الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ١٦ من سورة مريم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 10 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٦ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
لما ذكر تعالى قصة زكريا ، عليه السلام ، وأنه أوجد منه ، في حال كبره وعقم زوجته - ولدا زكيا طاهرا مباركا - عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى ، عليهما السلام ، منها من غير أب ، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة ; ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا وفي سورة الأنبياء ، يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى ، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه ، وأنه على ما يشاء قادر ، فقال : ( واذكر في الكتاب مريم ) وهي مريم بنت عمران ، من سلالة داود ، عليه السلام ، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل .
وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في " آل عمران " ، وأنها نذرتها محررة ، أي : تخدم مسجد بيت المقدس ، وكانوا يتقربون بذلك ، ( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا ) [ آل عمران : 37 ] ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة ، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدءوب ، وكانت في كفالة زوج أختها - وقيل : خالتها - زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم ، الذي يرجعون إليه في دينهم .
ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) [ آل عمران : 37 ] فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء ، كما تقدم بيانه في " آل عمران " .
فلما أراد الله تعالى - وله الحكمة والحجة البالغة - أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام ، أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام ، ( انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) أي : اعتزلتهم وتنحت عنهم ، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس .
قال السدي : لحيض أصابها .
وقيل لغير ذلك .
قال أبو كدينة ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه عن ابن عباس قال : إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه ، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك : ( انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) قال : خرجت مريم مكانا شرقيا ، فصلوا قبل مطلع الشمس .
رواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير .
وقال ابن جرير أيضا : حدثنا إسحاق بن شاهين ، حدثنا خالد بن عبد الله ، عن داود ، عن عامر ، عن ابن عباس قال : إني لأعلم خلق الله ؛ لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة ; لقول الله تعالى ( انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) واتخذوا ميلاد عيسى قبلة وقال قتادة : ( مكانا شرقيا ) شاسعا متنحيا .
وقال محمد بن إسحاق : ذهبت بقلتها تستقي من الماء .
وقال نوف البكالي : اتخذت لها منزلا تتعبد فيه .
فالله أعلم .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد في كتاب الله الذي أنـزله عليك بالحقّ مريم ابنة عمران ، حين اعتزلت من أهلها، وانفردت عنهم، وهو افتعل من النَّبذ، والنَّبذ: الطَّرْح، وقد بيَّنا ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ) أي انفردت من أهلها.
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصَّلْت، قال: ثنا أبو كُدَينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) قال: خرجت مكانا شرقيا.
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، وهو قوله: (6) فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا: في شرقيّ المحراب.
وقوله (مَكَانًا شَرْقِيًّا) يقول: فتنحت واعتزلت من أهلها في موضع قِبَلَ مَشرق الشمس دون مَغربها.
كما حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله (مَكَانًا شَرْقِيًّا) قال: من قِبَل المشرق.
حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس، قال: إني لأعلم خلق الله لأيّ شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول الله: فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن عباس، مثله.
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن الصَّلْت، قال: ثنا أبو كُدَينة، عن قابوس، عن أبيه ، عن ابن عباس، قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحج لله، وما صرفهم عنهما إلا تأويل ربك (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) فصلوا قبل مطلع الشمس.
حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) قال: شاسعا متنحيا.
وقيل: إنها إنما صارت بمكان يلي مشرق الشمس، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيرا مما يلي المغرب ، وكذلك ذلك فيما ذُكر عند العرب.
---------------------- الهوامش : (6) كذا هنا ، وفي موضوعين بعد : فانتبذت ، والقراءة : إذ انتبذت .
قوله تعالى : واذكر في الكتاب مريم القصة إلى آخرها .
هذا ابتداء قصة ليست من الأولى .
والخطاب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي عرفهم قصتها ليعرفوا كمال قدرتنا .
إذ انتبذت أي تنحت وتباعدت .
والنبذ الطرح والرمي ؛ قال الله تعالى : فنبذوه وراء ظهورهم .
من أهلها أي ممن كان معها .
وإذ بدل من مريم بدل اشتمال ؛ لأن الأحيان مشتملة على ما فيها .
والانتباذ الاعتزال والانفراد .
واختلف الناس لم انتبذت ؛ فقال السدي : انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس .
وقال غيره : لتعبد الله ؛ وهذا حسن .
وذلك أن مريم - عليها السلام - كانت وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه ، فتنحت من الناس لذلك ، ودخلت في المسجد إلى جانب المحراب في شرقيه لتخلو للعبادة ، فدخل عليها جبريل - عليه السلام - .فقوله : مكانا شرقيا أي مكانا من جانب الشرق .
والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس .
والشرق بفتح الراء الشمس .
وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلع الأنوار ، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها ؛ حكاه الطبري .
وحكي عن ابن عباس أنه قال : إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة لقول الله - عز وجل - : إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذوا ميلاد عيسى - عليه السلام - قبلة ؛ وقالوا : لو كان شيء من الأرض خيرا من المشرق لوضعت مريم عيسى - عليه السلام - فيه .
واختلف الناس في نبوة مريم ؛ فقيل : كانت نبية بهذا الإرسال والمحاورة للملك .
وقيل : لم تكن نبية وإنما كلمها مثال بشر ، ورؤيتها للملك كما رئي جبريل في صفة دحية حين سؤاله عن الإيمان والإسلام .
والأول أظهر .
وقد مضى الكلام في هذا المعنى مستوفى في ( آل عمران ) والحمد لله .
لما ذكر قصة زكريا ويحيى، وكانت من الآيات العجيبة، انتقل منها إلى ما هو أعجب منها، تدريجا من الأدنى إلى الأعلى فقال: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ ْ} الكريم { مَرْيَمَ ْ} عليها السلام، وهذا من أعظم فضائلها، أن تذكر في الكتاب العظيم، الذي يتلوه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، تذكر فيه بأحسن الذكر، وأفضل الثناء، جزاء لعملها الفاضل، وسعيها الكامل، أي: واذكر في الكتاب مريم، في حالها الحسنة، حين { انْتَبَذَتْ ْ} أي: تباعدت عن أهلها { مَكَانًا شَرْقِيًّا ْ} أي: مما يلي الشرق عنهم.
قوله عز وجل : ( واذكر في الكتاب ) في القرآن ( مريم إذ انتبذت ) تنحت واعتزلت ( من أهلها ) من قومها ( مكانا شرقيا ) أي : مكانا في الدار مما يلي المشرق ، وكان يوما شاتيا شديد البرد ، فجلست في مشرقة تفلي رأسها .
وقيل : كانت طهرت من المحيض ، فذهبت لتغتسل .
قال الحسن : ومن ثم اتخذت النصارى المشرق قبلة .
«واذكر في الكتاب» القرآن «مريم» أي: خبرها «إذ» حين «انتبذت من أهلها مكانا شرقيا» أي: اعتزلت في مكان نحو الشرق من الدار.
واذكر - أيها الرسول - في هذا القرآن خبر مريم إذ تباعدت عن أهلها، فاتخذت لها مكانًا مما يلي الشرق عنهم.
وبعد هذا الحديث عن جانب من قصة زكريا ويحيى - عليهما السلام - ، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قصة أخرى أعجب من قصة ميلاد يحيى ، ألا وهى قصة مريم وميلادها لابنها عيسى - عليه السلام - فقال - تعالى - : ( واذكر فِي الكتاب .
.
.
) .قال ابن كثير : " لما ذكر الله تعالى - قصة زكريا - عليه السلام - وأنه أوجد منه فى حال كبره وعقم زوجته ولدا زكياً طاهراً مباركاً ، وعطف بذكر قصة مريم ، فى إيجاده ولدها عيسى - عليه السلام - منها من غير أب .وهى مريم ابنة عمران - من سلالة داود - عليه السلام - وكانت من بيت طاهر فى بنى إسرائيل .
.
.
ونشأت نشأة عظيمة ، فكانت إحدى العابدات الناسكات .
.
.وكانت فى كفالة زوج أختها زكريا - عليه السلام - ورأى لها من الكرامات الهائلة ما بهره .
.
.
" .والمعنى : ( واذكر ) - أيها الرسول الكريم - ( فِي الكتاب ) أى فى هذه السورة الكريمة ، أو فى القرآن الكريم ، خبر مريم وقصتها ( إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً ) أى : وقت أن تنحت عنهم واعتزلتهم فى مكان يلى الناحية الشرقية من بيت المقدس ، أو من بيتها الذى كانت تسكنه .وفى التعبير بقوله - تعالى - ( إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً ) أى : وقت أن تنحت عنهم واعتزلتهم فى مكان يلى الناحية الشرقية من بيت المقدس ، أو من بيتها الذى كانت تسكنه .وفى التعبير بقوله - تعالى - ( إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا ) إشارة إلى شدة عزلتها عن أهلها إذ النبذ معناه الطرح والرمى ، فكأنها ألقت بنفسها فى هذا المكان لتتخلى للعبادة والطاعة ، والتقرب إلى الله - تعالى - بصالح الأعمال .قال القرطبى : واختلف الناس لم انتبذت؟
فقال السدى : انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس .
وقال غيره : لتعبد الله وهذا حسن .
وذلك أن مريم كانت وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه ، فتنحت من الناس لذلك ، ودخلت فى المسجد إلى جانب المحراب فى شرقيه لتخلو للعبادة .
.
.فقوله ( مَكَاناً شَرْقِياً ) أى : مكاناً من جانب الشرق .
والشرق - بسكون الراء - المكان الذى تشرق فيه الشمس .
والشرق - بفتح الراء - الشمس .
.وإنما خص المكان بالشرق ، لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ، حيث تطلع الأنوار .
.
.
" .