الآية ٤٥ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٤٥ من سورة مريم

يَـٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيًّۭا ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ) أي : على شركك وعصيانك لما آمرك به ، ( فتكون للشيطان وليا ) يعني : فلا يكون لك مولى ولا ناصرا ولا مغيثا إلا إبليس ، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء ، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك ، كما قال تعالى : ( تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم ) [ النحل : 63 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول: يا أبت إني أعلم انك إن متّ على عبادة الشيطان أنه يمسك عذاب من عذاب الله ( فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ) يقول: تكون له وليا دون الله ويتبرأ الله منك، فتهلك، والخوف في هذا الموضع بمعنى العلم، كما الخشية بمعنى العلم، في قوله فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن أي إن مت على ما أنت عليه .

ويكون أخاف بمعنى أعلم .

ويجوز أن يكون أخاف على بابها فيكون المعنى : إني أخاف أن تموت على كفرك فيمسك العذاب .

فتكون للشيطان وليا أي قرينا في النار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ْ} أي: بسبب إصرارك على الكفر، وتماديك في الطغيان { فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ْ} أي: في الدنيا والآخرة، فتنزل بمنازله الذميمة، وترتع في مراتعه الوخيمة، .فتدرج الخليل عليه السلام بدعوة أبيه، بالأسهل فالأسهل، فأخبره بعلمه، وأن ذلك موجب لاتباعك إياي، وأنك إن أطعتني، اهتديت إلى صراط مستقيم، ثم نهاه عن عبادة الشيطان، وأخبره بما فيها من المضار، ثم حذره عقاب الله ونقمته إن أقام على حاله، وأنه يكون وليا للشيطان،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا أبت إني أخاف ) أي : أعلم ( أن يمسك ) يصيبك ( عذاب من الرحمن ) أي : إن أقمت على الكفر ( فتكون للشيطان وليا ) قرينا في النار .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن» إن لم تتب «فتكون للشيطان وليا» ناصرا وقرينا في النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أبت، إني أخاف أن تموت على كفرك، فيمَسَّك عذاب من الرحمن، فتكون للشيطان قرينًا في النار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم هذا النداء بما يدل على حبه ، وشفقته عليه فقال : ( ياأبت إني أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرحمن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ) .أى : يا أبت إنى أشفق عليك من أن ينزل بك عذاب من الرحمن بسبب إصرارك على عبادة غيره ، وبذلك تصبح قريناً للشيطان فى العذاب بالنار ، لأنك انقدت له ، وخالفت طريق الحق .بهذا الأسلوب الحكيم الهادىء الرقيق .

.

.

خاطب إبراهيم أباه ، وهو يدعوه إلى عبادته - تعالى - وحده .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال ما ملخصه : انظر كيف رتب إبراهيم الكلام مع أبيه فى أحسن اتساق ، وساقه أرشق مساق ، مع استعماله المجاملة واللطف والرفق واليين والأدب الجميل والخلق الحسن .وذلك أنه طلب منه - أولاً - العلة فى خطئه .

طلب منبه على تماديه ، موقظ لإفراطه وتناهيه .

.

.

حيث بعد ما ليس به حس ولا شعور .ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقاً به متلطفاً ، فلم يصف اباه بالجهل المفرط ، ولا نفسه بالعلم الفائق .

ولكنه قال : إن معى طائفة من العلم وشيئاً منه ليس معك .

.

.

ثم ثلث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه ، بتصويره بصورة يستنكرها كل عاقل .

.

.

ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة ، وما يجره ما هم فيه من الوبال .ولم يخل ذلك من حسن الأدب ، حيث لم يصرح بأن العقاب لا حق له ، وأن العذاب لاصق به ، وكلنه قال : ( إني أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ .

.

.

) .وصدر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله : ( ياأبت ) توسلا واستعطافاً .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الثالثة: قصة إبراهيم عليه السلام.

اعلم أن الغرض من هذه السورة بيان التوحيد والنبوة والحشر، والمنكرون للتوحيد هم الذين أثبتوا معبوداً سوى الله تعالى، وهؤلاء فريقان: منهم من أثبت معبوداً غير الله حياً عاقلاً فاهماً وهم النصارى، ومنهم من أثبت معبوداً غير الله جماداً ليس بحي ولا عاقل ولا فاهم وهم عبدة الأوثان والفريقان وإن اشتركا في الضلال إلا أن ضلال الفريق الثاني أعظم فلما بين تعالى ضلال الفريق الأول تكلم في ضلال الفريق الثاني وهم عبدة الأوثان فقال: ﴿ واذكر فِي الكتاب ﴾ والواو في قوله واذكر عطف على قوله: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا  ﴾ كأنه لما انتهت قصة عيسى وزكريا عليهما السلام قال قد ذكرت حال زكريا فاذكر حال إبراهيم وإنما أمر بذكره لأنه عليه السلام ما كان هو ولا قومه ولا أهل بلدته مشتغلين بالعلم ومطالعة الكتب فإذا أخبر عن هذه القصة كما كانت من غير زيادة ولا نقصان كان ذلك إخباراً عن الغيب ومعجزاً قاهراً دالاً على نبوته.

وإنما شرع في قصة إبراهيم عليه السلام لوجوه: أحدها: أن إبراهيم عليه السلام كان أب العرب وكانوا مقرين بعلو شأنه وطهارة دينه على ما قال تعالى: ﴿ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ  ﴾ فكأنه تعالى قال للعرب إن كنتم مقلدين لآبائكم على ما هو قولكم: ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون  ﴾ ومعلوم أن أشرف آبائكم وأجلهم قدراً هو إبراهيم عليه السلام فقلدوه في ترك عبادة الأوثان وإن كنتم من المستدلين فانظروا في هذه الدلائل التي ذكرها إبراهيم عليه السلام لتعرفوا فساد عبادة الأوثان وبالجملة فاتبعوا إبراهيم إما تقليداً وإما استدلالاً.

وثانيها: أن كثيراً من الكفار في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون كيف نترك دين آبائنا وأجدادنا فذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام وبين أنه ترك دين أبيه وأبطل قوله بالدليل ورجح متابعة الدليل على متابعة أبيه ليعرف الكفار أن ترجيح جانب الأب على جانب الدليل رد على الأب الأشرف الأكبر الذي هو إبراهيم عليه السلام.

وثالثها: أن كثيراً من الكفار كانوا يتمسكون بالتقليد وينكرون الاستدلال على ما قال الله تعالى: ﴿ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا على أُمَّةٍ  ﴾ و ﴿ قَالُواْ وَجَدْنَا ءابَاءنَا لَهَا عابدين  ﴾ فحكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام التمسك بطريقة الاستدلال تنبيهاً لهؤلاء على سقوط هذه الطريقة ثم قال تعالى في وصف إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً ﴾ وفي الصديق قولان: أحدهما: أنه مبالغة في كونه صادقاً وهو الذي يكون عادته الصدق لأن هذا البناء ينبئ عن ذلك يقال رجل خمير وسكير للمولع بهذه الأفعال.

والثاني: أنه الذي يكون كثير التصديق بالحق حتى يصير مشهوراً به والأول أولى وذلك لأن المصدق بالشيء لا يوصف بكونه صديقاً إلا إذا كان صادقاً في ذلك التصديق فيعود الأمر إلى الأول فإن قيل أليس قد قال تعالى: ﴿ والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون والشهداء  ﴾ قلنا: المؤمنون بالله ورسله صادقون في ذلك التصديق واعلم أن النبي يجب أن يكون صادقاً في كل ما أخبر عنه لأن الله تعالى صدقه ومصدق الله صادق وإلا لزم الكذب في كلام الله تعالى فيلزم من هذا كون الرسول صادقاً في كل ما يقول، ولأن الرسل شهداء الله على الناس على ما قال الله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً  ﴾ والشهيد إنما يقبل قوله: إذا لم يكن كاذباً.

فإن قيل: فما قولكم في إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ  ﴾ و ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ قلنا قد شرحنا في تأويل هذه الآيات بالدلائل الظاهرة أن شيئاً من ذلك ليس بكذب فلما ثبت أن كل نبي يجب أن يكون صديقاً ولا يجب في كل صديق أن يكون نبياً ظهر بهذا قرب مرتبة الصديق من مرتبة النبي فلهذا انتقل من ذكر كونه صديقاً إلى ذكر كونه نبياً.

وأما النبي فمعناه كونه رفيع القدر عند الله وعند الناس وأي رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه وبين عباده.

وقوله: ﴿ كَانَ صِدّيقاً ﴾ قيل: إنه صار وقيل إن معناه وجد صديقاً نبياً أي كان من أول وجوده إلى انتهائه موصوفاً بالصدق والصيانة.

قال صاحب الكشاف: هذه الجملة وقعت اعتراضاً بين المبدل منه وبدله أعني إبراهيم وإذ قال ونظيره قولك رأيت زيداً ونعم الرجل أخاك ويجوز أن يتعلق إذ بكان أو بصديقاً نبياً أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات أما قوله: ﴿ يا أبت ﴾ فالتاء عوض عن ياء الإضافة ولا يقال يا أبتي لئلا يجمع بين العوض والمعوض عنه وقد يقال: يا أبتا لكون الألف بدلاً من الياء واعلم أنه تعالى حكى أن إبراهيم عليه السلام تكلم مع أبيه بأربعة أنواع من الكلام.

النوع الأول: قوله: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً ﴾ ووصف الأوثان بصفات ثلاثة كل واحدة منها قادحة في الإلهية وبيان ذلك من وجوه: أحدها: أن العبادة غاية التعظيم فلا يستحقها إلا من له غاية الإنعام وهو الإله الذي منه أصول النعم وفروعها على ما قررناه في تفسير قوله: ﴿ وإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه  ﴾ وقال: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم  ﴾ الآية وكما يعلم بالضرورة أنه لا يجوز الاشتغال بشكرها ما لم تكن منعمة وجب أن لايجوز الاشتغال بعبادتها.

وثانيها: أنها إذا لم تسمع ولم تبصر ولم تميز من يطيعها عمن يعصيها فأي فائدة في عبادتها، وهذا ينبهك على أن الإله يجب أن يكون عالماً بكل المعلومات حتى يكون العبد آمناً من وقوع الغلط للمعبود.

وثالثها: أن الدعاء مخ العبادة فالوثن إذا لم يسمع دعاء الداعي فأي منفعة في عبادته وإذا كانت لا تبصر بتقرب من يقترب إليها فأي منفعة في ذلك التقرب.

ورابعها: أن السامع المبصر الضار النافع أفضل ممن كان عارياً عن كل ذلك، والإنسان موصوف بهذه الصفات فيكون أفضل وأكمل من الوثن فكيف يليق بالأفضل عبادة الأخس.

وخامسها: إذا كانت لا تنفع ولا تضر فلا يرجى منها منفعة ولا يخاف من ضررها فأي فائدة في عبادتها.

وسادسها: إذا كانت لا تحفظ أنفسها عن الكسر والإفساد على ما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه كسرها وجعلها جذاذاً فأي رجاء للغير فيها واعلم أنه عاب الوثن من ثلاثة أوجه: أحدها: لا يسمع.

وثانيها: لا يبصر.

وثالثها: لا يغني عنك شيئاً كأنه قال له: بل الإلهية ليست إلا لربي فإنه يسمع ويجيب دعوة الداعي ويبصر، كما قال: ﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى  ﴾ ويقضي الحوائج: ﴿ أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ  ﴾ واعلم أن قوله هاهنا ﴿ لِمَ تَعْبُدُ ﴾ محمول على نفس العبادة وأما قوله في المقام الثالث: ﴿ لاَ تَعْبُدِ الشيطان ﴾ لا يقال ذلك بل المراد الطاعة لأنهم ما كانوا يعبدون الشيطان فوجب حمله على الطاعة ولأنا نقول ليس إذا تركنا الظاهر هاهنا لدليل وجب ترك الظاهر في المقام الأول بغير دليل فإن قيل: إما أن يقال إن أبا إبراهيم كان يعتقد في تلك الأوثان أنها آلهة بمعنى أنها قادرة مختارة موجدة للناس والحيوانات أو يقال إنه ما كان يعتقد ذلك بل كان يعتقد أنها تماثيل الكواكب والكواكب هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، فتعظيم تماثيل الكواكب بموجب تعظيم الكواكب أو كان يعتقد أن هذه الأوثان تماثيل أشخاص معظمة عند الله تعالى من البشر فتعظيمها يقتضي كون أولئك الأشخاص شفعاء لهم عند الله تعالى أو كان يعتقد أن تلك الأوثان طلسمات ركبت بحسب اتصالات مخصوصة للكواكب قلما يتفق مثلها، وأنها مشفع بها، أو غير ذلك من الأعذار المنقولة عن عبدة الأوثان، فإن كان أبو إبراهيم من القسم الأول كان في نهاية الجنون لأن العلم بأن هذا الخشب المنحوت في هذه الساعة ليس خالقاً للسموات والأرض من أجلى العلوم الضرورية، فالشاك فيه يكون فاقداً لأجلى العلوم الضرورية فكان مجنوناً والمجنون لا يجوز إيراد الحجة عليه والمناظرة معه، وإن كان من القسم الثاني فهذه الدلائل لا تقدح في شيء من ذلك لأن ذلك المذهب إنما يبطل بإقامة الدلالة على أن الكواكب ليست أحياء ولا قادرة على خلق الأجسام وخلق الحياة ومعلوم أن الدليل المذكور هاهنا لا يفيد ذلك المطلوب فعلمنا أن هذه الدلالة عديمة الفائدة على كل التقديرات، قلنا: لا نزاع أنه لا يخفى على العاقل أن الخشبة المنحوتة لا تصلح لخلق العالم وإنما مذهبهم هذا على الوجه الثاني، وإنما أورد إبراهيم عليه السلام هذه الدلالة عليهم لأنهم كانوا يعتقدون أن عبادتها تفيد نفعاً إما على سبيل الخاصية الحاصلة من الطلسمات أو على سبيل أن الكواكب تنفع وتضر، فبين إبراهيم عليه السلام أنه لا منفعة في طاعتها ولا مضرة في الإعراض عنها فوجب أن لا تحسن عبادتها.

النوع الثاني: قوله: ﴿ ياأبت إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ فاتبعنى أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً ﴾ ومعناه ظاهر وطمع في التمسك به أهل التعليم وأهل التقليد أما أهل التعليم فقالوا: إنه أمره بالإتباع في الدين وما أمره بالتمسك بدليل لا يستفاد إلا من الإتباع، وأما أهل التقليد فقد تمسكوا به أيضاً من هذا الوجه، ومن الناس من طعن أنه أمره بالإتباع لتحصل الهداية، فإذن لا تحصل الهداية إلا باتباعه، ولا تبعية إلا إذا اهتدى لقولنا إنه لابد من اتباعه فيقع الدور وإنه باطل.

والجواب عن الأول: أن المراد بالهداية بيان الدليل وشرحه وإيضاحه، فعند هذا عاد السائل فقال: أنا لا أنكر أنه لابد من الدلالة، ولكني أقول الوقوف على تلك الدلالة لا يستفاد إلا ممن له نفس كاملة بعيدة عن النقص والخطأ، وهي نفس النبي المعصوم أو الإمام المعصوم فإذا سلمت أنه لابد من النبي في هذا المقصود فقد سلمت حصول الغرض، أجاب المجيب وقال أنا ما سلمت أنه لابد في الوقوف على الدلائل من هداية النبي، ولكني أقول هذا الطريق أسهل وإن إبراهيم عليه السلام دعاه إلى الأسهل والجواب عن سؤال الدور أن قوله: ﴿ فاتبعنى ﴾ ليس أمر إيجاب بل أمر إرشاد.

والنوع الثالث: قوله: ﴿ ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً ﴾ أي لا تطعه لأنه عاص لله فنفره بهذه الصفة عن القبول منه، لأنه أعظم الخصال المنفرة، واعلم أن إبراهيم عليه السلام لإمعانه في الإخلاص لم يذكر من جنايات الشيطان إلا كونه عاصياً لله ولم يذكر معاداته لآدم عليه السلام كأن النظر في عظم ما ارتكبه من ذلك العصيان غمى فكره وأطبق على ذهنه، وأيضاً فإن معصية الله تعالى لا تصدر إلا عن ضعيف الرأي، ومن كان كذلك كان حقيقاً أن لا يلتفت إلى رأيه ولا يجعل لقوله وزن فإن قيل: إن هذا القول يتوقف على إثبات أمور: أحدها: إثبات الصانع.

وثانيها: إثبات الشيطان.

وثالثها: إثبات أن الشيطان عاص لله.

ورابعها: أنه لما كان عاصياً لم تجز طاعته في شيء من الأشياء.

وخامسها: أن الاعتقاد الذي كان عليه ذلك الإنسان كان مستفاداً من طاعة الشيطان، ومن شأن الدلالة التي تورد على الخصم أن تكون مركبة من مقدمات معلومات مسلمة، ولعل أبا إبراهيم كان منازعاً في كل هذه المقدمات، وكيف والمحكى عنه أنه ما كان يثبت إلهاً سوى نمروذ فكيف يسلم وجود الإله الرحمن وإذا لم يسلم وجوده، فكيف يمكنه تسليم أن الشيطان كان عاصياً للرحمن، ثم إن على تسليم ذلك فكيف يسلم الخصم بمجرد هذا الكلام أن مذهبه مقتبس من الشيطان، بل لعله يقلب ذلك على خصمه، قلنا: الحجة المعول عليها في إبطال مذهب آزر هو الذي ذكره أولاً من قوله: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً ﴾ فأما هذا الكلام فيجري مجرى التخويف والتحذير الذي يحمله على النظر في تلك الدلالة، وعلى هذا التقدير يسقط السؤال.

النوع الرابع: قوله: ﴿ ياأبت إِنّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ الرحمن فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً ﴾ قال الفراء: معنى أخاف أعلم.

والأكثرون على أنه محمول على ظاهره، والقول الأول إنما يصح لو كان إبراهيم عليه السلام عالماً بأن أباه سيموت على ذلك الكفر وذلك لم يثبت فوجب إجراؤه على ظاهره فإنه كان يجوز أن يؤمن فيصير من أهل الثواب ويجوز أن يصر فيموت على الكفر، فيكون من أهل العقاب، ومن كان كذلك كان خائفاً لا قاطعاً، واعلم أن من يظن وصول الضرر إلى غيره فإنه لا يسمى خائفاً إلا إذا كان بحيث يلزم من وصول ذلك الضرر إليه تألم قلبه كما يقال أنا خائف على ولدي أما قوله: ﴿ فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً ﴾ فذكروا في الولي وجوهاً: أحدها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع الشيطان في النار والولاية سبب للمعية وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز وإن لم يجز حمله الى الولاية الحقيقية لقوله تعالى: ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين  ﴾ وقال: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  ﴾ وحكى عن الشيطان أنه يقول لهم: ﴿ إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ  ﴾ واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا كان المراد من العذاب عذاب الآخرة، أما إذا كان المراد منه عذاب الدنيا فالإشكال ساقط.

وثانيها؛ أن يحمل العذاب على الخذلان أي إني أخاف أن يمسك خذلان الله فتصير موالياً للشيطان ويبرأ الله منك على ما قال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً  ﴾ .

وثالثها: ولياً أي تالياً للشيطان، تليه كما يسمى المطر الذي يأتي تالياً ولياً فإن قيل قوله: ﴿ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ الرحمن فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً ﴾ يقتضي أن تكون ولاية الشيطان أسوأ حالاً من العذاب نفسه وأعظم، فما السبب لذلك.

والجواب: أن رضوان الله تعالى أعظم من الثواب على ما قال: ﴿ ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ ذلك هُوَ الفوز العظيم  ﴾ فوجب أن تكون ولاية الشيطان التي هي في مقابلة رضوان الله أكبر من العذاب نفسه وأعظم.

واعلم أن إبراهيم عليه السلام رتب هذا الكلام في غاية الحسن لأنه نبه أولاً على ما يدل على المنع من عبادة الأوثان ثم أمره باتباعه في النظر والاستدلال وترك التقليد ثم نبه على أن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي ثم إنه عليه السلام أورد هذا الكلام الحسن مقروناً باللطف والرفق فإن قوله في مقدمة كل كلام ﴿ يا أبت ﴾ دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب، وختم الكلام بقوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ ﴾ وذلك يدل على شدة تعلق قلبه بمصالحه وإنما فعل ذلك لوجوه: أحدها: قضاء لحق الأبوة على ما قال تعالى: ﴿ وبالوالدين إحسانا  ﴾ والإرشاد إلى الدين من أعظم أنواع الإحسان، فإذا انضاف إليه رعاية الأدب والرفق كان ذلك نوراً على نور.

وثانيها: أن الهادي إلى الحق لابد وأن يكون رفيقاً لطيفاً يورد الكلام لا على سبيل العنف لأن إيراده على سبيل العنف يصير كالسبب في إعراض المستمع فيكون ذلك في الحقيقة سعياً في الإغواء.

وثالثها: ما روى أبو هريرة أنه قال عليه السلام: «أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام أنك خليلي فحسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأن أسكنه حظيرة قدسي وأدنيه من جواري» والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الصدّيق: من أبنية المبالغة.

ونظيره الضحيك والنطيق.

والمراد، فرط صدقه وكثرة ما صدّق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله، وكان الرجحان والغلبة في هذا التصديق للكتب والرسل أي: كان مصدقاً بجميع الأنبياء وكتبهم، وكان نبياً في نفسه، كقوله تعالى: ﴿ بَلْ جَاء بالحق وَصَدَّقَ المرسلين ﴾ [الصافات: 37] أو كان بليغاً في الصدق، لأن ملاك أمر النبوة الصدق، ومصدق الله بآياته ومعجزاته حريّ أن يكون كذلك، وهذه الجملة وقعت اعتراضاً بين المبدل منه وبدله، أعني إبراهيم.

و ﴿ إِذْ قَالَ ﴾ نحو قولك: رأيت زيداً، ونعم الرجل أخاك.

ويجوز أن يتعلق إذ ب (كان) أو ب (صديقاً نبياً)، أي: كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.

والمراد بذكر الرسول إياه وقصته في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس ويبلغه إياهم، كقوله: ﴿ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ إبراهيم ﴾ [الشعراء: 69] وإلا فالله عز وجل هو ذاكره ومورده في تنزيله.

التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة، ولا يقال: يا أبتي، لئلا يجمع بي العوض والمعوض منه.

وقيل: يا أبتا، لكون الألف بدلاً من الياء، وشبه ذلك سيبويه بأينق، وتعويض الياء فيه عن الواو الساقطة.

انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورّطاً فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصا فيه أمر العقل وانسلخ عن قضية التمييز، ومن الغباوة التي ليس بعدها غباوة: كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن، منتصحاً في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا، حدّث أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام: إنك خليلي، حسن خلقك ولو مع الكفار، تدخل مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه: أُظله تحت عرشي، وأُسكنه حظيرة القدس، وأُدنيه من جَواري» وذلك أنه طلب منه أولا العلة في خطئه طلب منبه على تماديه، موقظ لإفراطه وتناهيه، لأن المعبود لو كان حياً مميزاً، سميعاً بصيراً، مقتدراً على الثواب والعقاب، نافعاً ضاراً، إلا أنه بعض الخلق: لاستخفّ عقل من أهله للعبادة ووصفه بالربوبية، ولسجل عليه بالغيّ المبين والظلم العظيم وإن كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة كالملائكة والنبيين قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُون ﴾ [آل عمران: 80] وذلك أن العبادة هي غاية التعظيم، فلا تحق، إلا لمن له غاية الإنعام: وهو الخالق الرازق، المحيي المميت، المثيب المعاقب، الذي منه أصول النعم وفروعها.

فإذا وجهت إلى غيره- وتعالى علواً كبيراً أن تكون هذه الصفة لغيره- لم يكن إلا ظلماً وعتواً وغياً وكفراً وجحوداً، وخروجاً عن الصحيح النير إلى الفاسد المظلم، فما ظنك بمن وجه عبادته إلى جماد ليس به حس ولا شعور؟

فلا يسمع- يا عابده- ذكرك له وثناءك عليه، ولا يرى هيآت خضوعك وخشوعك له.

فضلاً أن يغني عنك بأن تستدفعه بلاء فيدفعه، أو تسنح لك حاجة فيكفيكها.

ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقاً به متلطفاً فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم وشيئاً منه ليس معك، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي فلا تستنكف، وهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أُنجك من أن تضل وتتيه.

ثم ثلث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه: بأن الشيطان- الذي استعصى على ربك الرحمن الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، وهو عدوّك الذي لا يريد بك إلا كل هلاك وخزي ونكال وعدو أبيك آدم وأبناء جنسك كلهم- هو الذي ورّطك في هذه الضلالة وأمرك بها وزينها لك، فأنت إن حققت النظر عابد الشيطان، إلا أن إبراهيم عليه السلام لإمعانه في الإخلاص ولارتقاء همته في الربانية لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص منهما برب العزة من عصيانه واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم وذرّيته كأن النظر في عظم ما ارتكب من ذلك غمر فكره وأطبق على ذهنه.

ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة وبما يجرُّه ما هو فيه من التبعة والوبال، ولم يخل ذلك من حسن الأدب، حيث لم يصرح بأن العقاب لاحق له وأن العذاب لاصق به، ولكنه قال: أخاف أن يمسك عذاب، فذكر الخوف والمس ونكر العذاب، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب، وذلك أن رضوان الله أكبر من الثواب نفسه، وسماه الله تعالى المشهود له بالفوز العظيم حيث قال: ﴿ ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ ذلك هُوَ الفوز العظيم ﴾ [التوبة: 72] فكذلك ولاية الشيطان التي هي معارضة رضوان الله، أكبر من العذاب نفسه وأعظم، وصدّر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله: ﴿ يا أبت ﴾ توسلاً إليه واستعطافاً ف ﴿ مَا ﴾ في ﴿ مَا لاَ يَسْمَعُ ﴾ و ﴿ مَا لَمْ يَأْتِكَ ﴾ يجوز أن تكون موصولة وموصوفة، والمفعول في ﴿ لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ ﴾ منسي غير منوي، كقولك: ليس به استماع ولا إبصار ﴿ شَيْئاً ﴾ يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون في موضع المصدر، أي: شيئاً من الغناء، ويجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين.

والثاني: أن يكون مفعولاً به من قولهم: أغن عني وجهك ﴿ إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ ﴾ فيه تجدد العلم عنده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا ﴾ قَرِينًا في اللَّعْنِ والعَذابِ تَلِيهِ ويَلِيكَ، أوْ ثابِتًا في مُوالاتِهِ فَإنَّهُ أكْبَرُ مِنَ العَذابِ كَما أنَّ رِضْوانَ اللَّهِ أكْبَرُ مِنَ الثَّوابِ.

وذِكْرُ الخَوْفِ والمَسِّ وتَنْكِيرُ العَذابِ إمّا لِلْمُجامَلَةِ أوْ لِخَفاءِ العاقِبَةِ، ولَعَلَّ اقْتِصارَهُ عَلى عِصْيانِ الشَّيْطانِ مِن بَيْنِ جِناياتِهِ لِارْتِقاءِ هِمَّتِهِ في الرَّبانِيَةِ، أوْ لِأنَّهُ مَلاكُها أوْ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ نَتِيجَةُ مُعاداتِهِ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ مُنَبَّهٌ عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أبت إِنّى أَخَافُ} قيل أَعلم {أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ الرحمن فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً} قرينا في النار تليه ويليك فانظر في نصيحته كيف راعى المجاملة والرفق والخلق الحسن كما أمر نفى الحديث أوحي إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فطلب منه أولاً العلة في خطئه طلب منبه على تماديه موقظ لإفراطه وتناهيه لأن من يعبد أشرف الخلق منزلة وهم الأنبياء كان محكوما عليه بالعى المبين فكيف بمن يعبد حجراً أو شجراً لا يسمع ذكر عابده ولا يرى هيأت عبادته ولا يدفع عنه بلاء ولا يقضي له حاجة ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقاً به متلطفاً فلم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال إن معي شيئاً من العلم ليس معك وذلك علم الدلالة على الطريق السوي فهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه ثم ثلث بنهيه عما كان عليه بأن الشيطان

مريم (٥١ - ٤٦)

الذي عصى الرحمن الذي جميع النعم منه أوقعك في عبادة الصنم وزينها لك فأنت عابده في الحقيقة ثم ربَّع بتخويفه سوء العاقبة وما يجره ما هو فيه من التبعة

والوبال مع مراعاة الأدب حيث لم يصرح بأن العقاب لاحق به وأن العذاب لاصق به بل قال أخاف أن يمسك عذاب بالتنكير المشعر بالتقليل كأنه قال إني أخاف أن يصيبك نَفَيان من عذاب الرحمن وجعل ولابه الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب كما أن رضوان الله أكبر من الثواب في نفسه وصدر كل نصيحة بقوله ياأبت توسلاً إليه واستعطافاً وإشعاراً بوجوب احترام الأب وان كان كافرا ثم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ: ﴿ يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ تَحْذِيرٌ مِن سُوءِ عاقِبَةِ ما هو فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ والخَوْفِ كَما قالَ الرّاغِبُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ عَنْ أمارَةٍ مَظْنُونَةٍ أوْ مَعْلُومَةٍ فَهو غَيْرُ مَقْطُوعٍ فِيهِ بِما يُخافُ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ في اخْتِيارِهِ مُجامَلَةٌ.

وحَمَلَهُ الفَرّاءُ والطَّبَرِيُّ عَلى العِلْمِ ولَيْسَ بِذاكَ وتَنْوِينُ (عَذابٌ) عَلى ما اخْتارَهُ السَّعْدُ في المُطَوَّلِ يَحْتَمِلُ التَّعْظِيمَ والتَّقْلِيلَ أيْ عَذابٌ هائِلٌ أوْ أدْنى شَيْءٍ مِنهُ، وقالَ: لا دَلالَةَ لِلَفْظِ المَسِّ وإضافَةِ العَذابِ إلى الرَّحْمَنِ عَلى تَرْجِيحِ الثّانِي كَما ذَكَرَهُ بَعْضُهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ولِأنَّ العُقُوبَةَ مِنَ الكَرِيمِ الحَلِيمِ أشَدُّ ا هـ.

واخْتارَ أبُو السُّعُودِ أنَّهُ لِلتَّعْظِيمِ، وقالَ: كَلِمَةُ مِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ صِفَةً لِلْعَذابِ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، وإظْهارُ الرَّحْمَنِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ وصْفَ الرَّحْمانِيَّةِ لا يَدْفَعُ حُلُولَ العَذابِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ انْتَهى، وفي الكَشْفِ أنَّ الحَمْلَ عَلى التَّفْخِيمِ فى (عَذابٌ) كَما جَوَّزَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ مِمّا يَأْباهُ المَقامُ أيْ لِأنَّهُ مَقامُ إظْهارِ مَزِيدِ الشَّفَقَةِ ومُراعاةِ الأدَبِ وحُسْنِ المُعامَلَةِ وإنَّما قالَ ﴿ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ لِقَوْلِهِ أوَّلًا ﴿ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴾ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الِانْتِقامِ بَلْ ذَلِكَ أيْضًا رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وتَنْبِيهٌ عَلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ الغَضَبَ، وأنَّ الرَّحْمانِيَّةَ لا تُنافِي العَذابَ بَلِ الرَّحِيمِيَّةُ عَلى ما عَلَيْهِ الصُّوفِيَّةُ فَقَدْ قالَ المُحَقِّقُ القُونَوِيُّ في تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ: الرَّحِيمُ كَما بَيَّنّا لِأهْلِ اليَمِينِ والجَمالِ، والرَّحْمَنُ الجامِعُ بَيْنَ اللُّطْفِ والقَهْرِ لِأهْلِ القَضِيَّةِ الأُخْرى والجَلالِ إلى آخِرِ ما قالَ، وأيَّدَ الحَمْلَ عَلى التَّفْخِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا ﴾ أيْ قَرِينًا تَلِيهِ ويَلِيكَ في العَذابِ، فَإنَّ الوِلايَةَ لِلشَّيْطانِ بِهَذا المَعْنى إنَّما تَتَرَتَّبُ عَلى مَسِّ العَذابِ العَظِيمِ.

وأُجِيبُ عَنْ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ إظْهارِ مَزِيدِ الشَّفَقَةِ وهو يَأْبى ذَلِكَ بِأنَّ القَسْوَةَ أحْيانًا مِنَ الشَّفَقَةِ أيْضًا كَما قِيلَ: فَقَسا لِيَزْدَجِرُوا ومَن يَكُ حازِمًا فَلْيَقْسُ أحْيانًا عَلى مَن يَرْحَمُ وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا مَعَ أبْياتٍ أُخَرَ بِهَذا المَعْنى، ويَكْفِي في مُراعاةِ الأدَبِ والمُجامَلَةِ عَدَمُ الجَزْمِ بِاللُّحُوقِ.

والمَسُّ وإنْ كانَ مُشْعِرًا بِالقِلَّةِ عِنْدَ الجِلَّةِ لَكِنْ قالُوا: إنَّ الكَثْرَةَ والعَظَمَةَ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُهُ ويَتْبَعُهُ لا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ في نَفْسِهِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ وإنَّما هو كالذَّوْقِ مُقَدِّمَةٌ لِلْمَقْصُودِ فَيَصِحُّ وصْفُهُ بِكُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ.

وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ التَّفْخِيمَ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالتَّخْوِيفِ وتَدَّعِي أنَّهُ هاهُنا مِن مَعْدِنِ الشَّفَقَةِ.

فَتَدَبَّرْ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (فَتَكُونَ) إلَخْ مُتَرَتِّبًا عَلى مَسِّ العَذابِ القَلِيلِ، والوَلِيُّ مِنَ المُوالاةِ وهي المُتابَعَةُ والمُصادَقَةُ.

والمُرادُ تَفْرِيعُ الثَّباتِ عَلى حُكْمِ تِلْكَ المُوالاةِ وبَقاءِ آثارِها مِن سُخْطِ اللَّهِ تَعالى وغَضَبِهِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَتَفَرَّعَ مِن قَلِيلِ أمْرٍ عَظِيمٍ.

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ عَذابُ الآخِرَةِ وتَأوَّلَهُ بَعْضُهم بِعَذابِ الدُّنْيا وأرادَ بِهِ الخِذْلانَ أوْ شَيْئًا آخَرَ مِمّا أصابَ الكَفَرَةَ في الدُّنْيا مِن أنْواعِ البَلاءِ ولَيْسَ بِذاكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والأصْلُ إنِّي أخافُ أنْ تَكُونَ ولِيًّا لِلشَّيْطانِ أيْ تابِعًا لَهُ في الدُّنْيا فَيَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ أيْ في العُقْبى وكَأنَّهُ أشْكَلَ عَلَيْهِ أمْرُ التَّفْرِيعِ فاضْطُرَّ لِما ذُكِرَ، وقَدْ أغْناكَ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِما ذَكَرْنا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها، يعني: نميت أهل الأرض كلهم ومن عليها، وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ في الآخرة.

قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ، يعني: خبر إبراهيم.

إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا، يعني: صادقاً.

وقال الزجاج: الصديق اسم للمبالغة في الصدق، يقال: كل من صدق بتوحيد الله عز وجل وأنبيائه عليهم السلام وفرائضه وعمل بما صدق فيه فهو صديق، ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق.

إِذْ قالَ لِأَبِيهِ ، وهو آزر بن تارخ بن تاخور وكان يعبد الأصنام: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ دعاءك وَلا يُبْصِرُ عبادتك وَلا يُغْنِي عَنْكَ من عذاب الله عز وجل شَيْئاً قرأ ابن عامر: يَا أَبَتِ بالنصب، والباقون بالكسر، وكذلك ما بعده.

والعرب تقول في النداء: يا أبت ولا تقول يا أبتي.

ثم قال: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ من الله عز وجل من البيان، مَا لَمْ يَأْتِكَ أنه من عبد غير الله عز وجل، عذبه الله في الآخرة بالنار.

فَاتَّبِعْنِي، يعني: أطعني فيما أدعوك، ويقال: اتبع دين الله أَهْدِكَ، يعني: أرشدك صِراطاً سَوِيًّا، يعني: طريقاً عدلاً قائماً ترضاه.

ثم قال: يا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطانَ، يعني: لا تطع الشيطان، فمن أطاع شيئاً فقد عبده.

إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا، يعني: عاصياً.

ثم قال: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ، يعني: أعلم أن يمسك عَذابٌ يعني: إن أقمت على كفرك يصيبك عذاب.

مِنَ الرَّحْمنِ، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا يعني: قريناً في النار.

قالَ له أبوه: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي، يعني: أتارك أنت عبادة آلهتي؟

يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ، يقول: إن لم تنته عن مقالتك ولم ترجع عنها، لأسبنك وأشتمنك.

وكل شيء في القرآن من الرجم فهو القتل غير هاهنا، فإن هاهنا أراد به السبُّ والشتم.

وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، يعني: تباعد عني حيناً طويلاً ولا تكلمني وقال السدي: مَلِيًّا تعني أبداً، وقال قتادة: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا يعني: تباعد عني سالماً، ويقال: لا تُكلِّمني دهراً طويلاً.

قالَ إبراهيم: سَلامٌ عَلَيْكَ، يعني: أكرمك الله بالهدى، سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي، يعني: سأدعو لك ربي.

إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا، يعني: باراً عوّدني الإجابة إذا دعوته، ويقال: تحفَّيتُ بالرجل إذا بالغتُ في إكرامه، وهذا قول القتبي، ويقال: حَفِيًّا يعني: عالماً يستجيب لي إذا دعوته، وكان يستغفر له ما دام أبوه حياً، وكان يرجو أن يهديه الله عز وجل، فلما مات كافراً، ترك الاستغفار له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ ...

الآية، عبارةٌ عن بقائهِ- جل وعلا- بعد فناء مَخْلُوقاتِه، لا إله غَيْرَه.

وقوله: - عزَّ وجل-: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً/ نَبِيًّا ...

٤ أالآية، قوله: وَاذْكُرْ بمعنى اتل وشهر لأَن الله تعالى هو الذاكر والْكِتابِ: هو القرآن، والصديق: بناءُ مبالغَةٍ فكان إبراهيمُ عليه السلام [يُوصَفُ] «١» بالصِّدْقِ في أَفْعَالِهِ وأَقْوالِهِ.

وقوله: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ ...

الآية، قال الطّبرِيُّ «٢» : «أخاف» بمعنى أعلمُ.

قال ع «٣» : والظَّاهِرُ عندي أَنه خوفٌ على بابه وذلك أَن إبراهيم عليه السلام في وقْتِ هذه المقالة لم يَكُن آيِساً من إيمان أَبِيه.

ت: ونحو هذا عبارة المهدوي «٤» ، قال: قيل: «أَخافُ» معناه: أَعْلَمُ، أيْ: إِنِّي أَعْلَمُ إن متَّ عَلَى ما أَنْتَ عليه.

ويجوزُ أَن يكون «أَخَافُ» على بابهِ، ويكونَ المعنى، إِنِّي أَخاف أَن تمُوتَ على كُفْرك فيمسَّكَ العذابُ.

انتهى.

وقوله: لَأَرْجُمَنَّكَ قال الضَّحَّاكُ «٥» ، وغيرُه: معناه بالقوْلِ، أَي: لأَشْتمنَّك.

وقال الحسَنُ: معناه: لأرجمنّك بالحجارة «٦» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ ﴾ ؛ أيِ: اذْكُرْ لِقَوْمِكَ قِصَّتَهُ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الصَّدِيقِ في [ النِّساءِ: ٦٩ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴾ ؛ أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْكَ ضُرًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ﴾ بِاللَّهِ والمَعْرِفَةِ ﴿ ما لَمْ يَأْتِكَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ﴾ ؛ أيْ: لا تُطِعْهُ فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " كانَ " آَنِفًا.

و " عَصِيًّا "؛ أيْ: عاصِيًا، فَهو ( فَعِيلٌ ) بِمَعْنى ( فاعِلٌ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: في الآَخِرَةِ.

وقالَ غَيْرُهُ: في الدُّنْيا.

﴿ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا ﴾ ؛ أيْ: قَرِينًا في عَذابِ اللَّهِ، فَجَرْتِ المُقارَنَةُ مَجْرى المُوالاةِ.

وقِيلَ: إنَّما طَمِعَ إبْراهِيمُ في إيمانِ أبِيهِ؛ لِأنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنَ النّارِ قالَ لَهُ: نِعْمَ الإلَهُ إلَهُكَ يا إبْراهِيمُ، فَحِينَئِذٍ أقْبَلَ يَعِظُهُ، فَأجابَهُ أبُوهُ: ﴿ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ ﴾ ؛ أيْ: أتارِكٌ عِبادَتَها أنْتَ ؟

﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ﴾ عَنْ عَيْبِها وشَتْمِها، ﴿ لأرْجُمَنَّكَ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالشَّتْمِ والقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: بِالحِجارَةِ حَتّى تَتَباعَدَ عَنِّي، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اهْجُرْنِي طَوِيلًا، رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والفَرّاءُ، والأكْثَرُونَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اهْجُرْنِي حِينًا طَوِيلًا، ومِنهُ يُقالُ: تَمَلَّيْتُ حَبِيبَكَ.

والثّانِي: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ عُقُوبَتِي، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ من قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مَلِيٌّ بِكَذا وكَذا: إذا كانَ مُضْطَلِعًا بِهِ، فالمَعْنى: اهْجُرْنِي وعِرْضُكَ وافِرُ، وأنْتَ سَلِيمٌ مِن أذايَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ ﴾ ؛ أيْ: سَلِمْتَ مِن أنْ أُصِيبَكَ بِمَكْرُوهٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ عَلى كُفْرِهِ، ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: سَأسْألُ اللَّهَ لَكَ تَوْبَةً تَنالُ بِها مَغْفِرَتَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهُ الِاسْتِغْفارَ، وهو لا يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ في حَقِّ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَطِيفًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والزَّجّاجُ.

والثّانِي: رَحِيمًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بارًّا عَوَّدَنِي مِنهُ الإجابَةَ إذا دَعَوْتُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْتَزِلُكُمْ ﴾ ؛ أيْ: وأتَنَحّى عَنْكُمْ، وأعْتَزِلُ " ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ " يَعْنِي: الأصْنامَ.

وَفِي مَعْنى " تَدْعُونَ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَعْبُدُونَ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وما تَدْعُونَهُ رَبًّا، ﴿ وَأدْعُو رَبِّي ﴾ ؛ أيْ: وأعْبُدُهُ، ﴿ عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴾ ؛ أيْ: أرْجُو أنْ لا أشْقى بِعِبادَتِهِ كَما شَقِيتُمْ أنْتُمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ؛ لِأنَّها لا تَنْفَعُهم ولا تُجِيبُ دُعاءَهم.

﴿ فَلَمّا اعْتَزَلَهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: هاجَرَ عَنْهم إلى أرْضِ الشّامِ، فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَآَنَسَ اللَّهُ وحْشَتَهُ عَنْ فِراقِ قَوْمِهِ بِأوْلادٍ كِرامٍ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وإنَّما وهَبَ لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ بَعْدَ إسْماعِيلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلا ﴾ ؛ أيْ: وكُلًّا مِن هَذَيْنَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: " وكُلًّا " يَعْنِي: إبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، " جَعَلْناهُ نَبِيًّا " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: المالُ والوَلَدُ، والعِلْمُ والعَمَلُ، ﴿ وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: ذِكْرًا حَسَنًا في النّاسِ مُرْتَفِعًا، فَجَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ وذُرِّيَّتَهُ ويُثْنُونَ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعَ اللِّسانَ مَكانَ القَوْلِ؛ لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِاللِّسانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ ﴿ إذْ قالَ لأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عنكَ شَيْئًا ﴾ ﴿ يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا ﴾ ﴿ يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ إنَّ الشَيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴾ ﴿ يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا ﴾ ﴿ قالَ أراغِبٌ أنْتَ عن آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ ﴾ مَعْناهُ: واتْلُ وبَلِّغْ، لِأنَّ اللهَ تَعالى هو الذاكِرُ، و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ، وهَذا ما أشْبَهَهُ مِن لِسانِ الصِدْقِ الَّذِي أبْقاهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، و"الصِدِّيقُ"، فَعِيلٌ، بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ الصِدْقِ، وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: "إنَّهُ كانَ صادِقًا"، والصِدْقُ عُرْفُهُ في اللِسانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الأفْعالِ والخَلْقِ إلّا أنَّهُ يُسْتَعارُ لِما لا يَعْقِلُ، فَيُقالُ: صَدَقَنِي الطَعامُ كَذا وكَذا قَفِيزًا، ويُقالُ: "عَوْدُ صِدْقٍ" لِلصُّلْبِ الجَيِّدِ.

فَكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ يُوصَفُ بِالصِدْقِ عَلى العُمُومِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وذَلِكَ يَغْتَرِقُ صِدْقَ اللِسانِ الَّذِي يُضادُّ الكَذِبَ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ وُصِفَ بِصِدِّيقٍ لِكَثْرَةِ ما صَدَّقَ في تَصْدِيقِهِ بِالحَقائِقِ، وصَدَقَ في مُبادَرَتِهِ إلى الإيمانِ وما يُقَرِّبُ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

ولِلصَّدِيقِ مَراتِبُ، ألا تَرى أنَّ المُؤْمِنِينَ صِدِّيقُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ يا أبَتِ ﴾ ، اخْتَلَفَ النُحاةُ في التاءِ مَن "أبَتِ" -فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّها عِوَضٌ مِن ياءِ الإضافَةِ، والوُقُوفُ عِنْدَهُ عَلَيْها بِالهاءِ، ومَذْهَبُ الفَرّاءِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها بِالتاءِ لِأنَّ الياءَ الَّتِي لِلْإضافَةِ عِنْدَهُ مَنوِيَّةٌ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ التاءِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وا أبَتِ" بِواوٍ لِلنِّداءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يا أبَتَ" بِفَتْحِ التاءِ، ووَجْهُها أنَّهُ أرادَ: "يا أبَتا" فَحَذَفَ الألِفَ وتَرَكَ الفَتْحَةَ دالَّةٌ عَلَيْها، ووَجْهٌ آخَرُ أنَّ تَكُونَ التاءُ المُقْحَمَةُ كالَّتِي في قَوْلِهِمْ "يا طَلْحَةُ أقْبِلْ"، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَدْ لَحَّنَ هارُونُ هَذِهِ القِراءَةَ.

و"الَّذِي لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ" هو الصَنَمُ، ولَوْ سَمِعَ وأبْصَرَ كَما هي حالَةُ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ عُبِدَ لَمْ يَحْسُنْ عِبادَتُها، لَكِنْ بَيَّنَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنَفْيِ السَمْعِ والبَصَرُ شُنْعَةَ الرَأْيِ في عِبادَتِها وفَسادَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قَدْ جاءَنِي ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المُقاوَلَةَ بَعْدَ أنْ نُبِّئَ، و"الصِراطُ السَوِيُّ" مَعْناهُ: الطَرِيقُ المُسْتَقِيمُ، وهو طَرِيقُ الإيمانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ ﴾ مُخاطَبَةُ بِرٍّ واسْتِعْطافٍ عَلى حالَةِ كُفْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أبُوهُ مِمَّنْ عَبَدَ الجِنَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ طاعَةَ الشَيْطانِ المَعْنَوِيِّ في عِبادَةِ الأوثانِ والكَفْرِ بِاللهِ عِبادَةً لَهُ.

و"العَصِيُّ" فَعِيلٌ مِن عَصى يَعْصِي إذا خالَفَ الأمْرَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي أخافُ ﴾ ، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: "أخافُ" بِمَعْنى: أعْلَمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ عِنْدِي أنَّهُ خَوْفٌ عَلى بابِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ أيِسًا مِن أبِيهِ، فَكانَ يَرْجُو ذَلِكَ، وكانَ يَخافُ ألّا يُؤْمِنَ ويَتَمادى عَلى كُفْرِهِ إلى المَوْتِ فَيَمَسُّهُ العَذابُ.

و"الوَلِيُّ": الخالِصُ المُصاحِبُ القَرِيبُ بِنَسَبٍ أو مَوَدَّةٍ.

قالَ آزَرُ -وَهُوَ تارَخُ-: ﴿ أراغِبٌ أنْتَ عن آلِهَتِي ﴾ ، والرَغْبَةُ: مَيْلُ النَفْسِ، فَقَدْ تَكُونُ الرَغْبَةُ في الشَيْءِ، وقَدْ تَكُونُ عنهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أراغِبٌ ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"أنْتَ" فاعِلٌ يَسُدُّ مَسَدَ الخَبَرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ وقَرَّبَهُ اعْتِمادُ "راغِبٌ" عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "راغِبٌ" خَبَرًا مُقَدَّمًا، و"أنْتَ" مُبْتَدَأٌ، والأوَّلُ أصْوَبُ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ عن آلِهَتِي ﴾ يُرِيدُ الأصْنامَ، وكانَ - فِيما رُوِيَ - يَنْحِتُها ويُنْجِزُها بِيَدِهِ ويَبِيعُها ويَحُضُّ عَلَيْها، فَقَرَّرَ ابْنُهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى رَغْبَتِهِ عنها عَلى جِهَةِ الإنْكارِ عَلَيْهِ، ثُمْ أخَذَ يَتَوَعَّدُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لأرْجُمَنَّكَ ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ المُتَأوِّلُونَ -فَقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: بِالقَوْلِ، أيْ: لَأشْتُمَنَّكَ واهْجُرْنِي أنْتَ إذا شِئْتَ مُدَّةً مِنَ الدَهْرِ، أو سالِمًا، حَسَبَ الخِلافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ: مَعْناهُ: لَأرْجُمَنَّكَ بِالحِجارَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَأقْتُلَنَّكَ.

وهَذانِ القَوْلانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ واهْجُرْنِي ﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - إنَّما يَتَرَتَّبُ بِأنَّهُ أمَرَ عَلى حَياتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ لَمْ تَنْتَهِ قَتَلَتُكَ بِالرَجْمِ، ثُمْ قالَ لَهُ: واهْجُرْنِي، أيْ: مَعَ انْتِهائِكَ، كَأنَّهُ جَزَمَ لَهُ الأمْرَ بِالهِجْرَةِ، وإلّا فَمَعَ الرَجْمِ لا تَتَرَتَّبُ الهِجْرَةُ.

و"مَلِيًّا" مَعْناهُ: دَهْرًا طَوِيلًا، مَأْخُوذٌ مِنَ المَلَوَيْنِ، وهُما اللَيْلُ والنَهارُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، الحَسَنِ، ومُجاهِدِ، وغَيْرِهِما، فَهو ظَرْفٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَلِيًّا" مَعْناهُ: سَلِيمًا سَوِيًّا، فَهو حالٌ مِن [إبْراهِيمُ] عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَلْخِيصُ هَذا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: مُسْتَبِدًّا بِحالِكَ عَنِّي غَنِيًّا، مَلِيًّا بِالِاكْتِفاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لا جرم أنه لما قرر له أن عبادته الأصنام اتّباع لأمر الشيطان عصيّ الرحمان انتقل إلى توقع حرمانه من رحمة الله بأن يحلّ به عذاب من الله، فحذره من عاقبة أن يصير من أولياء الشيطان الذين لا يختلف البشر في مذمتهم وسوء عاقبتهم، ولكنهم يندمجون فيهم عن ضلال بمآل حالهم.

وللإشارة إلى أن أصل حلول العذاب بمن يحلّ به هو الحرمان من الرحمة في تلك الحالة؛ عبر عن الجلالة بوصف الرحمان للإشارة إلى أن حلول العذاب ممن شأنُه أن يرحم إنما يكون لفظاعة جرمه إلى حد أن يحرمه من رحمته مَن شأنه سعة الرحمة.

والولي: الصاحب والتابع ومن حالهما حال واحدة وأمرهما جميع؛ فكني بالولاية عن المقارنة في المصير.

والتعبير بالخوف الدال على الظن دون القطع تأدب مع الله تعالى بأن لا يُثبت أمراً فيما هو من تصرف الله، وإبْقاء للرجاء في نفس أبيه لينظر في التخلّص من ذلك العذاب بالإقلاع عن عبادة الأوثان.

ومعنى: {فتكون للشيطان وليا فتكون في اتباع الشيطان في العذاب.

وتقدّم الكلام على يا أبت قريباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لَئِنْ كانُوا في الدُّنْيا صُمًّا عُمْيًا عَنِ الحَقِّ فَما أسْمَعَهم لَهُ وأبْصَرَهم بِهِ في الآخِرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

الثّانِي: أسْمِعْ بِهِمُ اليَوْمَ وأبْصِرْ كَيْفَ يُصْنَعُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمَ يَأْتُونَنا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أسْمِعْ أُمَّتَكَ بِما أخْبَرْناكَ مِن حالِهِمْ فَسَتُبْصِرُ يَوْمَ القِيامَةِ ما يُصْنَعُ بِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ إذا قُضِيَ العَذابُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: يَوْمَ المَوْتِ إذْ قَضى المَوْتُ انْقِطاعَ التَّوْبَةِ واسْتِحْقاقَ الوَعِيدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو نعيم والديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق الوالد على ولده أن لا يسميه إلا بما سمى إبراهيم أباه يا أبت ولا يسميه باسمه» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لأرجمنك ﴾ قال: لأشتمنك ﴿ واهجرني ملياً ﴾ قال: حيناً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ واهجرني ملياً ﴾ قال: اجتنبني سالماً قبل أن يصيبك مني عقوبة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ واهجرني ملياً ﴾ قال: سالماً.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ واهجرني ملياً ﴾ قال: حيناً.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله: ﴿ واهجرني ملياً ﴾ ما الملي؟

قال: طويلاً، قال فيه المهلهل: وتصدعت شم الجبال لموته ** وبكت عليه المرملات ملياً وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: ﴿ إنه كان بي حفياً ﴾ قال: لطيفاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ إنه كان بي حفياً ﴾ قال: عوده الإجابة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب ﴾ قال: يقول وهبنا له إسحاق ولداً، ويعقوب ابن ابنه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلنا لهم لسان صدق علياً ﴾ قال الثناء الحسن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ أخشى أن يصيبك عذاب الله بطاعتك الشيطان ﴿ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴾ قرينا في النار.

قال الفراء: ( ﴿ أَخَافُ ﴾ أي: أعلم، كقوله: ﴿ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا  ﴾ ، أي: فعلمنا) (١) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 169.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ صِدِّيقاً ﴾ بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق، ووصفه بأنه صدّيق قبل الوحي نُبِّئ بعده، ويحتمل أنه جمع الوصفين ﴿ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ ﴾ يعني الأصنام ﴿ صراطا سَوِيّاً ﴾ أي قويما ﴿ لأَرْجُمَنَّكَ ﴾ قيل: يعني الرجم بالحجارة وقيل: الشتم ﴿ واهجرني مَلِيّاً ﴾ أي حيناً طويلاً، وعطف اهجرني على محذوف تقديره احذر رجمي لك ﴿ قَالَ سلام عَلَيْكَ ﴾ وداع مفارقة، وقيل: مسالمة لا تحية لأن ابتداء الكافر بالسلام لا يجوز ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ﴾ وعد، وهو الذي أشير إليه بقوله: عن موعدة وعدها إياه قال ابن عطية، معناه: سأدعو الله أن يهديك فيغفر لك بإيمانك، وذلك لأن الاستغفار للكافر لا يجوز، وقيل: وعده أن يستغفر له مع كفره، ولعله كان لم يعلم أن الله لا يغفر للكفار حتى أعلمه بذلك، ويقوي هذا القول قوله: ﴿ واغفر لأبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضآلين ﴾ [الشعراء: 86]، ومثل ثذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ﴿ حَفِيّاً ﴾ أي باراً متلطفاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ مخلصاً ﴾ بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ إبراهام ﴾ وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إذا ابتلي ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة ﴿ نورث ﴾ بالتشديد: رويس.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ لا تعبد الشيطان ﴾ ط ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ ولياً ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ط ج وقد يوصل ويوقف على ﴿ آلهتي ﴾ .

﴿ ملياً ﴾ ه ﴿ سلام عليك ﴾ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ﴿ لك ربي ﴾ ط ﴿ حفياً ﴾ ه ﴿ وأدعو ربي ﴾ ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب لما ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نجياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ إسماعيل ﴾ ز لما مر ﴿ نبياً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ والزكاة ﴾ ط ﴿ مرضيا ﴾ ه ﴿ إدريس ﴾ ز ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ مع نوح ﴾ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ﴿ ذرية آدم ﴾ أو على ﴿ إسرائيل ﴾ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ﴿ وبكيا ﴾ ه ﴿ عياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ الجنة ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ مأتيا ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ بأمر ربك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ ذلك ﴾ ج لأن قوله: ﴿ وما كان ﴾ معطوف على ﴿ نتنزل ﴾ مع وقوع العارض ﴿ نسياً ﴾ ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لعبادته ﴾ ط ﴿ سمياً ﴾ ه.

التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل.

وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب.

وإنما بدأ بقصة إبراهيم  لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه.

والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم  ﴾ وإلا فهو  هو الذي يذكره في تنزيله.

وقوله: ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إبراهيم ﴾ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ﴿ إبراهيم ﴾ مطلقاً.

وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ ﴿ كان ﴾ أو بـ ﴿ صديقاً نبياً ﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.

والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه.

إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.

وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها.

والتاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف.

أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله  قال: "أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري" .

فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد.

و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه.

ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره.

وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟

فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص.

وقوله: ﴿ يا أبت أني قد جاءني ﴾ تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق.

وفي قوله: ﴿ من العلم ما لم يأتك ﴾ فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد.

استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع.

وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.

والإنصاف أن هذه الطريق أسهل.

ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: ﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان ﴾ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان.

ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف.

ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: ﴿ يا أبت إني أخاف ﴾ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب.

قال الفراء: معنى أخاف أعلم.

والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم  لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه.

والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي.

وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز.

وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ  ﴾ ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل  ﴾ ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: ﴿ ورضوان من الله أكبر  ﴾ وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار.

ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى.

وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته.

وفي قوله: ﴿ يا إبراهيم ﴾ دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة ﴿ يا أبت ﴾ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم.

ثم ههنا إضمار أي فاحذرني ﴿ واهجرني ملياً ﴾ أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران.

مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب.

فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ﴿ قال سلام عليك ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ﴾ بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف".

احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ الآية.

ولقوله في الممتحنة ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  ﴾ فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به.

والجواب لعل إبراهيم  في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله  ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً.

والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه  ﴾ والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله  هي محرمة علينا.

ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ﴿ وأعتزلكم ﴾ أي أهاجر إلى الشام ﴿ و ﴾ أعتزل ﴿ ما تدعون ﴾ أي ما تعبدون ﴿ من دون الله ﴾ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ فلما أعتزلهم وما يعبدون ﴾ أما قوله: ﴿ وأدعو ربي ﴾ فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء.

وفي قوله: ﴿ عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ﴿ عسى ﴾ .

قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ﴾ شيئاً ﴿ من رحمتنا ﴾ عن الحسن: هي النبوة.

وعن الكلبي: المال والولد.

والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: ﴿ قدم صدق  ﴾ تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ﴿ ملة أبيكم إبراهيم  ﴾ ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي  في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال  : ﴿ وإبراهيم الذي وفى  ﴾ فجعل موطىء قدمه مباركاً ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  ﴾ وعادى كل الخلق في الله حين قال ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى  لأنه تلوه في الشرف.

والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و ﴿ كان رسولاً نبياً ﴾ الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ﴿ برب هرون وموسى  ﴾ ﴿ الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ﴿ وقربناه ﴾ حال كونه ﴿ نجياً ﴾ أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة.

وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون".

﴿ ووهبنا له من رحمتنا ﴾ أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ﴿ أخاه ﴾ بدلاً و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً".

و ﴿ نبياً ﴾ حال من هارون.

قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته.

وذلك بدعاء موسى في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي  ﴾ وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به.

وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة.

عن رسول الله  أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.

وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟

فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.

وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  ﴾ "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.

وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة.

وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله.

وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما.

وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها.

وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه.

وقيل: إن الله  رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت.

وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه.

عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟

فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.

وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة.

وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها.

﴿ أولئك ﴾ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ﴿ الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿ من ذرية آدم ﴾ هي للتبعيض وكذا في قوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ﴾ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم  لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته.

﴿ وممن هدينا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه.

ثم إن جعلت ﴿ الذين ﴾ خبراً ﴿ لأولئك ﴾ كان ﴿ إذا يتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل.

والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة.

ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً.

عن رسول الله  : " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي.

قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله  به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود.

فقيل: هو الخشوع والخضوع.

وقيل: الصلاة.

وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به.

ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود.

قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود.

عن رسول الله  : "اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.

وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.

وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.

وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.

ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء.

عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب.

وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.

وعن علي  في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.

وعن قتادة: هو في هذه الأمة ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد.

وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ﴿ ويلق أثاماً  ﴾ أي مجازاة أثام.

وقيل: غياً من طريق الجنة.

وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان.

والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال.

واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير.

وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ﴿ وعمل عملاً صالحاً  ﴾ لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك.

وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً.

ومعنى ﴿ لا يظلمون شيئاً ﴾ لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب ﴿ شيئاً ﴾ على المصدر أي شيئاً من الظلم.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ قد مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن  ﴾ وصفها الله  بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا.

ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي".

قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة.

ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين.

وقوله: ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته.

وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً.

قوله: ﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف".

أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.

وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها.

ثم إنه  من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ﴾ هذا قول الحسن.

ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي.

وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.

وقوله: ﴿ تلك الجنة التي نورت ﴾ كقوله في "الأعراف" ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها  ﴾ وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه.

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر.

وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة.

أنه اتقى الكفر.

سئل ههنا أن قوله  : ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ كلام الله وقوله بعده: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد  وهل يجدونه في كتابهم.

فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله.

فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة.

وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه.

فنزل جبرائيل  فقال له النبي  : "أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك." قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست.

فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً  ﴾ وسورة الضحى.

ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل.

ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته.

وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ﴿ وما بين ذلك ﴾ وهو ما بين النفختين أربعون سنة.

وقيل: ما مضى.

من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا.

وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا.

والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره!

وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: ﴿ وما نتنزل ﴾ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك.

أما قوله: ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ﴿ ما ودّعك ربك وما قلى  ﴾ وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته  بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته.

وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله  خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: ﴿ رب السموات والأرض ﴾ أي بل هو ربهما ﴿ وما بينهما فاعبده ﴾ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ﴿ واصطبر لعبادته ﴾ لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته.

ثم أكد وجوب عبادته بقوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف.

وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه.

وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره.

قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة.

وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إنه كان صديقاً ﴾ للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ﴿ إذ قال لأبيه ﴾ الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ﴿ فقد جاءني من العلم ﴾ اللدني ﴿ ما لم يأتك ﴾ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ﴿ وهبنا له إسحاق ﴾ السر ﴿ ويعقوب ﴾ الخفي ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر ﴿ وكان يأمر أهله ﴾ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿ خروا ﴾ بقلوبهم على عتبة العبودية ﴿ سجداً ﴾ بالتسليم للأحكام الأزلية ﴿ وبكياً ﴾ بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ﴿ عباده بالغيب ﴾ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  ﴾ ﴿ ولهم رزقهم ﴾ رؤية الله على ما جاء في الحديث: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً" ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب.

إلا بأمر ربك ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ﴿ فاعبده ﴾ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك.

﴿ هل تعلم له ﴾ نظيراً في المحبوبية لك.

والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

قال الحسن: هو صلة ﴿ كۤهيعۤصۤ  ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ  ﴾ .

يقول: اذكر رحمة ربك إبراهيم، وكذلك يجعل جميع ما ذكر في هذه [السورة] من نحو هذا صلة ذلك، كأنه ذكر ﴿ كۤهيعۤصۤ ﴾ ، في كل ذلك؛ لأنه يجعل تفسير ﴿ كۤهيعۤصۤ ﴾ في كل ذلك على ما ذكر على إثره، وكذلك يقول في جميع الحروف المقطعة: إن تفسيرها ما ذكر على إثرها.

وأمّا غيره من أهل التأويل فإنه يقول: واذكر لهم نبأ إبراهيم وقصته في الكتاب لهم، واذكر في الكتاب نبأ موسى وخبره وذكره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً ﴾ : الصديق: إنما يقال لمن كثر منه ما يستحق ذلك الاسم، وكذلك التشديد إنما يشدد إذا كثر الفعل منه وصار كالعادة له والطبع، فكأنه سمي بهذا لما لم يكن يجعل بين ما ظهر له من الحقوق والفعل وبين وفائها وأدائها إليها نظرة ولا مهلة، بل كان يفي بها ويؤديها كما ظهره له، ولذلك سماه - والله أعلم -: وفيّاً بقوله: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ  ﴾ سماه: وفيّاً، كانت عادته القيام بوفاء ما ظهر له وإتمام ما ابتلاه به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ ﴾ إذا دعوته ﴿ وَلاَ يُبْصِرُ ﴾ لو عبدته ﴿ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴾ إذا احتجت إليه وسألته.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ مَا لاَ يَسْمَعُ ﴾ أي: لا يجيب لو دعوته واحتجب إليه، ﴿ وَلاَ يُبْصِرُ ﴾ حاجتك إذا احتجت إليه، ﴿ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴾ ، أي: لا ينصرك.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴾ من عذاب الله في الآخرة.

يقول: كيف لا تعبد من إذا دعوته سمع، وإذا عبدته أبصر، ونصرك إذا احتجت إليه وسألته، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ ﴾ ، أي: من بيان ما يحل بك بعد الموت، إذا مت على ما أنت عليه، ﴿ مَا لَمْ يَأْتِكَ ﴾ ذلك ﴿ فَٱتَّبِعْنِيۤ ﴾ إلى ما أدعوك إليه من دين الله، ﴿ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً ﴾ ، أي: ديناً عدلاً سويّاً قيما لا عوج فيه، فهذا يدلّ منه أنه قد أوحى [إليه] في ذلك الوقت، ويشبه أن يكون عرف ذلك استدلالاً منه واجتهاداً على غير وحي، كقوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ  ﴾ حتى انتهى إلى قوله: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً  ﴾ وكل ذلك كان له من الله؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً ﴾ ، هم لم يكونوا يعبدون الشيطان عند أنفسهم، ولكن يحتمل إضافة عبادتهم إلى الشيطان وجوهاً: أحدها: أن الأصنام التي عبدوها كانت لا تأمرهم بالعبادة ولا تدعوهم إليها ثم عبدوها، فإنما عبدوها بأمر الشيطان وبدعائه إياهم، فأضاف ذلك إليه للأمر الّذي كان منه بذلك.

والثاني: ذكر أن الشيطان كان ينطق من جوف الصنم، فعبدوها لكلامه، فكأنهم عبدوا الشيطان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ : أي: أعلم أنه يمسّك عذاب من الرحمن لو دمت على الكفر وختمت به، فإن كان تأويله العلم فهو على هذا الشرط يخرج.

ويحتمل أن يكون الخوف في موضع الخوف، أي: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ إن لم تنجز وعدك ﴿ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾ أي: قريناً في العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ ﴾ ولا شك أنه كان راغباً عن عبادة آلهتهم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ ﴾ عن دينك الذي أنت عليه ﴿ لأَرْجُمَنَّكَ ﴾ ، أي: لأقتلنّك.

والثاني: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ ﴾ عن قذف آلهتنا وسبّها وذكرها بسوء ﴿ لأَرْجُمَنَّكَ ﴾ ، أي: لأشتمنّك مكان شتمك وقذفك آلهتنا، فالرجم يشتمل على هذه الوجوه الثلاثة: القتل، والطرد، والشتم، فإن كان على القتل فهو مقابل الدين، أي: لئن لم تنته عن دينك لأقتلنّك، وإن كان على الطرد فهو مقابل الدعاء، أي: لئن لم تنته عن دعائك إياي إلى ما تدعو لأطردنك، وإن كان علي الشتم فهو مقابل الشتم، أي: لئن لم تنته عن شتمك آلهتنا لأشتمنّك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: طويلاً.

وقال بعضهم: دهراً.

فإن كان ﴿ مَلِيّاً ﴾ ، أي: بعيداً فهو على بعده منه، أي: ابعد مني، وتباعد مني داره ومقامه.

وإن كان على الدهر والطول فهو يخرج، أي: لا تكلّمني أبداً، والله أعلم.

وقوله - عز وجلّ -: ﴿ قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ ﴾ يحتمل أنه ليس على أن سلّم عليه، ولكن كلمة بكلام السداد، كقوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً  ﴾ هو أن يقولوا لهم كلام السداد ليس على أن يسلموا عليهم.

ويحتمل ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكَ ﴾ على حقيقة السلام المعروف، لكنه يخرج على الإضمار، أي: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكَ ﴾ إذا أسلمت.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ ﴾ إذا أسلمت على نحو ما قلنا.

ويحتمل قوله: ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ ﴾ أي: أسأل ربي ليوفقك على السبب الذي تستوجب به الاستغفار، وتكون أهلاً للاستغفار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: أي: برّاً لطيفاً.

وقال بعضهم: ﴿ حَفِيّاً ﴾ : عالماً.

وقال بعضهم: إنه كان عودني الإجابة.

قال أبو عوسجة: الحفي: العالم بالأمر، ويقال: حفى الرجل يحفي: إذا سار بلا نعل ولا خف، وجمعه: حفاة، واحتفى يحتفي: إذا اجتنى حشيشاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ : الاعتزال - هاهنا - اعتزال هجرة إلى أرض الشام، ومفارقته إياهم مفارقة المكان والدار، كقوله: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ  ﴾ ، فقوله: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ ﴾ النجاة بالفراق منهم.

وقوله: ﴿ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أي: وأعتزلكم وما تعبدون من دون الله أيضاً، ففيه إخبار عن اعتزاله عنهم بالدار والمكان، وعن فعلهم أيضاً، اعتزلهم عن الأمرين جميعاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي أدعو ربي عسى ألا أكون بعبادة غير الله شقيّاً، كما كان قومه بعبادة غير الله أشقياء.

والثاني: ﴿ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي ﴾ إذا دعوته ﴿ شَقِيّاً ﴾ ، أي: خائباً مردود الدعاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ ﴾ : اعتزال الدّار والمكان بالهجرة إلى الأرض المباركة التي ذكر أنه نجاه [إليها]، واعتزل - أيضاً - صنيعهم الذي كانوا يصنعون من عبادتهم غير الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً  ﴾ ذكر الهبة؛ لأن الولد هبة من الله  ، خلقه على الإفضال منه والإنعام عليه؛ لأنه يعطى لا عن حق كان لهم عليه، فذلك فائدة ذكر الولد هبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً ﴾ هو ظاهر، وهب له ما ذكر، ثم أخبر - عز وجل - أنه جعلهم أنبياء.

وقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا ﴾ : اختلفوا فيه: قال بعضهم: الرحمة - هاهنا -: هي النبوة، أي: وهبنا لهم النبوة.

وقال بعضهم: الرحمة: النعمة، أي: من نعمته وهب لهم ما وهب من النبوة وغيرها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ لِسَانَ صِدْقٍ ﴾ : هي الكتب التي أنزلها الله فيها أنباء صدقهم وفضلهم، ومنزلتهم.

وقال بعضهم: ﴿ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً ﴾ هم أولادهم الذين جعلهم أنبياء [و]رسلاً يذكرون ويعظون من بعدهم؛ لأن جميع الأنبياء والرسل كانوا من نسل إبراهيم من لدنه إلى لدن محمد  ؛ فهم كانوا لسان صدق عليّاً، حيث يذكرون بكل خير وبكل بركة ويمن.

وقال بعضهم: ﴿ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً ﴾ هو ما آمن جميع أهل الأديان به - أعني: بإبراهيم - ودانوا به جميعاً، وعلى ذلك يخرج تخصيص إبراهيم وآله بالصلاة وبالبركة عليهم والثناء على قول قوم حيث قالوا: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم".

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أبت، إني أخاف أن يصيبك عذاب من الرحمن إن متّ على كفرك، فتكون قرينًا له في العذاب لموالاتك له.

<div class="verse-tafsir" id="91.6pVAy"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر