الآية ١١ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ١١ من سورة مريم

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا۟ بُكْرَةًۭ وَعَشِيًّۭا ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال في هذه الآية الكريمة : ( فخرج على قومه من المحراب ) أي : الذي بشر فيه بالولد ، ( فأوحى إليهم ) أي : أشار إشارة خفية سريعة : ( أن سبحوا بكرة وعشيا ) أي : موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله ، وشكرا لله على ما أولاه .

قال مجاهد : ( فأوحى إليهم ) أي : أشار .

وبه قال وهب ، وقتادة .

وقال مجاهد في رواية عنه : ( فأوحى إليهم ) أي : كتب لهم في الأرض ، كذا قال السدي .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: فخرج زكريا على قومه من مصلاه حين حُبس لسانه عن كلام الناس، آية من الله له على حقيقة وعده إياه ما وعد.

فكان ابن جريج يقول في معنى خروجه من محرابه، ما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ ) قال: أشرف على قومه من المحراب.

قال أبو جعفر: وقد بيَّنا معنى المحراب فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ ) قال: المحراب: مصلاه، وقرأ: فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ وقوله: ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ) يقول: أشار إليهم، وقد تكون تلك الإشارة باليد وبالكتاب وبغير ذلك، مما يفهم به عنه ما يريد.

وللعرب في ذلك لغتان: وَحَى، وأوحى فمن قال: وَحَى، قال في يفعل: يَحِي; ومن قال: أوحى، قال : يُوحي، وكذلك أوَمَى وَوَمَى، فمن قال: وَمَى، قال في يفعل يَمِي; ومن قال أوَمَى، قال يُومِي.

واختلف أهل التأويل في المعنى الذي به أوحى إلى قومه، فقال بعضهم: أوحى إليهم إشارة باليد.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (فَأَوْحَى) : فأشار زكريا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ) قال: الوحي: الإشارة.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ) قال: أومى إليهم.

وقال آخرون: معنى أوحى: كتب.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمود بن خداش، قال: ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، في قول الله تعالى ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) قال: كتب لهم في الأرض.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ) قال: كتب لهم.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ ) فكتب لهم في كتاب ( أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) ، وذلك قوله ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ) وقال آخرون: معنى ذلك: أمرهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) قال: ما أدري كتابا كتبه لهم، أو إشارة أشارها، والله أعلم، قال: أمرهم أن سَبِّحوا بكرة وعشيا، وهو لا يكلمهم.

وقوله ( أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) قد بيَّنت فيما مضى الوجوه التي ينصرف فيها التسبيح، وقد يجوز في هذا الموضع أن يكون عنى به التسبيح الذي هو ذكر الله، فيكون أمرهم بالفراغ لذكر الله في طرفي النهار بالتسبيح، ويجوز أن يكون عنى به الصلاة، فيكون أمرهم بالصلاة في هذين الوقتين.

وكان قتادة يقول في قوله ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) قال: أومى إليهم أن صلوا بكرة وعشيا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا فيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : فخرج على قومه من المحراب أي أشرف عليهم من المصلى .

والمحراب أرفع المواضع ، وأشرف المجالس ، وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض ؛ دليله محراب داود - عليه السلام - على ما يأتي .

واختلف الناس في اشتقاقه ؛ فقالت فرقة : هو مأخوذ من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان والشهوات .

وقالت فرقة : هو مأخوذ من الحرب ( بفتح الراء ) كأن ملازمه يلقى منه حربا وتعبا ونصبا .الثانية : هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعا عندهم في صلاتهم .

وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار ، فأجاز ذلك الإمام أحمد وغيره متمسكا بقصة المنبر .

ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير ، وعلل أصحابه المنع بخوف الكبر على الإمام .[ ص: 14 ] قلت : وهذا فيه نظر ؛ وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان ، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه ، فلما فرغ من صلاته قال : ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا - أو - ينهى عن ذلك !

قال : بلى ؛ قد ذكرت حين مددتني .

وروي أيضا عن عدي بن ثابت الأنصاري قال : حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن ، فأقيمت الصلاة فتقدم عمار بن ياسر ، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه ، فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة ، فلما فرغ عمار من صلاته ، قال له حذيفة : ألم تسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم أو نحو ذلك ؛ فقال عمار : لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي .قلت : فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك ، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر فدل على أنه منسوخ ، ومما يدل على نسخه أن فيه عملا زائدا في الصلاة ، وهو النزول والصعود ، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام .

وهذا أولى مما اعتذر به أصحابنا من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معصوما من الكبر ؛ لأن كثيرا من الأئمة يوجد لا كبر عندهم ، ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيرا ؛ والله أعلم .[ الثالثة ] قوله تعالى : فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا قال الكلبي وقتادة وابن منبه : أوحى إليهم أشار .

القتبي : أومأ .

مجاهد : كتب على الأرض .

عكرمة : كتب في كتاب .

والوحي في كلام العرب الكتابة ؛ ومنه قول ذي الرمة :سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها بقية وحي في بطون الصحائفوقال عنترة :كوحي صحائف من عهد كسرى فأهداها لأعجم طمطميو بكرة وعشيا ظرفان .

وزعم الفراء أن العشي يؤنث ويجوز تذكيره إذا أبهمت ؛ قال : وقد يكون العشي جمع عشية .الرابعة : قد تقدم الحكم في الإشارة في ( آل عمران ) واختلف علماؤنا فيمن حلف ألا يكلم إنسانا فكتب إليه كتابا ، أو أرسل إليه رسولا ؛ فقال مالك : إنه يحنث إلا أن ينوي [ ص: 15 ] مشافهته ، ثم رجع فقال : لا ينوي في الكتاب ويحنث إلا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله .

قال ابن القاسم : إذا قرأ كتابه حنث ، وكذلك لو قرأ الحالف كتاب المحلوف عليه .

وقال أشهب : لا يحنث إذا قرأه الحالف ؛ وهذا بين ؛ لأنه لم يكلمه ولا ابتدأه بكلام إلا أن يريد ألا يعلم معنى كلامه ، فإنه يحنث وعليه يخرج قول ابن القاسم .

فإن حلف ليكلمنه لم يبر إلا بمشافهته ؛ وقال ابن الماجشون : وإن حلف لئن علم كذا ليعلمنه أو ليخبرنه إليه أو أرسل إليه رسولا بر ، ولو علماه جميعا لم يبر ، حتى يعلمه لأن علمهما مختلف .الخامسة : واتفق مالك والشافعي والكوفيون أن الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه ؛ قال الكوفيون : إلا أن يكون رجل أصمت أياما فكتب لم يجز من ذلك شيء .

قال الطحاوي : الخرس مخالف للصمت العارض ، كما أن العجز عن الجماع العارض لمرض ونحوه يوما أو نحوه مخالف للعجز الميئوس منه الجماع ، نحو الجنون في باب خيار المرأة في الفرقة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وخرج على قومه منه فأوحى إليهم، أي: بالإشارة والرمز { أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ْ} لأن البشارة بـ \" يحيى \" في حق الجميع، مصلحة دينية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وقوله عز وجل : ( فخرج على قومه من المحراب ) وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلون ، إذ خرج عليهم زكريا متغيرا لونه فأنكروه ، وقالوا : ما لك يا زكريا؟

( فأوحى إليهم ) فأومأ إليهم ، قال مجاهد : كتب لهم في الأرض ، ( أن سبحوا ) أي : صلوا لله ( بكرة : ) غدوة ( وعشيا ) ومعناه : أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا فيأمرهم بالصلاة ، فلما كان وقت حمل امرأته ومنع الكلام حتى خرج إليهم فأمرهم بالصلاة إشارة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فخرج على قومه من المحراب» أي المسجد وكانوا ينتظرون فتحه ليصلوا فيه بأمره على العادة «فأوحى» أشار «إليهم أن سبحوا» صلوا «بُكرة وعشيا» أوائل النهار وأواخره على العادة فعلم بمنعه من كلامهم حملها بيحيى، وبعد ولادته بسنتين قال الله تعالى له:

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فخرج زكريا على قومه مِن مصلاه، وهو المكان الذي بُشِّر فيه بالولد، فأشار إليهم: أن سَبِّحوا الله صباحًا ومساءً شكرًا له تعالى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما كان من زكريا بعد ذلك فقال : ( فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب فأوحى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ) .والمحراب : المصلى ، أو الغرفة التى كان يجلس فيها فى بيت المقدس ، أو هو المسجد ، فقد كانت مساجدهم تسمى المحاريب .

لأنها الأماكن التى تحارب فيها الشياطين .أى : فخرج زكريا - عليه السلام - على قومه من المكان الذى كان يصلى فيه ، ( فأوحى إِلَيْهِمْ ) أى : فأشار إليهم أو كتب لهم دون أن ينطق بلسانه ( أن ِّحُواْ ) الله - تعالى - وقدسوه ( بُكْرَةً ) أى : فى أوائل النهار ( وَعَشِيّاً ) أى : فى أواخره .وقد ذكر - سبحانه - فى آية أخرى ، ما يشير إلى أن هذا المحراب الذى خرج منه زكريا - عليه السلام - على قومه .

هو ذلك المكان الذى بشره الله - تعالى - فيه بيحيى .قال - تعالى - : ( فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المحراب أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بيحيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصالحين ) وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانباً من رحمة الله - تعالى - بعبده زكريا ، ومن الدعوات التى تضرع بها إلى خالقه - عز وجل - ، وأن الله - تعالى - قد أجاب له دعاءه ، وبشره بيحيى ، وعرفه بالعلامة التى بها يعرف وقوع ما بشره به ، زيادة فى اطمئنانه وسروره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب ﴾ قيل كان له موضع ينفرد فيه بالصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه فعند ذلك أوحى إليهم، وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه وأنهم اجتمعوا ينتظرون خروجه للإذن فخرج إليهم وهو لا يتكلم فأوحى إليهم.

المسألة الثانية: لا يجوز أن يكون المراد من قوله أوحى إليهم الكلام لأن الكلام كان ممتنعاً عليه فكان المراد غير الكلام وهو أن يعرفهم ذلك إما بالإشارة أو برمز مخصوص أو بكتابة لأن كل ذلك يفهم منه المراد فعلموا أنه قد كان ما بشر به فكما حصل السرور له حصل لهم فظهر لهم إكرام الله تعالى له بالإجابة، واعلم أن الأشبه بالآية هو الإشارة لقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا  ﴾ والرمز لا يكون كناية للكلام.

المسألة الثالثة: اتفق المفسرون على أنه أراد بالتسبيح الصلاة وهو جائز في اللغة يقال: سبحه الضحى أي صلاة الضحى وعن عائشة رضي الله عنها في صلاة الضحى: إني لأسبحها أي لأصليها إذا ثبت هذا فنقول روي عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشي صلاة العصر ويحتمل أن يكون إنما كانوا يصلون معه في محرابه هاتين الصلاتين فكان يخرج إليهم فيأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته فأذن لهم بغير كلام، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أوحى: أشار عن مجاهد، ويشهد له ﴿ إِلاَّ رَمْزًا ﴾ [آل عمران: 41] وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض ﴿ سَبّحُواْ ﴾ صلوا، أو على الظاهر، وأَنْ: هي المفسرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ عَلامَةً أعْلَمُ بِها وُقُوعَ ما بَشَّرْتَنِي بِهِ.

﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ﴾ سَوِيَّ الخَلْقِ ما بِكَ مِن خَرَسٍ ولا بُكْمٍ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّيالِيَ هُنا والأيّامَ في «آلِ عِمْرانَ» لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ المَنعُ مِن كَلامِ النّاسِ والتَّجَرُّدِ لِلذِّكْرِ والشُّكْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ.

﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ ﴾ مِنَ المُصَلّى أوْ مِنَ الغُرْفَةِ.

﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ ﴾ فَأوْمَأ إلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ ﴿ إلا رَمْزًا ﴾ .

وقِيلَ كَتَبَ لَهم عَلى الأرْضِ.

﴿ أنْ سَبِّحُوا ﴾ صَلُّوا أوْ نَزِّهُوا رَبَّكم.

﴿ بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ طَرَفَيِ النَّهارِ، ولَعَلَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِأنْ يُسَبِّحَ ويَأْمُرَ قَوْمَهُ بِأنْ يُوافِقُوهُ، و ( أنْ ) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب} من موضع صلاته وكانوا ينتظرونه ولم يقدر أن يتكلم {فأوحى إِلَيْهِمْ} أشار بإصبعه {أَن سَبّحُواْ} صلوا وان هي المفسرة {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} صلاة الفجر والعصر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ ﴾ أيْ: مِنَ المُصَلّى كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوْ مِنَ الغُرْفَةِ كَما قِيلَ، وأصْلُ المِحْرابَ كَما قالَ الطَّبَرَسِيُّ: مَجْلِسُ الأشْرافِ الَّذِي يُحارَبُ دُونَهُ ذَبًّا عَنْ أهْلِهِ، ويُسَمّى مَحَلُّ العِبادَةِ مِحْرابًا لِما أنَّ العابِدَ كالمُحارِبِ لِلشَّيْطانِ فِيهِ، وإطْلاقُ المِحْرابِ عَلى المَعْرُوفِ اليَوْمَ في المَساجِدِ لِذَلِكَ وهو مُحْدَثٌ لَمْ يَكُنْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقَدْ ألَّفَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في ذَلِكَ رِسالَةً صَغِيرَةً سَمّاها إعْلامَ الأرِيبِ بِحُدُوثِ بِدَعَةِ المَحارِيبِ.

رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانُوا مِن وراءِ المِحْرابِ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُفْتَحَ لَهُمُ البابُ فَيَدْخُلُوهُ ويُصَلُّوا، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ مُتَغَيِّرًا لَوْنُهُ فَأنْكَرُوهُ وقالُوا: ما لَكَ؟

﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ ﴾ أيْ أوْمَأ إلَيْهِمْ وأشارَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ مُنَبِّهٍ والكَلْبِيِّ والقُرْطُبِيِّ وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مُجاهِدٍ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا رَمْزًا ﴾ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَتَبَ لَهم عَلى الأرْضِ.

﴿ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ وهو الرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ لَكِنْ بِلَفْظٍ عَلى التُّرابِ بَدَلَ عَلى الأرْضِ وقالَ عِكْرِمَةُ: كَتَبَ عَلى ورَقَةٍ وجاءَ إطْلاقُ الوَحْيِ عَلى الكِتابَةِ في كَلامِ العَرَبِ ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى فَأهْداها لِأعْجَمَ طَمَطّى وقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ (وأنْ) إمّا مُفَسِّرَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ فَتُقَدَّرُ قَبْلَها الباءُ الجارَّةُ، والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ مَجازًا بِعَلاقَةِ الِاشْتِمالِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وجَماعَةٍ و(بُكْرَةً وعَشِيًّا) ظَرْفا زَمانٍ لَهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقالَ بَعْضٌ: التَّسْبِيحُ عَلى ظاهِرِهِ وهو التَّنْزِيهُ أيْ نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِأنْ يُسَبِّحَ شُكْرًا ويَأْمُرَ قَوْمَهُ.

وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: عِنْدِي في هَذا مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّهُ إنَّما خَصَّ التَّسْبِيحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ أنَّ كُلَّ مَن رَأى أمْرًا عَجِبَ مِنهُ أوْ رَأى فِيهِ بَدِيعَ صَنْعَةٍ أوْ غَرِيبَ حِكْمَةٍ يَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى سُبْحانَ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ، فَلَمّا رَأى حُصُولَ الوَلَدِ مِن شَيْخٍ وعاقِرٍ عَجِبَ مِن ذَلِكَ فَسَبَّحَ وأمَرَ بِالتَّسْبِيحِ ا هـ.

فَأمَرَهم بِالتَّسْبِيحِ إشارَةً إلى حُصُولِ أمْرٍ عَجِيبٍ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ أخْبَرَ قَوْمَهُ بِما بُشِّرَ بِهِ قَبْلَ جَعْلِ العَلامَةِ فَلَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الكَلامُ أشارَ إلَيْهِمْ بِحُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ مِنَ الأمْرِ العَجِيبِ فَسُرُّوا بِذَلِكَ.

وقَرَأ طَلْحَةُ ( أنْ سَبِّحُوهُ ) بِهاءِ الضَّمِيرِ عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى، ورَوى ابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ ( أنْ سَبِحُنَّ ) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ، يعني: من المسجد.

فَأَوْحى إِلَيْهِمْ، يعني: أشار وأومأ إليهم، ويقال: كتب كتاباً وألقاه على الأرض ولم يقدر أن يتكلم به.

أَنْ سَبِّحُوا، يعني: صلوا لله تعالى بُكْرَةً وَعَشِيًّا، يعني: غدوة وعشياً.

فعرف عند ذلك أنه آية الولد.

قوله عز وجل: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ، يعني: أوحى الله تعالى إليه أن: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ، يعني: بجد ومواظبة وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، يعني: أجرينا الحكم على لسانه في حال صغره، وذلك أنه مرّ بصبيان يلعبون، فقالوا له: تعال حتى نلعب.

فقال لهم: ما للعب خلقنا.

ويقال: خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ، أي بجدّ وعون من الله تعالى، ويقال بكثرة الدرس.

آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، يعني: النبوة والفقه والخير كله في صغره وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا، يعني: آتيناه رحمة من عندنا، وأصله: من حنين الناقة على ولدها وَزَكاةً، يعني: وصدقة منا، ويقال: التطهير، ويقال: صلاحاً في دينه.

وقال سعيد بن جبير: الزكاة التزكية.

وَكانَ تَقِيًّا، يعني: مطيعاً لربه، وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ، يعني: مطيعاً لهما ولا يعصيهما.

وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً ، يعني: لم يكن قتّالاً، والجبار الذي يقتل على الغضب، ويضرب على الغضب عَصِيًّا ، يعني: لم يكن عصياً لربه، والعصيّ والعاصي واحد.

قوله عز وجل: وَسَلامٌ عَلَيْهِ ، أي السلام من الله عز وجل والسعادة تناله يَوْمَ وُلِدَ ، أي حين ولد وَيَوْمَ يَمُوتُ ، يعني: حين يموت وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ، أي: حين يبعث حياً.

وروى قتادة عن الحسن أن يحيى  قال لعيسى  حين التقيا: أنت خير مني.

فقال عيسى صلوات الله عليه: بل أنت خير مني، سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي.

وروي عن بعض الصحابة أنه قال: «ما من الناس أحد إلا وهو يلقى الله عز وجل يوم القيامة وهو ذو ذنب إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام» وروي عن الحسن، عن النبيّ  أنه قال: «ما أَذْنَبَ يحيى ولا هم بامرأة» (١) (١) عزاه السيوطي: 5/ 468 إلى عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يفضل على إبرَاهِيم وموسى عليهما السلام إلا أن يفضل في خاص كالسودد «١» ، والحصر.

والعتي، والعُسِيُّ: المبالغة في الكبر، أو يُبْس العود، أو شيْب الرأس، أو عقيدة ما، وزكرياء: هو من ذرية هارون- عليهما السلام- ومعنى قوله: سَوِيًّا فيما قال الجمهور، صحيحاً من غير عِلَّة، ولا خرس.

وقال ابن عباس: ذلك عائدٌ على الليالي، أراد: كاملات مستويات «٢» .

وقوله: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ قال قتادة «٣» ، وغيره: كان ذلك بإشارة.

وقال مجاهد «٤» : بل بكتابة في التراب.

قال ع «٥» : وكِلاَ الوجهين وَحْي.

وقوله: أَنْ سَبِّحُوا قال قتادة: معناه صلوا السُّبْحة، والسُّبحةْ: الصلاة «٦» ، وقالت فرقة: بل أَمرهم بذكر الله، وقول: سبحان الله.

يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦)

وقوله- عز وجل-: [يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ] المعنى: قال اللهُ له: يا يحيى] «٧» خذ الكتابَ، وهو التوراةُ، وقوله: بِقُوَّةٍ أَيْ: العلم به، والحفظ له، والعمل به، والالتزام للوازمه.

وقوله: صَبِيًّا يريد: شاباً لم يبلُغْ حدّ الكهولة، ففي لفظ صبي على هذا، تجوّزٌ، واستصحابُ حال.

وروى مَعْمَرُ أَنَّ الصِّبْيَانَ دعوا يحيى إلى اللَّعب، وهو طِفْل، فقال: إني لم أُخلقْ للعب، فتلك الحِكْمة الَّتي آتاه الله عز وجل وهو صَبِيٌّ «١» ، وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحِكْمة صَبِيّاً «٢» .

«والحنان» : الرحمةُ، والشفقةُ، والمحبّة قاله جمهورُ المفسرين، وهو تَفْسِير اللغة ومن الشواهد في «الحَنَان» قولُ النابغة:

[الطويل]

أَبَا مُنْذِرٍ، أَفْنَيْتَ فاستبق بَعْضَنَا ...

حَنَانَيْكَ بْعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ «٣»

وقال عطاء بن أبي رباح: حَناناً مِنْ لَدُنَّا بمعنى تعظيماً مِنْ لدنا «٤» .

قال ع «٥» : وهو أَيضاً ما عظم من الأمر لأجل الله عز وجل ومنه قول زيد بن عمرو بن نُفَيْل في خبر بِلاَلٍ: واللهِ، لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذَا العَبْدَ لاَتَّخَذْنَ قَبْرَهُ حَنَاناً «٦» .

قال أَبو عبيدة: وأَكْثَر ما يُسْتَعمل مثنى.

انتهى، والزكاةُ التنميةُ، والتَّطْهير في وُجُوه الخير.

قال مجاهدٌ: كان طعامُ يَحْيَى العُشب، وكان للدمع في خَدّه مجار ثابتة، وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً «٧» ، روي أن يحيى عليه السلام لم يواقع معصية قَطُّ صغيرة ولا كبيرة، والبَر كثير البرّ، والجبار: المُتكبّر، كأَنه يجبر الناس على أخلاقه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ ﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَقالَ: ﴿ يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ ﴾ .

وقَرَأ حَمْزَةُ: ( نُبَشِرُكَ ) بِالتَّخْفِيفِ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ يُسَمَّ يَحْيى قَبْلَهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والأكْثَرُونَ.

فَإنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ فَقالَ: ما وجْهُ المِدْحَةِ باسِمِ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أحَدٌ قَبْلَهُ، وَنَرى كَثِيرًا مِنَ الأسْماءِ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْها ؟

فالجَوابُ: أنَّ وجْهَ الفَضِيلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ، ولَمْ يَكِلْ ذَلِكَ إلى أبَوَيْهِ، فَسَمّاهُ بِاسْمٍ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ.

والثّانِي: لَمْ تَلِدِ العَواقِرُ مِثْلَهُ ولَدًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ نَظِيرًا.

والثّالِثُ: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ مِثْلًا وشَبَهًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ عَدَمُ الشَّبَهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ لَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهِمَّ بِمَعْصِيَةٍ.

وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا ﴾ .

وَفِي مَعْنى " كانَتْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَوْكِيدٌ لِلْكَلامِ، فالمَعْنى: وهي عاقِرٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  ﴾ ؛ أيْ: أنْتُمْ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ مُنْذُ كانَتْ عاقِرًا، لَمْ يُحْدُثْ ذَلِكَ بِها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ، واخْتارَ الأوَّلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( عُتِيًّا )، و( بُكِيًّا ) [ مَرْيَمَ: ٥٨ ]، و( صُلِيًّا ) [ مَرْيَمَ: ٧٠ ] بِضَمِّ أوائِلِها.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ أوائِلِها، وافَقَهُما حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، إلّا في قَوْلِهِ: ( بُكِيًّا ) فَإنَّهُ ضَمَّ أوَّلَهُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: ( عِسِيًّا ) بِالسِّينِ.

قالَ مُجاهِدٌ: ( عِتِيًّا ): هو قُحُولُ العَظْمِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: يَبَسا، يُقالُ: عَتا وعَسا بِمَعْنًى واحِدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ انْتَهى فَقَدْ عَتا يَعْتُو عِتِيًّا، وعُتُوًّا وعُسُوًّا وعِسِيًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ كَذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ كَما قِيلَ لَكَ مِن هِبَةِ الوَلَدِ عَلى الكِبَرِ، ﴿ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ ؛ أيْ: خَلْقُ يَحْيى عَلَيَّ سَهْلٌ.

وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وعاصِمُ الجَحْدَرِيُّ: ( هَيْنٌ ) بِإسْكانِ الياءِ.

﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ﴾ ؛ أيْ: أوْجَدْتُكَ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( خَلَقْتُكَ ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَلَقْناكَ ) بِالنُّونِ والألِفِ.

﴿ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ المَعْنى: فَخَلْقُ الوَلَدِ كَخَلْقِكَ.

وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: " سَوِيًّا " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى: تُمْنَعُ عَنِ الكَلامِ وأنْتَ سَوِيٌّ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: سَلِيمًا غَيْرَ أخْرَسَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ ﴾ وهَذا في صَبِيحَةِ اللَّيْلَةَ الَّتِي حَمَلَتْ فِيها امْرَأتُهُ، ﴿ مِنَ المِحْرابِ ﴾ ؛ أيْ: مِن مُصَلّاهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَتَبَ إلَيْهِمْ في كِتابٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أوْمَأ بِرَأْسِهِ ويَدَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ سَبِّحُوا ﴾ ؛ أيْ: صَلُّوا، ﴿ بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ )، والمَعْنى: أنَّهُ كانَ يَخْرُجُ إلى قَوْمِهِ فَيَأْمُرُهم بِالصَّلاةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا، فَلَمّا حَمَلَتِ امْرَأتُهُ أمَرَهم بِالصَّلاةِ إشارَةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ ﴿ قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ﴾ ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ المَعْنى: قِيلَ لَهُ بِإثْرِ دُعائِهِ: إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ يُولَدُ لَكَ اسْمُهُ يَحْيى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُبَشِّرُكَ" بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ أصْحابُ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَبْشُرُكَ" بِسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ.

قالَ قَتادَةُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّ اللهَ أحْياهُ بِالنُبُوءَةِ والإيمانِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّي بِذَلِكَ لِأنَّ اللهَ أحْيا بِهِ الناسَ بِالتَدَيُّنِ، وقَوْلُهُ: "سَمِيًّا" مَعْناهُ في اللُغَةِ: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مُشارِكًا في هَذا الِاسْمِ، أيْ: لَمْ يُسَمَّ قَبْلُ بِيَحْيى، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ أسْلَمَ، والسُدِّيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "سَمِيًّا" مَعْناهُ: مَثَلًا ونَظِيرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كَأنَّهُ مِنَ المُساماةِ والسُمُوِّ، وفي هَذا بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ لا يَفْضُلُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ إلّا أنْ يَفْضُلَ في خاصٍّ بِالسُؤُودِ والحَصْرِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدِ العَواقِرُ مِثْلَهُ.

وقَوْلُ زَكَرِيّا: "أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ" اخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ طَلَبَ الوَلِيَّ دُونَ تَخْصِيصِ ولَدٍ، فَلَمّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ اسْتَفْهَمَ عن طَرِيقِهِ مَعَ هَذِهِ المَوانِعِ مِنهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ طَلَبَ الوَلَدَ وهو بِحالٍ يَرْجُو الوَلَدَ فِيها بِزَواجِ غَيْرِ العاقِرِ، أو بُشِّرَ ولَمْ تَقَعْ إجابَتُهُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ صارَ فِيها إلى حالِ مَن لا يُولَدُ لَهُ، فَحِينَئِذٍ اسْتَفْهَمَ وأخْبَرَ عن نَفْسِهِ بِالكِبَرِ والعُتُوِّ فِيهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ طَلَبَ الوَلَدَ فَلَمّا بُشِّرَ بِهِ لِحِينِ الدَعْوَةِ تَفَهَّمَ عَلى جِهَةِ السُؤالِ لا عَلى جِهَةِ الشَكِّ.

كَيْفَ طَرِيقُ الوُصُولِ إلى هَذا؟

وكَيْفَ نَفَذَ القَدَرُ بِهِ؟

لا أنَّهُ بَعُدَ عِنْدَهُ هَذا في قُدْرَةِ اللهِ.

والعِتِيُّ والعُسِيُّ: المُبالَغَةُ في الكِبَرِ ويُبْسُ العُودِ أو شَيْبُ الرَأْسِ ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عِتِيًّا" بِكَسْرِ العَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "عَتِيًّا" بِفَتْحِ العَيْنِ، وحَكى أبُو حاتِمْ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: "عُسِيًّا" بِضَمِّ العَيْنِ وبِالسِينِ، وحَكاها الدانِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لا أدْرِي، أكانَ رَسُولُ اللهِ  يَقْرَأُ في الظَهْرِ والعَصْرِ، ولا أدْرِي أكانَ يَقْرَأُ: "عِتِيًّا" أو "عُسِيًّا" بِالسِينِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ قالَ: نادى جِبْرِيلُ زَكَرِيّاءَ "إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى"، فَلَقِيَهُ الشَيْطانُ فَقالَ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ الصَوْتَ لَمْ يَكُنْ لِمَلَكٍ وإنَّما كانَ لِشَيْطانٍ، فَحِينَئِذٍ قالَ زَكَرِيّا: "أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ"؟

لِيُثْبِتَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ.

وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وزَكَرِيّا هو مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ قَتادَةُ: جَرى لَهُ هَذا الأمْرُ وهو ابْنُ بِضْعٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ سَبْعِينَ، وقالَ الزَجّاجُ: ابْنُ خَمْسٍ وسِتِّينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَدْ كانَ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ لا يُولَدُ لَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قالَ كَذَلِكَ ﴾ ، قِيلَ: إنَّ المَعْنى: قالَ لَهُ المَلَكُ: كَذَلِكَ فَلْيَكُنِ الوُجُودُ، كَما قِيلَ لَكَ: قالَ رَبُّكَ: خَلْقُ الغُلامِ عَلَيَّ هَيِّنٌ، أيْ: غَيْرُ بِدْعٍ، وكَما خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وأخْرَجْتُكَ مِن عَدَمٍ إلى وُجُودٍ كَذَلِكَ أفْعَلُ الآنَ......

وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" أيِ: الأمْرانِ اللَذانِ ذَكَرْتَ مِنَ المَرْأةِ العاقِرِ والكِبَرَةِ هو كَذَلِكَ ولَكِنْ قالَ رَبُّكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى عِنْدِي: قالَ المَلَكُ كَذَلِكَ، أيْ: عَلى هَذِهِ الحالِ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَقَدْ خَلَقْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَقَدْ خَلَقْناكَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ ، أيْ: مَوْجُودًا.

قالَ زَكَرِيّا: "رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً"، أيْ: عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ هَذا وكَوْنَهُ مِن عِنْدِكَ، ورُوِيَ أنَّ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا عَرَفَ ثُمْ طَلَبَ الآيَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عاقَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ أصابَهُ بِذَلِكَ السُكُوتُ عن كَلامِ الناسِ، وذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ عن مَرَضٍ -خَرَسٍ أو نَحْوِهِ- فَفِيهِ عَلى كُلِّ حالٍ عِقابٌ ما، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ زَكَرِيّا لَمّا حَمَلَتْ زَوْجَةٌ مِنهُ يَحْيى أصْبَحَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمْ أحَدًا، وهو مَعَ ذَلِكَ يَقْرَأُ التَوْراةَ، ويَذْكُرُ اللهَ، فَإذا أرادَ مُقاوَلَةَ أحَدٍ لَمْ يُطِقْهُ.

ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ مَعْناهُ: عَلامَةً أعْرِفُ بِها أنَّ الحَمْلَ قَدْ وقَعَ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ الزَجّاجُ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: "سَوِيًّا" فِيما قالَ الجُمْهُورُ: صَحِيحًا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا خَرَسٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: ذَلِكَ عائِدٌ عَلى اللَيالِي، أرادَ: كامِلاتٍ مُسْتَوِياتٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ  ﴾ ، المَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى أظْهَرَ الآيَةَ بِأنْ خَرَجَ زَكَرِيّا مِن مِحْرابِهِ وهو مَوْضِعُ الصَلاةِ، و"المِحْرابُ" أرْفَعُ المَواضِعِ والمَبانِي؛ إذْ هي تُحارِبُ مَن ناوَأها، ثُمْ خُصَّ بِهَذا الِاسْمِ مَبْنى الصَلاةِ، وكانُوا يَتَّخِذُونَها فِيما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِهِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَيْطانَ والشَهَواتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرَبِ -بِفَتْحِ الراءِ-، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى مِنهُ حَرْبًا وتَعَبًا ونَصْبًا، وفي اللَفْظِ بَعْدَ هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ: "فَأوحى"، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ ذَلِكَ بِإشارَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ بِأنْ كَتَبَهُ في التُرابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكِلا القَوْلَيْنِ وحْيٌّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ سَبِّحُوا ﴾ ، "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، بِمَعْنى أيْ، وَ "سَبِّحُوا" قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: صَلُّوا، والسُبْحَةِ: الصَلاةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهم بِذِكْرِ اللهِ وقَوْلِ: سُبْحانَ اللهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "أنْ سَبِّحُوهُ" بِضَمِيرٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الظاهر أن المعنى أنه خرج على قومه ليصلي على عادته، فكان في محرابه في صلاة خاصة ودعاء خفي، ثم خرج لصلاة الجماعة إذ هو الحبر الأعظم لهم.

وضمنخرج معنى طلع فعدي بعلى كقوله تعالى: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ [القصص: 79].

والمحراب: بيت أو محتجر يُخصص للعبادة الخاصة.

قال الحريري: فمحرَابيَ أحْرَى بي.

والوحي: الإشارة بالعين أو بغيرها، والإيماء لإفادة معنى شأنُه أن يفاد بالكلام.

و (أن) تفسيرية.

وجملة ﴿ سبّحوا بكرة وعشِيّاً ﴾ تفسير (لأَوْحى)، لأن (أوحى) فيه معنى القول دون حروفه.

وإنما أمرهم بالتسبيح لئلا يحسبوا أن زكرياء لما لم يكلمهم قد نذر صمتاً فيقتدوا به فيصمتوا، وكان الصمت من صنوف العبادة في الأمم السالفة، كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿ فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً ﴾ [مريم: 26].

فأومأ إليهم أن يشرعوا فيما اعتادوه من التسبيح؛ أو أراد أن يسبحوا الله تسبيح شكر على أن وهب نبيئهم ابناً يرث علمه، ولعلهم كانوا علموا ترقبه استجابه دعوته، أو أنه أمرهم بذلك أمراً مبهماً يفسره عندما تزول حبْسة لسانه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ أيْ عَلامَةً وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَألَ اللَّهَ آيَةً تَدُلُّهُ عَلى البُشْرى بِيَحْيى مِنهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ ذَلِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: سَألَهُ آيَةً تَدُلُّهُ عَلى أنَّ امْرَأتَهُ قَدْ حَمَلَتْ.

﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اعْتَقَلَ لِسانَهُ ثَلاثًا مِن غَيْرِ مَرَضٍ وكانَ إذا أرادَ أنْ يَذْكُرَ اللَّهَ انْطَلَقَ لِسانُهُ وإذا أرادَ أنْ يُكَلِّمَ النّاسَ اعْتُقِلَ، وكانَتْ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ الثّانِي: اعْتُقِلَ مِن غَيْرِ خَرَسٍ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

﴿ سَوِيًّا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: صَحِيحًا مِن غَيْرِ خَرَسٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ثَلاثُ لَيالٍ مُتَتابِعاتٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ، فَيَكُونُ السَّوِيُّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ راجِعًا إلى لِسانِهِ، وعَلى الثّانِي إلى اللَّيالِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أشْرَفَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ.

وَفي ﴿ المِحْرابِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُصَلّاةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الشَّخْصُ المَنصُوبُ لِلتَّوَجُّهِ إلَيْهِ في الصَّلاةِ.

وَفي تَسْمِيَتِهِ مِحْرابًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لِلتَّوَجُّهِ إلَيْهِ في صَلاتِهِ كالمُحارِبِ لِلشَّيْطانِ في صَلاتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَنزِلِ الأشْرافِ الَّذِي يُحارَبُ دُونَهُ ذَبًّا عَنْ أهْلِهِ فَكَأنَّ المَلائِكَةَ تُحارِبُ عَنِ المُصَلِّي ذَبًّا عَنْهُ ومَنعًا مِنهُ.

﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أوْصى إلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: أشارَ إلَيْهِمْ بِيَدِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: كَتَبَ عَلى الأرْضِ.

والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ الكِتابَةُ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: كَأنَّ أخا اليَهُودِ يَخُطُّ وحْيًا بِكافٍ مِن مَنازِلِها ولامِ ﴿ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ أيْ صَلُّوا بُكْرَةً وعَشِيًّا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وقِيلَ لِلصَّلاةِ تَسْبِيحٌ لِما فِيها مِنَ التَّسْبِيحِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: كبير، هاد، أمين، عزيز، صادق.

وفي لفظ: كاف بدل كبير.

وأخرج عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس وعثمان بن سعيد الدارمي في التوحيد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس ﴿ كهيعص ﴾ قال: كاف من كريم، وهاء من هاد، وياء من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة ﴿ كهيعص ﴾ هو الهجاء المقطع الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من العزيز، والصاد من المصوّر.

وأخرج ابن مردويه عن الكلبي، أنه سئل عن ﴿ كهيعص ﴾ فحدث عن أبي صالح عن أم هانئ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كاف، هاد، عالم، صادق» .

وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجة وابن جرير، عن فاطمة بنت علي قالت: كان ابن عباس يقول في ﴿ كهيعص ﴾ و ﴿ حم ﴾ و ﴿ يس ﴾ وأشباه هذا، هو اسم الله الأعظم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: يقول: أنا الكبير الهادي عليّ أمين صادق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: الكاف من الملك، والهاء من الله، والعين من العزيز، والصاد من الصمد.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: الكاف مفتاح اسمه كافي، والهاء مفتاح اسمه هادي، والعين مفتاح اسمه عالم، والصاد مفتاح اسمه صادق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: يا من يجير ولا يجار عليه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: اسم من أسماء القرآن.

والله أعلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر، أنه كان يقرأ ﴿ ذكر رحمة ربك عبده زكريا ﴾ بنقل، يقول: لما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.

فقال: ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ .

وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان زكريا نجاراً» .

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر، عن ابن عباس قال: إن زكريا بن دان أبا يحيى كان من أبناء الأنبياء الذين كانوا يكتبون الوحي ببيت المقدس.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ قال: لا يريد رياء.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ أي بقلبه سراً.

قال قتادة: إن الله يحب الصوت الخفي، والقلب النقي.

وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال: كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن إدريس من ذرية يعقوب دعا ربه سراً، قال: ﴿ رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ خفت الموالي من ورائي ﴾ وهم العصبة ﴿ يرثني ويرث ﴾ نبوة ﴿ آل يعقوب ﴾ ﴿ فنادته الملائكة ﴾ وهو جبريل ﴿ إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ فلما سمع النداء، جاءه الشيطان فقال: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، فشك وقال: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ يقول: من أين يكون؟

﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ !

قال الله: ﴿ قد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وهن العظم مني ﴾ يقول: ضعف.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وهن العظم مني ﴾ قال: نحول العظم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ قال: قد كنت تُعَودني الإجابة فيما مضى.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عيينة في قوله: ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ يقول: سعدت بدعائك وإن لم تعطني.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن العاص قال: أملى عليّ عثمان بن عفان من فيه ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ بنقلها يعني بنصب الخاء والفاء وكسر التاء يقول قلت: ﴿ الموالي ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ قال: الورثة، وهم عصبة الرجل.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ قال: العصبة من آل يعقوب، وكان من ورائه غلام، وكان زكريا من ذرية يعقوب، وفي لفظ: أيوب.

وأخرج الفريابي، عن ابن عباس قال: كان زكريا لا يولد له، فسأل ربه؟

فقال: ﴿ رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: نبوته وعلمه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة، ويرحم الله لوطاً، إن كان ليأوي إلى ركن شديد» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ فيقول: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن صالح في قوله: ﴿ ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: النبوة يكون نبياً كما كان أبوه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: السنة والعلم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد، عن يحيى بن يعمر أنه قرأها: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ مشددة بنصب الخاء، وكسر التاء، وقرأها: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ يرثني ﴾ مثقل مرفوع.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب قال: قال داود عليه السلام: «يا رب هب لي ابناً» فولد له ابن خرج عليه، فبعث إليه داود جيشاً فقال: «إن أخذتموه سليماً فابعثوا إلي رجلاً أعرف السرور في وجهه، وإن قتلتموه فابعثوا إلي رجلاً أعرف الشرّ في وجهه» فقتلوه فبعثوا إليه رجلاً أسود، فلما رآه علم أنه قتل، فقال: رب سألت أن تهب لي ابناً، فخرج علي؟!

فقال: إنك لم تستثن.

قال محمد بن كعب: لم يقل كما قال زكريا: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: لما دعا زكريا ربه أن يهب له غلاماً هبط جبريل عليه السلام- فبشره بيحيى.

فقال زكريا عندها: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ وأخبر بكبر سنه، وعلة زوجته، فأخذ جبريل عوداً يابساً، فجعله بين كفي زكريا، فقال: ادرجه بين كفيك، ففعل، فإذا في رأسه عود بين ورقتين يقطر منهما الماء.

فقال جبريل: إن الذي أخرج هذا الورق من هذا العود، قادر أن يخرج من صلبك، ومن امرأتك العاقر غلاماً.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم يسم أحد يحيى قبله.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم يسم أحد يحيى قبله.

وأخرج أحمد في الزهد، عن عكرمة مثله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم تلد العواقر مثله ولداً.

وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: مثلاً.

وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: شبيهاً.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء مثله.

وأخرج البخاري في تاريخه، عن يحيى بن خلاد الزرقي، أنه لما ولد أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وقال: لأسمينه اسماً لم يسم بعد يحيى بن زكريا فسماه يحيى.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس قال: لا أدري كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف ﴿ عتياً ﴾ أو عييا.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والحاكم، عن ميمون بن مهران: أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس؟

فقال: أخبرني عن قول الله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ ما العتي؟

قال: البؤس من الكبر قال الشاعر: إنما يعذر الوليد ولا يعذر ** من كان في الزمان عتيا وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: نحول العظم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ يقول: هرماً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: العتي الذي قد عتا من الولد فيما يرى في نفسه لا ولادة فيه.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن الثوري قال: بلغني أن زكريا كان ابن سبعين سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن المبارك ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: ستين سنة.

وأخرج الرامهرمزي في الإسناد، عن وهب بن منبه ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: هذه المقالة وهو ابن ستين أو خمس وستين.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ عتيا برفع العين.

وأخرج عبد بن حميد، عن يحيى بن وثاب أنه قرأها ﴿ عتيا ﴾ وصليا، بكسر العين والصاد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عقيل أنه قرأ ﴿ وقد بلغت من الكبر عسيا ﴾ بالسين ورفع العين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم، عن نوف في قوله: ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قال: أعطني آية أنك قد استجبت لي.

فقال: ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ﴾ قال ختم على لسانه وهو صحيح سوي ليس به من مرض، فلم يتكلم ثلاثة أيام.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ﴾ قال: اعتقل لسانه من غير مرض.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثلاث ليال سويا ﴾ قال: من غير خرس.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة والضحاك مثله.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ ثلاث ليال سويا ﴾ قال: صحيحاً لا يمنعك الكلام مرض.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال: حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قال: المحراب مصلاه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: كتب لهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن الحكم ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: كتب لهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال فأشار زكريا.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا ﴾ قال: أشار إليهم إشارة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: أومأ إليهم.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا ﴾ قال: صلوا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: ﴿ بكرة وعشيا ﴾ قال: أمرهم بالصلاة بكرة وعشيا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ﴾ قال: البكرة، صلاة الفجر، وعشيا، صلاة العصر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ ﴾ قال ابن زيد: (من مصلاه) (١) ﴿ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ﴾ قال ابن عباس: (يريد أشار إليهم) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا  ﴾ ﴿ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴾ ومعنى أمره إياهم بالصلاة ما ذكره سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (كان يأمرهم بالصلاة بكرة وعشيا) (٧) (١) "جامع البيان" 16/ 53، "النكت والعيون" 3/ 358، "الدر المنثور" 4/ 469.

(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 53، "المحرر الوجيز" 10/ 16، "النكت والعيون" 3/ 358، "معالم التنزيل" 5/ 221، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 58.

(٣) "روح المعاني" 16/ 71، "فتح القدير" 3/ 264.

(٤) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 6، "جامع البيان" 16/ 54، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "روح المعاني" 16/ 71.

(٥) "جامع البيان" 16/ 54، "معالم التنزيل" 5/ 221، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 85.

(٦) "جامع البيان" 16/ 54، "الدر المنثور" 4/ 469.

(٧) "روح المعاني" 16/ 71، "الدر المنثور" 4/ 469، "تنوير المقباس" 254.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الموالى ﴾ يعني: الأقارب قيل: خاف أن يرثوه دون نسله، وقيل: خاف أن يضيعوا الدين من بعده ﴿ مِن وَرَآءِى ﴾ أي من بعدي ﴿ عَاقِراً ﴾ أي عقيماً ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ يعني وارثاً يرثني، قيل: يعني وراثة المال، وقيل: وراثة العلم والنبوة وهو أرجح لقوله صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» وكذلك ﴿ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ العلم والنبوة، وقيل: الملك، ويعقوب هنا هو يعقوب بن إسحاق على الأصح ﴿ رَضِيّاً ﴾ أي مرضياً فهو فعيل: بمعنى مفعول ﴿ سَمِيّاً ﴾ يعني من سُمي باسمه، وقيل: مثيلاً ونظيراً، والأول أحسن هنا ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ تعجب واستبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته وعقم امرأته، فسأل ذلك أولاً لعلمه بقدرة الله عليه، وتعجب منه لأنه نادر في العادة، وقيل: سأله وهو في سنّ من يرجوه، وأجيب بعد ذلك بسنين وهو قد شاخ ﴿ عِتِيّاً ﴾ قيل: يبساً في الأعضاء والمفاصل، وقيل: مبالغة في الكبر ﴿ كذلك ﴾ الكاف في موضع رفع، أي الأمر كذلك، تصديقاً له فيما ذكر من كبره وعقم امرأته، وعلى هذا يوقف على قوله.

كذلك.

ثم يبتدأ: قال ربك، وقيل: إن الكاف في موضع نصب بقال، وذلك إشارة إلى مبهم يفسره: هو عليّ هين ﴿ اجعل لي آيَةً ﴾ أي علامة على حمل امرأته ﴿ سَوِيّاً ﴾ أي سليماً غير أخرس، وانتصابه على الحال من الضمير في تكلم، والمعنى أنه لا يكلم الناس مع أنه سليم من الخرس، وقيل: إن سوياً يرجع إلى الليالي أي مستويات ﴿ فأوحى إِلَيْهِمْ ﴾ أي أشار، وقيل: كتب في التراب إذ كان لا يقدر على الكلام ﴿ أَن سَبِّحُواْ ﴾ قيل: معناه صلوا، والسبحة في اللغة الصلاة، وقيل: قولوا سبحان الله ﴿ يايحيى ﴾ التقدير قال الله ليحيى بعد ولادته: ﴿ خُذِ الكتاب ﴾ يعني التوراة ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ أي في العلم به والعمل به ﴿ وآتيناه الحكم صَبِيّاً ﴾ قيل: الحكم، معرفة الأحكام، وقيل: الحكمة، وقيل: النبوة ﴿ وَحَنَاناً ﴾ قيل: معناه رحمة وقال ابن عباس: لا أدري ما الحنان ﴿ وزكاوة ﴾ أي طهارة، وقيل، ثناء كما يزكى الشاهد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كيهعص ﴾ بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو ﴿ كهيعص ﴾ بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى ويحيى وحماد بإمالتهما.

وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.

الباقون بتفخيمها ﴿ صاد ذكر ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل ﴿ من ورائي ﴾ بفتح الياء مهموزاً: ابن كثر غير زمعة والخزاعي عن ا لبزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي ﴿ من وراي ﴾ مثل ﴿ عصاي ﴾ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما: أبو عمرو وعليّ.

الباقون برفعهما ﴿ يبشرك ﴾ ثلاثياً وكذلك في آخر السورة: حمزة ﴿ عتباً ﴾ و ﴿ جثياً ﴾ و ﴿ صلياً ﴾ و ﴿ بكياً ﴾ بكسر الأوائل: حمزة وعلي وافق حفص إلا في ﴿ بكياً ﴾ الخزاز عن هبيرة ﴿ عتباً ﴾ الأولى بالكسر والثاني بالضم.

﴿ وقد خلقناك ﴾ حمزة وعلي.

الآخرون ﴿ خلقتك ﴾ على التوحيد ﴿ إلى آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة.

الوقوف: ﴿ كهيعص ﴾ ه كوفى ﴿ زكريا ﴾ ه ح لجواز تعلق "إذ" بـ ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفاً.

﴿ خفياً ﴾ ه ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ ولياء ﴾ لا ﴿ آل يعقوب ﴾ ق والوجوه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحيى ﴾ لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي.

﴿ سمياً ﴾ ه ﴿ عتياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ بقوة ﴾ ط ﴿ صبياً ﴾ ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحناناً منا عليه ﴿ وزكاة ﴾ ط ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ حياً ﴾ ه.

التفسير: حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائياً، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه.

فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معاً فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعاً فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين.

وقد روى صاحب الكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها.

والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله ﴿ كهيعص ﴾ ثناء من الله  على نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد صادق.

وعنه أيضاً أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى.

وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام، وارتفع ﴿ ذكر رحمة ﴾ على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ﴿ ربك ﴾ وانتصب ﴿ عبده ﴾ على أنه مفعول لذكر و ﴿ زكريا ﴾ عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول، وعن الكلبي أنه قرأ ﴿ ذكر ﴾ بلفظ الماضي مشدداً تارة و ﴿ رحمة ﴾ و ﴿ عبده ﴾ منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير المتلو.

ومخففاً أخرى و ﴿ عبده ﴾ مرفوع على الفاعلية.

وقرىء ﴿ ذكر ﴾ على الأمر وهي قراءة ابن معمر.

وقيل: يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا صل الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا.

وفي خفاء ندائه.

وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه.

ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته.

ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم.

ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ "صوته خفات وسمعه تارات" ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفياً لنهاية كبره.

ثم شرع في حكاية ندائه قائلاً: ﴿ قال رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني وهنت العظام من بدني، لأنك إذاقلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاماً واهنة عندك، فإذا قلت: "من بدني" فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام، ثم لطلب شمول العظام فرداً فرداً قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل ﴿ إني وهن العظم مني ﴾ فحصل أني وهنت العظام مني.

وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى.

وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي.

وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل ﴿ اشتعل ﴾ بدل "انتشر" فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي "اشتعل رأسي شيباً".

وكونها أبلغ من وجهات منها: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: "اشتعل بيتي ناراً" مكان "اشتعل النار في بيتي".

ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير ﴿ شيباً ﴾ للتعظيم كما هو حق التمييز.

ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي "اشتعل الرأس مني شيباً" لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو ﴿ وهن العظم مني ﴾ ثم ترك لفظ "مني" ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ.

وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال "رب" بحذف حرف النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره.

وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.

ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلاً ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ كما حكى أن محتاجاً قال لكريم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل إلينا وقضى حاجته.

تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها.

ومعنى ﴿ بدعائك ﴾ أي بدعائي إياك.

واعلم أن زكريا  قدم على السؤال أموراً ثلاثة: الأول كونه ضعيفاً، والثاني أنه  لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين وذلك قوله ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ قال ابن عباس والحسن: أي الورثة.

وعن مجاهد العصبة.

وعن أبي صالح: الكلالة.

وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب.

وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من تقدم في ميراثة كالولد.

والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعيناً للحبورة.

وقوله: ﴿ من ورائي ﴾ أي بعد موتي لا يتعلق بــ ﴿ خفت ﴾ لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما.

وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم.

وإنما قال: ﴿ خفت ﴾ بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال.

وقرىء ﴿ خفت الموالي ﴾ بتشديد الفاء.

وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو معناه قدامي والظرف متعلق بـ ﴿ خفت ﴾ أي درجوا ولم يبق من يعتضد به.

ثم صرح بالمسألة قائلاً: ﴿ فهب لي ﴾ وأكده بقوله: ﴿ من لدنك ﴾ أي ولياً صادراً من عندك مضافاً إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة.

من قرأ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا: إنه صفة.

وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟

فقال مجيباً: يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا.

واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي  .

أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة.

وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب.

وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا "هب لي ولياً موصوفاً بالوراثة" أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي ولياً أخبر عنه بأنه يرثني.

وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب.

والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله  عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه.

ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقى ذلك الكتاب أو الشرع معمولاً به بعد زكريا أيضاً إلى حين.

وقد روى صاحب الكشاف ههنا قراآت شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان.

فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول "جاءني فلان فجاءني رجل" لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام عنه.

وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية.

وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها.

واختلف المفسرون في أنه طلب ولداً يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره؟

والأول أظهر لقوله في آل عمران ﴿ رب هب لي من لدنك ذرية طيبة  ﴾ ولقوله في سورة الأنبياء ﴿ ربي لا تذرني فرداً  ﴾ حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك.

والجواب ما مر في آل عمران.

واختلفوا أيضاً في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال.

وعنهم أيضاً أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس.

وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة.

فلفظ الإرث مستعمل في المال ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم  ﴾ وفي العلم ﴿ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب  ﴾ "العلماء ورثة الأنبياء" وحجة الأولين ما روي أنه  قال: "رحم الله زكريا وما عليه من يرثه" فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال.

وكذا قوله  "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" ، وأيضاً العلم والنبوة كيف يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ لأن النبي لا يكون إلا مرضياً.

وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه.

والمراد يكون رضياً أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى، وقج مر الحديث هناك.

ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلاً على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به.

احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً عنده، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث.

واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن بعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل  .

وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل.

وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها.

قوله: ﴿ يا زكريا ﴾ الكثرون على أنه نداء من الله  لقرينة التخاطب من قوله: ﴿ رب إني وهو العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ ومنهم من قال: هو نداء الملك لقوله في آل عمران ﴿ فنادته الملائكة  ﴾ وجوز بعضهم الأمرين.

واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله.

وقيل: أراد أنه لا نظير له كقوله ﴿ هل تعلم له سمياً  ﴾ وذلك أنه سيداً وحصوراً ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ وأيضاً سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص.

قال بعض العلماء: القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله: ﴿ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً  ﴾ لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول: السميّ هناك يراد به المثل والنظير.

ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضاً.

قال جار الله: إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي.

قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.

ولم سمي بيحيى؟

تكلفوا له وجوهاً.

فعن ابن عباس لأنه  أحيا عقر أمه.

وعن قتادة لأنه  أحيا قلبه بالإيمان والطاعة ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم  ﴾ .

ولهذا كان من أول من آمن بعيسى.

وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء.

وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين.

قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية فــ"من" للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى ﴿ عتياً ﴾ وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام.

يقال: عنا العود عتياً إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس.

سؤال: إنه قال في آل عمران ﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر  ﴾ فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟

وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب.

قلت: إن ذاك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وههنا راعى الفاصلة.

﴿ قال ﴾ الأمر ﴿ كذلك ﴾ تصديقاً له.

ثم ابتدأ قائلاً ﴿ قال ربك ﴾ فمحل ﴿ كذلك ﴾ رفع، ويحتمل أن يكون نصباً ﴿ قال ﴾ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: ﴿ هو ﴾ أي خلق الغلام ﴿ عليّ هين ﴾ ويحتمل أن يكون إشارة إلى قول زكريا ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟

فأجيب بقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما.

ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد ﴿ ولم تك شيئاً ﴾ لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً بعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، فيه نفس استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قد مر تفسير الآية في أول عمران.

قوله: ﴿ سوياً ﴾ قيل: إنه صفة لليالي أي تامة كاملة.

والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قيل: كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه.

وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه.

﴿ فأوحى إليهم ﴾ عن مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران ﴿ إلا رمزاً ﴾ وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض.

و ﴿ أن ﴾ هي المفسرة و ﴿ سبحوا ﴾ أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان الله.

عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشيّ صلاة العصر، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة.

وههنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب ﴾ أي التوراة لأنها المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب  ﴾ والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه.

ثم أكده بقوله: ﴿ بقوة ﴾ أي بجد وعزيمة.

﴿ وآتيناه الحكم ﴾ أي الحكمة.

عن ابن عباس: هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال: ما للعب خلقت.

وعن معمر: العقل.

وقيل: النبوة.

وكل هذه الأوصاف على الأقول من الخوارق كما حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة.

والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد ههنا.

وما قيل إنه يحتمل أن يراد حناناً منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو.

وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وأراد بقوله: ﴿ وزكاة ﴾ أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله  ﴾ ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة ﴿ من لدنا ﴾ وعن عطاء: أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا.

وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً.

وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود.

وقيل: بركة كقول عيسى ﴿ جعلني مباركاً ﴾ وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم.

ثم أخبر محمد  عن جملة أحواله بقوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط ﴿ وبرّاً بوالديه ﴾ لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق.

قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض  ﴾ ثم إنه  سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال: ﴿ حياً ﴾ مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى ﴿ ويوم أبعث حياً  ﴾ وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول.

والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص موضع الأعم تأكيداً.

قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله  لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب.

قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.

التأويل: إن زكريا الروح ﴿ نادى ربه نداء خفياً ﴾ من سر السر ﴿ قال رب إني وهن ﴾ مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب ﴿ وكانت امرأتي ﴾ يعني الجثة التي هي روح الروح ﴿ عاقراً ﴾ لا تلد إلا بموهبة من الله ﴿ فهب لي من لدنك ﴾ سأل ﴿ ولياً ﴾ فأعطاه الله نبياً وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى  ﴾ ﴿ اسمه يحيى ﴾ إن الله أحياه بنوره ﴿ ولم نجعل له من قبل سمياً ﴾ لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة كما قال: "ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب ﴿ عتياً ﴾ يبساً وجفافاً من غلبات صفات النفس ﴿ آيتك أن لا تكلم الناس ﴾ لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه ﴿ ثلاث ليال ﴾ هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات ﴿ سوياً ﴾ متمكناً في هذا الحال من غير تلون ﴿ فخرج ﴾ زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد ﴿ يا يحيى ﴾ القلب ﴿ خذ ﴾ كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل ﴿ بقوة ﴾ ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفاً ﴿ وآتيناه الحكم ﴾ في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ﴿ زكاة ﴾ وتطهراً من الالتفات إلى غيرنا ﴿ وبراً بوالديه ﴾ الروح والقالب.

أما البروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلاً ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة.

وأما بر والدة القلب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ كالنفس الأمارة بالسوء ﴿ وسلام عليه يوم يولد ﴾ في أصل خلقه ﴿ ويوم يموت ﴾ من استعمال المعاصي بالتوبة ﴿ ويوم يبعث حياً ﴾ بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل - ﴿ يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: لم نجعل له مثل يحيى من قبل في الفضل والمنزلة؛ لأنه روي عن نبي الله  أنه قال: "لم يكن من ولد آدم إلا وقد عمل بخطيئة أو همّ بها غير يحيى بن زكريا؛ فإنه لم يهم بخطيئة ولا عمل بها" وقال بعضهم: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: لم يسم أحد قبله يحيى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: يتولّى الله تسميته يحيى، لم يول تسميته غيره، وسائر الخلق تولى أهلوهم تسميتهم.

وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً ﴾ .

قال الحسن: إن زكريا استوهب ربه الولد، فأجابه وبَشَّره، فقال: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ ، وطلب منه الآية لذلك، فقال: ﴿ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً ﴾ ، فما عابه على ذلك، ولا وبّخه، ولكن رحمه، أو كلام نحو هذا.

وقال غيره: إنما أمسك لسانه واعتقله عقوبة لما سأل من الآية، هؤلاء كلهم يجعلون ذلك منه زلة منه، إلا أن الحسن قال: لم يعبه على ذلك، ولا عاقبه عليه، ولكن ذكر ذلك رحمة منه إليه، وغيره يجعل ذلك عقوبة لما كان منه.

وجائز أن يخرج ذلك على غير ما قالوا، وهو أن قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ أي: على أيّ حال يكون مني الولد، على الحال التي أنا عليها، أو أراد إلى شبابي، ففي تلك الحال يكون مني الولد، فذلك منه استخبار واستعلام عن الحال الذي يكون منه الولد، ليس على أنه لم يعرف أنه قادر على إنشاء الولد في حال الكبر، وبسبب وبلا سبب، وعلى ذلك يخرج قوله حيث قال كذلك: ﴿ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ﴾ ، أي: قبل أن نخلقك لم تك شيئاً.

وطلب الآية والعلامة بعدما بشر يخرج على وجهين: أحدهما: أنّه لما بشر بالولد لعله أشكل عليه بأن تلك بشارة ملك أو غيره، فطلب منه العلامة ليعرف أن تلك بشارة ملك، وأنها من الله أو غيره لأنه ذكر في الآية: ﴿ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ  ﴾ فطلب الآية يخرج منه على استعلام بشارة الملك، وأن ذلك من الله لا أنه لم يعرف قدرة الله أنه قادر على خلقه في كل حال، هذا لا يظن بأضعف مؤمن في الدنيا فكيف يظن بنبيّ من الأنبياء؟!

أو أن يكون طلب الآية منه ليعرف وقت حملها الولد، ووقت وقوعه في الرحم؛ ليسبق له السرور بحمله عن وقت الولادة، وعن وقت وقوع بصره عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ ، لأني أخلق بسبب، وبغير سبب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال، وأنت سَوِيٌّ صحيح.

وقال بعضهم: ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ ، أي: ثلاثاً تامات بأيامها على ما قاله في آية أخرى: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً  ﴾ ذكر هاهنا ثلاث ليال وفي تلك الآية ثلاثة أيام والقصة واحدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .

قوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قيل: أومأ إليهم.

وقيل: كتب لهم على الأرض.

وجائز أن يكون أوحى إليهم بالشفتين على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً  ﴾ ، والرمز: هو تحريك الشفة والإيماء بها.

قال أبو عوسجة: عاقر وعقيم: المرأة التي لا تلد، وقوله: ﴿ عِتِيّاً ﴾ قال: هو أشد الكبر شيباً، أي: كبر الشيب.

والمحراب، قال: إن شئت قصراً وداراً، وقال القتبي: ﴿ عِتِيّاً ﴾ ، أي: يبساً، ويقال: عِتيّاً وعَتيا، بمعنى واحد، ويقال: ملك عاتٍ، إذا كان قاسي القلب غير لين، وسويّاً أي: سليماً.

وقوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قد ذكرنا أنه أومأ إليهم.

وقال بعضهم: كتب لهم على الأرض.

وقوله: ﴿ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَن سَبِّحُواْ ﴾ ، أي: صلوا لله بكرة وعشيّاً، فإن كان التسبيح هو الصلاة، ففيه أن الصلاة كانت في الأمم الماضية في ختام الليل.

ويحتمل التسبيح نفسه والثناء على الله، والدعاء له بالغدوات والعشيات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: خذ الكتاب بما قواك الله وأعانك.

وقال بعضهم: خذ الكتاب واصبر على العمل بما فيه.

وقال بعضهم: خذ الكتاب بقوة، أي: بجدّ.

قال أبو بكر الأصم: الجدّ: هو الانكماش في العمل، والقوة هي احتمال ما حمل عليه.

وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون بأن القوة تتقدم الفعل، ثم لا تبقى وقتين، فيكون على قولهم آخذاً بغير قوة، وقد أمره أن يأخذه بقوة، فقولهم على خلاف ما نطق به ظاهر الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ ٱلْحُكْمَ ﴾ ، أي: النبوة حال صباه.

وقال بعضهم: آتاه الله الفهم واللبّ.

وقال بعضهم: الحكمة والعلم.

فكيفما كان ففيه فساد مذهب المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله  لا يخص أحداً بنبوّة، ولا شيء من الخيرات إلا بعد أن يسبق من المختص له ما يستوجب ذلك الاختصاص، ويستحقه، فما الذي كان من يحيى في حال صباه وطفوليته ما يستوجب به النبوة، وما ذكر من الحكم أنه آتاه، فدلّ ذلك [أن] الاختصاص منه - يكون لمن كان - إفضالاً منه وإنعاماً ورحمة، لا باستحقاق من المختص له واستيجابه.

وفي قوله: ﴿ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ دلالة أنه كان نبيّاً حيث كان أخبر أنه آتاه الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ هو على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ وآتيناه حناناً وزكاةً أيضاً.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ : قال ابن عباس: تعطفاً من لدنا.

وقال بعضهم: أي: رحمة من لدنا، وهو قول الحسن.

وقال بعضهم: الحنان: المحبة.

وقال أبو عوسجة: حنانك وحنانيك كلاهما يعني: رحمتك، وقال: أصله من التحنن، وهو الترحم.

وقال القتبي: أصله من حنين الناقة على ولدها.

وقوله: ﴿ وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: زكاة، أي: صدقة تصدق بها على زكريا وزوجته في الوقت الذي لا يرجو فيه مثلهما الولد.

وقال بعضهم: زكاة، أي: صلاحاً وما ينمو به من الخيرات.

وجائز أن يكون الزكاة اسم كل خير وبركة، وهو كالبر من التقوى، كأنه قال: أعطيناه كل بر وخير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ عن جميع الشرور، كقوله: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ  ﴾ أي: تعاونوا على البرّ وتعاونوا أيضاً على دفع الشرور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ ﴾ هو على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ ﴾ \[أي\]: وآتيناه البرّ بوالديه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ .

بل كان خاضعاً لله ذليلاً مطيعاً.

وقال الحسن: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ ، أي: لم يكن فيمن يجبر الناس على معصية الله.

وقال أهل التأويل: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً ﴾ أي: قتالاً، أي: لم يكن ممّن يقتل على الغضب ويضرب على الغضب.

وأصله ما ذكرنا: أنه كان - على ضدّ ما ذكر - خاضعاً لله، مطيعاً له، على ما ذكر أنه لم يرتكب ذنباً ولا هم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً ﴾ .

يحتمل: (السلام عليه) الوجوه الثلاثة: أحدها: هو اسم كل برّ وخير، أي: عليه كل برّ وخير في هذه الأحوال التي ذكر.

والثاني: (السلام) هو الثناء، أثنى الله عليه في أوّل أمره إلى آخره، وبعد الموت في الآخرة، أو أن يكون قوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ ﴾ أي: السلامة عليه في هذه الأحوال التي يكون للشيطان في تلك الأحوال الاعتراض والنزغ فيها؛ لأنه وقت الولادة يعترض ويفسد الولد إن وجد السبيل إليه، وكذلك عند الموت يعترض ويسعى في إفساد أمره فأخبر أن يحيى كان سليماً سالماً عن نزغات الشيطان، محفوظاً عنه حتى لم يرتكب خطيئة، ولا همّ بها، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَمُوتُ ﴾ دلالة أن الموت والقتل سواء، وإن كان في الحقيقة مختلفاً؛ لأنه ذكر في القصة أن يحيى قتل، ثم ذكر الموت، فدل أنهما واحد، فهذا يرد على المعتزلة، حيث قالوا: إن المقتول ميت قبل أجله، وفيه أن قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ  ﴾ إنما نهانا أن نسميهم أمواتاً في جهة ليس في الجهات كلها، حيث سمى يحيى: ميتاً، وهو كان شهيداً على ما ذكر أنه قتل.

وفي قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ استدلال لأبي حنيفة - رحمه الله - حيث وقف في أولاد المسلمين والمشركين، فقال: لا علم لي بهم، ولم يقطع فيهم القول؛ لما يجوز أن يجعل الله لهم من المنزلة والتمييز والفهم في حال صغرهم حتى يعرفوا خالقهم ومنشئهم، على ما أعطى يحيى وعيسى في حال صباهما وصغرهما الحكم والفهم والمعرفة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فخرج زكريا على قومه من مصلّاه، فأشار إليهم من غير كلام: أن سبّحوا الله سبحانه أول النهار وآخره.

من فوائد الآيات الضعف والعجز من أحب وسائل التوسل إلى الله؛ لأنه يدل على التَّبَرُؤِ من الحول والقوة، وتعلق القلب بحول الله وقوته.

يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه، وما يليق بالخضوع.

الحرص على مصلحة الدين وتقديمها على بقية المصالح.

تستحب الأسماء ذات المعاني الطيبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.gDZJm"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده