الآية ٩٢ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٩٢ من سورة هود

قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ ٩٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٢ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٢ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال ياقوم أرهطي أعز عليكم من الله ) يقول : أتتركوني لأجل قومي ، ولا تتركوني إعظاما لجناب الله أن تنالوا نبيه بمساءة .

وقد اتخذتم جانب الله ( وراءكم ظهريا ) أي : نبذتموه خلفكم ، لا تطيعونه ولا تعظمونه ، ( إن ربي بما تعملون محيط ) أي : هو يعلم جميع أعمالكم وسيجزيكم بها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: يا قوم ، أعزّزتم قومكم، فكانوا أعزّ عليكم من الله، واستخففتم بربكم، فجعلتموه خلف ظهوركم، لا تأتمرون لأمره ولا تخافون عقابه، ولا تعظِّمونه حق عظَمته؟

* * * يقال للرجل إذا لم يقض حاجة الرجل: " نَبَذ حاجته وراء ظهره " ، (9) أي : تركها لا يلتفت إليها.

و إذا قضاها قيل: " جعلها أمامه ، ونُصْب عينيه " ، ويقال: " ظَهَرتَ بحاجتي " و " جعلتها ظِهْرِيَّة " ، أي : خلف ظهرك، كما قال الشاعر: (10) *وَجَدْنَا بَنِي البَرْصَاءِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ* (11) بمعنى: أنهم يَظْهَرون بحوائجِ النّاس فلا يلتفتون إليها.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك : 18515- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريًّا) ، وذلك أن قوم شعيب ورهطه كانوا أعز عليهم من الله، وصَغُر شأن الله عندهم ، عزَّ ربُّنا وجلَّ.

18516- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (واتخذتموه وراءكم ظهريًّا) ، قال: قَفًا.

(12) 18517- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريًّا)، يقول: عززتم قومكم، وأظهرْتم بربكم.

18518- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (واتخذتموه وراءكم ظهريا) ، قال: لم تراقبوه في شيء إنما تراقبون قومي (واتخذتموه وراءكم ظهريا) ، يقول: عززتم قومكم وأظهرتم بربكم.

18519- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (واتخذتموه وراءكم ظهريًّا) ، قال: لم تراقبوه في شيء، إنما تراقبون قومي ، (واتخذتموه وراءكم ظهريًّا )، لا تخافونه 18520- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (أرهطي أعز عليكم من الله) ، قال: أعززتم قومكم ، واغتررتم بربكم، سمعت إسحاق بن أبي إسرائيل قال: قال سفيان: (واتخذتموه وراءكم ظهريًّا) ، كما يقول الرجل للرجل: " خلَّفتَ حاجتي خلفَ ظهرك "، ( واتخذتموه وراءكم ظهريًّا)، استخففتم بأمره.

فإذا أراد الرجل قضاء حاجةِ صاحبه جعلها أمامه بين يديه، ولم يستخفَّ بها.

18521- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (واتخذتموه وراءكم ظهريًّا) ، قال: " الظهْريّ" ، الفَضْل، مثل الجمّال يخرج معه بإبل ظَهَارَّية ، (13) فضل ، لا يحمل عليها شيئًا ، إلا أن يحتاج إليها.

قال: فيقول: إنما ربكم عندكم مثل هذا ، إن احتجتم إليه.

وإن لم تحتاجوا إليه فليس بشيء.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: واتخذتم ما جاء به شعيبٌ وراءكم ظهريًّا ، فالهاء في قوله: (واتخذتموه) ، على هذا من ذكر ما جاء به شعيب.

*ذكر من قال ذلك : 18522- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واتخذتموه وراءكم ظهريًّا)، قال: تركتم ما جاء به شعيب 18523-.

.

.

.

قال، حدثنا جعفر بن عون، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد قال: نبذوا أمره.

18524- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد: (واتخذتموه وراءكم ظهريا) ، قال: نبذتم أمره.

18525- حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واتخذتموه وراءكم ظهريًّا)، قال: همَّ رهط شعيب بتركهم ما جاء به وراء ظهورهم ظهريًّا.

18526- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال ، 18527- .

.

.

.

وحدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واتخذتموه وراءكم ظهريًّا) ، قال: استثناؤهم رهط شعيب، وتركهم ما جاءَ به شعيب وراء ظهورهم ظهريًّا.

* * * قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك ، لقرب قوله: (واتخذتموه وراءكم ظهريًّا) ، من قوله: (أرهطي أعز عليكم من الله) ، فكانت الهاء في قوله : (واتخذتموه) ، بأن تكون من ذكر الله ، لقرب جوارها منه ، أشبهَ وأولى.

* * * وقوله: (إن ربي بما تعملون محيط) ، يقول: إن ربي محيط علمه بعملكم، (14) فلا يخفى عليه منه شيء، وهو مجازيكم على جميعه عاجلا وآجلا.

------------------- الهوامش : (9) انظر تفسير " نبذه وراء ظهره " فيما سلف 1 : 403 ، 404 / 7 : 458 ، 459 ، 463 .

(10) هو أرطاة بن سهية المري .

(11) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 298 ، واللسان ( ظهر ) ، وكان أرطاة يهاجي شبيب بن البرصاء ، وهما جميعًا من بني مرة بن سعد بن ذبيان ، والهجاء بينهما كثير ، وهذا منه .

انظر الأغاني 13 : 29 - 44 ( دار الكتب ) ترجمة أرطاة بن سهية ، والأغاني 12 : 271 - 281 ( ساسي ) ترجمة شبيب بن البرصاء .

وصدر البيت : * فَمَـنْ مُبْلِـغٌ أبْنَـاءَ مُـرَّة أنَّنَـا * (12) هكذا في المطبوعة ، ولها معنى ، ولكن الذي في المخطوطة : " قصي " ، وكأنه أراد " قصيا " ، وهذا عندي أحب .

(13) هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة : " ظهارية " ، ولكن اللغة على أن جمع " ظهري " ، " ظهاري " ، فزيادة التاء هنا ضعيفة الوجه .

(14) انظر تفسير " محيط " فيما سلف ص: 445 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال يا قوم أرهطي أرهطي رفع بالابتداء ; والمعنى أرهطي في قلوبكمأعز عليكم من الله وأعظم وأجل وهو يملككم .واتخذتموه وراءكم ظهريا أي اتخذتم ما جئتكم به من أمر الله ظهريا ; أي جعلتموه وراء ظهوركم ، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي يقال : جعلت أمره بظهر إذا قصرت فيه ، وقد مضى في " البقرة " ،إن ربي بما تعملون أي من الكفر والمعصية ." محيط " أي عليم .

وقيل : حفيظ .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فـ { قَالَ ْ} لهم مترققا لهم: { يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ْ} أي: كيف تراعوني لأجل رهطي، ولا تراعوني لله، فصار رهطي أعز عليكم من الله.

{ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ْ} أي: نبذتم أمر الله، وراء ظهوركم، ولم تبالوا به، ولا خفتم منه.

{ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ْ} لا يخفى عليه من أعمالكم مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فسيجازيكم على ما عملتم أتم الجزاء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله ) أي : مكان رهطي أهيب عندكم من الله ، أي : إن تركتم قتلي لمكان رهطي فالأولى أن تحفظوني في الله .

( واتخذتموه وراءكم ظهريا ) أي : نبذتم أمر الله وراء ظهوركم وتركتموه ، ( إن ربي بما تعملون محيط ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله» فتتركوا قتلي لأجلهم ولا تحفظوني لله «واتخذتموه» أي الله «وراءكم ظهريا» منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه «إن ربي بما تعملون محيط» علما فيجازيكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال: يا قوم أعشيرتي أعزُّ وأكرم عليكم من الله؟

ونبذتم أمر ربكم فجعلتموه خلف ظهوركم، لا تأتمرون به ولا تنتهون بنهيه، إن ربي بما تعملون محيط، لا يخفى عليه من أعمالكم مثقال ذرة، وسيجازيكم عليها عاجلا وآجلا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهنا نجد شعيبا - عليه السلام - ينتقل فى أسلوب مخاطبته لهم من اللين إلى الشدة ، ومن التلطف إلى الإِنكار ، دفاعا عن جلال ربه - سبحانه - فيقول لهم : ( قَالَ ياقوم أرهطي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ الله .

.

.

)أى : ارهطى وعشيرتى الأقربون ، الذين من أجلهم لم ترجمونى ، أعز وأكرم عندكم من الله - تعالى - الذى هو خالقكم ورازقكم ومميتكم ومحييكم .( واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ) أى : وجعلتم أوامره ونواهيه التى جئتكم بها من لدنه - سبحانه - كالشئ المنبوذ المهمل الملقى من وراء الظهر بسبب كفركم وطغيانكم ( إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) أى : إن ربى قد أحاط علمه بأقوالكم وأعمالكم السيئة ، وسجايزيكم عليها بما تستحقون من عذاب مهين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الكفار لما خوفوا شعيباً عليه السلام بالقتل والإيذاء، حكى الله تعالى عنه ما ذكره في هذا المقام، وهو نوعان من الكلام: النوع الأول: قوله: ﴿ ياقوم أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله واتخذتموه وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ والمعنى: أن القوم زعموا أنهم تركوا إيذاءه رعاية لجانب قومه.

فقال: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراماً لرهطي، والله تعالى أولى أن يتبع أمره، فكأنه يقول: حفظتكم إياي رعاية لأمر الله تعالى أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي.

وأما قوله: ﴿ واتخذتموه وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ فالمعنى: أنكم نسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به.

قال صاحب الكشاف: والظهري منسوب إلى الظهر، والكسر من تغيرات النسب ونظيره قولهم في النسبة إلى الأمس إمسي بكسر الهمزة، وقوله: ﴿ إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ يعني أنه عالم بأحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها.

والنوع الثاني: قوله: ﴿ وياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَامِلٌ ﴾ والمكانة الحالة يتمكن بها صاحبها من عمله، والمعنى اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة وكل ما في وسعكم وطاقتكم من إيصال الشرور إلي فإني أيضاً عامل بقدر ما آتاني الله تعالى من القدرة.

ثم قال: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لقائل أن يقول لم لم يقل ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ والجواب: إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، وإما بحذف الفاء فإنه يجعله جواباً عن سؤال مقدر والتقدير: أنه لما قال: ﴿ وياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَامِلٌ ﴾ فكأنهم قالوا فماذا يكون بعد ذلك؟

فقال: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ فظهر أن حذف حرف الفاء هاهنا أكمل في باب الفظاعة والتهويل.

ثم قال: ﴿ وارتقبوا إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ والمعنى: فانتظروا العاقبة إني معكم رقيب أي منتظر، والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب والصريم بمعنى الضارب والصارم، أو بمعنى المراقب كالعشير والنديم، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا نَفْقَهُ ﴾ ما نفهم ﴿ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ ﴾ لأنهم كانوا لا يلقون إليه أذهانهم رغبة عنه وكراهية له، كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ﴾ [الأنعام: 25] .

أو كانوا يفقهونه ولكنهم لم يقبلوه، فكأنهم لم يفقهوه.

وقالوا ذلك على وجه الاستهانة به، كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول أو جعلوا كلامه هذياناً وتخليطاً، لا ينفعهم كثير منه، وكيف لا ينفعهم كلامه وهو خطيب الأنبياء، وقيل: كان ألثغ ﴿ فِينَا ضَعِيفًا ﴾ لا قوة لك ولا عز فيما بيننا، فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.

وعن الحسن ﴿ ضَعِيفاً ﴾ مهيناً.

وقيل: ﴿ ضَعِيفاً ﴾ أعمى.

وحمير تسمى المكفوف: ضعيفاً، كما يسمى ضريراً، وليس بسديد؛ لأنّ ﴿ فِينَا ﴾ يأباه.

ألا ترى أنه لو قيل إنا لنراك فينا أعمى، لم يكن كلاماً؛ لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولذلك قللوا قومه حيث جعلوهم رهطاً.

والرهط: من الثلاثة إلى العشرة.

وقيل: إلى السبعة.

وإنما قالوا: ولولاهم، احتراماً لهم واعتداداً بهم؛ لأنهم كانوا على ملتهم، لا خوفا من شوكتهم وعزتهم ﴿ لرجمناك ﴾ لقتلناك شرّ قتلة ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ أي لا تعزّ علينا ولا تكرم، حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم.

وإنما يعزّ علينا رهطك، لأنهم من أهل ديننا لم يختاروك علينا ولم يتبعوك دوننا، وقد دلّ إيلاء ضميره حرف النفي على أنّ الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل، كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز، بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم: ﴿ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله ﴾ ولو قيل: وما عززت علينا، لم يصح هذا الجواب.

فإن قلت: فالكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله: ﴿ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله ﴾ قلت: تهاونهم به- وهو نبيّ الله- تهاون بالله، فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ [النساء: 80] ، ﴿ واتخذتموه وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، والظهريّ: منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب.

ونظيره قولهم في النسبة إلى أمس: أمسي ﴿ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ قد أحاط بأعمالكم علماً، فلا يخفى عليه شيء منها ﴿ على مَكَانَتِكُمْ ﴾ لا تخلو المكانة من أن تكون بمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة، ومقام ومقامة.

أو تكون مصدراً من مكن مكانة فهو مكين.

والمعنى: اعملوا قارّين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك والشنآن لي.

أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطيقين لها ﴿ إِنّى عامل ﴾ على حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني ﴿ مَن يَأْتِيهِ ﴾ يجوز أن تكون ﴿ مَن ﴾ استفهامية، معلقة لفعل العلم عن عمله فيها؛ كأنه قيل: سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه، وأينا هو كاذب، وأن تكون موصولة قد عمل فيها، كأنه قيل: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب.

فإن قلت: أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ؟

قلت: إدخال الفاء: وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها: وصل خفي تقديريّ بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدّر، كأنهم قالوا: فماذا يكون إن عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت؟

فقال: سوف تعلمون، فوصل تارة بالفاء وتارة بالاستئناف، للتفنن في البلاغة كما هو عادة بلغاء العرب، وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه ﴿ وارتقبوا ﴾ وانتظروا العاقبة وما أقول لكم ﴿ إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ أي منتظر.

والرقيب بمعنى الراقب، من رقبه، كالضريب والصريم بمعنى الضارب والصارم.

أو بمعنى المراقب، كالعشير والنديم، أو بمعنى المرتقب، كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.

فإن قلت: قد ذكر عملهم على مكانتهم وعمله على مكانته، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم، فكان القياس أن يقول: من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو صادق.

حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إلى الجاحدين، ومن هو صادق إلى النبي المبعوث إليهم، قلت: القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يدعونه كاذباً قال: ﴿ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ﴾ يعني في زعمكم ودعواكم، تجهيلا لهم.

فإن قلت: ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو، والساقتان الوسطيان بالفاء؟

قلت قد وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد، وذلك قوله: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح ﴾ [هود: 81] ، ﴿ ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ [هود: 65] فجيء بالفاء الذي هو للتسبيب، كما تقول: وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت.

وأما الأخريان فلم تقعا بتلك المثابة.

وإنما وقعتا مبتدأتين، فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصة على قصة.

الجاثم: اللازم لمكانه لا يريم، كاللابد يعني أن جبريل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم بحيث هو قعصا ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ ﴾ كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين.

البعد: بمعنى البعد وهو الهلاك، كالرشد بمعنى الرشد.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ﴾ ؟

وقرأ السلمي ﴿ بعدت ﴾ بضم العين، والمعنى في البناءين واحد، وهو نقيض القرب، إلا أنهم أرادوا التفصلة بين البعد من جهة الهلاك وبين غيره، فغيروا البناء كما فرقوا بين ضماني الخير والشر فقالوا: وعد وأوعد، وقراءة السلمي جاءت على الأصل اعتباراً لمعنى البعد من غير تخصيص، كما يقال: ذهب فلان ومضى، في معنى الموت.

وقيل: معناه بعداً لهم من رحمة الله كما بعدت ثمود منها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا ﴾ وجَعَلْتُمُوهُ كالمَنسِيِّ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ بِإشْراكِكم بِهِ والإهانَةِ بِرَسُولِهِ فَلا تُبْقُونَ عَلَيَّ لِلَّهِ وتُبْقُونَ عَلَيَّ لِرَهْطِي، وهو يَحْتَمِلُ الإنْكارَ والتَّوْبِيخَ والرَّدَّ والتَّكْذِيبَ، و ﴿ ظِهْرِيًّا ﴾ مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ والكَسْرُ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ.

﴿ إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها فَيُجازِي عَلَيْها.

﴿ وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ﴾ سَبَقَ مِثْلُهُ في سُورَةِ « الأنْعامِ» والفاءُ في فَـ ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ثَمَّةَ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ الإصْرارَ والتَّمَكُّنَ فِيما هم عَلَيْهِ سَبَبٌ لِذَلِكَ، وحَذْفُها ها هُنا لِأنَّهُ جَوابُ سائِلٍ قالَ: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟

فَهو أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ.

﴿ وَمَن هو كاذِبٌ ﴾ عُطِفَ عَلى مَن يَأْتِيهِ لا لِأنَّهُ قَسِيمٌ لَهُ كَقَوْلِكَ: سَتَعْلَمُ الكاذِبَ والصّادِقَ، بَلْ لِأنَّهم لَمّا أوْعَدُوهُ وكَذَّبُوهُ قالَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنِ المُعَذَّبُ والكاذِبُ مِنِّي ومِنكم.

وقِيلَ كانَ قِياسُهُ ومَن هو صادِقٌ لِيَنْصَرِفَ الأوَّلُ إلَيْهِمْ والثّانِي إلَيْهِ لَكِنَّهم لَمّا كانُوا يَدْعُونَهُ كاذِبًا قالَ: ومَن هو كاذِبٌ عَلى زَعْمِهِمْ.

﴿ وارْتَقِبُوا ﴾ وانْتَظِرُوا ما أقُولُ لَكم.

﴿ إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ ﴾ مُنْتَظِرٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى الرّاقِبِ كالصَّرِيمِ، أوِ المُراقِبُ كالعَشِيرِ أوِ المُرْتَقَبُ كالرَّفِيعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قال} فى جوابهم {يا قوم أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله} ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب وإنما قال أرهطي أعز عليكم من الله الكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه لأن تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله وحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله ألا ترى إلى قوله تعالى {من يطع الرسول فقد أطاع الله} {واتخذتموه وراءكم ظهريا} ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب كقولهم في النسبة إلى الأمس أمسى {إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} قد أحاط بأعمالكم علماً فلا يخفى عليه شيء منها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن نَبِيِّ اللَّهِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ كَما قالَ العَلّامَةُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمُ اخْتِصاصَهُ بِنَفْيِ العِزَّةِ بَلْ مُجَرَّدُ الإخْبارِ بِعَدَمِ عِزَّتِهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَسْتَقِمْ هَذا الجَوابُ ولَمْ يَكُنْ مُطابِقًا لِمَقالِهِمْ، إذْ لا دَلالَةَ لِنَفْيِ العِزَّةِ عَنْهُ عَلى ثُبُوتِها لِلْغَيْرِ، وإنَّما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ اخْتِصاصُهُ بِنَفْيِ العِزَّةِ.

واعْتَرَضَ صاحِبُ الإيضاحِ بِأنَّ هَذا مِن بابِ: أنا عارِفٌ، وهو لا يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ وِفاقًا، وإنَّما يُفِيدُهُ التَّقْدِيمُ عَلى الفِعْلِ مِثْلَ أنا عَرَفْتُ، وكَوْنُ المُشْتَقّاتِ قَرِيبَةً مِنَ الأفْعالِ في التَّقْوى لا يَقْتَضِي كَوْنَها كالأفْعالِ في الِاخْتِصاصِ، والتَّمَسُّكُ بِالجَوابِ ضَعِيفٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: (لَوْلا رَهْطُك لَرَجَمْناك) فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ رَهْطَهُ هُمُ الأعِزَّةُ حَيْثُ كانَ الِامْتِناعُ عَنْ رَجْمِهِ بِسَبَبِهِمْ لا بِسَبَبِهِ، ومَعْلُومٌ بِحَسَبِ الحالِ والمَقامِ أنَّ ذَلِكَ لِعِزَّتِهِمْ لا لِخَوْفِهِمْ، وتَعَقَّبَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ بِأنَّ صاحِبَ الكَشّافِ صَرَّحَ بِالتَّخْصِيصِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ﴾ فَكَيْفَ يُقالُ: بابُ أنا عارِفٌ، لا يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ اتِّفاقًا، وإنَّ جَعْلَهُ جَوابًا -لِما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ- هو الظّاهِرُ بِأنْ يُجْعَلَ التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ فَيَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ أصْلِ العِزَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ودَلالَةٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ ﴾ عَلى اشْتِراكِ العِزَّةِ فَلا يُلائِمُهُ ﴿ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُمْ ﴾ ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ: شَرْطُ التَّخْصِيصِ عِنْدَ السَّكاكِيِّ أنْ يَكُونَ المُقَدَّمُ بِحَيْثُ إذا أُخِّرَ كانَ فاعِلًا مَعْنَوِيًّا، ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، قُلْنا: إنَّ الصِّفَةَ بَعْدَ النَّفْيِ تَسْتَقِلُّ مَعَ فاعِلِها كَلامًا، فَجازَ أنْ يُقالَ: ما عَزِيزٌ أنْتَ- عَلى أنْ يَكُونَ أنْتَ تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَتِرِ ثُمَّ يُقَدَّمُ ويَدْخُلُ الباءُ عَلى -عَزِيزٍ- بَعْدَ تَقْدِيمِ أنْتَ وجَعْلِهِ مُبْتَدَأً، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ﴿ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ مِمّا يَلِي حَرْفَ النَّفْيِ وكانَ الخَبَرُ صِفَةً، وقَدْ صَرَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ وغَيْرُهُ بِإفادَةِ التَّقْدِيمِ الحَصْرَ في ذَلِكَ كُلِّهِ، وأمّا صُورَةُ الإثْباتِ نَحْوُ -أنا عارِفٌ- فَلا يَجْرِي فِيها ذَلِكَ، فَلا يُفِيدُ عِنْدَهُ تَخْصِيصًا وإنْ كانَ مُفِيدًا إيّاهُ عِنْدَ مَن لا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ.

وأجابَ صاحِبُ الكَشْفِ عَمّا قالَهُ صاحِبُ الإيضاحِ بَعْدَ نَقْلِ خُلاصَتِهِ: بِأنَّ ما فِيهِ الخَبَرُ وصْفًا كَما يُقارِبُ ما فِيهِ الخَبَرُ فِعْلًا في إفادَةِ التَّقْوى عَلى ما سَلَّمَهُ المُعْتَرِضُ يُقارِبُهُ في إفادَةِ الحَصْرِ لِذَلِكَ الدَّلِيلِ بِعَيْنِهِ، وأنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿ ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ ﴾ كَفى بِهِ دَلِيلًا أنَّ حَقَّ الكَلامِ أنْ يُفادَ التَّخْصِيصُ لا أصْلُ العِزِّ، فَفَهْمُهُ مِن ذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ جَوابًا لِهَذا الكَلامِ، بَلْ يُؤَكِّدُهُ، وقَدْ صَرَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِإفادَةِ نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ الِاحْتِمالَيْنِ في ﴿ إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها)، ﴾ وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (لَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ) وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ﴾ مِن بابِ الطَّرْدِ والعَكْسِ عِنادًا مِنهم فَلا بُدَّ مِن دَلالَتَيِ المَنطُوقِ والمَفْهُومِ في كُلٍّ مِنَ اللَّفْظَيْنِ، انْتَهى.

ويُعْلَمُ مِن جَمِيعِ ما ذُكِرَ ضَعْفُ اعْتِراضِ صاحِبِ الإيضاحِ، والعَجَبُ مِنَ العَلّامَةِ حَيْثُ قالَ: إنَّهُ اعْتِراضٌ قَوِيٌّ، وأشارَ السَّكاكِيُّ بِتَقْدِيرِ المُضافِ إلى دَفْعِ الإشْكالِ بِأنَّ كَلامَهم إنَّما وقَعَ في شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي رَهْطِهِ وأنَّهم هُمُ الأعِزَّةُ دُونَهُ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى أنَّهم أعَزُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ تَهاوُنَهم بِنَبِيِّ اللَّهِ تَعالى تَهاوُنٌ بِهِ سُبْحانَهُ فَحِينَ عَزَّ عَلَيْهِمْ رَهْطُهُ دُونَهُ كانَ رَهْطُهُ أعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِأنَّ المَعْنى أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى كانَ امْتِناعُكم عَنْ رَجْمِي بِسَبَبِ انْتِسابِي إلَيْهِمْ وأنَّهم رَهْطِي لا بِسَبَبِ انْتِسابِي إلى اللَّهِ تَعالى وأنِّي رَسُولُهُ، ثُمَّ ما ذَكَرَهُ السَّيِّدُ قَدَّسَ سِرَّهُ مِن جَعْلِ التَّنْوِينِ في -عَزِيزٍ- لِلتَّعْظِيمِ وحِينَئِذٍ يَدُلُّ الكَلامُ عَلى ثُبُوتِ أصْلِ العِزَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُلائِمُهُ أرَهْطِي أعَزُّ إلَخْ، صَحِيحٌ في نَفْسِهِ إلّا أنَّ ذَلِكَ بَعِيدٌ جِدًّا مِن حالِ القَوْمِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهم إنَّما قَصَدُوا نَفْيَ العِزَّةِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُطْلَقًا وإثْباتًا لِرَهْطِهِ لا نَفْيَ العِزَّةِ العَظِيمَةِ عَنْهُ وإثْباتَها لَهُمْ؛ لِيَدُلَّ الكَلامُ عَلى اشْتِراكِهِما في أصْلِ العِزَّةِ وزِيادَتِها فِيهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ العِزَّةَ وإنْ لَمْ تَكُنْ عَظِيمَةً تَمْنَعُ القَتْلَ بِالحِجارَةِ الَّذِي هو مِن أشَرِّ أنْواعِ القَتْلِ، ولا أظُنُّ إنْكارَ ذَلِكَ إلّا مُكابَرَةً وكَأنَّهُ لِهَذا لَمْ يَعْتَبِرْ مَوْلانا أبُو السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعْلَ التَّنْوِينِ لِلتَّعْظِيمِ لِتَتَأتّى المُشارَكَةُ فَيَظْهَرُ وجْهُ إنْكارِ الأعَزِّيَّةِ فاحْتاجَ لِلْكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ المُشارَكَةِ فَقالَ: وإنَّما أنْكَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ أعَزِّيَّةَ رَهْطِهِ مِنهُ تَعالى مَعَ أنَّ ما أثْبَتُوهُ إنَّما هو مُطْلَقُ عِزَّةِ رَهْطِهِ لا أعَزِّيَّتِهِمْ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ الِاشْتِراكِ في أصْلِ العِزَّةِ لِتَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ وتَكْرِيرِ التَّوْبِيخِ؛ حَيْثُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا تَرْجِيحَ جَنَبَةِ الرَّهْطِ عَلى جَنَبَةِ اللَّهِ تَعالى، وثانِيًا نَفِيَ العِزَّةِ بِالمَرَّةِ، والمَعْنى أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ فَإنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، والحالُ أنَّكم لَمْ تَجْعَلُوا لَهُ تَعالى حَظًّا مِنَ العِزَّةِ أصْلًا واتَّخَذْتُمُوهُ بِسَبَبِ عَدَمِ اعْتِدادِكم بِمَن لا يَرِدُ ولا يَصْدُرُ إلّا بِأمْرِهِ ﴿ وراءَكم ظِهْرِيًّا ﴾ شَيْئًا مَنبُوذًا وراءَ الظَّهْرِ مَنسِيًّا، انْتَهى.

وأنا أقُولُ: قَدْ ذَكَرَ الرَّضِيُّ أنَّ المَجْرُورَ بِمِنِ التَّفْضِيلِيَّةِ لا يَخْلُو مِنَ المُشارَكَةِ المُفَضَّلَ في المَعْنى إمّا تَحْقِيقًا كَما فِي: زَيْدٌ أحْسَنُ مِن عَمْرٍو، أوْ تَقْدِيرًا كَقَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: لَأنْ أصُومَ يَوْمًا مِن شَعْبانَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِن رَمَضانَ، وذَلِكَ لِأنَّ إفْطارَ يَوْمِ الشَّكِّ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن رَمَضانَ مَحْبُوبٌ عِنْدَ المُخالِفِ، فَقَدَّرَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَحْبُوبًا إلى نَفْسِهِ أيْضًا ثُمَّ فَضَّلَ يَوْمَ شَعْبانَ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قالَ: هَبْ أنَّهُ مَحْبُوبٌ عِنْدِي أيْضًا لَيْسَ صَوْمُ يَوْمٍ مِن شَعْبانَ أحَبَّ مِنهُ، انْتَهى، وما في الآيَةِ يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلى طَرْزِ الأخِيرِ فَيَكُونُ إنْكارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ أعَزِّيَّةَ رَهْطِهِ مِنهُ تَعالى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ عَزَّ وجَلَّ عَزِيزًا عِنْدَهم أيْضًا، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ إنْكارُهُ ما هم عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وكَأنَّ هَذا هو الدّاعِي لِاخْتِيارِ هَذا الأُسْلُوبِ مِنَ الإنْكارِ، ووُقُوعُهُ في الجَوابِ لا يَأْتِي ذَلِكَ وإنْ قِيلَ بِجَوازِ خُلُوِّ المَجْرُورِ بِمِن مِن مُشارَكَةِ المُفَضَّلِ وإرادَةِ مُجَرَّدِ المُبالِغَةِ مِن أفْعَلَ المَقْرُونِ بِها بِناءً عَلى مَجِيءِ ذَلِكَ بِقِلَّةٍ كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في هَمْعِ الهَوامِعِ نَحْوَ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ والصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ، واعْتَمَدَ هُنا عَلى قَرِينَةِ السِّباقِ والسِّياقِ، فالأمْرُ واضِحٌ واسْتَحْسَنَ كَوْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّخَذْتُمُوهُ ﴾ إلَخِ..

اعْتِراضًا وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ تَهاوُنِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى بِبَيانِ أنَّهم قَوْمٌ عادَتُهم أنْ لا يَعْبَأُوا بِاللَّهِ تَعالى ويَجْعَلُوهُ كالشَّيْءِ المَنبُوذِ، وجَوَّزَ بَعْضٌ كَوْنَهُ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ عَلى مَعْنى أفَضَّلْتُمْ رَهْطِي عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَهاوَنْتُمْ بِهِ تَعالى ونَسِيتُمُوهُ ولَمْ تَخْشَوْا جَزاءَهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أرَهْطِي إلَخِ...

الرَّدَّ والتَّكْذِيبَ لِقَوْمِهِ فَإنَّهم لَمّا ادَّعَوْا أنَّهم لا يَكُفُّونَ عَنْ رَجْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعِزَّتِهِ بَلْ لِمُراعاةِ جانِبِ رَهْطِهِ رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّكم ما قَدَرْتُمُ اللَّهَ تَعالى حَقَّ قَدْرِهِ ولَمْ تُراعُوا جَنابَهُ القَوِيَّ فَكَيْفَ تُراعُونَ رَهْطِي الأذِلَّةَ، وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ (اتَّخَذْتُمُوهُ) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِما، والظَّهْرِيُّ مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ وأصْلُهُ المَرْمِيُّ وراءَ الظَّهْرِ، والكَسْرُ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ كَما قالُوا في النِّسْبَةِ إلى أمْسَ: أمْسِ بِالكَسْرِ وإلى الدَّهْرِ دُهْرِيٌّ بِالضَّمِّ ثُمَّ تَوَسَّعُوا فِيهِ فاسْتَعْمَلُوهُ لِلْمَنسِيِّ المَتْرُوكِ، وذَكَرُوا أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وأنْ يَكُونَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الضَّمِيرَ لَهُ تَعالى والظَّهْرِيُّ العَوْنُ وما يُتَقَوّى بِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى أفَضَّلْتُمُ الرَّهْطَ عَلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ تُراعُوا حَقَّهُ سُبْحانَهُ والحالُ أنَّكم تَتَّخِذُونَهُ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكم.

ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا المَعْنى عَنْ جَماعَةٍ وقِيلَ: الظَّهْرِيُّ المَنسِيُّ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الشَّرْعِ الَّذِي جاءَ بِهِ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ صَرِيحًا، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أوْ عَلى أمْرِ اللَّهِ، ونُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ، وقِيلَ: الظَّهْرِيُّ بِمَعْنى المُعِينُ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ عِصْيانُهُ، والمَعْنى عَلى ما قَرَّرَهُ أبُو حَيّانَ واتَّخَذْتُمْ عِصْيانَهُ تَعالى عَوْنًا وعِدَّةً لِدَفْعِي، وقِيلَ: لا حَذْفَ والضَّمِيرُ لِلْعِصْيانِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ المُبَرِّدِ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، ومِمّا يُنْظَمُ في سِلْكِها تَفْسِيرُ العَزِيزِ بِالمَلِكِ زَعْمًا أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ المَلِكَ عَزِيزًا عَلى أنَّ مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ لا يَكادُ يُسَلِّمُ صِحَّةَ ذَلِكَ فَتَفَطَّنْ، ونَصْبُ ﴿ ظِهْرِيًّا ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ -لاتَّخَذْتُمُوهُ- والهاءُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ ووَراءَكم ظَرْفٌ لَهُ أوْ حالٌ مِن ظِهْرِيًّا.

﴿ إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِأُولَئِكَ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ أحاطَ عِلْمًا بِأعْمالِكُمُ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها رِعايَتُكم جانِبَ الرَّهْطِ دُونَ رِعايَةِ جَنابِهِ جَلَّ جَلالُهُ في -فَيُجازِيكُمْ- عَلى ذَلِكَ وكَذا قَوْلُهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ قالَ لهم شعيب  : يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ يعني: حرمة قرابتي أعظم عندكم من حرمة الله تعالى؟

ويقال: خوفكم من عقوبة قرابتي أكبر عندكم من خوف الله.

ويقال: عشيرتي أعظم عليكم من كتاب الله تعالى، ومن أمره وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا يقول: تركتم أمر الله خلف ظهوركم، وتعظمون أمر رهطي، وتتركون تعظيم الله تعالى، ولا تخافونه؟

وهذا قول الفراء.

وقال الزجاج: معناه، اتخذتم أمر الله وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا أي: نبذتموه وراء ظهوركم- والعرب تقول لكل من لا يعبأ بأمره: قد جعل فلان هذا الأمر بظهره.

وقال الأخفش: وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا يقول: لم تلتفتوا إليه (١) ثم قال تعالى: وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ يعني: اعملوا في هلاكي وفي أمري، إِنِّي عامِلٌ في أمركم ومكانتكم، والمكانة والمكان بمعنى واحد.

ثم قال: سَوْفَ تَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم، ستعلمون من هو كاذب، ويقال: مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ يعني: يهلكه ويهينه، وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ يعني: ستعلمون من هو كاذب.

ويقال معناه: مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ، ويخزي أمره، من هو كاذب على الله بأن معه شريكاً، وَارْتَقِبُوا يعني: انتظروا بي العذاب إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ يعني: منتظر بكم العذاب في الدنيا.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ظَهْرِكَ، ودَبْرَ أُذْنِكَ، وعلى هذا المعنَى حمل الجمهورُ الآية، أي: اتخذتم أمْرَ اللَّه وشَرْعَه وراء ظُهُوركم، أي: غَيْرَ مراعًى، وإِما بأَنْ يستند إِليه ويلجأ كما قال عليه السلام:

«وألجأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ» «١» وعلى هذا المعنَى حمل الآية قَوْمٌ: أي: وأنتم تتَّخذون اللَّه سَنَدَ ظُهُورِكُمْ وعِمَادَ آمالكم.

وقوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ معناه: على حالاتكم، وفيه تهديدٌ.

وقوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ: والصحيحُ: أَن الوقْفَ في قوله: إِنِّي عامِلٌ.

وقوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ...

الآية: الصَّيْحَةُ: هي صيحة/ جبريل عليه السلام.

كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)

وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ...

الآية: يَغْنَوْا: معناه: يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير «فيها» عائد على الديار.

وقوله: بُعْداً: مصدرٌ دعا به كقولك: سُحْقاً للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ:

سَلامٌ عَلَيْكُمْ [النحل: ٣٢] لأن بُعْداً إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة: «بَعِدَتْ» - بكسر العين-: الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور»

ومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ: [الكامل]

لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ...

سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ «٣»

ومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ: [الطويل]

يَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي ...

وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَا «١»

وأما من قرأ: «بَعُدَتْ» ، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ «٢» فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ.

قال ص: وقال ابْنُ الأنباريِّ: من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما: بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ: أي: وخالفوا أمْرَ موسَى، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، أي: بمرشِدٍ إِلى خير.

وقال ع «٣» : بِرَشِيدٍ: أي: بمصيب في مَذْهَبِهِ يَقْدُمُ قَوْمَهُ: أي: يقدمهم إلى النار، والْوِرْدُ، في هذه الآية: هو ورودُ دُخُولٍ.

قال ص: والْوِرْدُ: فاعل «بئس» ، والْمَوْرُودُ: المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ: مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ.

وجوَّز ع «٤» : وأبو البقاءِ أنْ يكونُ «المَوْرُود» صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي: بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، و «الوِرْد» : يجوز أنْ يكون مصْدراً بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل: الوِرْد: بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود: صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي: بئس القوم المَوْرُود بهم هُمْ، انتهى.

وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً: يريد: دارَ الدنيا.

وقوله: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ أي: بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذاب، والرّفد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ، خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: رِزْقُ الله خَيْرٌ لَكم، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ سُفْيانُ.

والثّالِثُ: طاعَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: حَظُّكم مِنَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: رَحْمَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: وصِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ الرَّبِيعُ.

والسّابِعُ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّامِنُ: مُراقَبَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

وَقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: " تَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم " بِالتّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ شَرَطَ الإيمانَ في كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم، لِأنَّهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، عَرَفُوا صِحَّةَ ما يَقُولُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما أُمِرْتُ بِقِتالِكم وإكْراهِكم عَلى الإيمانِ.

والثّانِي: ما أُمِرْتُ بِمُراقَبَتِكم عِنْدَ كَيْلِكم لِئَلّا تَبْخَسُوا.

والثّالِثُ: ما أحْفَظُكم مِن عَذابِ الله إنْ نالَكم.

قَوْلُهُ تَعالى: " أصَلَواتُكُ تَأْمُرُكَ " وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ: " أصَلاتُكَ " عَلى التَّوْحِيدِ.

وَفِي المُرادِ بِصَلَواتِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: دِينُهُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: قِراءَتُهُ، قالَهُ الأعْمَشُ.

والثّالِثُ: أنَّها الصَّلَواتُ المَعْرُوفَةُ.

وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ الصَّلاةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، أوْ أنْ نَتْرُكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ؟

وَفِي مَعْنى الكَلامِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُّونِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فِعْلَهم في أمْوالِهِمْ هو البَخْسُ والتَّطْفِيفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فالمَعْنى: قَدْ تَراضَيْنا فِيما بَيْنَنا بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَقْطَعُونَ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، فَنَهاهم عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ القُرَظِيُّ: عُذِّبُوا في قَطْعِهِمُ الدَّراهِمَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ الفِهْرِيُّ " ما تَشاءُ " بِالتّاءِ، ونَسَقَ " أنْ تَفْعَلَ " عَلى " أنْ تَتْرُكَ "، واسْتَغْنى عَنِ الإضْمارِ.

قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: في مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ أمَرَهم بِالزَّكاةِ فامْتَنَعُوا.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أوْ أنْ تَفْعَلَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ " بِالتّاءِ فِيهِما؛ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ كَمَعْنى قِراءَةِ الفِهْرِيِّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوهُ اسْتِهْزاءً بِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا لَهُ: إنَّكَ لَأنْتَ السَّفِيهُ الجاهِلُ، فَكَنّى بِهَذا عَنْ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِحَلِيمٍ ولا رَشِيدٍ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ فَقالَ: بَلْ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ، لا كَما قالَ لَكَ الكافِرُونَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ المُصَيْصِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا لَهُ بِالحِلْمِ والرُّشْدِ حَقِيقَةً، وقالُوا: أنْتَ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، فَلِمَ تَنْهانا أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ؟

حَكاهُ الماوَرْدِيُّ، وذَهَبَ إلى نَحْوِهِ ابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٢٨ و٦٣] .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَلالُ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ المالِ.

والثّانِي: النُّبُوَّةُ.

والثّالِثُ: العِلْمُ والمَعْرِفَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: وجَوابُ الشَّرْطِ هاهُنا مَتْرُوكٌ، والمَعْنى: إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، أتَّبِعُ الضَّلالَ ؟

فَتَرَكَ الجَوابَ، لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِالمَعْنى، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ أمْرٍ ثُمَّ أرْتَكِبَهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ما أقْصِدُ بِخِلافِكُمُ القَصْدَ إلى ارْتِكابِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ ﴾ أيْ: ما أُرِيدُ بِما آمُرُكم بِهِ إلّا إصْلاحَ أُمُورِكم بِقَدْرِ طاقَتِي.

وقَدْرُ طاقَتِي: إبْلاغُكم لا إجْبارُكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ ﴾ فَتَحَ تاءَ " تَوْفِيقِي " أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ.

ومَعْنى الكَلامِ: ما إصابَتِي الحَقَّ في مُحاوَلَةِ صَلاحِكم إلّا بِاللَّهِ.

﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أيْ: فَوَّضْتُ أمْرِي، وذَلِكَ أنَّهم تَواعَدُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ  ﴾ .

﴿ وَإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ : أيْ: أرْجِعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي ﴾ حَرَّكَ هَذِهِ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: لا تُكْسِبَنَّكم عَداوَتُكم إيّايَ أنْ تُعَذَّبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا قَرِيبًا مِن مَساكِنِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: كانَ إهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ الإهْلاكاتِ الَّتِي عَرَفُوها.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما وحَّدَ بَعِيدًا، لِأنَّهُ أزالَهُ عَنْ صِفَةِ القَوْمِ، وجَعَلَهُ نَعْتًا لِمَكانٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِمَكانٍ بَعِيدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ ﴾ قَدْ سَبَقَ مَعْنى الرَّحِيمِ.

فَأمّا الوَدُودُ: فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: المُحِبُّ لِعِبادِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: ودِدْتُ الرَّجُلَ أوَدُّهُ وُدًّا ووَدًّا ووِدًّا، ويُقالُ: ودِدْتُ الرَّجُلَ وِدادًا و ودادَةً و وِدادَةً.

وقالَ الخَطّابِيُّ: هو اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الوُدِّ؛ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ فَعُولًا في مَحَلِّ مَفْعُولٍ، كَما قِيلَ: رَجُلٌ هَيُوبٌ، بِمَعْنى مَهِيبٍ، وفُرْسٌ رَكُوبٌ، بِمَعْنى مَرْكُوبٍ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ مَوْدُودٌ في قُلُوبِ أوْلِيائِهِ لِما يَتَعَرَّفُونَهُ مِن إحْسانِهِ إلَيْهِمْ.

والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوادِّ، أيْ: أنَّهُ يَوَدُّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ، بِمَعْنى أنَّهُ يَرْضى عَنْهم بِتَقَبُّلِ أعْمالِهِمْ؛ ويَكُونُ مَعْناهُ: أنْ يُوَدِّدَهم إلى خَلْقِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: ما نَفْقَهُ صِحَّةَ كَثِيرٍ مِمّا تَقُولُ، لِأنَّهم كانُوا يَتَدَيَّنُونَ بِغَيْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا لِاسْتِثْقالِهِمْ ذَلِكَ كَأنَّهم لا يَفْقَهُونَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ضَرِيرًا؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: كانَ أعْمى.

قالَ الزَّجّاجُ: ويُقالُ إنَّ حِمْيَرَ تُسَمِّي المَكْفُوفَ: ضَعِيفًا.

والثّانِي: ذَلِيلًا، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو رَوْقٍ، ومُقاتِلٌ.

وَزَعَمَ أبُو رَوْقٍ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا أعْمى، ولا نَبِيًّا بِهِ زَمانَةٌ.

والثّالِثُ: ضَعِيفَ البَصَرِ، قالَهُ سُفْيانُ.

والرّابِعُ: عاجِزًا عَنِ التَّصَرُّفِ في المَكاسِبِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا عَشِيرَتُكَ لَقَتَلْناكَ بِالرَّجْمِ، والرَّجْمُ مِن سَيِّئِ القِتْلاتِ، وكانَ رَهْطُهُ مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ، فَلِذَلِكَ أظْهَرُوا المَيْلَ إلَيْهِمْ والإكْرامَ لَهم.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الرَّجْمَ هاهُنا بِمَعْنى الشَّتْمِ والأذى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِكَرِيمٍ، والثّانِي: بِمُمْتَنِعٍ أنْ نَقْتُلَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ ﴾ وأسْكَنَ ياءَ " رَهْطِي " أهْلُ الكُوفَةِ، ويَعْقُوبُ، والمَعْنى: أتُراعُونَ رَهْطِي فِيَّ، ولا تُراعُونَ اللَّهَ فِيَّ ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكُمْ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الجُمْهُورُ.

قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: رَمَيْتُمْ بِأمْر اللَّهِ وراءَ ظُهُورِكم.

قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَن لا يَعْبَأُ بِأمْرٍ: قَدْ جَعَلَ فُلانٌ هَذا الأمْرَ بِظَهْرٍ، قالَ الشّاعِرُ: تَمِيمَ بْنَ قَيْسٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعِيا عَلَيَّ جَوابُها والثّانِي: أنَّها كِنايَةٌ عَمّا جاءَ بِهِ شُعَيْبٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ أيْ: عالِمٌ بِأعْمالِكم، فَهو يُجازِيكم بِها.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ  ﴾ .

فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ قالَ هاهُنا " سَوْفَ " وفي سُورَةٍ أُخْرى " فَسَوْفَ " ؟

[الأنْعامِ:١٣٥] فالجَوابُ: أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ حَسَنٌ عِنْدَ العَرَبِ، إنْ أدْخَلُوا الفاءَ، دَلُّوا عَلى اتِّصالِ ما بَعْدَ الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، وإنْ أسْقَطُوها، بَنَوُا الكَلامَ الأوَّلَ عَلى أنَّهُ قَدْ تَمَّ، وَما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا  ﴾ ، والمَعْنى: فَقالُوا: أتَتَّخِذُنا، بِالفاءِ، فَحُذِفَتِ الفاءُ لِتَمامِ ما قَبْلَها.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَقالَتْ يَمِينُ اللَّهِ مالَكَ حِيلَةٌ ∗∗∗ وما إنْ أرى عَنْكَ الغَوايَةَ تَنْجَلِي خَرَجْتُ بِها أمْشِي تَجُرُّ وراءَنا ∗∗∗ عَلى إثْرِنا أذْيالَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أرادَ: فَخَرَجَتْ، فَأسْقَطَ الفاءَ لِتَمامِ ما قَبْلَها.

ويُرْوى: فَقُمْتُ بِها أمْشِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ارْتَقِبُوا العَذابَ، فَإنِّي أرْتَقَبُ الثَّوابَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ فَماتُوا في أمْكِنَتِهِمْ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: عَذَّبَ أهْلَ مَدِينَ بِثَلاثَةِ أصْنافٍ مِنَ العَذابِ، أخَذَتْهم رَجْفَةٌ في دِيارِهِمْ، حَتّى خافُوا أنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا مِنها فَأصابَهم حَرٌّ شَدِيدٌ، فَبَعَثَ اللَّهُ الظُّلَّةَ، فَتَنادُوا: هَلُمَّ إلى الظِّلِّ؛ فَدَخَلُوا جَمِيعًا في الظُّلَّةِ، فَصِيحَ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَماتُوا كُلُّهم.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ أُمَّتانِ قَطُّ بِعَذابٍ واحِدٍ، إلّا قَوْمُ شُعَيْبٍ وصالِحٍ، فَأمّا قَوْمُ صالِحٍ، فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِن تَحْتِهِمْ، وأمّا قَوْمُ شُعَيْبٍ فَأخَذَتْهم مِن فَوْقِهِمْ، نَشَأتْ لَهم سَحابَةٌ كَهَيْئَةِ الظُّلَّةِ فِيها رِيحٌ بَعْدَ أنِ امْتَنَعَتِ الرِّيحُ عَنْهم، فَأتَوْها يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها فَأحْرَقَتْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ أيْ: كَما هَلَكَتْ ثَمُودُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ: إذا كانَ بُعْدُهُ هَلَكَةً؛ وبَعُدَ يَبْعُدُ: إذا نَأى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمِ نُوحٍ أو قَوْمِ هُودٍ أو قَوْمِ صالِحٍ وما قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ ﴾ ﴿ واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ ﴾ ﴿ قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ ﴿ لا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ مَعْناهُ: لا يَكْسِبْنَكُمْ، يُقالُ: جَرَّمَهُ كَذا وكَذا وأُجَرِّمُهُ إذا أكْسَبَهُ، كَما يُقالُ: كَسَبَ وأكْسَبَ بِمَعْنى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَقَدْ طَعنتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَجْرِمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "يُجْرِمَنَّكُمْ" بِضَمِّها، و "شِقاقِي" مَعْناهُ: مُشاقَتِي وعَداوَتِي، و"أنْ" مُفَعْوَلَةٌ بِـ "يَجْرِمَنَّكُمْ".

وكانَتْ قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ القِصَصِ عَهْدًا بِقِصَّةِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما مَنازِلُ قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ في المَسافَةِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا القَوْلُ ضَرْبَ المَثَلِ لَهم بِقَوْمِ لُوطٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِثْلُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ "يُصِيبْكُمْ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِثْلَ" بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ "مِثْلَ" فاعِلًا، وفَتْحَةُ اللامِ فَتْحَةَ بِناءٍ لِما أُضِيفَ لِغَيْرٍ مُتَمَكِّنٍ، فَإنَّ "مِثْلَ" قَدْ يَجْرِي مَجْرى الظُرُوفِ في هَذا البابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا مَحْضًا، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ الفاعِلُ مَحْذُوفًا يَقْتَضِيهِ المَعْنى، ويَكُونُ "مِثْلَ" مَنصُوبًا عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إصابَةُ مِثْلَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾ الآيَةَ.

تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا مِن تَرْتِيبِ هَذا الِاسْتِغْفارِ قَبْلَ التَوْبَةِ، و "وَدُودٌ" مَعْناهُ أنَّ أفْعالَهُ ولُطْفَهُ بِعِبادِهِ لَمّا كانَتْ في غايَةِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ كانَتْ كَفِعْلِ مَن يَتَوَدَّدُ ويَوَدُّ المَصْنُوعَ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا يا شُعَيْبُ ﴾ الآيَةَ.

"نَفْقَهُ" مَعْناهُ: نَفْهَمُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ قُرَيْشٍ: ﴿ قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ  ﴾ ، ومَعْنى ﴿ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ ﴾ : أيْ ما نَفْقَهُ صِحَّةَ قَوْلِكَ، وأمّا فِقْهُهم لَفْظَهُ ومَعْناهُ فَمُتَحَصِّلٌ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وشَرِيكٍ القاضِي في قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ كانَ ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأعْمى: ضَعِيفٌ، كَما يُقالُ لَهُ: ضَرِيرٌ، وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ ولا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بِضَعْفِ بَصَرِهِ أو بَدَنِهِ، والظاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ، وأنَّ رَهْطَهُ الكَفَرَةَ كانُوا يُراعُونَ فِيهِ.

و الرَهْطُ: جَماعَةُ الرَجُلِ، ومِنهُ الراهِطاءُ؛ لِأنَّ اليَرْبُوعَ يَعْتَصِمُ بِهِ كَما يَفْعَلُ الرَجُلُ بِرَهْطِهِ.

و "لَرَجَمْناكَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالحِجارَةِ، وهو الظاهِرُ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وقِيلَ: مَعْناهُ: لَرَجَمْناكَ بِالسَبِّ، وبِهِ فَسَّرَ الطَبَرَيُّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا  ﴾ ، وقَوْلُهُمْ: "بِعَزِيزٍ" أيْ: بِذِي مَنَعَةٍ وعِزَّةٍ ومَنزِلَةٍ في نُفُوسِنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي ﴾ الآيَةَ.

"الظِهْرِيُّ": الشَيْءُ الَّذِي يَكُونُ وراءَ الظَهْرِ، وقَدْ يَكُونُ الشَيْءُ وراءَ الظَهْرِ بِوَجْهَيْنِ في الكَلامِ: إمّا بِأنْ يُطْرَحَ، كَما تَقُولُ: جَعَلَتَ كَلامِي وراءَ ظَهْرِكَ ودُبُرَ أُذُنِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: تَمِيمَ بْنَ زَيْدٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها وَإمّا بِأنْ يُسْنِدَ إلَيْهِ ويَلْجَأ.

ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ  في دُعائِهِ: « "وَألْجَأتُ ظَهْرِي إلَيْكَ"،» فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ "واتَّخَذْتُمُ اللهَ ظَهْرِيًّا -أيْ: غَيْرَ مُراعًى- وراءَ الظَهْرِ" عَلى مَعْنى الِاطِّراحِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرَيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ عِنْدِي عَلى حَذْفٍ مُضافٍ ولا بُدَّ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "واتَّخَذْتُمُوهُ" عائِدٌ عَلى أمْرِ اللهِ وشَرْعِهِ، إذْ يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أتَرَوْنَ رَهْطِي أعَزَّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ وأنْتُمْ تَتَّخِذُونَ اللهَ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكُمْ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُ الجُمْهُورِ عَلى أنْ كانَ كُفْرُ قَوْمِ شُعَيْبٍ جُحْدًا بِاللهِ تَعالى وجَهْلًا بِهِ، وهَذا القَوْلُ الثانِي عَلى أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِالخالِقِ الرازِقِ ويَعْتَقِدُونَ الأصْنامَ وسائِطَ ووَسائِلَ، ونَحْوَ هَذا، وهاتانِ الفِرْقَتانِ مَوْجُودَتانِ في الكَفَرَةِ، ومِنَ اللَفْظَةِ: الِاسْتِظْهارُ بِالبَيِّنَةِ، وقَدْ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الظِهْرِيُّ: الفَضْلُ، مَثَلُ الجَمّالِ يَخْرُجُ مَعَهُ بِإبِلٍ ظَهارِيَّةٍ يُعِدُّها إنِ احْتاجَ إلَيْها وإلّا فَهي فَضْلَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا كُلُّهُ مِمّا يُسْتَنَدُ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَوَعَّدٌ، ومَعْناهُ: مُحِيطٌ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا أرادوا بالكلام الذي وجّهوه إليه تحذيره من الاستمرار على مخالفة دينهم، أجابهم بما يفيد أنه لم يكن قط معوّلاً على عزة رهطه ولكنّه متوكّل على الله الذي هو أعزّ من كل عزيز، فالمقصود من الخَبَر لازمه وهو أنّه يعلم مضمون هذا الخبر وليس غافلاً عنه، أي لقد علمتُ مَا رهطي أغلب لكم من الله فلا أحتاج إلى أن تعاملوني بأنّي غيرُ عزيز عليكم ولا بأنّ قرابتي فئة قليلة لا تعجزكم لو شئتم رجمي.

وإعادة النداء للتّنبيه لكلامه وأنه متبصّر فيه.

والاستفهام إنكاريّ، أي الله أعز من رهطي، وهو كناية عن اعتزازه بالله لا برهطه فلا يريبه عدم عزة رهطه عليهم، وهذا تهديد لهم بأنّ الله ناصره لأنّه أرسله فعزّته بعزّة مُرسله.

وجملة ﴿ واتّخذتموه وراءَكم ظِهرياً ﴾ في موضع الحال من اسم الجلالة، أي الله أعز في حال أنكم نسيتم ذلك.

والاتّخاذ: الجعل، وتقدّم في قوله: ﴿ أتتّخذ أصْناماً آلهةً ﴾ في سورة [الأنعام: 74].

والظِهريّ بكسر الظاء نسبة إلى الظهر على غير قياس، والتغييرات في الكلم لأجل النسبة كثيرة.

والمراد بالظهريّ الكناية عن النسيان، أو الاستعارة لأن الشيء الموضوع بالوراء ينسى لقلة مشاهدته، فهو يشبه الشيء المجعول خلف الظهر في ذلك، فوقَع ﴿ ظهريّاً ﴾ حالاً مؤكّدة للظرف في قوله: ﴿ وراءكم ﴾ إغراقاً في معنى النسيان لأنّهم اشتغلوا بالأصنام عن معرفة الله أو عن ملاحظة صفاته.

وجملة ﴿ إنّ ربي بما تعملون محيط ﴾ استئناف، أو تعليل لمفهوم جملة ﴿ أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ الذي هو توكله عليه واستنصاره به.

والمحيط: الموصوف بأنه فاعل الإحاطة.

وأصل الإحاطة: حصار شيء شيئاً من جميع جهاته مثل إحاطة الظرف بالمظروف والسور بالبلدة والسِوار بالمعصم.

وفي «المقامات الحريرية»: «وقد أحاطت به أخلاط الزمر، إحاطة الهالة بالقمر، والأكمام بالثمر».

ويطلق مجازاً في قولهم: أحاط علمه بكذا، وأحاط بكل شيء علماً، بمعنى علم كل ما يتضمّن أن يعلم في ذلك، ثم شاع ذلك فحذف التمييز وأسندت الإحاطة إلى العالم بمعنى: إحاطة علمه، أي شمول علمه لجميع ما يعلم في غرض مّا، قال تعالى: ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ [الجن: 28] أي علمه.

ومنه قوله هنا: ﴿ إنّ ربي بما تعملون محيط ﴾ والمراد إحاطة علمه.

وهذا تعريض بالتهديد، وأنّ الله يوشك أن يعاقبهم على ما علمه من أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ ﴾ أيْ ما نَفْهَمُ، ومِنهُ سُمِّيَ عِلْمُ الدِّينِ فِقْهًا لِأنَّهُ مَفْهُومٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما نَفْقَهُ صِحَّةَ ما تَقُولُ مِنَ العَبَثِ والجَزاءِ.

الثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ إعْراضًا عَنْ سَماعِهِ واحْتِقارًا لِكَلامِهِ.

﴿ وَإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ضَعِيفُ البَصَرِ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّانِي: ضَعِيفُ البَدَنِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أعْمى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ.

الرّابِعُ: قَلِيلُ المَعْرِفَةِ وحِيدًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: ذَلِيلًا مَهِينًا، قالَهُ الحَسَنُ.

السّادِسُ: قَلِيلُ العَقْلِ.

السّابِعُ: قَلِيلُ المَعْرِفَةِ بِمَصالِحِ الدُّنْيا وسِياسَةِ أهْلِها.

﴿ وَلَوْلا رَهْطُكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَشِيرَتُكَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّانِي: لَوْلا شِيعَتُكَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿ لَرَجَمْناكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَقَتَلْناكَ بِالرَّجْمِ.

الثّانِي: لَشَتَمْناكَ بِالكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الجَعْدِيِّ: تَراجَمْنا بِمُرِّ القَوْلِ حَتّى نَصِيرُ كَأنَّنا فَرَسا رِهانٍ ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِكَرِيمٍ.

الثّانِي: بِمُمْتَنِعٍ لَوْلا رَهْطُكَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ تُراعُونَ رَهْطِي فِيَّ ولا تُراعُونَ اللَّهَ فِيَّ.

﴿ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: اطَّرَحْتُمْ أمْرَهُ وراءَ ظُهُورِكم لا تَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ ولا تَعْمَلُونَ بِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ..

...

...

...

∗∗∗ وجَدْنا بَنِي البَرْصاءِ مِن ولَدِ الظَّهْرِ أيْ مِمَّنْ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ ولا يُعْتَدُّ بِهِمْ.

الثّانِي: يَعْنِي أنَّكم حَمَلْتُمْ أوْزارَ مُخالَفَتِهِ عَلى ظُهُورِكم، قالَهُ السُّدِّيُّ، مِن قَوْلِهِمْ حَمَلْتُ فُلانًا عَلى ظَهْرِي إذا أظْهَرْتَ عِنادَهُ.

الثّالِثُ: يَعْنِي أنَّكم جَعَلْتُمُ اللَّهَ ظِهْرِيًّا إنِ احْتَجْتُمُ اسْتَعَنْتُمْ بِهِ، وإنِ اكْتَفَيْتُمْ تَرَكْتُمُوهُ.

كالَّذِي يَتَّخِذُهُ الجَمّالُ مِن جَمالِهِ ظِهْرِيًّا إنِ احْتاجَ إلَيْها حَمَلَ عَلَيْها وإنِ اسْتَغْنى عَنْها تَرَكَها، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهم وراءَ ظُهُورِهِمْ ظِهْرِيًّا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حَفِيظٌ.

الثّانِي: خَبِيرٌ.

الثّالِثُ: مُجازٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يحملنكم فراقي.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ شقاقي ﴾ قال: عدواني.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس.

أن شعيباً قال لقومه: يا قوم اذكروا قوم نوح وعاد وثمود ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ وكان قوم لوط أقربهم إلى شعيب، وكانوا أقربهم عهداً بالهلاك ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ﴾ لمن تاب إليه من الذنب ﴿ ودود ﴾ يعني يحبه، ثم يقذف له المحبة في قلوب عباده.

فردوا عليه ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ كان أعمى ﴿ ولولا رهطك ﴾ يعني عشيرتك التي أنت بينهم ﴿ لرجمناك ﴾ يعني لقتلناك ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ ﴿ قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ قالوا: بل الله.

قال فاتخذتم الله وراءكم ﴿ ظهرياً ﴾ يعني تركتم أمره وكذبتم نبيه، غير أن علم ربي أحاط بكم، ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ قال ابن عباس: وكان بعد الشرك أعظم ذنوبهم تطفيف المكيال والميزان، وبخس الناس أشياءهم مع ذنوب كثيرة كانوا يأتونها، فبدا شعيب فدعاهم إلى عبادة الله وكف الظلم وترك ما سوى ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن خلف بن حوشب قال: هلك قوم شعيب من شعيرة إلى شعيرة، كانوا يأخذون بالرزينة ويعطون بالخفيفة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي...

﴾ الآية.

قال: لا يحملنكم عدواتي على أن تتمادوا في الضلال والكفر فيصيبكم من العذاب ما أصابهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ قال: إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي ليلى الكندي رضي الله عنه قال: أشرف عثمان رضي الله عنه على الناس من داره وقد أحاطوا به فقال: ﴿ يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ يا قوم لا تقتلوني، إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا، وشبك بين أصابعه.

وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: كان أعمى، وإنما عمي من بكائه من حب الله عز وجل.

وأخرج الواحدي وابن عساكر عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بكى شعيب عليه السلام من حب الله حتى عمي، فرد الله عليه بصره وأوحى الله إليه: يا شعيب ما هذا البكاء أشوقاً إلى الجنة أم خوفاً من النار؟

فقال: لا، ولكن اعتقدت حبك بقلبي، فإذا نظرت إليك فما أبالي ما الذي تصنع بي، فأوحى الله إليه: يا شعيب إن يكن ذلك حقاً فهنيأً لك لقائي يا شعيب، لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي» .

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: كان ضرير البصر.

وأخرج أبو الشيخ عن سفيان في قوله: ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: كان أعمى، وكان يقال له: خطيب الأنبياء عليهم السلام.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: إنما أنت واحد.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولولا رهطك لرجمناك ﴾ قال: لولا أن نتقي قومك ورهطك لرجمناك.

وأخرج سعيد بن منصور عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لو كان للوط مثل أصحاب شعيب لجاهد بهم قومه.

وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

أنه خطب فتلا هذه الآية في شعيب ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: كان مكفوفاً، فنسبوه إلى الضعف ﴿ ولولا رهطك لرجمناك ﴾ قال علي: فوالله الذي لا إله غيره ما هابوا جلال ربهم، ما هابوا إلا العشيرة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: نبذتم أمره.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: قضاء قضى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ يقول: لا تخافونه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: جعلتموه خلف ظهوركم، فلم تطيعوه ولم تخافوه.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: تهاونتم به.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: الظهري الفضل مثل الجمال يحتاج معه إلى إبل ظهري فضل لا يحمل عليها شيئاً إلا أن يحتاج إليها، فيقول: إنما ربكم عندكم هكذا إن احتجتم إليه، فإن لم تحتاجوا فليس بشيء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ﴾ ، قال ابن عباس (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ﴾ ، قال الليث (٣) (٤) قال الفراء (٥) وقال ابن الأنباري (٦) (٧) (٨) تميمَ بنَ زيد لا تكونَنَّ حاجتي ...

بظهر فلا يخفى عليّ جوابُها قال: معناه: لا تكون مهملة مطرحة، وقال قتادة (٩) أعززتم قومكم وظهرتم بربكم، قال أبو بكر: يريد بقوله ظهرتم: أهملتم وأعرضتم عن طاعته، وجميع أهل (١٠) ﴿ وَاتَّخَذْتُمُوهُ ﴾ تعود إلى أمر الله، وما جاءهم به شعيب من الله تعالى، وهو في الظاهر يعود على اسم الله تعالى، ولكنه يعرف بالمعنى أن المراد منه الأمر، كما تقول العرب: جعلتني خلف ظهرك ودبر أذنك، يريدون: جعلت أمري وحاجتي وكلامي.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ أي خبير بأعمال العباد حتى يجازيهم، في قول جميع المفسرين (١١) (١) "زاد المسير" 4/ 153 بنحوه.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.

(٣) "تهذيب اللغة" (ظهر) 3/ 2255.

(٤) الطبري 12/ 106.

(٥) "معاني القرآن" 2/ 26.

(٦) "الأضداد" 255.

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٨) ساقط من (ي).

(٩) الطبري 12/ 106 - 107.

(١٠) "معاني الفراء" 2/ 26، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 298، "معاني الزجاج" 3/ 75، "معانى النحاس" 3/ 377.

(١١) الطبري 12/ 108، "زاد المسير" 4/ 153، ابن عطية 7/ 387.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ ﴾ أي لا يكسبنكم عدواتي أن يصيبكم مثل عذاب الأمم المتقدمة، وشقاقي فاعل، وأن يصيبكم مفعول ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ﴾ يعني في الزمان لأنهم كانوا أقرب الأمم الهالكين إليهم، ويحتمل أن يراد ببعيد في البلاد ﴿ مَا نَفْقَهُ ﴾ أي ما نفهم ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ أي: ضعيف الانتصار والقدرة، وقيل: نحيل البدن، وقيل: أعمى ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك ﴾ الرهط: القرابة والرجم بالحجارة أو بالسب ﴿ قَالَ ياقوم أرهطي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ الله ﴾ هذا توبيخ لهم فإن قيل: إنما وقع كلامهم فيه وفي رهطه وأنهم هم الأعزة دونه فكيف طابق جوابه كلامهم؟

فالجواب أن تهاونهم به وهو رسول الله تهاون بالله فلذلك قال: أرهطي أعزُّ عليكم من الله ﴿ واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ الضمير في اتخذتموه لله تعالى أو لدينه وأمره، والظهري ما يطرح وراء الظهر ولا يعبأ به، وهو منسوب إلى الظهر بتغيير النسب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني ﴾ بالفتح ﴿ أريكم ﴾ بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى عن أهل مكة.

﴿ إني أخاف ﴾ ﴿ شقاقي أن ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ وصلواتك ﴾ كما مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ إن صلاتك سكن ﴾ {التوبة: 103] ﴿ توفيقي ﴾ بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع ﴿ أرهطي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ بعدت ثمود ﴾ بالإظهار: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الواو ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ ما نشاء ﴾ ط ﴿ الرشيد ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ما استطعت ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ودود ﴾ ه ﴿ ضعيفاً ﴾ ج لأن "لولا" للابتداء مع الواو ﴿ لرجمناك ﴾ ز لحق النفي وكون الواو للحال أوجه ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل ﴿ ظهرياً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ كاذب ﴾ ط للفصل بين الخير والطلب ﴿ رقيب ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ثمود ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ فرعون ﴾ ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال ﴿ برشيد ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المورود ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ المرفود ﴾ ه ﴿ وحصيد ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ج ﴿ تتبيب ﴾ ه ﴿ ظالمة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه.

التفسير: نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال.

﴿ وإني أخاف عليكم ﴾ عن ابن عباس أنه فسر الخوف بالعلم.

وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم وانتهاءهم.

والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد.

وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإِسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه واشتمل عليه ذلك اليوم.

قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا.

وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم.

قوله: ﴿ أوفوا المكيال ﴾ إلى قوله ﴿ أشياءهم ﴾ قد مر تفسير مثله في الأعراف.

وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو أنه  نهى أوّلاً عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد والتقرير؟

والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحة تعييراً وتوبيخاً لكنه يوهم النهي عن أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب.

وفي أيضاً فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس بواجب بل هو فضل ومروءَة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من الرأس ﴿ بقية الله ﴾ قيل: ثواب الله.

وقيل: طاعته ورضاه كقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خير  ﴾ وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ﴿ خير لكم ﴾ بشرط أن تؤمنوا لأن شيئاً من الأعمال لا ينفع مع الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم.

ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته.

قالت المعتزلة.

في إضافة البقية إلى الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله.

وقرىء ﴿ تقية الله ﴾ بالتاء الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر.

قوله: ﴿ أصلاتك ﴾ قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم أركانه.

وقيل: المراد الأتباع لأنه أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك.

والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة يروى أن شعيباً  كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي تغمزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم: ﴿ أصلاتك تأمرك ﴾ السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم عليها ليلاً ونهاراً هي من باب الجنون والوساوس.

ومعنى ﴿ تأمرك أن نترك ﴾ تأمرك بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.

وقوله ﴿ أو أن نفعل ﴾ معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن نفعل ﴿ في أموالنا ما نشاء ﴾ روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.

﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية فعكسوا تهكماً به.

وقيل: حقيقة وإنه كان معروفاً فيما بينهم بالحلم والرشد فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة تعودناها.

ثم أشار  إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟

﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه.

فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ﴾ إلا أن أصلحكم بالموعظة.

والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

﴿ ما استطعت ﴾ ما للمدة ظرفاً للإصلاح أي مدة استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً للإصلاح فقد يعمل المصدر المعرف كقوله: ضعيف النكاية أعداءه.

أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.

ثم بين أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: ﴿ وما توفيقي إلا بالله ﴾ والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله ﴿ عليه توكلت ﴾ أخصه بتفويض الأمور إليه لأنه مبدأ المبادىء ﴿ وإليه أنيب ﴾ لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه تهديد وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يكسبنكم خلافي ﴿ إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ﴾ من الغرق ﴿ أو قوم هود ﴾ من الريح العقيم ﴿ أو قوم صالح ﴾ من الصيحة ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ لم يقل "ببعيدة" حملاً على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا "ببعيدين" حملاً على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدهم.

أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد.

وجوزوا أن يسوّى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.

﴿ إن ربي رحيم ودود ﴾ يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أو "مفعول" كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة.

ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير والبيان ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقهُ كثيراً مما تقول ﴾ إما لقلة الرغبة أو قالوا تهكماً واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.

كأنهم جعلوا كلامه تخليطاً وهذياناً لا ينفعهم كثير منه.

وقيل: لأنه كان ألثغ ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.

وفسر بعضهم الضعيف بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير.

وزيف هذا القول أما عند من جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة ﴿ فينا ﴾ يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، وأما عند من لا يجوزه - كبعض المعتزلة - فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى.

ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه - والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة - والرجم شر القتل وهو الرمي بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم.

ثم أكدوا المذكور بقولهم ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفاً من شوكتهم ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ولذلك قال في جوابهم ﴿ أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذاناً بأن التهاون بنبي الله كالتهاون بالله كقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله  ﴾ ﴿ واتخذتموه ﴾ أي أمر الله أو ما جئت به ﴿ وراءكم ظهرياً ﴾ منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه.

ثم وصف الله  بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ .

ثم زاد في الوعيد والتهديد بقوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ وقد مر تفسير مثله في "الأنعام" قال في الكشاف: الاستئناف يعني في ﴿ سوف تعلمون ﴾ وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل بالفاء وهو باب في أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.

ثم بالغ في التهديد بقوله: ﴿ وارتقبوا ﴾ انتظروا عاقبة الشقاق ﴿ إني معكم رقيب ﴾ راقب كالضريب بمعنى الضارب،أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.

وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصحية كلتا العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسناً بخلاف قصة صالح.

وإنما دعاه عليه بقوله: ﴿ كما بعدت ثمود ﴾ لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح.

فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم.

قوله  ﴿ بآياتنا وسلطان مبين ﴾ قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين.

والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس.

وقال في كشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها، وقوله: ﴿ إلى فرعون ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ ﴿ فاتبعوا أمر فرعون ﴾ أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود وتكذيب موسى ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى.

ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال فكذلك يقدمهم أي تقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن يراد بالرشد الإِحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد العاقبة.

ثم فسره بأنه ﴿ يقدم قومه ﴾ أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته.

ويقال: قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ومنه مقدم العين.

وإنما قال ﴿ فأوردهم ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع.

والورد المورود الذي وردوه، شبّه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردة.

ثم نعى عليهم بقوله: ﴿ وبئس الورد ﴾ الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده وتذكير ﴿ بئس ﴾ لتذكير الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز نظراً إلى الدار.

وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم ﴿ وأتبعوا في هذه ﴾ حذف صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد.

و ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ أي بئس العطاء المعطى ذلك.

وقيل: الرفد العون والمرفود المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ولعنة في الآخرة.

﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض ﴿ أنباء القرى ﴾ المهلكة ﴿ نقصه عليك ﴾ خبر بعد خبر ثم استأنف فقال ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ أي ومنها حصيد والمراد بعضها باقٍ كالزرع القائم، على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع المحصود ﴿ وما ظلمناهم ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا.

عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله ﴿ فما أغنت ﴾ فما قدرت أن ترد ﴿ عنهم آلهتهم التي يدعون ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء ﴿ وما زادوهم ﴾ يعني آلهتهم ﴿ غير تتبيب ﴾ تخسير.

تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران.

كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين.

ثم بيَّن أن عذابه غير مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الأخذ ﴿ أخذ ربك ﴾ فالأخذ مبتدأ وذلك خبره وقوله ﴿ وهي ظالمة ﴾ حال من القرى باعتبار أهلها ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ وجيع صعب على المأخوذ وهو تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال.

التأويل: ﴿ ولا تنقصوا ﴾ مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة ﴿ إني أراكم بخير ﴾ هو حسن الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق ﴿ بالقسط ﴾ في تعظيم أمرالله والشفقة على خلق الله.

﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ حقوق النصيحة وحسن العشرة في الله ولله ﴿ ولا تعثوا ﴾ في أرض وجودكم ﴿ مفسدين ﴾ ﴿ بقية الله ﴾ بقاؤكم ببقائه ﴿ خير لكم ﴾ مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان.

﴿ رزقاً حسناً ﴾ نوراً تاماً أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق ﴿ وما ﴾ معاملة ﴿ قوم لوط ﴾ من معاملتكم ﴿ ببعيد ﴾ لأن الكفر كله ملة واحدة.

﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ لأن فرعون النفس أمارة بالسوء.

﴿ إذا أخذ القرى ﴾ قرى الأجساد ﴿ منها قائم ﴾ قابل لتدارك ما فات.

ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ ﴾ \[أي: إلى مدين أرسلنا\] ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ هذا قد ذكرنا فيما تقدم: أن كل نبي أول ما دعا قومه إنما دعا إلى توحيد الله، وجعل العبادة له.

وفي قوله: ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ وما ذكر في غيره من الأخوة دلالة على أن الرسل من قبل كانوا يبعثون من جنس قومهم لا من الملائكة حيث قال: ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ ، ومعلوم أنهم لم يكونوا إخوة لهم في الدين، وفيه أن المؤاخاة لا توجب فضيلة المؤاخى له؛ [لأنه ذكر أن الرسل] إخوة أولئك الأقوام، ومنهم كفرة، وذلك يرد قول الروافض في تفضيل عليّ على أبي بكر بالمؤاخاة التي كانت بين رسول الله وبين علي؛ والخلة توجب الفضيلة، وقد جاء عنه  [أنه قال]: "لو اتخذت سوى ربي خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ ، ذكر أنهم [كانوا] ينقصون المكيال والميزان، ولا يوفون الناس حقوقهم، فنهاهم عن ذلك، فهو - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: أنهم إنما نهوا عن ذلك؛ لحق الربا؛ لأن النقصان إذا كان برضا من صاحبه يجوز؛ فدل أنه إنما نهاهم بحق الربا، وفيهما يجري الربا.

والثاني: فيه أن [هبة] المشتري للبائع، وتقلبه [فيه] قبل قبضه على قيام البيع فيما بينهما غير جائز؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ قيل: [في سعة] من المال.

وقيل: في رخص من السعر، وإنما يحمل المرء على النقصان والظلم على آخر - عز الشيء وضيق [الحال]، فكيف تنقصون أنتم في حال السعة ورخص السعر.

أو يقول: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ في غير هذا، فلا تظلموا الناس في هذا، و [لا] تمنعوا حقوقهم، ﴿ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴾ ، أي: يوم يحيط بهم العذاب إن كانت الإحاطة مضافة إلى اليوم فهو محيط بالكل، وإن كانت الإحاطة مضافة إلى العذاب، فهو محيط بالكفرة خاصة، وهو - والله أعلم - أنه ما من جارحة من ظاهرة وباطنة إلا وقد يصيبها العذاب، ويحيط بها، ليس كعذاب الدنيا يأخذ جزءاً دون جزء، بل يحيط به، والنهي بتخصيص نقصان الكيل والميزان لا يدل على أن لم يكن فيهم من المآثم والإجرام سوى ذلك، لكنه خص هذا؛ لما كان الظاهر فيهم نقصان الكيل والوزن، فذكر ذلك، وهو ما خص قوم لوط بقوله: ﴿ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ و ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ...

﴾ الآية [العنكبوت: 28]، ذكر هذا وخصهم، ليس على أنهم لم يكونوا يأتون من الفواحش غيرها، لكن خص هذا؛ لأن الظاهر فيهم هذا؛ فعلى ذلك نقصان الكيل والميزان في قوم شعيب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ خص المكيال والميزان [والله أعلم] - لما كانوا يطففون المكيال وينقصون الميزان؛ رغبة فيهما، وفيهما يجري الربا، كما ذكرنا.

وقوله - عز وجل: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ ، فيه دلالة أن المشتري يملك المبيع قبل أن يقبضه؛ لأنه قال: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ أضاف إلى الناس أشياءهم، فلو كان لا يملك، لم يكن أشياء الناس، إنما كان [أشياء البائع]، فإنما نقص ماله.

[وقوله]: ﴿ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ، وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ قال بعضهم: ما أبقى الله لكم من ثوابه في الآخرة خير لكم إن آمنتم به، وأطعتموه مما تجمعون من الأموال.

[و] قال بعضهم: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي: ما جعل الله لكم مما يحل خير لكم مما يحرم عليكم من نقصان الكيل والوزن، ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ بالحلال أو بالآخرة.

وقال بعضهم: طاعة الله - وهو ما يأمركم به، ويدعوكم إليه - خير لكم مما تفعلون.

وقال الحسن: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس حقوقهم، لكن هذا يرجع إلى ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ يحتمل: ما أنا عليكم بحفيظ، أي: لست أشهد بياعاتكم وأشريتكم حتى أعلم ببخسكم الناس المكيال والميزان، لكن إنما أعرف ذلك بالله، وفيه دلالة إثبات [رسالة محمد  ].

والثاني: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ أي: بمسلط عليكم، إنما أبلغ إليكم، كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ قال بعض أهل التأويل: صلاتك، [أي]: قراءتك تأمرك هذا.

وقال ابن عباس: قالوا ذلك له؛ لأن شعيباً كان يكثر الصلاة، كأنه [يخرج] على الإضمار يقولون: أصلواتك تأمرك بأن تأمرنا بترك عبادة ما عبد آباؤنا.

وقوله: و ﴿ أَصَلَٰوتُكَ ﴾ يحتمل [أنها كانت صلوات] معروفة يفعلها، فيقولون: أصلواتك التي تفعلها تأمرك أن نترك كذا، أم صلاة واحدة تكثرها، فقالوا: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ ﴾ ، وخصوا الصلاة من [بين] غيرها من الطاعات؛ لما لعلها كانت من أظهر طاعاته عندهم، فقالوا له هذا.

ثم يحتمل وجهين: [أحدهما: كأنهم] قالوا: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ...

﴾ كذا على التسفيه له [والتجهيل] كمن يوبخ آخر [ويسفهه]، [فيقول له]: أعلمك يأمرك [بذلك]، أو إيمانك يأمرك بهذا، كقوله: ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ  ﴾ ، ونحوه من الكلام يخرج على [التسفيه له أو التجهيل].

والثاني: يقال ذلك على الإنكار، يقول الرجل لآخر: إيمانك يأمرك بذلك، أو علمك يأمرك بهذا، [أي: لا يأمرك بذلك]، فعلى ذلك يحتمل قول هؤلاء: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ \[أي: لا تأمرك بذلك\] هذا إذا كانت الصلاة التي ذكروها مرضية عندهم، فإن لم تكن مرضية، فالتأويل هو الأول.

وقوله - عز وجل -: [ ﴿ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ ﴾ ] الآية، حبب إليهم تقليد آبائهم في عبادة الأصنام واتباعهم إياهم والأموال التي كانت لهم، [فمنعهم هذا] عن النظر في الحجج والآيات؛ [لما] حبب إليهم ذلك، وهكذا جميع الكفرة إنما منعهم عن النظر في آيات الله و [التأمل في] حججه أحد هذه الوجوه التي ذكرنا: حب اللذات، ودوام الرياسات، والميل إلى الشهوات، ظنوا أنهم لو اتبعوا رسل الله وأجابوهم إلى ما دعوهم إليه - لذهب عنهم ذلك.

ثم قوله: ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ يحتمل: قضاء جميع الشهوات.

ويحتمل: ما ذكر من نقصان المكيال والميزان، يقولون: أموالنا لنا ليس لأحد فيها حق، نفعل فيها ما نشاء.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ ﴾ : الألف صلة "وأن نفعل في أموالنا ما نشاء".

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴾ قال [بعضهم من] أهل التأويل: قالوا ذلك له؛ استهزاء به وسخرية، كنوا بالحليم عن السفيه، وبالرشيد [عن] الضال، أي: أنت السفيه [الضال]؛ حيث سفهت آباءنا في عبادتهم الأصنام، [الضال] حيث تركت ملتهم ومذهبهم.

وقال بعضهم: على النفي والإنكار، أي: ما أنت الحليم الرشيد.

ويشبه أن يكون على حقيقة الوصف له بالحلم والرشد؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذبا قط، ولا رأوه على خلاف و [لا على] سفاهة قط؛ فقالوا: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴾ ، أي: كنت هكذا؛ فكيف تركت ذلك، وهو ما قال قوم صالح لصالح حيث قالوا: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي ﴾ أي: على [علم و] بيان وحجج وبرهان من ربي، على ما ذكرنا فيما تقدم، أي: تعلمون أني كنت على بيان من ربي وحجج، ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ : [يحتمل هذا منه مكان ما قال أولئك الأنبياء: ﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ أي: قال شعيب: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ ] الدين والهدى، [و] النبوة على ما ذكر وأمكن أن يكون الرزق الحسن هو الأموال الحلال الطيبة التي لا تبعة عليه فيها فقال ذلك؛ وما رزق أولئك عليهم تبعة في ذلك؛ لأنهم اكتسبوها من وجه لا يحل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ من الناس من يقول: قال لهم ذلك بإزاء ما قالوا فيما ذكر في الأعراف: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا  ﴾ يقول: أأدعوكم إلى الإيمان بالله والتوحيد له، وأنهاكم عن الكفر به، ثم أرتكب ما أنهاكم عنه، وأترك ما أدعوكم إليه؟!

وقال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر [وأرتكبه]، وهو واحد ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ﴾ \[أي: ما أريد إلا الإصلاح لكم ما استطعت\]، وفيه دلالة [على] أن الاستطاعة تكون مع الفعل [لا غير]، أما أن يكون أراد: استطاعة الإرادة أو استطاعة الفعل، فكيفما كان، فقد أخبر أنه يريد لهم من الصلاح ما استطاع، فيه ما ذكرنا، وهو ينقض على المعتزلة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: الاستطاعة تتقدم [على] الفعل، وهي لا تبقى وقتين؛ فيصير على قولهم إرادة الصلاح لهم [في غير زمن] الاستطاعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ ﴾ ، قال بعضهم: التوفيق: هو صفة كل مطيع، والخذلان: هو صفة كل عاص.

وقال بعضهم: التوفيق: هو ما [يوفق بين فعله وقوله] في الطاعة، والخذلان ما يفرق بين قوله وفعله في المعصية.

وقال الحسين النجار: التوفيق: هو قدرة كل خير وطاعة، والخذلان: هو قدرة كل شر ومعصية.

وعندنا: التوفيق: هو أن يوفق بين عمل الخير والاستطاعة، والخذلان: هو أن يفرق بين عمل الخير والاستطاعة.

أو أن نقول: هو أن يوفق بين عمل الشر والاستطاعة، وهما واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أي: عليه اعتمدت في جميع أمري، وإليه توكلت، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ، أي: أرجع.

أو يقول: إليه أقبل بالطاعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ ﴾ \[بالغرق\] ﴿ أَوْ قَوْمَ هُودٍ ﴾ \[بالريح الصرصر\] ﴿ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ﴾ بالصيحة على ما ذكر.

قال بعضهم: ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يحملنكم ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ قيل: خلافي أن يصيبكم مثل ما أصاب أولئك.

وقال بعضهم قوله: [ ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يؤثمنكم ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ أي: عداوتي أن يصيبكم مثل ما أصاب أولئك.

وقيل:] ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ \[أي:\] لا يكسبنكم عداوتي.

وقال الحسن: ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ : ضراري.

لكن كله يرجع إلى معنى واحد؛ لأنه إذا ثبت العداوة، ثبت المخالفة والبغض والضرر، فكل ما ذكروا فهو واحد.

واصل الجرم: الإثم والذنب.

ثم يخرج إنذاره إياهم بمن هلك من الأمم على وجهين: أحدهما: أن قوم شعيب قوم لا يؤمنون بالبعث وبالقيامة، فأنذرهم بمن هلك من الأمم السالفة؛ لأنه لو كان ينذرهم بالبعث، لكان لا ينجح فيهم؛ لأنهم لا يؤمنون به.

والثاني: أنذرهم بأولئك؛ لأنهم كانوا يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان، ويتبعونهم، فيقول: إنكم تقلدون آباءكم وتتبعونهم في عبادة الأوثان فاتبعوهم - أيضاً - فيما بلغوا إليكم من هلاك أولئك بعبادتهم الأوثان، وتكذيبهم الرسل، فإذا قلدتموهم في العبادة [فهلا] تقلدونهم وتتبعونهم فيما أصابهم بم أصابهم؟

أو يقول: [لهم]: إنكم تقلدون آباءكم الذين عبدوا الأوثان وقد هلكوا، فهلا تقلدون من لم يعبد منهم ونجا وقد [عرفتم أن] من هلك منهم [بم] هلك؟

ومن نجا منهم [بم] نجا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ﴾ أي: إن نسيتم من مضى منهم، فلا تنسوا ما نزل بقوم لوط، وليسوا هم ببعيد منكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: اطلبوا من ربكم المغفرة؛ أي: اطلبوا السبب الذي يقع لكم المغفرة من ربكم، وهو التوحيد ﴿ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: ارجعوا إليه، ولا تعودوا إلى ما كنتم [من] قبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: ارجعوا إليه رجوعاً حتى لا تعودوا إلى مثل صنيكعم أبداً ﴿ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ﴾ يرحم من تاب إليه، والله يرحمه ﴿ وَدُودٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ودود: أي: حق أن يؤدّ؛ إذ منه كل شيء وكل إحسان، والناس جبلوا على حب من أحسن إليهم.

والثاني: ودود لمن توسل إليه وتقرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ ﴾ قوله: ﴿ مَا نَفْقَهُ ﴾ يحتمل: ما نفهم وما نعقل كثيراً مما تقول؛ كأنهم يقولون ذلك على الاستهزاء والهزء به؛ كأنهم نسبوه إلى الجنون؛ يقولون: لا نفهم ما تقول؛ لأن كلامك كلام مجانين.

وهذه هي عادة القوم؛ كانوا ينسبون الرسل إلى الجنون.

ويحتمل: ما نفقه: ما نقبل كثيراً مما تقول، فإن كان على الفهم فهو كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ وهم كانوا فريقين: فريق كانوا يقولون: قلوبنا أوعية للعلم؛ كقولهم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ  ﴾ فإن كان ما تقول حقّاً نفهم ونعقل كما نعقل غيره، وفريق قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ  ﴾ كانوا يعقلون أنهم لا يفهمون ولا يفقهون؛ لأن قلوبهم في أكنة وفي آذانهم وقر، والفريق الأول يقولون: إن قلوبنا أوعية للعلم، فلو كان حقّاً لعقلناه كما عقلنا غيره، فهؤلاء كانوا يصرفون العيب إلى الرسول، وأولئك إلى أنفسهم، فعلى ذلك قوم شعيب يحتمل أن يكون قولهم كذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أي: إنك لست من كبرائنا وأجلتنا، إنما أنت من أوساطنا، وعلى ذلك الأنبياء إنما بعثوا من أوساط الناس، لا من كبرائهم في أمر الدنيا، فالقوي والعزيز عند أولئك القوم من عنده الدنيا والمال، وأما من لم يكن عنده المال فهو عندهم ضعيف ذليل؛ لأنهم لا يعرفون الدين، ولا يؤمنون بالآخرة، لذلك قالوا ما قالوا.

والثاني: لست أنت بذي قوة وبطش في نفسك، وقد ذكر أنه كان ضعيفاً في بصره ونفسه.

ويحتمل وصفهم بالضعف لهذين الوجهين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ ﴾ أي: قبيلتك.

وقيل: عشيرتك ﴿ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ الرجم: يحتمل: القتل، ويحتمل: اللعن والشتم.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ ﴾ أي: لولا حرمة رهطك وإلا لرجمناك؛ كأنهم كانوا يحترمونه لموافقة رهطه إياهم في العبادة أعني عبادة الأوثان، وعلى ما هم عليه.

والثاني: لولا رهطك لرجمناك خوفاً منهم لما ذكر أنه كان كثير العشيرة، والقبيلة؛ كانوا يخافون عشيرته فلم يؤذوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ أي: ما أنت من أجلتنا وكبرائنا، إنما أنت من أوساطنا أو ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ أي: ما أنت من أجلتنا؛ لأن العزيز عندهم من كان عنده المال والدنيا، لا يعرفون [العز في غير] ذلك، ولم يكن عند شعيب الدنيا لذلك نسبوه إلى ما ذكر: أو أنت ذليل عندنا، لست بعزيز، فيكون صلة قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: يحتمل يا قوم، أرهطي أعظم حقّاً عليكم من الله وأكثر حرمة حتى تركتم ما أوعدتموني من النقمة لحقهم وحرمتهم؟!

والثاني: قوله: ﴿ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم ﴾ أي: رهطي أشد خوفاً عليكم وأكثر نكاية من الله؛ لأنا قلنا في قوله: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ أنه يخرج على وجهين: أحدهما: الاحترام لرهطه لموافقتهم إياهم في جميع ما هم عليه، والمساعدة لهم.

والثاني: على الخوف والنكاية لقوتهم، وكثرتهم، وفضل بطشهم تركوا ما وعدوا له خوفاً من رهطه، فقال: خوفكم من رهطي أشد وأكثر عليكم من الخوف من الله، وقد بلغكم من نكاية الله ونقمته فيما حل بالأمم الماضية.

أو حرمة رهطي عندكم وحقهم أعظم من حق الله وحرمته، وقد تعلمون إحسانه إليكم وإنعامه عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ قال بعضهم: [قوله]: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ أي: حملتموه على ظهركم وحملهم إياه على ظهرهم إسخاطهم إياه، قال: تقول: العرب: فلان حمل الناس على ظهره: أي: أسخطهم على نفسه.

ولكن لا ندري أيقال هذا أم لا.

فإن قيل هذا فهو يحتمل ما قال، وهو قول أبي بكر الأصم.

وقال غيره من أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ أي: نبذتم الله وراء ظهركم، أي: نبذتم حق الله وأمره وكتابه الذي أنزله إليكم وراء ظهركم، لا تعملون به، ولا تكترثون إليه، هو كالمنبوذ وراء ظهركم؛ هذا على التمثيل أي: جعلوا أمر الله ودينه الذي دعوا إليه كالمنبوذ وراء ظهرهم، لا يعملون به ولا ينظرون إليه، ولا يكترثون وهو ما ذكر في قوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ  ﴾ على التمثيل، أي: الذي أنتم عليه في القبح كالانقلاب على الأعقاب ﴿ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين - أيضاً -: أي: إن ربي بما تعملون من الأعمال الخبيثة محيط فيجزيكم بها، أو يقول: إن ربي بما تعملون من الكيد برسول الله والمكر به محيط فينصره عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن كونوا على دينكم الذي أنتم عليه، وأنا أكون على ديني؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ لأن قوم شعيب قالوا لشعيب: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا  ﴾ فقال لهم [هذا] عند ذلك، وهذا إنما يقال عند الإياس عن إيمانهم، كقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ  ﴾ وأمثاله.

والثاني: قوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ ﴾ أي اعملوا في كيدي، والمكر في هلاكي، إني عامل ذلك بكم، وهو كما قال غيره من الرسل: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ وقوله: ﴿ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ في العاقبة وعيد من يأتيه عذاب يخزيه، أو سوف تعلمون في العاقبة من يأتيه منا عذاب يخزيه نحن أو أنتم ومن هو كاذب، وتعلمون - [أيضاً - في العاقبة] من الكاذب منا نحن أو أنتم؛ لأن كل واحد من الفريقين يدعي على الفريق الآخر الكذب والافتراء على الله، فيقول: سوف تعلمون في العاقبة [من] الكاذب منَّا والمفتري على الله، والصادق عليه ﴿ وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ أي: ارتقبوا هلاكي، وأنا أرتقب هلاككم، أو ارتقبوا لمن العاقبة منا لنا أو لكم إني معكم رقيب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ هذا قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ ﴾ قيل: الصيحة صيحة جبريل؛ أي: هلكوا بصيحته.

وقال بعضهم: الصيحة: اسم كل عذاب، وكذلك الرجفة؛ سمي العذاب بأسماء مختلفة: مرة صاعقة ، ومرة صيحة، ومرة رجفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ هذا - أيضاً - قد ذكرناه فيما تقدم.

قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ ﴾ في الهلاك ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ : كما أهلكت ثمود؛ لأن كل واحد منهما هلك بالصيحة فمن ثم اختص ذكر ثمود من بين الأمم.

وعن ابن عباس -  -: لم يعذب بعذاب واحد إلا قوم شعيب وصالح؛ فأمّا قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب من فوقهم.

قال: فنشأت لهم سحابة فيها عذابهم، فلم يعلموا كهيئة الظلة فيها ريح، فلما رأوها أتوها يستظلون تحتها من حر الشمس، فسال عليهم العذاب من فوقهم، فذلك قوله: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ ﴾ من رحمة الله ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ من رحمته.

ويحتمل الهلاك الذي ذكرناه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال شعيب لقومه: يا قوم، أعشيرتي أكرم عندكم وأعز من الله ربكم؟!

وتركتم الله وراءكم منبوذًا حين لم تؤمنوا بنبيه الَّذي بعثه إليكم، إن ربي بما تعملون محيط، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها في الدنيا بالإهلاك، وفي الآخرة بالعذاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.JjGPm"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.5 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده