الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٢٧ من سورة الحجر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 113 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٧ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( والجان خلقناه من قبل ) أي : من قبل الإنسان ( من نار السموم ) قال ابن عباس : هي السموم التي تقتل .
وقال بعضهم : السموم بالليل والنهار .
ومنهم من يقول : السموم بالليل ، والحرور بالنهار .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال : دخلت على عمرو الأصم أعوده ، فقال : ألا أحدثك حديثا سمعته من عبد الله بن مسعود يقول : هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان ، ثم قرأ : ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) وعن ابن عباس : أن الجان خلق من لهب النار ، وفي رواية : من أحسن النار .
وعن عمرو بن دينار : من نار الشمس .
وقد ورد في الصحيح : " خلقت الملائكة من نور ، وخلقت الجان من مارج من نار ، وخلق بنو آدم مما وصف لكم " ومقصود الآية : التنبيه على شرف آدم - عليه السلام - وطيب عنصره ، وطهارة محتده
يقول تعالى ذكره: ( والجانَّ ) وقد بيَّنا فيما مضى معنى الجانّ ولم قيل له جان.
وعني بالجانّ هاهنا: إبليس أبا الجنّ.
يقول تعالى ذكره: وإبليس خلقناه من قبل الإنسان من نار السموم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ ) وهو إبليس خُلق قبل آدم ، وإنما خلق آدم آخر الخلق، فحسده عدوّ الله إبليس على ما أعطاه الله من الكرامة، فقال: أنا ناريّ، وهذا طينيّ، فكانت السجدة لآدم ، والطاعة لله تعالى ذكره، فقال ( اخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ) .
واختلف أهل التأويل في معنى ( نَارِ السَّمُومِ ) فقال بعضهم: هي السموم الحارّة التي تقتل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله ( وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ) قال: هي السموم التي تقتل، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت قال: هي السموم التي تقتل.
حدثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانِيّ، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق التميمي، عن ابن عباس ( وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ) قال: هي السموم التي تقتل، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت قال: هي السموم التي تقتل.
وقال آخرون: يعني بذلك من لهب النار.
* ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله ( وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ) قال: من لهب من نار السموم.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان، عن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجنّ، خُلقوا من نار السموم من بين الملائكة.
قال: وخُلقت الجنّ الذين ذُكروا في القرآن من مارج من نار.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: دخلت على عمرو بن الأصم أعوده، فقال: ألا أحدّثك حديثًا سمعته من عبد الله؟
سمعت عبد الله يقول: هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خرج منها الجانّ.
قال: وتلا( وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ) .
وكان بعض أهل العربية يقول: السموم بالليل والنهار.
وقال بعضهم: الحَرُور بالنهار، والسموم بالليل، يقال: سَمَّ يومُنا يَسَمُّ سَمُومًا.
حدثني المثنى، قال: ثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه، وسئل عن الجنّ ما هم، وهل يأكلون أو يشربون، أو يموتون، أو يتناكحون؟
قال: هم أجناس، فأما خالص الجنّ فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون.
ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون ويموتون، وهي هذه التي منها السعالِي والغُول وأشباه ذلك.
قوله تعالى : والجان خلقناه من قبل من نار السموم قوله تعالى : والجان خلقناه من قبل أي من قبل خلق آدم .
وقال الحسن : يعني إبليس ، خلقه الله - تعالى - قبل آدم - عليه السلام - .
وسمي جانا لتواريه عن الأعين .
وفي [ ص: 22 ] صحيح مسلم من حديث ثابت عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لما صور الله - تعالى - آدم - عليه السلام - في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك .من نار السموم قال ابن مسعود : ( نار السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ) .
وقال ابن عباس : ( السموم الريح الحارة التي تقتل ) .
وعنه ( أنها نار لا دخان لها ) ، والصواعق تكون منها ، وهي نار تكون بين السماء والحجاب .
فإذا أحدث الله أمرا اخترقت الحجاب فهوت الصاعقة إلى ما أمرت .
فالهدة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب .
وقال الحسن : نار السموم نار دونها حجاب ، والذي تسمعون من انغطاط السحاب صوتها .
وعن ابن عباس أيضا قال : ( كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة - قال - : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار .قلت : هذا فيه نظر ; فإنه يحتاج إلى سند يقطع العذر ; إذ مثله لا يقال من جهة الرأي .
وقد خرج مسلم من حديث عروة عن عائشة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم .
فقوله : خلقت الملائكة من نور يقتضي العموم .
والله أعلم .
وقال الجوهري : مارج من نار نار لا دخان لها خلق منها الجان .
والسموم الريح الحارة تؤنث ; يقال منه : سم يومنا فهو يوم مسموم ، والجمع سمائم .
قال أبو عبيدة : ( السموم بالنهار وقد تكون بالليل ، والحرور بالليل وقد تكون بالنهار ) .
القشيري : وسميت الريح الحارة سموما لدخولها في مسام البدن .
{ وَالْجَانَّ } وهو: أبو الجن أي: إبليس { خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ } خلق آدم { مِنْ نَارِ السَّمُومِ } أي: من النار الشديدة الحرارة
( والجان خلقناه من قبل ) قال ابن عباس : هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر .
وقال قتادة : هو إبليس خلق قبل آدم .
ويقال : الجان : أبو الجن ، وإبليس أبو الشياطين .
وفي الجن مسلمون وكافرون ، ويحيون ويموتون ، وأما الشياطين; فليس منهم مسلمون ، ويموتون إذا مات إبليس .
وذكر وهب : إن من الجن من يولد لهم ويأكلون ويشربون [ بمنزلة الآدميين ] ومن الجن من هم بمنزلة الريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون .
( من نار السموم ) والسموم ريح حارة تدخل مسام الإنسان فتقتله .
ويقال : السموم بالنهار والحرور بالليل .
وعن الكلبي ، عن أبي صالح : السموم نار لا دخان لها ، والصواعق تكون منها ، وهي نار بين السماء وبين الحجاب ، فإذا أحدث الله أمرا خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت ، فالهدة التي تسمعون في خرق ذلك الحجاب .
وقيل : نار السموم لهب النار .
وقيل : من نار السموم أي : من نار جهنم .
وعن الضحاك ، عن ابن عباس قال : كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار ، فأما الملائكة فإنهم خلقوا من النور .
«والجان» أبا الجان وهو إبليس «خلقناه من قبل» أي قبل خلق آدم «من نار السموم» هي نار لا دخان لها تنفذ من المسام.
وخلقنا أبا الجن، وهو إبليس مِن قَبْل خلق آدم من نار شديدة الحرارة لا دخان لها.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك المادة التى خلق منها الجان فقال - سبحانه - : ( والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم ) والمراد بالجان هنا : أبو الجن عند جمهور المفسرين .
وقيل هو إبليس .
وقيل هو اسم لجنس الجن .
وسمى جانا لتواريه عن الأعين ، واستتاره عن بنى آدم .أى : والجان خلقناه ( من قبل ) أى : من قبل خلق آدم ( مِن نَّارِ السموم ) أى : من الريح الحارة التى تقتل .
وسميت سموماً ، لأنها لشدة حرارتها ، وقوة تأثيرها تنفذ فى مسام البدن .قال ابن كثير : وقد ورد فى الحديث الصحيح : " خُلِقت الملائكة من نور ، وخُلِقت الجان من مارج من نار ، وخُلق بنو آدم مما وصف لكم " .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد فإنه تعالى لما استدل بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدمة أردفه بالاستدلال بتخليق الإنسان على هذا المطلوب.
المسألة الثانية: ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أول لها، وإذا ثبت هذا ظهر وجوب انتهاء الحوادث إلى حادث أول هو أول الحوادث، وإذا كان كذلك فلابد من انتهاء الناس إلى إنسان هو أول الناس، وإذا كان كذلك فذلك الإنسان الأول غير مخلوق مع الأبوين فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى.
فقوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان ﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، والمفسرون أجمعوا على أن المراد منه هو آدم عليه السلام، ونقل في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر عليه السلام أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر وأقول: هذا لا يقدح في حدوث العالم بل لأمر كيف كان، فلابد من الانتهاء إلى إنسان أول هو أول الناس وأما أن ذلك الإنسان هو أبونا آدم، فلا طريق إلى إثباته إلا من جهة السمع.
واعلم أن الجسم محدث، فوجب القطع بأن آدم عليه السلام وغيره من الأجسام يكون مخلوقاً عن عدم محض، وأيضاً دل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ على أن آدم مخلوق من تراب، ودلت آية أخرى على أنه مخلوق من الطين، وهي قوله: ﴿ إِنّي خالق بَشَراً مِّن طِينٍ ﴾ وجاء في هذه الآية أن آدم عليه السلام مخلوق من صلصال من حمأ مسنون، والأقرب أنه تعالى خلقه أولاً من تراب ثم من طين ثم من حمأ مسنون ثم من صلصال كالفخار، ولا شك أنه تعالى قادر على خلقه من أي جنس من الأجسام كان، بل هو قادر على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه إما لمحض المشيئة أو لما فيه من دلالة الملائكة ومصلحتهم ومصلحة الجن، لأن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه.
المسألة الثالثة: في الصلصال قولان: قيل الصلصال الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار.
قالوا: إذا توهمت في صوته مداً فهو صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة.
قال المفسرون: خلق الله تعالى آدم عليه السلام من طين فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة، فصار صلصالاً كالخزف ولا يدري أحد ما يراد به، ولم يروا شيئاً من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح.
وحقيقة الكلام أنه تعالى خلق آدم من طين على صورة الإنسان فجف فكانت الريح إذا مرت به سمع له صلصلة فلذلك سماه الله تعالى صلصالاً.
والقول الثاني: الصلصال هو المنتن من قولهم صل اللحم وأصل إذا نتن وتغير، وهذا القول عندي ضعيف، لأنه تعالى قال: ﴿ مِن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ وكونه حمأ مسنوناً يدل على النتن والتغير وظاهر الآية يدل على أن هذا الصلصال إنما تولد من الحمأ المسنون فوجب أن يكون كونه صلصالاً مغايراً لكونه حمأ مسنوناً، ولو كان كونه صلصالاً عبارة عن النتن والتغير لم يبق بين كونه صلصالاً، وبين كونه حمأ مسنوناً تفاوت، وأما الحمأ فقال الليث الحمأة بوزن فعلة، والجمع الحمأ وهو الطين الأسود المنتن.
وقال أبو عبيدة والأكثرون حماة بوزن كمأة وقوله: ﴿ مَّسْنُونٍ ﴾ فيه أقوال: الأول: قال ابن السكيت سمعت أبا عمرو يقول في قوله: ﴿ مَّسْنُونٍ ﴾ أي متغير قال أبو الهيثم يقال سن الماء، فهو مسنون أي تغير.
والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ أي لم يتغير.
الثاني: المسنون المحكوك وهو مأخوذ من سننت الحجر إذا حككته عليه، والذي يخرج من بينهما يقال له السنن وسمي المسن مسناً لأن الحديد يسن عليه.
والثالث: قال الزجاج: هذا اللفظ مأخوذ من أنه موضوع على سنن الطريق لأنه متى كان كذلك فقد تغير.
الرابع: قال أبو عبيدة: المسنون المصبوب، والسن والصب يقال سن الماء على وجهه سناً.
الخامس: قال سيبويه: المسنون المصور على صورة ومثال، من سنة الوجه وهي صورته.
السادس: روي عن ابن عباس أنه قال: المسنون الطين الرطب، وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة، لأنه إذا كان رطباً يسيل وينبسط على الأرض، فيكون مسنوناً بمعنى أنه مصبوب.
أما قوله تعالى: ﴿ والجآن خلقناه ﴾ فاختلفوا في أن الجان من هو؟
فقال عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس وهو قول الحسن ومقاتل وقتادة.
وقال ابن عباس في رواية أخرى: الجان هو أب الجن وهو قول الأكثرين.
وسمي جاناً لتواريه عن الأعين، كما سمي الجنين جنيناً لهذا السبب، والجنين متوارٍ في بطن أمه، ومعنى الجان في اللغة الساتر من قولك: جن الشيء إذا ستره، فالجان المذكور هاهنا يحتمل أنه سمي جاناً لأنه يستر نفسه عن أعين بني آدم، أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول كما يقال في لابن وتامر وماء دافق وعيشة راضية.
واختلفوا في الجن فقال بعضهم: إنهم جنس غير الشياطين والأصح أن الشياطين قسم من الجن، فكل من كان منهم مؤمناً فإنه لا يسمى بالشيطان، وكل من كان منهم كافراً يسمى بهذا الإسم، والدليل على صحة ذلك أن لفظ الجن مشتق من الاستتار، فكل من كان كذلك كان من الجن، وقوله تعالى: ﴿ خلقناه مِن قَبْلُ ﴾ قال ابن عباس: يريد من قبل خلق آدم، وقوله: ﴿ مِن نَّارِ السموم ﴾ معنى السموم في اللغة: الريح الحارة تكون بالنهار وقد تكون بالليل، وعلى هذا فالريح الحارة فيها نار ولها لفح وأوار، على ما ورد في الخبر أنها لفح جهنم.
قيل: سميت سموماً لأنها بلطفها تدخل في مسام البدن، وهي الخروق الخفية التي تكون في جلد الإنسان يبرز منها عرقه وبخار باطنه.
قال ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من السموم التي خلق الله بها الجان وتلا هذه الآية.
فإن قيل: كيف يعقل خلق الجان من النار؟
قلنا: هذا على مذهبنا ظاهر، لأن البنية عندنا ليست شرطاً لإمكان حصول الحياة، فالله تعالى قادر على خلق الحياة والعلم في الجوهر الفرد، فكذلك يكون قادراً على خلق الحياة والعقل في الجسم الحار، واستدل بعضهم على أن الكواكب يمتنع حصول الحياة فيها قال: لأن الشمس في غاية الحرارة وما كان كذلك امتنع حصول الحياة فيه فننقضه عليه بقوله تعالى: ﴿ والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم ﴾ بل المعتمد في نفي الحياة عن الكواكب الإجماع.
<div class="verse-tafsir"
الصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار.
قالوا: إذا توهمت في صوته مدّا فهو صليل، وإن توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة.
وقيل: هو تضعيف (صل) إذا أنتن.
والحمأ: الطين الأسود المتغير.
والمسنون: المصوّر، من سنة الوجه، وقيل: المصبوب المفرغ، أي: أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها.
وقيل: المنتن، من سننت الحجرعلى الحجر إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سنين، ولا يكون إلا منتنا ﴿ مّنْ حَمَإٍ ﴾ صفة لصلصال، أي: خلقه من صلصال كائن من حمأ وحق ﴿ مَّسْنُونٍ ﴾ بمعنى مصور، أن يكون صفة لصلصال، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك إلى جوهر آخر ﴿ والجآن ﴾ للجن كآدم للناس.
وقيل: هو إبليس.
وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: ﴿ والجأن ﴾ ، بالهمزة ﴿ مِن نَّارِ السموم ﴾ من نار الحرّ الشديد النافذ في المسام.
قيل: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من سموم النار التي خلق الله منها الجانّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ ﴾ مِن طِين يابِسٍ يُصَلْصِلُ أيْ يُصَوِّتُ إذا نُقِرَ.
وقِيلَ هو مِن صَلْصَلَ إذا أنْتَنَ تَضْعِيفُ صَلَّ.
﴿ مِن حَمَإٍ ﴾ طِينٍ تَغَيَّرَ واسْوَدَّ مِن طُولِ مُجاوِرَةِ الماءِ، وهو صِفَةُ صَلْصالٍ أيْ كائِنٌ ﴿ مِن حَمَإٍ ﴾ .
﴿ مَسْنُونٍ ﴾ مُصَوَّرٍ مِن سَنَةِ الوَجْهِ، أوْ مَنصُوبٍ لِيَيْبَسَ ويُتَصَوَّرَ كالجَواهِرِ المُذابَةِ تُصَبُّ في القَوالِبِ، مِنَ السَّنِّ وهو الصَّبُّ كَأنَّهُ أفْرَغَ الحَمَأ فَصَوَّرَ مِنها تِمْثالَ إنْسانٍ أجْوَفَ، فَيَبِسَ حَتّى إذا نُقِرَ صَلْصَلَ، ثُمَّ غَيَّرَ ذَلِكَ طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ حَتّى سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، أوْ مُنْتِنٍ مِن سَنَنْتُ الحَجْرَ عَلى الحَجْرِ إذا حَكَكْتُهُ بِهِ، فَإنَّ ما يَسِيلُ بَيْنَهُما يَكُونُ مُنْتِنًا ويُسَمّى السَّنِينَ.
﴿ والجانَّ ﴾ أبا الجِنِّ.
وقِيلَ إبْلِيسُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ كَما هو الظّاهِرُ مِنَ الإنْسانِ، لِأنَّ تَشَعُّبَ الجِنْسِ لِما كانَ مِن شَخْصٍ واحِدٍ خُلِقَ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ كانَ الجِنْسُ بِأسْرِهِ مَخْلُوقًا مِنها وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ.
﴿ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ﴾ مِن قَبْلِ خَلْقِ الإنْسانِ.
﴿ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ مِن نارِ الحَرِّ الشَّدِيدِ النّافِذِ في المَسامِّ، ولا يَمْتَنِعُ خَلْقُ الحَياةِ في الأجْرامِ البَسِيطَةِ كَما لا يَمْتَنِعُ خَلْقُها في الجَواهِرِ المُجَرَّدَةِ، فَضْلًا عَنِ الأجْسادِ المُؤَلَّفَةِ الَّتِي الغالِبُ فِيها الجُزْءُ النّارِيُّ، فَإنَّها أقْبَلُ لَها مِنَ الَّتِي الغالِبُ فِيها الجُزْءُ الأرْضِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن نارِ ﴾ بِاعْتِبارِ الغالِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ ومَساقُ الآيَةِ كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ بَدْءِ خَلْقِ الثَّقَلَيْنِ فَهو لِلتَّنْبِيهِ عَلى المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها إمْكانُ الحَشْرِ، وهو قَبُولُ المَوادِّ لِلْجَمْعِ والإحْياءِ.
<div class="verse-tafsir"
{والجان} أبا الجان كآدم للناس هو إبليس وهو منصوب بفعل مضمر يفسره {خلقناه مِن قَبْلُ} من قبل آدم {مِن نَّارِ السموم} من نار الحر الشديد النافذ في المسام قيل هذه السموم جزء من سبعين جزأ من سموم النار التي خلق الله منها الجان
﴿ والجانَّ ﴾ هو أبُو الجِنِّ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويُجْمَعُ عَلى جِنانٍ كَحائِطٍ وحِيطانٍ وراعٍ ورِعْيانٍ قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وقِيلَ: هو إبْلِيسُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ لَكِنْ في الدُّرِّ المَصُونِ أنَّهُ هو أبُو الجِنِّ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو اسْمٌ لِجِنْسِ الجِنِّ وتَشَعُّبُ الجِنْسِ لَمّا كانَ مِن فَرْدٍ واحِدٍ مَخْلُوقٍ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ كانَ الجِنْسُ مَخْلُوقًا مِنها.
وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ «والجَأْنَ» بِالهَمْزِ وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ خَلَقْناهُ ﴾ وهو هُنا أقْوى مِنَ الرَّفْعِ لِلْعَطْفِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ خَلْقِ الإنْسانِ، قِيلَ: ومِن هُنا يَظْهَرُ جَوازُ كَوْنِ الرَّمادِ بِالمُسْتَقْدِمِينَ أحَدَ الثَّقَلَيْنِ وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الآخَرَ والخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( مِنكم ) لِلْكُلِّ وهو بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ.
﴿ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ أيِ الرِّيحِ الحارَّةِ الَّتِي تَقْتُلُ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأكْثَرُ ما تَهَبُّ في النَّهارِ وقَدْ تَهَبُّ لَيْلًا.
وسُمِّيَتْ سَمُومًا لِأنَّها بِلُطْفِها تَنْفُذُ في مَسامِّ البَدَنِ ومِنهُ السُّمُّ القاتِلُ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا يَسِمُّ إذا هَبَّتْ فِيهِ تِلْكَ الرِّيحُ، وقِيلَ: السَّمُومُ نارٌ لا دُخانَ لَها ومِنها تَكَوُنُ الصَّواعِقُ، ورَوى ذَلِكَ أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فالإضافَةُ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ، وقِيلَ: السَّمُومُ إفْراطُ الحَرِّ والإضافَةُ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، والمُرادُ مِنَ النّارِ المُفْرِطَةِ الحَرارَةُ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النّارَ الَّتِي خُلِقَ مِنها الجانُّ أشَدُّ حَرارَةً مِنَ النّارِ المَعْرُوفَةِ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: ««رُؤْيا المُسْلِمِ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ وهَذِهِ النّارُ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ السَّمُومِ الَّتِي خُلِقَ مِنها الجانُّ وتَلا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الآيَةَ»» واسْتُشْكِلَ الخَلْقُ مِنَ النّارِ بِأنَّهُ كَيْفَ تُخْلَقُ الحَياةُ فِيها وهي بَسِيطَةٌ لَيْسَتْ مُتَرَكِّبَةً مِن أجْزاءٍ مُخْتَلِفَةِ الطَّبْعِ والحَياةُ كالمَزاجِ لا تَكُونُ إلّا في المُرَكَّباتِ وقَدِ اشْتَرَطَ الحُكَماءُ فِيها البِنْيَةَ المُرَكَّبَةَ.
وأُجِيبَ بِمَنعِ ذَلِكَ لِأنَّها إذا خُلِقَتْ في المُجَرَّداتِ كالمَلائِكَةِ عَلى قَوْلٍ والعُقُولُ الَّتِي أثْبَتَها الفَلاسِفَةُ فَبِالطَّرِيقِ الأوْلى البَسائِطُ بَلْ لا مانِعَ أيْضًا أنْ تُخْلَقَ في الأجْزاءِ الفَرْدَةِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ اشْتَرَطُوا البِنْيَةَ المُرَكَّبَةَ مِنَ الجَواهِرِ ولَيْسَ لَهم سِوى شُبَهٍ أوْهَنَ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وارِدٍ رَأْسًا لِأنَّ مَعْنى كَوْنِ الجِنِّ مَخْلُوقَةً مِن نارٍ أنَّها الجُزْءُ الأعْظَمُ الغالِبُ عَلَيْها كالتُّرابِ في الإنْسانِ فَلَيْسَتْ بَسِيطَةً، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الجِنَّ أجْسامٌ هَوائِيَّةٌ أوْ نارِيَّةٌ بِمَعْنى أنَّهم يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وهم مُرَكَّبُونَ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ كالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى قَوْلٍ.
ثُمَّ إنَّ النَّقْلَ الظّاهِرَ عَنْ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ إنْكارُ الجِنِّ ولَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَ جَمِيعِهِمْ فَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِن قُدَمائِهِمْ إلى وُجُودِهِمْ وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ أرْبابِ المِلَلِ وأصْحابِ الرَّوْحانِيّاتِ ويُسَمُّونَهم بِالأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ وزَعَمُوا أنَّهم أسْرَعُ إجابَةٍ مِنَ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ إلّا أنَّها أضْعَفُ.
نَعَمِ اخْتَلَفَ المُثْبِتُونَ فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّهم لَيْسُوا أجْسامًا ولا حالِّينَ فِيها بَلْ هم جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها لَكِنَّها أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ كاخْتِلافِ ماهِيّاتِ الأعْراضِ بَعْدَ اسْتِوائِها في الحاجَةِ إلى المَحَلِّ فَبَعْضُها كَرِيمَةٌ حُرَّةٌ مُحِبَّةٌ لِلْخَيْراتِ وبَعْضُها دَنِيَّةٌ خَسِيسَةٌ مُحِبَّةٌ لِلشُّرُورِ ولا يَعْلَمُ عَدَدَ أنْواعِهِمْ إلّا اللَّهُ تَعالى ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِن أنْواعِها مَن يَقْدِرُ عَلى أفْعالٍ شاقَّةٍ يَعْجَزُ عَنْها قُدْرَةُ البَشَرِ وكَذا لا يَبْعُدُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها تَعَلُّقٌ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِن أجْسامِ هَذا العالَمِ.
ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ والنُّفُوسَ النّاطِقَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها وازْدادَتْ قُوَّةً وكَمالًا بِسَبَبِ ما في ذَلِكَ العالَمِ الرُّوحانِيِّ مِنَ انْكِشافِ الأسْرارِ الرَّوْحانِيَّةِ فَإذا اتَّفَقَ حُدُوثُ بَدَنٍ مُشابِهٍ لِلْبَدَنِ الَّذِي فارَقَتْهُ فَبِسَبَبِ تِلْكَ المُشابَهَةِ يَحْصُلُ لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ ما بِهَذا البَدَنِ وتَصِيرُ مُعاوِنَةً لِنَفْسِ ذَلِكَ البَدَنِ في أفْعالِها وتَدْبِيرِها لِذَلِكَ البَدَنِ فَإنِ اتَّفَقَتْ هَذِهِ الحالَةُ في النُّفُوسِ الخَيِّرَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ المُعِينُ مَلَكًا وتِلْكَ الإعانَةُ إلْهامًا، وإنِ اتَّفَقَتْ في النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ المُعِينُ شَيْطانًا وتِلْكَ الإعانَةُ وسْوَسَةً، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم أجْسامٌ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهُمْ: هي مُخْتَلِفَةُ الماهِيَّةِ وإنِ اشْتَرَكَتْ في صِفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها مُتَساوِيَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، وقَدْ أطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ الإمامُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الجِنِّ، وذُكِرَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الجِنِّ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهم جِنْسٌ غَيْرُ الشَّياطِينِ، والأصَحُّ أنَّ الشَّياطِينَ قِسْمٌ مِنَ الجِنِّ، فَكُلُّ مَن كانَ مِنهم مُؤْمِنًا فَإنَّهُ لا يُسَمّى بِالشَّيْطانِ، وكُلُّ مَن كانَ مِنهم كافِرًا سُمِّي بِهَذا الِاسْمِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّ لَفْظَ الجِنِّ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْتِتارِ فَكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مِنَ الجِنِّ اه، وما ذَكَرَهُ مِنَ الأصَحِّ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْظَمُ لَكِنْ ما ذَكَرَهُ مِنَ الدَّلِيلِ ضَعِيفٌ.
وقالَ وهْبٌ: إنَّ مِنَ الجِنِّ مَن يُولَدُ لَهُ ويَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ بِمَنزِلَةِ الآدَمِيِّينَ، ومِنهم مَن هو بِمَنزِلَةِ الرِّيحِ لا يَتَوالَدُونَ ولا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ وهُمُ الشَّياطِينُ.
وذَكَرَ ابْنُ عَرَبِيٍّ أنَّ تَناسُلَ الجِنِّ بِإلْقاءِ الهَواءِ في رَحِمِ الأُنْثى كَما أنَّ التَّناسُلَ في البَشَرِ بِإلْقاءِ الماءِ في الرَّحِمِ، وأنَّهم مَحْصُورُونَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً أُصُولًا ثُمَّ يَتَفَرَّعُونَ إلى أفْخاذٍ، ويَقَعُ بَيْنَهم حُرُوبٌ وبَعْضُ الزَّوابِعِ يَكُونُ عِنْدَ حَرْبِهِمْ، فَإنَّ الزَّوْبَعَةَ تُقابِلُ رِيحَيْنِ تَمْنَعُ كُلٌّ صاحِبَتَها أنْ تَخْتَرِقَها فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الدَّوْرِ وما كُلُّ زَوْبَعَةٍ حَرْبٌ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ وغَيْرُهم بِإسْنادٍ صَحِيحٍ- كَما قالَ العِراقِيُّ - عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ مَرْفُوعًا: «الجِنُّ ثَلاثَةُ أصْنافٍ فَصِنْفٌ لَهم أجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ في الهَواءِ، وصِنْفٌ حَيّاتٌ وكِلابٌ، وصِنْفٌ يَحِلُّونَ ويَظْعَنُونَ،» وفي هَذِهِ القِسْمَةِ عِنْدِي إشْكالٌ يَظْهَرُ بِالتَّدَبُّرِ، ولَعَلَّ حاصِلَها أنَّ صِنْفًا مِنهم يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الطَّيَرانُ في الهَواءِ، وصِنْفٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الحَلُّ والِارْتِحالُ، وصِنْفٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ المُكْثُ والتَّوَطُّنُ بِبَعْضِ المُواطِنِ، وعُبِّرَ عَنْهم بِالحَيّاتِ والكِلابِ لِكَثْرَةِ تَشَكُّلِهِمْ بِذَلِكَ دُونَ الصِّنْفَيْنِ الآخَرَيْنِ، فَإنَّهم وإنْ جازَ عَلَيْهِمُ التَّشَكُّلُ بِالأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ لِأنَّهم مِنَ الجِنِّ، وقَدْ قالُوا: إنَّهم قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ وإنْ نُوزِعَ فِيهِ بِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أنْ لا تَبْقى ثِقَةٌ بِشَيْءٍ.
ورُدَّ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ تَكَفَّلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِعِصْمَتِها عَنْ أنْ يَقَعَ فِيها ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الرِّيبَةُ في الدِّينِ ورَفْعُ الثِّقَةِ بِعالِمٍ وغَيْرُهُ فاسْتَحالَ شَرْعًا الِاسْتِلْزامُ المَذْكُورُ- إلّا أنَّهم لا يَكْثُرُ تَشَكُّلُهم بِذَلِكَ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ القُدْرَةَ عَلى التَّشَكُّلِ إنَّما هي لِصِنْفِ المُتَوَطِّنِينَ، وإثْباتَها في كَلامِهِمْ لِلْجِنِّ يَكْفِي فِيهِ صِحَّتُها بِاعْتِبارِ بَعْضِ الأصْنافِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا فَلْيُتَدَبَّرْ حَقُّهُ، وقَدْ قالَ الهَيْتَمِيُّ: إنَّ رِجالَ هَذا الحَدِيثِ وُثِقُوا وفي بَعْضِهِمْ ضَعْفٌ، فَإنْ كانَ الحَدِيثُ لِذَلِكَ ضَعِيفًا فَلا قِيلَ ولا قالَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى اسْتِيفاءُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى المَلِكِ العَلّامِ، ثُمَّ إنَّ مَساقَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ- عَلى ما قِيلَ- كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ وبَيانِ بَدْءِ خَلْقِ الثَّقَلَيْنِ فَهو لِلتَّنْبِيهِ عَلى مُقَدِّمَةٍ يَتَوَقَّفُ عَلَيْها إمْكانُ الحَشْرِ وهي قَبُولُ المَوادِّ لِلْجَمْعِ والإحْياءِ فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي: آدم مِنْ صَلْصالٍ أي: من طين يتصلصل إذا مشيت عليه يتقلقل، وإذا تركته يتفلّق، مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ أي: من طين أسود منتن.
وقال الأخفش: أي من طين مصبوب.
ويقال: مَسْنُونٍ أي: متغير الرائحة كقوله لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة: 259] .
ويقال: الذي أتت عليه السنون.
وقال القتبي: الصلصال الطين اليابس الذي لم تصبه نار، إذا ضربته صوّت، وإذا مسته النار فهو فخار.
والمسنون: المتغير الرائحة، والحمأ: جمع حمئة وهو الطين المتغير وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ آدم مِنْ نارِ السَّمُومِ وهي نار لا دخان لها، وهم في الأرض مع إبليس سكان الأرض.
<div class="verse-tafsir"
الرابع: المستَقْدِمِين: سائرُ الأمم، والمستأخرِينَ أمَّة سيِّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم قاله مجاهد «١» .
الخامس: قال الحَسَنُ: معناه: المتقدِّمين في الطاعة، والمستأخرين في المعصية «٢» .
انتهى.
ت: والحديثُ المتقدِّم، إِنْ صحَّ، فلا بد من تأويله، فإِن الصحابة ينزَّهُونَ عن فعْلِ ما ذُكِرَ فيه، فيؤوَّل بأنَّ ذلك صَدَرَ من بعضِ المنافقين، أوْ بعضِ الأعراب الذين قَرُبَ عهدهم بالإِسلام، ولم يَرْسَخِ الإِيمان في قلوبهم، وأما ابنُ عبَّاس، فإِنه كان يومَئِذٍ/ صغيراً بلا شك، هذا إِن كانت الآيةُ مدنيَّةً، فإِن كانت مكيَّةً، فهو يومئذٍ في سِنِّ الطفوليَّة، وبالجملة فالظاهرُ ضَعْفُ هذا الحديثِ من وجوه.
انتهى، وباقي الآية بيّن.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ: يعني: آدم، قال ابن عباس: خُلِقَ من ثلاثَةٍ: مِنْ طينٍ لازبٍ، وهو اللازقُ الجَيِّد، ومِنْ صلصالٍ، وهو الأرضُ الطَّيِّبَةُ يقع عليها الماءُ، ثم ينحسرُ فيتشقَّقُ وتصيرُ مثْلَ الخزف، ومِنْ حَمإٍ مسنون، وهو الطينُ فيه الحماة «٣» ، وال مَسْنُونٍ: قال مَعمرٌ: هو المُنْتِنُ «٤» ، وهو مِنْ أَسِنَ الماءُ إِذا تَغَيَّر، وَرُدَّ من جهة التصريف، وقيل غير هذا، وفي الحديث: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التُّرَابِ: الطَّيِّبِ وَالخَبِيثِ، وَالأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ» «٥» .
وقوله: وَالْجَانَّ: يراد به: جنسُ الشياطينِ، وسئل وهبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عنهم، فقال هم
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي آدَمَ ﴿ مِن صَلْصالٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ نارٌ، فَإذا نَقَرْتَهُ صَلَّ، فَسَمِعْتَ لَهُ صَلْصَلَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ الطِّينُ المُنْتِنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ.
ويُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ: إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ، فَصارَ لَهُ صَوْتٌ عِنْدَ نَقْرِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
فَأمّا الحَمَأُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو جَمْعُ حَمْأةٍ، وهو الطِّينُ المُتَغَيِّرُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ أنَّ الحَمَأ: الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ.
ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ قالَ: بُلَّ التُّرابُ حَتّى صارَ طِينًا، ثُمَّ تُرِكَ حَتّى أنْتَنَ وتَغَيَّرَ.
وَفِي المَسْنُونِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُنْتِنُ أيْضًا، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَسْنُونُ: المُتَغَيِّرُ الرّائِحَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ الطِّينُ الرَّطِبُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المَصْبُوبُ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وأبُو عُبَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المَحْكُوكُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، قالَ: فَمَن قالَ: المَسْنُونُ: المُنْتِنُ، قالَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ تَسَنّى الشَّيْءُ: إذا أنْتَنَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: مَسْنُونٌ، لِتَقادُمِ السِّنِينَ عَلَيْهِ.
ومَن قالَ: الطِّينُ الرَّطِبُ، قالَ: سُمِّيَ مَسْنُونًا، لِأنَّهُ يَسِيلُ ويَنْبَسِطُ، فَيَكُونُ كالماءِ المَسْنُونِ المَصْبُوبِ.
ومَن قالَ: المَصْبُوبُ، احْتَجَّ بِقَوْلِ العَرَبِ: قَدْ سَنَنْتَ عَلَيَّ الماءَ: إذا صَبَبْتَهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْبُوبَ عَلى صُورَةٍ ومِثالٍ، مِن قَوْلِهِ: رَأيْتُ سُنَّةَ وجْهِهِ، أيْ: صُورَةَ وجْهِهِ، قالَ الشّاعِرُ: تُرِيكَ سُنَّةَ وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدَبُ وَمَن قالَ: المَحْكُوكُ، احْتَجَّ بِقَوْلِ العَرَبِ: سَنَنْتُ الحَجْرَ عَلى الحَجْرِ: إذا حَكَكْتَهُ عَلَيْهِ.
وسُمِّي المِسَنُّ مِسَنًّا، لِأنَّ الحَدِيدَ يُحَكُّ عَلَيْهِ.
قالَ: وإنَّما كُرِّرَتْ " مِن " لِأنَّ الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ " خَلَقْنا " والثّانِيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالصَّلْصالِ، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِنَ الصَّلْصالِ الَّذِي هو مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والجانَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَسِيخُ الجِنِّ، كَما أنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ مَسِيخُ الإنْسِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الجِنِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورَوى عَنْهُ الضَّحّاكُ أنَّهُ قالَ: الجانُّ أبُو الجِنِّ، ولَيْسُوا بِشَياطِينَ، والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ، والجِنُّ يَمُوتُونَ، ومِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أبُو الجِنِّ هو إبْلِيسُ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ هو، فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ هو الَّذِي قَبْلَهُ.
والثّانِي: أنَّ الجانَّ أبُو الجِنِّ، وإبْلِيسُ أبُو الشَّياطِينِ، فَبَيْنَهُما إذًا فَرْقٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ العُلَماءُ: وإنَّما سُمِّيَ جانًّا، لِتَوارِيهِ عَنِ العُيُونِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي: قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ ﴿ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ ، وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مِن نارِ الرِّيحِ الحارَّةِ، وهي جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ.
والسَّمُومُ في اللُّغَةِ: الرِّيحُ الحارَّةُ وفِيها نارٌ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: وهي نارٌ لا دُخانَ لَها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأرْسَلْنا الرِياحَ لَواقِحَ فَأنْزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ ﴿ والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَمُومِ ﴾ يُقالُ: لُقِّحَتِ الناقَةُ والشَجَرَةُ فَهي لاقِحَةٌ إذا حَمَلَتْ، والرِياحُ تُلَقِّحُ الشَجَرَ والسَحابَ، فالوَجْهُ في الرِيحِ أنَّها مُلَقِّحَةٌ لا لاقِحَةٌ، وتَتَّجِهُ صِفَةُ الرِياحِ بِـ [لَواقِحَ] عَلى أرْبَعَةِ أوجُهٍ: أوَّلُها وأُولاها أنَّ جَعْلَها لاقِحَةً حَقِيقَةً، وذَلِكَ أنَّ الرِيحَ مِنها ما فِيهِ عَذابٌ أو ضُرٌّ أو نارٌ، ومِنها ما فِيهِ رَحْمَةٌ أو مَطَرٌ أو نَصْرٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ، فَإذا بِها تَحْمِلُ ما حَمَّلَتْها القُدْرَةُ، أو ما عَلَّقَتْهُ مِنَ الهَواءِ أوِ التُرابِ أوِ الماءِ الَّذِي مَرَّتْ عَلَيْهِ، فَهي لاقِحَةٌ بِهَذا الوَجْهِ، وإنْ كانَتْ أيْضًا تُلَقِّحُ غَيْرَها وتُصَيِّرُ إلَيْهِ نَفْعَها، والعَرَبُ تُسَمِّي الجَنُوبَ الحامِلَ واللاقِحَةَ، وتُسَمِّي الشَمالَ الحائِلَ والعَقِيمَ ومَحْوَةً لَأنَّها تَمْحُو السَحابَ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "الرِيحُ الجَنُوبُ مِنَ الجَنَّةِ، وهي اللَواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ، وفِيها مَنافِعُ لِلنّاسِ"،» ومِن هَذا قَوْلٌ الطِرْماحِ: قَلِقٌ لِأفْنانِ الرِيا ∗∗∗ حِ لِلاقِحٍ مِنها وحائِلِ وقَوْلُ أبِي وجْزَةَ: .......................
مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ..
فَجَعَلَها حامِلًا بِنَسْلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَخْرُجُ هَذا عَلى أنَّها مُلَقِّحَةٌ فَلا حُجَّةَ فِيهِ.
والثانِي أنْ يَكُونَ وصْفُها بِـ [لَواقِحَ] مِن بابِ قَوْلِهِمْ: "لَيْلٌ نائِمٌ"، أيْ: فِيهِ نَوْمٌ ومَعَهُ، "وَيَوْمٌ عاصِفٌ"، ونَحْوَهُ، فَهَذا عَلى طَرِيقِ المَجازِ.
والثالِثُ أنْ تُوصَفَ الرِياحُ بِـ [لَواقِحَ] عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: ذاتُ لُقَحٍ، كَقَوْلِ النابِغَةِ: كَلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ أيْ: ذِي نَصْبٍ.
والرابِعُ أنْ يَكُونَ [لَواقِحَ] جَمْعَ "مُلَقِّحَةٍ" عَلى حَذْفِ زَوائِدِهِ، فَكَأنَّهُ "لَقِحَةٌ" فَجَمَعَها كَما تَجْمَعُ "لاقِحَةٌ"، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَبَّيْكَ يَزِيدٌ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وأشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَوائِحُ وإنَّما طَوَّحَتْهُ المَطاوِحُ، وعَلى هَذا النَحْوِ فَسَّرَها أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: "لَواقِحَ مَلاقِحَ"، وكَذَلِكَ العِبارَةُ عنها في كِتابِ البُخارِيٍّ: "لَواقِحَ مَلاقِحَ مُلَقِّحَةً".
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "الرِياحَ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: حَمْزَةُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الرِيحَ" بِالإفْرادِ، وهي لِلْجِنْسِ فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، ومَثَّلَها الطَبَرِيُّ بِقَوْلِهِمْ: "قَمِيصُ أخْلاقٍ، وأرْضُ أغْفالٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ مِن حَيْثُ هو أجْزاءٌ كَثِيرَةٌ تَجْمَعُ صِفَتَهُ، فَكَذَلِكَ "رِيحٌ لَواقِحٌ" لَأنَّها مُتَفَرِّقَةُ الهُبُوبِ، وكَذَلِكَ "دارٌ بِلاقِعَ"، أيْ: كُلُّ مَوْضِعٍ مِنها بَلْقَعٌ.
وقالَ الأعْمَشُ: إنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ "وَأرْسَلْنا الرِياحَ تَلْقَحُ"، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "الرِيحُ مِن نَفَسِ الرَحْمَنِ".» ومَعْنى الإضافَةِ هُنا إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، كَما قالَ: "مِن رُوحِي"، ومَعْنى "مِن نَفْسِ الرَحْمَنِ" أيْ مِن تَنْفِيسِهِ وإزالَتِهِ الكُرَبَ والشَدائِدَ، فَمِنَ التَنْفِيسِ بِالرِيحِ النَصْرُ بِالصَبا، ودُرُورُ الأرْزاقِ بِها، وما لَها مِنَ الخِدْمَةِ في الأرْزاقِ وجَلْبِ الأمْطارِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَكْثُرُ عَدُّهُ، ولَقَدْ حُدِّثَتْ أنَّ ابْنَ أبِي قُحافَةَ رَحِمَهُ اللهُ فَسَّرَ هَذا الحَدِيثَ نَحْوَ هَذا، وأنْشَدَ في تَفْسِيرِهِ: فَإنَّ الصِبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها وهَذا مِن جُمْلَةِ التَنْفِيسِ.
والعَرَبُ تَقُولُ: أسْقى وسَقى بِمَعْنى واحِدٍ، وقالَ لَبِيدٌ: سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى ∗∗∗ ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ فَجاءَ بِاللُغَتَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمّا إذا كانَ مِن سَقْيِ الشَفَةِ خاصَّةً فَلا يُقالُ إلّا سَقى، وأمّا إنْ كانَ لِسَقْيِ الأرْضِ والثِمارِ وجُمْلَةِ الأشْياءِ فَيُقالُ: أسْقى، وأمّا الداعِي لِأرْضٍ أو غَيْرِها بِالسَقْيِ فَإنَّما يُقالُ فِيهِ: أسْقى، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: وقَفَتْ عَلى رَسْمٍ لِمِيَّةَ ناقَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ بَيْتَ لَبِيدٍ دُعاءٌ، وفِيهِ اللُغَتانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ﴾ الآيَةُ.
هَذِهِ الآيَةُ مَعَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها تَضَمَّنَتِ العِبْرَةَ والدَلالَةَ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وما يُوجِبُ تَوْحِيدَهُ وعِبادَتَهُ، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي مَن نَشاءُ بِإخْراجِهِ مِنَ العَدَمِ إلى وُجُودِ الحَياةِ، ونَرُدُّهُ عِنْدَ البَعْثِ مِن مَرْقَدِهِ مَيِّتًا، ونُمِيتُ بِإزالَةِ الحَياةِ عَمَّنْ كانَ حَيًّا.
﴿ وَنَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ أيْ: لا يَبْقى شَيْءٌ سِوانا، وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهُهُ، لا رَبَّ غَيْرُهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِمَن تُقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ وبِمَن تَأخَّرَ في الزَمَنِ، مِن لَدُنْ أُهْبِطَ آدَمُ إلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأعْلَمَ أنَّهُ هو الحاشِرُ لَهُمُ، الجامِعُ لِعَرْضِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَباعُدِهِمْ في الأقْطارِ والأزْمانِ، وأنَّ حِكْمَتَهُ وعِلْمَهُ يَأْتِيانِ بِهَذا كُلِّهِ عَلى أتَمِّ غاياتِهِ الَّتِي قَدَّرَها وأرادَها.
وقَرَأ الأعْرَجُ: "يَحْشِرُهُمْ" بِكَسْرِ الشِينِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بِهَذا سِياقُ مَعْنى الآيَةِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ ﴾ أيْ: في الطاعَةِ والبِدارِ إلى الإيمانِ والخَيْراتِ، و"المُسْتَأْخِرِينَ" بِالمَعاصِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَ اللَفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ، فَلَيْسَ يَطَّرِدُ سِياقُ مَعْنى الآيَةِ إلّا كَما قَدَّمْنا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، وأبُو الجَوْزاءِ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ ﴾ الآيَةُ في «قَوْمٍ كانُوا يُصَلُّونَ مَعَ النَبِيِّ ، وكانَتِ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ تُصَلِّي وراءَهُ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمُ يَتَقَدَّمُ في الصُفُوفِ لِئَلّا تَفْتِنَهُ، وكانَ بَعْضُهم يَتَأخَّرُ لِيَسْرِقَ النَظَرَ إلَيْها في الصَلاةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَقَدَّمَ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَنَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ وما تَأخَّرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ ﴾ يُضَعِّفُ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ، لَأنَّها تُذْهِبُ إيصالَ المَعْنى، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ لِعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ الآيَةُ.
"الإنْسانَ" هُنا لِلْجِنْسِ، والمُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ، ودَخَلَ مِن بَعْدَهُ في ذَلِكَ إذْ هو مِن نَسَلُهُ.
و"الصَلْصالُ" الطِينُ الَّذِي إذا جَفَّ صَلْصَلَ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، مِنها مَن قالَ: هو طِينُ الخَزَفِ، ومِنها قَوْلُ الفَرّاءِ: هو الطِينُ الحُرِّ يُخالِطُهُ رَمْلٌ دَقِيقٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُلِقَ مِن ثَلاثَةٍ: مِن طِينٍ لازِبٍ، وهو اللازِقُ والجَيِّدُ، ومِن صَلْصالٍ، وهو الأرْضُ الطَيِّبَةُ يَقَعُ عَلَيْها الماءُ ثُمَّ يَنْحَسِرُ فَتُشَقَّقُ وتَصِيرُ مِثْلَ الخَزَفِ، ومِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وهو الطِينُ في الحَمْأةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ الوَجْهُ -عَلى هَذا المَعْنى- أنْ يُقالَ: "صَلّالٌ"، لَكِنْ ضُوعِفَ الفِعْلُ مِن فائِهِ، وأُبْدِلَتْ إحْدى اللامَيْنِ مِن "صَلّالٍ" صادا، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وقالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ والزُبَيْدِيُّ، ونَحْوَهُما عَلى نَحْوِ البَصْرَةِ، ومَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُما فِعْلانِ مُتَبايِنانِ، وكَذَلِكَ قالُوا في ثَرّارٍ وثَرْثارَةٍ، قالَ بَعْضُهُمْ: تَقُولُ: صَلَّ الخَزَفُ ونَحْوَهُ إذا صَوَّتَ بِتَمْدِيدٍ، فَإذا كانَ في صَوْتِهِ تَرْجِيعٌ كالجَرَسِ ونَحْوَهُ قُلْتَ: صَلْصَلَ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: فِيها العَناجِيجُ تَرْدِي في أعِنَّتِها ∗∗∗ ∗∗∗ شُعْثًا تُصَلْصِلُ في أشْداقِها اللُجُمُ وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "صَلْصالٍ" هُنا إنَّما هو مِن: "صَلَّ اللَحْمُ" إذا أنْتَنَ، فَجَعَلُوا مَعْنى "صَلْصالٍ" و"حَمَأٍ" في لُزُومِ النَتَنِ شَيْئًا واحِدًا.
و"المَسْنُونُ" قالَ مَعْمَرٌ: مَعْناهُ: المُنْتِنُ، وهو مَن "أسِنَ الماءُ" إذا تَغَيَّرَ، والتَصْرِيفُ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْنُونُ: الرَطْبُ، وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: سَنَّ ذُرِّيَّتَهُ عَلى خَلْقِهِ، الَّذِي يَتَرَتَّبُ في "مَسْنُونٍ" إمّا أنْ يَكُونَ: مَحْكُوكٌ مُحْكَمُ العَمَلِ أمْلَسُ السَطْحِ، فَيَكُونُ مِن مَعْنى المُسِنِّ والسِنّانِ، وقَوْلُهُمْ: "سَنَنْتُ السِكِّينَ، وسَنَنْتُ الحَجَرَ" إذا أحْكَمْتَ مَلْسَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ثُمَّ دافَعْتُها إلى القُبَّةِ الخَضْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـراءِ تَمْشِي في مَرْمَرٍ مَسْنُونٍ أيْ: مُحْكَمُ الإمْلاسِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَصْبُوبِ: تَقُولُ: "سَنَنْتُ التُرابَ والماءَ" إذا صَبَبْتُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِمَن حَضَرَ وفاتَهُ: "إذا أدْخَلْتُمُونِي في قَبْرِي فَسُنُّوا عَلَيَّ التُرابَ سَنًّا"، ومِن هَذا سَنُّ الغارَةِ.
وقالَ الزَجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِهِ عَلى سُنَّةِ الطَرِيقِ، لَأنَّهُ إنَّما يَتَغَيَّرُ إذا فارَقَ الماءَ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: مَنَّ حَمَأٍ مَصْبُوبٍ يُوضَعُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ عَلى مِثالٍ وصُورَةٍ.
"والجانَّ" يُرادُ بِهِ جِنْسُ الشَياطِينِ، ويُسَمَّوْنَ جِنَّةً وجانًّا وجِنًّا لِاسْتِتارِهِمْ عَنِ العَيْنِ، وسُئِلَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عنهم فَقالَ: هم أجْناسٌ، فَأمّا خالِصُ الجِنِّ فَهم رِيحٌ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ ولا يَمُوتُونَ ولا يَتَوالَدُونَ، ومِنهم أجْناسٌ تَفْعَلُ هَذا كُلَّهُ، مِنها السَعالِي والغُولُ وأشْباهُ ذَلِكَ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "الجَأْنَ" بِالهَمْزِ، والمُرادُ بِهَذِهِ الخِلْقَةِ إبْلِيسُ أبُو الجِنِّ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ مِن جَمِيعِ أنْواعِ التُرابِ، الطَيِّبِ والخَبِيثِ، والأسْوَدِ والأحْمَرِ"،» وفي سُورَةِ البَقَرَةِ إيعابُ هَذا.
وقَوْلُهُ: "مِن قَبْلُ" لَأنَّ إبْلِيسَ خُلِقَ قَبْلَ آدَمَ بِمُدَّةٍ، وخُلِقَ آدَمُ آخِرَ الخَلْقِ.
و"السَمُومِ" فِي كَلامِ العَرَبِ إفْراطُ الحَرِّ حَتّى يَقْتُلَ، مِن نارٍ أو شَمْسٍ أو رِيحٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَمُومُ بِاللَيْلِ، والحَرُورُ بِالنَهارِ، وأمّا إضافَةُ النارِ إلى السَمُومِ في هَذِهِ الآيَةِ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النارُ أنْواعًا ويَكُونُ السَمُومُ أمْرًا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنها فَتَصِحُّ الإضافَةُ حِينَئِذٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا فَيُخَرَّجُ هَذا عَلى قَوْلِهِمْ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" و"دارُ الآخِرَةِ" عَلى حَذْفِ مُضافٍ.
<div class="verse-tafsir"
تكملة لإقامة الدليل على انفراده تعالى بخلق أجناس العوالم وما فيها.
ومنه يتخلص إلى التذكير بعداوة الشيطان للبشر ليأخذوا حذرهم منه ويحاسبوا أنفسهم على ما يخامرها من وَسْواسه بما يرديهم.
جاء بمناسبة ذكر الإحياء والإماتة فإن أهم الإحياء هو إيجاد النوع الإنساني.
ففي هذا الخبر استدلال على عظيم القدرة والحكمة وعلى إمكان البعث، وموعظةٌ وذكرى.
والمراد بالإنسان آدم عليه السلام.
والصلصال: الطين الذي يترك حتى ييبس فإذا يبس فهو صلصال وهو شبه الفَخّار؛ إلا أن الفَخّار هو ما يبس بالطبخ بالنّار.
قال تعالى: ﴿ خلق الإنسان من صلصال كالفخار ﴾ [سورة الرحمن: 14].
والحَمأ: الطين إذا اسودّ وكرهت رائحته.
وقوله: ﴿ من حمإ ﴾ صفة ل ﴿ صلصال ﴾ و ﴿ مسنون ﴾ صفة ل ﴿ حمإ ﴾ أو ل ﴿ صلصال ﴾ .
وإذ كان الصلصال من الحمأ فصفة أحدهما صفة للآخر.
والمسنون: الذي طالت مدة مكثه، وهواسم مفعول من فعل سنّهُ إذا تركه مدة طويلة تشبه السّنة.
وأحسب أن فعل (سَن) بمعنى ترك شيئاً مدة طويلة غيرُ مسموع.
ولعل (تَسَنّه) بمعنى تغيّر من طول المدّة أصله مطاوع سَنه ثم تنوسي منه معنى المطاوعة.
وقد تقدم قوله تعالى ﴿ لم يتسنّه ﴾ في سورة البقرة (259).
والمقصود من ذكر هذه الأشياء التنبيه على عجيب صنع الله تعالى إذ أخرج من هذه الحالة المهينة نوعاً هو سيد أنواع عالم المادة ذات الحياة.
وفيه إشارة إلى أن ماهية الحياة تتقوم من الترابية والرطوبة والتعفن، وهو يعطي حرارة ضعيفة.
ولذلك تنشأ في الأجرام المتعفّنة حيوانات مثل الدود، ولذلك أيضاً تنشأ في الأمزجة المتعفّنة الحمى.
وفيه إشارة إلى الأطوار التي مرّت على مادة خلق الإنسان.
وتوكيد الجملة بلام القسم وبحرف (قد) لزيادة التحْقيق تنبيهاً على أهميّة هذا الخلق وأنه بهذه الصفة.
وعطف جملة والجانّ خلقناه} إدماج وتمهيد إلى بيان نشأة العداوة بين بني آدم وجُند إبليس.
وأكدت جملة ﴿ والجان خلقناه ﴾ بصيغة الاشتغال التي هي تقوية للفعل بتقدير نظيره المحذوف، ولما فيها من الاهتمام بالإجمال ثم التفصيل لمثل الغرض الّذي أكدت به جملة ﴿ ولقد خلقنا الإنسان ﴾ الخ.
وفائدة قوله: ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل خلق الإنسان تعليم أن خلق الجانّ أسبق لأنّه مخلوق من عنصر الحرارة والحرارة أسبق من الرطوبة.
و ﴿ السموم ﴾ بفتح السين: الريح الحارة.
فالجنّ مخلوق من النارية والهوائية ليحصل الاعتدال في الحرارة فيقبل الحياة الخاصة اللائقة بخلقة الجنّ، فكما كَوّن الله الحمأةَ الصلصالَ المسنونَ لخلق الإنسان، كَون ريحاً حارة وجعل منها الجنّ.
«فهو مكون من حرارة زائدة على مقدار حرارة الإنسان ومن تهوية قويّة.
والحكمة كلّها في إتقان المزج والتركيب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ أمّا الإنْسانُ ها هُنا فَهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ والضَّحّاكِ.
أمّا الصَّلْصالُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ نارٌ، فَإذا نَقَرْتَهُ صَلَّ فَسَمِعْتَ لَهُ صَلْصَلَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وقاعٍ تَرى الصَّلْصالَ فِيهِ ودُونَهُ بَقايا بِلالٍ بِالقُرى والمَناكِبِ والصَّلْصَلَةُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ المَسْمُوعُ مِن غَيْرِ الحَيَوانِ، وهو مِثْلُ القَعْقَعَةِ في الثَّوْبِ.
الثّانِي: أنَّهُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الطِّينُ المُنْتِنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: صَلَّ اللَّحْمُ وأصَلَّ إذا أنْتَنَ، قالَ الشّاعِرُ: ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قَدْرِهِ ∗∗∗ لا يَفْسُدُ اللَّحْمُ لَدَيْهِ الصُّلُولُ والحَمَأُ: جَمْعُ حَمْأةٍ وهو الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ.
وَفي المَسْنُونِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَسْنُونَ المُنْتِنُ المُتَغَيِّرُ، مِن قَوْلِهِمْ قَدْ أسِنَ الماءُ إذا تَغَيَّرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: سَقَتْ صَدايَ رُضابًا غَيْرَ ذِي أسَنٍ ∗∗∗ كالمِسْكِ فُتَّ عَلى ماءِ العَناقِيدِ الثّانِي: أنَّ المَسْنُونَ المَنصُوبُ القائِمُ، مِن قَوْلِهِمْ وجْهٌ مَسْنُونٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: أنَّ المَسْنُونَ المَصْبُوبُ، مِن قَوْلِهِمْ سَنَيْتُ الماءَ عَلى الوَجْهِ إذا صَبَبْتُهُ عَلَيْهِ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ومِنهُ الأثَرُ المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَسُنُّ الماءَ عَلى وجْهِهِ ولا يَشُنُّهُ، والشَّنُّ تَفْرِيقُ الماءِ، والسَّنُّ صَبُّهُ.
الرّابِعُ: أنَّ المَسْنُونَ الَّذِي يَحُكُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، مِن قَوْلِهِمْ سَنَنْتُ الحَجَرَ عَلى الحَجَرِ إذا حَكَكْتُ أحَدَهُما بِالآخَرِ، ومِنهُ سُمِّيَ المِسَنُّ لِأنَّ الحَدِيدَ يُسَنُّ عَلَيْهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الخامِسُ: أنَّ المَسْنُونَ المَنسُوبُ.
السّادِسُ: أنَّهُ الرَّطْبُ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.
السّابِعُ: أنَّهُ المُخَلِّصُ مِن قَوْلِهِمْ سِنَّ سَيْفَكَ أيِ اجْلُهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ وفي الجانِّ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الجِنُّ حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أبُو الجِنِّ قالَهُ الكَلْبِيُّ فَآدَمُ أبُو الإنْسِ، والجانُّ: أبُو الجِنِّ، وإبْلِيسُ أبُو الشَّياطِينِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجانُّ أبُو الجِنِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ.
والجِنُّ يَمُوتُونَ، ومِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.
﴿ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ آدَمَ.
قالَ قَتادَةُ: لِأنَّ آدَمَ إنَّما خُلِقَ آخِرَ الخَلْقِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مِن لَهَبِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَعْنِي مِن نارِ الشَّمْسِ، قالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ.
الثّالِثُ: مِن حَرِّ السَّمُومِ، والسَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ.
ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّهُ نارُ السَّمُومِ نارُ الصَّواعِقِ بَيْنَ السَّماءِ وبَيْنَ حِجابٍ دُونَها، قالَهُ الكَلْبِيُّ وسُمِّيَ سَمُومًا لِدُخُولِهِ في مَسامِّ البَدَنِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الجان، مسيخ الجن كما القردة والخنازير مسيخ الإِنس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والجان خلقناه من قبل ﴾ وهو إبليس خلق من قبل آدم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ قال: من أحسن الناس.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ من نار السموم ﴾ قال: ﴿ السموم ﴾ الحارة التي تقتل.
وأخرج الطيالسي والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ﴿ السموم ﴾ التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ثم قرأ ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رؤيا المؤمن جزء من سبعين جزءاً من النبوّة، وهذه النار جزء من سبعين جزءاً من نار السموم التي خلق منها الجان» وتلا هذه الآية ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: خلق الجان والشياطين من نار الشمس.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ ﴾ الآية.
اختلفوا في الجآن مَنْ هو؟
فقال عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ قال ابن عباس: يريد من قبل خلق آدم (٤) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ﴾ اختلفوا في معنى (السموم)، فقال ابن عباس في رواية الكلبي: هي نارٌ لا دخان لها، والصواعق تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمرًا خرقت الحجاب فهوت إلى ما أُمرت، والهدَّة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب (٥) (٦) وقال آخرون: من نار الريح الحارة، وهو قول ابن مسعود، قال: هذه السموم جزء من سبعين جزءًا من السموم التي خلق منها الجان، وتلا هذه الآية (٧) وعلى هذا فالريح الحارة فيها نار، ولها لفح وأُوار (٨) (٩) قال الفراء: يقال أَسَمَّ يومنا هذا، إذا كانت فيه السموم، وإنه ليوم مُسِمٌّ، والعرب تقول: مَسْمُوْمٌ، ولا يُقَال: قد سُمّ، قال: وسمعت من يقول: قد سُمّ يومنا (١٠) (١) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 196ب بلفظه، والثعلبي 2/ 148 أ، عن قتادة ومقاتل، والماوردي 3/ 158 عن الحسن "تفسير البغوي" 4/ 379 عن قتادة، وابن الجوزي 4/ 399 عن الحسن، وقتادة ومقاتل، والفخر الرازي 19/ 180 عنهم، و"تفسير القرطبي" 10/ 23 عن الحسن، والخازن 3/ 95 عن قتادة، و"تفسير أبي حيان" 5/ 453 عن الحسن وقتادة، و"الدر المنثور" 4/ 183 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.
(٢) ورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 أ، والماوردي 3/ 158، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 379، وابن الجوزي 4/ 399 من طريق أبي صالح، والفخر الرازي 19/ 180، والخازن 3/ 95، وأبي حيان 5/ 453، و"تنوير المقباس" ص 277، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 218، وأبي السعود 5/ 74، والشوكاني 3/ 189.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (حسن) 1/ 671، "المحيط في اللغة" 6/ 410، "الصحاح" (جنن) 5/ 3094.
(٤) "تنوير المقباس" ص 277 بنصه، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 196 ب، و"تفسير السمرقندي" 2/ 218، والثعلبي 2/ 148 أ، والماوردي 3/ 158، وابن الجوزي 4/ 399، و"تفسير القرطبي" 10/ 23، والخازن 3/ 95.
(٥) انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 23، وورد منسوباً إلى الكلبي -نفسه- في "تفسِر الماوردي" 3/ 159، و"تفسير البغوي" 4/ 379، وابن الجوزي 4/ 400.
(٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 88.
(٧) "أخرجه الطبري" 14/ 30 بنصه، والطبراني في "الكبير" 9/ 247 بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 أبنصه، والطوسي 6/ 331، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 400، و"تفسير القرطبي" 10/ 23، والخازن 3/ 95، وابن كثير 2/ 605، "الدر المنثور" 4/ 183 - 184 وزاد نسبته إلى الطيالسي والفريابي وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في الشعب، ولم أقف عليه فيهما.
هذا القول ورد موقوفاً على ابن مسعود (كما في المصادر السابقة)، وروي عنه مرفوعاً في مسند البزار "البحر الزجار" 5/ 250 وإسناده ضعيف كما أشار إلى ذلك الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 388، وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً كما في "تفسير الشوكاني" 3/ 189 - 190، والألوسي 14/ 34.
(٨) الأُوار بالضم: شدَّةُ حر الشمس ولفح النار ووهجها والعطش، وقيل الدُّخان واللهبُ.
"اللسان" (أور) 1/ 169.
(٩) انظر: "المنتخب من غريب كلام العرب" 1/ 423، "تهذيب اللغة" (سم) 2/ 1762، و (سمم) في "الصحاح" 5/ 1954، و"اللسان" 4/ 2102، و"عمدة الألفاظ" 2/ 256.
(١٠) لم أجده في معانيه، وبعض هذا الكلام ورد في التهذيب منسوباً إليه.
انظر: "تهذيب اللغة" (سم) 2/ 1762.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والجآن خلقناه ﴾ يراد به جنس الشياطين، وقيل إبليس الأول، وهذا أرجح لقوله: من قبلُ وتناسلت الجن من إبليس وهو للجن كآدم للناس ﴿ السموم ﴾ شدّة الحر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ربما ﴾ بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني.
و ﴿ ربما ﴾ بضم الباء خفيفة: الشموني.
الباقون بالفتح والتشديد ﴿ ما ننزل ﴾ بالنون ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
﴿ ما تنزل ﴾ بضم التاء وفتح الزاي المشددة ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ولكن بفتح التاء ﴿ ما تنزل ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ سكرت ﴾ خفيفة: ابن كثير ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وخلف ﴿ صراط على ﴾ بكسر اللام ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون ﴿ عليّ ﴾ جاراً ومجروراً ﴿ وعيون ﴾ بكسر العين: حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد.
الباقون بضمها ﴿ نبىء عبادي ﴾ مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: {أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون بالإسكان.
الوقوف ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ وما يستأخرون ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ط لأن التحضيض له صدر الكلام ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يعرجون ﴾ ه ﴿ مسحورون ﴾ ه ﴿ للناظرين ﴾ لا ﴿ رجيم ﴾ لا ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ موزون ﴾ ه ﴿ برازقين ﴾ ه ﴿ خزائنه ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بي معنيي الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل.
﴿ فأسقيناكموه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ بخازنين ﴾ ه ﴿ الوارثون ﴾ ه ﴿ المستأخرين ﴾ ه ﴿ يحشرهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية ﴿ السموم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ من المنظرين ﴾ لا ه ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ أبواب ﴾ ط ﴿ مقسوم ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لإرادة القول بعده ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ بمخرجين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ لا ﴿ الأليم ﴾ ه.
التفسير قال جار الله: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب والقرآن المبين السورة.
وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمداً والمعنى تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
أما قوله ﴿ ربما يود ﴾ فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أم مسكنة، ورب بالراء مفتوحة والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب فيأخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود.
و"ما" هذه كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل.
وقيل: إن "ما" بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا.
ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟
وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك.
والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك.
وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلاً أو مشكوكاً فيه لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ومن الغم المظنون كما من المتيقن.
فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة كان جديراً بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة.
وقوله ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ إخبار عن ودادتهم كقولك "حلف بالله ليفعلن".
ولو قيل "لو كنا مسلمين" جاز من حيث العربية كقولك "حلف بالله لأفعلن".
ومتى تكون هذه الودادة؟
قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب أو رأى أحوالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً.
وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن العذاب يشغلهم عن كثير التمني فلذلك قلل.
وقال الضحاك: هي عند الموت إذا شاهد أمارات العذاب.
وقيل: إذا اسودت وجوههم.
روي عن النبي "إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة.
فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟
قالوا: بلى قالوا: فما أغنى عنكم من إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟
فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل القبلة بالخروج فحينئذٍ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.
وقرأ رسول الله الآية" .
وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴿ ذرهم ﴾ ظاهره أمر لرسول الله بأنه يخليهم وشأنهم، فاحتجت الأشاعرة به على أنه وتعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون مفسدة في الدين.
وقالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً وإنما هو تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ.
وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ﴿ و ﴾ معنى ﴿ يلههم الأمل ﴾ يشغلهم الرجاء عن الإيمان والطاعة.
لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهياً إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه.
وألهاني غيره.
عن أنس أن النبي خط خطاً وقال: هذا الإنسان.
وخط آخر إلى جنبه وقال: هذا أجله.
وخط آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل.
فبينما هو كذلك إذا جاءه الأقرب ﴿ فسوف يعلمون ﴾ سوء صنيعهم مزيد تأكيد للتهديد.
ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ﴾ أي مكتوب ﴿ معلوم ﴾ وهو أجلها الذي كتب في اللوح.
قال جار الله: قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.
وذكر السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك "جاءني رجلٌ وعلى كتفه سيف" لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة ﴿ إلا ﴾ وذو الحال قريب من المعرفة إذ التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق.
قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين المعاندين من الأمم السالفة.
وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر.
وقيل: أراد مجموع الأمرين.
قال صاحب النظم: إذا كان السبق واقعاً على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك "سبق زيد عمراً" أي جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان فعلى العكس كقولك "سبق فلان عام كذا" معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه.
فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة الأنعام.
وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً في قوله ﴿ وما يستأخرون ﴾ حملاً على اللفظ والمعنى، وحذف متعلق ﴿ يستأخرون ﴾ وهو عنه للعلم به.
ولما بالغ في تهديد الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي.
فالأولى أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه .
ما لا يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيساً للكلام استهزاءً وتهكماً، وأرادوا يا أيها الذين نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه وأتباعه، الثانية.
﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ "لو ما" حرف تحضيض مركب من "لو" المفيدة للتمني ومن "ما" المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟
والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقاً في أن تكذيبك يقتضي التعذيب العاجل؟
فأجاب الله عن شبههم بقوله ﴿ ما ننزل الملائكة إلا بالحق ﴾ قالت المعتزلة: أي تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً فإن أمر التكليف حينئذٍ يؤول إلى الاضطرار والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه يعلم إصراركم على الكفر فيصير إنزالهم عبثاً، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال وذلك قوله ﴿ وما كانوا إذاً منظرين ﴾ فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم.
وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو العذاب.
قال صاحب النظم: لفظ "إذن" مركبة من "إذ" بمعنى "حين" ومن "أن" الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا.
وقال غيره: "إذن" جواب وجزاء تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم.
ثم أنكر على الكفار استهزاءهم في قولهم ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ فقال على سبيل التوكيد ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر ﴾ ثم دل على كونه آي منزلة من عنده فقال ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظاً من التغيير والاختلاف.
وقيل: الضمير في ﴿ له ﴾ لرسول الله كقوله ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ والقول الأول أوضح.
ووجه حفظ القرآن قيل: هو جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئاً ظهر ذلك للعقلاء.
ولم يخف، فلذلك بقي مصوناً عن التحريف.
وقيل: حفظ بالدرس.
والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان: أخطأت.
ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه أخبر عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم يبق للموحد شك في إعجازه.
وههنا نكتة هي أنه تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي محفوظاً على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف.
ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي .
وفي الكلام إضمار والتقدير ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك ﴾ رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه.
ومعنى ﴿ في شيع الأولين ﴾ في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر "الأنعام" قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلاً فيما بينهم.
قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله ﴿ حق اليقين ﴾ و ﴿ بجانب الغربي ﴾ وقوله ﴿ وما يأتيهم ﴾ حكاية حال ماضية.
وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخراً لأمر من هو مثله أو أقل حالاً منه في المال والجاه والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل.
قوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط.
وقالت الأشاعرة: الضمير في ﴿ نسلكه ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه ﴿ يستهزءُون ﴾ وأما الضمير في قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك.
والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره.
وقال بعض الأدباء منهم: قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ تفسير للكناية في قوله ﴿ نسلكه ﴾ أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده.
وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر.
والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين.
ومحل ﴿ لا يؤمنون به ﴾ نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير مقبول نظيره ما إذا أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية.
واعتراض بأن النون إنما يستعمله الواحد المتكلم إظهاراً للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قويّ كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه غالباً عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر ههنا كذلك لأنه سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا المقام؟
أما قوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.
وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة.
ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب بقوله ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا ﴾ أي هؤلاء الكفار ﴿ فيه يعرجون ﴾ يتصاعدون ﴿ لقالوا إنما سكرت أبصارنا ﴾ هو من سكر الشراب أو من سكر سدّ الشق يقال: سكر النهر إذا سدّه وحبسه من الجري.
والتركيب يدل على قطع الشيء من سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو.
فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها.
عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله وقدرته وسلطانه وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس ان يأتوا بمثله.
قال في الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال ﴿ فظلوا ﴾ ولم يقل "فباتوا" ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.
وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.
وقيل: الضمير في ﴿ فظلوا ﴾ للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها.
وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؟
وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم.
ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعاً على القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ وهي اثنا عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر قسماً متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضاً منقسماً باثنتي عشرة قطعة كل منها تشبه ضلعاً من أضلاع البطيخ تسمى برجاً.
ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.
ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوّزه المتكلمون، أو كانت متساوية ثم تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل في حقيقة الجسمية دالاً على صانع حكيم ومدبر قدير.
الدليل الآخر قوله ﴿ وزيناها ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم ﴿ للناظرين ﴾ بنظر الاعتبار والاستبصار.
وقال المنجمون.
إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر.
ونظير هذه الآية قوله في "حم السجدة" ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ ومثله في سورة الملك.
الدليل الثالث قوله ﴿ وحفظناها ﴾ أي البروج أو السماء ﴿ من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع ﴾ نصب عل الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن يكون مخفوضاً أي إلا ممن استرق.
وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة ﴿ فاتبعه ﴾ أي أدركه ولحقه ﴿ شهابٌ مبين ﴾ ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهاباً لأجل لمعانه وبريقه.
قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد منعوا من السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن يتجسس ويخشى منه الفساد.
والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفياً.
قال الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي إلا أنها لم تكن مسلطة على الشياطين.
وإنما قيض كونها رجوماً للشياطين في زمن عيسى ثم في زمن محمد .
أسئلة: كيف يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحداً كان أو أكثر من جنسهم يسترقون السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟
والجواب: إذا جاء القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك والبوار.
آخر: قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟
وأجيب بأنا سلمنا أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: بينما النبي جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟
قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم.
فقال النبي : "لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟
فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءُوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون" آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟
والجواب: أن الأقوى قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه.
آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي بقي بعد وفاته؟
الجواب: هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة.
آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟
وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة.
آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟
وأجيب بأنه أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل.
وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر.
آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي عن بعض الغيوب فلا يكون دليلاً على صدقه.
لا يقال: إنه أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟
والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتاً لها.
الدليل الرابع: قوله ﴿ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ﴾ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد.
الدليل الخامس قوله: ﴿ وأنبتنا فيها ﴾ أي في الأرض أو في الجبال الرواسي ﴿ من كل شيء موزون ﴾ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب.
وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة.
وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها.
وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة.
يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات.
وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات.
﴿ وجعلنا لكم فيها ﴾ أي في الأرض أو في تلك الموزونات ﴿ معايش ﴾ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول "الأعراف".
﴿ ومن ﴾ عطف على معايش أي جعلنا لكم من ﴿ لستم له برازقين ﴾ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين.
وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله وحده لا الآباء والسادات المخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ وقد يذكر من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ﴾ والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة.
يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر.
ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء ههنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش،وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره.
قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية.
وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور.
والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلاً منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف.
فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء.
قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود.
الدليل السادس: قوله ﴿ وأرسلنا الرياح ﴾ ومن قرأ الريح فاللام للجنس ﴿ لواقح ﴾ قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها.
قاله الحسن وقتادة والضحاك.
وقد جاء في كلام العرب "فاعل" بمعنى "مفعل" قال: ومختبط مما تطيح الطوائح *** يريد المطاوح جمع مطيحة.
وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل.
وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة كما يقال رامح أي ذو رمح - ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر.
وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله : ﴿ حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً ﴾ أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم ﴿ فأسقيناكموه ﴾ أي جعلناه لكم سقياً قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر مما يروى، وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له.
والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: ﴿ نسقيكم مما في بطونه ﴾ ولم يختلفوا في قوله: ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ ويقال: سقيته لشفته وأسقته لماشيته وأرضه.
﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه.
الدليل السابع: قوله ﴿ وإنا لنحن نحيي ونميت ﴾ والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه.
قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان ﴿ ونحن الوارثون ﴾ مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر "آل عمران" في قوله: ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ قوله: ﴿ ولقد علمنا ﴾ عن ابن عباس في رواية عطاء ﴿ المستقدمين ﴾ يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته.
ويروى أنه رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية.
والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم.
وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال.
وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت.
وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء.
وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها.
وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد .
وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد.
والظاهر العموم وأن علمه شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى.
ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ﴾ فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء.
الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها.
وقد أجمع المفسرون على أنه آدم ، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس.
والأقرب أنه خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإٍ مسنون ثم من صلصال كالفخار.
وقد كان قادراً على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادراً على خلقه ابتداء.
وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة.
أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار.
وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن.
والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين.
المسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه.
وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة.
وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معنا متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتناً.
قال في الكشاف: قوله: ﴿ من حمإٍ ﴾ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ.
قلت: ولا يبعد أن يكون بدلاً أي خلقه من حما.
قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك الى جوهر آخر.
قوله: ﴿ والجانّ ﴾ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس - وعن ابن عباس - في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين.
والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب ﴿ خلقناه من قبل ﴾ قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم و ﴿ السموم ﴾ الريح الحارة النافذة في السمام تكون في النهار وقد تكون بالليل.
ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم.
قال ابن مسعود: هذه السموم جزءاً من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق.
الله منها الجان.
ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها.
على قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذٍ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها.
ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادراً مختاراً ذكر بعده واقعته.
والمراد بكونه بشراً أنه يكون جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطاقة أجسامهم.
والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان.
﴿ فإذا سوّيته ﴾ عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالاً نوعياً أو شخصياً.
﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر.
فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به.
قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه.
وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: ﴿ يسألونك عن الروح ﴾ .
ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: ﴿ روحي ﴾ للتشريف والتكريم مثل "ناقة الله" و "بيت الله" والفاء في قوله: ﴿ فقعوا ﴾ تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجباً عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ.
قال المبرد: قوله ﴿ كلهم ﴾ أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا.
وقوله: ﴿ أجمعون ﴾ أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل ﴿ أجمعون ﴾ توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً وكا منتصباً لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد، ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول البقرة.
ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟
فقال: ﴿ أبى أن يكون مع الساجدين ﴾ يعني إباء استكبار.
ثم قال وتعالى خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف ﴿ يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ﴾ وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟
قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود ﴿ قال لم أكن لأسجد ﴾ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد ﴿ لبشر ﴾ وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: ﴿ فاخرج منها ﴾ أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة.
وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حداً للعنة جرياً على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: ﴿ ما دامت السموات والأرض ﴾ أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه.
قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة.
أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو.
وإنما ذكر اللعنة ههنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: ﴿ إني خالق بشراً ﴾ ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في سورة "ص" حيث قال: ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ خصص اللعنة أيضاً بالإضافة فقال: ﴿ وإن عليك اللعنة ﴾ فافهم.
﴿ قال رب فأنظرني ﴾ قد مر مثله في أول "الأعراف".
ومعنى ﴿ الوقت المعلوم ﴾ أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت اللعين أيضاً.
وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله ﴿ قال رب بما أغويتني ﴾ قد مر مباحثه في "الأعراف".
ومفعول ﴿ لأزينن ﴾ محذوف أي أزين لهم المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها *** من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم أن كيده لا يؤثر فيهم.
قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصاً لله من غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحاً أو مساوياً.
ولما ذكر إبليس من الاستثناء ما ذكر ﴿ قال ﴾ الله ﴿ هذا ﴾ يعني الإخلاص طريق مستقيم عليّ ان أراعيه أو عليّ مروره أي على رضواني وكرامتي.
وقيل: لما ذكر اللعين أنه يغوي بني آدم لا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى مشيئته فأشير إليه بقول: ﴿ هذا ﴾ أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي.
﴿ صراط عليّ ﴾ تقريره وتأكيده، ومن قرأ ﴿ عليّ ﴾ بالتوين فهو من علو الشرف أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع.
﴿ مستقيم ﴾ لا عوج له.
وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر ﴿ إلا عبادك ﴾ بين به أنه لا يقدر على إغواء المخلصين فصدقه الله في الاستثناء قائلاً ﴿ إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك ﴾ أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول الأشاعرة.
وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له سلطاناً على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ﴾ وهذا يناسب أصول الاعتزال ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجميعن ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين.
﴿ لها سبعة أبواب ﴾ أي سبع طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين.
وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين.
وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله .
والسبب في أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة.
فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضاً متفاوته بحسبها.
ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ فزعم جمهور المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح.
وقال جمهور: الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط صدق الوصف كونه آتياً بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم.
والآية أيضاً وردت عقيب قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ فلزمه اعتبار الإيمان في هذا الحكم.
والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة الإسلام وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قولاً واعتقاداً سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية.
ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله : { ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ ثم قال ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك.
ثم إن كل واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم.
ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد.
فإن قيل: إذا كانوا في جنات فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة ﴿ ادخلوها ﴾ فالجواب لعل المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ذلك.
ومعنى ﴿ بسلام ﴾ أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع.
قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف" ﴿ إخواناً ﴾ نصب على الحال.
وكذلك ﴿ على سرر متقابلين ﴾ والمراد بالإخوة.
إخوة الدين والتعاطف.
والسرر جمع سرير.
قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور.وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه.
والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قوله: "سر الوادي لأفضل موضع منه" ومنه السر الذي يكتم.
عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.
والتقابل التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم مقبلاً على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد التمانع فيكون موجباً للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من الآفات آمنة من الزوال.
فقوله: ﴿ إن المتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله: ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خاصة من الآفات آمنة من الزوال.
فقوله: ﴿ إن للمتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: ﴿ لا يمسهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الجسدانية، وقوله: ﴿ وما هم بمخرجين ﴾ مفيد لمعنى الخلود.
ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريراً وتمكيناً في النفوس فقال: ﴿ نبىء عبادي ﴾ وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد بـ"أن" وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر كل ذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال: "سبقت رحمتي غضبي".
التأويل: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة ﴿ لو كانوا ﴾ مستسلمين لأوامر الله ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من الأمّارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت من بدء الخلق مسلمة مؤمنة كالقلب والروح.
ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: ﴿ ذرهم يأكلوا ﴾ ﴿ وما أهلكنا من قرية ﴾ من القرى البدنية بإفساد استعدادها ﴿ إلا ولها كتاب ﴾ مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله ﴿ ما تسبق من أمة أجلها ﴾ متى يظهر منها ما هو سبب هلاكها ﴿ وما يستأخرون ﴾ لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها ﴿ وقالوا ﴾ يعني النفوس المتمردة مخاطباً للقلب الذاكر ﴿ لو ما تأتينا ﴾ بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما كانوا إذاً منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم ﴿ إنا نحن نزلنا ﴾ كلمة لا إله إلا الله في قلوب المؤمنين ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان ﴾ والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ.
﴿ ولو فتحنا ﴾ على من أسلكنا الكفر في قلوبهم ﴿ باباً من ﴾ سماء القلب لأنكروا فتح الباب.
ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع والطوالع ﴿ وزيناها ﴾ لأهل النظر السائرين إلى الله ﴿ وحفظناها من ﴾ وساوس الشيطان وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق ﴿ والأرض مددناها ﴾ فيه أن أرض البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي أسباب الوصول والوصال ﴿ ومن لستم له برازقين ﴾ وهو جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط، ولكل شيء خزانة فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله بأجمعها ﴿ وأرسلنا ﴾ رياح العناية ﴿ لواقح ﴾ لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام بالله والاعتماد عليه.
﴿ فأنزلنا من ﴾ سماء الهداية ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازاً.
وإنا لنحن نحيي قلوب أوليائينا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا ﴿ ونحن الوارثون ﴾ بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا ﴿ وإن ربك هو ﴾ يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: ﴿ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ﴾ أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق، فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة.
﴿ بما أغويتني ﴾ أضللتني من طريق الأمارية ﴿ لأزينن ﴾ للأرواح في أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها ﴿ ولأغوينهم أجمعين ﴾ عما كانا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف.
﴿ هذا صراط ﴾ أي هو طريق أهل الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية - أعني المفركة والحافظة والذاكرة - من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبواباً لجهنم.
فإذا استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل أبواباً بل أسباباً لحصول الجنة.
﴿ ادخلوها بسلام ﴾ والسلام من الله الجذبات ﴿ آمنين ﴾ من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت.
﴿ ونزعنا ﴾ فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنواع جمال الله أو جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها.
وفي قوله: ﴿ نبىء عبادي ﴾ إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ وقال في آية آخرى: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ﴾ ، وقال: ﴿ مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\]، وقال: ﴿ خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ ، ذكر مرة الحمأ المسنون؛ وقيل: هو الطين الأسود المتغير، وذكر مرة التراب، ومرة الطين اللازب: وهو الملتزق، ومرة من سلالة الطين، فيشبه أن يكون على الأحوال، واختلاف الأوقات: كان في حال الأول تراباً، وفي حال طيناً لازباً، وفي حال حمأ مسنوناً؛ وهو الذي اسودّ وتغير؛ لطول مكثه، وصلصالا وفخاراً.
فقبل أن يكون خلقاً مركباً الجوارح فيه والعظام - كان على هذه الأحوال الثلاثة على ما أخبر من تغير أحوال أولاده؛ حيث قال: ﴿ خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ ﴾ ذكر فيه أحولا ثلاثة قبل أن يخلق لحماً وعظماً، في حال كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة.
فعلى ذلك يحتمل ما ذكر في آدم: من تراب، وطين، وحمأ ونحوه، إن كان على اختلاف الأحوال على ما ذكرنا.
أو أن يكون على التشبيه والتمثيل، ووجه التمثيل بالطين: الذي ذكر؛ وهو أن الطين الذي يكون كالصلصال، والفخار، واللازب؛ ونحوه - هو الطين الطيب؛ الذي يكون منه البنيان، والأواني، والقدور، وجميع أنواع المنافع.
وأما الطين الذي يخبث - فإنه لا يتخذ منه شيء مما ذكرنا؛ ولا يتهيأ اتخاذ شيء من ذلك، فشبه خلق آدم بالطين الذي يجتمع فيه جميع أنواع المنافع، فعلى ذلك جمع في آدم جميع أنواع المنافع والخير، كالطين الطيب.
ثم فيه دلالة قدرته، وسلطانه، وذكر نعمه؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من تراب وطين؛ وما ذكر، وليس في التراب، ولا في الطين - من أثر البشرية - شيء، وكذلك ليس في النطفة التي خلق البشر منها [من] أثر البشرية شيء؛ ليعلم أنه قادر على إنشاء الأشياء من شيء، ومن لا شيء؛ إذ ليس فيما ذكر من الطين والتراب؛ الذي خلق منه أبا البشر من أثر البشرية فيه [شيء]، ولا في النطفة التي خلق منها أولاده؛ من أثر البشرية والإنسانية من اللحم، والعظم، والشعر، وغيره، وما ركب فيهم: من العقل، والعلم، والتدبير، والجوارح، وغير ذلك - شيء؛ ليعلم قدرته وسلطانه على خلق الأشياء: لا من شيء؛ وليعرفوا نعمه التي أنعمها عليهم؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من طين لازب، وصلصال، وما ذكر، وذلك وصف الطين الطيب؛ لأن ما خبث من الطين لا يبلغ المبلغ الذي وصفه، ولا يصير إلى تلك الحال، وإن طال مكثه؛ لأنه لا ينتفع به [لا] من اتخاذ البنيان، والأواني، والقدور، ولا ينبت الزروع أيضاً، فيحتمل على التمثيل الذي ذكرنا لا على التحقيق، أو على التحقيق على الأحوال المختلفة.
فدل أنه إنما خلقه من طين [لازب]؛ طاب أصله.
فعلى ذلك يحتمل النطفة التي يخلق منها البشر تكون طاهرة، وهي لا تصيب شيئاً، وهي على غير الوصف الذي يخرج؛ لأنه قال: ﴿ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ ﴾ وقال: ﴿ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴾ .
والصلصال: قال بعضهم: هو التراب اليابس.
والحمأ: الطين الأسود.
والمسنون: [المنتن المتغير].
وقال بعضهم: الصلصال: هو الذي إذا ضربته تصوت؛ ومنه يقال: صلصلة اللجام والفرس؛ إذا كان يصلصل؛ وهو قول ابن عباس .
وقال القتبي: الصلصال: الطين اليابس الذي لا يصيبه النار؛ فإذا نَقَرْتَهُ صوّت، فإذا مسته النار - فهو فخار: والمسنون: المتغير الرائحة، والمسنون - أيضاً -: المصبوب، وسننت الشيء: إذا صببته صبّاً سهلا، وسنّ الماء على وجهك، وهو قول القتبي.
وقال أبو عوسجة: ﴿ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ : الحمأ: التراب الأسود يكون في أسفل البئر، ومن هذا سمّي الحمي؛ لأنه يحمي أن يرعى، ويقال: حميت الحرب، والشمس، والتنور، يحمى: إذا اشتد حره.
ومسنون: أي: مخلوق.
وقال الحسن: المسنون: الذي سن عليه خلقة الخلق؛ يعني أولاده على خلقته؛ أي: على خلقته خلق الخلق، وأمثال هذا.
والله أعلم بذلك.
وقوله : ﴿ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴾ .
قال بعضهم: الجانّ: هو إبليس.
وقال بعضهم: الجانّ: هو أبو الجن، وإبليس: هو أبو الشياطين؛ سمّوا شياطين لتمردهم في فعلهم، ذلك مقتدر من فعلهم، ألا ترى أنه ذكر من الإنس والجن شياطين؛ وهو قوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ ﴾ ؛ وذلك لتمردهم، والجانّ مقتدر عن الجن.
والله أعلم بذلك.
والسموم: قال بعضهم: السموم: لهب النار؛ وليس له دخان؛ وهو المارج من نار، والمارج هو المنقطع منها.
وقال بعضهم: من جنس النار؛ كأنه أراد لهبها، وقال: ﴿ نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴾ : الحارّة التي تقتل، فإذا كان السموم، والمارج - ما ذكر بعضهم أنه لهب النار - فمن طبعه الارتفاع والعلوّ، فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الارتفاع والعلو؛ وهو الجانّ الذي ذكر، والطين طبعه التسفل والانحدار إلى الأرض؛ فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الهوى إلى الأرض، والميل إليها.
والجانّ: قال أبو عوسجة: الجنّ: واحدُ الجانّ، والجمع: جانّ؛ سمي ذلك لاستجنانه.
وقال غيره: الجن: الجماعة، والجانّ الواحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾ أي أتممته ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا ﴾ .
لم يشتبه هذا على الناس، ولم يفهموا [من قوله]: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ ، ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ ما فهموا من نفخ الخلق، فما بالهم فهموا من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ و ﴿ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ونحوه - استواء الخلق؟
بل فهم نفخه من فهم نفخ الخلق أكثر من استوائه؛ لأنه أمكن صرف الاستواء إلى وجوه؛ ولا يمكن صرف النفخ فيه، لكنه اشتبه عليهم؛ لأنهم اقتدروا فعل الله بفعل الخلق، ولا يجب أن يقتدروا بالخلق على ما لم يقتدروا في قوله: [حدود الله، وحكم الله]، وعباد الله، وخلق الله، وأمثاله.
وقد أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أو تلقين من الشيطان.
وقوله: ﴿ رُّوحِي ﴾ ﴿ رُّوحِنَا ﴾ أي: الروح الذي به حياة الخلق؛ أي: خلق الذي يكون به حياة الخلق على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ .
يحتمل أن يكون قوله: ﴿ خَالِقٌ بَشَراً ﴾ ما ذكر خبر أنه سيفعل، وأمر لهم بالسجود؛ فيكون الأمر بالسجود بعد ما خلقه إياه، فهذا يدلّ أنه قد يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ .
ظاهر الأمر بالسجود؛ والاستثناء - الذي ذكر - يدل أن إبليس من الملائكة؛ لأن فيهم كان الأمر بالسجود، ومنهم وقع الثنيا، وقد ذكرنا اختلافهم وأقاويلهم فيما تقدم؛ مقدار ما حفظناه.
قال: والأصل بأن كل ما خرج مخرج الاستثناء - فيجب أن يسقط اسم ما أجمل؛ نحو قول الرجل الآخر: لك علي عشرة إلا درهماً، يسقط [الاستثناء ما] أجمل من الاسم حتى [صار] تسعة، وكذلك إذا قال: ألف إلا خمسين، وإذا لم يسقط ذلك الاسم - فلا بد أن يكون الكل فيه مضمراً؛ نحو قول الرجل: رأيت علماء بلدة كذا إلا فلاناً - يجب أن يضمر فيه حرف الكل، حتى يقع على كل؛ نحو أن يقول: رأيت كل علماء بلدة كذا إلا فلاناً، فعلى ذلك تخصيص العموم.
وقال الحسن: في قوله: ﴿ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ قال: الصلصال: هو الطين الحرّ الذي يتصلصل من صلابته ويبوسته، والحمأ الطين، والمسنون: قال: مسنون خلقته؛ فهو سنة للخلق بعده من ذريته؛ أن يخلقوا على خلقته؛ وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\] يقول: استلها من بين ظَهراني الطين؛ لا من كل طين خلقه، وكذلك قال في تناسل ذريته؛ وهو قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\] ليس من كل ماءٍ خلقه؛ ولكن استلها من بين ظهراني الماء.
وقال: الجانّ: إبليس؛ هو أبو الجن ﴿ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ ﴾ : أي: من قبل آدم ﴿ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴾ : يقول: السموم: هو اسم من أسماء جهنم، ولها أسماء كثيرة، أخبر أنه خلقه من نار السموم؛ أي: جهنم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ ﴿ قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ ﴾ وقال له: ﴿ قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ ، وقال في موضع آخر[ ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ﴾ ، وقال في موضع آخر]: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ .
ذكر مثل هذا على اختلاف الألفاظ، ومعلوم أن هذه المخاطبات معه - لم يكن معه مراراً؛ ولكن بمرة واحدة.
وقال أبو بكر الأصم: ذكر الله قصة إبليس، وقصة الأنبياء جميعاً في مواضع على اختلاف الألفاظ؛ لأنها كذلك كانت في كتبهم، فذكرها على ما في كتبهم؛ ليعلموا أن نبي الله إنما عرف ذلك بالله؛ ليدلهم على صدقه، وفيه دلالة أن اختلاف الألفاظ وتغييرها - لا يوجب اختلاف الحكم بعد ألاَّ يغير المعنى، فهذا يدل أن الخبر إذا أُدِّي معناه على اختلاف لفظه - فإنه يجوز، وكذلك إذا قرأ بغير لسان الذي أنزل - فإنه يجوز إذا أتى بمعناه.
الله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ .
قوله: ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ : قال بعضهم: اخرج من السماء إلى الأرض.
وقال بعضهم: اخرج من الأرض إلى جزائر البحر.
وقال بعضهم: اخرج من الجنة، وأمثاله أو اخرج من صورة الملائكة إلى صورة الأبالسة، وجائز أن يقال: اخرج من كذا: أي: تحول من مكان كذا إلى مكان كذا على حقيقة الخروج، ولسنا ندري كيف كان كذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَجِيمٌ ﴾ قيل: الرجيم: الملعون.
وقيل: الرجيم: ما يرجم بالكواكب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .
اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والخذلان، طرد عن رحمته إلى يوم الدين، حتى لا يهتدي إلى دين الله وهداه، ثم يوم الدين له العذاب الدائم واللعنة القائمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ .
لعن اللعين، وطرد عن رحمته إلى يوم الدين؛ أي: لا تدركه الهداية؛ لأن الهداية في الدنيا إنما تدركه برحمته، والرحمة في الآخرة هي العفو عما لزمه؛ ووجب عليه.
مسألة تكلموا فيها: ما الحكمة في خلق الله إبليس؛ مع علمه ما يكون منه: من إفساد خلقه، والدعاء إلى المعاصي، وإنظاره إلى يوم الوقت المعلوم؛ وقد علم أنه إنما ينظره؛ ليفسد عباده، [فمع ما] علم أنه يكون منه فما الحكمة في خلقه؟
قال بعضهم: خلق إبليس وأهل المعاصي؛ مع علمه ذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق لمنافع نفسه، ولا لحاجة نفسه، وأن معاصيه لا تضره، ولا تدخل نقصاناً في ملكه، فخلقه - مع علمه بما يكون منه - ليعلم أنه لم يخلق الخلق لمنافع نفسه ولا لحاجته، ولكن لمنافع أنفسهم ولحاجاتهم.
وقال بعضهم: خلق الأعداء والأولياء؛ نظراً للأولياء؛ ليعلم أولياؤه الاختصاص الذي اختصهم به، ولو كانوا جميعاً أولياءه - لم يعرفوا فضيلة الله؛ واختصاصه إياهم، وهكذا النعم وإحسان الله، لا يعرف بنفس النعم ونفس الإحسان؛ وإنما يعرف بالبلايا والشدائد التي تحل، فعلى ذلك الأولياء: لو لم يكن الأعداء لم يعرفوا اختصاص الله لهم، وفضائله التي أكرمهم بها.
وقال بعضهم: خلق الأعداء نظراً للأولياء على ما ذكرنا، لكن من وجه آخر [ ]، وأصله أن الله - عز وجل - جائز أن ينشئ أشياء فيها حكمة وسرية؛ لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما جعل النعم الظاهرة فيها - حكمة معنى لا يبلغه علم الخلق؛ ولا حكمة البشر، وكذلك البلايا والشدائد فيها حكمة لا يبلغها علم الخلق، فعلى ذلك جائز أن خلق إبليس، وعُصاة الخلق؛ لحكمة جعل في ذلك؛ حكمة لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما ذكرنا: من النعمة الظاهرة؛ والشدائد الظاهرة، وأصله أن الله خلق الخلق على علم منه أنهم يعصون؛ ويعاندون، لكن مكن لهم من الاختيار والإيثار - ما به نجاتهم وهلاكهم؛ إذا اختاروا ذلك، فإذا اختاروا ما به نجاتهم - نجوا، وإذا اختاروا ما به هلاكهم - هلكوا، فيكون هلاكهم باختيارهم، ونجاتهم باختيارهم.
وأصله: ما ذكرنا في غير موضع؛ أنه أنشأهم في هذه الدنيا؛ ليمتحنهم فيها، وفي خلق ما ذكر: من إبليس؛ وغيره من الأعداء؛ ليتم لهم المحنة، وفي ترك خلق ذلك ذهاب المحنة؛ وهي دار الامتحان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إلى النفخة الأولى وقيل: إلى النفخة الثانية، ونحوه.
لكنا لا نعلم ذلك، وكأنه أنظره إلى الوقت المعلوم؛ ولم يبين له ذلك الوقت، ولم يطلعه عليه؛ حيث قال: ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ...
﴾ الآية [الأنفال: 48] أخبر أنه يرى ما لا يرون هم، وأنه يخاف الله، ولو كان بيّن له الوقت المعلوم - لكان لا يخاف هلاكه قبل ذلك الوقت، فهذا يدل [على] ما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
قال الحسن: قوله: ﴿ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ : أي: لعنتني.
وهذا منه احتيال وفرار عن مذهب الاعتزال، وما يلزمهم في قوله: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ يلزم في قوله: لعنتني؛ لأن اللعن: هو الطرد؛ فإذا طرده عن رحمته - فقد خذله، فالطرد والإغواء والإضلال سواء؛ فيلزم في اللعن ما يلزمهم في الإغواء.
وقال أبو بكر الأصم: الإغواء واللعن من الله: شتم، لكن هذا بعيد، لا يجوز أن يضاف إلى الله الشتم أنه يشتم؛ لأنّ الشاتم والسابّ لآخر - في الشاهد بما يشتمه - مذموم عند الخلق؛ فلا يجوز أن يضاف إلى الله ما به يذم.
وأصله: أن قوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ يحتمل أنه خلق فعل الغواية منه أو أغواه؛ لما علم أنه يختار الغواية والضلال.
وقوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : كأنه يقول: ربّ بما أغويتني لأزيدن لهم في الغواية بما أغويهم، وقد ذكرنا هذا وأمثاله فيما تقدم.
فإن قيل: قوله: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ قول إبليس؛ وهو كاذب بالإضافة إليه.
قيل: لو كان فيما أضاف إليه الإغواء كاذباً لكذبه فيه، ورد عليه [قوله]، كما كذبه في قوله ورد عليه: أنا خير منه خلقتني من كذا وخلقته من كذا؛ حيث قال: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ فلما لم يردّ عليه؛ ولم يكذبه فيما أضاف إليه حرف الإغواء دل أن [إضافة الإغواء إليه] والإضلال حقيقة أو أن يكون قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ إنما ذلك منه ذكر فضله وإحسانه؛ حيث أخبر أنه خلقه مما هو أفضل وأعظم مما خلق آدم؛ فيخرج ذلك منه مخرج الشكر.
وأما قوله: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ ليس على ذلك، فلا يحتمل ألا يكذبه، ولا يرد عليه قوله إذا كان كاذباً فيه؛ لأنه فعل شر أضافه إليه، إذا لم يكن منه الإغواء؛ لذلك اختلفا، أو لو كان قول إبليس - لعنه الله - كذباً فما تصنعون بقول نوح - - حيث قال: ﴿ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ﴾ وقول موسى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ يحتمل أن يكون منه عزم على ما ذكر، دون أن تفوّه بذلك، فأخبر - عز وجل - عنه ما كان عزم؛ من الإغواء وغيره بالقول، وذلك جائز؛ يخبر عن العزم والقصد بالقول؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا القول الذي أخبر عنهم قولا منهم؛ لأنه لا أحد من المتصدقين يقول بمثل ذلك عند التصدق؛ لكنه إخبار عما [قصدوا وعزموا] بالتصدق؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون هذا من الله إخباراً عما عزم إبليس وقصد؛ على غير التفوه به والقول، وهو ما ذكر ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ أخبر أنهم كتموا فيه وأضمروا.
ويحتمل أن يكون على التفوه بما ذكر، قال ذلك؛ لما قال له - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ لما شهد الله عليه باللعن إلى يوم الدين أيس - لعنه الله - عن الهدى؛ فقال: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ : أي: لعنتني وشهدت عليَّ بذلك ﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ المخلص - بخفض اللام -: هو الذي أخلص له الاعتقاد، والعمل والوفاء، والمخلص - بنصب اللام -: هو الذي أخلصه الله، وحفظه، وعصمه، واختصه بذلك.
والمخلص لا يقال إلا بعد أن يكون لله فيهم صنع، ولهم اختصاص، وفضائل اختصهم بذلك؛ برحمة الله وفضله.
والمعتزلة يقولون: لا يستوجب أحد الاختصاص والفضيلة إلا بفعل يكون منه لا يستوجب بالله.
ويقولون: الله لا يغوي أحداً لا إبليس، ولا أحداً من أتباعه؛ فإبليس أعرف بالله من المعتزلة؛ حيث رأوا أن الله لا يغوي أحداً ولا يختص أحداً إلا بصنع يكون منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ .
قال بعضهم: قوله ﴿ عَلَيَّ ﴾ بمعنى إليَّ: أي: إليَّ صراط مستقيم؛ يقول: هو بيدي لا بيد أحد وقال بعضهم: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه لا يعوج على شيء.
ويحتمل قوله: ﴿ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ : أي: عليَّ بيانه وهو مستقيم؛ كقوله: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ : أي: بيان قصد السبيل.
وقال بعضهم: لما قال إبليس: ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قال الله : ﴿ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ يقول: عليَّ ممرّ من أغويته وتابعك؛ كقولك لآخر - إذا أوعدته -: إن طريقك عليَّ.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ أي: ليس لك عليهم حجة ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ فإنهم يتبعونك بلا حجة ولا برهان.
ويحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ : تقهرهم وتضطرهم على ذلك إلا من اتبعك من الغاوين؛ فإنهم يتبعونك على غير قهر واضطرار؛ أي: من كان في علم الله أن يتبعك ويختار الغواية؛ وإن لم يكن إغواؤك إياه؛ فإن لك عليه سلطاناً.
وقوله : ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .
أي: لموعد إبليس وأتباعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ .
يحتمل الأبواب المعروفة، ويحتمل الأبواب: الموارد والجهات التي تكون لها؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ﴾ فهذا يدل أن المراد بالأبواب: الموارد والدركات - لا نفس الأبواب؛ إذ جزء مقسوم إنما يكون للدركات؛ لا يكون للأبواب نفسها.
قال الحسن، والأصم: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ يعنون بالأبواب: الطبقات والدركات، لكل باب منهم جزء مقسوم: لليهود باب، وللنصارى باب، وللمجوس باب، وللذين أشركوا باب، وللمنافقين باب، ولأهل الكبائر باب وذكر أيضاً باباً لفريق أدخلوا أهل الكبائر فيها، والصابئين والدهرية.
وعندنا أن ظاهر الآية في الكافرين؛ لأنه قال: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ والغاوون: هم الكافرون، وكذلك قوله: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ فإذا كان كذلك؛ فالسبعة الأبواب - التي ذكر - كلها لأهل الكفر، لا يدخل أهل الكبائر فيه.
ويحتمل: باب للمتجاهلة؛ وهم الذين ينكرون العالم الشاهد والغائب، لا يقرون بشيء، وباب للدهرية؛ وهم الذين ينكرون الصانع، وباب للثنوية، وهم الذين يقولون بالاثنين، وباب للذين أشركوا؛ وهم يقولون بالواحد؛ لكنهم يشركون فيه غيره؛ يعبدون الأصنام والأوثان، وباب لليهود، وباب للنصارى، وباب للمنافقين.
فذلك سبعة أبواب، وليس لأهل الكبائر باب مسمى معلوم، إنما ذلك كله لأهل الكفر.
<div class="verse-tafsir"
وخلقنا أبا الجن من قبل خلق آدم - - من نار شديدة الحرارة.
<div class="verse-tafsir" id="91.z5RQd"