الآية ١٠١ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ١٠١ من سورة الأنبياء

إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ١٠١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠١ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠١ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) : قال عكرمة : الرحمة .

وقال غيره : السعادة ، ( أولئك عنها مبعدون ) لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله ، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسله ، وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة ، وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا ، كما قال : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [ يونس : 26 ] : وقال ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) [ الرحمن : 60 ] ، فكما أحسنوا العمل في الدنيا ، أحسن الله مآلهم وثوابهم ، فنجاهم من العذاب ، وحصل لهم جزيل الثواب ، فقال : ( أولئك عنها مبعدون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وأما قوله ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ به ، فقال بعضهم: عني به كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه أنه عن النار مُبعد.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن يوسف بن سعد وليس بابن ماهَك عن محمد بن حاطب ، قال: سمعت عليا يخطب فقرأ هذه الآية ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) ، قال: عثمان رضي الله عنه منهم.

وقال آخرون: بل عني: منْ عبد مِن دون الله ، وهو لله طائع ولعبادة من يَعبد كاره.

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله ( أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) قال: عيسى ، وعزير ، والملائكة.

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن ابن جُرَيح ، عن مجاهد ، مثله.

قال ابن جريج: قوله إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ثم استثنى فقال ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ) .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة ، والحسن البصري قالا قال في سورة الأنبياء إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ ثم استثنى فقال ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) فقد عُبدت الملائكة من دون الله ، وعُزَيرٌ وعيسى من دون الله.

حدثنا أبو كُرَيب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد ( أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) قال: عيسى.

حدثني إسماعيل بن سيف ، قال : ثنا علي بن مسهر ، قال : ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ) قال: عيسى ، وأمه ، وعُزَير ، والملائكة.

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يوما مع الوليد بن المغيرة ، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم وفي المجلس غير واحد من رجال قريش ، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرض له النضر بن الحارث ، وكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ، ثم تلا عليه وعليهم إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ .

.

.

إلى قوله ( وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ ) ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل عبد الله بن الزّبَعْرى بن قيس بن عديّ السهمي حتى جلس ، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزّبَعْرى : والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد ، وقد زعم أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته ، فسلوا محمدا: أكلّ من عبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟

فنحن نعبد الملائكة ، واليهود تعبد عُزَيرا ، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم ، فعجب الوليد بن المغيرة ومن كان في المجلس من قول عبد الله بن الزّبَعْرى ، ورأوا أنه قد احتج وخاصم ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قول ابن الزّبَعْرى، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبد ، إنما يعبدون الشياطين ومن أمرهم بعبادته " ، فأنـزل الله عليه ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) .

.

.

.

إلى خَالِدُونَ أي عيسى ابن مريم ، وعُزير ، ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذي مضوا على طاعة الله ، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله ، فأنـزل الله فيما ذكروا أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ .

.

.

إلى قوله نَجْزِي الظَّالِمِينَ .

حُدثت عن الحسين ، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد ، قال: سمعت الضحاك ، قال: يقول ناس من الناس (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) يعني من الناس أجمعين ، فليس كذلك ، إنما يعني من يعبد الآلهة وهو لله مطيع مثل عيسى وأمه وعُزَير والملائكة ، واستثنى الله هؤلاء الآلهة المعبودة التي هي ومن يعبدها في النار.

حدثنا ابن سنان القزاز ، قال : ثنا الحسن بن الحسين الأشقر ، قال : ثنا أبو كدينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال: لما نـزلت إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ قال المشركون: فإن عيسى يُعبد وعُزَير والشمس والقمر يُعبدون، فأنـزل الله ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) لعيسى وغيره.

وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: عني بقوله ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) ما كان من معبود ، كان المشركون يعبدونه والمعبود لله مطيع وعابدوه بعبادتهم إياه بالله كفّار ، لأن قوله تعالى ذكره ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ) ابتداء كلام محقق لأمر كان ينكره قوم ، على نحو الذي ذكرنا في الخبر عن ابن عباس ، فكأن المشركين قالوا لنبيّ الله صلى الله عليه وسلم إذ قال لهم إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ : ما الأمر كما تقول ، لأنا نعبد الملائكة ، ويعبد آخرون المسيح وعُزَيرا ، فقال عزّ وجلّ ردا عليهم قولهم: بل ذلك كذلك ، وليس الذي سبقت لهم منا الحسنى هم عنها مبعدون ، لأنهم غير معنيين بقولنا إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ، فأما قول الذين قالوا ذلك استثناء من قوله إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ فقول لا معنى له ، لأن الاستثناء إنما هو إخراج المستثنى من المستثنى منه ، ولا شك أن الذين سبقت لهم منا الحسنى إنما هم إما ملائكة وإما إنس أو جانٌ ، وكلّ هؤلاء إذا ذكرتها العرب فإن أكثر ما تذكرها بمن ، لا بما ، والله تعالى ذكره إنما ذكر المعبودين الذين أخبر أنهم حَصَب جهنم بما ، قال إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ إنما أريد به ما كانوا يعبدونه من الأصنام والآلهة من الحجارة والخشب ، لا من كان من الملائكة والإنس ، فإذا كان ذلك كذلك لما وصفنا ، فقوله ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ) جواب من الله للقائلين ما ذكرنا من المشركين مبتدأ ، وأما الحُسنى فإنها الفُعلى من الحسن ، وإنما عني بها السعادة السابقة من الله لهم .

كما حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد ، في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ) قال: الحسنى: السعادة ، وقال: سبقت السعادة لأهلها من الله ، وسبق الشقاء لأهله من الله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أي الجنة أولئك عنها أي عن النار مبعدون فمعنى الكلام الاستثناء ؛ ولهذا قال بعض أهل العلم : إن هاهنا بمعنى ( إلا ) وليس في القرآن غيره .

وقال محمد بن حاطب : سمعت علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يقرأ هذه الآية على المنبر إن الذين سبقت لهم منا الحسنى فقال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن عثمان منهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 101 و102 :ـ وأما المسيح، وعزير، والملائكة ونحوهم، ممن عبد من الأولياء، فإنهم لا يعذبون فيها، ويدخلون في قوله: { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى } أي: سبقت لهم سابقة السعادة في علم الله، وفي اللوح المحفوظ وفي تيسيرهم في الدنيا لليسرى والأعمال الصالحة.

{ أُولَئِكَ عَنْهَا } أي: عن النار { مُبْعَدُونَ } فلا يدخلونها، ولا يكونون قريبا منها، بل يبعدون عنها، غاية البعد، حتى لا يسمعوا حسيسها، ولا يروا شخصها، { وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ } من المآكل، والمشارب، والمناكح والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مستمر لهم ذلك، يزداد حسنه على الأحقاب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) قال بعض أهل العلم إن هاهنا بمعنى إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى يعني السعادة والعدة الجميلة بالجنة ( أولئك عنها مبعدون ) قيل الآية عامة في كل من سبقت لهم من الله السعادة وقال أكثر المفسرين عني بذلك كل من عبد من دون الله وهو لله طائع ولعبادة من يعبده كاره وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فعرض له النضر بن الحارث ، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم تلا عليه ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) الآيات الثلاثة ثم قام فأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمي فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله أما والله لو وجدته لخصمته فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبعرى : أنت قلت " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " ؟

قال نعم ، قال أليست اليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد المسيح ، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل هم يعبدون الشياطين فأنزل الله عز وجل ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) يعني عزيرا والمسيح والملائكة ( أولئك عنها مبعدون ) وأنزل في ابن الزبعرى : ( ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ) ( الزخرف 58 ) ، وزعم جماعة أن المراد من الآية الأصنام لأن الله تعالى قال ( وما تعبدون من دون الله ) ولو أراد به الملائكة والناس لقال ومن تعبدون من دون الله.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين سبقت لهم منا» المنزلة «الحسنى» ومنهم من ذكر «أولئك عنها مبعدون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين سبقت لهم منا سابقة السعادة الحسنة في علمنا بكونهم من أهل الجنة، أولئك عن النار مبعدون، فلا يدخلونها ولا يكونون قريبًا منها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الحديث الذى ترتجف له القلوب .

.

.

أتبع القرآن ذلك بحديث آخر تسر له النفوس ، وتنشرح له الصدور ، فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين .

.

.

) .الحسنى : تأنيث الأحسن ، وهى صفة لموصوف محذوف .أى : إن الذين سبقت لهم منا فى دنياهم المنزلة الحسنى بسبب إيمانهم الخالص وعملهم الصالح ، وقولهم الطيب .( أولئك ) المصوفون بتلك الصفات الحميدة ( عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) أى : عن النار وحرها وسعيرها .

.

.

مبعدون إبعادا تاما بفضل الله - تعالى - ورحمته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن من الناس من زعم أن ابن الزبعري لما أورد ذلك السؤال على الرسول صلى الله عليه وسلم بقي ساكتاً حتى أنزل الله تعالى هذه الآية جواباً عن سؤاله لأن هذه الآية كالإستثناء من تلك الآية.

وأما نحن فقد بينا فساد هذا القول وذكرنا أن سؤاله لم يكن وارداً، وأنه لا حاجة في دفع سؤاله إلى نزول هذه الآية، وإذا ثبت هذا لم يبق هاهنا إلا أحد أمرين: الأول: أن يقال: إن عادة الله تعالى أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب الأبرار، فلهذا السبب ذكر هذه الآية عقيب تلك فهي عامة في حق كل المؤمنين.

الثاني: أن هذه الآية نزلت في تلك الواقعة لتكون كالتأكيد في دفع سؤال ابن الزبعري، ثم من قال العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهو الحق أجراها على عمومها فتكون الملائكة والمسيح وعزير عليهم السلام داخلين فيها، لا أن الآية مختصة بهم، ومن قال: العبرة بخصوص السبب خصص قوله: ﴿ إِنَّ الذين ﴾ بهؤلاء فقط.

أما قوله تعالى: ﴿ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى ﴾ فقال صاحب الكشاف: الحسنى الخصلة المفضلة والحسنى تأنيث الأحسن، وهي إما السعادة وإما البشرى بالثواب، وإما التوفيق للطاعة.

والحاصل أن مثبتي العفو حملوا الحسنى على وعد العفو ومنكري العفو حملوه على وعد الثواب، ثم إنه سبحانه وتعالى شرح من أحوال ثوابهم أمور خمسة: أحدها: قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ فقال أهل العفو معناه أولئك عنها مخرجون، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: قوله: ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا  ﴾ أثبت الورود وهو الدخول، فدل على أن هذا الإبعاد هو الإخراج.

الثاني: أن أبعاد الشيء عن الشيء لا يصح إلا إذا كانا متقاربين لأنهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر، لأن تحصيل الحاصل محال، واحتج القاضي عبد الجبار على فساد هذا القول الأول بأمور: أحدها: أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى ﴾ يقتضي أن الوعد بثوابهم قد تقدم في الدنيا وليس هذا حال من يخرج من النار لو صح ذلك.

وثانيها: أنه تعالى قال: ﴿ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ وكيف يدخل في ذلك من وقع فيها.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ﴾ يمنع من ذلك.

والجواب عن الأول: لا نسلم أن يقال المراد من قوله: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى ﴾ هو أن الوعد بثوابهم قد تقدم، ولم لا يجوز أن المراد من الحسنى تقدم الوعد بالعفو، سلمنا أن المراد من الحسنى تقدم الوعد بالثواب، لكن لم قلتم إن الوعد بالثواب لا يليق بحال من يخرج من النار فإن عندنا المحابطة باطلة ويجوز الجمع بين استحقاق الثواب والعقاب.

وعن الثاني: أنا بينا أن قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلا في حق من كان في النار.

وعن الثالث: أن قوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا ﴾ مخصوص بما بعد الخروج.

أما قوله: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ﴾ فالفزع الأكبر هو عذاب الكفار، وهذا بطريق المفهوم يقتضي أنهم يحزنهم الفزع الأصغر، فإن لم يدل عليه فلا أقل من أن لا يدل على ثبوته ولا على عدمه.

الوجه الثاني: في تفسير قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ أن المراد الذين سبقت لهم منا الحسنى لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة، وعلى هذا القول بطل قول من يقول: إن جميع الناس يردون النار ثم يخرجون إلى الجنة، لأن هذه الآية مانعة منه وحينئذ يجب التوفيق بينه وبين قوله: ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا  ﴾ وقد تقدم.

الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا ﴾ والحسيس الصوت الذي يحس، وفيه سؤالان: الأول: أي وجه في أن لا يسمعوا حسيسها من البشارة ولو سمعوه لم يتغير حالهم.

قلنا: المراد تأكيد بعدهم عنها لأن من لم يدخلها وقرب منها قد يسمع حسيسها.

السؤال الثاني: أليس أن أهل الجنة يرون أهل النار فكيف لا يسمعون حسيس النار؟

الجواب: إذا حملناه على التأكيد زال هذا السؤال.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَهُمْ فِيمَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خالدون ﴾ والشهوة طلب النفس للذة يعني نعيمها مؤبد، قال العارفون: للنفوس شهوة وللقلوب شهوة وللأرواح شهوة، وقال الجنيد: سبقت العناية في البداية، فظهرت الولاية في النهاية.

الصفة الرابعة: قوله: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أنها النفخة الأخيرة لقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض  ﴾ .

وثانيها: أنه الموت قالوا: إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بعث الله تعالى جبريل عليه السلام ومعه الموت في صورة كبش أملح فيقول لأهل الدارين أتعرفون هذا فيقولون: لا فيقول هذا الموت ثم يذبحه ثم ينادي يا أهل الجنة خلود ولا موت أبداً، وكذلك لأهل النار، واحتج هذا القائل بأن قوله: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ﴾ إنما ذكر بعد قوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا خالدون  ﴾ فلابد وأن يكون لأحدهما تعلق بالآخر، والفزع الأكبر الذي هو ينافي الخلود هو الموت.

وثالثها: قال سعيد بن جبير هو إطباق النارعلى أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة، قال القاضي عبد الجبار: الأولى في ذلك إنه الفزع من النار عند مشاهدتها لأنه لا فزع أكبر من ذلك، فإذا بين تعالى أن ذلك لا يحزنهم فقد صح أن المؤمن آمن من أهوال يوم القيامة، وهذا ضعيف لأن عذاب النار على مراتب فعذاب الكفار أشد من عذاب الفساق، وإذا كانت مراتب التعذيب بالنار متفاوتة كانت مراتب الفزع منها متفاوتة، فلا يلزم من نفي الفزع الأكبر نفي الفزع من النار.

الصفة الخامسة: قوله: ﴿ وتتلقاهم الملئكة هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ قال الضحاك: هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم وأقوالهم ويقولون لهم مبشرين: ﴿ هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الحسنى ﴾ الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن: إمّا السعادة، وإما البشرى بالثواب وإما التوفيق للطاعة، يروى أنّ علياً رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم، وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، ثم أقيمت الصلاة فقام يجرّ رداءه وهو يقول: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا ﴾ والحسيس: الصوت يحس، والشهوة: طلب النفس اللذة.

وقرئ: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ ﴾ من أحزن.

و ﴿ الفزع الأكبر ﴾ قيل: النفخة الأخيرة، لقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض ﴾ [النمل: 87] وعن الحسن: الانصراف إلى النار.

وعن الضحاك: حين يطبق على النار.

وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح، أي ﴿ وتتلقاهم ﴾ تستقبلهم ﴿ الملائكة ﴾ مهنئين على أبواب الجنة.

ويقولون: هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم قد حلّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحُسْنى وهي السَّعادَةُ أوِ التَّوْفِيقُ بِالطّاعَةِ أوِ البُشْرى بِالجَنَّةِ.

﴿ أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ﴾ لِأنَّهم يُرْفَعُونَ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ.

رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ خَطَبَ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِنهم وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وسَعْدٌ وسَعِيدٌ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وابْنُ الجَرّاحِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَقامَ يَجُرُّ رِداءَهُ ويَقُولُ: ﴿ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها ﴾ وهو بَدَلٌ مِن ﴿ مُبْعَدُونَ ﴾ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ سِيقَ لِلْمُبالَغَةِ في إبْعادِهِمْ عَنْها، والحَسِيسُ صَوْتٌ يُحَسُّ بِهِ.

﴿ وَهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ ﴾ دائِمُونَ في غايَةِ التَّنَعُّمِ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاخْتِصاصِ والِاهْتِمامِ بِهِ.

﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴾ النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ أوِ الِانْصِرافُ إلى النّارِ أوْ حِينَ يُطْبَقُ عَلى النّارِ أوْ يُذْبَحُ المَوْتُ.

﴿ وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ تَسْتَقْبِلُهم مُهَنِّئِينَ لَهم.

﴿ هَذا يَوْمُكُمُ ﴾ يَوْمُ ثَوابِكم وهو مُقَدَّرٌ بِالقَوْلِ.

﴿ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى} الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو التوفيق للطاعة نزلت جوابا بالقول ابن الزبعري عند تلاوته عليه السلام على صناديد قريش إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله إلى قوله خالدون أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى المسيح وبنو مليح الملائكة على أن قوله وما تعبدون لايتنا ولهم لأن مالمن لا يعقل إلا أنهم أهل عناد فزيد

في البيان {أولئك} يعني عزيراً والمسيح والملائكة {عَنْهَا} عن جهنم {مُبْعَدُونَ} لأنهم لم يرضوا بعبادتهم وقيل المراد بقوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى جميع المؤمنين لما روي ان عليا رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وقال الجنيد رحمه الله سبقت لهم منا العناية في البداية فظهرت لهم الولاية في النهاية

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ أيِ الخَصْلَةُ المُفَضَّلَةُ في الحُسْنِ وهي السَّعادَةُ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ لِلطّاعَةِ، والمُرادُ مِن سَبَقَ ذَلِكَ تَقْدِيرُهُ في الأزَلِ، وقِيلَ: الحُسْنى الكَلِمَةُ الحُسْنى وهي المُتَضَمِّنَةُ لِلْبِشارَةِ بِثَوابِهِمْ وشُكْرِ أعْمالِهِمْ، والمُرادُ مِن سَبَقَ ذَلِكَ تَقَدُّمُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ  ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يُخَصِّصُ، وما ذُكِرَ في بَعْضِ الآثارِ مِن تَفْسِيرِهِ بِعِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهو مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ حَيْثُ إنَّهُ السَّبَبُ في النُّزُولِ.

ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاطِبٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ فَسَّرَ المَوْصُولَ بِعُثْمانَ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وجَماعَةٌ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قَرَأ الآيَةَ فَقالَ: أنا مِنهم وعُمَرُ مِنهم وعُثْمانُ مِنهم والزُّبَيْرُ مِنهم وطَلْحَةُ مِنهم وسَعْدُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنهم كَذا رَأيْتُهُ في الدُّرِّ المَنثُورِ، ورَأيْتُ في غَيْرِهِ عَدَّ العَشْرَةَ المُبَشَّرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، والجُدْرانُ مُتَعَلِّقانِ بِسَبَقَتْ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ في الثّانِي كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ ووَقَعَ حالًا مِنَ ( الحُسْنى ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ والفَضْلِ أيْ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النَّعْتِ ﴿ عَنْها ﴾ أيْ عَنْ جَهَنَّمَ ﴿ مُبْعَدُونَ ﴾ لِأنَّهم في الجَنَّةِ وشَتّانَ بَيْنَها وبَيْنَ النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ، يعني: في النار صوتهم مثل نهيق الحمار.

وَهُمْ فِيها لاَ يَسْمَعُونَ، يعني: عيسى وعزيرا عليهما السلام في الجنة لا يسمعون زفيرهم.

ويقال: يعني، أن أهل النار لا يسمعون في النار الصوت، وذلك حين يقال لهم: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ، فصاروا صماً بكماً عمياً.

ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى، يعني: الذين وجبت لهم منا الجنة، وهم: عيسى وعزيراً.

أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ، يعني: منجون من النار.

قوله: لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَها، يعني: صوت جهنم وَهُمْ فِي مَا يعني: في الجنة اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ، يعني: تمنت أنفسهم في الجنة.

خالِدُونَ، يعني: دائمين.

لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ قال ابن عباس  يعني: النفخة الأخيرة ودليله قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ [النمل: 87] ، وقال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار، وقال مقاتل: إذا ذبح الموت بين الجنة والنار، فيأمن أهل الجنة من الموت ويفزع أهل النار، فيفزعون حين أيسوا من الموت.

وقال الكلبي، وسعيد بن جبير، والضحاك: إنه حين وضع الطبق على النار بعد ما أخرج منها من أخرج، فيفزعون لذلك فزعاً لم يفزعوا لشيء قط، وذلك الفزع الأكبر.

وقال مقاتل وابن شريح: حين يذبح الموت على هيئة كبش أملح على الأعراف، والفريقان ينظرون فينادى: يا أهل الجنة، خلود لا موت، ويا أهل النار، خلود لا موت.

وقال ذو النون المصري: هو القطيعة والفراق، ويقال: إنه الموت، لأن أول هول يراه الإنسان من أمر الآخرة هو الموت ويقال: الفزع الأكبر عند قوله: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: 59] ويقال: هذا حين دعوا إلى الحساب، ويقال: عند الصراط.

ثم قال تعالى: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ، يعني: يوم القيامة لأهل الجنة.

قال مقاتل: يعني الملائكة الذين كتبوا أعمال بني آدم، حين خرجوا من قبورهم فيقولون للمؤمنين: هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الجنة.

وقال الكلبي: تتلقاهم الملائكة عند باب الجنة ويبشرونهم بذلك، ويقولون: هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقرأ ابن مسعود «١» : «وَهُمْ مِنْ كُلِّ جَدَثٍ» بالجيم والثاء المثلثة، وهذه القراءة تؤيّد ٢٠ ب/ هذا التأويل، ويَنْسِلُونَ: معناه: يسرعون في تطامن، وأسند الطبريُّ عن أبي سعيد قال: «يخرج يأجوج ومأجوج فلا يتركون أحداً إلاَّ قتلوه، إلاَّ أَهْلَ الحصون، فيمرُّون على بحيرة طبرية فيمر آخرهم فيقول: كان هنا مرة ماء، قال فيبعث الله عليهم النَغَف حتى تكسر أعناقهم، فيقول أهل الحصون: لقد هلك أَعداءُ الله، فيدلون رجلاً ينظر، فيجدهم قد هلكوا، قال: فينزل الله من السماء ماءً فيقذف بهم في البحر، فيطهر الله الأَرض منهم» «٢» وفي حديث حذيفة نحوُ هذا، وفي آخره قال: وعند ذلك طلوعُ الشمس من مغربها.

وقوله سبحانه: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ يريد يومَ القيامة.

وقوله: [فَإِذا] «٣» هِيَ: مذهب سيبويه أنها ضمير القِصَّةِ، وجَوَّز الفرَّاء أن تكون ضمير الإبصار، تقدمت لدَلالة الكلام، ومجيء ما يفسرها، والشخوص بالبصر إحداد النظر دون أن يطرف، وذلك يعترى من الخوف المُفْرِطِ ونحوه، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ...

الآية: هذه الآية مُخَاطَبَةٌ لكُفَّارِ مَكَّةَ، أي: إنكم وأصنامكم حصب جهنم، والحصب: ما توقد به النَّار إمّا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى قُرَيْشٍ، وقالُوا: شَتَمَ آلِهَتَنا، فَجاءَ ابْنُ الزِّبَعْرى فَقالَ: ما لَكم ؟

قالُوا: شَتَمَ آلِهَتَنا، قالَ: وما قالَ ؟

فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: ادْعُوهُ لِي، فَلَمّا دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَ: يا مُحَمَّدُ؛ هَذا شَيْءٌ لِآلِهَتِنا خاصَّةً، أوْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ ؟

قالَ: " لا، بَلْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ "، فَقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: خُصِمْتَ ورَبِّ هَذِهِ البِنْيَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ المَلائِكَةَ عِبادٌ صالِحُونَ، وأنَّ عِيسى عَبْدٌ صالِحٌ، وأنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صالِحٌ، فَهَذِهِ بَنُو مُلَيْحٍ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ النَّصارى تَعْبُدُ عِيسى، وهَذِهِ اليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، فَضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما تَعْبُدُونَ ﴾ : الأصْنامَ دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ المَلائِكَةَ والنّاسَ لَقالَ: ( ومَن ) .

وقِيلَ: " إنَّ " بِمَعْنى ( إلّا )، فَتَقْدِيرُهُ: إلّا الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي نَهِيكٍ، فَإنَّهُما قَرَءا: ( إلّا الَّذِينَ ) .

ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: أنا مِنهم، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ.

وَفِي المُرادِ " بِالحُسْنى " قَوْلانِ: أحَدُهُما: الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: السَّعادَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَنْها ﴾ ؛ أيْ: عَنْ جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها.

﴿ مُبْعَدُونَ ﴾ والبُعْدُ: طُولُ المَسافَةِ، والحَسِيسُ: الصَّوْتُ تَسْمَعُهُ مِنَ الشَّيْءِ إذا مَرَّ قَرِيبًا مِنكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْمَعُ أهْلُ الجَنَّةِ حَسِيسَ أهْلِ النّارِ إذا نَزَلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو جَعْفَرٍ الشِّيْزَرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: ( لا يُحْزِنُهم ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ.

وَفِي الفَزَعِ الأكْبَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهَذِهِ النَّفْخَةِ يَقُومُ النّاسُ مِن قُبُورِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ إطْباقُ النّارِ عَلى أهْلِها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ذَبْحُ المَوْتِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ حِينَ يُؤْمَرُ بِالعَبْدِ إلى النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.

وَفِي مَكانِ تَلَقِّي المَلائِكَةِ لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا قامُوا مِن قُبُورِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُكُمُ ﴾ فِيهِ إضْمارٌ: يَقُولُونَ، هَذا يَوْمُكُمُ ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ فِيهِ الجَنَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ ﴾ وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ: ( تُطْوى ) بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ ( السَّماءُ ) بِالرَّفْعِ، وذَلِكَ بِمَحْوِ رُسُومِها، وتَكْدِيرِ نُجُومِها، وتَكْوِيرِ شَمْسِها.

﴿ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( السِّجِلِّ ) بِكَسْرِ السِّينِ والجِيمِ وتَشْدِيدِ اللّامِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وَأبُو الجَوْزاءِ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( السِّجْلِ ) بِكَسْرِ السِّينِ وإسْكانِ الجِيمِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الجِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْكُتُبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( لِلْكِتابِ ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( لِلْكُتُبِ ) عَلى الجَمْعِ.

وَفِي ( السِّجِلِّ ) أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ كاتِبٌ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ السِّجِلَّ بِمَعْنى: الرَّجُلِ، رَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: السِّجِلُّ: هو الرَّجُلُ.

قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: وقَدْ قِيلَ: ( السِّجِلُّ ) بِلُغَةِ الحَبَشَةِ: الرَّجُلُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الصَّحِيفَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ، قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ، يَعْنِي - ابْنَ دُرَيْدٍ -: السِّجِلُّ: الكِتابُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ولا ألْتَفِتُ إلى قَوْلِهِمْ: إنَّهُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، والمَعْنى: كَما يُطْوى السِّجِلُّ عَلى ما فِيهِ مِن كِتابٍ.

واللّامُ بِمَعْنى عَلى.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالكِتابِ: المَكْتُوبُ، فَلَمّا كانَ المَكْتُوبُ يَنْطَوِي بِانْطِواءِ الصَّحِيفَةِ، جُعِلَ السِّجِلُّ كَأنَّهُ يَطْوِي الكِتابَ.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ الخَلْقُ هاهُنا مَصْدَرٌ، ولَيْسَ بِمَعْنى المَخْلُوقِ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: كَما بَدَأْناهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، كَذَلِكَ نُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «يُحْشُرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عُراةً حُفاةً غُرْلًا كَما خُلِقُوا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ "»، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إنّا نُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ السَّماءَ تُمْطِرُ أرْبَعِينَ يَوْمًا كَمَنِيِّ الرِّجالِ، فَيَنْبُتُونَ بِالمَطَرِ في قُبُورِهِمْ كَما يَنْبُتُونَ في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: قُدْرَتُنا عَلى الإعادَةِ كَقُدْرَتِنا عَلى الِابْتِداءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعْدًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ نُعِيدُهُ ﴾ بِمَعْنى: وعَدْنا هَذا وعْدًا.

﴿ إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ؛ أيْ: قادِرِينَ عَلى فِعْلِ ما نَشاءُ.

وقالَ غَيْرُهُ: إنّا كُنّا فاعِلِينَ ما وعَدْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الزَّبُورَ: جَمِيعُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ السَّماءِ، والذِّكْرَ: أُمُّ الكِتابِ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ، فَإنَّهُ قالَ: الزَّبُورُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، والذِّكْرُ: الَّذِي في السَّماءِ.

والثّانِي: أنَّ الزَّبُورَ: الكُتُبُ، والذِّكْرَ: التَّوْراةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الزَّبُورَ: القُرْآنُ، والذِّكْرَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الزَّبُورَ: زَبُورُ داوُدَ، والذِّكْرَ: ذِكْرُ مُوسى، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

وفي الأرْضِ المَذْكُورَةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أرْضُ الجَنَّةِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أرْضُ الدُّنْيا، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ: تَرِثُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ أرْضَ الدُّنْيا بِالفُتُوحِ.

والثّانِي: بَنُو إسْرائِيلَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ صالِحٍ، قالَهُ بَعْضُ فُقَهاءِ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في هَذا ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ لَبَلاغًا ﴾ ؛ أيْ: لَكِفايَةً، والمَعْنى: أنَّ مَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ وعَمِلَ بِهِ، كانَ القُرْآنُ بَلاغَهُ إلى الجَنَّةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ عابِدِينَ ﴾ قالَ كَعْبٌ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  الَّذِينَ يُصَلُّونَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، ويَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا عامٌّ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، فَمَن آمَنَ بِهِ تَمَّتْ لَهُ الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن كَفَرَ بِهِ صُرِفَتْ عَنْهُ العُقُوبَةُ إلى المَوْتِ والقِيامَةِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو رَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِهِ خاصَّةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عنها مُبْعَدُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ ﴾ ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى مَن يَعْقِلُ مِمَّنْ تَوَعَّدَ.

و"الزَفِيرُ": صَوْتُ المُعَذَّبِ، وهو كَشَهِيقِ الحَمِيرِ وشِبْهِهِ إلّا أنَّهُ مِنَ الصَدْرِ، وقَوْلُهُ: "لا يَسْمَعُونَ" قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لا يَسْمَعُونَ خَيْرًا ولا سارًّا مِنَ القَوْلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ عَذابَهم أنْ يُجْعَلُوا في تَوابِيتَ في داخِلِ تَوابِيتَ أُخَرَ فَيَصِيرُونَ هُنالِكَ لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا.

ولَمّا اعْتَرَضَ ابْنُ الزِبَعْرى بِأمْرِ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ، وُعُزَيْرٍ نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ مُبَيِّنَةً أنَّ هَؤُلاءِ لَيْسُوا تَحْتَ المُرادِ لِأنَّهم لَمْ يَرْضَوْا ذَلِكَ ولا دَعَوْا إلَيْهِ، و"الحُسْنى" يُرِيدُ كَلِمَةَ الرَحْمَةِ والحَتْمِ بِالتَفْضِيلِ.

و"الحَسِيسُ": الصَوْتُ، وهو بِالجُمْلَةِ ما يَتَأدّى إلى الحِسِّ مِن حَرَكَةِ الأجْرامِ، وهَذِهِ صِفَةٌ لَهم بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةِ، لِأنَّ الحَدِيثَ يَقْتَضِي أنَّ في المَوْقِفِ تَزْفَرُ جَهَنَّمُ زَفْرَةً لا يَبْقى نَبِيٌّ ولا مَلَكٌ إلّا جَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ.

و"الفَزَعُ الأكْبَرُ" عامٌّ في كُلِّ هَوْلٍ يَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَكَأنْ يَوْمَ القِيامَةِ بِجُمْلَتِهِ هو الفَزَعُ الأكْبَرُ، وإنْ خُصِّصَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَيَجِبُ أنْ يُقْصَدَ لِأعْظَمِ هَوْلِهِ.

قالَتْ فِرْقَةٌ في ذَلِكَ: هو ذَبْحُ المَوْتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو وُقُوعُ طَبَقِ جَهَنَّمَ عَلى جَهَنَّمَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو الأمْرُ بِأهْلِ النارِ إلى النارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو وقْتُ النَفْخَةِ الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وما قَبْلَهُ مِنَ الأوقاتِ أشْبَهُ أنْ يَكُونَ فِيها الفَزَعُ لِأنَّها وقْتٌ لِرَجْمِ الظُنُونِ وتَعَرُّضِ الحَوادِثِ، فَأمّا وقْتُ ذَبْحِ المَوْتِ ووَقْعِ طَبَقِ جَهَنَّمَ فَوَقْتٌ قَدْ حُصِّلَ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، فَذَلِكَ فَزَعٌ بَيِّنٌ أنَّهُ لا يُصِيبُ أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَضْلًا عَنِ الأنْبِياءِ، اللهم إلّا أنْ يُرِيدَ: لا يَحْزُنُهُمُ الشَيْءُ الَّذِي هو عِنْدَ أهْلِ النارِ فَزَعٌ أكْبَرُ، فَأمّا إنْ كانَ فَزَعًا لِلْجَمِيعِ فَلا بُدَّ مِمّا قُلْنا مِن أنَّهُ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ.

وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ يَعُمْ كُلَّ مُؤْمِنٍ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: عُثْمانُ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وِلا مِرْيَةَ أنَّها مَعَ نُزُولِها في خُصُوصٍ مَقْصُودٍ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن سُعِدَ في الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ يُرِيدُ بِالسَلامِ عَلَيْهِمْ والتَبْشِيرِ لَهُمْ، أيْ: هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي وُعِدْتُمْ فِيهِ الثَوابَ والنَعِيمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً دعا إليه مقابلة حكاية حال الكافرين وما يقال لهم يوم القيامة بحكاية ما يلقاه الذين آمنوا يوم القيامة وما يقال لهم.

فالذين سبقت لهم الحسنى هم الفريق المقابل لفريق القرية التي سبق في علم الله إهلاكها، ولما كان فريق القرية هم المشركين فالفريق المقابل له هم المؤمنون.

ولا علاقة لهذه الجملة بجملة ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ [الأنبياء: 98] ولا هي مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿ وما تعبدون من دون الله ﴾ بل قوله تعالى: ﴿ والذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ عام يعم كل مؤمن مات على الإيمان والعمل الصالح.

والسبق، حقيقته: تجاوز الغير في السير إلى مكان معين، ومنه سباق الخيل، واستعمل هنا مجازاً في ثبوت الأمن في الماضي، يقال كان هذا في العصور السابقة، أي التي مضت أزمانها لما بين السبق وبين التقدم من الملازمة، أي الذين حصلت لهم الحسنى في الدنيا، أي حصل لهم الإيمان والعمل الصالح من الله، أي بتوفيقه وتقديره، كما حصل الإهلاك لأضدادهم بما قدر لهم من الخذلان.

والحسنى: الحالة الحسنة في الدين، قال تعالى: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ [يونس: 26] أو الموعدة الحسنى، أي تقرّرَ وعد الله إياهم بالمعاملة الحسنى.

وتقدم في سورة يونس.

وذِكر الموصول في تعريفهم لأن الموصول للإيماء إلى أن سبب فوزهم هو سبق تقدير الهداية لهم.

وذِكر اسم الإشارة بعد ذلك لتمييزهم بتلك الحالة الحسنة، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما يذكر بعد اسم الإشارة من أجل ما تقدم على اسم الإشارة من الأوصاف، وهو سبق الحسنى من الله.

واختير اسم إشارة البعيد للإيماء إلى رفعة منزلتهم، والرفعةُ تشبه بالبعد.

وجملة ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ بيان لمعنى مبعَدون، أي مبعدون عنها بعداً شديداً بحيث لا يلفحهم حرّها ولا يروعهم منظرها ولا يسمعون صوتها، والصوت يبلغ إلى السمع مِنْ أبعد مما يبلغ منه المرئي.

والحسيس: الصوت الذي يبلغ الحس، أي الصوت الذي يسمع من بعيد، أي لا يقربون من النار ولا تبلغ أسماعهم أصواتُها، فهم سالمون من الفزع من أصواتها فلا يقرع أسماعهم ما يؤلمها.

وعقّب ذلك بما هو أخص من السلامة وهو النعيم الملائم.

وجيء فيه بما يدل على العموم وهو ﴿ فيما اشتهت أنفسهم ﴾ وما يدلّ على الدوام وهو ﴿ خالدون ﴾ .

والشهوة: تشوق النفس إلى ما يلَذّ لها.

وجملة ﴿ لا يحزنهم الفزع ﴾ خبر ثان عن الموصول.

والفزع: نفرة النفس وانقباضها مما تتوقع أن يحصل لها من الألم وهو قريب من الجَزع.

والمراد به هنا فزع الحشر حين لا يعرف أحد ما سيؤول إليه أمره، فيكونون في أمن من ذلك بطمأنة الملائكة إياهم.

وذلك مفاد قوله تعالى: ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ فهؤلاء الذين سبقت لهم الحسنى هم المراد من الاستثناء في قوله تعالى: ﴿ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا مَن شاء الله ﴾ [النمل: 87].

والتلقي: التعرض للشيء عند حلوله تعرض كرامة.

والصيغة تشعر بتكلف لقائه وهو تكلف تهيؤ واستعداد.

وجملة ﴿ هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ مقول لقول محذوف، أي يقولون لهم: هذا يومكم الذي كنتم توعدون، تذكيراً لهم بما وُعدوا في الدنيا من الثواب، لئلا يحسبوا أن الموعود به يقع في يوم آخر.

أي هذا يوم تعجيل وعدكم.

والإشارة باسم إشارة القريب لتعيين اليوم وتمييزه بأنه اليوم الحاضر.

وإضافة (يوم) إلى ضمير المخاطبين لإفادة اختصاصه بهم وكون فائدتهم حاصلة فيه كقول جرير: يا أيها الراكب المزجي مطيته *** هذا زمَانُك إني قد خلا زمني أي هذا الزمن المختص بك، أي لتتصرف فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وقُودُ جَهَنَّمَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ حَطَبُ جَهَنَّمَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعائِشَةُ: حَطَبُ جَهَنَّمَ.

الثّالِثُ: أنَّهم يُرْمَوْنَ فِيها كَما يُرْمى بِالحَصْباءِ، حَتّى كَأنَّ جَهَنَّمَ تُحَصَّبُ بِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ يَضْرِبُنا بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورُ يَعْنِي الثَّلْجَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: حَضَبَ جَهَنَّمَ، بِالضّادِ مُعْجَمَةً.

قالَ الكِسائِيُّ: حَضَّبْتَ النّارَ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ إذا أجَّجْتَها فَألْقَيْتَ فِيها ما يُشْعِلُها مِنَ الحَطَبِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الطّاعَةُ لِلَّهِ تَعالى: حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

والثّانِي: السَّعادَةُ مِنَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: الجَنَّةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: أنَّها التَّوْبَةُ.

﴿ أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ﴾ يَعْنِي عَنْ جَهَنَّمَ.

وَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم عِيسى والعُزَيْرُ والمَلائِكَةُ الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ وهم كارِهُونَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّهم عُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ، رَواهُ النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.

الثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ مَن سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الحُسْنى.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما حُكِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: فالمَسِيحُ والعُزَيْرُ والمَلائِكَةُ قَدْ عُبِدُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ﴾ » يَعْنِي عَنْ جَهَنَّمَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ مَحْمُولًا عَلى مَن عَذَّبَهُ رَبُّهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الفَزَعَ الأكْبَرَ النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهُ ذَبْحُ المَوْتِ، حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: حِينَ تُطْبِقُ جَهَنَّمُ عَلى أهْلِها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: أنَّهُ العَرْضُ في المَحْشَرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو داود في ناسخه والحاكم وصححه من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ قال المشركون: فالملائكة وعيسى وعزير، يعبدون من دون الله.

فنزلت ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ عيسى وعزير والملائكة.

وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تزعم أن الله أنزل عليه هذه الآية ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ قال ابن الزبعرى: قد عبدت الشمس، والقمر والملائكة، وعزير وعيسى ابن مريم، كل هؤلاء في النار مع آلهتنا، فنزلت ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون ﴾ [ الزخرف: 57] ثم نزلت ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ .

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه والطبراني من وجه آخر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ شق ذلك على أهل مكة.

وقالوا: شتم الآلهة.

فقال ابن الزبعرى: أنا أخصم لكم محمداً، ادعوه لي فدعي.

فقال: يا محمد، هذا شيء لآلهتنا خاصة؟

أم لكل عبد من دون الله؟

قال: بل لكل من عبد من دون الله فقال ابن الزبعرى: خصمت.

ورب هذه البنية، يعني الكعبة، ألست تزعم يا محمد، أن عيسى عبد صالح، وأن عزيراً عبد صالح، وأن الملائكة صالحون؟

قال: بلى.

قال: فهذه النصارى تعبد عيسى.

وهذه اليهود.

تعبد عزيراً، وهذه بنو مليح تعبد الملائكة، فضج أهل مكة وفرحوا!

فنزلت ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ عزير وعيسى والملائكة ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ ونزلت ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون ﴾ [ الزخرف: 57] قال: وهو الصحيح.

وأخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ ثم نسختها ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ يعني عيسى ومن كان معه.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ يعني الآلهة ومن يعبدها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: وقودها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: شجر جهنم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: حطب جهنم بالزنجية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: حطب جهنم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: يقذفون فيها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: حطبها.

قال بعض القراء ﴿ حطب جهنم ﴾ من قراءة عائشة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ حصب جهنم ﴾ يقول: إن جهنم تحصب بهم، وهو الرمي: يقول: يرمي بهم فيها.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ حضب جهنم ﴾ بالضاد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في صفة النار، والطبراني والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا بقي في النار من يخلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد نار، فيها مسامير من حديد نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من حديد، ثم قذفوا في أسفل الجحيم فما يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره.

ثم قرأ مسعود رضي الله عنه ﴿ لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ قال: عيسى والملائكة وعزير» .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أصبغ، عن علي في قوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ الآية.

قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار، إلا الشمس والقمر وعيسى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ قال: أولئك أولياء الله، يمرون على الصراط مراً هو أسرع من البرق فلا تصيبهم و ﴿ يسمعون حسيسها ﴾ ويبقى الكفار فيها حبيساً.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه، عن النعمان بن بشير: أن علياً قرأ ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ فقال: أنا منهم وعمر منهم وعثمان منهم والزبير منهم وطلحة منهم وسعد وعبد الرحمن منهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي عثمان النهدي في قوله: ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قالوا: حس..

حس.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ قال: حيات على الصراط تقول: حس حس» .

وأخرج ابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ قال: السعادة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير، عن محمد بن حاطب قال: سئل علي عن هذه الآية ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ قال: هو عثمان وأصحابه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ يقول: لا يسمع أهل الجنة حسيس أهل النار إذا نزلوا منازلهم من الجنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سفيان ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ قال: صوتها.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال في سورة الأنبياء ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ إلى قوله: ﴿ وهم فيها لا يسمعون ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ فقد عبدت الملائكة من دون الله وعزير وعيسى.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: يقول ناس من الناس: إن الله قال: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ يعني من الناس أجمعين، وليس كذلك إنما يعني من يعبد الله تعالى، وهو لله مطيع مثل عيسى وأمه وعزير والملائكة.

واستثنى الله تعالى هؤلاء من الآلهة المعبودة التي هي مع من يعبدها في النار.

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: أذا أطبقت جهنم على أهلها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ يعني النفخة الآخرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: النار إذا أطبقت على أهلها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: إذا أطبقت النار عليهم، يعني على الكفار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: انصراف العبد حين يؤمر به إلى النار.

وأخرج ابن جرير في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: حين تطبق جهنم.

وقال: حين ذبح الموت.

وأخرج البزار وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للمهاجرين منابر من ذهب يجلسون عليها يوم القيامة قد أمنوا من الفزع» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: «بشر المدلجين في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزعون» .

وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: «المتحابون في الله في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله على منابر من نور، يفزع الناس ولا يفزعون» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة على كثبان المسك لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة: رجل أمَّ قوماً وهم به راضون، ورجل كان يؤذن في كل يوم وليلة، وعبد أدى حق الله وحق مواليه» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وتتلقاهم الملائكة ﴾ قال: تتلقاهم الملائكة الذين كانوا قرناءهم في الدنيا يوم القيامة، فيقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ قال: هذا قبل أن يدخلوا الجنة.

وأخرج عبد بن حميد عن علي في قوله: ﴿ كطي السجل ﴾ قال: ملك.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية قال: السجل، اسم ملك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل ﴾ قال: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبوها نوراً.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي جعفر الباقر قال: السجل ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له، فأبصر فيها خلق آدم وما فيه من الأمور فأسّر ذلك إلى هاروت وماروت، فلما قال تعالى: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [ البقرة: 30] قال: ذلك استطالة على الملائكة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن السدي قال: السجل ملك موكل بالصحف، فإذا مات دفع كتابه إلى السجل فطواه ورفعه إلى يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في الآية قال: السجل، الصحيفة.

وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده في المعرفة، وابن مردويه والبيهقي في سننه وصححه عن ابن عباس قال: السجل، كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن المنذر وابن عدي وابن عساكر، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى عليه وسلم كاتب يسمى السجل، وهو قوله: ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ﴾ .

وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عباس قال: السجل، هو الرجل، زاد ابن مردويه بلغة الحبشة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كطي السجل للكتب ﴾ قال: كطي الصحيفة على الكتاب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بدأنا أوّل خلق نعيده ﴾ يقول: نهلك كل شيء كما كان أوّل مرة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ كما بدأنا أوّل خلق نعيده ﴾ قال: عراة حفاة غرلاً.

وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت: «دخل عليّ رسول الله صلى عليه وسلم وعندي عجوز من بني عامر فقال: من هذه العجوز يا عائشة؟

فقلت: إحدى خالاتي.

فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة.

فقال: إن الجنة لا يدخلها العجوز.

فأخذ العجوز ما أخذها فقال: إن الله تعالى ينشئهن خلقاً غير خلقهن، ثم قال: تحشرون حفاة عراة غلفاً.

فقالت: حاشا لله من ذلك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى.

إن الله تعالى قال: ﴿ كما بدأنا أوّل خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين ﴾ فأول من يكسى إبراهيم خليل الرحمن» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: يبعثهم الله يوم القيامة على قامة آدم وجسمه، ولسانه السريانية، عراة حفاة غرلاً كما ولدوا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ﴾ الآية، قال الكلبي: أتى رسول الله -  - قريشًا، وهم في المسجد مجتمعون، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فتلا عليهم: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ الآيات الثلاث، فشق ذلك عليهم، فأتاهم عبد الله بن الزبعري السهمي، فرآهم قد ظهر ذلك منهم، فقال: مالي أراكم بحال لم أركم (١) وقالوا: وهل لك أن نرسل إليه (٢) (٣)  - إذا بعثت (٤) (٥) (٦) (٧)  - رجاء أن يأتيه جبريل، ولم يجبهم ساعة، فأنزل الله هذه الآية (٨) وروى أن النبي -  - قال لابن الزبعرى: بل هم يعبدون الشياطين، هي التي أمرتهم بذلك.

وأنزل الله هذه الآية (٩) وأراد بقوله: ﴿ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ﴾ عزيرًا، وعيسى، والملائكة.

وهذا قول يروى عن ابن عباس (١٠) (١١) وقال آخرون: هذه الآية مستأنفة ليست ترجع بمعناها إلى ما قبلها، وهي عامة في كل من سبقت لهم (١٢) وهذا مذهب أمير المؤمنين علي -  - روي أنه قال: أنا منهم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد (١٣) (١٤) (١٥) وهذا اختيار أكثر (١٦) ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ أراد أوثان قريش، ولو كان عزير وعيسى والملائكة داخلًا تحت الكلام لقيل: ومن تعبدون، ولأن الخطاب (١٧) ﴿ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ﴾ إلى تلك الأصنام التي وقف عليها رسول الله -  - وكانت حول الكعبة.

وقوله لآبن الزبعري هي عامة يعني في ما عبد من دون الله من غير العقلاء، وسكوته عند إلزامه إياه حديث عزير وعيسى إنما كان لإرادة أن يكون الجواب من الله إنْ صح أنه سكت.

ومعنى قوله: ﴿ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ﴾ قال ابن عباس وعكرمة: يريد الرحمة (١٨) وقال ابن زيد: السعادة من الله لأهلها (١٩) وروي عن ابن عباس: الحسنى الجنة (٢٠) (١) في (أ): (أراكم).

(٢) في (أ): (الله).

وهو خطأ.

(٣) فتكلمه: ساقطة من (د)، (ع).

وهي في (أ): (فيكلمه)، والصواب ما أثبتنا.

(٤) في (أ)، (ع): (بعث).

(٥) بنو مليح: بطن هن خزاعة، من القحطانية.

وهم بنو مليح بن عمرو بن عامر بن لحي.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 238، "معجم قبائل العرب" لكحالة 3/ 1138.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٧) في (أ): (معبودهم).

(٨) ذكره عن الكلبي: هودُ بن محكّم الهواري.

والكلبي متهم بالكذب فلا يعتمد عليه في رواية.

قال ابن عطية 1/ 213.

ولا مرية أنها مع نزولها في خصوص مقصود تتناول كل من سعد في الآخرة.

(٩) روى الطبري 17/ 97 عن محمد بن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فذكره مرفوعًا بنحوه.

وإسناده لا يصح لضعف شيخ الطبري محمد بن حميد، ولإرساله.

(١٠) روى الطبري 17/ 96 من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

وفيه عطاء بن السائب قد اختلط في آخره.

لكن يشهد له رواه البزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" 3/ 59 عنه بلفظ: عيسى بن مريم -  - ومن كان معه.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 68: رواه == البزار، وفيه شرحبيل بن سعد مولى الأنصار وثقه ابن معين وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.

(١١) روى الطبري في "تفسيره" 17/ 69 - 97 هذا القول عن مجاهد وسعيد وأبي صالح والضحاك.

(١٢) في (أ): (له).

(١٣) هو سعد بن أبي وقاص.

(١٤) هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، العدوي، القرشي.

أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن السابقين الأولين، شهد المشاهد مع رسول الله -  -، وشهد حصار دمشق وفتحها، فولاه عليها أبو عبيدة بن الجراح.

توفي بالعقيق سنة 50 هـ وقيل: 51 هـ وحمل إلى المدنية.

"الاستيعاب" 2/ 614، "سير أعلام النبلاء" 1/ 124، "الإصابة" 2/ 44.

(١٥) قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" 2/ 372 - 374: رواه ابن أبي حاتم، والثعلبي، وابن مردويه في تفاسيرهم، من حديث محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، ثنا ليث -وتصحف في المطبوع إلى ليس- بن أبي سليم، عن ابن عم النعمان بن بشير- وفي المطبوع من "الدر المنثور" 5/ 681: عن النعمان بن بشير، وهو خطأ- وكان من سمار علي قال: تلا علي ..

ثم قال الزلعي بعد سياقه للأثر: انتهى بلفظ الثعلبي لم يذكر فيه سعدًا، ولفظ ابن أبي حاتم: وعبد الرحمن بن عوف أو قال: سعد، شك فيه.

ورواه ابن عدي في الكامل عن داود بن علية الحارثي، عن ليث بن أبي سليم، == به، فذكره، ولم يذكر سعدًا كالثعلبي.

أهـ كلام الزيلعي.

وفي النسخة الموجودة عندي من "تفسير الثعلبي" 3/ 44 ب ذكر سعدًا في الأثر، فلعله سقط من نسخته التي اعتمد عليه.

والأثر عند ابن عدي في "الكامل" 3/ 986.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 682 وعزاه لابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه.

وهذا الأثر عن علي -  - فيه علتان: الأولى: ضعف ليث بن أبي سليم، والثانية: جهالة ابن عم النعمان بن بشير.

وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه 12/ 51 - 52، والطبري في "تفسيره" 17/ 96، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 198 عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليًّا يخطب، فقرأ هذه الآية "إن الذين سبقت ..

قال عثمان -  - منهم".

ولفظ ابن أبي حاتم: عثمان وأصحابه.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 681 - 682 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير.

وإسناده صحيح.

(١٦) أكثر: ساقطة من (د)، (ع).

(١٧) في (د)، (ع): (الكلام).

(١٨) ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 393 عن ابن عباس وعكرمة أنهما قالا: الجنة.

(١٩) رواه الطبري 17/ 98، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 681 وعزاه لابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم.

(٢٠) ذكره عنه ابن الجوزي كما تقدم.

وانظر: "تنوير المقباس" ص 205.

وشهد لهذا قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ  ﴾ .

والمعاني في تفسير "الحسنى" متقاربة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى ﴾ سبقت أي: قُضيت في الأزل، والحسنى السعادة، ونزلت الآية لما اعترض ابن الزبعرى على قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98]، فقال: إن عيسى وعزير والملائكة قد عُبدوا؛ فالمعنى إخراج هؤلاء من ذلك الوعيد، واللفظ مع ذلك على عمومه في كل من سبقت له السعادة ﴿ حَسِيسَهَا ﴾ أي صوتها ﴿ الفزع الأكبر ﴾ أهوال القيامة على الجملة، وقيل ذبح الموت وقيل: النفخة الأولى في الصور لقوله: ﴿ فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض ﴾ [النمل: 87] ﴿ كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ ﴾ السجل الصحيفة والكتاب مصدر: أي كما يطوي السجل ليكتب فيه، أو ليصان الكتاب الذي فيه، وقيل: السجل رجل كاتب وهذا ضعيف، وقيل: هو ملك في السماء الثانية: ترفع إليه الأعمال، وهذا أيضاً ضعيف ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ أي كما قدرنا على البداءة نقدر على الإعادة، فهو كقوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [يس: 79]، وقيل: المعنى نعيدهم على الصورة التي بدأناهم كما جاء في الحديث: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً» ثم قرأ: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ ، والكاف متعلقة بقوله بقوله: ﴿ نُّعِيدُهُ ﴾ ﴿ فَاعِلِينَ ﴾ تأكيداً لوقوع البعث.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وحرم ﴾ بكسر الحاء: حمزة وعلي وعاصم غير حفص وأبي زيد عن المفضل ﴿ فتحت ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد ويعقوب.

﴿ لا يحزنهم ﴾ بضم الياء وكسر الزاء يزيد ﴿ نطوي ﴾ بضم التاء الفوقانية وفتح الواو ﴿ والسماء ﴾ بالرفع: يزيد.

﴿ للكتب ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ بدأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ قال ﴾ بالألف على حكاية قول الرسول ﴿ رب ﴾ بحذف الياء اكتفاء بالكسرة: حفص غير الخراز ﴿ رب ﴾ بضم الباء على أنه مبتدأ ﴿ احكم ﴾ على صيغة التفضيل.

يزيد عن يعقوب الباقون ﴿ رب احكم ﴾ ﴿ يصفون ﴾ على الغيبة: المفضل وابن ذكوان في رواية.

الوقوف: ﴿ واحدة ﴾ ز لأن المقصود من قوله ﴿ أنا ربكم ﴾ قوله ﴿ فاعبدون ﴾ وكان الكلام متصلاً ﴿ فاعبدون ﴾ ه ﴿ وبينهم ﴾ ط ﴿ راجعون ﴾ ه ﴿ لسعيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ كاتبون ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط لإضمار القول ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ واردون ﴾ ه ﴿ ما وردوها ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ لا لأن ما بعد خبر "إن" ﴿ مبعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر بعد خبر ﴿ حسيسها ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ خالدون ﴾ ه ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون صفة أو استئنافاً ﴿ الملائكة ﴾ ط لأن التقدير قائلين هذا يومكم ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ للكتب ﴾ ط لأن الجار يتعلق بما بعده ﴿ نعيده ﴾ ط لحق المضمر اي وعدنا وحقاً ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ الصالحون ﴾ ه ﴿ عابدين ﴾ ه ط لاختلاف الجملتين ﴿ للعالمين ﴾ ه واحد ج للاستفهام مع الفاء ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ خارج عن المقول، ومن قرأ ﴿ ربي احكم ﴾ فوقفه مجوز لنوع عدول من الواحد إلى الجمع ﴿ تصفون ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من قصص الأنبياء أراد أن يذكر ما استقر عليه أمر الشرائع في آخر الزمان فقال ﴿ إن هذه أمتكم ﴾ وسيرتكم، فالأمة الدين والطريقة لأنه أصل وقانون يرجع إليه.

وللتركيب دلالة على ذلك وهذا إشارة إلى ملة الإسلام أي إن هذه الملة هي طريقتكم وسيرتكم التي يجب أن تكونوا عليها حال كونها طريقة واحدة غير مختلفة.

﴿ وأنا ربكم ﴾ لا غيري ﴿ فاعبدون ﴾ والخطاب للناس كافة، وكان الظاهر أن يقال بعده وتقطعتم أمركم ينكم أي جعلتم أمر دينكم بينكم قطعاً كما يقسم الشيء بين الجماعة فيصير لهذا نصيب ولهذا نصيب فصرتم فرقاً مختلفة وأحزاناً شتى، إلا أنه عدل من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه يقبح أمرهم إلى غيرهم فيقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء؟

عن رسول الله  أنه قال "تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون وخلصت فرقة وأن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة وتخلص فرقة واحدة قالوا: يا رسول الله ومن الفرقة الناجية؟

قال: الجماعة الجماعة" فهذا الحديث مفسر للآية من حيث إن هذه الأمة يجب أن يكونوا على كلمة واحدة، طعن بعضهم في الحديث أنه أراد بالاثنتين والسبعين فرقة اصول الأديان فإنها لا تبلغ هذا العدد، وإن أراد الفروع فإنها أضعاف هذا العدد.

وأجيب بأنه أراد ستفترق أمتي هذا العدد في حال ما، وهذا لا ينافي كون العدد في بعض الأحوال أنقص أو أزيد.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ فاعبدون وتقطعوا ﴾ بالواو وفي "المؤمنين" ﴿ فاتقون  فتقطعوا  ﴾ بالفاء لأن الخطاب ههنا أعم والعبادة أعم من التقوى.

وأيضاً الخطاب يتناول الكفار وقد وجد منهم التقطع قبل هذا القول، وفي سورة المؤمنين الخطاب للنبي  والمؤمنين بدليل قوله ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات  ﴾ ثم قال ﴿ فتقطعوا  ﴾ اي ظهر منهم أي من أمتهم التقطع بعد هذا القول ولأن التقطع منهم أغرب أكده هناك بقوله ﴿ زبراً ﴾ وفي قوله ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ وعيد عظيم للفرق المختلفة.

ثم فصل مآل لهم بقوله ﴿ فمن يعمل ﴾ الآية والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه في قوله ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ وإنما لم يقل "فلا يكفر سعيه" لأن نفي الجنس أبلغ فإن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها.

وفي قوله ﴿ وأنا له ﴾ اي لذلك السعي ﴿ كاتبون ﴾ مبالغة أخرى فإن المثبت في الصحيفة أبعد من النسيان والغلط كما قيل: قيدوا العلم بالكتابة.

ولا سيما إذا كان الكاتب ممن لا يجوز عليه السهو والنسيان.

قال المفسرون: معناه حافظون لنجازي عليه.

وقيل: مثبتون في أم الكتاب أو في صحف الأعمال.

هذا حال السعداء وأما أحوال أضدادهم فذلك قوله ﴿ وحرام ﴾ ومن قرأ ﴿ حرم ﴾ فإنه فعل بمعنى مفعول.

والتركيب يدور على المنع اي ممتنع أو ممنوع وهذا خبر لا بد له من مبتدأ وذلك قوله ﴿ أنهم لا يرجعون ﴾ أو غير ذلك.

والرجوع إما الرجوع عن الشرك إلى الإسلام أو الرجوع إلى الدنيا أو إلى الآخرة.

وعلى الأول إما أن تكون "لا" زائدة أقحمت للتأكيد ومعنى الآية ممتنع على أهل قرية عزمنا على إهلاكها أو قدرنا إهلاكها أن يرجعوا أو يتوبوا إلى أن تقوم الساعة والمراد تصميمهم على الكفر.

وإما أن تكون معيدة ولكن الحرام بمعنى الواجب تسمية لأحد الضدين باسم الآخر باشتراكهما في المنع إلا أن الوجوب منع عن الترك والحرمة منع عن الفعل، وقد ورد في الاستعمال مثل ذلك قال  ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا  ﴾ وترك الشرك واجب وليس بمحرم، وقالت الخنساء: وإن حراماً لا ارى الدهر باكياً *** على شجوه إلا بكيت على عمرو وعلى الثاني فالإهلاك على أصله، والمعنى أن رجوعهم إلى الدنيا ممتنع أو عدم رجوعهم واجب إلى قيام الساعة نظيره قوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون  ﴾ وعلى الثالث فقوله "حتى" غاية لقوله ﴿ لا يرجعون ﴾ اي ممتنع عدم رجوع المهلكين إلى عذاب الآخرة حتى الساعة، وذلك أن رجوعهم إلى عذاب النار قبل الساعة واجب بقوله ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً  ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن رجوعهم إلى الآخرة واجب إلى هذه الغاية أي أنهم يكونون أول الناس حضوراً في محفل القيامة.

وعلى الرابع فالمعنى وحرام عليهم ذلك وهو المذكور من السعي المشكور غير المكفور لأنهم لا يرجعون عن الكفر إلى أن تقوم الساعة.

قوله  ﴿ حتى إذا فتحت ﴾ "حتى" هي التي يقع بعدها الجملة وهي ههنا مجموع الشرط والجزاء و"إذا" المفاجأة تسد مسد فاء الجزاء، وقد يجمع بينهما للتعاون على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد وإنما احتيج إلى هذا التأكيد لأن الشرط يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل يوم القيامة، ولعل بينهما فاصلة بالزمان إلا أن التفاوت القليل كالمعدوم والمضاف محذوف أي سد يأجوج ومأجوج وتأنيث الفعل لأنهما قبيلتان وهما ومن جنس الأنس كما مر في آخر الكهف.

يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج.

وفي الحديث "إن منكم واحداً ومن يأجوج ومأجوج ألف" .

قوله ﴿ وهم من كل حدب ينسلون ﴾ قال أكثر المفسرين: الضمير ليأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد.

وعن مجاهد أنه لجميع المكلفين الذين يساقون إلى المحشر.

والحدب ما إرتفع من الأرض والنسل الإسراع.

﴿ واقترب ﴾ عطف على ﴿ فتحت ﴾ وهو داخل في الشرط.

و ﴿ الوعد الحق ﴾ القيامة وقوله ﴿ فإذا هي شاخصة ﴾ كقوله في سورة إبراهيم ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ وقال في الكشاف: ﴿ هي ﴾ ضمير مبهم توضحه الأبصار وتفسره.

قلت: فعلى هذا ﴿ هي ﴾ مبتدأ ﴿ وشاخصة ﴾ خبره ﴿ وأبصار ﴾ بدل ﴿ هي ﴾ ولو قيل: ﴿ هي ﴾ ضمير القصة مبتدأ والجملة التي هي أبصار الذين كفروا شاخصة خبره جاز وهو قول سيبويه.

ثم ههنا إضمار اي يقولون ﴿ يا ويلنا ﴾ وهو في موضع الحال من الذين كفروا والعامل شاخصة ﴿ قد كنا في غفلة من هذا ﴾ الوعد أو الأمر ﴿ بل كنا ظالمين ﴾ أنفسنا بتلك الغفلة وبتكذيب الرسل وعبادة الأوثان.

ثم بين حال معبوديهم يوم القيامة فقال: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ اي محصوبها بمعنى محصوب فيها، والحصب الرمي ومنه الحصباء لأنه يرمى بها الشيء وقرئ حطب.

واللام في قوله ﴿ أنتم لها واردون ﴾ كاللام في قوله "هو لزيد ضارب" وذلك لضعف عمل اسم فيما تقدم عليه.

والمعنى لا بد لكم أن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها.

ثم ألزمهم الحجة بقوله ﴿ لو كان هؤلاء ﴾ المعبودون ﴿ آلهة ﴾ في الحقيقة ﴿ ما وردوها ﴾ لكنهم واردوها للخبر الصادق الذي يتنبه لصدقه من يتأمل في إعجازه فينتج أن هؤلاء ليسوا بآلهة وأنها لا تستحق تعظيماً أصلاً.

ثم أخبر أنهم بعد ورودهم النار لا يخلصون منها أبداً فقال ﴿ وكل ﴾ اي من العابدين والمعبودين ﴿ فيها خالدون لهم فيها زفير ﴾ قد سبق معانيه في آخر سورة هود ﴿ وهم فيها لا يسمعون ﴾ شيئاً إما لأنهم يجعلون في توابيت من نار عن ابن مسعود، وإما لأنه  يصمهم كما يعميهم.

والصمم في بعض الأوقات لا ينافي كونهم سامعين أقوال أهل الجنة في غير ذلك الوقت، أو المراد أنهم لا يسمعون ما يسرهم، أو الضمير للمعبودين والسماع سماع إجابة، وعلى هذا فالضمير في ﴿ لهم فيها زفير ﴾ للعابدين وجاز اعتماداً على فهم السامع حيث يرد كلاً من الضميرين على ما يناسبهما كأنه قيل: العابد يدعو والمعبود لا يجيب، ويجوز أن يكون للمعبودين أيضاً لأن فيهم من يتأتى منه الزفير كالشياطين فغلب، أو لأن الجماد ينطقه الله وقتئذ والزفير بمعنى اللهيب والله أعلم.

يروى أن رسول الله  دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحرث وكلمه رسول الله  حتى أفحمه ثم تلا عليهم ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ الاية.

فأقبل عبد الله بن الزبعري فأخبره الوليد بن المغيرة بنا جرى فقال معترضاً: اليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة؟

فقال  : بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك وأنزل الله  ﴿ إن الذين سبقت ﴾ الآية.

فخرج من الحديث.

الآية جواب ابن الزبعري على أتم وجه وأكمله كأنه قيل أولاً إن الاية باقية على عمومها لأن الذين عبدوا عزيراً والمسيح والملائكة لم يعبدونهم في الحقيقة، وإنما عبدوا الشياطين التي دعتهم إلى ذلك، ولئن سلم أنهم عبدوهم في الحقيقة لكنهم مخصوصون بما سبقت لهم منا الخصلة الحسنى وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو بتوفيق الطاعة وكل ميسر لما خلق له.

ومن المفسرين من أجاب عن اعتراض ابن الزبعري بوجوه آخر منها: أن قوله ﴿ إنكم ﴾ خطاب لمشركي قريش وإنهم لم يعبدوا سوى الأصنام.

ولقائل أن يقول: حمل الآية على العموم أتم فائدة.

ومنها أن قوله ﴿ وما تعبدون ﴾ لا يتناول العقلاء فيسقط الاعتراض.

ولقائل أن يقول: ما أعم لا مباين فيشمل ذوي العقول وغيرهم ولهذا جاء ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ سبحان ما سخركن لنا.

ومنها أنه تعالى يصور لهم في النار ملكاً على صورة من عبدوه، وضعف بأن القوم لم يعبدوا تلك الصورة، وبأن الملك لا يتعذب بالنار كخزنة جهنم.

واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فقوله ﴿ إن الذين ﴾ لا يبعد أن يكون عاماً لكل المؤمنين ويؤيده ما روي أن علياً قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف.

وزعم مثبتوا لعفو أن الحسنى في الاية هي الوعد بالعفو لأنه قال ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ بأزاء قوله ﴿ أنتم لها واردون ﴾ والورود الدخول فالإبعاد الإخراج من النار بعد أن كانوا فيها.

وأيضاً إبعاد البعيد محال.

وقوله ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ إذ الصوت الذي يحس به مخصوص بما بعد الإخراج.

وايضاً قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ يفهم منه أنه يحزنهم الفزع الأصغر، فالأكبر عذاب الكفار والأصغر عذاب صاحب الكبيرة، والأكثرون على أن المراد من قوله ﴿ مبعدون ﴾ أنهم لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة لأن ما جعل بعيداً عن شيء ابتداء يحسن أن يقال: إنه أبعد عنه، وهؤلاء لم يفسروا الورود في قوله { ﴿ وإن منكم إلا واردها  ﴾ بالدخول كما مر في سورة مريم.

وفي قوله ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ تأكيد للإِبعاد فقد لا يدخل النار ويسمع حسيسها.

ثم بين أنهم مع العبد عن المنافي منتفعون بالقرب من الملائم ملتذون به على سبيل التأبيد فقال ﴿ وهم فيما إشتهته ﴾ ﴿ أنفسهم ﴾ أي فيما تطلبه للالتذاذ به ﴿ خالدون ﴾ هذا نصيب أهل الجنة، وأما أهل الله فهم فيما اشتهت قلوبهم وارواحهم وأسرارهم خالدون.

والفزع الأكبر قيل: النفخة الأخيرة لقوله ﴿ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض  ﴾ وعن الحسن هو الانصراف إلى النار فإنه لا فزع أكبر مما إذا شاهدوا النار، وهذا أمر يشترك فيه أهل النار جيمعاً، ثم مراتب التعذيب بعد ذلك متفاوتة.

وعن الضحاك وسعيد بن جبير هو حين تطبق النار على أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة، وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح فعند ذلك يستقر أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة وتستقبلهم الملائكة مهنئين قائلين ﴿ هذا يومكم ﴾ اي وقت ثوابكم ﴿ الذي كنتم توعدون ﴾ ذلك قال الضحاك: هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم.

والعامل في ﴿ يوم نطوي السماء ﴾ : ﴿ لا يحزنهم ﴾ أو ﴿ تتلقاهم ﴾ .

والسجل اسم للطومار الذي يكتب فيه.

وعن ابن عباس أنه ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه وهو مروي ايضاً عن علي  .

وروى أيضاً أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه كاتب لرسول الله  وليس بمعروف.

قال الزجاج: هو الرجل بلغة الحيش.

فعلى هذه الوجوه فالطي وهو المصدر مضاف إلى الفاعل وعلى الوجه الأول هو مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف كطي الطاوي للسجل وهو قول الأكثرين وإشتقاقه من السجل الدلو العظيم وقد قرئ به والتركيب يدل على الامتلاء والاجتماع ولهذا لا يسمى الدلو سجلاً إلا إذا كان فيه ماء ومنه "أسجلت الحوض ملأته".

وقوله ﴿ للكتاب ﴾ أي للكتابة ومعناه ليكتب فيه أو لما يكتب فيه لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء ثم يوقع على المكتوب.

ومن جمع فمعناه للمكتوبات أي ما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، وكيفية هذا الطي لا يعلمها إلا من أخبر عن ذلك أما قوله ﴿ كما بدأنا ﴾ فمن المفسرين من قال: إنه ابتداء كلام ومنهم من قال: إنه وصف قوله ﴿ هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ بقوله ﴿ يوم نطوي ﴾ ثم عقبه بوصف آخر فقال ﴿ كما بدأنا أول خلق ﴾ وهو مفعول نعيد الذي يفسره ﴿ نعيده ﴾ و"ما" كافة أي نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء.

فكما أوجده أولاً عن عدم يعيده ثانياً عن عدم.

ومنهم من قال: الإعادة إنما تتعلق بالضم والتركيب بعد تفريق الأجزاء الاصلية والآية لا تطابقه كل المطابقة.

وأول خلق كقولك "هو أول رجل" اي إذا فضلت رجلاً رجلاً فهو أولهم، وإنما خص أول الخلائق بالذكر تصويراً للإيجاد عن العدم ودفعاً للاعتراض.

وجوز جار الله أن تنتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده و"ما" موصولة اي نعيد مثل الذي بدأنا نعيده و ﴿ أول خلق ﴾ ظرف ﴿ لبدأنا ﴾ أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ وقوله ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لأن قوله نعيد عدة للإعادة وقيل: أراد حتماً ﴿ علينا ﴾ لسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه فإن وقوع ما علم الله وقوعه واجب ثم حقق ذلك بقوله ﴿ إنا كنا فاعلين ﴾ اي سنفعل ذلك لا محالة فإنا قادرون عليه.

عن سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد أن الزبور جنس للكتب المنزلة كلها، والذكر أم الكتاب يعني اللوح ففيه كتابة كل ما سيكون اعتباراً للملائكة، وكتب الأنبياء كلهم منتسخة منه، وعن قتادة أن الزبور هو القرآن، والذكر هو التوراة.

وعن الشعبي أن الزبور هو كتاب داود  والذكر التوراة.

وجوز الإمام فخر الدين أن يراد بالذكر العلم أي كتبنا فيه بعد أن كنا عالمين غير ساهين.

والمراد تحقيق وقوع المكتوب فيه، والأرض أرض الجنة، والعباد الصالحون هم المؤمنون العالمون بما يجب عليهم نظيره قوله ﴿ وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين  ﴾ قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والسدي وأبو العالية.

وإنما ذهبوا إلى هذا القول لأن أرض الدنيا تعم الصالح وغير الصالح، ولأن الآية وردت بعد ذكر الإعادة.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أنها أرض الدنيا يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار نظيره ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لَيَستَخلِفَنَّهُم في الأرض  ﴾ وقيل: الأرض المقدسة يرثها أمة محمد  عند نزول عيسى ابن مريم ﴿ إن في هذا ﴾ الذي ذكر في السورة من الأخبار والوعد والوعيد وغير ذلك ﴿ لبلاغاً ﴾ لكفاية ﴿ لقوم عابدين ﴾ عاملين بما ينبغي عمله من الخيرات بعدما عملوا من كيفية أدائها.

والبلاغ ما يبلغ به المرء مطلوبه من الوسائط والوسائل، ولا مطلوب أجل من سعادة الدارين فكل من كان وسيلة إلى نيل هذا المطلوب على الوجه الأتم الأكمل كان وجوده رحمة من الله للطالب المتحير وما ذاك إلا خاتم النبيين فلهذا قال ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ وكونه رحمة للكل لا ينافي قتله بعض الكفرة والتعرض لأموالهم وأولادهم كما أن كي بعض أعضاء المريض بل قطعه لا ينافي حذق الطبيب وإشفاقه على المريض ومن هنا قيل: آخر الدواء الكي.

والعاقل لا ينسب التقصير إلى الفاعل لقصور في القابل.

قالت المعتزلة: لو كان الكفر الكافر بخلق الله لم يكن إرسال الرسول رحمة له لأنه لا يحصل له حينئذ إلا لزوم الحجة عليه.

وأجيب بأنه كونه رحمة للفجار هو أنهم أمنوا بسببه عذاب الاستئصال، ولا يلزم أن يكون الرسول رحمة للمؤمنين من جهة كونه رحمة للكافرين، والجواب المحقق أن كونه رحمة عامة بالنسبة على أمة الدعوة لا ينافي كونه رحمة خاصة بالنسبة إلى أمة الإجابة وهو قريب مما ذكرناه أولاً، والحجة وتبعتها لازمة على الكافر وإن لم يبعث النبي غايته أنها بعد البعثة ألزم.

وفي الآية دلالة على أن النبي  أفضل من الملائكة لأنه رحمة لهم فإنهم من العالمين وعورض بقوله ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض  ﴾ والاستغفار رحمة.

والجواب أن الرحمة بمعنى كونه في نفسه مكملاً في الغاية غير الرحمة بمعنى الدعاء، فلا يلزم من كون الأول سبباً للأفضلية كون الثاني كذلك، ثم بين أن أصل تلك الرحمة وأسها هو دعاؤه إلى التوحيد والبراءة عن الشرك فقال ﴿ قال إنما يوحى إلي ﴾ إن كانت "ما" موصولة فمعناه أن الذي يوحي إليَّ هو أن وصفه  مقصور على الوحدانية لا يتجاوزه إلى ما يناقضها أو يضادها بأي قسمة فرضت وإن كانت كافة المعنى أن الوحي مقصور على استئثار الله بالوحدة، وذلك أن القصر يكون أبداً لما يلي إنما وفي قوله ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ بعث لهم على قبول هذا الوحي الذي هو أصل التكاليف كلها، وفيه نوع من التهديد فلذلك صرح به قائلاً ﴿ فإن تولوا فقل آذنتكم ﴾ اي أعلمتكم والمراد ههنا أخص من ذلك وهو الإنذار ﴿ على سواء ﴾ هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله ﴿ فانبذ إليهم على سواء  ﴾ إلى وقت اي حال كونكم مستوين في ذلك لا فرق بين القريب والأجنبي والقاصي والداني والشريف والوضيع ولهذا قال أبو مسلم: الإيذان على سواء هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله ﴿ فانبذ إليهم على سواء  ﴾ وقيل: أراد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من أصول التكاليف ولا سيما التوحيد على السوية من غير فرق في الإبلاغ بين مكلف ومكلف.

ولست ﴿ أدري أقريب ما توعدون ﴾ أم بعيد والموعود قيل: هو عذاب الآخرة.

واعترض بأنه ينافي قوله ﴿ واقترب الوعد الحق ﴾ وقيل: هو الأمر بالقتال لأن السورة مكية وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة.

وقيل: هو إعلاء شأن الإسلام وغلبة ذويه فإنه لا بد أن يلحق للكفار حينئذ ذلة وصغار.

ولما أمره أن ينفي عن نفسه علم الغيب أمره أن يقول لهم إن الله  هو العالم بالسر والعلن فيعلم ما تجاهرون به من المطاعن في الإسلام وما تكتمونه في صدوركم من الإحن والضغائن فيجازيكم على القبيلين ﴿ وإن أدري لعله ﴾ اي ما أدري لعل تأخير هذا الوعد أو إبهام وقته أو تأخير الأمر بالجهاد امتحان لكم لينظر كيف تعملون وتمنيع لكم ﴿ إلى حين ﴾ حضور وقت الموعد.

وقال الحسن: لعل ما أنتم عليه من الدنيا ونعيمها بلية لكم.

وقيل: اراد لعل ما بينت وأعلمت وأوعدت ابتلاء لكم لأن المعرض عن الإيمان مع البيان حالاً بعد حال يكون عذابه اشد.

ومعنى ﴿ رب احكم بالحق ﴾ أقضى بيني وبين من يكذبني بالعذاب.

قال قتادة: امره الله  أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق  ﴾ فاستجيب له فعذبوا ببدر، وقال جار الله: بالحق لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم كما قال "أشدد وطأتك على مضر" وقيل: معناه وافعل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع تنصرني عليهم كأنه  قال له: قل داعياً إليَّ رب احكم بالحق وقل متوعد للكفار ﴿ وربنا الرحمن المستعان ﴾ الذي يستعان به ﴿ على ما تصفون ﴾ من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل، وكانوا يطمعون أن يكون لهم الغلبة والدولة فقلب الله الأمر عليهم.

وفي هذا الأمر تسلية للنبي  ورفع عن مقداره حيث أمر بالانقطاع إلى الرب في دفع أذية القوم ليحصل له مع الخلاص من أذيتهم شرف الاستجابة وهذه غاية العناية.

التأويل: ﴿ إن هذه أمتكم ﴾ فيه إشارة إلى أن السالك إذا عبر المقامات التي ذكرنا تصير متفرقات شمله مجتمعة في الفناء بالله والبقاء به، فيكون أمة واحدة في ذاته كما أن إبراهيم كان أمة فيعرفه الله نفسه ويقول ﴿ أنا ربكم ﴾ الذي بلغتكم هذه الرتبة ﴿ فاعبدون ﴾ أي فاعرفون ﴿ وتقطعوا أمرهم ﴾ فمنهم من سكن إلى الدنيا، ومنهم من سكن إلى الجنة، ومنهم من فر إلى الله ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ أما طالب الدنيا فيرجع إلى صورة قهرنا وهي جهنم، وأما طالب الآخرة فيرجع إلى صورة رحمتنا وهي الجنة، وأما الذي يطلبنا فإنه يرجع إلينا بالحقيقة ﴿ وإنا له كاتبون ﴾ في الأزل من أهل السعادة ﴿ حتى إذا فتح ﴾ سد ﴿ يأجوج ﴾ النفس و ﴿ مأجوج ﴾ الهوى، والسد أحكام الشريعة وفتحها مخالفاتها وموافقات الطبع وهم أعني دواعي النفس من كل معدن شهوة من الحواس الظاهرة والباطنة ﴿ ينسلون ﴾ فيفسدون ما يمرون عليه من القلب والسر والروح ﴿ واقترب الوعد ﴾ إهلاك القلوب الغافلة ﴿ فإذا هي شاخصة ابصار ﴾ بصائرها بالانهماك في الأهواء ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ العناية الأزلية ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ أعني مقالات أهل البدع والأهواء ﴿ وهم فيما اشتهت أنفسهم ﴾ المطمئنة المجذوبة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ في مقامات السير في الله ﴿ خالدون ﴾ الفزع الأكبر قوله في الأزل "هؤلاء في النار ولا أبالي" ﴿ يوم نطوي ﴾ سماء وجود الإنسان بتجلي صفات الجلال في إفناء مراتب الوجود من الانتهاء إلى الابتداء وذلك قوله ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ يعني أن الرجوع يكون بالتدريح كما أن البدء كان بالتدريج خلق النطفة علقة ثم خلق العلقة مضغة ثم خلق المضغة عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر.

ففي الإعادة يجب أن يمر السالك من الإحساس على الحيوانية ثم النباتية ثم المعدنية ثم البسائط العنصرية ثم الملكوتية ثم الروحانية ثم إلى صفات الربوبية بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ولقد كتبنا في الزبور ﴾ أي في أم الكتاب ﴿ من بعد الذكر ﴾ أي بعد أن قلنا للقلم أكتب نظيره ﴿ كن فيكون  ﴾ أن أرض جنة الوجود الحقيقي ﴿ يرثها عبادي الصالحون ﴾ وهم الذين طويت سماء وجودهم المجازي.

فالوجود المجازي لكونه غير ثابت ولا مستقر كالسماء، ولوجود الحقيقي لكونه ثابتاً ومستقراً على حالة واحدة كالأرض ﴿ لقوم عابدين ﴾ عارفين.

﴿ وما أرسلناك ﴾ من كتم العدم ﴿ إلا رحمة للعالمين ﴾ فلولاك لما خلقت الأفلاك "أول ما خلق الله روحي" ولولا الأزل لم تنته الهوية إلى الآخر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إنه لما نزل قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ قالت الكفرة: إن عيسى وعزيراً والملائكة قد عبدوا من دون الله فهم حصب جهنم، فنزل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ استثنى من سبق له الحسنى منه، وهو عيسى وهؤلاء، وكذلك في حرف ابن مسعود: (إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى) على الاستثناء.

عن علي -  - قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ...

﴾ الآية: ذاك عثمان وطلحة والزبير، وأنا من شيعة عثمان وطلحة والزبير، ثم قال: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ...

﴾ الآية [الأعراف: 43].

ولكن قد ذكرنا الوجه فيه، فإن ثبت أنه نزل بشأن هؤلاء وإلا فهو لكل من سبق له من الله الحسنى.

ثم ﴿ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ يحتمل الجنة، كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ  ﴾ أي: بالجنة، فعلى ذلك قوله: ﴿ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، ويحتمل ﴿ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ : السعادة والبشارة بالجنة وثوابها.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ أي: لا يعودون إليها أبداً، ليس على بعد المكان كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ  ﴾ أي: لا يعودون إلى الهدى أبداً.

أو أن يكون قوله: ﴿ مُبْعَدُونَ ﴾ عنها مكاناً، لكن قد ذكر في آية: ﴿ فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ  عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ  ﴾ وقال في آية: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ ولا نعلم هذا أنه يجعل في قوى أهل الجنة أنهم متى ما أرادوا أن ينظروا إلى أولئك ويروهم يقدرون على ذلك؛ أو تقرب النّار إليهم فينظرون إليهم، والله أعلم، والأوّل أشبه أنهم لا يعودون إليها أبداً.

وقوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ﴾ أي: صوتها، وهو ما ذكر من الإبعاد، وإذا بعدوا منها لم يسمعوا حسيسها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ﴾ وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ ﴾ أي: لا يحزنهم أهوال يوم القيامة وأفزاعها ﴿ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ ﴾ أي: تتلقاهم الملائكة بالبشارة، كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ...

﴾ الآية [فصلت: 30].

أو ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ ﴾ ، أي: لا يحزنهم ما يحل بالكفرة من الفزع والعذاب، كمن رأى في الدنيا إنساناً في بلاء وشدة، أو يعذب بعذاب، فإنه يحزن ويهتم بما حل به، فأخبر أنّهم لا يحزنون بما حل بالكفرة من العذاب والشدائد.

قال أبو عوسجة: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ قال: الحصب والحطب واحد، قال: وما أكثر من العرب من يتكلم بهذه اللفظة، قال: ولا أعرف (حضب جهنم) بالضاد.

وقال غيره ما ذكرنا من إلقاء الحطب فيه والتهييج.

وقوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ أي: داخلون.

وقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ ﴾ الزفير: هو شدة النفس في الصّدر، يقال: زفر يزفر زفيراً.

وقال بعضهم: الزفير: هو أنين كل محزون ومكروب، وهو قريب ممّا ذكرنا.

وقوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ﴾ ، أي: صوتها، وهو من الحس: وهو الصّوت.

وقال القتبي: حصب جهنم: ما ألقي فيها، وأصله: من الحصباء، وهي الحصاة، ويقال: حصبت فلانا - أي: رميته - حصبا بتسكين الصّاد، وما رميت به حصب، بفتح الصّاد، وكما تقول: نفضت الشجرة نفضا، وما وقع نفض، واسم حصى الجمار: حصب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ كأن هذا خرج على إثر سؤال سألوه على غير ابتداء؛ لأن الابتداء بمثله على غير تقدم أمر لا يحتمل، فكأنه - والله أعلم - لما ذكر أهل النار في قوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ إلى قوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ وذكر أهل الجنة ووصفهم بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من قوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ فكأنهم قالوا: متى يكون ذلك؟

فقال عند ذلك: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ أخبر أن السماء تطوى كما يطوي السجل الكتب.

ثم ذكر في السماء الطي مرة والتبديل في آية بقوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [إبراهيم: 48]، وذكر [الانفطار و] الانشقاق في آية، كقوله: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ \[الانفطار 1\] و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ  ﴾ ونحوه، كما ذكر في الجبال أحوالا، مرة قال: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ ، وقال في آية [أخرى]: ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ  ﴾ ونحوه، فجائز أن يكون كذلك على اختلاف الأحوال، على ما ذكرنا فيما تقدم، ثم تتلاشى وتفنى حتى لا يبقى منها شيء، كما ذكر ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً  ﴾ ؛ فعلى ذلك السماوات والأرضون يختلف عليها الأحوال على ما ذكر، ثم آخرها التبديل كما ذكر ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ  ﴾ فيما ذكر في هؤلاء الآيات من تغيير الجبال والسماوات والأرضين دليل فناء هذا العالم بجملته وأسره؛ لأن فناء السماوات والأرض والجبال يبعد عن أوهام الخلق، وأمّا غيرها من الخلائق فإنهم يشاهدون فناءه، فذكر فناء ما يبعد في أوهامهم، ليعلموا أن هذا العالم يفنى بأسره، ويستبدل عالماً آخر، يحتمل البقاء للجزاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ .

هذا أيضاً لا يحتمل إلا على تقدم ذكر، فهو محتمل ما ذكرنا مما سبق من ذكر أهل الجنة وأهل النار، فقالوا: كيف يحيون؟

فقال عند ذلك: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ ثم اختلف فيه: فقال بعضهم: نطفا، ثم علقاً، ثم مضغا، ثم عظاماً، ثم لحماً، ثم ينفخ فيهم الروح.

وقال بعضهم: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ حفاة عراة على ما خلقوا في الابتداء.

وقال بعضهم: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ يعني: السماوات السبع يطويها الله فيجعلها سماء واحدة كما كانت أولا قبل أن يخلق فيها ست سماوات، والأرضين كذلك.

وجائز أن يكون ذكر هذا إخباراً أنه قادر على أن يعيدهم كما قدر على ابتداء خلقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ أي: بعثهم ﴿ وَعْداً عَلَيْنَآ ﴾ لا يختلف ذلك على ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ  ﴾ ثم اختلف في السجل، وفي قراءته: قال بعضهم: السجل: اسم رجل، وهو كاتب رسول الله  .

وقال بعضهم: هو اسم الملك الذي يكتب.

وقال بعضهم: السجل: الصحيفة.

ثم قال بعضهم: من قرأ ﴿ ٱلسِّجِلِّ ﴾ بالتشديد فهو الصحيفة، ومن قرأ ﴿ ٱلسِّجِلِّ ﴾ بالتخفيف: هو ملك موكل بالصحف، اسمه: السجل، ويقرأ الكتاب.

قال أبو عوسجة: ﴿ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ قال: يقال: أسجلت وسجلت، أي: كتبت، إسجالا وتسجيلا، وسجلت أيضاً: عملت، وسجل: خلق، يقال منه: سجل يسجل سجلا، والمساجلة: المفاخرة، ويقال: ساجلته: فاخرته، ويقال: أسجلت الكلام فهو مسجل، أي: أطلقته وأرسلته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ .

قال بعضهم: إن كل كتب الله التي أنزلها هي زبور.

﴿ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ أي: الكتاب الذي عند الله وهو اللوح المحفوظ، معناه - والله أعلم - على هذا التأويل: كتبنا في الكتب التي أنزلناها بعد ما كان مكتوباً في اللوح المحفوظ ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا...

﴾ كذا.

وقال بعضهم: كتب الله في الزبور المعروف، وهو زبور داود بعد ما كتب ﴿ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ أي: التوراة ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا ﴾ يعني: الجنة ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ وكتب ذلك في هذا القرآن فقال: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ ﴾ ، أي: زبور داود بعد ما كتب في الذكر الذي عنده.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ ﴾ : في بعض كتاب، أي: في بعض السور: ﴿ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ ، أي: من بعد السورة ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا ﴾ كذا.

وجائز أيضاً: ﴿ كَتَبْنَا ﴾ في كتاب ﴿ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ ، أي: من بعد ما ذكرهم ووعظهم ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا ﴾ كذا.

ثم اختلفوا في قوله: ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: هي الجنة؛ أخبر أن الجنة إنما يرثها عبادي الصالحون، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ \[المؤمنون: 10-11\] فيكون هذا تفسيراً لذلك.

وقال بعضهم: ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ ﴾ يعني: أرض بيت المقدس ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ وهو كذلك كان، لم يزل بها عباد الله الصالحون إلى يوم القيامة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا ﴾ أنه محمد، كقول رسول الله  : "زُويت لي الأرضُ فأريتُ مشارقَهَا ومغاربَها وسَيبْلُغ ملك أمتي ما زُوي لي منها" ، فذلك وراثتها، وهم عباده الصالحون، كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [آل عمران: 110]؛ أخبر أنها خير الأمم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فِي هَـٰذَا ﴾ أي: فيما ذكر من قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ في ذلك ﴿ لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ أي: لقوم همتهم العبادة، أو لقوم مطيعين موحدين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا ﴾ فيما تقدم من الآيات، وهو قوله: ﴿ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ ، وما ذكر من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ...

﴾ إلى آخر ما ذكر - أن فيما ذكر كله ﴿ لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ .

وجائز أن يكون بلاغا للناس جميعاً، كقوله: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ  ﴾ فيكون قوله: ﴿ لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ أي: لقوم يلزمهم العبادة.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا ﴾ أي: في هذا القرآن ﴿ لَبَلاَغاً ﴾ أبلغهم عن الله ﴿ لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا ﴾ أي: في هذا ﴿ لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولما قال المشركون: (إنّ عيسى والملائكة الذين عُبدوا سيدخلون النار) قال الله: إن الذين سبق في علم الله أنهم من أهل السعادة مثل عيسى  مبعدون عن النار.

من فوائد الآيات التنويه بالعفاف وبيان فضله.

اتفاق الرسالات السماوية في التوحيد وأسس العبادات.

فَتْح سد يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى.

الغفلة عن الاستعداد ليوم القيامة سبب لمعاناة أهوالها.

<div class="verse-tafsir" id="91.8M5be"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل