الآية ٩٧ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٩٧ من سورة هود

إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍۢ ٩٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 54 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٧ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٧ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

إلى فرعون لعنه الله ، وهو ملك ديار مصر على أمة القبط ، ( فاتبعوا أمر فرعون ) أي : مسلكه ومنهجه وطريقته في الغي والضلال ، ( وما أمر فرعون برشيد ) أي : ليس فيه رشد ولا هدى ، وإنما هو جهل وضلال ، وكفر وعناد ، وكما أنهم اتبعوه في الدنيا ، وكان مقدمهم ورئيسهم ، كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم ، فأوردهم إياها ، وشربوا من حياض رداها ، وله في ذلك الحظ الأوفر ، من العذاب الأكبر ، كما قال تعالى : ( فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا ) [ المزمل : 16 ] ، وقال تعالى : ( فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) [ النازعات : 21 - 26 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

(إلى فرعون وملئه) ، يعني إلى أشراف جنده وتُبَّاعه (25) ، (فاتبعوا أمر فرعون) ، يقول: فكذب فرعون وملأه موسى، وجحدوا وحدانية الله، وأبوا قبول ما أتاهم به موسى من عند الله، واتبع ملأ فرعون أمرَ فرعون دون أمر الله، وأطاعوه في تكذيب موسى ، وردّ ما جاءهم به من عند الله عليه ، يقول تعالى ذكره: (وما أمر فرعون برشيد) يعني: أنه لا يُرشد أمر فرعون من قَبِله منه، في تكذيب موسى، إلى خير، (26) ولا يهديه إلى صلاح، بل يورده نار جهنم.

(27) ------------------------ الهوامش: (24) انظر تفسير " السلطان " فيما سلف ص : 146 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " مبين " فيمل سلف من فهارس اللغة ( بين ) .

(25) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص : 310، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(26) في المطبوعة حذف قوله : " منه " ، فأفسد الكلام إفسادًا .

(27) انظر تفسير " رشيد " فيما سلف ص : 450 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَأي شأنه وحاله , حتى اتخذوه إلها , وخالفوا أمر الله تعالى .وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍأي بسديد يؤدي إلى صواب : وقيل : " برشيد " أي بمرشد إلى خير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ْ} أي: أشراف قومه لأنهم المتبوعون، وغيرهم تبع لهم، فلم ينقادوا لما مع موسى من الآيات، التي أراهم إياها، كما تقدم بسطها في سورة الأعرف، ولكنهم { فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ْ} بل هو ضال غاو، لا يأمر إلا بما هو ضرر محض، .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد ) بسديد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إلى فرعون وَمَلئِهِ فاتبعوا أمر فرعون وما أمرُ فرعون برشيد» سديد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أرسلنا موسى إلى فرعون وأكابر أتباعه وأشراف قومه، فكفر فرعون وأمر قومه أن يتبعوه، فأطاعوه، وخالفوا أمر موسى، وليس في أمر فرعون رشد ولا هدى، وإنما هو جهل وضلال وكفر وعناد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وخصهم بالذكر مع فرعون ، لأنهم هم الذين كانوا ينفذون أوامره ، ويعاونونه على فساده والضمير فى قوله ( فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ) يعود إلى الملأ .أى : فاتبعوا أمره فى كل ما قرره من كفر ، وفى كل ما أشار به من فساد .وفى هذه الجملة الكريمة - كما يقول الزمخشرى - تجهيل لهم ، حيث شايعوه على أمره ، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل ، وذلك أنه ادعى الألوهية وهو بشر مثلهم ، وجاهر بالعسف والظلم والشر الذى لا يأتى إلا من شيطان ما رد ، فاتبعوه وسلموا له دعواه ، وتتابعوا على طاعته .وقال - سبحانه - ( فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ) ولم يقل فاتبعوا أمره ، للتشهير به ، والإِعلان عن ذمة الذى صرح به فى قوله - سبحانه - ( وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) .والرشيد بزنة - فعيل - رشد من باب نصر وفتح : هو الشخص المتصف بإصابة الرأى ، وجودة التفكير ، وأضيف الرشد إلى الأمر على سبيل المجاز ، مبالغة فى اشتمال أمر فرعون على ما يناقض الرشد والسداد ، ويطابق الغى والفساد .أى : ما شأن فرعون وأمره بذى رشد وهدى ، بل هو محض الغى والضلال ، فكان من الواجب على ملئه أن ينبذوه ويهملوه ، بدل أن يطيعوه ويتبعوه .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن هذه هي القصة السابعة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة وهي آخر القصص من هذه السورة، أما قوله: ﴿ بآياتنا وسلطان مُّبِينٍ ﴾ ففيه وجوه: الأول: أن المراد من الآيات التوراة مع ما فيها من الشرائع والأحكام، ومن السلطان المبين المعجزات القاهرة الباهرة والتقدير: ولقد أرسلنا موسى بشرائع وأحكام وتكاليف وأيدناه بمعجزات قاهرة وبينات باهرة الثاني: أن الآيات هي المعجزات والبينات وهو كقوله: ﴿ إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بهذا  ﴾ وقوله: ﴿ مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سلطان  ﴾ وعلى هذا التقدير ففي الآية وجهان: الأول: أن هذه الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته.

الثاني: أن يراد بالسلطان المبين العصا، لأنه أشهرها وذلك لأنه تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات، وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص من الثمرات والأنفس.

ومنهم من أبدل نقص الثمرات والأنفس بإظلال الجبل وفلق البحر، واختلفوا في أن الحجة لم سميت بالسلطان.

فقال بعض المحققين: لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه عند النظر كما يقهر السلطان غيره، فلهذا توصف الحجة بأنها سلطان، وقال الزجاج: السلطان هو الحجة والسلطان سمي سلطاناً لأنه حجة الله في أرضه واشتقاقه من السليط والسليط ما يضاء به ومن هذا قيل للزيت السليط وفيه قول ثالث: وهو أن السلطان مشتق من التسليط، والعلماء سلاطين بسبب كمالهم في القوة العلمية والملوك سلاطين بسبب ما معهم من القدرة والمكنة، إلا أن سلطنة العلماء أكمل وأقوى من سلطنة الملوك، لأن سلطنة العلماء لا تقبل النسخ والعزل وسلطنة الملوك تقبلهما ولأن سلطنة الملوك تابعة لسلطنة العلماء وسلطنة العلماء من جنس سلطنة الأنبياء وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة.

فإن قيل: إذا حملتم الآيات المذكورة في قوله: ﴿ بئاياتنا ﴾ على المعجزات والسلطان أيضاً على الدلائل والمبين أيضاً معناه كونه سبباً للظهور فما الفرق بين هذه المراتب الثلاثة؟

قلنا: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظن، وبين الدلائل التي تفيد اليقين وأما السلطان فهو اسم لما يفيد القطع واليقين، إلا أنه اسم للقدر المشترك بين الدلائل التي تؤكد بالحس، وبين الدلائل التي لم تتأكد بالحس، وأما الدليل القاطع الذي تأكد بالحس فهو السلطان المبين، ولما كانت معجزات موسى عليه السلام هكذا لا جرم وصفها الله بأنها سلطان مبين.

ثم قال: ﴿ إلى فِرْعَوْنَ وملائه ﴾ يعني وأرسلنا موسى بآياتنا بمثل هذه الآيات إلى فرعون وملائه، أي جماعته.

ثم قال: ﴿ فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ﴾ ويحتمل أن يكون المراد أمره إياهم بالكفر بموسى ومعجزاته ويحتمل أن يكون المراد من الأمر الطريق والشأن.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ أي بمرشد إلى خير، وقيل رشيد أي ذي رشد.

واعلم أن بعد طريق فرعون من الرشد كان ظاهراً لأنه كان دهرياً نافياً للصانع والمعاد وكان يقول: لا إله للعالم وإنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم وعبوديته رعاية لمصلحة العالم وأنكر أن يكون الرشد في عبادة الله ومعرفته فلما كان هو نافياً لهذين الأمرين كان خالياً عن الرشد بالكلية، ثم إنه تعالى ذكر صفته وصفة قومه فقال: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: من حيث اللغة يقال: قدم فلان فلاناً بمعنى تقدمه، ومنه قادمة الرجل كما يقال قدمه بمعنى تقدمه، ومنه مقدمة الجيش.

والبحث الثاني: من حيث المعنى وهو أن فرعون كان قدوة لقومه في الضلال حال ما كانوا في الدنيا وكذلك مقدمهم إلى النار وهم يتبعونه، أو يقال كما تقدم قومه في الدنيا فأدخلهم في البحر وأغرقهم فكذلك يتقدمهم يوم القيامة فيدخلهم النار ويحرقهم، ويجوز أيضاً أن يريد بقوله: ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ أي وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ تفسيراً لذلك، وأيضاحاً له، أي كيف يكون أمره رشيداً مع أن عاقبته هكذا.

فإن قيل: لم لم يقل: يقدم قومه فيوردهم النار؟

بل قال: يقدم قومه فأوردهم النار بلفظ الماضي.

قلنا: لأن الماضي قد وقع ودخل في الوجود فلا سبيل ألبتة إلى دفعه، فإذا عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل على غاية المبالغة، ثم قال: ﴿ وَبِئْسَ الورد المورود ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: لفظ النار مؤنث، فكان ينبغي أن يقال: وبئست الورد المورود إلا أن لفظ الورد مذكر، فكان التذكير والتأنيث جائزين كما تقول: نعم المنزل دارك، ونعمت المنزل دارك، فمن ذكر غلب المنزل ومن أنث بنى على تأنيث الدار هكذا قاله الواحدي.

البحث الثاني: الورد قد يكون بمعنى الورود فيكون مصدراً وقد يكون بمعنى الوارد.

قال تعالى: ﴿ وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً  ﴾ وقد يكون بمعنى المورود عليه كالماء الذي يورد عليه.

قال صاحب الكشاف: الورد المورود الذي حصل وروده.

فشبه الله تعالى فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء وشبه أتباعه بالواردين إلى الماء، ثم قال بئس الورد الذي يوردونه النار، لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنار ضده.

ثم قال: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هذه لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة ﴾ والمعنى أنهم أتبعوا في هذه الدنيا لعنة وفي يوم القيامة أيضاً، ومعناه أن اللعن من الله ومن الملائكة والأنبياء ملتصق بهم في الدنيا وفي الآخرة لا يزول عنهم، ونظيره قوله في سورة القصص: ﴿ وأتبعناهم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة هُمْ مّنَ المقبوحين  ﴾ .

ثم قال: ﴿ بِئْسَ الرفد المرفود ﴾ والرفد هو العطية وأصله الذي يعين على المطلوب سأل نافع بن الأزرق ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله: ﴿ بِئْسَ الرفد المرفود ﴾ قال هو اللعنة بعد اللعنة.

قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان من الله تعالى لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة وكل شيء جعلته عوناً لشيء فقد رفدته به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بآياتنا وسلطان مُّبِينٍ ﴾ فيه وجهان: أن يراد أنّ هذه الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوّته، وأن يراد بالسلطان المبين: العصا؛ لأنها أبهرها ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ تجهيل لمتبعيه حيث شايعوه على أمره، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل، وذلك أنه ادّعى الإلهية وهو بشر مثلهم، وجاهر بالعسف والظلم والشر الذي لا يأتي إلا من شيطان مارد، ومثله بمعزل من الإلهية ذاتاً وأفعالاً، فاتبعوه وسلموا له دعواه، وتتابعوا على طاعته.

والأمر الرشيد: الذي فيه رشد أي: وما في أمره رشد إنما هو غيّ صريح وضلال ظاهر مكشوف، وإنما يتبع العقلاء من يرشدهم ويهديهم، لا من يضلهم ويغويهم.

وفيه أنهم عاينوا الآيات والسلطان المبين في أمر موسى عليه السلام، وعلموا أن معه الرشد والحق، ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في أمره رشد قط ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ أي كما كان قدوة لهم في الضلال كذلك يتقدّمهم إلى النار وهم يتبعونه.

ويجوز أن يريد بقوله: ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ وما أمره بصالح حميد العاقبة.

ويكون قوله: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ تفسيراً لذلك وإيضاحاً.

أيّ: كيف يرشد أمر من هذه عاقبته.

والرشد مستعمل في كل ما يحمد ويرتضى، كما استعمل الغيّ في كل ما يذم ويتسخط.

ويقال: قدمه بمعنى تقدّمه.

ومنه: قادمة الرحل، كما يقال: قدمه بمعنى تقدّمه، ومنه مقدّمة الجيش.

وأقدم بمعنى تقدّم.

ومنه مقدّم العين.

فإن قلت: هلا قيل: يقدم قومه فيوردهم؟

ولم جيء بلفظ الماضي؟

قلت: لأن الماضي يدل على أمر موجود مقطوع به، فكأنه قيل: يقدّمهم فيوردهم النار لا محالة.

و ﴿ الورد ﴾ المورود.

و ﴿ المورود ﴾ الذي وردوه شبه بالفارط الذي يتقدّم الواردة إلى الماء.

وشبه أتباعه بالواردة، ثم قيل: بئس الورد الذي يردونه النار؛ لأنّ الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنار ضدّه ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هذه ﴾ في هذه الدنيا ﴿ لَّعْنَةُ ﴾ أي يلعنون في الدنيا، ويلعنون في الآخرة ﴿ بِئْسَ الرفد المرفود ﴾ رفدهم.

أي: بئس العون المعان.

وذلك أنّ اللعنة في الدنيا رفد للعذاب ومدد له، وقد رفدت باللعنة في الآخرة، وقيل: بئس العطاء المعطى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ﴾ بِالتَّوْراةِ أوِ المُعْجِزاتِ.

﴿ وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ وهو المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ أوِ العَصا، وإفْرادُها بِالذِّكْرِ لِأنَّها أبْهَرُها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْناهُ بِالجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِنا وسُلْطانًا لَهُ عَلى نُبُوَّتِهِ واضِحًا في نَفْسِهِ أوْ مُوَضِّحًا إيّاها، فَإنَّ أبانَ جاءَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ الأمارَةَ، والدَّلِيلَ القاطِعَ والسُّلْطانَ يُخَصُّ بِالقاطِعِ والمُبِينَ يُخَصُّ بِما فِيهِ جَلاءٌ.

﴿ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ ﴾ فاتَّبَعُوا أمْرَهُ بِالكُفْرِ بِمُوسى أوْ فَما تَبِعُوا مُوسى الهادِي إلى الحَقِّ المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الباهِرَةِ، واتَّبَعُوا طَرِيقَةَ فِرْعَوْنَ المُنْهَمِكِ في الضَّلالِ والطُّغْيانِ الدّاعِي إلى ما لا يَخْفى فَسادُهُ عَلى مَن لَهُ أدْنى مِسْكَةٍ مِنَ العَقْلِ لِفَرْطِ جَهالَتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِبْصارِهِمْ.

﴿ وَما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ مُرْشِدٍ أوْ ذِي رُشْدٍ، وإنَّما هو غَيٌّ مَحْضٌ وضَلالٌ صَرِيحٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)

{إلى فرعون وملئه فاتبعوا} أي الملأ {أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} هو تجهيل لمتبعيه حيث تابعوه إلى أمره وهو ضلال مبين وذلك أنه ادعى الألوهية وهو بشر مثلهم وجاهز بالظلم والشر الذي لا يأتي إلا من شيطان ومثله بمعزل عن الألوهية وفيه أنهم عاينوا الآيات والسلطان المبين وعلموا أن مع موسى الرشد والحق ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في أمره رشد قط أو المراد وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ ﴾ فَإنَّ نُزُولَها إنَّما كانَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ قاطِبَةً لِيَعْمَلَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، وأمّا فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ فَإنَّما كانُوا مَأْمُورِينَ بِعِبادَةِ رَبِّ العالَمِينَ وتَرْكِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ الَّتِي كانَ يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ وتَقْبَلُها مِنهُ فِئَةُ الباغِيَةِ وبِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في عَدِّ النَّقْصِ مِنَ الثَّمَراتِ والنَّقْصِ مِنَ الأنْفُسِ آيَةً واحِدَةً مِنَ الآياتِ التِّسْعِ، وعَدِّ إظْلالِ الجَبَلِ مِنها لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِقَبُولِ التَّوْراةِ حِينَ أباهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَهو مُتَأخِّرٌ أيْضًا ضَرُورَةً، ومِثْلُ ذَلِكَ عُدَّ فَلْقُ البَحْرِ وإظْلالُ الغَمامِ بَدَلَهُما لِأنَّ هَذا الإظْلالَ أيْضًا مُتَأخِّرٌ عَنْ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

وأجابَ بَعْضُ الأفاضِلِ عَنْ الِاعْتِراضِ عَلى جَعْلِ التَّوْراةِ مِنَ الآياتِ بِأنَّ التَّصْحِيحَ مُمْكِنٌ، أمّا أوَّلًا فَبِما صَرَّحُوا بِهِ مِن جَوازِ إرْجاعِ الضَّمِيرِ وتَعَلُّقِ الجارِّ ونَحْوِهِ بِالمُطْلَقِ الَّذِي في ضِمْنِ المُقَيَّدِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( إلى فِرْعَوْنَ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالإرْسالِ المُطْلَقِ لا المُقَيَّدِ بِكَوْنِهِ بِالتَّوْراةِ، وأمّا ثانِيًا فَبِأنْ يُقالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أرْسَلَ إلى الفَراعِنَةِ أرْسَلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ عَلى ما يَشْمَلُهم فَيَجِيءُ الكَلامُ عَلى التَّوْزِيعِ عَلى مَعْنى أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وإلى مَلائِهِ بِالتَّوْراةِ فَيَكُونُ لَفًّا ونَشْرًا غَيْرَ مُرَتَّبٍ، ويُقالُ نَحْوُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ عَدِّ إظْلالِ الجَبَلِ أوِ الغَمامِ مِنَ الآياتِ، وفي مَجْمُوعَةِ سَرِيِّ الدِّينِ المِصْرِيِّ أنَّ هَذا السُّؤالَ مِمّا أوْرَدَ الحافِظُ الطّاشَكَنْدِيُّ عَلى مَخْدُومِ المَلِكِ فَأجابَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( بِآياتِنا ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ مُقَدِّرِينَ تَلَبُّسَهُ أوْ نُصْرَتَهُ بِالآياتِ والسُّلْطانِ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَلا يَقْدَحُ فِيهِ ظُهُورُ بَعْضِها بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ كالتَّوْراةِ، وانْفِجارِ الماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وبِأنَّهُ قِيلَ: إنَّ إعْطاءَ التَّوْراةِ مَجْمُوعًا مُرَتَّبًا مَكْتُوبًا في الألْواحِ بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ، وأوْحى بِها إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في حَياةِ فِرْعَوْنَ وكانَ يَأْمُرُ بِها قَوْمَهُ ويُبَلِّغُها إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، ويُؤَيِّدُهُ ما قِيلَ: إنَّ بَعْضَ الألْواحِ كانَ مُنَزَّلًا قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ بِتَمامِها وكانَتْ تِلْكَ الألْواحُ مِن خَشَبٍ والألْواحُ الَّتِي كانَتْ فِيها التَّوْراةُ بِتَمامِها كانَتْ مِن زُمُرَّدٍ أوْ مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ أوْ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ الذَّهابَ إلى كَوْنِ الحالِ مُقَدَّرَةً مِمّا لا يَكادُ يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، وما حَكى مِن أنَّ إعْطاءَ التَّوْراةِ مَجْمُوعًا كانَ بَعْدُ، والإيحاءُ بِها كانَ قَبْلُ إلَخْ..

مِمّا لا مُسْتَنَدَ لَهُ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا مِن حَدِيثِ التَّعَلُّقِ بِالمُطْلَقِ وثانِيًا مِن حَمْلِ (المَلَأِ) عَلى ما يَشْمَلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلَخْ..

مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُنَزِّهَ ساحَةَ التَّنْزِيلِ عَنْهُ، وكَيْفَ يَحْمِلُ -المَلَأ- عَلى ما يَشْمَلُ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ الإضافَةِ إلَيْهِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ، ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِنَ القَوْلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ، وقِيلَ: لَوْ جَعَلَ ( إلى فِرْعَوْنَ ) مُتَعَلِّقًا ( بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) لَفْظًا أوْ مَعْنًى عَلى تَقْدِيرِ وسُلْطانٍ مُرْسَلٍ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ لَمْ يَبْعُدْ مَعَ المُناسَبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ السُّلْطانِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ.

وتَخْصِيصُ -المَلَأِ- بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْقَوْمِ كافَّةً لِأصالَتِهِمْ في الرَّأْيِ وتَدْبِيرِ الأُمُورِ واتِّباعِ الغَيْرِ لَهم في الوُرُودِ والصُّدُورِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِكُفْرِ فِرْعَوْنَ بِالآياتِ وانْهِماكِهِ فِيما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ والإضْلالِ بَلِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ شَأْنِ مَلَئِهِ فَقِيلَ: ﴿ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ أمْرَهُ بِالكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحَقِّ لِلْإيذانِ بِوُضُوحِ حالِهِ فَكَأنَّ كُفْرَهُ وأمْرُ مَلَئِهِ بِذَلِكَ مُتَحَقِّقُ الوُجُودِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الذِّكْرِ صَرِيحًا، وإنَّما المُحْتاجُ إلى ذَلِكَ شَأْنُ مَلَئِهِ المُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ هادٍ إلى الحَقِّ -وهُوَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ- وداعٍ إلى الضَّلالِ -وهُوَ فِرْعَوْنُ- فَنَعى عَلَيْهِمْ سُوءَ اخْتِيارِهُمْ، وإيرادُ الفاءِ لِلْإشْعارِ بِمُفاجَأتِهِمْ في الاتِّباعِ ومُسارَعَةِ فِرْعَوْنَ إلى الكُفْرِ والأمْرِ بِهِ، فَكَأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَراخَ عَنِ الإرْسالِ والتَّبْلِيغِ.

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الأمْرِ الطَّرِيقَةُ والشَّأْنُ، قِيلَ: ومَعْنى ( فاتَّبَعُوا ) فاسْتَمَرُّوا عَلى الاتِّباعِ، والفاءُ مِثْلُ ما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ وزَجَرْتُهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، فَإنَّ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فاتَّصَفُوا بِما اتَّصَفَ بِهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّكْذِيبُ لَهُ ووافَقُوهُ في ذَلِكَ، وإيرادُ الفاءِ لِلْإشْعارِ بِمُفاجَأتِهِمْ في المُوافَقَةِ لِفِرْعَوْنَ في الكُفْرِ ومُسارَعَتِهِ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ حِينَ حَصَلَ الإرْسالُ والتَّبْلِيغُ حَصَلَ كُفْرُ فِرْعَوْنَ بِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ووَقَعَ عَلى أثَرِهِ المُوافَقَةُ مِنهُمْ، ولا تَتَوَهَّمْنَ أنَّ هَذِهِ المُوافَقَةَ كانَتْ حاصِلَةً لَهم قَبْلُ لِأنَّها تَتَوَقَّفُ عَلى اتِّصافِ فِرْعَوْنَ بِالكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ إنَّما تَجَدَّدَ لَهُ بَعْدَ الإرْسالِ والتَّبْلِيغِ فَلا ضَرُورَةَ إلى الحَمْلِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وجَعْلُ الفاءِ كَما في قَوْلِكَ: زَجَرْتُهُ فانْزَجَرَ فَتَأمَّلْ.

وعَدَلَ عَنْ أمْرِهِ إلى أمْرِ فِرْعَوْنَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِ المُتَّبِعِينَ فَإنَّ فِرْعَوْنَ عَلَمٌ في الفَسادِ والإفْسادِ والضَّلالِ والإضْلالِ، فاتِّباعُهُ لِفَرْطِ الجَهالَةِ وعَدَمِ الِاسْتِبْصارِ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ أيْ بِراشِدٍ أوْ بِذِي رُشْدٍ، والرُّشْدُ ضِدُّ الغَيِّ وإسْنادُهُ إلى الأمْرِ مَجازِيٌّ وكَأنَّ في العُدُولِ عَنْ وأمْرُ فِرْعَوْنَ غَيٌّ وضَلالٌ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ زِيادَةً في تَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ وتَحْسِيرًا لَهم عَلى فَواتِ ما فِيهِ صَلاحُ الدّارَيْنِ أعْنِي الرُّشْدَ.

ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الرُّشْدُ كِنايَةً عَنِ المَحْمُودِيَّةِ والإسْنادُ حَقِيقِيٌّ أيْ -وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِصالِحٍ حَمِيدِ العاقِبَةِ- <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا التسع، وَسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني: حجة بيّنة، إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يعني: قومه، فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ يعني: أطاعوا قول فرعون وقومه.

وطاعتهم حين قال: مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرى [غافر: 29] فأطاعوه في ذلك حين قال لهم: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [القصص: 38] ، فأطاعوه وتركوا أمر موسى  .

قال الله تعالى: وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يعني: ما قول فرعون بصواب.

قوله تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ يقول: يتقدم أمام قومه يوم القيامة وهم خلفه، كما كانوا يتبعونه في الدنيا، ويقودهم إلي النار، فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ يقول: أدخلهم النار، وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ يقول: بئس المدخل المدخول، يعني: بئس المصير الذي صاروا إليه.

قوله تعالى: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً يعني: جعل عليهم اللعنة في الدنيا، وهو الغرق، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لعنة أُخرى وهي النار، بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ يعني: اللعنة على أثر اللعنة، ومعناه: بئس الغرق وزفرة النار، ترادفت عليهم اللعنتان: لعنة الدنيا الغرق، ولعنة الآخرة النار.

وقال القتبي: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ يعني: بئس العطاء المعطى، يقال: رفدته أي: أعطيته، وقال الزجاج: كل شيء جعلته عوناً لشيء، وأسندت به شيئاً فقد رفدته.

وقال قتادة في قوله: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يعني يمضي بين أيديهم، حتى يهجم بهم على النار.

وفي قوله: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ قال: وزيدوا بها اللعنة في الآخرة، على اللعنة في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ظَهْرِكَ، ودَبْرَ أُذْنِكَ، وعلى هذا المعنَى حمل الجمهورُ الآية، أي: اتخذتم أمْرَ اللَّه وشَرْعَه وراء ظُهُوركم، أي: غَيْرَ مراعًى، وإِما بأَنْ يستند إِليه ويلجأ كما قال عليه السلام:

«وألجأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ» «١» وعلى هذا المعنَى حمل الآية قَوْمٌ: أي: وأنتم تتَّخذون اللَّه سَنَدَ ظُهُورِكُمْ وعِمَادَ آمالكم.

وقوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ معناه: على حالاتكم، وفيه تهديدٌ.

وقوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ: والصحيحُ: أَن الوقْفَ في قوله: إِنِّي عامِلٌ.

وقوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ...

الآية: الصَّيْحَةُ: هي صيحة/ جبريل عليه السلام.

كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)

وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ...

الآية: يَغْنَوْا: معناه: يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير «فيها» عائد على الديار.

وقوله: بُعْداً: مصدرٌ دعا به كقولك: سُحْقاً للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ:

سَلامٌ عَلَيْكُمْ [النحل: ٣٢] لأن بُعْداً إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة: «بَعِدَتْ» - بكسر العين-: الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور»

ومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ: [الكامل]

لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ...

سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ «٣»

ومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ: [الطويل]

يَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي ...

وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَا «١»

وأما من قرأ: «بَعُدَتْ» ، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ «٢» فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ.

قال ص: وقال ابْنُ الأنباريِّ: من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما: بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ: أي: وخالفوا أمْرَ موسَى، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، أي: بمرشِدٍ إِلى خير.

وقال ع «٣» : بِرَشِيدٍ: أي: بمصيب في مَذْهَبِهِ يَقْدُمُ قَوْمَهُ: أي: يقدمهم إلى النار، والْوِرْدُ، في هذه الآية: هو ورودُ دُخُولٍ.

قال ص: والْوِرْدُ: فاعل «بئس» ، والْمَوْرُودُ: المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ: مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ.

وجوَّز ع «٤» : وأبو البقاءِ أنْ يكونُ «المَوْرُود» صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي: بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، و «الوِرْد» : يجوز أنْ يكون مصْدراً بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل: الوِرْد: بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود: صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي: بئس القوم المَوْرُود بهم هُمْ، انتهى.

وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً: يريد: دارَ الدنيا.

وقوله: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ أي: بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذاب، والرّفد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: بِعَلاماتِنا الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

﴿ وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ ﴾ وهو ما أمَرَهم بِهِ مِن عِبادَتِهِ واتِّخاذِهِ إلَهًا.

﴿ وَما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ أيْ: مُرْشِدٍ إلى خَيْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرَ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأورَدَهُمُ النارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ ﴾ ﴿ وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ ﴾ ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ ﴾ الآياتُ: العَلاماتُ، و السُلْطانُ: البُرْهانُ والبَيانُ في الحُجَّةِ، قِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ السَلِيطِ الَّذِي يُسْتَضاءُ بِهِ، وقِيلَ: مِن أنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلى كُلِّ مُناوٍ ومُخاصِمٍ، والمَلَأُ: الجَمْعُ مِنَ الرِجالِ، والمَعْنى: أرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ لِيُؤْمِنُوا بِاللهِ تَعالى فَصَدَّهم فِرْعَوْنُ فاتَّبَعُوا أمْرَهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا وكَفَرُوا.

ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَيْسَ بِرَشِيدٍ، أيْ: لَيْسَ بِمُصِيبٍ في مَذْهَبِهِ ولا مُفارِقٍ لِلسَّفاهَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ الآيَةَ.

أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عن فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ قَوْمِهِ المُغْرَقِينَ مَعَهُ وهو يَقْدُمُهم إلى النارِ، وأُوقِعَ الفِعْلُ الماضِيَ في "فَأورَدَهُمُ" مَوْقِعَ المُسْتَقْبَلِ لِوُضُوحِ الأمْرِ وارْتِفاعِ الإشْكالِ عنهُ، ووَجْهُ الفَصاحَةِ مِنَ العَرَبِ في أنَّها تَضَعُ أحْيانًا الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ أنَّ الماضِيَ أدَلُّ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ وحُصُولِهِ.

و "الوُرُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ هو وُرُودُ الدُخُولِ، ولَيْسَ بِوُرُودِ الإشْرافِ عَلى الشَيْءِ والإشْفاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ  ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فِي القُرْآنِ أرْبَعَةٌ: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا  ﴾ وهَذِهِ في مَرْيَمَ، وفي الأنْبِياءِ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ  ﴾ .

قالَ: وهي كُلُّها وُرْدُ دُخُولٍ، ثُمَّ يُنْجِي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا.

و"المَوْرُودُ" صِفَةٌ لِمَكانِ "الوِرْدِ" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وبِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودِ.

وقِيلَ: "المَوْرُودُ" ابْتِداءٌ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ.

والمَعْنى: المَوْرُودُ بِئْسَ الوِرْدُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي هَذِهِ ﴾ يُرِيدُ دارَ الدُنْيا، و "اللَعْنَةُ": إبْعادُهم بِالغَرَقِ والِاسْتِئْصالِ وقَبِيحِ الذَكْرِ غابِرَ الدَهْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ: يُلْعَنُونَ أيْضًا بِدُخُولِهِمْ في جَهَنَّمَ، قالَ مُجاهِدٌ: "فَلَهم لَعْنَتانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُنْيا لَعْنَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ، فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا، وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا".

وقَوْلُهُ: ﴿ بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ ﴾ أيْ: بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى لَهُمْ، والرِفْدُ في كَلامِ العَرَبِ: العَطِيَّةُ، وسُمِّي العَذابُ هُنا رِفْدًا لِأنَّ هَذا هو الَّذِي حَلَّ مَحَلَّ الرِفْدِ، وهَذا كَما تَقُولُ: يا فُلانُ لَمْ يَكُنْ خَيْرُكَ إلّا أنْ تَضْرِبَنِي، أيْ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي حَلَّ مَحَلَّ الخَيْرِ مِنكَ.

والإرْفادُ: المَعُونَةُ، ومِنهُ رِفادَةُ قُرَيْشٍ، مَعُونَتُهم لِفُقَراءِ الحَجِّ بِالطَعامِ الَّذِي كانُوا يُطْعِمُونَهُ في المَوْسِمِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى ﴾ الآيَةَ.

"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ العُقُوباتِ النازِلَةِ بِالأُمَمِ المَذْكُورَةِ، و الأنْباءُ: الأخْبارُ، و ﴿ القُرى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها القُرى الَّتِي ذُكِرَتْ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ القُرى عامَّةً، أيْ: هَذِهِ الأنْباءُ المَقْصُوصَةُ عَلَيْكَ هي عَوائِدُ المُدُنِ إذا كَفَرَتْ، فَيَدْخُلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- فِيها المُدُنُ المُعاصِرَةُ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ ﴾ مِنها عامِرٌ ودائِرٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ -فِي أنَّها تِلْكَ القُرى المَخْصُوصَةُ- يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ قائِمٌ وحَصِيدٌ ﴾ بِمَعْنى: قائِمُ الجُدْرانِ ومُتَهَدِّمٌ لا أثَرَ لَهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، والآيَةُ بِجُمْلَتِها مُتَضَمِّنَةٌ التَخْوِيفَ وضَرْبَ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قصة على قصة.

وعقّبت قصة مدين بذكر بعثة موسى عليه السّلام لقرب ما بين زمنيهما، ولشدة الصلة بين النبيئين فإن موسى بعث في حياة شعيب عليهما السّلام وقد تزوّج ابنة شعيب.

وتأكيد الخبر ب (قد) مثل تأكيد خبر نوح عليه السّلام في قوله تعالى: ﴿ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ [هود: 25].

والباء في ﴿ بآياتنا ﴾ للمصاحبة فإن ظهور الآيات كان مصاحباً لزمن الإرسال إلى فرعون وهو مدّة دعوة موسى عليه السّلام فرعون وملأه.

والسلطان: البرهان المبين، أي المُظهر صدق الجائِي به وهو الحجّة العقليّة أو التأييد الإلهي.

وقد تقدّم ذكر فرعون ومَلإه في سورة الأعراف.

وعُقب ذكر إرسال موسى عليه السّلام بذكر اتّباع الملإ أمرَ فرعون لأنّ اتّباعهم أمر فرعون حصل بإثر الإرسال ففهم منه أنّ فرعون أمرهم بتكذيب تلك الرسالة.

وإظهار اسم فرعون في المرّة الثانية دون الضمير والمرة الثالثة للتّشهير بهم، والإعلان بذمّه وهو انتفاء الرشد عن أمره.

وجملة ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ حال من ﴿ فرعون ﴾ .

والرشيد: فعيل من رشد من باب نصر وفرح، إذا اتّصف بإصابة الصواب.

يقال: أرشدك الله.

وأجري وصف رشيد على الأمر مجازاً عقلياً.

وإنّما الرشيد الآمر مبالغة في اشتمال الأمر على ما يقتضي انتفاء الرشد فكأنّ الأمر هو الموصوف بعدم الرشد.

والمقصود أن أمر فرعون سَفَهٌ إذْ لاَ واسطة بين الرشد والسفه.

ولكن عدل عن وصف أمره بالسّفيه إلى نفي الرشد عنه تجهيلاً للذين اتبعوا أمرَه لأنّ شأن العقلاء أن يَتطلبوا الاقتداء بما فيه صلاح وأنهم اتبعوا ما ليس فيه أمارة على سداده واستحقاقه لأن يتّبع فماذا غرّهم باتباعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا مِنَ المُؤْمِنِينَ وفي الآخِرَةِ مِنَ المَلائِكَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى بِلَعْنَةِ الدُّنْيا الغَرَقَ، وبِلَعْنَةِ الآخِرَةِ النّارَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

﴿ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: أنَّ الرَّفْدَ بِفَتْحِ الرّاءِ: القَدَحُ، والرِّفْدُ بِكَسْرِها ما في القَدَحِ مِنَ الشَّرابِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأصْمَعِيِّ فَكَأنَّهُ ذَمَّ بِذَلِكَ ما يُسْقَوْنَهُ في النّارِ.

الثّالِثُ: أنَّ الرِّفْدَ الزِّيادَةُ، ومَعْناهُ بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ بَعْدَ الغَرَقِ النّارُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يحملنكم فراقي.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ شقاقي ﴾ قال: عدواني.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس.

أن شعيباً قال لقومه: يا قوم اذكروا قوم نوح وعاد وثمود ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ وكان قوم لوط أقربهم إلى شعيب، وكانوا أقربهم عهداً بالهلاك ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ﴾ لمن تاب إليه من الذنب ﴿ ودود ﴾ يعني يحبه، ثم يقذف له المحبة في قلوب عباده.

فردوا عليه ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ كان أعمى ﴿ ولولا رهطك ﴾ يعني عشيرتك التي أنت بينهم ﴿ لرجمناك ﴾ يعني لقتلناك ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ ﴿ قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ قالوا: بل الله.

قال فاتخذتم الله وراءكم ﴿ ظهرياً ﴾ يعني تركتم أمره وكذبتم نبيه، غير أن علم ربي أحاط بكم، ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ قال ابن عباس: وكان بعد الشرك أعظم ذنوبهم تطفيف المكيال والميزان، وبخس الناس أشياءهم مع ذنوب كثيرة كانوا يأتونها، فبدا شعيب فدعاهم إلى عبادة الله وكف الظلم وترك ما سوى ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن خلف بن حوشب قال: هلك قوم شعيب من شعيرة إلى شعيرة، كانوا يأخذون بالرزينة ويعطون بالخفيفة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي...

﴾ الآية.

قال: لا يحملنكم عدواتي على أن تتمادوا في الضلال والكفر فيصيبكم من العذاب ما أصابهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ قال: إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي ليلى الكندي رضي الله عنه قال: أشرف عثمان رضي الله عنه على الناس من داره وقد أحاطوا به فقال: ﴿ يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ يا قوم لا تقتلوني، إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا، وشبك بين أصابعه.

وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: كان أعمى، وإنما عمي من بكائه من حب الله عز وجل.

وأخرج الواحدي وابن عساكر عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بكى شعيب عليه السلام من حب الله حتى عمي، فرد الله عليه بصره وأوحى الله إليه: يا شعيب ما هذا البكاء أشوقاً إلى الجنة أم خوفاً من النار؟

فقال: لا، ولكن اعتقدت حبك بقلبي، فإذا نظرت إليك فما أبالي ما الذي تصنع بي، فأوحى الله إليه: يا شعيب إن يكن ذلك حقاً فهنيأً لك لقائي يا شعيب، لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي» .

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: كان ضرير البصر.

وأخرج أبو الشيخ عن سفيان في قوله: ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: كان أعمى، وكان يقال له: خطيب الأنبياء عليهم السلام.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: إنما أنت واحد.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولولا رهطك لرجمناك ﴾ قال: لولا أن نتقي قومك ورهطك لرجمناك.

وأخرج سعيد بن منصور عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لو كان للوط مثل أصحاب شعيب لجاهد بهم قومه.

وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

أنه خطب فتلا هذه الآية في شعيب ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: كان مكفوفاً، فنسبوه إلى الضعف ﴿ ولولا رهطك لرجمناك ﴾ قال علي: فوالله الذي لا إله غيره ما هابوا جلال ربهم، ما هابوا إلا العشيرة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: نبذتم أمره.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: قضاء قضى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ يقول: لا تخافونه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: جعلتموه خلف ظهوركم، فلم تطيعوه ولم تخافوه.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: تهاونتم به.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: الظهري الفضل مثل الجمال يحتاج معه إلى إبل ظهري فضل لا يحمل عليها شيئاً إلا أن يحتاج إليها، فيقول: إنما ربكم عندكم هكذا إن احتجتم إليه، فإن لم تحتاجوا فليس بشيء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا ﴾ أي بالمعجزات ﴿ وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي برهان بين ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ أي يتقدم قدّامهم في النار كما كانوا في الدنيا يتبعونه على الضلال والكفر ﴿ فَأَوْرَدَهُمُ النار ﴾ الورود هنا بمعنى: الدخول، وذكره بلفظ الماضي لتحقق وقوعه ﴿ وَيَوْمَ القيامة ﴾ عطف على في هذه فإن المراد به في الدنيا ﴿ بِئْسَ الرفد المرفود ﴾ أي العطية المعطاة ﴿ قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ باق وداثر ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ﴾ حجة على التوحيد ونفي الشريك ﴿ تَتْبِيبٍ ﴾ أي تخسير ﴿ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس ﴾ أي يجمعون فيه للحساب والثواب والعقاب، وإنما عبر باسم المفعول دون الفعل ليدل على ثبوت الجمع لذلك اليوم، لأن لفظ مجموع أبلغ من لفظ يجمع ﴿ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ أي يحضره الأولون والآخرون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني ﴾ بالفتح ﴿ أريكم ﴾ بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى عن أهل مكة.

﴿ إني أخاف ﴾ ﴿ شقاقي أن ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ وصلواتك ﴾ كما مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ إن صلاتك سكن ﴾ {التوبة: 103] ﴿ توفيقي ﴾ بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع ﴿ أرهطي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ بعدت ثمود ﴾ بالإظهار: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الواو ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ ما نشاء ﴾ ط ﴿ الرشيد ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ما استطعت ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ودود ﴾ ه ﴿ ضعيفاً ﴾ ج لأن "لولا" للابتداء مع الواو ﴿ لرجمناك ﴾ ز لحق النفي وكون الواو للحال أوجه ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل ﴿ ظهرياً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ كاذب ﴾ ط للفصل بين الخير والطلب ﴿ رقيب ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ثمود ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ فرعون ﴾ ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال ﴿ برشيد ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المورود ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ المرفود ﴾ ه ﴿ وحصيد ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ج ﴿ تتبيب ﴾ ه ﴿ ظالمة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه.

التفسير: نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال.

﴿ وإني أخاف عليكم ﴾ عن ابن عباس أنه فسر الخوف بالعلم.

وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم وانتهاءهم.

والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد.

وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإِسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه واشتمل عليه ذلك اليوم.

قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا.

وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم.

قوله: ﴿ أوفوا المكيال ﴾ إلى قوله ﴿ أشياءهم ﴾ قد مر تفسير مثله في الأعراف.

وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو أنه  نهى أوّلاً عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد والتقرير؟

والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحة تعييراً وتوبيخاً لكنه يوهم النهي عن أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب.

وفي أيضاً فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس بواجب بل هو فضل ومروءَة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من الرأس ﴿ بقية الله ﴾ قيل: ثواب الله.

وقيل: طاعته ورضاه كقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خير  ﴾ وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ﴿ خير لكم ﴾ بشرط أن تؤمنوا لأن شيئاً من الأعمال لا ينفع مع الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم.

ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته.

قالت المعتزلة.

في إضافة البقية إلى الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله.

وقرىء ﴿ تقية الله ﴾ بالتاء الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر.

قوله: ﴿ أصلاتك ﴾ قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم أركانه.

وقيل: المراد الأتباع لأنه أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك.

والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة يروى أن شعيباً  كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي تغمزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم: ﴿ أصلاتك تأمرك ﴾ السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم عليها ليلاً ونهاراً هي من باب الجنون والوساوس.

ومعنى ﴿ تأمرك أن نترك ﴾ تأمرك بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.

وقوله ﴿ أو أن نفعل ﴾ معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن نفعل ﴿ في أموالنا ما نشاء ﴾ روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.

﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية فعكسوا تهكماً به.

وقيل: حقيقة وإنه كان معروفاً فيما بينهم بالحلم والرشد فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة تعودناها.

ثم أشار  إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟

﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه.

فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ﴾ إلا أن أصلحكم بالموعظة.

والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

﴿ ما استطعت ﴾ ما للمدة ظرفاً للإصلاح أي مدة استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً للإصلاح فقد يعمل المصدر المعرف كقوله: ضعيف النكاية أعداءه.

أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.

ثم بين أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: ﴿ وما توفيقي إلا بالله ﴾ والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله ﴿ عليه توكلت ﴾ أخصه بتفويض الأمور إليه لأنه مبدأ المبادىء ﴿ وإليه أنيب ﴾ لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه تهديد وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يكسبنكم خلافي ﴿ إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ﴾ من الغرق ﴿ أو قوم هود ﴾ من الريح العقيم ﴿ أو قوم صالح ﴾ من الصيحة ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ لم يقل "ببعيدة" حملاً على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا "ببعيدين" حملاً على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدهم.

أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد.

وجوزوا أن يسوّى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.

﴿ إن ربي رحيم ودود ﴾ يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أو "مفعول" كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة.

ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير والبيان ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقهُ كثيراً مما تقول ﴾ إما لقلة الرغبة أو قالوا تهكماً واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.

كأنهم جعلوا كلامه تخليطاً وهذياناً لا ينفعهم كثير منه.

وقيل: لأنه كان ألثغ ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.

وفسر بعضهم الضعيف بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير.

وزيف هذا القول أما عند من جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة ﴿ فينا ﴾ يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، وأما عند من لا يجوزه - كبعض المعتزلة - فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى.

ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه - والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة - والرجم شر القتل وهو الرمي بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم.

ثم أكدوا المذكور بقولهم ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفاً من شوكتهم ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ولذلك قال في جوابهم ﴿ أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذاناً بأن التهاون بنبي الله كالتهاون بالله كقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله  ﴾ ﴿ واتخذتموه ﴾ أي أمر الله أو ما جئت به ﴿ وراءكم ظهرياً ﴾ منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه.

ثم وصف الله  بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ .

ثم زاد في الوعيد والتهديد بقوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ وقد مر تفسير مثله في "الأنعام" قال في الكشاف: الاستئناف يعني في ﴿ سوف تعلمون ﴾ وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل بالفاء وهو باب في أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.

ثم بالغ في التهديد بقوله: ﴿ وارتقبوا ﴾ انتظروا عاقبة الشقاق ﴿ إني معكم رقيب ﴾ راقب كالضريب بمعنى الضارب،أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.

وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصحية كلتا العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسناً بخلاف قصة صالح.

وإنما دعاه عليه بقوله: ﴿ كما بعدت ثمود ﴾ لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح.

فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم.

قوله  ﴿ بآياتنا وسلطان مبين ﴾ قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين.

والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس.

وقال في كشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها، وقوله: ﴿ إلى فرعون ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ ﴿ فاتبعوا أمر فرعون ﴾ أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود وتكذيب موسى ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى.

ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال فكذلك يقدمهم أي تقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن يراد بالرشد الإِحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد العاقبة.

ثم فسره بأنه ﴿ يقدم قومه ﴾ أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته.

ويقال: قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ومنه مقدم العين.

وإنما قال ﴿ فأوردهم ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع.

والورد المورود الذي وردوه، شبّه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردة.

ثم نعى عليهم بقوله: ﴿ وبئس الورد ﴾ الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده وتذكير ﴿ بئس ﴾ لتذكير الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز نظراً إلى الدار.

وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم ﴿ وأتبعوا في هذه ﴾ حذف صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد.

و ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ أي بئس العطاء المعطى ذلك.

وقيل: الرفد العون والمرفود المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ولعنة في الآخرة.

﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض ﴿ أنباء القرى ﴾ المهلكة ﴿ نقصه عليك ﴾ خبر بعد خبر ثم استأنف فقال ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ أي ومنها حصيد والمراد بعضها باقٍ كالزرع القائم، على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع المحصود ﴿ وما ظلمناهم ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا.

عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله ﴿ فما أغنت ﴾ فما قدرت أن ترد ﴿ عنهم آلهتهم التي يدعون ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء ﴿ وما زادوهم ﴾ يعني آلهتهم ﴿ غير تتبيب ﴾ تخسير.

تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران.

كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين.

ثم بيَّن أن عذابه غير مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الأخذ ﴿ أخذ ربك ﴾ فالأخذ مبتدأ وذلك خبره وقوله ﴿ وهي ظالمة ﴾ حال من القرى باعتبار أهلها ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ وجيع صعب على المأخوذ وهو تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال.

التأويل: ﴿ ولا تنقصوا ﴾ مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة ﴿ إني أراكم بخير ﴾ هو حسن الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق ﴿ بالقسط ﴾ في تعظيم أمرالله والشفقة على خلق الله.

﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ حقوق النصيحة وحسن العشرة في الله ولله ﴿ ولا تعثوا ﴾ في أرض وجودكم ﴿ مفسدين ﴾ ﴿ بقية الله ﴾ بقاؤكم ببقائه ﴿ خير لكم ﴾ مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان.

﴿ رزقاً حسناً ﴾ نوراً تاماً أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق ﴿ وما ﴾ معاملة ﴿ قوم لوط ﴾ من معاملتكم ﴿ ببعيد ﴾ لأن الكفر كله ملة واحدة.

﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ لأن فرعون النفس أمارة بالسوء.

﴿ إذا أخذ القرى ﴾ قرى الأجساد ﴿ منها قائم ﴾ قابل لتدارك ما فات.

ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ وهي الحجج.

يحتمل قوله: ﴿ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ واحد، على التكرار، فإن كانت الآيات هي الأوامر والنواهي، وما يؤتى وما يتقى فقوله: ﴿ وَسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ هي الحجج والبراهين على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ﴾ قد ذكرنا أن الملأ هو اسم لشيئين: اسم الجماعة، واسم الأجلة والأشراف، وهو كان مبعوثاً إلى الأشراف من قومه، وإلى الجماعة جميعاً؛ خصّ بعثه إلى فرعون وقومه وإن كان مبعوثاً إلى الكل؛ لما العرف في الملوك أنهم إنما يخاطبون الكبراء منهم والأشراف، وإن كان [المقصود من الخطاب] الكل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ قال بعضهم: هو ما ذكر في حم المؤمن حيث قال لهم: ﴿ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ  ﴾ فأطاعوا فرعون في قوله؛ يقول الله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ \[أي\]: يهدي، أو يقول: ما الأمر الذي عليه فرعون برشيد؛ بل هو ضلال.

ولكن عندنا أنهم أطاعوا فرعون في جميع أمره ونهيه في عبادة الأصنام وغيره، وهو ما ذكر: ﴿ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ أي: ليس بهدى؛ بل كان أمره ضلالا؛ حيث كان هو ضالا مضلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ قال بعضهم: أي: صار قدامهم.

وقال بعضهم: يقدم أي: يقود قومه إلى النار حتى يوردهم النار.

ويحتمل قوله: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ أي: يكون إماماً لهم يوم القيامة يتبعون أثره، كما كان إمامهم في الدنيا فاتبعوه؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ  ﴾ أخبر أنهم يكونون أئمة لهم في الآخرة.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ﴾ أي: دعاهم في الدنيا، وأمرهم بأمور توردهم النار تلك الأعمال كقوله: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ  ﴾ أي: ما أصبرهم على عمل أهل النار.

وقال بعضهم: يتبعونه حتى يدخلهم النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ﴾ قال بعضهم: بئس المدخل المدخول، والورد هو الدخول، والمورود المدخول؛ سمي الجزاء باسم سببه.

قال ابن عباس -  -: جميع ما ذكر في القرآن من الورود فهو دخول منهم، قوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا  ﴾ وقوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  ﴾ ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً  ﴾ فقال: والله ليردنها كل برّ وفاجر ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ يحتمل: اللعنة في الدنيا: العذاب الذي نزل بهم.

ويحتمل لعن الخلائق يلعنهم من ذكرهم.

وفي الآخرة يحتمل الوجهين جميعاً.

يحتمل: يعذبون في الآخرة - أيضاً - كما عذبوا في الدنيا.

ويحتمل: لعن الخلائق - أيضاً - من رآهم لعنهم، واللعن هو الطرد في اللغة: طردوا عن رحمة الله ولم يرحموا في عذاب الدنيا؛ ولا يرحمون في عذاب الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ﴾ عن ابن عباس: ﴿ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ﴾ يقول: لعنة الدنيا والآخرة.

وقال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان من الله: لعنة الدنيا، ولعنة الآخرة، ولكن على زعمهم يجيء أن يقال: الردف من الترادف.

وقال بعضهم: الردف العون، وهو قول القتبي.

وقال القتبي: الرفد: العطية، والمرفود: المعطي؛ يقال: رفدته: إذا أعطيته وأعنته، كما يقال: بئس العطاء المعطي، وكذلك قال أبو عوسجة: بئس ما أعطوا وأعينوا، وبئس المعطي، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أرسلناه إلى فرعون والأشراف من قومه، فاتبع هؤلاء الأشراف أمر فرعون لهم بالكفر بالله، وليس أمر فرعون بأمر ذي إصابة للحق حتَّى يتبع.

من فوائد الآيات ذمّ الجهلة الذين لا يفقهون عن الأنبياء ما جاؤوا به من الآيات.

ذمّ وتسفيه من اشتغل بأوامر الناس، وأعرض عن أوامر الله.

بيان دور العشيرة في نصرة الدعوة والدعاة.

طرد المشركين من رحمة الله تعالى.

<div class="verse-tafsir" id="91.l1pmQ"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر