لوط: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، بسط حينئذ جبريل عليه السلام جناحيه، ففقأ أعينهم، وخرجوا يدوس بعضُهم في أدبار بعض عميانًا يقولون: " النَّجَاءَ النجاء!

فإن في بيت لوط أسحرَ قوم في الأرض " !

فذلك قوله: وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ، [سورة القمر: 37] .

وقالوا للوط: (إنا رسل ربِّك لن يصلوا إليك فأسرْ بأهْلكَ بقطع منَ اللَّيْل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها)، وَاتبع أدبارَ أهلك (59) ، يقول: سرْ بهم ، وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ، فأخرجهم الله إلى الشام.

وقال لوط: أهلكوهم الساعة!

فقالوا: إنا لم نؤمر إلا بالصُّبح، أليس الصبح بقريب؟

فلما أن كان السَّحَر ، خرج لوط وأهله معه امرأته، (60) فذلك قوله: إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ، [سورة القمر: 34].

(61) 18415- حدثني المثني قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد : أنه سمع وهب بن منبه يقول: كانَ أهل سدوم الذين فيهم لوط ، قومًا قد استغنوا عن النساء بالرجال ، فلما رأى الله ذلك [منهم]، (62) بعث الملائكة ليعذبوهم، فأتوا إبراهيم، وكان من أمره وأمرهم ما ذكر الله في كتابه.

فلما بشروا سارَة بالولد، قاموا وقام معهم إبراهيم يمشي، قال: أخبروني لم بعثتم ؟

وما خطبكم؟

قالوا: إنا أرسلنا إلى أهل سدوم لندمرها، وإنهم قوم سَوء قد استغنوا بالرجال عن النساء.

قال إبراهيم: [أرأيتم] إن كان فيهم خمسون رجلا صالحًا؟

(63) قالوا: إذًا لا نعذبهم!

فجعل ينقص حتى قال أهل بَيْت ؟

(64) قالوا: فإن كان فيها بيت صالح!

قال: فلوط وأهل بيته؟

قالوا: إن امرأته هَوَاها معهم!

فلما يَئس إبراهيم انصرف .

ومضوا إلى أهل سدوم، فدخلوا على لوط ، فلما رأتهم امرأته أعجبها حسنهم وجمالهم، فأرسلت إلى أهل القرية إنه قد نـزل بنا قومٌ لم يُرَ قومٌ قطُّ أحسن منهم ولا أجمل !

(65) فتسامعوا بذلك، فغشُوا دار لُوط من كل ناحية وتسوَّروا عليهم الجدران.

(66) فلقيهم لوط فقال: يا قوم لا تفضحون في ضيفي، وأنا أزوّجكم بناتي ، فهن أطهر لكم !

فقالوا: لو كنَّا نُريد بناتك ، لقد عرفنا مكانهن!

فقال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ !

فوجد عليه الرسل وقالوا: إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود !

فمسح أحدهم أعينهم بجناحيه، فطمس أبصارَهم فقالوا: سُحِرْنا، انصرفوا بنا حتى نرجع إليه !

فكان من أمرهم ما قد قصَّ الله تعالى في القرآن.

(67) فأدخل ميكائيل ، وهو صاحبُ العذاب ، جناحه حتى بلغ أسفل الأرض، فقلبها، ونـزلت حجارة من السماء، فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانُوا، فأهلكهم الله، ونجّى لوطًا وأهله، إلا امرأته.

(68) 18416- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، وعن أبي بكر بن عبد الله ، وأبو سفيان، عن معمر ، عن قتادة، عن حذيفة، دخل حديث بعضهم في بعض قال: كان إبراهيم عليه السلام يأتيهم فيقول: ويحكم أنهاكم عن الله أن تعرَّضوا لعقوبته!

فلم يطيعوا ، حتى إذا بلغ الكتاب أجلَه ، لمحل عذابهم وسطوات الرّبّ بهم.

قال: فانتهت الملائكة إلى لوط وهو يعمل في أرض له، فدعاهم إلى الضيافة، فقالوا: إنَّا مُضيِّفوك الليلة !

وكان الله تعالى عهد إلى جبريل عليه السلام أن لا يُعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات .

فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة، ذكر ما يعمل قومه من الشَّرّ والدواهي العظام، فمشى معهم ساعةً، ثم التفت إليهم، فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟

ما أعلم على وجه الأرضِ شرًّا منهم!

أين أذهب بكم ؟

إلى قومي وهم شرُّ من خَلَقَ الله !

(69) فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال: احفظوا هذه واحدة !

ثم مشى ساعةً ، فلما توسَّط القرية وأشفق عليهم واستحيا منهم، قال: أما تعلمون ما يعملُ أهل هذه القرية؟

وما أعلم على وجه الأرض شرًّا منهم، إن قومي شر خلق الله !

فالتفت جبريل إلى الملائكة، فقال: احفظوا ، هاتان ثنتان !

فلما انتهى إلى باب الدار بكَى حياءً منهم وشفقة عليهم ، وقال: إن قومي شرُّ خلق الله، أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟

ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرا منهم !

فقال جبريل للملائكة: احفظوا هذه ثلاثٌ، قد حُقَّ العذاب!

فلما دخلوا ذهبت عجوزُه، عجُوز السَّوء، فصعدت فلوحت بثوبها، فأتاها الفساق يهرعون سراعًا، قالوا: ما عندك؟

قالت: ضيَّف لوطًا الليلة قومٌ ما رأيت أحسنَ وجوهًا منهم ولا أطيب ريحًا منهم !

فهُرِعوا يسارعون إلى الباب، (70) فعاجلهم لوط على الباب، فدافعوه طويلا هو داخل وهم خارج، يناشدهم الله ويقول: هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ، فقام الملك فلزَّ الباب ، يقول: فسَدّه ، واستأذن جبريل في عقوبتهم، فأذن الله له، فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء، فنشر جناحه، ولجبريل جناحان، وعليه وشاح من درّ منظوم، وهو براق الثنايا أجلَى الجبين، ورأسه حُبُك، مثل المرجان ، (71) وهو اللؤلؤ، كأنه الثلج، وقدماه إلى الخضرة ، فقال: يا لوط ، (إنَّا رسل ربك لن يصلوا إليك) ، أمِطْ ، يا لوط ، من الباب ودعني وإياهم .

(72) فتنحى لوط عن الباب، فخرج عليهم ، فنشر جناحه، فضرب به وجوههم ضربةً شَدَخ أعينهم ، (73) فصاروا عميًا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم.

ثم أمر لوطًا فاحتمل بأهله من ليلته، قال: (فأسر بأهلك بقطع من الليل).

18417- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما قال لوط لقومه: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، والرسل تسمع ما يقول وما يُقال له ، ويرون ما هو فيه من كرْب ذلك.

فلما رأوا ما بلغه قالوا : (يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) ، أي : بشيء تكرهه ، (فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحدٌ إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إنّ موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) ، أي إنما ينـزل بهم العذاب من صبح ليلتك هذه، فامض لما تؤمر.

18418-.

.

.

.

قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي أنه حدَّث.

أن الرسل عند ذلك سَفَعُوا في وجوه الذين جاؤوا لوطًا من قومه يراودونه عن ضيفه، (74) فرجعوا عميانًا.

قال: يقول الله: وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ [سورة القمر: 37].

18419- حدثني المثني قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (بقطع من الليل)، قال: بطائفة من الليل.

18420- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (بقطع من الليل)، بطائفة من الليل.

18421- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس قوله: ( بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) ، قال: جوف الليل ، وقوله: وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ ، يقول: واتبع أدبار أهلك ، ( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) (75) [سورة الحجر: 65] .

وكان مجاهد يقول في ذلك ما:- 18422- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (ولا يلتفت منكم أحد) ، قال: لا ينظر وراءَه أحد ، (إلا امرأتك).

* * * وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ: ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلَ إلا امْرَأَتَكَ).

* * * 18423- حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا حجاج، عن هارون، قال في حرف ابن مسعود: ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلَ إلا امْرَأَتَكَ).

* * * قال أبو جعفر: وهذا يدل على صحة القراءة بالنصب.

------------------------ الهوامش: (45) انظر تفسير " القطع " فيما سلف ص : 76 .

(46) الأثر : 18408 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 155 .

(47) " قال بيده " ، أشار بيده وأومأ .

(48) الأثر : 18409 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 155 .

(49) في المطبوعة فقال " إنه تضيف لوطا " ، وفي المخطوطة : " رب تضيف لوط قوم " ، وهو خطأ من الناسخ لا شك فيه وأثبت ما في التاريخ .

(50) في المطبوعة : " في أخبث ليلة ما أتت عليهم .

.

.

" ، كأنه أراد تصويبها ، فأفسدها .

والصواب ما في المخطوطة والتاريخ .

(51) الأثر : 18410 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 155 ، ولم ترد فيه الجملة الأخيرة من الخبر .

(52) في المطبوعة : " يزجهم على الباب " والصواب ما في المخطوطة والتاريخ .

(53) تضمين آيات سورة الحجر : 70 ، 71 .

(54) الأثر : 18411 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 155 ، 156 .

(55) في التاريخ " فجاؤوا يهرعون إليه " .

(56) في المطبوعة : " فعاجلهم لوط " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وأنا في ريب منه ، لأن أبا جعفر لم يرو هذه الجملة في تاريخه ، ولا أدري لم ؟

ولم أشأ أن أغيره ، للخبر الذي يليه ، وهو في التاريخ جمع الإسنادين جميعًا ، وساق هذه الجملة كلها غير هذا السياق .

(57) الأثر : 18412 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 156 ، جمع هذا الإسناد والذي يليه فقال : " .

.

.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال حدثنا محمد بن ثور ، وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرازق ، جميعًا ، عن معمر .

.

.

".

(58) الأثر : 18413 - انظر التعليق السالف ، وإن كانت هذه الجملة ، لم ترد في نص روايته في التاريخ .

(59) هذا تضمين للآيات من هذه السورة ، والتي في سورة الحجر : 65 .

(60) في التاريخ : " وأهله معه إلا امرأته " .

(61) الأثر : 18414 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 157 ، مع اختلاف ذكرته آنفا .

وذكر إسناده تامًا غير مختصر ، إلى ابن عباس ، وابن مسعود ، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

وهو إسناد دائر في التفسير ، في أوله ، ثم اختصره أبو جعفر بعد .

(62) الزيادة بين القوسين ، من التاريخ .

(63) الزيادة بين القوسين ، من التاريخ .

(64) في المطبوعة والمخطوطة : " أهل البيت " ، والصواب من التاريخ .

(65) في التاريخ : " لم ذر قومًا " .

(66) في التاريخ : " الجدارات " ، وفي المخطوطة : " الجدرات " ، والذي في التاريخ صالح .

(67) في المطبوعة وحدها : " في كتابة " .

(68) الأثر : 18415 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 156 ، 157 ، وانظر التعليق على رقم : 18406 .

(69) في المطبوعة : " شر خلق الله " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(70) في المطبوعة : " مسارعين إلى الباب " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(71) هكذا في المطبوعة ، بأنه يعني " حبك الشعر " ، وهو الجعد المتكسر منه ، وفي المخطوطة " حبل حبل " غير منقوطة ، كأنها " حبل ، حبل " ، يعني الذي ينظم في اللؤلؤ كالتاج .

أو تقرأ " جثل ، جثل " ، وهو من الشعر الكثير الملتف .

والله أعلم .

(72) في المطبوعة : " امض يا لوط " ، غير ما في المخطوطة ، وهو الصواب المحض .

يقال : "ماط عن المكان ، وأماط عنه " ، إذا تنحى .

وفي حديث خيبر أنه أخذ الراية فهزها ، فقال : من يأخذها بحقها ؟

فجاء فلان ، فقال : أنا !

فقال : أمط !

ثم جاء آخر ، فقال : أمط ، أي : تنح أنت واذهب .

(73) هكذا في المطبوعة والمخطوطة : " شدخ أعينهم " ، كأنه من " شدخت الغرة "، إذا غشيت الوجه من أصل الناصية إلى الأنف ، في الفرس .

هذا ، وإلا فإني لا أدري ما هو ؟

.

(74) " سفع وجهه بيده سفعا " لطمه بكفه مبسوطة .

(75) الأثر : 18421 - هذا من تفسير آية سورة الحجر : 65 ، ولم يذكره هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالوا يا لوط إنا رسل ربك لما رأت الملائكة حزنه واضطرابه ومدافعته عرفوه بأنفسهم ، فلما علم أنهم رسل مكن قومه من الدخول ، فأمر جبريل - عليه السلام - يده على أعينهم فعموا ، وعلى أيديهم فجفت ." لن يصلوا إليك " أي بمكروه" فأسر بأهلك " قرئ " فاسر " بوصل الألف وقطعها ; لغتان فصيحتان .

قال الله تعالى : " والليل إذا يسر " وقال : " سبحان الذي أسرى " وقال النابغة : فجمع بين اللغتين :[ ص: 71 ]أسرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البردوقال الآخر :حي النضيرة ربة الخدر أسرت إليك ولم تكن تسريوقد قيل : " فأسر " بالقطع إذا سار من أول الليل ، وسرى إذا سار من آخره ; ولا يقال في النهار إلا سار .

وقال لبيد :إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه قضى عملا والمرء ما عاش عاملوقال عبد الله بن رواحة :عند الصباح يحمد القوم السرى وتنجلي عنهم غيابات الكرى" بقطع من الليل " قال ابن عباس : بطائفة من الليل .

الضحاك : ببقية من الليل .

قتادة : بعد مضي صدر من الليل .

الأخفش : بعد جنح من الليل .

ابن الأعرابي : بساعة من الليل .

وقيل : بظلمة من الليل .

وقيل : بعد هدء من الليل .

وقيل : هزيع من الليل .

وكلها متقاربة ; وقيل : إنه نصف الليل ; مأخوذ من قطعه نصفين ; ومنه قول الشاعر :ونائحة تنوح بقطع ليل على رجل بقارعة الصعيدفإن قيل : السرى لا يكون إلا بالليل ، فما معنى بقطع من الليل ؟

فالجواب : أنه لو لم يقل : بقطع من الليل جاز أن يكون أوله ." ولا يلتفت منكم أحد " أي لا ينظر وراءه منكم أحد ; قاله مجاهد .

ابن عباس : لا يتخلف منكم أحد .

علي بن عيسى لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو متاع ." إلا امرأتك " بالنصب ; وهي القراءة الواضحة البينة المعنى ; أي فأسر بأهلك إلا امرأتك .

وكذا في قراءة ابن مسعود فأسر بأهلك إلا امرأتك فهو استثناء من الأهل .

وعلى هذا لم يخرج بها معه .

وقد قال الله - عز وجل - : كانت من الغابرين أي من الباقين .

وقرأ أبو عمرو وابن كثير : " إلا امرأتك " بالرفع على البدل من أحد .

وأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد ; وقال : لا يصح ذلك إلا برفع " يلتفت " ويكون نعتا ; لأن المعنى يصير - إذا أبدلت وجزمت - أن المرأة أبيح لها الالتفات ، وليس المعنى كذلك .

قال النحاس : وهذا الحمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون ; والرفع على البدل له معنى صحيح ، والتأويل له على ما حكىمحمد بن [ ص: 72 ] الوليد عن محمد بن يزيد أن يقول الرجل لحاجبه : لا يخرج فلان ; فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب ; أي لا تدعه يخرج ; ومثله قولك : لا يقم أحد إلا زيد ; يكون معناه : انههم عن القيام إلا زيدا ; وكذلك النهي للوط ولفظه لغيره ; كأنه قال : انههم لا يلتفت منهم أحد إلا امرأتك ، ويجوز أن يكون استثناء من النهي عن الالتفات لأنه كلام تام ; أي لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك ، وأن لوطا خرج بها ، ونهى من معه ممن أسرى بهم ألا يلتفت ، فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته ; فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت : واقوماه !

فأدركها حجر فقتلها ." إنه مصيبها " أي من العذاب ، والكناية في " إنه " ترجع إلى الأمر والشأن ; أي فإن الأمر والشأن والقصةمصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح لما قالت الملائكة : إنا مهلكو أهل هذه القرية قال لوط : الآن الآن .

استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه ; فقالوا : " أليس الصبح بقريب " وقرأ عيسى بن عمر " أليس الصبح " بضم الباء وهي لغة .

ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم ; لأن النفوس فيه أودع ، والناس فيه أجمع .

وقال بعض أهل التفسير : إن لوطا خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر ; وأن الملائكة قالت له : إن الله قد وكل بهذه القرية ملائكة معهم صوت رعد ، وخطف برق ، وصواعق عظيمة ، وقد ذكرنا لهم أن لوطا سيخرج فلا تؤذوه ; وأمارته أنه لا يلتفت ، ولا تلتفت ابنتاه فلا يهولنك ما ترى .

فخرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا لما بلغ الأمر منتهاه واشتد الكرب.{ قَالُوا } له: { إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ } أي: أخبروه بحالهم ليطمئن قلبه، { لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ } بسوء.

ثم قال جبريل بجناحه، فطمس أعينهم، فانطلقوا يتوعدون لوطا بمجيء الصبح، وأمر الملائكة لوطا، أن يسري بأهله { بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ } أي: بجانب منه قبل الفجر بكثير، ليتمكنوا من البعد عن قريتهم.

{ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ } أي: بادروا بالخروج، وليكن همكم النجاة ولا تلتفتوا إلى ما وراءكم.

{ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا } من العذاب { مَا أَصَابَهُمُ } لأنها تشارك قومها في الإثم، فتدلهم على أضياف لوط، إذا نزل به أضياف.

{ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ } فكأن لوطا، استعجل ذلك، فقيل له: { أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالوا يا لوط ) إن ركنك لشديد ، ( إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ) فافتح الباب ودعنا وإياهم ، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ربه عز وجل في عقوبتهم ، فأذن له ، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه وعليه وشاح من در منظوم ، وهو براق الثنايا ، أجلى الجبين ، ورأسه حبك مثل المرجان ، كأنه الثلج بياضا وقدماه إلى الخضرة ، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم ، فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم ، فانصرفوا وهم يقولون : النجاء النجاء ، فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض سحرونا ، وجعلوا يقولون : يا لوط كما أنت حتى تصبح فسترى ما تلقى منا غدا .

يوعدونه ، فقال لوط للملائكة : متى موعد إهلاكهم؟

فقالوا : الصبح ، فقال : أريد أسرع من ذلك فلو أهلكتموهم الآن ، فقالوا ( أليس الصبح بقريب ) ثم قالوا ، ( فأسر ) يا لوط ، ( بأهلك ) .

قرأ أهل الحجاز " فاسر " و " أن اسر " بوصل الألف حيث وقع في القرآن من سرى يسري ، وقرأ الباقون بقطع الألف من أسرى يسري ، ومعناهما واحد وهو المسير بالليل .

( بقطع من الليل ) قال ابن عباس : بطائفة من الليل .

وقال الضحاك : ببقية .

وقال قتادة : بعد مضي أوله وقيل : إنه السحر الأول .

( ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو : " امرأتك " برفع التاء على الاستثناء من الالتفات ، أي : لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت فتهلك ، وكان لوط قد أخرجها معه ونهى من تبعه ، ممن أسرى بهم أن يلتفت ، سوى زوجته ، فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت ، وقالت : يا قوماه ، فأدركها حجر فقتلها .

وقرأ الآخرون : بنصب التاء على الاستثناء من الإسراء ، أي : فأسر بأهلك إلا امرأتك فلا تسر بها وخلفها مع قومها ، فإن هواها إليهم ، وتصديقه قراءة ابن مسعود " فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك ولا يلتفت منكم أحد " .

( إنه مصيبها ما أصابهم ) من العذاب ، ( إن موعدهم الصبح ) أي : موعد هلاكهم وقت الصبح ، فقال لوط : أريد أسرع من ذلك ، فقالوا ( أليس الصبح بقريب ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك» بسوء «فأسرِ بأهلك بقطع» طائفة «من الليل ولا يلتفت منكم أحد» لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم «إلا امرأتُك» بالرفع بدل من أحد وفي قراءة بالنصب استثناء من الأهل أي فلا تسر بها «إنه مصيبها ما أصابهم» فقيل لم يخرج بها وقيل خرجت والتفتت فقالت واقوماه فجاءها حجر فقتلها، وسألهم عن وقت هلاكهم فقالوا «إن موعدهم الصبح» فقال أريد أعجل من ذلك قالوا «أليس الصبح بقريب».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالت الملائكة: يا لوط إنَّا رسل ربك أَرْسَلَنا لإهلاك قومك، وإنهم لن يصلوا إليك، فاخرج من هذه القرية أنت وأهلك ببقية من الليل، ولا يلتفت منكم أحد وراءه؛ لئلا يرى العذاب فيصيبه، لكنَّ امرأتك التي خانتك بالكفر والنفاق سيصيبها ما أصاب قومك من الهلاك، إن موعد هلاكهم الصبح، وهو موعد قريب الحلول.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهنا - وبعد أن بلغ الضيق بلوط ما بلغ - كشف له الملائكة عن حقيقتهم ، وبشروه بما يدخل الطمأنينة على قلبه ( قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يصلوا إِلَيْكَ ) أى : إنا رسل ربك أرسلنا إليك لنخبرك بهلاكهم ، فاطمئن فإنهم لن يصلوا إليك بسوء فى نفسك أو فينا .روى أن الملائكة لما رأو ما لقيه لوط - عليه السلام - من الهم والكرب بسببهم قالوا له : يا لوط إن ركنك لشديد .

.

.

ثم ضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم ، فارتدوا على أدبارهم يقولون النجاء ، وإليه الإِشارة بقوله - تعالى - فى سورة القمر : ( وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ) وقوله : ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل ) أى : فاخرج من هذه القرية مصحوباً بالمؤمنين من أهلك فى جزء من الليل يكفى لابتعادك عن هؤلاء المجرمين .قال القرطبى : قرئ " فاسر وفأسر بوصل الهمزة وقطعها لغتان فصيحتان .

قال - تعالى - ( والليل إِذَا يَسْرِ ) وقال( سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ .

.

.

) وقيل " فأسر " بالقطع تقال لمن سار من أول الليل .

.

.

وسرى لمن سار فى آخره ، ولا يقال فى النهار إلا سار .

.

.وقوله : ( وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امرأتك إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ .

.

.

ْ معطوف على ما قبله وهو قوله : ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ .

.

.

) .أى : فأسر بأهلك فى جزء من الليل ، ولا يلتفت منكم أحد إلى ما وراءه ، اتقاء لرؤية العذاب ، ( إِلاَّ امرأتك ) يا لوط فاتركها ولا تأخذها معك لأنها كافرة خائنة ، ولأنها سيصيبها العذاب الذى سينزل بهؤلاء المجرمين .

فيهلكها معهم .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : قوله ( إِلاَّ امرأتك ) بالرفع ، وقرأ الباقون بالنصب .قال الواحدى : من نصب فقد جعلها مستثناة من الأهل ، على معنى : فأسر بأهلك إلا امرأتك أى فلا تأخذها معك .

.

.وأما الذين رفعوا فالتقدير؛ ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم .روى عن قتادة أنه قال : إنها كنت مع لوط حين خرج من القرية ، " فلما سمعت العذاب التفتت وقالت واقوماه فأصابها حجر فأهلكها " .وقوله - سبحانه - ( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ ) بشارة أخرى للوط - عليه السلام - الذى تمنى النصرة على قومه .أى : إن موعد هلاك هؤلاء المجرمين يبتدئ من طولع الفجر وينتهى مع طلوع الشمس ، أليس الصبح بقريب من هذا الوقت الذى نحدثك فيه؟قال - تعالى - فى سورة الحجر : ( فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُشْرِقِينَ ) أى : وهم داخلون فى وقت الشروق .

فكان ابتداء العذاب عند طلوع الصبح وانتهاؤه وقت الشروق .والجملة الكريمة ( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح .

.

.

) كالتعليل للأمر بالإِسراء بأهله بسرعة ، أو جواب عما جاش بصدره من استعجالة العذاب لهؤلاء المجرمين .والاستفهام فى قوله - سبحانه - ( أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ ) للتقرير أى : بلى إنه لقريب .قال الآلوسى : روى أنه - عليه السلام - سأل الملائكة عن موعد هلاك قومه فقالوا له؛ موعدهم الصبح .

فقال : أريد أسرع من ذلك .

فقالوا له؛ أليس الصبح بقريب .

ولعله إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب حينئذ أفظع ، ولأنه أنسب يكون ذلك عبرة للناظرين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى مخبراً عن لوط عليه السلام أنه قال: ﴿ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ  ﴾ يدل على أنه كان في غاية القلق والحزن بسبب إقدام أولئك الأوباش على ما يوجب الفضيحة في حق أضيافه، فلما رأت الملائكة تلك الحالة بشروه بأنواع من البشارات: أحدها: أنهم رسل الله.

وثانيها: أن الكفار لا يصلون إلى ما هموا به.

وثالثها: أنه تعالى يهلكهم.

ورابعها: أنه تعالى ينجيه مع أهله من ذلك العذاب.

وخامسها: إن ركنك شديد وإن ناصرك هو الله تعالى فحصل له هذه البشارات، وروي أن جبريل عليه السلام قال له إن قومك لن يصلوا إليك فافتح الباب فدخلوا فضرب جبريل عليه السلام بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ ﴾ أي بسوء ومكروه فإنا نحول بينهم وبين ذلك.

ثم قال: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾ قرأ نافع وابن كثير ﴿ فَأَسْرِ ﴾ موصولة والباقون بقطع الألف وهما لغتان، يقال سريت بالليل وأسريت وأنشد حسان: أسرت إليك ولم تكن تسري *** فجاء باللغتين فمن قرأ بقطع الألف فحجته قوله سبحانه وتعالى: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ  ﴾ ومن وصل فحجته قوله: ﴿ واليل إِذَا يَسْرِ  ﴾ والسرى السير في الليل.

يقال: سرى يسري إذا سار بالليل وأسرى بفلان إذا سير به بالليل، والقطع من الليل بعضه وهو مثل القطعة، يريد اخرجوا ليلاً لتسبقوا نزول العذاب الذي موعده الصبح.

قال نافع بن الأزرق لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما: أخبرني عن قول الله ﴿ بِقِطْعٍ مّنَ اليل ﴾ قال هو آخر الليل سحر، وقال قتادة: بعد طائفة من الليل، وقال آخرون هو نصف الليل فإنه في ذلك الوقت قطع بنصفين.

ثم قال: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ نهى من معه عن الالتفات والالتفات نظر الإنسان إلى ما وراءه، والظاهر أن المراد أنه كان لهم في البلدة أموال وأقمشة وأصدقاء، فالملائكة أمروهم بأن يخرجوا ويتركوا تلك الأشياء ولا يلتفتوا إليها ألبتة، وكان المراد منه قطع القلب عن تلك الأشياء وقد يراد منه الانصراف أيضاً.

كقوله تعالى: ﴿ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا  ﴾ أي لتصرفنا، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ النهي عن التخلف.

ثم قال: ﴿ إِلاَّ امرأتك ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمر ﴿ إِلاَّ امرأتك ﴾ بالرفع والباقون بالنصب.

قال الواحدي: من نصب وهو الاختيار فقد جعلها مستثناة من الأهل على معنى فأسر بأهلك إلا امرأتك والذي يشهد بصحة هذه القراءة أن في قراءة عبدالله ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلاَّ امرأتك ﴾ فأسقط قوله: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ من هذا الموضع، وأما الذين رفعوا فالتقدير ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امرأتك ﴾ .

فإن قيل: فهذه القراءة توجب أنها أمرت بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم أحد إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام.

وأجاب أبو بكر الأنباري عنه فقال: معنى ﴿ إِلا ﴾ هاهنا الاستثناء المنقطع على معنى، لا يلتفت منكم أحد، لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا أن هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها معصية ويتأكد ما ذكرنا بما روي عن قتادة أنه قال إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية فلما سمعت هذا العذاب التفتت وقالت يا قوماه فأصابها حجر فأهلكها.

واعلم أن القراءة بالرفع أقوى، لأن القراءة بالنصب تمنع من خروجها مع أهله لكن على هذا التقدير الاستثناء يكون من الأهل كأنه أمر لوطاً بأن يخرج بأهله ويترك هذه المرأة فإنها هالكة مع الهالكين وأما القراءة بالنصب فإنها أقوى من وجه آخر، وذلك لأن مع القراءة بالنصب يبقى الاستثناء متصلاً ومع القراءة بالرفع يصير الاستثناء منقطعاً.

ثم بين الله تعالى أنهم قالوا: إنه مصيبها ما أصابهم.

والمراد أنه مصيبها ذلك العذاب الذي أصابهم.

ثم قالوا: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح ﴾ روي أنهم لما قالوا: للوط عليه السلام: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح ﴾ قال أريد أعجل من ذلك بل الساعة فقالوا: ﴿ أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ ﴾ قال المفسرون: إن لوطاً- عليه السلام- لما سمع هذا الكلام خرج بأهله في الليل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب قالوا: يا لوط، إن ركنك لشديد ﴿ إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ ﴾ فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن جبريل عليه السلام ربه في عقوبتهم فأذن له، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه- وله جناحان وعليه وشاح من درّ منظوم وهو براق الثنايا- فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم، كما قال الله تعالى: ﴿ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ﴾ [القمر: 37] فصاروا لا يعرفون الطريق، فخرجوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط قوماً سحرة ﴿ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ ﴾ جملة موضحة للتي قبلها؛ لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصلوا إليه ولم يقدروا على ضرره.

قرئ: ﴿ فَأَسْرِ ﴾ بالقطع والوصل.

و ﴿ إِلاَّ امرأتك ﴾ بالرفع والنصب.

وروي أنه قال لهم: متى موعد هلاكهم؟

قالوا: الصبح.

فقال: أريد أسرع من ذلك.

فقالوا: ﴿ أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ ﴾ وقرئ: ﴿ الصبح ﴾ بضمتين.

فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ ﴿ إِلاَّ امرأتك ﴾ بالنصب؟

قلت: استثناها من قوله: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾ والدليل عليه قراءة عبد الله: ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك ﴾ .

ويجوز أن ينتصب عن لا يلتفت، على أصل الاستثناء وإن كان الفصيح هو البدل، أعني قراءة من قرأ بالرفع، فأبدلها عن أحد.

وفي إخراجها مع أهله روايتان: روي أنه أخرجها معهم، وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها.

وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها، فإن هواها إليهم، فلم يسر بها.

واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ ﴾ لَنْ يَصِلُوا إلى إضْرارِكَ بِإضْرارِنا فَهَوِّنْ عَلَيْكَ ودَعْنا وإيّاهم، فَخَلّاهم أنْ يَدْخُلُوا فَضَرَبَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ وُجُوهَهم فَطَمَسَ أعْيُنَهم وأعْماهم، فَخَرَجُوا يَقُولُونَ النَّجاءَ النَّجاءَ فَإنَّ في بَيْتِ لُوطٍ سَحَرَةً.

﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ ﴾ بِالقَطْعِ مِنَ الإسْراءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِالوَصْلِ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ مِنَ السُّرى.

﴿ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ بِطائِفَةٍ مِنهُ.

﴿ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ ﴾ ولا يَتَخَلَّفْ أوْ لا يَنْظُرْ إلى ورائِهِ والنَّهْيُ في اللَّفْظِ لِأحَدٍ وفي المَعْنى لِلُوطٍ.

﴿ إلا امْرَأتَكَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقَطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ عَلى تَأْوِيلِ الِالتِفاتِ بِالتَّخَلُّفِ فَإنَّهُ إنْ فُسِّرَ بِالنَّظَرِ إلى الوَراءِ في الذَّهابِ ناقَضَ ذَلِكَ قِراءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٍ، ولا يَجُوزُ حَمْلُ القِراءَتَيْنِ عَلى الرِّوايَتَيْنِ في أنَّهُ خَلَّفَها مَعَ قَوْمِها أوْ أخْرَجَها فَلَمّا سَمِعَتْ صَوْتَ العَذابِ التَفَتَتْ وقالَتْ يا قَوْماهُ فَأدْرَكَها حَجَرٌ فَقَتَلَها، لِأنَّ القَواطِعَ لا يَصِحُّ حَمْلُها عَلى المَعانِي المُتَناقِضَةِ، والأوْلى جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ في القِراءَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَلْتَفِتْ ﴾ مِثْلَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ ﴾ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى غَيْرِ الأفْصَحِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أمْرُها بِالِالتِفاتِ بَلْ عَدَمُ نَهْيِها عَنْهُ اسْتِصْلاحًا ولِذَلِكَ عَلَّلَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ ﴾ ولا يَحْسُنُ جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ.

﴿ إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ﴾ كَأنَّهُ عِلَّةُ الأمْرِ بِالإسْراءِ.

﴿ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ جَوابٌ لِاسْتِعْجالِ لُوطٍ واسْتِبْطائِهِ العَذابَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)

{قَالُواْ يا لُوطٍ} إن ركنك لشديد {إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ} فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل عليه السلام ربه في عقوبتهم فأذن له فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم كما قال الله تعالى فطمسنا أعينهم فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون النجاء فإن في بيت لوط قوماً سحرة {لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ} جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصلوا اليه ولم يقدروا على ضرره {فاسر} بالوصل حجازي من سرى {بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ الليْلِ} طائفة منه أو نصفه {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} بقلبه إلى ما خلف أو لا ينظر إلى ما ورءاه أو لا يتخلف منكم أحد {إِلاَّ امرأتك} مستثنى من فأسر بأهلك وبالرفع مكي وأبو عمرو وعلى البدل من أحد وفي إخراجها مع أهله روايتان روي أنه أخرجها معهم وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت يا قوماه فأدركها حجر فقتلها وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها فإنّ هواها إليهم فلم يسر بها واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} أي إن الأمر وروي أنه قال لهم متى موعد هلاكهم قالوا {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح} فقال

أريد أسرع من ذلك فقالوا {أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ ﴾ بِضَرَرٍ ولا مَكْرُوهٍ فافْتَحِ البابَ ودَعْنا وإيّاهُمْ، فَفَتَحَ البابَ فَدَخَلُوا فاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّ العِزَّةِ في عُقُوبَتِهِمْ فَأذِنَ لَهُ فَلَمّا دَنَوْا طَمَسَ أعْيُنَهم فانْطَلَقُوا عُمْيًا يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا وهم يَقُولُونَ: النَّجاءُ النَّجاءُ فَإنَّ في بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا سَحَرَةً، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أغْلَقَ البابَ عَلى ضَيْفِهِ فَجاءُوا فَكَسَرُوا البابَ فَطَمَسَ جِبْرِيلُ أعْيُنَهم فَقالُوا: يا لُوطُ جِئْتَنا بِسَحَرَةٍ وتَوَعَّدُوهُ فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً قالَ: يَذْهَبُ هَؤُلاءِ ويَذَرُونِي فَعِنْدَما قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تَخَفْ إنّا رُسُلُ رَبِّك، ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ ﴾ بِالقَطْعِ مِنَ الإسْراءِ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ بِالوَصْلِ حَيْثُ جاءَ في القُرْآنِ مِنَ السَّرى، وقَدْ جاءَ سَرِيَ.

وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ، والأزْهَرِيِّ، وعَنِ اللَّيْثِ أسْرى سارَ أوَّلَ اللَّيْلِ وسَرى سارَ آخِرَهُ ولا يُقالُ في النَّهارِ: إلّا سارَ ولَيْسَ هو مَقْلُوبَ سَرى، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالإسْراءِ عَلى الأخْبارِ بِرِسالَتِهِمُ المُؤْذِنَةِ بِوُرُودِ الأمْرِ والنَّهْيِ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ أيْ سِرْ مُلابِسًا بِأهْلِكَ ﴿ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِطائِفَةٍ مِنهُ، وقالَ قَتادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنهُ، وقِيلَ: نَصِفُهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ آخِرَهُ وأنْشَدَ قَوْلَ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: ونائِحَةٌ تَقُومُ بِقَطْعِ لَيْلٍ عَلى رَحْلٍ أهانَتْهُ شُعُوبٌ ولَيْسَ مِن بابِ الِاسْتِدْلالِ، وإلى هَذا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ ﴾ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ أسْرى بِأهْلِهِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ حَتّى جاوَزُوا البَلَدَ المُقْتَلَعَ، ووَقَعَتْ نَجاتُهم بِسَحَرٍ، وأصْلُ القَطْعِ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ لَكِنْ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِاللَّيْلِ فَلا يُقالُ: عِنْدِي قِطْعٌ مِنَ الثَّوْبِ.

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ القِطْعَ مِنَ اللَّيْلِ بِطائِفَةٍ مِن ظُلْمَتِهِ، وعَنِ الحَبْرِ أيْضًا تَفْسِيرُهُ بِنَفْسِ السَّوادِ، ولَعَلَّهُ مِن بابِ المُساهَلَةِ ﴿ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ ﴾ أيْ لا يَتَخَلَّفْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ لا يَنْظُرُ إلى ورائِهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، قِيلَ: وهَذا هو المَعْنى المَشْهُورُ الحَقِيقٌ لِلِالتِفاتِ، وأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ يُقالُ: لَفَتُّهُ عَنِ الأمْرِ إذا صَرَفْتَهُ عَنْهُ فالتَفَتَ أيِ انْصَرَفَ، والتَّخَلُّفُ انْصِرافٌ عَنِ المَسِيرِ، قالَ تَعالى: ﴿ أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ أيْ تَصْرِفُنا كَذا قالَ الرّاغِبُ.

وفِي الأساسِ أنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ، والنَّهْيُ في اللَّفْظِ لِأحَدٍ، وفي المَعْنى لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ المُبَرَّدِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِخادِمِكَ: لا يَقُمْ أحَدٌ في أنَّ النَّهْيَ في الظّاهِرِ لِأحَدٍ، وهو في الحَقِيقَةِ لِلْخادِمِ أنْ لا يَدَعَ أحَدًا يَقُومُ، فالمَعْنى هُنا فَأسْرِ بِأهْلِكَ ولا تَدَعْ أحَدًا مِنهم يَلْتَفِتُ؛ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى هَذا تَتِمُّ المُناسَبَةُ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ لِأنَّ الأوَّلَ لِأمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والثّانِي لِنَهْيِهِ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ ضَمِيرَ (مِنكُمْ) لِلْأهْلِ.

وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ شِهابٌ فَلَكُ الفَضْلِ الخَفاجِيُّ، فَقالَ: وهَهُنا لَطِيفَةٌ وهو أنَّ المُتَأخِّرِينَ مِن أهْلِ البَدِيعِ اخْتَرَعُوا نَوْعًا مِنَ البَدِيعِ سَمَّوْهُ تَسْمِيَةَ النَّوْعِ، وهو أنْ يُؤْتى بِشَيْءٍ مِنَ البَدِيعِ ويُذْكَرُ اسْمُهُ عَلى سَبِيلِ التَّوْرِيَةِ كَقَوْلِهِ في البَدِيعِيَّةِ في الِاسْتِخْدامِ: واسْتَخْدَمُوا العَيْنَ مِنِّي فَهي جارِيَةٌ ∗∗∗ وكَمْ سَمَحْتُ بِها في يَوْمٍ بَيْنَهُمْ وتَبَجَّحُوا بِاخْتِراعِهِ، وأنا بِمَنِّ اللَّهِ تَعالى أقُولُ: إنَّهُ وقَعَ في القُرْآنِ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ ﴾ إلَخْ..

وقَعَ فِيهِ ضَمِيرُ ( مِنكم ) لِلْأهْلِ فَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: (لا يَلْتَفِتْ) مِن تَسْمِيَةِ النَّوْعِ وهَذا مِن بَدِيعِ النِّكاتِ، انْتَهى، وسِرُّ النَّهْيِ عَنْ الِالتِفاتِ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ ظاهِرٌ، وأمّا سِرُّهُ إذا كانَ بِمَعْنى النَّظَرِ إلى وراءِ فَهو أنْ يَجِدُوا في السَّيْرِ فَإنَّ مَن يَلْتَفِتُ إلى ورائِهِ لا يَخْلُو عَنْ أدْنى وقْفَةٍ أوْ أنْ لا يَرَوْا ما يَنْزِلُ بِقَوْمِهِمْ مِنَ العَذابِ فَيَرْقُوا لَهم.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ النَّهْيَ وكَذا الضَّمِيرُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأهْلِهِ أيْ لا يَلْتَفِتُ أحَدٌ مِنكَ ومِن أهْلِكَ.

( إلّا اِمْرَأتك ) بِالنَّصْبِ وهو قِراءَةُ أكْثَرِ السَّبْعَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالرَّفْعِ، وقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَثْناها مِن قَوْلِهِ: ( فَأسْرِ بِأهْلِكَ ) ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ - ( فَأسْرِ بِأهْلِكَ ) بِقَطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتُكَ- ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ مِن -لا يَلْتَفِتْ- عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، وإنْ كانَ الفَصِيحُ هو البَدَلُ أعْنِي قِراءَةَ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ فَأبْدَلَها مِن أحَدٍ، وفي إخْراجِها مَعَ أهْلِهِ رِوايَتانِ: رُوِيَ أنَّهُ أخْرَجَها مَعَهم وأمَرَ أنْ لا يَلْتَفِتَ مِنهم أحَدٌ إلّا هي فَلَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ التَفَتَتْ وقالَتْ: يا قَوْماهُ فَأدْرَكَها حَجَرٌ فَقَتَلَها.

ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُمِرَ أنْ يَخْلُفَها مَعَ قَوْمِها فَإنَّ هَواها إلَيْهِمْ فَلَمْ يَسِرْ بِها، واخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ لِاخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ انْتَهى، وأوْرَدَ عَلَيْهِ ابْنُ الحاجِبِ ما خُلاصَتُهُ أنَّهُ إمّا أنْ يَسْرِيَ بِها فالِاسْتِثْناءُ مِن أحَدٍ مُتَعَيِّنٌ، أوْ لا فَيَتَعَيَّنُ مِن ( فَأسْرِ بِأهْلِكَ ) والقِصَّةُ واحِدَةٌ، فَأحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ باطِلٌ قَطْعًا، والقِراءَتانِ الثّابِتَتانِ قَطْعًا لا يَجُوزُ حَمْلُهُما عَلى ما يُوجِبُ بُطْلانَ أحَدِهِما، فالأوْلى أنْ يَكُونَ ( إلّا امْرَأتُكَ ) رَفْعًا ونَصْبًا مِثْلَ ﴿ ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ ﴾ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى الوَجْهِ الأقْوى، وأكْثَرُهم عَلى ما دُونِهِ بَلْ جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَتَّفِقَ القُرّاءُ عَلى القِراءَةِ بِغَيْرِ الأقْوى.

وأجابَ عَنْهُ بَعْضُ المَغارِبَةِ بِما أشارَ إلَيْهِ في الكَشْفِ مِن مَنعِ التَّنافِي لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الأهْلِ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا بِالإسْراءِ بِها، ولا يَمْنَعُ أنَّها سَرَتْ بِنَفْسِها، ويَكْفِي لِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءَيْنِ هَذا المِقْدارُ كَيْفَ ولَمْ يَنْهَ عَنْ إخْراجِها ولَكِنَّهُ أمَرَ بِإخْراجِ غَيْرِها، نَعَمْ يُرَدُّ عَلى قَوْلِهِ: واخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ لِاخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ أنَّهُ يَلْزَمُ الشَّكُّ في كَلامٍ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويُجابُ بِأنَّ مَعْناهُ اخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ جالِبٌ وسَبَبٌ لِاخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ كَما تَقُولُ: السِّلاحُ لِلْغَزْوِ أيْ أداةٌ وصالِحٌ مَثَلًا لَهُ، ولَمْ يَرِدْ أنَّ اخْتِلافَ القِراءَتَيْنِ لِأجْلِ اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ قَدْ حَصَلَ، ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ رِوايَةٍ تُناسِبُ قِراءَةً وإنْ أمْكَنَ الجَمْعُ، وأمّا قَوْلُهُ: وأُمِرَ أنْ لا يَلْتَفِتَ مِنهم أحَدٌ إلّا هي فَنُقِلَ لِلرِّوايَةِ لا تَفْسِيرٍ لِلَفْظِ القُرْآنِ، وإنَّما الكائِنُ فِيهِ اسْتِثْناؤُها عَنِ الحُكْمِ الَّذِي لِلِاسْتِصْلاحِ إذْ لَمْ يُعْنَ بِها، وإلى مَعْنى ما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشْفِ في مَنعِ التَّنافِي أشارَ أبُو شامَةَ فَقالَ: وقَعَ في تَصْحِيحِ ما أعْرَبَهُ النُّحاةُ مَعْنًى حَسَنٌ، وذَلِكَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اخْتِصارٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ اخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ كَما قَرَأ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ، ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ مُصْحَفِهِ، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ اسْتِثْناءَها مِنَ السَّرْيِ بِهِمْ، ثُمَّ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: فَإنْ خَرَجَتْ مَعَكم وتَبِعَتْكم مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ أنْتَ سَرَيْتَ بِها فَإنَّهُ أهْلَكُ عَنْ الِالتِفاتِ غَيْرَها فَإنَّها سَتَهْلَكُ ويُصِيبُها ما يُصِيبُ قَوْمَها، فَكانَتْ قِراءَةُ النَّصْبِ دالَّةً عَلى المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وقِراءَةُ الرَّفْعِ دالَّةٌ عَلى هَذا المَعْنى المُتَأخِّرِ ومَجْمُوعُهُما دالٌّ عَلى جُمْلَةِ المَعْنى المَشْرُوحِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ، ولِذا اخْتارَ أنَّ الرَّفْعَ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، و( امْرَأتُكَ ) مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُهُ وإلّا بِمَعْنى لَكِنْ.

وقالَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي في الجِهَةِ الثّامِنَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ: إنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ في الآيَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، والَّذِي حَمَلَ القائِلِينَ عَلَيْهِ أنَّ النَّصْبَ قِراءَةُ الأكْثَرِينَ، فَإذا قُدِّرَ الِاسْتِثْناءُ مِن أحَدٍ كانَتْ قِراءَتُهم عَلى الوَجْهِ المَرْجُوحِ، وقَدِ التَزَمَ بَعْضُهم جَوازَ مَجِيءِ الأمْرَيْنِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ فَإنَّ النَّصْبَ في ذَلِكَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، ولَمْ يَرَ خَوْفَ إلْباسِ المُفَسِّرِ بِالصِّفَةِ مُرَجَّحًا كَما رَآهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي أجْزِمُ بِهِ أنَّ قِراءَةَ الأكْثَرِينَ لا تَكُونُ مُرَجَّحَةً، وأنَّ الِاسْتِثْناءَ عَلى القِراءَتَيْنِ مِن جُمْلَةِ الأمْرِ بِدَلِيلِ سُقُوطِ ( ولا يَلْتَفِتُ ) إلَخْ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ في آيَةِ الحِجْرِ، ولِأنَّ المُرادَ بِالأهْلِ المُؤْمِنُونَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ بَيْتِهِ لا أهْلَ بَيْتِهِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴾ ووَجْهُ الرَّفْعِ أنَّهُ عَلى الِابْتِداءِ، وما بَعْدُ، الخَبَرُ والمُسْتَثْنى الجُمْلَةُ، ونَظِيرُهُ: ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ ﴿ إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ ﴾ ﴿ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ ﴾ .

واخْتارَ أبُو شامَةَ ما اخْتَرْتُهُ مِن أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ لَكِنَّهُ قالَ: وجاءَ النَّصْبُ عَلى اللُّغَةِ الحِجازِيَّةِ والرَّفْعُ عَلى التَّمِيمِيَّةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مِن جُمْلَةِ النَّهْيِ، وما قَدَّمْتُهُ أوْلى لِضَعْفِ اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ، ولِما قَدَّمُتُ مِن سُقُوطِ جُمْلَةِ النَّهْيِ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ انْتَهى.

واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ الحِمَّصِيُّ في حَواشِيهِ عَلى التَّصْرِيحِ واسْتَحْسَنَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقَدْ نَقَلَ أبُو حَيّانَ القَوْلَ بِالِانْقِطاعِ عَلى القِراءَتَيْنِ وتَخْرِيجَ النَّصْبِ عَلى اللُّغَةِ الحِجازِيَّةِ والرَّفْعَ عَنِ الأُخْرى، ثُمَّ قالَ إنَّهُ كَلامٌ لا تَحْقِيقَ فِيهِ فَإنَّهُ إذا لَمْ يَقْصِدْ إخْراجَها مِنَ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ وكانَ المَعْنى لَكِنَّ امْرَأتَكَ يَجْرِي عَلَيْها كَذا وكَذا كانَ مِن الِاسْتِثْناءِ الَّذِي لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ العامِلُ، وهَذا النَّوْعُ مِن الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ يَجِبُ فِيهِ النَّصْبُ بِإجْماعِ العَرَبِ، وإنَّما الخِلافُ في المُنْقَطِعِ الَّذِي يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ إلَيْهِ وفِيهِ نَظَرٌ، فَفي التَّوْضِيحِ لِابْنِ مالِكٍ حَقُّ المُسْتَثْنى بِإلّا مِن كَلامٍ تامٍّ مُوجِبٍ مُفْرِدًا كانَ أوْ مُكَمِّلًا مَعْنًى بِما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ ﴾ النَّصْبُ، ولا يَعْرِفُ أكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ البَصْرِيِّينَ إلّا النَّصْبَ، وقَدْ غَفَلُوا عَنْ وُرُودِهِ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ ثابِتُ الخَبَرِ كَقَوْلِ أبِي قَتادَةَ: أحْرَمُوا كُلُّهم إلّا أبُو قَتادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، ومَحْذُوفُهُ نَحْوَ ﴿ وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ﴾ إلّا اللَّهُ، (وإلّا) في ذَلِكَ بِمَعْنى لَكِنْ أيْ لَكِنْ أبُو قَتادَةَ لَمْ يُحْرِمْ ولَكِنِ اللَّهُ يَعْلَمُ، انْتَهى، وما نَحْنُ فِيهِ مِن قَبِيلِ هَذا، وفي حاشِيَتَيِ البَدْرِ الدَّمامِينِيِّ وتَقِيِّ الدِّينِ الشَّمْنِيِّ أنَّ الرَّضِيَّ قَدْ أجابَ بِما يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ ولا تَناقُضَ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ الإتْباعَ هو الوَجْهُ مَعَ الشَّرائِطِ المَذْكُورَةِ وكانَ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى النَّصْبِ في ( ولا يَلْتَفِتْ ) إلَخْ تَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِئَلّا تَكُونَ قِراءَةُ الأكْثَرِ مَحْمُولَةً عَلى وجْهٍ غَيْرِ مُخْتارٍ بِما تَكَلَّفَ، واعْتَرَضَهُ ابْنُ الحاجِبِ بِلُزُومِ التَّناقُضِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن -أسْرِ بِأهْلِكَ- يَقْتَضِي كَوْنَها غَيْرَ مَسْرِيٍّ بِها، ومِن -لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ- يَقْتَضِي كَوْنَها مَسْرِيًّا بِها لِأنَّ الِالتِفاتِ بِالإسْراءِ، والجَوابُ أنَّ الإسْراءَ وإنْ كانَ مُطْلَقًا في الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ في المَعْنى مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الِالتِفاتِ فَمَآلُهُ أسْرِ بِأهْلِكَ إسْراءً لا التِفاتَ فِيهِ إلّا امْرَأتُكَ فَإنَّكَ تَسْرِي بِها إسْراءً مَعَ الِالتِفاتِ فاسْتَثْنِ عَلى هَذا إنْ شِئْتَ مِن -أسْرِ- أوْ -لا يَلْتَفِتْ- ولا تَناقُضَ، وهَذا كَما تَقُولُ: امْشِ ولا تَتَبَخْتَرْ أيِ امْشِ مَشْيًا لا تَتَبَخْتَرُ فِيهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا يَلْتَفِتُ مِنكم أحَدٌ في الإسْراءِ، وكَذا امْشِ ولا تَتَبَخْتَرُ في المَشْيِ فَحَذَفَ الجارَّ والمَجْرُورَ لِلْعِلْمِ بِهِ، انْتَهى.

وأوْرَدَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ السِّنْدُ في حَواشِيهِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ إذا رَجَعَ إلى القَيْدِ كانَ المَعْنى فَأسْرِ بِجَمِيعِ أهْلِكَ إسْراءً لا التِفاتَ فِيهِ إلّا مِنِ امْرَأتِكَ فَيَكُونُ الإسْراءُ بِها داخِلًا في المَأْمُورِ بِهِ، وإذا رَجَعَ إلى المُقَيَّدِ لَمْ يَكُنِ الإسْراءُ بِها داخِلًا في المَأْمُورِ بِهِ فَيَكُونُ المَحْذُورُ باقِيًا بِحالِهِ ولا مَخْلَصَ عَنْهُ إلّا بِأنْ يُقالَ: إنَّ تَناوُلَ العامِّ إيّاها لَيْسَ قَطْعِيًّا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا فَلا يَلْزَمُ مِن رُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( ولا يَلْتَفِتْ ) كَوْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا بِالإسْراءِ بِها، وحِينَئِذٍ يُوَجَّهُ الِاسْتِثْناءُ بِما ذُكِرَ مِن أنَّها تَبِعَتْهم أوْ أسْرى بِها مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَأْمُورٍ بِذَلِكَ إذْ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الأمْرِ بِهِ النَّهْيُ عَنْهُ فَتَأمَّلِ، انْتَهى.

وبَحَثَ فِيهِ الشِّهابُ ولَمْ يَرْتَضِ احْتِمالَ التَّخْصِيصِ لِما أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ ويُفْهِمُ صَنِيعُهُ ارْتِضاءَ كَلامِ الرَّضِيِّ، ثُمَّ قالَ: ومُرادُهُ بِالتَّقْيِيدِ أنَّهُ ذَكَرَ شَيْئانِ مُتَعاطِفانِ، فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الجَمْعُ بَيْنَهُما لا أنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الحَمْلَ عَلى التَّقْيِيدِ مَعَ كَوْنِ الواوِ لِلنَّسَقِ مَمْنُوعٌ، وكَذا جَعْلُها لِلْحالِ مَعَ لا النّاهِيَةِ، وأيْضًا القِراءَةُ بِإسْقاطِها تَدُلُّ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ ذَلِكَ التَّقْيِيدِ ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، هَذا وقَدْ أُلِّفَتَ في تَحْقِيقِ هَذا الِاسْتِثْناءِ عِدَّةُ رَسائِلَ: مِنها رِسالَةٌ لِلْحِمَّصِيِّ، وأُخْرى لِلْعَلّامَةِ الكافِيجِيِّ ألَّفَها لِبَعْضِ سَلاطِينِ آلِ عُثْمانَ غَمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِصُنُوفِ الفَضْلِ والإحْسانِ حِينَ طُلِبَ مِنهُ لِبَحْثٍ وقَعَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ القَوْلُ بِالِانْقِطاعِ أقَلُّ تَكَلُّفًا فِيما يَظْهَرُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَبْقى ارْتِباطٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ ﴾ ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ الِالتِفاتِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِما تَقَدَّمَ نَقْلُهُ فَتَأمَّلْ، وضَمِيرُ (إنَّهُ) لِلشَّأْنِ، و( ما أصابَهم ) مُبْتَدَأٌ، و(مُصِيبُها) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ -إنَّ- الَّذِي اسْمُهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وفي البَحْرِ إنَّ ﴿ مُصِيبُها ﴾ مُبْتَدَأٌ، و( ما أصابَهم ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، ويَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ أنْ يَكُونَ ﴿ مُصِيبُها ﴾ خَبَرَ -إنَّ- و(ما) فاعِلٌ بِهِ لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ أنَّهُ قائِمٌ أخَواكَ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لا يَكُونُ خَبَرُهُ إلّا جُمْلَةً مُصَرَّحًا بِجُزْأيْها فَلا يَجُوزُ هَذا الإعْرابُ عِنْدَهُمْ، والأوْلى ما ذُكِرَ أوَّلًا، والجُمْلَةُ إمّا تَعْلِيلٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ أوْ خَبَرٌ -لِامْرَأتِكَ- عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، والمُرادُ مِن (ما) العَذابُ، ومِن ( أصابَهم ) يُصِيبُهم والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَهُ لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وفي الإبْهامِ، واسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ، والتَّأْكِيدِ، ما لا يَخْفى.

﴿ إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ﴾ أيْ مَوْعِدُ عَذابِهِمْ وهَلاكِهِمْ ذَلِكَ، وكَأنَّ هَذا عَلى ما قِيلَ: تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإسْراءِ والنَّهْيِ عَنْ الِالتِفاتِ المُشْعِرِ بِالحَثِّ عَلى الإسْراعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ، فَإنَّ قُرْبَ الصُّبْحِ داعٍ إلى الإسْراعِ لِلتَّباعُدِ عَنْ مَواقِعِ العَذابِ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْ وقْتِ هَلاكِهِمْ فَقالُوا: مَوْعِدُهُمُ الصُّبْحُ، فَقالَ: أُرِيدَ أسْرَعُ مِن ذَلِكَ، فَقالُوا لَهُ: ﴿ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ).

﴾ ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَ مِيقاتَ هَلاكِهِمُ الصُّبْحَ لِأنَّهُ وقْتُ الدَّعَةِ والرّاحَةِ فَيَكُونُ حُلُولُ العَذابِ حِينَئِذٍ أفْظَعَ ولِأنَّهُ أنْسَبُ بِكَوْنِ ذَلِكَ عِبْرَةً لِلنّاظِرِينَ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (الصُّبُحَ) بِضَمِّ الباءِ قِيلَ: وهي لُغَةٌ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ اتِّباعًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ يقول: ساءه مجيئهم، وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً يعني: صدره اغتماماً، ومخافة عليهم، لا يدري أيأمرهم بالرجوع أم بالنزول؟

وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ يعني: شديد.

ثم قال لامرأته: ويحك، قومي واخبزي ولا تعلمي أحداً.

وكانت امرأته كافرة منافقة، فانطلقت تطلب بعض حاجاتها، وجعلت لا تدخل على أحد إلا أعلمته، وتقول: إن عندنا قوماً من هيئتهم كذا وكذا.

فلما علموا بذلك، جاءوا إلى باب لوط  ، فذلك قوله تعالى: وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ يعني: يسرعون إليه، وهو مشيء بين المشيتين، ويقال: يدفعون إليه دفعاً، ويقال يشتدون إليه شداً، وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني: من قبل أن يبعث إليهم لوط، ويقال: من قبل إتيان الرسل، كانوا يعملون الفواحش، وهي اللواطة والكفر، فلما أرادوا الدخول، قالَ لهم لوط: يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ أي: أحل لكم من ذلك، وكان لوط يناظرهم، ويقول: هن أطهر لكم، وكان جبريل مع أحد عشر من الملائكة، وكسروا الباب، فضرب أعينهم.

قال الضحاك: هؤُلاءِ بَناتِي عرض عليهم بنات قومه.

وقال قتادة: أمرهم لوط أن يتزوجوا النساء، وقال: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ولم يعرض عليهم بناته.

وروى سفيان عن ليث، عن مجاهد، قال: لم يكنَّ بناته، ولكن كُنَّ من أمته، وكل نبي هو أب أمته.

وروي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: 6] وهو أب لهم، وهي قراءة أبي بن كعب.

وهكذا قال سعيد بن جبير: إنه أراد بنات أمته.

ويقال: إن رؤساءهم كانوا خطبوا بناته وكان يأبى، فقال لهم: إني أزوجكم بناتي، هنّ أطهر لكم من الحرام، وكان النكاح بين الكافر والمسلم جائزا.

ثم قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي يقول: لا تفضحوني في أضيافي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يعني: مرشداً صالحاً يزجركم عن هذا الأمر.

ويقال: رجل عاقل، ويقال: رجل على الحق يستحي مني.

قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ يعني: من حاجة، يقولون: ما لنا في النساء من حاجة وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ إنما نريد الأضياف ف قالَ لوط: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً يعني: منعة بالولد أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، أي: أرجع إلى عشيرة كبيرة، يعني: لو كانت لي عشيرة ومنعة لمنعتكم مما تريدون.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «رَحِمَ اللَّهُ أخي لُوطاً لَقَدْ أَوَى إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ» (١) قرأ ابن كثير، ونافع: فَأَسْرِ بجزم الألف، وقرأ الباقون: فَأَسْرِ بقطع الألف ومعناهما واحد، يقال: سريت وأسريت، إذا سرت بالليل.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو إِلَّا امْرَأَتَكَ بضم التاء، وقرأ الباقون بالنصب.

فمن قرأ بالنصب، انصرف إلى الإسراء، يعني: أسر بأهلك إلا امرأتَكَ، على معنى الاستثناء وفي قراءة ابن مسعود: فاسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتَكَ.

ومن قرأ بالضم، فهو ظاهر، يعني: أنها تتخلف مع الهالكين.

وقال لوط لجبريل  : إن أبواب المدينة قد أُغلقت، فجمع لوط أهله وابنتيه ريثا وزعورا، فحمل جبريل لوطاً وابنتيه وماله على جناحه إلى مدينة زغر، وهي إحدى مدائن لوط، وهي خمس مدائن، وهي على أربعة فراسخ من سدوما، ولم يكونوا على مثل عملهم.

فقال له جبريل إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ يعني: وقت هلاكهم وقت الصبح.

فقال لوط: يا جبريل، الآن عجل هلاكهم.

فقال له جبريل: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فلما كان وقت الصبح، أدخل جبريل جناحه تحت أرض المدائن الأربعة، فاقتلعها من الماء الأسود، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديك.

ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، فأقبلت تهوي من السماء إلى الارض فذلك قوله: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً.

قال وهب بن منبه: لما رفعت إلى السماء، أمطر الله عليهم حجارة الكبريت والنار، ثم قلبت.

وقال مقاتل: أمطر على أهلها من كان خارجاً من المدائن الأربعة، حجارة مِنْ سِجِّيلٍ يعني: من طين مطبوخ، كما يطبخ الآجر، مَنْضُودٍ يعني: متتابعا بعضه على إثر بعض.

وقال مجاهد: سِجِّيلٍ بالفارسية: سنج وجك، كقوله: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ [الذاريات: 33] وروي عن ابن عباس، في بعض الروايات، قال: «سنك وكل» .

وقال أبو عبيدة: السجيل: الشديد، مَنْضُودٍ أي ملتزق بالحجارة.

مُسَوَّمَةً قال الفراء: مخططة بالحمرة والسواد.

وقال أبو عبيدة: مُسَوَّمَةً، أي: معلمة.

ويقال: مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يصيبه.

ويقال: مختمة.

وقال وكيع: رفع إلي حجر من تلك الحجارة المختمة بطرسوس.

ثم قال: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ يعني: من قوم لوط  ويقال: هذا تهديد لأهل مكة، وغيرهم من المشركين.

فقال: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ لكيلا يعملوا مثل عملهم.

ويقال: ما هن من الظالمين ببعيد.

قريات لوط ليست ببعيدة من أهل مكة، فأمرهم بأن يعتبروا بها.

وقال الزجاج: سِجِّيلٍ، يعني: ما كتب لهم أن يعذبوا به.

ويقال: سِجِّيلٍ من سجلته، يعني: أرسلته، ومعناه: حجارة مرسلة عليهم، ويقال: كثيرة شديدة.

(١) حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (3375) و (3387) و (6992) ومسلم (151) (238) وأحمد: 2/ 322 والترمذي (3116) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)

وقوله سبحانه: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً: الرسُل هنا: الملائكة أضيافُ إِبراهيم.

قال المهدويُّ: والرسُلُ هنا: جبريلُ وميكائيلُ وإِسرافيلُ، ذكره جماعة من المفسِّرين.

انتهى، واللَّه أعلم بتعيينهم، فإِن صحَّ في ذلك حديثٌ، صِيَر إِليه، وإِلا فالواجبُ الوقف، وسِيءَ بِهِمْ أي: أصابهُ سُوءٌ، و «الذَّرْع» : مصدرٌ مأخوذٌ من الذِّراع، ولما كان الذراعُ موضعَ قُوَّةِ الإِنسان، قيل في الأمر الذي لا طَاقَةَ له به: ضَاقَ بِهَذَا الأمْرِ ذِرَاعُ فُلاَنٍ، وذَرْعُ فلانٍ، أيْ: حيلته بذراعِهِ، وتوسَّعوا في هذا حتَّى قلبوه، فقالوا: فلانٌ رَحْبُ الذّراع، إذا وصفوه باتساع القدرة، وعَصِيبٌ: بناء اسم فاعل، معناه: يعصب

النَّاسَ بالشرِّ، فهو من العِصَابة، ثم كَثُر وصفهم لليَوْمِ بعصيبٍ ومنه: [الوافر] وَقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ «١» وبالجملة ف «عصيب» : في موضع شديد وصعب الوطأة، ويُهْرَعُونَ معناه:

يُسْرِعون، وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ: كَانت عادتهم إِتيان الفاحشة في الرجال.

وقوله: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ: يعني: بالتزويجِ، وقولهم: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ: إِشارة إِلى الأضيافِ، فلما رأَى لوطٌ استمرارهم في غَيِّهم، قال: على جهة التفجُّع والاستكانة: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً.

قال ع «٢» : «لَوْ أنَّ» : جوابها محذوفٌ، أي: لَفَعَلْتُ كذا وكذا، ويروَى أنَّ الملائكةَ وَجَدَتْ عليه حين قال هذه الكلماتِ، وقالوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطاً لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ «٣» فَالْعَجَبُ مِنْهُ لما استكان» .

قال ع «٤» : وإِنما خشي لوطٌ عليه السلام أنْ يمهل اللَّهُ أولئك العِصَابَةَ حتى يَعْصُوهُ في الأضيافِ، كما أمهلهم فيما قَبْلَ ذلك، ثم إِن جبريل عليه السلام ضَرَبَ القوم بجَنَاحِهِ، فطمس أعينهم، ثم أمروا لوطاً بالسُّرَى، وأعلموه بأنَّ العذاب نازلٌ بالقوم، فقال لهم لوطٌ: فَعَذِّبوهم السَّاعة، فقالوا له: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ، أي: بهذا أمَرَ اللَّه، ثم آنسُوه في قَلَقِهِ بقولهم: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ، و «القِطْع» : القطعة من الليل.

قال ص: إِلَّا امْرَأَتَكَ: ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو بالرفع، والباقون بالنَّصْبِ «٥» ، فقيل: كلاهما استثناءٌ من أَحَدٌ، وقيل: النصب على الاستثناء من بِأَهْلِكَ انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ نَحْوَ قَرْيَةِ لُوطٍ، فَأتَوْها عِشاءً.

وقالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أتَوْها نِصْفَ النَّهارِ، فَلَمّا بَلَغُوا نَهْرَ سَدُومَ، لَقُوا بِنْتَ لُوطٍ تَسْتَقِي الماءَ لِأهْلِها، فَقالُوا لَها: ياجارِيَةُ، هَلْ مِن مَنزِلٍ ؟

قالَتْ: نَعَمْ، مَكانَكم لا تَدْخُلُوا حَتّى آتِيَكم فَرَقًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِها، فَأتَتْ أباها، فَقالَتْ: يا أبَتاهُ، أدْرِكْ فِتْيانًا عَلى بابِ المَدِينَةِ ما رَأيْتُ وُجُوهَ قَوْمٍ هي أحْسَنُ مِنهم، لا يَأْخُذْهم قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهم؛ وقَدْ كانَ قَوْمُهُ نَهَوْهُ أنْ يُضِيفَ رَجُلًا؛ فَجاءَ بِهِمْ، ولَمْ يُعْلِمْ بِهِمْ أحَدًا إلّا أهْلَ بَيْتِ لُوطٍ؛ فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ فَأخْبَرَتْ قَوْمَها، فَجاؤُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِيءَ بِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ساءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ساءَهُ مَجِيءُ الرُّسُلِ، لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهم، وأشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ " سِيءَ بِهِمْ " سُوِئَ بِهِمْ، مِنَ السُّوءِ، إلّا أنَّ الواوَ أُسْكِنَتْ ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى السِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ.

قالَ الفَرّاءُ: الأصْلُ فِيهِ: وضاقَ ذَرْعُهُ بِهِمْ، فَنَقَلَ الفِعْلَ عَنِ الذَّرْعِ إلى ضَمِير لُوطٍ، ونُصِبَ الذَّرْعُ بِتَحَوُّلِ الفِعْلِ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا  ﴾ ومَعْناهُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ الرَّأْسِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضاقَ فُلانٌ بِأمْرِهِ ذَرْعًا: إذا لَمْ يَجِدْ مِنَ المَكْرُوهِ في ذَلِكَ الأمْرِ مُخَلِّصًا.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيهِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: وقَعَ بِهِ مَكْرُوهٌ عَظِيمٌ يَصِلُ إلى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ؛ فالذَّرْعُ كِنايَةٌ عَنْ هَذا المَعْنى.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ضاقَ صَبْرُهُ وعَظُمَ المَكْرُوهُ عَلَيْهِ؛ وأصْلُهُ مِن ذَرَعَ فُلانًا القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وسَبَقَهُ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: ضاقَ بِهِمْ وُسْعُهُ، فَنابَ الذَّرْعُ والذِّراعُ عَنِ الوُسْعِ، لِأنَّ الذِّراعَ مِنَ اليَدِ، والعَرَبُ تَقُولُ: لَيْسَ هَذا في يَدِي، يَعْنُونَ: لَيْسَ هَذا في وُسْعِي؛ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا أنَّهم يَجْعَلُونَ الذِّراعَ في مَوْضِعِ الذَّرْعِ، فَيَقُولُونَ: ضِقْتُ بِهَذا الأمْرِ ذِراعًا، قالَ الشّاعِرُ: إلَيْكَ إلَيْكَ ضاقَ بِهِمْ ذِراعًا فَأمّا العَصِيبُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَصِيبُ: الشَّدِيدُ الَّذِي يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، وأنْشَدَ: يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الأبْطالا ∗∗∗ عَصَبَ القَوِيِّ السَّلَمَ الطِّوالا وَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ يَوْمٌ عَصِيبٌ، ويَوْمٌ عَصَبْصَبٌ: إذا كانَ شَدِيدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: " يُهْرَعُونَ " يُسْرِعُونَ.

وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الإهْراعُ شَبِيهٌ بِالرِّعْدَةِ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ: إذا أسْرَعَ، عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، كَما يُقالُ: أُرْعِدَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ الإهْراعُ فِعْلٌ واقِعٌ بِالقَوْمِ وهو لَهم في المَعْنى، كَما قالَتِ العَرَبُ: قَدْ أُوْلِعَ الرَّجُلُ بِالأمْرِ، فَجَعَلُوهُ مَفْعُولًا، وهو صاحِبُ الفِعْلِ، ومِثْلُهُ أُرْعِدَ زَيْد، وسُهِيَ عَمْرٌو مِنَ السَّهْوِ، كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأفاعِيلِ خَرَجَ الِاسْمُ مَعَهُ مُقَدَّرًا تَقْدِيرَ المَفْعُولِ، وهو صاحِبُ الفِعْلِ لا يُعْرَفُ لَهُ فاعِلٌ غَيْرُهُ.

قالَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: لا يَجُوزُ لِلْفِعْلِ أنْ يُجْعَلَ فاعِلُهُ مَفْعُولًا، وهَذِهِ الأفْعالُ المَذْكُورَةُ فاعِلُوها مَحْذُوفُونَ، وتَأْوِيلُ " أُوْلِعَ زَيْدٌ ": أوْلَعَهُ طَبْعُهُ وجِبِلَّتُهُ، و " أُرْعِدَ الرَّجُلُ ": أرْعَدَهُ غَضَبُهُ، و " سُهِيَ عَمْرٌو " جَعْلَهُ ساهِيًا مالُهُ أوْ جَهْلُهُ، و " أُهْرِعَ " مَعْناهُ: أهَرَعَهُ خَوْفُهُ ورُعْبُهُ، فَلِهَذِهِ العِلَّةِ خَرَّجَ هَؤُلاءِ الأسْماءَ مَخْرَجَ المَفْعُولِ بِهِ.

قالَ: وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعَ المَذْعُورِ الخائِفِ؛ لا يُقالُ لِكُلِّ مُسْرِعٍ: مُهْرَعٌ حَتّى يَنْضَمَّ إلى إسْراعِهِ جَزَعٌ وذُعْرٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ إهْراعِهِمْ، أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أخْبَرَتْهم بِالأضْيافِ.

﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أيْ: ومِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إلى لُوطٍ ﴿ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ يَعْنِي فِعْلَهُمُ المُنْكَرُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ هَؤُلاءِ بَناتِي ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ بَناتُهُ لِصُلْبِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جَمَعَ، وقَدْ كُنَّ اثْنَتَيْنِ ؟

فالجَوابُ أنَّهُ قَدْ يَقَعُ الجَمْعُ عَلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ عَنى نِساءَ أُمَّتِهِ، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِمُ التَّزْوِيجَ، أوْ أمَرَهم أنْ يَكْتَفُوا بِنِسائِهِمْ، وهَذا مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَرَضَ تَزْوِيجَ المُؤْمِناتِ عَلى الكافِرِينَ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ كانَ يَجُوزُ ذَلِكَ في شَرِيعَتِهِ، وكانَ جائِزًا في صَدْرِ الإسْلامِ حَتّى نُسِخَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِ إسْلامِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّ عَرْضَهُنَّ عَلَيْهِمْ مَوْقُوفٌ عَلى عَقْدِ النِّكاحِ، فَجازَ أنْ يَقِفَ عَلى شَرْطٍ آخَرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هُنَّ أحَلَّ مِن إتْيانِ الرِّجالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اتَّقُوا عُقُوبَتَهُ.

والثّانِي: اتَّقُوا مَعْصِيَتَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ﴾ حَرَّكَ ياءَ " ضَيْفِي " أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ.

وفي مَعْنى هَذا الخِزْيِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفَضِيحَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الِاسْتِحْياءُ، والمَعْنى: لا تَفْعَلُوا بِأضْيافِي فِعْلًا يَلْزَمُنِي الِاسْتِحْياءُ مِنهُ، لِأنَّ المُضِيفَ يَلْزَمُهُ الِاسْتِحْياءُ مِن كُلِّ فِعْلٍ يَصِلُ إلى ضَيْفِهِ.

والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزى خِزايَةً: إذا اسْتَحْيى، قالَ الشّاعِرُ: مِنَ البَيْضِ لا تَخْزى إذا الرِّيحُ ألْصَقَتْ ∗∗∗ بِها مِرْطَها أوْ زايَلَ الحَلْيُ جِيدَها والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى الهَلاكِ، لِأنَّ المَعَرَّةَ الَّتِي تَقَعُ بِالمُضِيفِ في هَذِهِ الحالِ تَلْزَمُهُ هَلْكَةً، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والضَّيْفُ هاهُنا: بِمَعْنى الأضْيافِ، والواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ، كَما تَقُولُ: هَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ في المُرادِ بِالرَّشِيدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُؤْمِنُ.

والثّانِي: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ والنّاهِي عَنِ المُنْكَرِ.

رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّشِيدُ بِمَعْنى المُرْشِدِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ألَيْسَ مِنكم مُرْشِدٌ يَعِظُكم ويُعَرِّفُكم قَبِيحَ ماتَأْتُونَ ؟

فَيَكُونُ الرَّشِيدُ مِن صِفَةِ الفاعِلِ، كالعَلِيمِ، والشَّهِيدِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّشِيدُ بِمَعْنى المُرْشِدِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ قَدْ أسْعَدَهُ اللَّهُ بِما مَنَحَهُ مِنَ الرَّشادِ يَصْرِفُكم عَنْ إتْيانِ هَذِهِ المَعَرَّةِ ؟

فَيَجْرِي رَشِيدٌ مَجْرى مَفْعُولٍ، كالكِتابِ الحَكِيمِ بِمَعْنى المُحْكَمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مالَنا فِيهِنَّ حاجَةٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَسْنَ لَنا بِأزْواجٍ فَنَسْتَحِقَّهُنَّ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ﴾ قالَ عَطاءٌ: وإنَّكَ لَتَعَلَمُ أنّا نُرِيدُ الرِّجالَ لا النِّساءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً ﴾ أيْ: جَماعَةً أقْوى بِهِمْ عَلَيْكم، وقِيلَ: أرادَ بِالقُوَّةِ البَطْشَ.

﴿ أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ أيْ: أنْضَمُّ إلى عَشِيرَةٍ وشِيعَةٍ تَمْنَعُنِي.

وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: لَحُلْتُ بَيْنَكم وبَيْنَ المَعْصِيَةِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ: " آوِي " مِن قَوْلِهِمْ: أوَيْتُ إلَيْكَ، فَأنا آوِي أُوِيًّا، والمَعْنى: صِرْتُ إلَيْكَ وانْضَمَمْتُ.

ومَجازُ الرُّكْنِ هاهُنا: العَشِيرَةُ العَزِيزَةُ الكَثِيرَةُ المَنِيعَةُ، وأنْشَدَ: يَأْوِي إلى رُكْنٍ مِنَ الأرْكانِ ∗∗∗ في عَدَدٍ طَيْسٍ ومَجْدٍ بانِي والطَّيْسُ: الكَثِيرُ يُقالُ أتانا لَبَنٌ طَيْسٌ وشَرابٌ طَيْسٌ أيْ: كَثِيرٌ.

واخْتَلَفُوا أيَّ وقْتٍ قالَ هَذا لُوطُ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ لُوطًا كانَ قَدْ أغْلَقَ بابَهُ والمَلائِكَةُ مَعَهُ في الدّارِ، وهو يُناظِرُهم ويُناشِدُهم وراءَ البابِ، وهم يُعالِجُونَ البابَ ويَرُومُونَ تَسَوُّرَ الجِدارِ؛ فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ ما يَلْقى مِنَ الكَرْبِ، قالُوا: يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ فافْتَحِ البابَ ودَعْنا وإيّاهم؛ فَفَتَحَ البابَ فَدَخَلُوا، واسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ رَبَّهُ في عُقُوبَتِهِمْ، فَأذِنَ لَهُ، فَضَرَبَ بِجَناحِهِ وُجُوهَهم فَأعْماهم، فانْصَرَفُوا يَقُولُونَ: النَّجاءُ النَّجاءُ، فَإنَّ في بَيْتِ لُوطٍ أسْحَرَ قَوْمٍ في الأرْضِ؛ وجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا لُوطُ، كَما أنْتَ حَتّى تُصْبِحَ، يُوعِدُونَهُ؛ فَقالَ لَهم لُوطٌ: مَتى مَوْعِدُ هَلاكِهِمْ ؟

قالُوا: الصُّبْحُ، قالَ: لَوْ أهْلَكْتُمُوهُمُ الآنَ، فَقالُوا: ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ؟

وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهم لَمّا تَواعَدُوهُ، قالَ في نَفْسِهِ: يَنْطَلِقُ هَؤُلاءِ القَوْمُ غَدًا مِن عِنْدِي، وأبْقى مَعَ هَؤُلاءِ فَيُهْلِكُونِي، فَقالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً.

قُلْتُ: وإنَّما يَتَوَجَّهُ هَذا إذا قُلْنا: إنَّهُ كانَ قَبْلَ عِلْمِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ إنَّما قالَ هَذا لَمّا كَسَرُوا بابَهُ وهَجَمُوا عَلَيْهِ.

وقالَ آخَرُونَ: لَمّا نَهاهم عَنْ أضْيافِهِ فَأبَوْا قالَ هَذا.

وَفِي الجُمْلَةِ، ما أرادَ بِالرُّكْنِ نَصْرَ اللَّهِ وعَوْنَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِن ذَلِكَ، وإنَّما ذَهَبَ إلى العَشِيرَةِ والأُسْرَةِ.

وَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «رَحِمَ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَهُ إلّا في ثَرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ» " قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: فِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِسُوءٍ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِلُوطٍ: إنّا نَرى مَعَكَ رِجالًا سَحَرُوا أبْصارَنا، فَسَتَعْلَمُ غَدًا ما تَلْقى أنْتَ وأهْلَكَ؛ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ﴿ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " فَأسْرِ " بِإثْباتِ الهَمْزِ في اللَّفْظِ مَن أسْرَيْتُ.

وقَرْأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ " فاسْرِ بِأهْلِكَ " بِغَيْرِ هَمْزٍ مِن سَرَيْتُ، وهُما لُغَتانِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: سَرَيْتُ، وأسْرَيْتُ إذا سِرْتَ لَيْلًا، قالَ الشّاعِرُ: سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ وَقالَ النّابِغَةُ: أسَرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزاءِ سارِيَةٌ ∗∗∗ تُزْجِي الشَّمالَ عَلَيْهِ جامِدَ البَرَدِ وَقَدْ رَوَوْهُ: سَرَتْ.

فَأمّا أهْلُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ امْرَأتُهُ وابْنَتاهُ، واسْمٌ ابْنَتَيْهِ: رُبْثا وزُعَرَثا.

وقالَ السُّدِّيُّ: اسْمُ الكُبْرى: رَيَّةُ، واسْم ُالصُّغْرى: عَرُوبَةُ، والمُرادُ بِأهْلِهِ: ابْنَتاهُ.

فَأمّا القِطْعُ، فَهو بِمَعْنى القِطْعَةِ؛ يُقالُ: مَضى قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ، أيْ: قِطْعَةٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِهِ: آخِرَ اللَّيْلِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " بِقِطْعٍ " أيْ: بِبَقِيَّةٍ تَبْقى مِن آخِرِهِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ذِكْرُ القِطْعِ بِمَعْنى القِطْعَةِ مُخْتَصٌّ بِاللَّيْلِ، ولا يُقالُ: عِنْدِي قِطْعٌ مِنَ الثَّوْبِ، بِمَعْنى: عِنْدِي قِطْعَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: لا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الِالتِفاتُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا امْرَأتَكَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِنَصْبِ التّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ جَمّازٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِرَفْعِ التّاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، فالمَعْنى: فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ.

ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ حَمَلَهُ، عَلى ﴿ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ ﴾ .

وإنَّما أُمِرُوا بِتَرْكِ الِالتِفاتِ لِئَلّا يَرَوْا عَظِيمَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.

قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، مَعْناهُ: لَكِنِ امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَلْتَفِتُ فَيُصِيبُها ما أصابَهم؛ فَإذا كانَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، كانَ التِفاتُها مَعْصِيَةً لِرَبِّها، لِأنَّهُ نَدَبَ إلى تَرْكِ الِالتِفاتِ.

قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّها كانَتْ مَعَ لُوطٍ حِينَ خَرَجَ مِنَ القَرْيَةِ، فَلَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ، التَفَتَتْ فَقالَتْ: واقَوْماهُ، فَأصابَها حَجَرٌ فَأهْلَكَها، وهو قَوْلُهُ: ﴿ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ ﴾ لِلْعَذابِ ﴿ الصُّبْحُ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: قالَتِ المَلائِكَةُ: " إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ " فَقالَ: أُرِيدُ أعْجَلَ مِن ذَلِكَ، فَقالُوا لَهُ: ﴿ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ ؟

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ ألَيْسَ الصُبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ الضَمِيرُ في قالُوا ضَمِيرُ المَلائِكَةِ، ويُرْوى أنَّ لُوطًا لَمّا غَلَبُوهُ وهَمُّوا بِكَسْرِ البابِ وهو يُمْسِكُهُ قالَتْ لَهُ الرُسُلُ: تَنَحَّ عَنِ البابِ، فَتَنَحّى وانْفَتَحَ البابُ فَضَرَبَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ بِجَناحِهِ فَطَمَسَ أعْيُنَهم وعَمُوا، وانْصَرَفُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَقُولُونَ: النِجاءَ النِجاءَ، فَعِنْدَ لُوطٍ قَوْمٌ سَحَرَةٌ، وتَوَعَّدُوا لُوطًا، فَفَزِعَ حِينَئِذٍ مِن وعِيدِهِمْ، فَحِينَئِذٍ قالُوا لَهُ: إنّا رُسُلُ رَبِّكَ فَأمِنَ، ذَكَرَ هَذا النَقّاشُ وفي تَفْسِيرِ غَيْرِهِ ما يَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُمْ: إنّا رُسُلُ رَبِّكَ كانَ قَبْلَ طَمْسِ العُيُونِ، ثُمَّ أمَرُوهُ بِالسُرى وأعْلَمُوهُ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِالقَوْمِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ: فَعَذِّبُوهُمُ الساعَةَ، قالُوا لَهُ: إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ أيْ بِهَذا أمَرُ اللهُ، ثُمَّ آنَسُوهُ في قَلَقِهِ بِقَوْلِهِمْ: ألَيْسَ الصُبْحُ بِقَرِيبٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ "فاسْرِ" مِن سَرى إذا سارَ في أثْناءِ اللَيْلِ، وقَرَأ الباقُونَ "فَأسْرِ" إذا سارَ في أوَّلِ اللَيْلِ و"القِطْعُ" القِطْعَةُ مِنَ اللَيْلِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ لُوطًا أسْرى بِأهْلِهِ مِن أوَّلِ اللَيْلِ حَتّى جاوَزَ البَلَدَ المُقْتَلِعَ، ووَقَعَتْ نَجاتُهُ بِسَحَرٍ فَتَجْتَمِعُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ قَوْلِهِ: إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ وبَيْتُ النابِغَةِ جَمَعَ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ في قَوْلِهِ: أسْرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزاءِ سارِيَةٌ ∗∗∗ تُزْجِي الشَمالُ عَلَيْهِ جامِدَ البَرَدِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ سَرى وأسْرى بِمَعْنًى واحِدٍ واحْتَجُّوا بِهَذا البَيْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأقُولُ إنَّ البَيْتَ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، وذَلِكَ أظْهَرُ عِنْدِي لِأنَّهُ قَصَدَ وصْفَ هَذِهِ الدِيمَةِ، وأنَّها ابْتَدَأتْ مِن أوَّلِ اللَيْلِ وقْتَ طُلُوعِ الجَوْزاءِ في الشِتاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو "إلّا امْرَأتُكَ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ وهَذا هو الأوجَهُ إذا اسْتُثْنِيَ مِن مَنفِيٍّ، كَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، وهَذا هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُلْتَفِتِينَ، وقَرَأ الباقُونَ "إلّا أمَرْأتَكَ" بِالنَصْبِ، ورَأتْ ذَلِكَ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ الوَجْهَ في الِاسْتِثْناءِ مِن مَنفِيٍّ، إذِ الكَلامُ المَنفِيُّ في هَذا مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ كالمُوجَبِ، فَإذْ هو مِثْلُهُ في الِاسْتِقْلالِ، فَحُكْمُهُ كَحُكْمِهِ في نَصْبِ المُسْتَثْنى وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "إلّا امْرَأتَكَ" بِالنَصْبِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ وقَعَ مِنَ الأهْلِ كَأنَّهُ قالَ: "فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ".

وعَلى هَذا التَأْوِيلِ لا يَكُونُ إلّا النَصْبُ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ: لَوْ كانَ الكَلامُ: "وَلا يَلْتَفِتْ" - بِالرَفْعِ- لَصَحَّ الرَفْعُ في قَوْلِهِ: "إلّا امَرْأتُكَ" ولَكِنَّهُ نَهْيٌ، فَإذا اسْتُثْنِيَتِ "المَرْأةُ" مِن أحَدٍ وجَبَ أنْ تَكُونَ "المَرْأةُ" أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ فَيَفْسُدُ مَعْنى الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الِاعْتِراضُ حَسَنٌ، يُلْزِمُ الِاسْتِثْناءَ مِن "أحَدٌ" رَفَعْتَ التاءَ أو نَصَبْتَ والِانْفِصالُ عنهُ يَتَرَتَّبُ بِكَلامٍ حُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ، وهو أنَّ النَهْيَ إنَّما قُصِدَ بِهِ لُوطٌ وحْدَهُ، و"الِالتِفاتُ" مَنفِيٌّ عنهم بِالمَعْنى، أيْ لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم يَلْتَفِتُ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا يَقُمْ مِن هَؤُلاءِ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، وأُولَئِكَ لَمْ يَسْمَعُوكَ، فالمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِن هَؤُلاءِ يَقُومُ والقِيامُ بِالمَعْنى مَنفِيٌّ عَنِ المُشارِ إلَيْهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجُمْلَةُ هَذا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ هو لَفْظُ قَوْلِنا: لا يَقُمْ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، ونَحْنُ نَحْتاجُ أنْ يَكُونَ مَعْناها مَعْنى قَوْلِنا: لا يَقُمْ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ وذَلِكَ اللَفْظُ لا يَرْجِعُ إلى هَذا المَعْنى إلّا بِتَقْدِيرِ ما حَكَيْناهُ عَنِ المُبَرِّدِ، فَتَدَبَّرْهُ.

ويَظْهَرُ مِن مَذْهَبِ أبِي عُبَيٍدٍ أنَّ الِاسْتِثْناءَ، إنَّما هو مِنَ الأهْلِ.

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ إلّا امْرَأتَكَ" وسَقَطَ قَوْلُهُ: ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ .

والظاهِرُ في يَلْتَفِتْ أنَّها مِنِ التِفاتِ البَصَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَن لَفَتَ الشَيْءَ يَلْفِتُهُ إذا ثَناهُ ولَواهُ، فَمَعْناهُ: ولا يَتَثَبَّطْ.

وهَذا شاذٌّ مَعَ صِحَّتِهِ وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: أنَّ المَعْنى: ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ إلى ما خَلَّفَ، بَلْ يَخْرُجُ مُسْرِعًا مَعَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ورُوِيَ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ لَمّا سَمِعَتِ الهَدَّةَ رَدَّتْ بَصَرَها وقالَتْ: واقَوْماهُ، فَأصابَها حَجَرٌ فَقَتَلَها.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الصُبُحُ" بِضَمِّ الباءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا كلام الملائكة للوط عليه السّلام كاشفوه بأنّهم ملائكة مرسلون من الله تعالى.

وإذ قد كانوا في صورة البشر وكانوا حاضري المجادلة حكى كلامهم بمثل ما تحكى به المحاورات فجاء قولهم بدون حرف العطف على نحو ما حكي قول: لوط عليه السّلام وقول قومه.

وهذا الكلام الذي كلّموا به لوطاً عليه السّلام وحي أوحاه الله إلى لوط عليه السّلام بواسطة الملائكة، فإنه لمّا بلغ بِلُوط توقعُ أذى ضيفه مبلغَ الجزع ونفاد الحيلة جاءه نصر الله على سنّة الله تعالى مع رسله ﴿ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ﴾ [يوسف: 110].

وابتدأ الملائكة خطابهم لوطاً عليه السّلام بالتعريف بأنفسهم لتعجيل الطمأنينة إلى نفسه لأنّه إذا علم أنهم ملائكة علم أنهم ما نزلوا إلاّ لإظهار الحق.

قال تعالى: ﴿ ما تنزّل الملائكةُ إلاّ بالحق وما كانوا إذاً منْظرين ﴾ [الحجر: 8].

ثم ألحقوا هذا التعريف بالبشارة بقولهم: ﴿ لن يصلوا إليك ﴾ .

وجيء بحرف تأكيد النفي للدّلالة على أنهم خاطبوه بما يزيل الشك من نفسه.

وقد صرف الله الكفّار عن لوط عليه السّلام فرجعوا من حيث أتوا، ولو أزال عن الملائكة التشكّل بالأجساد البشرية فأخفاهم عن عيون الكفّار لحسبوا أنّ لوطاً عليه السّلام أخفاهم فكانوا يؤذون لوطاً عليه السّلام.

ولذلك قال له الملائكة ﴿ لن يصلوا إليك ﴾ ولم يقولوا لن ينالوا، لأنّ ذلك معلوم فإنهم لمّا أعلموا لوطاً عليه السّلام بأنهم ملائكة ما كان يشك في أن الكفّار لا ينالونهم، ولكنّه يخشى سورتهم أن يتّهموه بأنه أخفاهم.

ووقع في التوراة أن الله أعمى أبصار المراودين لوطاً عليه السّلام عن ضيفه حتى قالوا: إنّ ضيف لوط سَحرة فانصرفوا.

وذلك ظاهر قوله تعالى: في سورة [القمر: 37] ﴿ ولقد رَاودوه عن ضيفه فطمسْنا أعينهم.

﴾ وجملة لن يصلوا إليك } مبيّنة لإجمال جملة ﴿ إنّا رسُل ربّك ﴾ ، فلذلك فصلت فلم تعطف لأنها بمنزلة عطف البيان.

وتفريع الأمر بالسُرى على جملة ﴿ لن يصلوا إليك ﴾ لما في حرف ﴿ لَن ﴾ من ضمان سلامته في المستقبل كلّه.

فلمّا رأى ابتداء سلامته منهم بانصرافهم حسن أن يبين له وجه سلامته في المستقبل منهم باستئصالهم وبنجاته، فذلك موقع فاء التفريع.

و (أسْر) أمر بالسُرى بضم السين والقصر.

وهو اسم مصدر للسير في الليل إلى الصباح.

وفعله: سَرى يقال بدون همزة في أوّله ويقال: أسرى بالهمزة.

قرأه نافع، وابن كثير، وأبو جعفر بهمزة وصل على أنه أمر من سَرى.

وقرأه الباقون بهمزة قطع على أنه من أسرى.

وقد جمعوه في الأمر مع أهله لأنه إذا سرى بهم فقد سرى بنفسه إذ لو بعث أهله وبقي هو لَمَا صحّ أن يقال: أسْر بهم للفرق بين أذهبت زيداً وبين ذهبت به.

والقِطْع بكسر القاف: الجزء من الليل.

وجملة ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ معترضة بين المستثنى والمستثنى منه.

والالتفات المنهي عنه هو الالتفات إلى المكان المأمور بمغادرته كَمَا دَلّت عليه القرينة.

وسبب النهي عن الالتفات التقصي في تحقيق معنى الهجرة غضباً لحرمات الله بحيث يقطع التعلق بالوطن ولو تعلّق الرؤية.

وكان تعيين الليل للخروج كَيْلاَ يُلاَقِي ممانعة من قومه أو من زوجه فيشقُّ عليه دفاعهم.

و ﴿ إلاّ امرأتَك ﴾ استثناء من ﴿ أهلك ﴾ ، وهو منصوب في قراءة الجمهور اعتباراً بأنه مستثنى من ﴿ أهلك ﴾ وذلك كلام موجب، والمعنى: لا تسْر بها، أريد أن لا يعلمها بخروجه لأنها كانت مخلصة لقومها فتخبرهم عن زوجها.

وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو برفع ﴿ امرأتك ﴾ على أنه استثناء من ﴿ أحد ﴾ الواقع في سياق النهي، وهو في معنى النفي.

قيل: إنّ امرأته خرجت معهم ثم التفتت إلى المدينة فحنّت إلى قومها فرجعت إليهم.

والمعنى أنه نهاهم عن الالتفات فامتثلوا ولم تمتثل امرأتُه للنهي فالتفتت، وعلى هذا الوجه فالاستثناء من كلام مقدّر دلّ عليه النهي.

والتقدير: فلا يلتفتون إلاّ امرأتك تلتفتُ.

وجملة ﴿ إنّه مصيبها ما أصابهم ﴾ استئناف بياني ناشئ عن الاستثناء من الكلام المقدّر.

وفي قوله: ﴿ ما أصابهم ﴾ استعمال فعل المضي في معنى الحال، ومقتضى الظاهر أن يقال: ما يصيبهم، فاستعمال فعل المضي لتقريب زمن الماضي من الحال نحو قوله تعالى: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ [المائدة: 6] الآية، أو في معنى الاستقبال تنبيهاً على تحقق وقوعه نحو قوله تعالى: ﴿ أتى أمر الله ﴾ [النحل: 1].

وجملة ﴿ إنّ موعدهم الصبح ﴾ مستأنفة ابتدائية قُطعت عن التي قبلها اهتماماً وتهويلاً.

والموعد: وقت الوعد.

والوعد أعمّ من الوعيد فيطلق على تعيين الشرّ في المستقبل.

والمراد بالموعد هنا موعد العذاب الذي علمه لوط عليه السّلام إما بوحي سابق، وإما بقرينة الحال، وإما بإخبار من الملائكة في ذلك المقام طَوته الآية هنا إيجازاً، وبهذه الاعتبارات صحّ تعريف الوعد بالإضافة إلى ضميرهم.

وجملة ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ استئناف بيانيّ صدر من الملائكة جواباً عن سؤال بجيش في نفسه من استبطاء نزول العذاب.

والاستفهام تقريريّ، ولذلك يقع في مثله التقرير على النفي إرخاء للعنان مع المخاطب المقرّر ليعرف خطأه.

وإنّما قالوا ذلك في أوّل الليل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً ﴾ يَعْنِي أنْصارًا.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الوَلَدَ.

﴿ أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ يَعْنِي إلى عَشِيرَةٍ مانِعَةٍ.

وَرَوى أبُو سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ)» .

يَعْنِي اللَّهَ تَعالى، قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (فَما بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إلّا في ثَرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ)» .

قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَقَدْ وجَدَتِ الرُّسُلُ عَلى لُوطٍ وقالُوا: إنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ ﴾ وفي اسْمِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: لِطْتُ الحَوْضَ إذا مَلَّسْتَهُ بِالطِّينِ.

وَقِيلَ إنَّ لُوطًا كانَ قائِمًا عَلى بابِهِ يَمْنَعُ قَوْمَهُ مِن أضْيافِهِ، فَلَمّا أعْلَمُوهُ أنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ مَكَّنَ قَوْمَهُ مِنَ الدُّخُولِ فَطَمَسَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أعْيُنِهِمْ فَعَمِيَتْ، وعَلى أيْدِيهِمْ فَجَفَّتْ.

﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ ﴾ أيْ فَسِرْ بِأهْلِكَ لَيْلًا، والسُّرى سَيْرُ اللَّيْلِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى وتَنْجَلِي عَنْهم غَياباتُ الكَرى يُقالُ وأسْرى وفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما في سَيْرِ اللَّيْلِ واحِدٌ.

الثّانِي: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فَأسْرى إذا سارَ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وسَرى إذا سارَ في آخِرِهِ، ولا يُقالُ في النَّهارِ إلّا سارَ، قالَ لَبِيدٌ: إذا المَرْءُ أسْرى لَيْلَةً ظَنَّ أنَّهُ ∗∗∗ قَضى عَمَلًا، والمَرْءُ ما عاشَ عامِلُ ﴿ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ سَوادُ اللَّيْلِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِن قَطْعِهِ نِصْفَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ونائِحَةٍ تَنُوحُ بِقَطْعِ لَيْلٍ ∗∗∗ عَلى رَجُلٍ بِقارِعَةِ الصَّعِيدِ الثّالِثُ: أنَّهُ الفَجْرُ الأوَّلُ، قالَهُ حَمِيدُ بْنُ زِيادٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا يَنْظُرُ وراءَهُ مِنكم أحَدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَعْنِي لا يَتَخَلَّفُ مِنكم أحَدٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: الثّالِثُ: يَعْنِي لا يَشْتَغِلُ مِنكم أحَدٌ بِما يَخْلُفُهُ مِن مالٍ أوِ امْتِناعٍ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ إلا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ ﴿ إلا امْرَأتَكَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: " فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقَطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ " وهَذا قَوْلُ مَن قَرَأ: ﴿ إلا امْرَأتَكَ ﴾ بِالنَّصْبِ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ ﴾ وهو عَلى مَعْنى البَدَلِ إذا قُرِئَ بِالرَّفْعِ.

﴿ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ ﴾ فَذَكَرَهُ قَتادَةُ أنَّها خَرَجَتْ مَعَ لُوطٍ مِنَ القَرْيَةِ فَسَمِعَتِ الصَّوْتَ فالتَفَتَتْ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْها حَجَرًا فَأهْلَكَها.

﴿ إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (إنَّ لُوطًا لَمّا عَلِمَ أنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ قالَ: فالآنَ إذَنْ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ ) .» ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ الصُّبْحَ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ لِأنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أوْدَعُ والنّاسَ فِيهِ أجْمَعُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال: يسرعون ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ قال: يأتون الرجال.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال: ويسعون إليه.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ يهرعون إليه ﴾ قال: يقبلون إليه بالغضب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: أتونا يهرعون وهم أسارى ** سيوفهم على رغم الأنوف وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ قال: ينكحون الرجال.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قال يا قوم هؤلاء بناتي ﴾ قال: ما عرض لوط عليه السلام بناته على قومه لا سفاحاً ولا نكاحاً إنما قال: هؤلاء بناتي نساؤكم، لأن النبي إذا كان بين ظهري قوم فهو أبوهم، قال الله في القرآن ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ [ الأحزاب: 6] وهو أبوهم في قراءة أبي رضي الله عنه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ هؤلاء بناتي ﴾ قال: لم تكن بناته ولكن كن من أمته وكل نبي أبو أمته.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: إنما دعاهم إلى نسائهم، وكل نبي أبو أمته.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن السدي في قوله: ﴿ هؤلاء بناتي ﴾ قال: عرض عليهم نساء أمته كل نبي فهو أبو أمته، وفي قراءة عبد الله ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم ﴾ [ الأحزاب: 6] .

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما سمعت الفسقة باضياف لوط جاءت إلى باب لوط، فاغلق لوط عليهم الباب دونهم ثم اطلع عليهم فقال: هؤلاء بناتي.

فعرض عليهم بناته بالنكاح والتزويج ولم يعرضها عليهم للفاحشة، وكانوا كفاراً وبناته مسلمات، فلما رأى البلاء وخاف الفضيحة عرض عليهم التزويج، وكان اسم ابنتيه إحداهما رغوثا والأخرى رميثا، ويقال: ديونا إلى قوله: ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ أي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلما لم يتناهوا ولم يردهم قوله ولم يقبلوا شيئاً مما عرض عليهم من أمر بناته قال: ﴿ لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ يعني عشيرة أو شيعة تنصرني لحلت بينكم وبين هذا، فكسروا الباب ودخلوا عليه، وتحوّل جبريل في صورته التي يكون فيها في السماء، ثم قال: يا لوط لا تخف نحن الملائكة لن يصلوا إليك، وأمرنا بعذابهم.

فقال لوط: يا جبريل الآن تعذبهم- وهو شديد الأسف عليهم- قال جبريل: موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله يعبي العذاب في أوّل الليل إذا أراد أن يعذب قوماً ثم يعذبهم في وجه الصبح.

قال: فهيئت الحجارة لقوم لوط في أول الليل لترسل عليهم غدوة الحجارة، وكذلك عذبت الأمم عاد وثمود بالغداة، فلما كان عند وجه الصبح عمد جبريل إلى قرى لوط بما فيها من رجالها ونسائها وثمارها وطيرها فحواها وطواها ثم قلعها من تخوم الثرى، ثم احتملها من تحت جناحه، ثم رفعها إلى السماء الدنيا فسمع سكان سماء الدنيا أصوات الكلاب والطير والنساء والرجال من تحت جناح جبريل، ثم أرسلها منكوسة، ثم أتبعها بالحجارة وكانت الحجارة للرعاة والتجار ومن كان خارجاً عن مدائنهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: عرض عليهم بناته تزويجاً، وأراد أن يقي أضيافه بتزويج بناته.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ﴾ قال: أمرهم هود بتزويج النساء، وقال: هن أطهر لكم.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ ولا تخزونِ في ضيفي ﴾ يقول: ولا تفضحوني.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ قال: رجل يأمر بمعروف وينهى عن المنكر.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ قال: رجل يأمر بمعروف وينهى عن منكر.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ قال: واحد يقول لا إله إلا الله.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ قالوا لقد علمنا ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ﴾ قال: إنما نريد الرجال ﴿ قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ يقول: إلى جند شديد لقاتلتكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال: عشيرة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال: العشيرة.

وأخرج أبو الشيخ عن علي رضي الله عنه.

أنه خطب فقال عشيرة الرجل للرجل خير من الرجل لعشيرته.

أنه إن كف يداً واحدة وكفوا عنه أيدياً كثيرة مع مودتهم وحفاظتهم ونصرتهم، حتى لربما غضب الرجل للرجل وما يعرفه إلا بحسبه وسأتلو عليكم بذلك آيات من كتاب الله تعالى، فتلا هذه الآية ﴿ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال علي رضي الله عنه: والركن الشديد: العشيرة.

فلم يكن للوط عليه السلام عشيرة، فوالذي لا إله إلا غيره ما بعث الله نبياً بعد لوط إلا في ثروة من قومه.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال: بلغني أنه لم يبعث نبيّ بعد لوط إلا في ثروة من قومه حتى النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه.

أن هذه الآية لما نزلت ﴿ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد فلأي شيء استكان» .

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: رحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد، وذكر لنا أن الله لم يبعث نبياً بعد لوط إلا في ثروة من قومه، حتى بعث الله نبيكم صلى الله عليه وسلم في ثروة من قومه» .

وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه قال لوط عليه السلام ﴿ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ فوجد عليه الرسل، وقالوا: يا لوط إن ركنك لشديد.

وأخرج سعيد بن منصور وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما بعث الله نبياً بعد لوط إلا في عز من قومه.

وأخرج البخاري في الأدب والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد- يعني الله تعالى- فما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه» .

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري وابن مردويه من طريق الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يغفر الله للوط إنه كان ليأوي إلى ركن شديد» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن بشر الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الناس كانوا أنذروا قوم لوط، فجاءتهم الملائكة عشية فمروا بناديهم فقال قوم لوط بعضهم لبعض: لا تنفروهم ولم يروا قوماً قط أحسن من الملائكة، فلما دخلوا على لوط عليه السلام راودوه عن ضيفه، فلم يزل بهم حتى عرض عليهم بناته، فأبوا فقالت الملائكة ﴿ إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ قال: رسل ربي؟

قالوا: نعم.

قال لوط: فالآن كذا» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: لما أرسلت الرسل إلى قوم لوط ليهلوكهم قيل لهم: لا تهلكوا قوم لوط حتى يشهد عليهم لوط ثلاث مرات، وكان طريقهم على إبراهيم خليل الرحمن ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ﴾ وكانت مجادلته إياهم قال: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟

قالوا: لا.

قال: فأربعون؟

قالوا: لا.

حتى انتهى إلى عشرة أو خمسة قال: فأتوا لوطاً وهو في أرض له يعمل فيها، فحسبهم ضيفاناً، فأقبل حتى أمسى إلى أهله، فمشوا معه فالتفت إليهم فقال: ما ترون ما يصنع هؤلاء؟

قالوا: وما يصنعون؟

قال: ما من الناس أحد شر منهم.

فمشوا معه حتى قال ذلك ثلاث مرات، فانتهى بهم إلى أهله فانطلقت عجوز السوء امرأته، فأتت قومه فقالت: لقد تضيف لوط الليلة قوماً ما رأيت قط أحسن ولا أطيب ريحاً منهم، فأقبلوا إليه يهرعون فدافعوه بالباب حتى كادوا يغلبون عليه.

فقال ملك بجناحه فسفقه دونهم وعلا وعلوا معه، فجعل يقول ﴿ هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ﴾ إلى قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ فقالوا ﴿ إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ فذلك حين علم أنهم رسل الله، وقال ملك بجناحه فما عشى تلك الليلة أحد بجناحه إلا عمي فباتوا بشر ليلة عمياً ينتظرون العذاب، فاستأذن جبريل عليه السلام في هلاكهم فأذن له، فاحتمل الأرض التي كانوا عليها وأهوى بها حتى سمع أهل سماء الدنيا صغاء كلابهم، وأوقد تحتهم ناراً ثم قلبها بهم، فسمعت امرأة لوط الوجبة وهي معهم، فالتفتت فأصابها العذاب، وتبعت سفارهم الحجارة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما جاءت رسل الله لوطاً عليه السلام ظن أنهم ضيفان لقومه، فادناهم حتى أقعدهم قريباً، وجاء ببناته وهن ثلاثة فأقعدهن بين ضيفانه وبين قومه، فجاءه قومه يهرعون إليه، فلما رآهم قال: ﴿ هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزونِ في ضيفي، قالوا ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد، قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ فالتفت إليه جبريل عليه السلام فقال: ﴿ إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ فلما دنو طمس أعينهم فانطلقوا عمياً يركب بعضهم بعضاً، حتى إذا خرجوا إلى الذين بالباب قالوا: جئناكم من عند أسحر الناس، ثم رفعت في جوف الليل حتى إنهم يسمعون صوت الطير في جوّ السماء، ثم قلبت عليهم فمن أصابته الائتفاكة أهلكته، ومن خرج منها اتبعته حيث كان حجراً فقتلته، فارتحل ببناته حتى بلغ مكان كذا من الشام ماتت ابنته الكبرى، فخرجت عندها عين، ثم انطلق حيث شاء الله أن يبلغ فماتت الصغرى، فخرجت عندها عين فما بقي منهن إلا الوسطى.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أغلق لوط على ضيفه الباب فجاؤوا فكسروا الباب فدخلوا، فطمس جبريل أعينهم فذهبت أبصارهم قالوا: يا لوط جئتنا بسحرة فتوعدوه، فأوجس في نفسه خيفة إذا قد ذهب هؤلاء يؤذونني.

قال جبريل ﴿ لا تخف إنا رسل ربك...

﴾ إن موعدهم الصبح، قال لوط: الساعة.

قال جبريل ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ قال: الساعة.

فرفعت حتى سمع أهل سماء الدنيا نبيح الكلاب، ثم أقبلت ورموا بالحجارة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأسر بأهلك ﴾ يقول: سر بهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ بقطع من الليل ﴾ قال: جوف الليل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بقطع ﴾ قال سواد من الليل.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿ بقطع من الليل ﴾ قال: بطائفة من الليل.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أن نافع بن الأزرق رضي الله عنه قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ ما القطع؟

قال: آخر الليل سحر.

قال مالك بن كنانة: ونائحة تقوم بقطع ليل ** على رجل أهانته شعوب وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يلتفت منكم أحداً ﴾ قال: لا يتخلف.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يلتفت منكم أحداً ﴾ قال: لا ينظر وراءه أحد ﴿ إلا امرأتك ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن هرون رضي الله عنه قال: في حرف ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ فاسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أنها كانت مع لوط لما خرج من الطرية، فسمعت الصوت فالتفتت، فأرسل الله عليها حجراً فأهلكها.

فهي معلوم مكانها شاذة عن القوم، وهي في مصحف عبد الله ﴿ ولقد وفينا إليه أهله كلهم إلا عجوزاً في الغبر ﴾ قال: ولما قيل له إن موعدهم الصبح.

قال: إني أريد أعجل من ذلك.

قال: ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: قال لوط: أهلكوهم الساعة.

قالوا: إنا لن نؤمر إلا بالصبح ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قال له لوط: اهلكوهم الساعة.

قال له جبريل عليه السلام ﴿ إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ﴾ فأنزلت على لوط ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ قال: فأمره أن يسري بأهله بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأته، فسار فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبريل عليه السلام جناحه، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، فجعل عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل، وسمعت امرأة لوط الهدة فقالت: واقوماه...

!

فأدركها حجر فقتلها.

وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي الحلة قال: رأيت امرأة لوط قد مسخت حجراً تحيض عند كل رأس شهر.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ﴾ قال: لما أصبحوا عدا جبريل على قريتهم فنقلها من أركانها، ثم أدخل جناحه، ثم حملها على خوافي جناحيه بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها فكان أول ما سقط منها سرادقها، فلم يصب قوماً ما أصابهم إن الله طمس على أعينهم، ثم قلب قريتهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل.

وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه قال: لما اصبحوا نزل جبريل عليه السلام فاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ السماء الدنيا، ثم أهوى بها جبريل إلى الأرض.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح.

أن جبريل عليه السلام أتى قرية لوط فأدخل يده تحت القرية، ثم رفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وأصوات الدياك، وأمطر الله عليهم الكبريت والنار.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه.

أن جبريل عليه السلام اجتث مدينة قوم لوط من الأرض، ثم رفعها بجناحه حتى بلغ بها حيث شاء الله، ثم جعل عاليها سافلها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: حدثت أن الله تعالى بعث جبريل عليه السلام إلى المؤتفكة، مؤتفكة قوم لوط فاحتملها بجناحه، ثم صعد بها حتى أن أهل السماء ليسمعون نباح كلابهم وأصوات دجاجهم، ثم اتبعها الله بالحجارة يقول الله تعالى ﴿ جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ﴾ فأهلكها الله ومن حولها من المؤتفكات، فكن خمساً صنعة وصغرة وعصرة ودوماً وسدوم، وهي القرية العظمى.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أنها ثلاث قرى فيها من العدد ما شاء الله أن يكون من الكثرة، ذكر لنا أنه كان منها أربعة آلاف ألف، وهي سدوم قرية بين المدينة والشام.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: من طين.

وفي قوله: ﴿ مسوّمة ﴾ قال: السوم بياض في حمرة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: هي بالفارسية سنك وكل حجر وطين.

وفي قوله: ﴿ مسوّمة ﴾ قال: معلمة.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: بالفارسية أوّلها حجارة وآخرها طين.

وفي قوله: ﴿ مسوّمة ﴾ قال: معلمة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: هي كلمة أعجمية عربت سنك وكل.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: حجارة فيها طين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: من طين ﴿ منضود ﴾ مصفوفة ﴿ مسوّمة ﴾ مطوّقة بها نصح من حمرة ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ لم يبرأ منها ظالم بعدهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع رضي الله عنه في قوله: ﴿ منضود ﴾ قال: قد نضد بعضه على بعض.

وفي قوله: ﴿ مسوّمة ﴾ قال: عليها سيما خطوط صفر.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه قال: حجارة مسوّمة لا تشاكل حجارة الأرض.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: السماء الدنيا، والسماء الدنيا اسمها سجيل.

وأخرج ابن شيبة عن ابن سابط رضي الله عنه في قوله: ﴿ حجارة من سجل ﴾ قال: هي بالفارسية.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه.

أنه سأل هل بقي من قوم لوط أحد؟

قال: لا، إلا رجل بقي أربعين يوماً، كان تاجراً بمكة فجاءه حجر ليصيبه في الحرم، فقامت إليه ملائكة الحرم فقالوا للحجر رجع من حيث جئت فإن الرجل في حرم الله.

فرجع الحجر فوقف خارجاً من الحرم أربعين يوماً بين السماء والأرض حتى قضى الرجل تجارته، فلما خرج أصابه الحجر خارجاً من الحرم.

يقول الله: ﴿ ما هي من الظالمين ببعيد ﴾ يعني من ظالمي هذه الأمة ببعيد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ قال: يرهب بها قريشاً أن يصيبهم ما أصاب القوم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ يقول: من ظلمة العرب إن لم يؤمنوا أن يعذبوا بها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع في الآية قال: كل ظالم فيما سمعنا قد جعل بحذائه حجر ينتظر متى يؤمر أن يقع به، فخوف الظلمة فقال: وما هي من الظالمين ببعيد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ قال: من ظالمي هذه الأمة، ثم يقول: والله ما أجار الله منها ظالماً بعد.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن محمد بن المنكدر ويزيد بن حفصة وصفوان بن سليم.

أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قد وجد رجلاً في بعض نواحي العرب ينكح كما كانت تنكح المرأة، وقامت عليه بذلك البينة، فاستشار أبو بكر رضي الله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن هذا ذنب لم يعص الله به أمة من الأمم إلا أمة واحدة، فصنع الله بها ما قد علمتم، أرى أن تحرقه بالنار.

فاجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن يحرقوه بالنار، فكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد رضي الله عنه أن احرقه بالنار، ثم حرقهم ابن الزبير رضي الله عنه في إمارته، ثم حرقهم هشام بن عبد الملك.

وأخرج ابن المنذر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي قال: عذب الله قوم لوط فرماهم بحجارة من سجيل، فلا ترفع تلك العقوبة عمن عمل عمل قوم لوط.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ﴾ .

قال المفسرون (١) ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ  ﴾ ، ومعنى] (٢) ﴿ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ﴾ أي: بسوء ومكروه فإنَّا نحول بينهم وبين ذلك، وقالوا له: ﴿ فَاسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾ وقرئ (٣) وأنشد أبو عبيد لحسان (٤) أسرت إليك ولم تكن تسري فجاء باللغتين، وجاء بيت النابغة (٥) يروى بالوجهين سرت وأسرت.

قال الأزهري: وهذا ما لا أعلم فيه بين أهل اللغة اختلافًا، فمن قرأ بقطع الألف فحجته قوله: ﴿ أَسْرَى بِعَبْدِهِ  ﴾ ومن قرأ بوصل الألف (٦) ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ بِأَهْلِكَ ﴾ ، روى السدي عن (٧) وقوله تعالى: ﴿ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ ، ذكرنا معنى القطع في سورة يونس [[عند قوله تعالى: ﴿ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ﴾ \[الآية 27\].

وقال هناك: "القِطْع: اسم لما قطع فسقط، ويراد به هاهنا بعض من الليل".]]، قال عطاء عن ابن (٨) وقال نافع بن الأزرق (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقال قتادة (١٣) وقال بعض أهل المعاني: هو نصف الليل؛ فإنه قطع بنصفين.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ﴾ ، نهى من معه من الالتفات إذا خرجوا من قريتهم، قال مجاهد (١٤) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا امْرَأَتَكَ ﴾ ، قرئ بالنصب (١٥) (١٦) ﴿ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ﴾ ، ومن رفع المرأة حمله على (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك)، فإن قيل: على هذا هذه القراءة توجب أنها أمرت بالالتفات؛ لأن القائل إذا قال: لا يقم منكم أحد إلا زيد، كان أمر زيدًا بالقيام.

قال أبو بكر (١٧) (١٨) ﴿ إِلَّا ﴾ هاهنا الاستثناء المنقطع على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت، فيصيبها ما أصابهم، فإذا كان الاستثناء منقطعًا كان التفاتها بمعصية منها لله -عز وجل-، ويؤيد هذه القراءة ما قال قتادة (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) قال أبو بكر: والاختيار النصب؛ لأن الناصبين أخرجوا المرأة من الأهل، فكان الاستثناء متصلًا، والرافعين جعلوا الاستثناء منقطعًا، والاتصال أولى من الانقطاع.

قال أبو علي (٢٣) ﴿ وَلَا يَلْتَفِتْ ﴾ على قول من قال (ما جاءني أحد إلا زيدًا) وقد بينا هذا في قوله: ﴿ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ في قراءة من قرأ: ﴿ قَلِيلًا ﴾ (٢٤) ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾ لم يكن إلا النصب، ووجه التفسير في قراءة من قرأ بالنصب ما قاله المفسرون (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ﴾ ، الكناية في قوله: ﴿ إِنَّهُ ﴾ كناية عن الشأن والأمر، تأويلها فإنَّ الأمر مصيبها ما أصابهم.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ﴾ ، [أي: للعذاب.

قال عامة المفسرين (٢٦) (٢٧) (٢٨) (١) الطبري 12/ 90، الثعلبي 7/ 52 أ، البغوي 4/ 192 - 193، "زاد المسير" 4/ 140.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٣) قرأ ابن كثير ونافع ﴿ فاسر بأهلك ﴾ من سريت، بغير همز، وقرأ أبو عمرو وعاصم، وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾ من أسريت.

انظر: "السبعة" ص 338، "إتحاف" ص 259، "الكشف" 1/ 535، "الحجة" 4/ 367، الطبري 12/ 80، الثعلبي 7/ 52 ب.

(٤) عجز بيت، وصدره: إن النضيرة ربة الخدر "ديوانه" ص 96، "اللسان" (سرا) 4/ 2003، "المخصص" 9/ 48، 14/ 240، "تاج العروس" (سرا) وبلا نسبة في "مقاييس اللغة" 3/ 154.

(٥) صدر بيت للنابغة الذبياني، وعجزه: تزجي الشمالُ عليه جامد البرد وسرت إذا أمطرت، وقوله: (من الجوزاء سارية) كقولك: سقينا بنوء كذا وكذا، أي.

أصابة المطر ليلًا، و (تزجي) تسوق وتدفع على الثور جامد البرد، انظر: == "ديوانه" ص 11 "شرح ابن السكيت"، "مجاز القرآن" 1/ 295، "مختار الشعر الجاهلي" 1/ 150، "اللسان" (سرت) 4/ 2003، القرطبي 9/ 79، "مجمل اللغة" 3/ 479.

(٦) في (ب): ومن قرأ بالوصل.

(٧) "زاد المسير" 4/ 141، وذكر أن اسم الكبرى (ريَّة) بالياء المثناة.

(٨) الطبري 12/ 93، عن ابن عباس قال: جوف الليل، وفي رواية أخرى: بطائفة من الليل.

وابن أبي حاتم 6/ 2065، وذكره عنهما السيوطي في "الدر" 3/ 623 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.

(٩) هو: نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي، رأس الأزارقة وهي فرقة من الخوارج، كان أمير قومه وفقيههم صحب أول أمره ابن عباس وله معه أسئلة مشهورة.

انظر: "تاريخ الطبري" 5/ 613، "الأعلام" 7/ 351.

(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١١) ابن الأنباري في "الوقف والابتداء" 1/ 85، وانظر: "الدر" 3/ 623، "زاد المسير" 4/ 142، مسائل نافع بن الأزرق في "الإتقان" 1/ 167.

(١٢) في (ي): (سحرًا).

(١٣) الطبري 12/ 93، عبد الرزاق 2/ 309.

(١٤) الطبري 12/ 93، وابن أبي حاتم 6/ 2065، وابن المنذر كما في "الدر" 3/ 623، "زاد المسير" 4/ 142.

(١٥) قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالنصب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالرفع، انظر: "السبعة" ص 338، "الكشف" 1/ 536، "إتحاف" ص 259، الطبري 12/ 80، الثعلبي 7/ 52 ب.

(١٦) الطبري 12/ 89، الثعلبي 7/ 52 ب، البغوي 4/ 193، القرطبي 9/ 80، "الدر المنثور" 3/ 623.

(١٧) "زاد المسير" 4/ 142.

(١٨) في (ي): (معناه).

(١٩) "زاد المسير" 4/ 142، الطبري 12/ 90 - 91.

(٢٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٢١) "تفسير مقاتل" 48 أ، الطبري 12/ 89، الثعلبي 7/ 52 ب، البغوي 4/ 193، "زاد المسير" 4/ 142.

(٢٢) في (ي): حاله.

(٢٣) "الحجة" 4/ 370.

(٢٤) قرأ بهذه القراءة ابن عامر، انظر: "السبعة" ص 235، "الكشف" 1/ 392.

(٢٥) الثعلبي 7/ 52 ب، الطبري 12/ 89 ورجحه، البغوي 4/ 193.

(٢٦) الثعلبي 7/ 52 ب، "زاد المسير" 4/ 142، البغوي 4/ 193، القرطبي 9/ 81.

(٢٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٢٨) في (ي): (فقالوا).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ ﴾ الرسل هم الملائكة ومعنى سيء بهم أصابه سوء وشجر لما ظن أنهم من بني آدم وخاف عليهم من قومه ﴿ يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أي شديد ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي يسرعون وكانت امرأة لوط قد أخبرتهم بنزول الأضياف عنده، فأسرعوا ليعملوا بهم عملهم الخبيث ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ أي كانت عادتهم إتيان الفواحش في الرجال ﴿ قَالَ ياقوم هؤلاء بناتي ﴾ المعنى فتزوجوهن، وإنما قال ذلك ليقي أضيافه ببناته، وقيل: اسم بناته الواحدة رئيا، والأخرى غوثا وأن اسم امرأته الهالكة والهة، واسم امرأة نوح والقة ﴿ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ أي: ما لنا فيهم أرب ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ يعنون نكاح الذكور ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾ جواب لو محذوف تقديره: لو كانت لي قدرة على دفعكم لفعلت، ويحتمل أن تكون لو للتمني ﴿ أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ معنى آوي ألجأ، والمراد بالركن الشديد: ما يلجأ إليه من عشيرة وأنصار يحمونه من قومه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يرحم الله أخي لوطاً؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد يعني إلى الله والملائكة ﴿ قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ﴾ الضمير في قالوا للملائكة، والضمير في لن يصلوا لقوم لوط، وذلك أن الله طمس على أعينهم حينئذ ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾ أي اخرج بهم بالليل، فإن العذاب ينزل بأهل هذه المدائن، وقرئ فأسر بوصل الألف وقطعها، وهما لغتان يقال سرى وأسرى ﴿ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل ﴾ أي قطعة منه ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ نُهوا عن الالتفات؛ لئلا تتفطر أكبادهم على قريتهم، وقيل: يلتفت معناه يلتوي ﴿ إِلاَّ امرأتك ﴾ قرئ بالنصب والرفع، فالنصب استثناء من قوله بأسر بأهلك، فيقتضي هذا أنه لم يخرجها مع أهله، والرفع بدل من ولا يلتفت منكم أحد، ورُوي على هذا أنه أخرجها معه، وأنها التفتت وقالت: يا قوماه فأصابها حجر فقتلها ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح ﴾ أي وقت عذابهم الصبح ﴿ أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ ﴾ ذكر أنهم لما قالوا: إن موعدهم الصبح قال لهم لوط: هلا عذبوا الآن فقالوا له: أليس الصبح بقريب ﴿ جَعَلْنَا عاليها سافلها ﴾ الضمير للمدائن رُوي أن جبريل أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، واقتلعها فرفعها حتى سمع أهل السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً ﴾ أي على المدائن، والمراد أهلها.

روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته حجارة من السماء، وأما من كان في المدائن فهلك لما قلبت ﴿ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ قيل: معناه من ماء وطين، وإنما كان من الآجر المطبوخ وقيل: من سجله إذا أرسله، وقيل: هو لفظ أعجمي ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ أي مضموم بعضه فوق بعض ﴿ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ﴾ معناه: معلَّمة بعلامة، رُوي أنه كان فيها بياض وحمرة، وقيل كان في كل حجر اسم صاحبه ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ ﴾ الضمير للحجارة والمراد بالظالمين كفار قريش، فهذا تهديد لهم أي ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، فالمعنى ليست ببعيدة منهم أفلا يعتبرون بها كقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء ﴾ [الفرقان: 40] وقيل: إن الظالمين على العموم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سلم ﴾ بكسر السين بلا ألف فيهما.

حمزة وعلي ﴿ ويعقوب ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وحفص، الآخرون بالرفع.

﴿ سيء بهم ﴾ وبابه كضرب مجهولاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.

الآخرون ﴿ سيء ﴾ مثل ﴿ قيل ﴾ ﴿ تخزوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.

وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ ضيفي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ فاسر ﴾ وبابه بهمزة الوصل: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس من طريق الموصلي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ إلا امرأتك ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو.

الباقون بالنصب.

الوقوف: ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ حنيذ ﴾ ه ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ قوم لوط ﴾ ه ط ﴿ بإسحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع ﴿ يعقوب ﴾ ه ﴿ شيخاً ﴾ ط ﴿ عجيب ﴾ ه ﴿ أهل البيت ﴾ ط ﴿ مجيد ﴾ ه ﴿ في قوم لوط ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ أمر ربك ﴾ ج للاتبداء بأن مع اتصال المعنى.

﴿ مردود ﴾ ه ﴿ عصيب ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للعطف ولاختلاف النظم ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ ضيفي ﴾ ط ﴿ رشيد ﴾ ه ﴿ من حق ﴾ ج لما مر ﴿ ما نريد ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ هـ.

﴿ إلا امرأتك ﴾ ط ﴿ أصابهم ﴾ ط ﴿ الصبح ﴾ ط ﴿ بقريب ﴾ ه ﴿ منضود ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة حجارة ﴿ عند ربك ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه.

التفسير: الرسل ههنا الملائكة، وأجمعوا على أن الأصل فيهم جبرائيل، ثم اختلفوا فقيل: كان معه اثناء عشر ملكاً على أحسن ما يكون من صورة الغلمان.

وقال الضحاك: كانوا تسعة.

وقال ابن عباس: كانوا ثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرائفيل وهم الذين ذكر الله  في سورة الحجر ﴿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم  ﴾ وفي الذاريات ﴿ هل أتاك حديث إبراهيم  ﴾ والظاهر أن البشرى هي البشارة بالولد.

وقيل: بهلاك قوم لوط.

ومعنى ﴿ سلاماً ﴾ سلمنا عليك.

ومعنى ﴿ سلام ﴾ أمركم سلام أو سلام عليكم.

ولأن الرفع يدل على الثبات والاستقرار، والنصب يدل على الحدوث لمكان تقدير الفعل.

قال العلماء: إن سلام إبراهيم كان أحسن اقتداء بقوله  : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحس منها  ﴾ وإنما صح وقوع ﴿ سلام ﴾ مبتدأ مع كونه نكرة لتخصصها بالإِضافة إلى المتكلم إذ أصله سلمت سلاماً فعدل إلى الرفع لإفادة الثبات.

ومن قرأ ﴿ سلماً ﴾ فمعناه السلام أيضاً.

قال الفراء.

سلم وسلام كحل وحلال وحرم وحرام.

وقال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يراد بالسلم خلاف الحرب.

قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك فجاءته الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم فما لبث ﴿ أن جاء ﴾ أي فما لبث في أن جاء بل عجل أو فما لبث مجيئه ﴿ بعجل ﴾ هو ولد البقرة ﴿ حنيذ ﴾ مشوي في حرفة من الأرض بالحجارة المحماة وهو من فعل أهل البادية معروف.

ومعناه محنوذ كطبيخ بمعنى مطبوخ.

وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسماً لقوله: ﴿ بعجل سمين  ﴾ تقول: حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى يقطر عرقاً ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ﴾ إلى العجل أو الطعام ﴿ نكرهم ﴾ أي أنكرهم واستنكر فعلهم ﴿ وأوجس ﴾ أضمر ﴿ منهم خيفة ﴾ لأنه ما كان يعرف أنهم ملائكة وكان من عادة العرب أنه إذا نزل بهم الضيف ولم يتناول طعامهموتوقعوا منه المكروه والشر.

وقيل: إنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به شراً.

وقيل: إنه كان يعرف أنهم ملائكة الله لقولهم: ﴿ لا تخف ﴾ .

﴿ وإنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ لم يقولوا لا تخف إنا ملائكة بل ذكروا سبب الإرسال وهو إهلاك قوم لوط.

وعلى هذا فإنما خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله أو لتعذيب قومه، والاحتمال الأول وهو أنه كان لا يعرف أنهم ملائكة أقرب بدليل إحضاره الطعام واستدلاله بترك أكلهم على توقع الشر منهم.

وإنما ذكروا سبب الإرسال إيجازاً واختصاراً لدلالة الإرسال على كونهم رسلاً لا أضافياً.

وإنما أتوه على صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها لأنه كان مشغوفاً بالضيافة.

وبم عرف الملائكة خوفه؟

قيل: بالتغير في وجهه أو بتعريف الله، أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته ﴾ وهي سارة بنت هاران بن ناحورا بنت عم إبراهيم ﴿ قائمة ﴾ وراء الستر تسمع تحاورهم، أو كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم وهو قعود ﴿ فضحكت ﴾ .

قال العلماء: لا بد للضحك من سبب فقيل: سببه السرور بزوال الخيفة.

وقيل: بهلاك أهل الخبائث.

وعن السدي أن إبراهيم قال لهم: ألا تأكلون؟

قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بالثمن.

فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله على أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبرائيل لميكائيل: حق لمصل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً، فضحكت امرأته فرحاً بهذا الكلام.

وقيل: كانت تقول لإبراهيم اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، ففرحت بموافقة قولهم لقولها فضحكت.

وقيل: طلب إبراهيم  منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي إلى مرعاه فضحكت سارة من طفرته.

وقيل: ضحكت تعجباً من قوم أتاهم العذاب وهم غافلون.

وقيل: تعجبت من خوف إبراهيم مع كثرة خدمه وحشمه من ثلاثة أنفس.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي فبشرناها بإسحق، فضحكت سروراً.

وعن مجاهد وعكرمة ضحكت أي حاضت ومنه ضحكت الطلعة إذا انشقت يعني استعدادها لعلوق الولد.

من قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي يعقوب مولود أو موجود بعد إسحاق، ومن قرأ بالنصب فعلى العبارة المتروكة كأنه قيل: ووهبنا لها إسحق ومن بعد إسحق يعقوب.

أقول من المحتمل أن يكون ﴿ يعقوب ﴾ مجروراً بالعبارة الموجودة أي وبشرناها بيعقوب من بعد إسحاق وقيل: الوراء ولد الولد ووجهه أن يراد بيعقوب أولاده كما يقال هاشم ويراد أولاده ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة تلهف وقد مرت في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت  ﴾ و ﴿ شيخاً ﴾ نصب الحال والعامل فيه ما في هذا من معنى أنبه أو أشير ﴿ إن هذا ﴾ يعني إن تولد ولد من هرمين ﴿ لشيء عجيب ﴾ عادة فأزال الملائكة تعجبها منكرين عليها بقولهم على سبيل الاستئناف ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم ﴾ يا أهل بيت خليل الرحمن.

والمقصود أن رحمته عليكم متكاثرة وبركاته فيكم متواترة وخرق العادات في أهل بيت النبوة غير عجيب.

ويحتمل أن يكون انتصاب ﴿ أهل البيت ﴾ على الاختصاص.

وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم.

ثم أكدوا إزالة التعجب بقولهم: ﴿ إنه حميد ﴾ محمود في أفعاله ﴿ مجيد ﴾ ذو الكرم الكامل فلا يليق به منع الطالب عن مطلوبه.

﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ الخوف الذي لحقه حين أنكر أضيافه ﴿ وجاءته البشرى ﴾ البشارة بحصول الولد ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ في معناهم وفي شأنهم وهو جواب "لما" على حكاية الحال، أو لأن "لما" ترد المضارع إلى الماضي عكس "إن"، ويحتمل أن يكون جواب "لما" محذوفاً دل عليه ﴿ يجادلنا ﴾ أي اجترأ على خطابنا أو قال كذا، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يجادلنا ﴾ وقيل: معناه أخذ يجادلنا ولا بد من حذف مضاف أي يجادل رسلنا لا بمعنى مخالفة أمر الله فإن ذلك يكون معصية بل سعياً في تأخير العذاب عنهم رجاء إيمانهم وتوبتهم.

ويروى أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونها؟

قالوا: لا قال: فأربعون؟

قالوا: لا حتى بلغ العشرة قالوا لا.

قال: فإن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟

قالوا: لا.

فعند ذلك ﴿ قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لنُنَجِّيَنهُ وأهله  ﴾ قال الأصوليون: إن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بايصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور، والملائكة يدعون الفور إما للقرائن أو لأن مطلق الأمر يستدعي ذلك، فهذه هي المجادلة.

أو لعل إبراهيم كان يدعي أن الأمر مشروط لم يحصل بعدوهم لا يسلمون.

وبالجملة فإن العلماء يجادل بعضهم بعضاً عند التمسك بالنصوص وليس يوجب القدح في واحد منهم فكذلك ههنا ولذلك مدحه بقوله: ﴿ إن إبراهيم لحليم ﴾ غير عجول في الأمور ﴿ أوّاه ﴾ كثير التأوّه من الذنوب ﴿ منيب ﴾ راجع إلى الله في كل ما يسنح له.

وهذه الصفات تدل على رقة القلب والشفقة على خلق الله حتى حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب عنهم.

ولما عرفت الملائكة أن العذاب قد حق عليهم قالوا: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ الجدال ﴿ إنه قد جاء أمر ربك ﴾ بإهلاكهم ﴿ وإنهم آتيهم ﴾ لاحق بهم ﴿ عذاب غير مردود ﴾ فلا راد لقضائه فلا ينفع فيهم جدال ولا دعاء.

﴿ ولما جاءت رسلنا ﴾ المذكورون ﴿ لوطاً سيء بهم ﴾ أصله "سوىء" لأنه من ساءه يسوءه نقيض سره يسره، نقلت الكسرة إلى الفاء وأبدلت العين ياء، ومن قرأ ﴿ سيء ﴾ بإبدال العين ياء مكسورة فلكراهة اجتماع الواو والهمزة.

﴿ وضاق بهم ذرعاً ﴾ قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة، وربما قالوا ضقت بالأمر ذرعاً.

﴿ وقال هذا يوم عصيب ﴾ أي شديد من العصب الشد كأنه أريد اشتداد ما فيه من الأمور.

عن ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله فساءه مجيئهم واغتم لذلك لأنه خاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم.

وقيل: سبب المساءة أنه لم يكن قادراً على القيام بحق ضياقتهم لأنه ما كان يجد ما ينفق عليهم.

وقيل: السبب أن قومه منعوه عن إدخال الضيف داره.

وقيل: عرف أنهم ملائكة جاؤوا لإهلاك قومه فرق قلبه على قومه.والصحيح هو الأول.

يروى أنه  قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات.

فلما مشى معهم منطلقاً به إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم؟

قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً - يقول ذلك أربع مرات - فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها فذلك قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال أبو عبيدة: يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضاً.

وقال الجوهري: الإهراع الإسراع.

وأهرع الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مهرع إذا كان يرعد من حمى أو غضب أو فزع.

وقيل: إنما لم يسم فاعله للعلم به.

والمعنى أهرعه خوفه أو حرصه.

ثم بين إسراعهم إنما كان لأجل العمل الخبيث فقال: ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ الفواحش فمرنوا عليها فلذلك جاؤوا مجاهرين لا يكفهم حياء.

وقيل: معناه وكان لوط قد عرف عادتهم في ذلك العمل قبل ذلك فأراد أن يقي أضيافه ببناته فقال: ﴿ هؤلاء نباتي ﴾ عن قتادة: بناته من صلبه.

وعن مجاهد وسعيد بن جبير: أراد نساء أمته لأن النبي كالأب لأمته.

واختير هذا القول لأن عرض البنات الحقيقيات على الفجار لا يليق بذوي المروءات.

ولأن اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم، ولما روي أنه لم يكن له إلا بنتان وأقل الجمع ثلاثة.

والقائلون بالقول الأول قالوا ما دعا القوم إلى الزنا بهن وإنما دعاهم إلى التزوج بهن بعد الإيمان أو مع الكفر، فلعل تزويج المسلمات من الكفار كان جائزاً كما في أول الإسلام، زوج رسول الله  ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى - وهما كافران - فنسخ بقوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا  ﴾ وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه، وقيل: إن بناته كن أكثر من ثنتين.

ويجوز أ يكون قد عرض البنات عليهم لا بطريق الجد بل طمعاً فيهم أن يستحيوا منه ويرقوا له.

و ﴿ أطهر ﴾ بمعنى الطاهر لأنه لا طهارة في نكاح الرجال ﴿ فاتقوا الله ﴾ بإيثارهن عليهم ﴿ ولا تخزون ﴾ ولا تفضحوني من الخزي أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء.

﴿ في ضيفي ﴾ في حق أضيافي فخزي الضيف والجار يورث للمضيف العار والشنار.

والضيف يستوي فيه الواحد والجمع ويجوز أن يكون مصدراً.

﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ صالح أو مصلح مرشد يمنتع أو يمنع عن مثل هذا العمل القبيح.

﴿ قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ﴾ من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ولذلك قالوا ﴿ وإنك لتعلم ما نريد ﴾ ويجوز أن يراد إنهن لسن لنا بأزواج فلا حق لنا فيهن من حيث الشرع ومن حيث الطبع، أو يراد إنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نؤمن ألبتة فلا يتصور لنا حق فيهن.

قال لوط ﴿ لو أن لي بكم قوّة ﴾ وجوابه محذوف أي لفعلت بكم وصنعت وبالغت في دفعكم.

قال أهل المعاني: حذف الجواب أبلغ لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من الدفع والمنع.

والمراد لو أن لي ما أتقوى به عليكم فسمى موجب القوة بالقوة، ويحتمل أن يريد بالقوة القدرة والطاقة ﴿ أو آوي ﴾ أنضم ﴿ إلى ركن شديد ﴾ حام منيع شبه الركن من الجبل في شدته.

وقوله: ﴿ أو آوي ﴾ عطف على الفعل المقدر بعد "لو".

والحاصل أنه تمنى دفعهم بنفسه أو بمعاونة غيره، قال ذلك من شدة القلق والحيرة في الأمر النازل به ولهذا قالت الملائكة وقد رقت عليه وحزنت له: إن ركنك لشديد.

وقال النبي  "رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد فما بعث نبي بعد ذلك إلا في ثروة من قومه" ويحتمل أن يريد بالركن الشديد حصناً يتحصن به فيأمن من شرهم، ويحتمل أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمني حصول قوة قوية على الدفع.

ثم استدرك وقال بل الأولى أن آوي إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله.

روي أنه أغلق بابه لما جاؤوا فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ وهذه جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصل الأعداء إليه ولن يقدروا على ضرره، فأمره الملائكة أن يفتح الباب فدخلوا فاستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال  ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم  ﴾ فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون إن في بيت لوط سحرة.

ثم بين نزول العذاب ووجه خلاص لوط وأهله فقال: ﴿ فأسر بأهلك ﴾ الباء للتعدية إن كانت الهمزة للوصل من السرى، أو زائدة وإن كانت للقطع من الإسراء.

﴿ بقطع من الليل ﴾ عن ابن عباس: أي في آخر الليل بسحر.

وقال قتادة: بعد طائفة من الليل.

وقيل نصف الليل كأنه قطع نصفين ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ أي لا ينظر إلى ما رواءه ﴿ إلا امرأتك ﴾ أكثر القراء على النصب فاعترض بأن الفصيح في مثله هو البدل لأن الكلام غير موجب فكيف اجتمع القراء على غير فصيح؟

فأجاب جار الله بأن الرفع بدل من ﴿ أحد ﴾ على القياس والنصب مستثنى من قوله: ﴿ فأسر ﴾ لا من قوله ﴿ لا يلتفت ﴾ وزيف بأن الاستثناء من ﴿ أسر ﴾ يقتضي كونها غير مسرى بها، والاستثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ يقتضي كونها مسرياً بها لأن الالتفات بعد الإسراء فتكون مسرياً بها غير مسرى بها.

ويمكن أن يجاب بأن ﴿ أسر ﴾ وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات إذ المراد أسر بأهلك إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات، فاستثن على هذا إن شئت من ﴿ أسر ﴾ وإن شئت من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولا تناقض.

وبعضهم - كابن الحاجب - جعل ﴿ إلا امرأتك ﴾ في كلتا القراءتين مستثنى من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولم يستبعد اجتماع القراء على قراءة غير الأقوى.

ويمكن أن يقال: إنما اجتمعوا على النصب ليكون استثناء من ﴿ أسر ﴾ إذ لو جعل استثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ لزم أن تكون مأمورة بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام اللهم إلا أن يجعل الاستثناء منقطعاً على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا كان هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها موجباً للمعصية.

قاله في الكشاف.

وروي أنه أمر أن يخلفها مع قومها فلم يسر بها.

واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.

أقول: في هذا الكلام خلل لا يمكن اجتماعهما على الصحة، والقراءتان يجب اجتماعهما على الصحة لتواتر القراآت كلها.

روي أنها لما سمعت هدّة العذاب أي صوته التفتت وقالت: يا قوماه: فأدركها حجر فقتلها.

وقيل: المراد بعدم الالتفات قطع تعلق القلب عن الأصدقاء والأموال والأمتعة.

فعلى هذا يصح الاستثناءان من غير شائبة التناقض كأنه أمر لوطاً أن يخرج بقومه ويترك هذه المرأة فإنها هالكة من الهالكين.

ثم أمر أن يقعطوا العلائق وأخبر أن امرأته تبقى متعلقة القلب بها.

يروى أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقيل له ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا: ﴿ أليس الصبح بقريب؟

﴾ ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بإهلاكهم ﴿ جعلنا ﴾ أي جعل رسلنا ﴿ عاليها سافلها ﴾ روي أن جبرائيل أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك لم يتبدد لهم طعام ولم يتكسر لهم إناء، ثم قلبها دفعة وضربها على الأرض، ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل - وهو معرب سنك وكل - كأنه مركب من حجر وطين وهو في غاية الصلابة.

وقيل: سجيل أي مثل السجل وهي الدلو العظيمة أو مثلها في تضمن الأحكام الكثيرة، وقيل: أي مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته.

وقيل: أي مما كتب الله أن يعذب به أو كتب عليه أسماء المعذبين من السجل وقد سجل لفلان.

وقيل: من سجين أي من جهنم فأبدلت النون لاماً.

ويل: إنه اسم من أسماء السماء الدنيا.

ومعنى ﴿ منضود ﴾ موضع بعضها فوق بعض في النزول يأتي على سبيل المتابعة والتلاصق.

أو نضد في السماء نضداً معداً لإهلاك الظلمة وفي السماء معادنها في جبال مخصوصة كقوله: { ﴿ من جبال فيها من برد  ﴾ ﴿ مسوّمة ﴾ معلمة للعذاب أو بياض وحمرة، عن الحسن والسدي عليها أمثال الخواتيم.

وقال ابن جريج كان عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض.

وقال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به.

وقال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع.

ومعنى ﴿ عند ربك ﴾ أي في خزائنه لا يتصرف في شيء منها إلا هو، أو مقرر في علمه إهلاك من أهلك بكل واحد منها ﴿ وما هي ﴾ أي تلك الحجارة ﴿ من الظالمين ﴾ أي من كل ظالم ﴿ ببعيد ﴾ وهو وعيد لأهل مكة عن رسول الله  أنه سأل جبرائيل عن هذا فقال يعني من ظالمي أمتك ما من ظالم إلا وهو بصدد سقوط الحجر عليه ساعة فساعة.

وقيل: أي تلك القرى ليست ببعيدة من ظالمي أهل مكة يمرون بها في مسايرهم إلى الشام.

وقيل: المراد أنها وإن كانت في السماء إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمى فكانت كأنها بمكان قريب والله  أعلم بمراده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ ﴾ : قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ ﴾ قيل: أي: ساءه مجيئهم ومكانهم وكرههم لصنيع قومه بالغرباء مخافة أن يفضحوهم ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ : أي: لم يدر كيف يصنع بهم، وكيف يحتال ليدفع عن ضيفه سوء قومه.

والذرع: قيل: هو المقدرة والقوة، أي: ضاق مقدرته وقوته ﴿ وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ قيل: فضيع شديد؛ لأنه يوم يهتك فيه الأستار، ويفضح الرجال.

وفيه دليل جواز الاجتهاد؛ لأنه قال: يوم عصيب فظيع، فعبد لم يظهر له شدته لكنه قاله اجتهاداً، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ [يحتمل: أن يكون قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ لما جاءته الرسل بإهلاك قومه ساءه ذلك، وضاق به ذرعاً كذلك أيضاً.

ويحتمل قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ ] بسوء صنيع قومه بأضيافه، الحرفان جميعاً ينصرفان إلى لوط لمكان قومه، أو لمكان أضيافه، أو يكون أحد الحرفين لمكان ضيفه، والآخر لمكان ما ينزل بقومه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ قال بعضهم: يسرعون إليه.

وقال بعضهم: ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: يهرولون إليه، وهو سير بين السعي وبين المشي بين بينين.

وقال بعضهم: [قوله] ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: يروعون إليه، من الروع، أي: فزعين إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل أن يبعث لوط رسولا إليهم كانوا يعملون السيئات.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل نزول الأضياف بلوط كانوا يعملون السيئات، والسيئات تحتمل الشرك وغيره من الفواحش التي كانوا يرتكبونها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ قال بعضهم: أراد بنات قومه؛ لأن الرسل هم كالآباء لأولاد قومهم ينسبون إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ  ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود  ، (وهو أب لهم كما أزواجه أمهاتهم والنبي أب لهم)؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي ﴾ أراد بنات قومه فنسبهن إلى نفسه؛ لما ذكرنا أنّه كالأب لهم.

ثم يحتمل معنى جعل النبي لأولاد قومه كالأب، وأزواجه كالأم وجهين: أحدهما: نسبوا إليه للشفقة، فهو أشفق بهم من الأب والأم.

أو: لحق التربية وتعليم الدين كالأب لهم؛ فهو أولى بهم من أنفسهم لهذين الوجهين.

وقال بعضهم: أراد بنات نفسه.

ثم اختلف فيه.

قال بعضهم: كان ذلك منه تعريضا لهم للنكاح؛ يقول: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم نكاحاً إن كنتم قابلين للإيمان.

ومنهم من قال: هو تعريض منه لما هو زنا عندهم، لا أنه عرض ذلك عند نفسه، وهذا كما يقولون بأن من أكره على أن يشتم محمداً  فلا بأس بأن يشتم ويقصد بشتمه محمداً آخر يحل له شتمه، وإن كان عند المكره أنه يشتم رسول الله  بعد أن جعل الشاتم في قلبه [غيره]، وكذلك إذا أكره [على] أن يشتم الإله، فيقصد بالشتم شتم آلهتهم، وإن كان عندهم أنه [إنما] يشتم إلهه الذي يعبده؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: ﴿ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ تعريض زنا عندهم، وإن كان عنده أنه ليس لذلك يقصد.

وقال قائلون: قال هذا ليريهم قبح الفعل الذي كانوا يقصدون بأضيافه؛ لأن الزنا كان عندهم محرما فعرض عليهم بناته؛ ليعرفوا قبح ذلك الفعل؛ حيث احتمل فعله في بناته ولم يحتمل في أضيافه؛ ليمتنعوا عن ذلك.

أو يحتمل أن يكون قال ذلك وإن كان كلاهما لا يحلان، لكن أحدهما أيسر وأهون، ويجوز الجمع بين شرين؛ فيقال: هذا أطهر لكم وأحل من هذا، وهذا أيسر من هذا وأهون، وإن كان كلاهما شرين، فالزنا وإن كان حراماً فذلك مما يحل بالنكاح، وأدبار الرجال لا تحل بحال.

وقال بعضهم: إنهم كانوا يخطبون بناته، وكان أبي أن يزوجهن منهم؛ لما لم يكونوا كفؤاً لهن، ثم عرض عليهم في ذلك الوقت؛ ليعلموا قبح ذلك الفعل الذي قصدوا بأضيافه، أو كلام نحو هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلاَ تَفْضَحُونِ  ﴾ ليعلم أن الإخزاء هو الفضيحة؛ هذا يدل أن الخزي هو الذي يفضح من نزل به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ قال بعضهم: هم أن يزوج بعض بناته من يصدر لرأيه فيمنعهم عنهم؛ كأنه يقول: أليس منكم من يرشد ويصدر لرأيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ أي: أليس منكم رجل يقبل الموعظة، ويرشدكم، ويعظكم، أو يقول: أليس منكم رجل رشيد على النفي فيمنعهم عما يريدون ويقصدون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ على التأويلين اللذين ذكرناهما يكون: الحق: حق النكاح، أو حق الاستمتاع، وفي بعض التأويلات من حق: من حاجة، وبذلك يقول عامة أهل التأويل: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ أي: من حاجة ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ يعنون: الأضياف ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾ أي: قوة في نفسي ﴿ أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ قيل: عشيرته.

والركن الشديد عند العرب: العشيرة؛ يقول: لو أن لي بكم قوة في نفسي أو عشيرة يعينوني لقاتلتكم؛ فيه دلالة أن من رأى آخر على فاحشة فله أن يقاتله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ تأويله - والله أعلم -: أنك تعلم أن ليس لنا في بناتك من حق كما ليس لنا في أضيافك من حق فكيف تمنعنا عنهم وتعرض علينا بناتك، فهن فيما ليس لنا فيهن حق كأولئك، والله أعلم.

﴿ قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ ﴾ قيل: قالوا ذلك للوط: لن يصلوا إليك؛ لما طمسوا أعينهم، وهو كقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ  ﴾ .

وقال قائلون قالوا ذلك للوط [لما أوعدوا للوط] حين طمست أعينهم أن ضيفك سحروا أبصارنا، فستعلم غداً ما تلقى أنت وأهلك، فقالوا عند ذلك: لن يصلوا إليك بسوء غداً بأنهم يهلكون.

ودل قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ على أنهم قد هموا للوط وأوعدوه حتى قال ما قال؛ ألا ترى أن الملائكة قالوا له: إنهم لن يصلوا إليك، فهذا على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ ﴾ قيل: قطع من الليل: آخره وهو وقت السحر.

وقيل: هو ثلث الليل، أو ربعه من آخره، وهو واحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ﴾ قيل: لا يتخلف أحد منكم إلا امرأتك؛ فإنها تتخلف، ويصيبها ما أصاب أولئك.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ ﴾ من الالتفات والنظر.

وقيل: لا يترك أحد منكم متابعتك إلا امرأتك؛ فإنها لا تتبعك، فيصيبها ما أصاب أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ﴾ يحتمل النهي عن الالتفات، كأنه يقول: لا يلتفت أحد.

ويحتمل الخبر كأنه يقول: لا يلتفت منكم أحد إلا من ذكر، وهو زوجته، فلذلك علامة لخلافها له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ﴾ ، فقالوا: ﴿ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ : كأن لوطاً استبطأ الصبح لعذابهم، فقالوا: أليس الصبح بقريب، هذا من لوط لا يحتمل أن يكون قال ذلك وهو بين أظهرهم، ويعلم أن قراه يقلب أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها، ولكن قال [ذلك] - والله أعلم - بعدما أخرجوه وأهله من بين أظهرهم، فعند ذلك قال ما قال، واستبطأ وقت نزول العذاب بهم؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ يحتمل: جاء الأمر بالمراد بأمرنا.

أو أمره هو جعله عاليها سافلها.

ثم قال أهل التأويل قوله: ﴿ جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ أدخل جبريل جناحه تحت [قريات لوط] فرفعها إلى السماء، ثم قلبها فجعل ما [هو] أعلاها أسفلها، فهوت إلى الأرض؛ فذلك قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ  ﴾ قيل: [أهوى بها] جبريل من السماء إلى الأرض.

وأمكن أن يكون إذا أهلكهم جعلهم تحت الأرض؛ فذلك جعل أعلاها أسفلها، [لكن أهل التأويل حملوه على ما ذكرنا، وأجمعوا على ذلك.

وقال بعضهم: قلبت القرى، وجعل أعلاها أسفلها] على ما ذكر، وأرسل الحجارة على من كان غائبا عنها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ﴾ .

قال بعضهم: أمطر الحجارة عليها، ثم قلبها جبريل.

وقال بعضهم: أمطر عليها الحجارة بعدما قلبها [جبريل]، فسواها، وكل واحد منهم كان غائبا عن بلده جاءت حجار مكتوب عليها اسمه فقلته حيث كان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ \[قال بعضهم\]: السجيل: هو اسم المكان الذي منه رفع الحجر الذي أمطر.

وقال بعضهم: هو طين مطبوخ كالآجر.

وعن ابن عباس -  - قال: سَنْك وجيل ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ نضد الحجر بالطين وألصق بعضه ببعض [مسومة]: معلمة، مخططة، سود الحمرة.

وقال بعضهم: [ ﴿ مُّسَوَّمَةً ﴾ ]، أي: مكتوب عليها اسم صاحبها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ .

قال بعضهم: ما هي من ظلمة قوم لوط ببعيد.

وقال بعضهم: ما هي من ظالمي أهل [مكة] وحواليهم ببعيد، [أي: عذاب الله ليس ببعيد، فهو] يعذبهم إن شاء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ أي: تلك القرى والأمكنة التي أهلك أهلها ليست ببعيدة من مشركي أهل مكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ ﴾ الآية [الصافات: 137-138]، وفيه تذكير [منته] على هذه الأمة، حيث لم يجعل عذابهم عذاب استئصال بحيث لا يملكون العود عنه والرجوع، ولكن جعل عذابهم الجهاد، حتى لو أرادوا الرجوع عنه ملكوا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قالت الملائكة للوط  : يا لوط، إنا رسلٌ أرسلنا الله، لن يصل إليك قومك بسوء، فاخرج بأهلك من هذه القرية ليلًا في ساعة مظلمة، , ولا ينظر أحدكم إلى ما وراءه، إلا امرأتك ستلتفت مخالفة؛ لأنه سينالها ما نال قومك من العذاب، إن موعد إهلاكهم الصبح، وهو موعد قريب.

من فوائد الآيات بيان فضل ومنزلة خليل الله إبراهيم  ، وأهل بيته.

مشروعية الجدال عمن يُرجى له الإيمان قبل الرفع إلى الحاكم.

بيان فظاعة وقبح عمل قوم لوط.

<div class="verse-tafsir" id="91.kvykm"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده