الآية ٥٣ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٥٣ من سورة مريم

وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيًّۭا ٥٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 57 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٣ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٣ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) أي : وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه ، فجعلناه نبيا ، كما قال في الآية الأخرى : ( وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون ) [ القصص : 34 ] ، وقال : ( قد أوتيت سؤلك يا موسى ) [ طه : 36 ] ، وقال : ( فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون ) [ الشعراء : 13 ، 14 ] ; ولهذا قال بعض السلف : ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيا ، قال الله تعالى : ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) .

قال ابن جرير : حدثنا يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن داود ، عن عكرمة قال : قال ابن عباس : قوله : ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) ، قال : كان هارون أكبر من موسى ، ولكن أراد : وهب له نبوته .

وقد ذكره ابن أبي حاتم معلقا ، عن يعقوب وهو ابن إبراهيم الدورقي ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ ) يقول: ووهبنا لموسى رحمة منا أخاه هارون (نَبِيًّا) يقول أيَّدناه بنبوّته، وأعنَّاه بها.

كما حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: قوله ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وهب له نبوّته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا وذلك حين سأل فقال : واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } هذا من أكبر فضائل موسى وإحسانه، ونصحه لأخيه هارون، أنه سأل ربه أن يشركه في أمره، وأن يجعله رسولا مثله، فاستجاب الله له ذلك، ووهب له من رحمته أخاه هارون نبيا.

فنبوة هارون تابعة لنبوة موسى عليهما السلام، فساعده على أمره، وأعانه عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) وذلك حين دعا موسى فقال : " واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي " ( طه : 29 - 30 ) فأجاب الله دعاءه وأرسل هارون ، ولذلك سماه هبة له .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ووهينا له من رحمتنا» نعمتنا «أخاه هارون» بدل أو عطف بيان «نبيا» حال هي المقصودة بالهبة إجابة لسؤاله أن يرسل أخاه معه وكان أسنَّ منه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ووهبنا لموسى من رحمتنا أخاه هارون نبيًا يؤيده ويؤازره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً ) بيان لمظهر آخر من مظاهر فضله الله - تعالى - على عبده موسى .أى : ووهبنا لموسى من أجل رحمتنا له .

وعطفنا عليه .

أخاه هارون ليكون عونا له فى أداء رسالته كما قال - تعالى - حكاية عنه ( واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشدد بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي .

.

) وقوله : ( نَبِيّاً ) حال من هارون ، أى حال كونه نبيا من أنبياء الله - عز وجل - .هذا ، وما ذكره الله - تعالى - هنا مجملا عن ندائه لموسى من جانب الطور الأيمن ، قد جاء مفصلاً فى مواطن أخرى منها قوله - تعالى - : ( فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النار لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الوادي الأيمن فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة أَن ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين .

.

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

(القصة الرابعة قصة موسى عليه السلام) اعلم أنه تعالى وصف موسى عليه السلام بأمور: أحدها: أنه كان مخلصاً فإذا قرئ بفتح اللام فهو من الاصطفاء والاختباء كأن الله تعالى اصطفاه واستخلصه وإذا قرئ بالكسر فمعناه أخلص لله في التوحيد في العبادة والإخلاص هو القصد في العبادة إلى أن يعبد المعبود بها وحده، ومتى ورد القرآن بقراءتين فكل واحدة منهما ثابت مقطوع به، فجعل الله تعالى من صفة موسى عليه السلام كلا الأمرين.

وثانيها: كونه رسولاً نبياً ولا شك أنهما وصفان مختلفان لكن المعتزلة زعموا كونهما متلازمين فكل رسول نبي وكل نبي رسول ومن الناس من أنكر ذلك وقد بينا الكلام فيه في سورة الحج في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ  ﴾ .

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وناديناه مِن جَانِبِ الطور الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمين والأيمن صفة الطور أو الجانب.

ورابعها: قوله: ﴿ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾ ولما ذكر كونه رسولاً قال: ﴿ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾ وفي قوله: ﴿ قربناه ﴾ قولان: أحدهما: المراد قرب المكان عن أبي العالية قربه حتى سمع صرير القلم حيث كتبت التوراة في الألواح.

والثاني: قرب المنزلة أي رفعنا قدره وشرفناه بالمناجاة، قال القاضي: وهذا أقرب لأن استعمال القرب في الله قد صار بالتعارف لا يراد به إلا المنزلة وعلى هذا الوجه يقال في العبادة تقرب، ويقال في الملائكة عليهم السلام إنهم مقربون وأما ﴿ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾ فقيل فيه أنجيناه من أعدائه وقيل هو من المناجاة في المخاطبة وهو أولى.

وخامسها: قوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هارون نَبِيّاً ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان هرون عليه السلام أكبر من موسى عليهما السلام، وإنما وهب الله له نبوته لا شخصه وأخوته وذلك إجابة لدعائه في قوله: ﴿ وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى  هَٰرُونَ أَخِى  ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى  وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى  ﴾ فأجابه الله تعالى إليه بقوله: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى  ﴾ وقوله: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِن رَّحْمَتِنَا ﴾ من أجل رحمتنا له وترأفنا عليه: وهبنا له هرون.

أو بعض رحمتنا، كما في قوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا ﴾ .

و ﴿ أَخَاهُ ﴾ على هذا الوجه بدل.

و ﴿ هارون ﴾ عطف بيان، كقولك: رأيت رجلاً أخاك زيداً.

وكان هرون أكبر من موسى، فوقعت الهبة على معاضدته وموازرته كذا عن ابن عباس رضي الله عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا ﴾ مُوَحِّدًا أخْلَصَ عِبادَتَهُ عَنِ الشِّرْكِ والرِّياءِ، أوْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وأخْلَصَ نَفْسَهُ عَمّا سِواهُ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِالفَتْحِ عَلى أنَّ اللَّهَ أخْلَصَهُ.

﴿ وَكانَ رَسُولا نَبِيًّا ﴾ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى الخَلْقِ فَأنْبَأهم عَنْهُ ولِذَلِكَ قَدَّمَ رَسُولًا مَعَ أنَّهُ أخْلَصُ وأعْلى.

﴿ وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ ﴾ مِن ناحِيَتِهِ اليُمْنى مِنَ اليَمِينِ، وهي الَّتِي تَلِي يَمِينَ مُوسى مِن جانِبِهِ المَيْمُونِ مِنَ اليَمَنِ بِأنْ تَمَثَّلَ لَهُ الكَلامُ مِن تِلْكَ الجِهَةِ.

﴿ وَقَرَّبْناهُ ﴾ تَقْرِيبَ تَشْرِيفٍ شَبَّهَهُ بِمَن قَرَّبَهُ المَلِكُ لِمُناجاتِهِ.

﴿ نَجِيًّا ﴾ مُناجِيًا حالٌ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ.

وقِيلَ مُرْتَفِعًا مِنَ النَّجْوَةِ وهو الِارْتِفاعُ.

لِما رُوِيَ أنَّهُ رُفِعَ فَوْقَ السَّمَواتِ حَتّى سَمِعَ صَرِيرَ القَلَمِ.

﴿ وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا ﴾ مِن أجْلِ رَحْمَتِنا أوْ بَعْضِ رَحْمَتِنا.

﴿ أخاهُ ﴾ مُعاضَدَةُ أخِيهِ ومُوازَرَتُهُ إجابَةٌ لِدَعْوَتِهِ ﴿ واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي ﴾ فَإنَّهُ كانَ أسَنَّ مِن مُوسى، وهو مَفْعُولٌ أوْ بَدَلٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ ﴿ مِن ﴾ لِلتَّبْعِيضِ.

﴿ هارُونَ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ.

﴿ نَبِيًّا ﴾ حالٌ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا} من أجل رحمتنا وترؤفنا عليه {أَخَاهُ} مفعول {هارون} بدل منه {نَبِيّاً} حال أي وهبنا له نبوة أخيه والا فهرون كان أكبر سناً منه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا ﴾ أيْ: مِن أجْلِ رَحْمَتِنا لَهُ (أخاهُ) أيْ: مُعاضَدَةَ أخِيهِ ومُؤازَرَتَهُ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي ﴾ ﴿ هارُونَ أخِي ﴾ لا نَفْسَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سِنًّا فَوُجُودُهُ سابِقٌ عَلى وُجُودِهِ وهو مَفْعُولُ (وهَبْنا) وقَوْلُهُ تَعالى (هارُونَ) عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ (نَبِيًّا) حالٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْعِيضِ قِيلَ وحِينَئِذٍ يَكُونُ (أخاهُ) بَدَلَ بَعْضٍ مَن كُلٍّ أوْ كُلٍّ مَن كُلٍّ أوِ اشْتِمالٍ مِن مِن، وتُعُقِّبَ بِأنَّها إنْ كانَتِ اسْمًا مُرادِفَةً لِبَعْضٍ فَهو خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَتْ حَرْفًا فَإبْدالُ الِاسْمِ مِنَ الحَرْفِ مِمّا لَمْ يُوجَدْ في كَلامِهِمْ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ وهَبْنا لَهُ شَيْئًا مِن رَحْمَتِنا فَأخاهُ بَدَلٌ مِن شَيْئًا المُقَدَّرِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ هو كَوْنُهُ مَفْعُولًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً، يعني: أخلصه الله عَزَّ وَجَلَّ، ويقال: مُخْلَصاً يعني: جعله الله مختاراً خالصاً.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم بنصب اللام يعني: أخلصه الله عَزَّ وَجَلَّ ويقال: معصوما من الكفر والمعاصي.

وقرأ الباقون مُخْلَصاً بالكسر يعني: مخلصاً في العمل.

وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا إلى بني إسرائيل، وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ، يعني: من يمين موسى  ولم يكن للجبل يمين ولا شمال وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا، أي كلمناه بلا وحي.

وقال الكلبي: وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا يعني: وقربناه حتى سمع صرير القلم في اللوح، وقال السدي: أدخل في السماء الدنيا وكلم، وقال الزجاج: وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا مناجيا حتى سمع.

ثم قال عز وجل: وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أي: من نعمتنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا، فكان هارون  معه وزيرا نبيا معينا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يعقوبَ- على جميعهم السلام- وجعلَ الولدَ له تَسْلِيةً، وشَدًّا لِعَضُدِهِ.

وإسحاقُ أَصغر من إسماعيل، ولما حملت هاجرِ بإسْمَاعِيل، غارَتْ سَارَةُ فحملت بإسحاقِ، هكذا فيما روي.

وقوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا يريد: العِلْم، والمنزِلَة، والشَّرَف في الدنيا، والنَّعيم في الآخرة كُلُّ ذلك من رحمة الله عز وجل، ولِسَانُ الصَّدْق: هو الثَّناءُ البَاقِي عليهم آخر الأبد قاله ابن عباس «١» وإبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلّم وذريته مُعظَّمة في جميع الأُمم والمِلَل.

قال ص: وَكُلًّا جَعَلْنا [نَبِيًّا] «٢» أَبو البقاء: هو منصوبٌ ب جَعَلْنا.

انتهى.

وقوله (عزَّ وجل) : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى، أي: على جهة التَّشْرِيف له، وَنادَيْناهُ هو تَكْلِيمُ الله له، والأَيْمن: صفةُ لجَانِب، وكان على يَمِينِ موسى، وإلا فالجبل نفسُه لاَ يَمْنةً له ولا يَسْرة، ويحتمل أَن يكون الأَمن مأْخُوذاً من الأَيمن، وَقَرَّبْناهُ أَيْ: تقريب تشريف، والنّجيّ: من المناجاة.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨)

وقوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ هو أيضاً من لسانِ الصِّدْقِ المضمون بقاؤه على إبراهيمَ عليه السلام وإسماعيلُ عليه السلام: هو أَبو العربِ اليومَ وذلك أَنَّ اليَمَنِية والمُضَرِية ترجع إلى ولد إسماعيل، وهو الذِّبِيحُ في قول الجمهُور.

وهو الرَّاجِحُ من وجوهٍ: / منها قوله تعالى: وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ٤ ب [هود: ٧١] .

فَوَلَدٌ بُشِّر أَبواه بأن سَيَكُونُ منه ولدٌ كيف يُؤْمَرُ بذبحه؟!.

ومنها أَن أَمْرَ الذبح كان بِمِنًى بلا خِلاَفٍ، وما روي قَطُّ أَن إسحاقَ دخل تلك البلاد، وإسماعيلُ بها نَشَأ، وكان أَبوه يزُورُه مِرَاراً كَثِيرةً يأْتي من الشام، ويرجِعُ من يَوْمِهِ على البُرَاق وهو مركب الأنبياء.

ومنها قوله صلى الله عليه وسلّم: «أَنَا ابن الذَّبِيحَيْنِ» «١» وهو أَبُوهُ عبدُ اللهِ، والذَّبِيحُ الثَّانِي هو إسْماعِيلُ.

ومنها [تَرْتِيبُ] «٢» آيات سورة «والصَّافَّاتِ» يكاد ينصُّ على أَنَّ الذبيح غيرُ إسحاق، ووصفه اللهُ تعالى بصِدْق الوَعْد لأَنه كان مُبَالِغاً في ذلك وروي أَنَّه وعد رَجُلاً أَنْ يلقاه في مَوْضِعٍ، فبقي في انْتِظاره يَوْمَهُ ولَيلَتَهُ، فلما كان في اليوْمِ الآخر جاء الرجُلُ، فقال له إسماعيلُ: ما زِلْتُ هنا في انتظارك منذ أَمْسِ، وقد فعل مثله نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم قبل مَبْعَثِه، خرَّجه التّرمِذِيّ وغيرُه.

قال سُفْيان بن عُيَيْنَةَ «٣» : أَسْوَأُ الكَذِبِ إخْلاَفُ المِيعَادِ، ورَمْي الأبرياء بالتّهم.

وأَهْلَهُ المرادُ بهم قومه، وأُمَّته قاله الحسنُ «٤» .

وفي مصحف ابن مسعود: «وكان يَأْمُرُ قَوْمَهُ» .

وإدْريسُ عليه السلام من أَجْدَاد نوح عليه السلام.

وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا قالت فرقةٌ من العلماء: رُفِع إلى السماءِ.

قال ابنُ عَبَّاسٍ: كان ذلك بأَمْرِ الله تعالى «٥» .

وقوله: وَبُكِيًّا قالت فرقةٌ: جمع «٦» بَاكٍ، وقالت فرقةٌ: هو مَصْدَرٌ بمعنى البكاء التقدير: وبكوا بكيّا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( مُخْلِصًا ) بِكَسْرِ اللّامِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ اللّامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ( المُخْلِصُ ) بِكَسْرِ اللّامِ: الَّذِي وحَّدَ اللَّهَ وجَعَلَ نَفْسَهُ خالِصَةً في طاعَةِ اللَّهِ غَيْرَ دَنَسِهِ، و( المُخْلَصُ ) بِفَتْحِ اللّامِ: الَّذِي أخْلَصَهُ اللَّهُ وجَعَلَهُ مُخْتارًا خالِصًا مِنَ الدَّنَسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ رَسُولا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أعادَ " كانَ " لِتَفْخِيمِ شَأْنِ النَّبِيِّ المَذْكُورِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ ﴾ ؛ أيْ: مِن ناحِيَةِ الطُّورِ، وهو جَبَلٌ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ اسْمُهُ زُبَيْرُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: [ إنَّما ] خاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ بِما يَسْتَعْمِلُونَ في لُغَتِهِمْ، ومِن كَلامِهِمْ: عَنْ يَمِينِ القِبْلَةِ وشَمالِها، يَعْنُونُ: مِمّا يَلِي يَمِينَ المُسْتَقْبَلِ لَها وشَمالَهُ، فَنَقَلُوا الوَصْفَ إلى ذَلِكَ اتِّساعًا عِنْدَ انْكِشافِ المَعْنى؛ لِأنَّ الوادِيَ لا يَدَ لَهُ فَيَكُونُ لَهُ يَمِينٌ.

وقالَ المُفَسِّرُونُ: جاءَ النِّداءُ عَنْ يَمِينِ مُوسى؛ فَلِهَذا قالَ: " الأيْمَنَ "، ولَمْ يَرِدْ بِهِ يَمِينُ الجَبَلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: مُناجِيًا، فَعَبَّرَ ( فَعِيلَ ) عَنْ ( مُفاعِلِ )، كَما قالُوا: فُلانٌ خَلِيطِي وعَشِيرِي، يَعْنُونُ: مُخالِطِي ومُعاشِرِي.

ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ وَقَرَّبْناهُ ﴾ ، قالَ: حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ القَلَمِ حِينَ كَتَبَ لَهُ في الألْواحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا ﴾ ؛ أيْ: مِن نِعْمَتِنا عَلَيْهِ إذْ أجَبْنا دُعاءَهُ حِينَ سَألَ أنْ نَجْعَلَ مَعَهُ أخاهُ وزِيرًا لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وكانَ رَسُولا نَبِيًّا ﴾ ﴿ وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ﴾ ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا ﴾ ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولا نَبِيًّا ﴾ ﴿ وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَلاةِ والزَكاةِ وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِذِكْرِ مُوسى بْنِ عُمْرانَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ، وأعْلَمَهُ بِإنَّهُ كانَ مُخْلَصًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "مُخْلِصًا" بِكَسْرِ اللامِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ: أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعالى، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمْ: "مُخْلَصًا" بِفَتْحِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي رَزِينٍ، ويَحْيى، وقَتادَةُ، أيْ: أخْلَصَهُ اللهُ تَعالى لِلنُّبُوَّةِ والقِيادَةِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ  ﴾ ، و الرَسُولُ مِنَ الأنْبِياءِ: الَّذِي يُكَلَّفُ تَبْلِيغَ أُمَّتَهُ، وقَدْ يَكُونُ نَبِيًّا غَيْرَ رَسُولٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُورِ الأيْمَنِ ﴾ هو تَكْلِيمُ اللهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، و"الطُورُ": الجَبَلُ المَشْهُورُ بِالشامِ، وقَوْلُهُ: "الأيْمَنِ" صِفَةٌ لِلْجانِبِ، وكانَ عَلى يَمِينِ مُوسى عِنْدَ وُقُوفِهِ، وإلّا فالجَبَلُ نَفْسُهُ لا يُمْنَةَ لَهُ ولا يُسْرَةَ، ولا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا بِالإضافَةِ إلى ذِي يَمِينٍ ويَسارٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الأيْمَنُ" مَأْخُوذًا مِنَ اليُمْنِ، كَأنَّهُ قالَ: الأبْرَكُ والأسْعَدُ، فَيَصِحُّ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجانِبِ ولِلْجَبَلِ بِجُمْلَتِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ﴾ هو التَقْرِيبُ بِالتَشْرِيفِ بِالكَلامِ والنُبُوَّةِ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بَلْ أُدْنِي مُوسى المَلَكُوتَ، ورُفِعَتْ لَهُ الحُجُبَ حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ، وقالَهُ مَيْسَرَةُ رَحِمَهُ اللهُ، وقالَ سَعِيدٌ: أرْدَفَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، و النَجِيُّ، قِيلَ: مِنَ المُناجاةِ وهي المُسارَّةُ بِالقَوْلِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: نَجا بِصَدَقَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُخْتَلٌ، وإنَّما النَجِيُّ المُنْفَرِدُ بِالمُناجاةِ، وكانَ هارُونُ أسَنَّ مِن مُوسى عَلَيْهِما السَلامُ فَطَلَبَ مِنَ اللهِ أنْ يَشُدَّ أزْرَهُ بِنَبُّوتِهِ ومَعُونَتِهِ فَأجابَهُ اللهُ إلى ذَلِكَ، وعَدَّها في نِعَمِهِ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ ﴾ هو أيْضًا مِن لِسانِ الصِدْقِ والشَرَفِ المَضْمُونُ بَقاؤُهُ عَلى آل إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ.

وإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هو أبُ العَرَبِ اليَوْمَ، وذَلِكَ أنَّ اليَمَنِيَّةَ والمُضَرِيَّةَ تَرْجِعُ إلى ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو الَّذِي أسْكَنَهُ أبُوهُ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وهو الذَبِيحُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الذَبِيحُ إسْحاقُ عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ يَتَرَجَّحُ بِجِهاتٍ: مِنها قَوْلُ اللهِ وتَعالى: ﴿ وَمِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ  ﴾ ، فَوَلَدٌ قَدْ بُشِّرَ أبَواهُ أنَّهُ سَيَكُونُ مِنهُ وُلَدٌ هو حَفِيدٌ لَهم كَيْفَ يُؤْمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِذَبْحِهِ وهَذِهِ العُدَّةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ؟

وُجِهَةٌ أُخْرى هي أنَّ أمْرَ الذَبْحِ لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّهُ كانَ بِمِنى عِنْدَ مَكَّةَ، وما رُوِيَ قَطُّ أنَّ إسْحاقَ دَخْلَ تِلْكَ البِلادِ، وإسْماعِيلُ بِها نَشَأ، وكانَ أبُوهُ يَزُورُ مِرارًا كَثِيرَةً يَأْتِي مِنَ الشامِ عَلى البُراقِ ويَرْجِعُ مِن يَوْمِهِ، والبُراقُ هو مَرْكَبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وجِهَةٌ أُخْرى وهي قَوْلُ النَبِيِّ  : «أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ»، وهُما أبُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، لِأنَّهُ فُدِيَ بِالإبِلِ مِنَ الذَبْحِ، والذَبِيحُ الثانِي هو أبُوهُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وجِهَةٌ أُخْرى وهي الآياتُ في سُورَةِ (الصافاتُ)، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ الذَبْحِ وحالَهُ قالَ: ﴿ وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ  ﴾ ، فَتَرْتِيبُ تِلْكَ الآياتِ يَكادُ يَنُصُّ عَلى أنَّ الذَبِيحَ غَيْرُ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَلامُ.

وَوَصْفَ اللهُ تَعالى إسْماعِيلَ بِصِدْقِ الدَعْوَةِ لِأنَّهُ كانَ مُبالِغًا في ذَلِكَ، رُوِيَ أنَّهُ وعَدَ رَجُلًا أنْ يَلْقاهُ في مَوْضِعٍ، فَجاءَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ وانْتَظَرَ الرَجُلَ يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ، فَلَمّا كانَ في اليَوْمِ الآخِرِ جاءَ الرَجُلُ، فَقالَ لَهُ: ما زِلْتُ هُنا في انْتِظارِكَ هُنا مُنْذُ أمْسٍ، وفي كِتابِ ابْنِ سَلامٍ أنَّهُ انْتَظَرَهُ سَنَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بِعِيدٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، والأوَّلُ أصَحُّ، وقَدْ فَعَلَ مِثْلَهُ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ  قَبْلَ بَعْثِهِ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وخَرَّجَهُ التِرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُ، وذَلِكَ في مُبايَعَةٍ وتِجارَةٍ، وقِيلَ: وصَفَهُ بِصِدْقِ الدَعْوَةِ لِوَفائِهِ بِنَفْسِهِ في أمْرِ الذَبْحِ؛ إذْ قالَ: ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصابِرِينَ  ﴾ .

قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللهُ: أسْوَأُ الكَذِبِ إخْلافُ الوَعْدِ ورَمْيُ الأبْرِياءِ بِالتُهَمِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : «العِدَةُ دَيْنٌ»، فَناهِيكَ بِفَضِيلَةِ الصِدْقِ في هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ ﴾ ، يُرِيدُ بِهِمْ قَوْمَهُ وأُمَّتَهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَكانَ يَأْمُرُ قَوْمَهُ"، وقَوْلُهُ: "مَرْضِيًّا" أصْلُهُ: مَرْضُوِّيٌّ، لَقِيَتِ الواوُ وهي ساكِنَةُ الياءَ فَأُبْدِلَتْ ياءٌ وأُدْغِمَتْ، ثُمْ كُسِرَتِ الضادُ لِلتَّناسُبِ في الحَرَكاتِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضُوًّا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أفضت مناسبة ذكر إبراهيم ويعقوب إلى أن يذكر موسى في هذا الموضع لأنه أشرف نبي من ذرية إسحاق ويعقوب.

والقول في جملة {واذكر وجملة إنه كان كالقول في نظيريهما في ذكر إبراهيم عدا أن الجملة هنا غير معترضة بل مجرد استئناف.

وقرأ الجمهور مخلصاً بكسر اللام من أخلص القاصر إذا كان الإخلاص صفته.

والإخلاص في أمر ما: الإتيانُ به غير مشوب بتقصير ولا تفريط ولا هوادة، مشتق من الخلوص، وهو التمحض وعدم الخلط.

والمراد هنا: الإخلاص فيما هو شأنه، وهو الرسالة بقرينة المقام.

وقرأه حمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف بفتح اللام من أخلصه، إذا اصطفاه.

وخُص موسى بعنوان (المخلص) على الوجهين لأن ذلك مزيته، فإنه أخلص في الدعوة إلى الله فاستخف بأعظم جبار وهو فرعون، وجادله مجادلة الأكفاء، كما حكى الله عنه في قوله تعالى في سورة الشعراء (18، 19): ﴿ قال ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ﴾ إلى قوله: قال أولو جئتك بشيء مبين.

وكذلك ما حكاه الله عنه بقوله: ﴿ قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ﴾ [القصص: 17]، فكان الإخلاص في أداء أمانة الله تعالى ميزته.

ولأن الله اصطفاه لكلامه مباشرة قبل أن يرسل إليه المَلك بالوحي، فكان مخلَصاً بذلك، أي مصطفى، لأن ذلك مزيته قال تعالى ﴿ واصطنعتك لنفسي ﴾ [طه: 41].

والجمع بين وصف موسى لأنه رسول ونبيء.

وعطف {نبيئاً على رسولاً مع أن الرسول بالمعنى الشرعي أخص من النبي، فلأن الرسول هو المرسلَ بوحي من الله ليبلغ إلى الناس فلا يكون الرسول إلا نبيئاً، وأما النبي فهو المنبّأ بوحي من الله وإن لم يؤمر بتبليغه، فإذا لم يؤمر بالتبليغ فهو نبيء وليس رسولاً، فالجمع بينهما هنا لتأكيد الوصف، إشارة إلى أن رسالته بلغت مبلغاً قوياً، فقوله نبيئاً تأكيد لوصف رسولاً.

وتقدم اختلاف القراء في لفظ نبيئاً عند ذكر إبراهيم.

وجملة وناديناه عطف على جملة إنه كان مخلصاً فهي مثلها مستأنفة.

والنداء: الكلام الدال على طلب الإقبال، وأصله: جهر الصوت لإسماع البعيد، فأطلق على طلب إقبال أحد مجازاً مرسَلاً، ومنه ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ [الجمعة: 9]، وهو مشتق من الندى بفتح النون وبالقصر وهو بُعد الصوت.

ولم يسمع فعله إلاّ بصيغة المفاعلة، وليست بحصول فعل من جانبين بل المفاعلة للمبالغة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ﴾ في سورة البقرة (171)، وعند قوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان ﴾ في سورة آل عمران (193).

وهذا النداء هو الكلام الموجه إليه من جانب الله تعالى.

قال تعالى: ﴿ إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي ﴾ في سورة الأعراف (144)، وتقدم تحقيق صفته هناك، وعند قوله تعالى: ﴿ حتى يسمع كلام اللَّه ﴾ في سورة براءة (6).

والطّور: الجبل الواقع بين بلاد الشام ومصر، ويقال له: طور سيناء.

وجانبه: ناحيته السفلى، ووصفه بالأيمن لأنه الذي على يمين مستقبل مشرق الشمس، لأن جهة مشرق الشمس هي الجهة التي يضبط بها البشر النواحي.

والتقريب: أصله الجعل بمكان القرب، وهو الدنو وهو ضد البعد.

وأريد هنا القرب المجازي وهو الوحي.

فقوله: نَجِيّاً } حال من ضمير ﴿ موسى ﴾ ، وهي حال مؤكدة لمعنى التقريب.

ونجّي: فعيل بمعنى مفعول من المناجاة.

وهي المحادثة السرية؛ شُبّه الكلام الذي لم يكلم بمثله أحداً ولا أطْلَع عليه أحداً بالمناجاة.

وفعيل بمعنى مفعول، يجيء من الفعل المزيد المجرد بحذف حرف الزيادة، مثل جليس ونديم ورضيع.

ومعنى هبة أخيه له: أن الله عزّزه به وأعانه به، إذ جعله نبيئاً وأمره أن يرافقه في الدعوة، لأن في لسان موسى حُبسة، وكان هارون فصيح اللسان، فكان يتكلم عن موسى بما يريد إبلاغه، وكان يستخلفه في مهمات الأمة.

وإنما جعلت تلك الهبة من رحمة الله لأن الله رحم موسى إذ يسّر له أخاً فصيح اللسان، وأكمله بالإنباء حتى يعلم مراد موسى مما يبلغه عن الله تعالى.

ولم يوصف هارون بأنه رسول إذ لم يرسله الله تعالى، وإنما جعله مبلّغاً عن موسى.

وأما قوله تعالى: ﴿ فقولا إنا رسولا ربك ﴾ [طه: 47] فهو من التغليب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ ﴾ والطَّوْرُ جَبَلٌ بِالشّامِ ناداهُ اللَّهُ مِن ناحِيَتِهِ اليُمْنى.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن يَمِينِ مُوسى.

الثّانِي: مِن يَمِينِ الجَبَلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَرَّبَهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي شَرَّفَهُ وعَظَّمَهُ بِسَماعِ كَلامِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ قَرَّبَهُ مِن أعْلى الحُجُبِ حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ القَلَمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ غَيْرُهُ: حَتّى سَمِعَ صَرِيرَ القَلَمِ الَّذِي كُتِبَ بِهِ التَّوْراةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قَرَّبَهُ تَقْرِيبَ كَرامَةٍ واصْطِفاءٍ لا تَقْرِيبَ اجْتِذابٍ وإدْناءٍ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالحُلُولِ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ فَيَقْرُبُ مِن بُعْدٍ أوْ يَبْعُدُ مِن قُرْبٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ نَجِيًّا ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْوى، والنَّجْوى لا تَكُونُ إلّا في الخَلْوَةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الثّانِي: نَجّاهُ لِصِدْقِهِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجاةِ.

الثّالِثُ: رَفَعَهُ بَعْدَ التَّقْرِيبِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْوَةِ وهو الِارْتِفاعُ، قالَ الحَسَنُ لَمْ يُبْلِغْ مُوسى مِنَ الكَلامِ الَّذِي ناجاهُ بِهِ شَيْئًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إنه كان مخلصاً ﴾ بنصب اللام.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وكان رسولاً نبياً ﴾ قال: النبي وحده الذي تكلم، وينزل عليه ولا يرسل، ولفظ ابن أبي حاتم الأنبياء الذين ليسوا برسل يوحى إلى أحدهم، ولا يرسل إلى أحدهم، والرسل الأنبياء الذين يوحى إليهم ويرسلون.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ جانب الطور الأيمن ﴾ قال: جانب الجبل الأيمن ﴿ وقربناه نجيا ﴾ قال: نجا بصدقه.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية في قوله: ﴿ وقربناه نجياً ﴾ قال: قربه حتى سمع صرير القلم.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر، عن ميسرة ﴿ وقربناه نجياً ﴾ قال: أدني حتى سمع صرير القلم في الألواح وهو يكتب التوراة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير ﴿ وقربناه نجياً ﴾ قال: أردفه جبريل، حتى سمع صرير القلم والتوراة تكتب له.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ وقربناه نجياً ﴾ قال: ادخل في السماء فكلم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقربناه نجياً ﴾ قال بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة، حجاب نور وحجاب ظلمة، حجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال موسى يقرب حتى كان بينه وبينه حجاب، فلما رأى مكانه وسمع صريف القلم ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ [ الأعراف: 143] .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وهناد في الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس ﴿ وقربناه نجياً ﴾ حتى سمع صريف القلم يكتب في اللوح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن معد يكرب قال: لما قرب الله موسى نجياً بطور سينا قال: يا موسى، إذا خلقت لك قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن عنك من الخير شيئاً، ومن أخزن عنه هذا، فلم أفتح له من الخير شيئاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً ﴾ قال: كان هرون أكبر من موسى ولكن إنما وهب له نبوّته.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا ﴾ أي: من نعمتنا ﴿ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد حيث سألني) (١) ﴿ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي  ﴾ الآية.

[قال الكلبي: (وكان معه وزيرا) (٢) ﴿ نَبِيًّا ﴾ منصوب بوهبنا على تقدير ووهبنا له من رحمتنا نبيا أخاه هارون] (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "الكشف والبيان" 3/ 7 ب، "معالم التنزيل" 5/ 237، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 138، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 114، "التفسير الكبير" 21/ 231.

ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة القصص الآية رقم (34): ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ .

(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "بحر العلوم" 2/ 326، " المحرر الوجيز" 9/ 485، "لباب التأويل" 4/ 249، "روح البيان" 5/ 339.

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(٥) "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 319، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 115.

(٦) "جامع البيان" 16/ 71، "الكشاف" 2/ 414، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 138، "فتح القدير" 3/ 483.

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مُخْلِصاً ﴾ بكسر اللام أي أخلص نفسه وأعماله لله وبفتحها أي أخلصه الله للنبوّة والتقريب ﴿ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً ﴾ النبي أعم من الرسول، لأن النبي كل من أوحى الله إليه، ولا يكون رسولاً حتى يرسله الله إلى الناس مع النبوة، فكل رسول نبيّ وليس كل نبي رسول ﴿ وناديناه ﴾ هو تكليم الله له ﴿ الطور ﴾ وهو الجبل المشهور بالشام ﴿ الأيمن ﴾ صفة للجانب، وكان على يمين موسى حين وقف عليه ويحتمل أن يكون من اليمن ﴿ نَجِيّاً ﴾ النجي فعيل وهو المنفرد بالمناجاة وقيل: هو من المناجاة، والأول أصح ﴿ مِن رَّحْمَتِنَآ ﴾ من سببية أو للتبعيض، وأخاه على الأول مفعول وعلى الثاني بدل ﴿ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد ﴾ روي انه وعد رجلاً إلى مكان فانتظره فيه سنة، وقيل: الإشارة إلى صدق وعده في قصة الذبح في قوله: ﴿ ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين ﴾ [الصافات: 102]، وهذا يدل على قول ما قال: إن الذبيح هو إسماعيل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ مخلصاً ﴾ بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ إبراهام ﴾ وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إذا ابتلي ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة ﴿ نورث ﴾ بالتشديد: رويس.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ لا تعبد الشيطان ﴾ ط ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ ولياً ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ط ج وقد يوصل ويوقف على ﴿ آلهتي ﴾ .

﴿ ملياً ﴾ ه ﴿ سلام عليك ﴾ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ﴿ لك ربي ﴾ ط ﴿ حفياً ﴾ ه ﴿ وأدعو ربي ﴾ ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب لما ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نجياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ إسماعيل ﴾ ز لما مر ﴿ نبياً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ والزكاة ﴾ ط ﴿ مرضيا ﴾ ه ﴿ إدريس ﴾ ز ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ مع نوح ﴾ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ﴿ ذرية آدم ﴾ أو على ﴿ إسرائيل ﴾ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ﴿ وبكيا ﴾ ه ﴿ عياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ الجنة ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ مأتيا ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ بأمر ربك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ ذلك ﴾ ج لأن قوله: ﴿ وما كان ﴾ معطوف على ﴿ نتنزل ﴾ مع وقوع العارض ﴿ نسياً ﴾ ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لعبادته ﴾ ط ﴿ سمياً ﴾ ه.

التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل.

وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب.

وإنما بدأ بقصة إبراهيم  لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه.

والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم  ﴾ وإلا فهو  هو الذي يذكره في تنزيله.

وقوله: ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إبراهيم ﴾ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ﴿ إبراهيم ﴾ مطلقاً.

وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ ﴿ كان ﴾ أو بـ ﴿ صديقاً نبياً ﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.

والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه.

إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.

وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها.

والتاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف.

أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله  قال: "أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري" .

فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد.

و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه.

ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره.

وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟

فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص.

وقوله: ﴿ يا أبت أني قد جاءني ﴾ تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق.

وفي قوله: ﴿ من العلم ما لم يأتك ﴾ فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد.

استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع.

وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.

والإنصاف أن هذه الطريق أسهل.

ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: ﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان ﴾ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان.

ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف.

ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: ﴿ يا أبت إني أخاف ﴾ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب.

قال الفراء: معنى أخاف أعلم.

والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم  لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه.

والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي.

وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز.

وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ  ﴾ ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل  ﴾ ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: ﴿ ورضوان من الله أكبر  ﴾ وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار.

ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى.

وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته.

وفي قوله: ﴿ يا إبراهيم ﴾ دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة ﴿ يا أبت ﴾ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم.

ثم ههنا إضمار أي فاحذرني ﴿ واهجرني ملياً ﴾ أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران.

مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب.

فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ﴿ قال سلام عليك ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ﴾ بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف".

احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ الآية.

ولقوله في الممتحنة ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  ﴾ فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به.

والجواب لعل إبراهيم  في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله  ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً.

والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه  ﴾ والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله  هي محرمة علينا.

ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ﴿ وأعتزلكم ﴾ أي أهاجر إلى الشام ﴿ و ﴾ أعتزل ﴿ ما تدعون ﴾ أي ما تعبدون ﴿ من دون الله ﴾ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ فلما أعتزلهم وما يعبدون ﴾ أما قوله: ﴿ وأدعو ربي ﴾ فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء.

وفي قوله: ﴿ عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ﴿ عسى ﴾ .

قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ﴾ شيئاً ﴿ من رحمتنا ﴾ عن الحسن: هي النبوة.

وعن الكلبي: المال والولد.

والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: ﴿ قدم صدق  ﴾ تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ﴿ ملة أبيكم إبراهيم  ﴾ ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي  في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال  : ﴿ وإبراهيم الذي وفى  ﴾ فجعل موطىء قدمه مباركاً ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  ﴾ وعادى كل الخلق في الله حين قال ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى  لأنه تلوه في الشرف.

والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و ﴿ كان رسولاً نبياً ﴾ الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ﴿ برب هرون وموسى  ﴾ ﴿ الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ﴿ وقربناه ﴾ حال كونه ﴿ نجياً ﴾ أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة.

وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون".

﴿ ووهبنا له من رحمتنا ﴾ أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ﴿ أخاه ﴾ بدلاً و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً".

و ﴿ نبياً ﴾ حال من هارون.

قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته.

وذلك بدعاء موسى في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي  ﴾ وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به.

وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة.

عن رسول الله  أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.

وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟

فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.

وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  ﴾ "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.

وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة.

وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله.

وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما.

وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها.

وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه.

وقيل: إن الله  رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت.

وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه.

عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟

فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.

وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة.

وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها.

﴿ أولئك ﴾ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ﴿ الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿ من ذرية آدم ﴾ هي للتبعيض وكذا في قوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ﴾ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم  لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته.

﴿ وممن هدينا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه.

ثم إن جعلت ﴿ الذين ﴾ خبراً ﴿ لأولئك ﴾ كان ﴿ إذا يتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل.

والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة.

ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً.

عن رسول الله  : " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي.

قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله  به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود.

فقيل: هو الخشوع والخضوع.

وقيل: الصلاة.

وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به.

ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود.

قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود.

عن رسول الله  : "اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.

وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.

وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.

وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.

ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء.

عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب.

وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.

وعن علي  في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.

وعن قتادة: هو في هذه الأمة ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد.

وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ﴿ ويلق أثاماً  ﴾ أي مجازاة أثام.

وقيل: غياً من طريق الجنة.

وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان.

والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال.

واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير.

وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ﴿ وعمل عملاً صالحاً  ﴾ لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك.

وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً.

ومعنى ﴿ لا يظلمون شيئاً ﴾ لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب ﴿ شيئاً ﴾ على المصدر أي شيئاً من الظلم.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ قد مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن  ﴾ وصفها الله  بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا.

ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي".

قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة.

ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين.

وقوله: ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته.

وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً.

قوله: ﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف".

أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.

وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها.

ثم إنه  من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ﴾ هذا قول الحسن.

ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي.

وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.

وقوله: ﴿ تلك الجنة التي نورت ﴾ كقوله في "الأعراف" ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها  ﴾ وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه.

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر.

وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة.

أنه اتقى الكفر.

سئل ههنا أن قوله  : ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ كلام الله وقوله بعده: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد  وهل يجدونه في كتابهم.

فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله.

فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة.

وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه.

فنزل جبرائيل  فقال له النبي  : "أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك." قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست.

فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً  ﴾ وسورة الضحى.

ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل.

ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته.

وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ﴿ وما بين ذلك ﴾ وهو ما بين النفختين أربعون سنة.

وقيل: ما مضى.

من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا.

وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا.

والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره!

وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: ﴿ وما نتنزل ﴾ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك.

أما قوله: ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ﴿ ما ودّعك ربك وما قلى  ﴾ وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته  بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته.

وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله  خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: ﴿ رب السموات والأرض ﴾ أي بل هو ربهما ﴿ وما بينهما فاعبده ﴾ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ﴿ واصطبر لعبادته ﴾ لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته.

ثم أكد وجوب عبادته بقوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف.

وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه.

وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره.

قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة.

وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إنه كان صديقاً ﴾ للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ﴿ إذ قال لأبيه ﴾ الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ﴿ فقد جاءني من العلم ﴾ اللدني ﴿ ما لم يأتك ﴾ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ﴿ وهبنا له إسحاق ﴾ السر ﴿ ويعقوب ﴾ الخفي ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر ﴿ وكان يأمر أهله ﴾ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿ خروا ﴾ بقلوبهم على عتبة العبودية ﴿ سجداً ﴾ بالتسليم للأحكام الأزلية ﴿ وبكياً ﴾ بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ﴿ عباده بالغيب ﴾ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  ﴾ ﴿ ولهم رزقهم ﴾ رؤية الله على ما جاء في الحديث: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً" ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب.

إلا بأمر ربك ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ﴿ فاعبده ﴾ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك.

﴿ هل تعلم له ﴾ نظيراً في المحبوبية لك.

والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ ﴾ : هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ  ﴾ - على قول الحسن - صلة قوله: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ  ﴾ ، أي: اذكر رحمة ربك موسى.

وعلى قول غيره من أهل التأويل، أي: اذكر لهم نبأ موسى وقصته في الكتاب، وهو ما ذكرنا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً ﴾ ، و ﴿ مُخْلِصاً ﴾ ، وقد قرئ بالنصب والخفض جميعاً: قال بعضهم: ﴿ مُخْلِصاً ﴾ : أخلصه الله واصطفاه واختاره لرسالته ونبوته.

وقوله: ﴿ مُخْلِصاً ﴾ بالخفض، أي: أخلص عبادته وتوحيده له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: الرسول هو الذي ينبئ ويخبر عن التأويل.

وقال بعضهم: الرسول هو الذي ينزل عليه الوحي والكتاب، والنبي هو الذي ينبئ لا عن لسان، وأصل النبي هو الذي ينبئ عن كل خير وبركة، وسمي: نبيّاً، لاجتماع خصال فيه، كالصدِّيق لا يسمى إلا بعد اجتماع كل خصال الخير والبركة ما لو انفرد بكل خصلة من تلك الخصال سمّي: صادقاً، فإذا اجتمع ذلك سمي: صدِّيقاً، فعلى ذلك النبي سمي نبيّاً لاجتماع خصال [فيه]، وهو ما روي في الخبر: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسةٍ وأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبوَّةِ" ، "والسَّمْتُ الحَسَنُ جُزْءٌ مِن خَمْسَةٍ وِعِشرِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبوَّةِ" فهذا يدلّ أن النبي إنما سمي: نبيّاً؛ لاجتماع خصال الخير والبركة فيه، كما ذكرنا في الصديق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ ﴾ ، فإن كان الأيمن من اليمن والبركة، فيكون تأويله: وناديناه من جانب الطور المبارك واليمن، وكذلك روي في الخبر أن موسى -  - قال: "أتاني من جبل طور سيناء، واطلع من جبل ساعورا، وظهر من جبل فاران"، ومعناه: أتاني وحي ربي من جبل طور سيناء، "واطلع من جبل ساعورا"، أي: أتى وحي عيسى من جبل ساعورا، وأتى وحي محمّد في جبل فاران؛ فهو على اليمن: يمن الجبل وبركته.

وقال بعضهم: هو يمين الجبل.

وقال بعضهم: يمين موسى.

قال أبو بكر الأصم: هذا لا يعلم إلا بالخبر، ولا نفسره أنه ماذا أراد به؟

مخافة التغيير؛ لأنه ذكر في موضع الاحتجاج عليهم، فإن زادوا أو نقصوا عما في كتبهم يبطل الاحتجاج به عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾ .

قال أهل التأويل: هو تقريب بالمكان، ولكن عندنا هو تقريب المنزلة والقدر والفضل، هذا معروف، وهو أسلم، ﴿ نَجِيّاً ﴾ من المناجاة، أي: ناجاه من حيث لم يطلع على ذلك غيرهما، وسمّي موسى بهذا؛ لأنه أخلص نفسه لله وسلّمها له، ولذلك سمي المصلي - أيضاً -: مناجياً ربه على ما روي في الخبر "انْظُرْ مَنْ تُنَاجِي" حيث فرغ نفسه عن جميع الأشغال وسلمها إليه فسمّي لذلك مناجياً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً ﴾ ، هو ما ذكرنا فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأعطيناه -من رحمتنا وإنعامنا عليه- أخاه هارون  نبيًّا؛ استجابة لدعائه حين سأل ربه ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.oGx1v"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.9 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله