الآية ٣٢ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٣٢ من سورة الأنبياء

وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفًۭا مَّحْفُوظًۭا ۖ وَهُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 95 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وجعلنا السماء سقفا ) أي : على الأرض وهي كالقبة عليها ، كما قال : ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ) [ الذاريات : 47 ] ، وقال : ( والسماء وما بناها ) [ الشمس : 5 ] ، ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ) [ ق : 6 ] ، والبناء هو نصب القبة ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بني الإسلام على خمس " أي : خمس دعائم ، وهذا لا يكون إلا في الخيام ، على ما تعهده العرب .

( محفوظا ) أي : عاليا محروسا أن ينال .

وقال مجاهد : مرفوعا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن أشعث - يعني ابن إسحاق القمي - عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال رجل : يا رسول الله ، ما هذه السماء ، قال : " موج مكفوف عنكم " إسناد غريب .

وقوله : ( وهم عن آياتها معرضون ) ، كقوله : ( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) [ يوسف : 105 ] أي : لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم ، والارتفاع الباهر ، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ، وفي نهارها من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكماله ، في يوم وليلة فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الذي قدرها وسخرها وسيرها .

وقد ذكر ابن أبي الدنيا ، رحمه الله ، في كتابه " التفكر والاعتبار " : أن بعض عباد بني إسرائيل تعبد ثلاثين سنة ، وكان الرجل منهم إذا تعبد ثلاثين سنة أظلته غمامة ، فلم ير ذلك الرجل شيئا مما كان يرى لغيره ، فشكى ذلك إلى أمه ، فقالت له : يا بني ، فلعلك أذنبت في مدة عبادتك هذه ، فقال : لا والله ما أعلم ، قالت : فلعلك هممت؟

قال : لا ولا هممت .

قالت : فلعلك رفعت بصرك إلى السماء ثم رددته بغير فكر؟

فقال : نعم ، كثيرا .

قالت : فمن هاهنا أتيت .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا ) للأرض مسموكا ، وقوله: (مَحْفُوظا) يقول: حفظناها من كلّ شيطان رجيم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( سَقْفًا مَحْفُوظًا ) قال: مرفوعا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا )...

الآية: سقفا مرفوعا، وموجا مكفوفا.

وقوله: ( وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ) يقول: وهؤلاء المشركون عن آيات السماء.

ويعني بآياتها: شمسها وقمرها ونجومها.(معرضون) يقول: يعرضون عن التفكر فيها ، وتدبر ما فيها من حجج الله عليهم ، ودلالتها على وحدانية خالقها، وأنه لا ينبغي أن تكون العبادة إلا لمن دبرها وسوّاها، ولا تصلح إلا له.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ) قال: الشمس والقمر والنجوم آيات السماء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وجعلنا السماء سقفا محفوظا أي محفوظا من أن يقع ويسقط على الأرض ؛ دليله قوله تعالى : ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه .

وقيل : محفوظا بالنجوم من الشياطين ؛ قاله الفراء .

دليله قوله تعالى : وحفظناها من كل شيطان رجيم .

وقيل : محفوظا من الهدم والنقض ، وعن أن يبلغه أحد بحيلة .

وقيل : محفوظا فلا يحتاج إلى عماد .

وقال مجاهد : مرفوعا .

وقيل : محفوظا من الشرك والمعاصي .

وهم يعني الكفار عن آياتها معرضون قال مجاهد يعني الشمس والقمر .

وأضاف الآيات إلى السماء لأنها مجعولة فيها ، وقد أضاف الآيات إلى نفسه في مواضع ، لأنه الفاعل لها .

بين أن المشركين غفلوا عن النظر في السماوات وآياتها ، من ليلها ونهارها ، وشمسها وقمرها ، وأفلاكها ورياحها وسحابها ، وما فيها من قدرة الله تعالى ، إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعا قادرا فيستحيل أن يكون له شريك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا عام في جميع آيات السماء، من علوها، وسعتها،وعظمتها، ولونها الحسن، وإتقانها العجيب، وغير ذلك من المشاهد فيها، من الكواكب الثوابت والسيارات، وشمسها، وقمرها النيرات، المتولد عنهما، الليل والنهار، وكونهما دائما في فلكهما سابحين، وكذلك النجوم، فتقوم بسبب ذلك منافع العباد من الحر والبرد، والفصول، ويعرفون حساب عباداتهم ومعاملاتهم، ويستريحون في ليلهم، ويهدأون ويسكنون وينتشرون في نهارهم، ويسعون في معايشهم، كل هذه الأمور إذا تدبرها اللبيب، وأمعن فيها النظر، جزم حزما لا شك فيه، أن الله جعلها مؤقتة في وقت معلوم، إلى أجل محتوم، يقضي العباد منها مآربهم، وتقوم بها منافعهم، وليستمتعوا وينتفعوا، ثم بعد هذا، ستزول وتضمحل، ويفنيها الذي أوجدها، ويسكنها الذي حركها، وينتقل المكلفون إلى دار غير هذه الدار، يجدون فيها جزاء أعمالهم، كاملا موفرا ويعلم أن المقصود من هذه الدار أن تكون مزرعة لدار القرار، وأنها منزل سفر، لا محل إقامة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وجعلنا السماء سقفا محفوظا ) من أن تسقط ، دليله قوله تعالى : ( ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ) ( الحج : 65 ) ، وقيل : محفوظا من الشياطين بالشهب ، دليله قوله تعالى : ( وحفظناها من كل شيطان رجيم ) ( الحجر : 17 ) ، ( وهم ) يعني الكفار ، ( عن آياتها ) ما خلق الله فيها من الشمس والقمر والنجوم وغيرها ، ( معرضون ) لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وجلعنا السماء سقفاً» للأرض كالسقف للبيت «محفوظاً» عن الوقوع «وهم عن آياتها» من الشمس والقمر والنجوم «معرضون» لا يتفكرون فيها فيعلمون أن خالقها لا شريك له.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجعلنا السماء سقفًا للأرض لا يرفعها عماد، وهي محفوظة لا تسقط، ولا تخترقها الشياطين، والكفار عن الاعتبار بآيات السماء (الشمس والقمر والنجوم)، غافلون لاهون عن التفكير فيها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ) أى : وجعلنا السماء سقفا للأرض كما يكون السقف للبيت ، وجعلناه محفوظا من السقوط ومن التشقق ، ومن كل شيطان رجيم .

وهم - أى المشركون - عن آياتها الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا وعلمنا .

معرضون ذاهولن ، لا يتعظون ولا يتذكرون .ومن الآيات الدالة على حفظ السماء من السقوط ، قوله - تعالى - : ( .

.

.

وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) ومن الآيات الدالة على حفظها من التشقق والتفطر قوله - سبحانه - : ( أَفَلَمْ ينظروا إِلَى السمآء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ) وعلى حفظها من الشياطين قوله - تعالى - : ( وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ) ومن الآيات الدالة على إعراض هؤلاء المشركين عن العبر والعظات قوله - سبحانه - : ( وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى شرع الآن في الدلائل الدالة على وجود الصانع، وهذه الدلائل أيضاً دالة على كونه منزهاً عن الشريك، لأنها دالة على حصول الترتيب العجيب في العالم، ووجود الإلهين يقتضي وقوع الفساد.

فهذه الدلائل تدل من هذه الجهة على التوحيد فتكون كالتوكيد لما تقدم.

وفيها أيضاً رد على عبدة الأوثان من حيث إن الإله القادر على مثل هذه المخلوقات الشريفة كيف يجوز في العقل أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولا ينفع.

فهذا وجه تعلق هذه الآية بما قبلها، واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر هاهنا ستة أنواع من الدلائل: النوع الأول: قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ أَنَّ السموات والأرض كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ألم ير بغير الواو والباقون بالواو وإدخال الواو يدل على العطف لهذا القول على أمر تقدمه.

قال صاحب الكشاف: قرئ رتقاً بفتح التاء، وكلاهما في معنى المفعول كالخلق والنفض أي كانتا مرتوقتين، فإن قلت الرتق صالح أن يقع موقع مرتوقتين لأنه مصدر فما بال الرتق؟

قلت: هو على تقدير موصوف أي كانتا شيئاً رتقاً.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: المراد من الرؤية في قوله تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ ﴾ ، إما الرؤية، وإما العلم والأول مشكل، أما أولاً فلأن القوم ما رأوهما كذلك ألبتة، وأما ثانياً فلقوله سبحانه وتعالى: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض  ﴾ ، وأما العلم فمشكل لأن الأجسام، قابلة للفتق والرتق في أنفسها، فالحكم عليها بالرتق أولاً وبالفتق ثانياً لا سبيل إليه إلا السمع، والمناظرة مع الكفار الذين ينكرون الرسالة، فكيف يجوز التمسك بمثل هذا الاستدلال.

والجواب: المراد من الرؤية هو العلم وما ذكروه من السؤال فدفعه من وجوه: أحدها: أنا نثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسائر المعجزات ثم نستدل بقوله: ثم نجعله دليلاً على حصول النظام في العالم وانتقاء الفساد عنه وذلك يؤكد الدلالة المذكورة في التوحيد.

وثانياً: أن يحمل الرتق والفتق على إمكان الرتق والفتق والعقل، يدل عليه لأن الأجسام يصح عليها الاجتماع والافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصاً.

وثالثها: أن اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك فإنه جاء في التوراة إن الله تعالى خلق جوهرة، ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم خلق السموات والأرض منها وفتق بينها، وكان بين عبدة الأوثان وبين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنهم يقبلون قول اليهود في ذلك.

المسألة الثالثة: إنما قال: ﴿ كانتا رتقاً ﴾ ولم يقل كن رتقاً لأن السموات لفظ الجمع والمراد به الواحد الدال على الجنس، قال الأخفش: السموات نوع والأرض نوع، ومثله: ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ  ﴾ ومن ذلك قولهم أصلحنا بين القومين، ومرت بنا غنمان أسودان، لأن هذا القطيع غنم وذلك غنم.

المسألة الرابعة: الرتق في اللغة السد، يقال: رتقت الشيء فارتتق والفتق الفصل بين الشيئين الملتصقين.

قال الزجاج: الرتق مصدر والمعنى كانتا ذواتي رتق، قال المفضل: إنما لم يقل كانتا رتقين كقوله: ﴿ وَمَا جعلناهم جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام  ﴾ لأن كل واحد جسد كذلك فيما نحن فيه كل واحد رتق.

المسألة الخامسة: اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال: أحدها: وهو قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم أن المعنى كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء لأنه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السماوية، قال كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحاً توسطتهما ففتقهما بها.

وثانيها: وهو قول أبي صالح ومجاهد أن المعنى كانت السموات مرتتقة فجعلت سبع سموات وكذلك الأرضون.

وثالثها: وهو قول ابن عباس والحسن وأكثر المفسرين أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ  وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ  ﴾ ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله بعد ذلك: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيء حَىٍّ ﴾ وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا.

فإن قيل: هذا الوجه مرجوح لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا، قلنا: إنما أطلق عليه لفظ الجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق وبرمة أعشار.

واعلم أن هذا التأويل يجوز حمل الرؤية على الإبصار.

ورابعها: قول أبي مسلم الأصفهاني: يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار كقوله: ﴿ فَاطِرَ السموات والأرض  ﴾ وكقوله: ﴿ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السموات والأرض الذي فطَرَهُنَّ  ﴾ فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق.

أقول وتحقيقه أن العدم نفي محض، فليس فيه ذوات مميزة وأعيان متباينة، بل كأنه أمر واحد متصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكون يتميز بعضها عن بعض وينفصل بعضها عن بعض، فبهذا الطريق حسن جعل الرتق مجازاً عن العدم والفتق عن الوجود.

وخامسها: أن الليل سابق على النهار، لقوله تعالى: ﴿ وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار  ﴾ وكانت السموات والأرض مظلمة أولاً ففتقهما الله تعالى بإظهار النهار المبصر، فإن قيل: فأي الأقاويل أليق بالظاهر؟

قلنا: الظاهر يقتضي أن السماء على ما هي عليه، والأرض على ما هي عليه كانتا رتقاً، ولا يجوز كونهما كذلك إلا وهما موجودان، والرتق ضد الفتق فإذا كان الفتق هو المفارقة فالرتق يجب أن يكون هو الملازمة، وبهذا الطريق صار الوجه الرابع والخامس مرجوحاً، ويصير الوجه الأول أولى الوجوه ويتلوه الوجه الثاني.

وهو أن كل واحد منهما كان رتقاً ففتقهما بأن جعل كل واحد منهما سبعاً، ويتلوه الثالث وهو أنهما كانا صلبين من غير فطور وفرج، ففتقهما لينزل المطر من السماء، ويظهر النبات على الأرض.

المسألة السادسة: دلالة هذه الوجوه على إثبات الصانع وعلى وحدانيته ظاهرة، لأن أحداً لا يقدر على مثل ذلك، والأقرب أنه سبحانه خلقهما رتقاً لما فيه من المصلحة للملائكة، ثم لما أسكن الله الأرض أهلها جعلهما فتقاً لما فيه من منافع العباد.

النوع الثاني من الدلائل: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيء حَىّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف قوله: وجعلنا لا يخلو إما أن يتعدى إلى واحد أو اثنين، فإن تعدى إلى واحد فالمعنى خلقنا من الماء كل حيوان كقوله: ﴿ والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء  ﴾ أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله: ﴿ خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ  ﴾ وإن تعدى إلى اثنين فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لابد له منه، ومن هذا نحو من في قوله عليه السلام: «ما أنا من دد ولا الدد مني» وقرئ حياً وهو المفعول الثاني.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول كيف قال: وخلقنا من الماء كل حيوان، وقد قال: ﴿ والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم  ﴾ وجاء في الأخبار أن الله تعالى خلق الملائكة من النور وقال تعالى في حق عيسى عليه السلام: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى  ﴾ وقال في حق آدم: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ والجواب: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة المخصصة قائمة، فإن الدليل لابد وأن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى عليهم السلام، لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك.

المسألة الثالثة: اختلف المفسرون فقال بعضهم المراد من قوله: ﴿ كُلَّ شَيء حَىّ ﴾ الحيوان فقط، وقال آخرون بل يدخل فيه النبات والشجر لأنه من الماء صار نامياً وصار فيه الرطوبة والخضرة والنور والثمر، وهذا القول أليق بالمعنى المقصود، كأنه تعالى قال: ففتقنا السماء لإنزال المطر وجعلنا منه كل شيء في الأرض من النبات وغيره حياً، حجة القول الأول أن النبات لا يسمى حياً، قلنا لا نسلم والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ يُحْىِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا  ﴾ أما قوله تعالى: ﴿ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فالمراد أفلا يؤمنون بأن يتدبروا هذه الأدلة فيعلموا بها الخالق الذي لا يشبه غيره ويتركوا طريقة الشرك.

النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن تميد بهم كراهة أن تميد بهم أو لئلا تميد بهم فحذف لا واللام الأولى وإنما جاز حذف لا لعدم الالتباس كما ترى ذلك في قوله: ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب ﴾ .

المسألة الثانية: الرواسي الجبال، والراسي هو الداخل في الأرض.

المسألة الثالثة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الأرض بسطت على الماء فكانت تنكفئ بأهلها كما تنكفئ السفينة، لأنها بسطت على الماء فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال.

النوع الرابع: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: الفج الطريق الواسع، فإن قلت في الفجاج معنى الوصف فمالها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى: ﴿ لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ﴾ قلت لم تقدم وهي صفة، ولكنها جعلت حالاً كقوله: لعزة موحشاً طلل قديم *** والفرق من جهة المعنى أن قوله سبلاً فجاجاً، إعلام بأنه سبحانه جعل فيها طرقاً واسعة، وأما قوله: ﴿ فِجَاجاً سُبُلاً ﴾ فهو إعلام بأنه سبحانه حين خلقها جعلها على تلك الصفة، فهذه الآية بيان لما أبهم في الآية الأولى.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ قولان: أحدهما أنها عائدة إلى الجبال، أي وجعلنا في الجبال التي هي رواسي فجاجاً سبلاً، أي طرقاً واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً.

الثاني: أنها عائدة إلى الأرض، أي وجعلنا في الأرض فجاجاً وهي المسالك والطرق وهو قول الكلبي.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ معناه لكي يهتدوا إذ الشك لا يجوز على الله تعالى.

المسألة الرابعة: في يهتدون قولان: الأول: ليهتدوا إلى البلاد.

والثاني: ليهتدوا إلى وحدانية الله تعالى بالاستدلال، قالت المعتزلة وهذا التأويل يدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين الاهتداء.

والكلام عليه قد تقدم، وفيه قول ثالث وهو أن الإهتداء إلى البلاد والاهتداء إلى وحدانية الله تعالى يشتركان في مفهوم واحد وهو أصل الاهتداء فيحمل اللفظ على ذلك المشترك وحينئذ تكون الآية متناولة للأمرين ولا يلزم منه كون اللفظ المشترك مستعملاً في مفهوميه معاً.

النوع الخامس: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ ءاياتها مُعْرِضُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: سمى السماء سقفاً لأنها للأرض كالسقف للبيت.

المسألة الثانية: في المحفوظ قولان: أحدهما: أن محفوظ من الوقوع والسقوط الذين يجري مثلهما على سائر السقوف كقوله: ﴿ وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ  ﴾ وقال: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَن تَقُومَ السماء والأرض بِأَمْرِهِ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ يُؤُدهُ حِفْظُهُمَا  ﴾ .

الثاني: محفوظاً من الشياطين قال تعالى: ﴿ وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ  ﴾ ثم هاهنا قولان: أحدهما: أنه محفوظ بالملائكة من الشياطين.

والثاني: أنه محفوظ بالنجوم من الشياطين، والقول الأول أقوى لأن حمل الآيات عليه مما يزيد هذه النعمة عظماً لأنه سبحانه كالمتكفل بحفظه وسقوطه على المكلفين بخلاف القول الثاني لأنه لا يخاف على السماء من استراق سمع الجن.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ عَنْ ءاياتها مُعْرِضُونَ ﴾ معناه عما وضع الله تعالى فيها من الأدلة والعبر في حركاتها وكيفية حركاتها وجهات حركاتها ومطالعها ومغاربها واتصالات بعضها ببعض وانفصالاتها على الحساب القويم والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة.

المسألة الرابعة: قرئ عن آيتها على التوحيد والمراد الجنس أي هم متفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع الدنيوية كالاستضاءة بقمرها والاهتداء بكواكبها، وحياة الأرض بأمطارها وهم عن كونها آية بينة على وجود الخالق ووحدانيته معرضون.

النوع السادس: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي خَلَقَ اليل والنهار والشمس والقمر كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه لما قال: ﴿ وَهُمْ عَنْ ءاياتها مُعْرِضُونَ ﴾ فصل تلك الآيات هاهنا لأنه تعالى لو خلق السماء والأرض ولم يخلق الشمس والقمر ليظهر بهما الليل والنهار ويظهر بهما من المنافع بتعاقب الحر والبرد لم تتكامل نعم الله تعالى على عباده بل إنما يكون ذلك بسبب حركاتها في أفلاكها، فلهذا قال: ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ وتقريره أن نقول قد ثبت بالأرصاد أن للكواكب حركات مختلفة فمنها حركة تشملها بأسرها آخذة من المشرق إلى المغرب وهي حركة الشمس اليومية، ثم قال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة، وهاهنا حركة أخرى من المغرب إلى المشرق قالوا وهي ظاهرة في السبعة السيارة خفية في الثابتة، واستدلوا عليها بأنا وجدنا الكواكب السيارة كلما كان منها أسرع حركة إذا قارن ما هو أبطأ حركة فإنه بعد ذلك يتقدمه نحو المشرق وهذا في القمر ظاهر جداً فإنه يظهر بعد الإجتماع بيوم أو يومين من ناحية المغرب على بعد من الشمس ثم يزداد كل ليلة بعداً منها إلى أن يقابلها على قريب من نصف الشهر وكل كوكب كان شرقياً منه على طريقته في ممر البروج يزداد كل ليلة قرباً منه ثم إذا أدركه ستره بطرفه الشرقي وتنكسف تلك الكواكب عنه بطرفه الغربي فعرفنا أن لهذه الكواكب السيارة حركة من المغرب إلى المشرق، وكذلك وجدنا للكواكب الثابتة حركة بطيئة على توالي البروج فعرفنا أن لها حركة من المغرب إلى المشرق.

هذا ما قالوه ونحن خالفناهم فيه، وقلنا: إن ذلك محال لأن الشمس مثلاً لو كانت متحركة بذاتها من المغرب إلى المشرق حركة بطيئة ولا شك أنها متحركة بسبب الحركة اليومية من المغرب إلى المشرق لزم كون الجرم الواحد متحركاً حركتين إلى جهتين مختلفتين دفعة احدة وذلك محال لأن الحركة إلى الجهة تقتضي حصول المتحرك في الجهة المنتقل إليها فلو تحرك الجسم الواحد دفعة واحدة إلى جهتين لزم حصوله دفعة واحدة في مكانين وهو محال.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: الشمس حال حركتها إلى الجانب الشرقي تنقطع حركتها إلى الجانب الغربي وبالعكس، وأيضاً فما ذكرتموه ينتقض بحركة الرحى إلى جانب والنملة التي تكون عليها تتحرك إلى خلاف ذلك الجانب، قلنا: أما الأول فلا يستقيم على أصولكم لأن حركات الأفلاك مصونة عن الانقطاع عندكم، وأما الثاني فهو مثال محتمل وما ذكرناه برهان قاطع فلا يتعارضان، أما الذي احتجوا به على أن للكواكب حركة من المغرب إلى المشرق فهو ضعيف، فإنه يقال لم لا يجوز أن يقال إن جميع الكواكب متحركة من المشرق إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض فيتخلف بعضها عن بعض بسبب ذلك التخلف فيظن أنها تتحرك إلى خلاف تلك الجهة مثلاً الفلك الأعظم استدارته من أول اليوم الأول إلى أول اليوم الثاني دورة تامة وفلك الثوابت استدارته من أول اليوم الأولى إلى أول اليوم الثاني دورة تامة إلا مقدار ثانية فيظن أن فلك الثوابت تحرك من الجهة الأخرى مقدار ثانية ولا يكون كذلك بل ذلك لأنه تخلف بمقدار ثانية، وعلى هذا التقدير فجميع الجهات شرقية وأسرعها الحركة اليومية، ثم يليها في السرعة فلك الثوابت ثم يليها زحل وهكذا إلى أن ينتهي إلى فلك القمر فهو أبطأ الأفلاك حركة وهذا الذي قلناه مع ما يشهد له البرهان المذكور فهو أقرب إلى ترتيب الوجود، فإن على هذا التقدير تكون نهاية الحركة الفلك المحيط وهو الفلك الأعظم ونهاية السكون الجرم الذي هو في غاية البعد وهو الأرض، ثم إن كل ما كان أقرب إلى الفلك المحيط كان أسرع حركة وما كان منه أبعد كان أبطأ فهذا ما نقوله في حركات الأفلاك في أطوالها وأما حركاتها في عروضها فظاهرة وذلك بسبب اختلاف ميولها إلى الشمال والجنوب.

إذا ثبت هذا فنقول لو لم يكن للكواكب حركة في الميل لكان التأثير مخصوصاً ببقعة واحدة، فكان سائر الجوانب تخلو عن المنافع الحاصلة منه، وكان الذي يقرب منه متشابه الأحوال وكانت القوة هناك لكيفية واحدة، فإن كانت حارة أفنت الرطوبات فأحالتها كلها إلى النارية، وبالجملة فيكون الموضع المحاذي لممر الكواكب على كيفية وخط ما لا يحاذيه على كيفية أخرى وخط المتوسط بينهما على كيفية أخرى فيكون في موضع شتاء دائم ويكون فيه الهواء والعجاجة وفي موضع آخر صيف دائم يوجب الاحتراق وفي موضع آخر ربيع أو خريف لا يتم فيه النضج ولو لم تكن عودات متتالية، وكان الكوكب يتحرك بطيئاً لكان الميل قليل المنفعة والتأثير شديد الإفراط، وكان يعرض قريباً مما لو لم يكن ميل ولو كانت الكواكب أسرع حركة من هذه لما كملت المنافع وما تمت، وأما إذا كان هناك ميل يحفظ الحركة في جهة مدة ثم ينتقل إلى جهة أخرى بمقدار الحاجة ويبقى في كل جهة برهة تم بذلك تأثيره بحيث يبقى مصوناً عن طرفي الإفراط والتفريط.

وبالجملة، فالعقول لا تقف إلا على القليل من أسرار المخلوقات فسبحان الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقدرة الغير المتناهية.

المسألة الثانية: أنه لا يجوز أن يقول: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ إلا ويدخل في الكلام مع الشمس والقمر النجوم ليثبت معنى الجمع ومعنى الكل فصارت النجوم وإن لم تكن مذكورة أولاً فإنها مذكورة لعود هذا الضمير إليها والله أعلم.

المسألة الثالثة: الفلك في كلام العرب كل شيء دائر وجمعه أفلاك، واختلف العقلاء فيه فقال بعضهم: الفلك ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم وهو قول الضحاك، وقال الأكثرون: بل هي أجسام تدور النجوم عليها، وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن، ثم اختلفوا في كيفيته فقال بعضهم: الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه، وقال الكلبي: ماء مجموع تجري فيه الكواكب واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء، قلنا؛ لا نسلم فإنه يقال في الفرس الذي يمد يديه في الجري سابح، وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة: إنها أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والإلتئام والنمو والذبول، فأما الكلام على الفلاسفة فهو مذكور في الكتب اللائقة به، والحق أنه لا سبيل إلى معرفة صفات السموات إلا بالخبر.

المسألة الرابعة: اختلف الناس في حركات الكواكب والوجوه الممكنة فيها ثلاثة فإنه إما أن يكون الفلك ساكناً والكواكب تتحرك فيه كحركة السمك في الماء الراكد، وإما أن يكون الفلك متحركاً والكواكب تتحرك فيه أيضاً إما مخالفاً لجهة حركته أو موافقاً لجهته إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة، وإما أن يكون الفلك متحركاً والكوكب ساكناً، أما الرأي الأول فقالت الفلاسفة إنه باطل لأنه يوجب خرق الأفلاك وهو محال، وأما الرأي الثاني فحركة الكواكب إن فرضت مخالفة لحركة الفلك فذاك أيضاً يوجب الخرق وإن كانت حركتها إلى جهة الفلك فإن كانت مخالفة لها في السرعة والبطء لزم الانخراق وإن استويا في الجهة والسرعة والبطء فالخرق أيضاً لازم لأن الكواكب تتحرك بالعرض بسبب حركة الفلك فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم الخرق فلم يبق إلا القسم الثالث وهو أن يكون الكوكب مغروزاً في الفلك واقفاً فيه والفلك يتحرك فيتحرك الكوكب بسبب حركة الفلك، واعلم أن مدار هذا الكلام على امتناع الخرق على الأفلاك وهو باطل بل الحق أن الأقسام الثلاثة ممكنة والله تعالى قادر على كل الممكنات والذي يدل عليه لفظ القرآن أن تكون الأفلاك واقفة والكواكب تكون جارية فيها كما تسبح السمكة في الماء.

المسألة الخامسة: قال صاحب الكشاف: ﴿ كُلٌّ ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي كلهم في فلك يسبحون والله أعلم.

المسألة السادسة: احتج أبو علي بن سينا على كون الكواكب أحياء ناطقة بقوله: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ قال والجمع بالواو والنون لا يكون إلا للعقلاء، وبقوله تعالى: ﴿ والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ  ﴾ ، والجواب: إنما جعل واو الضمير للعقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة قال صاحب الكشاف: فإن قلت الجملة ما محلها قلت النصب على الحال من الشمس والقمر أو لا محل لها لاستئنافها، فإن قلت: لكل واحد من القمرين فلك على حدة فكيف قيل جميعهم يسبحون في فلك؟

قلت: هذا كقولهم كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفاً أي كل واحد منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي كراهة ﴿ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ وتضطرب.

أو لئلا تميد بهم، فحذف (لا) واللام.

وإنما جاز حذف (لا) لعدم الالتباس، كما تزاد لذلك في نحو قوله: ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ ﴾ [الحديد: 29] وهذا مذهب الكوفيين.

﴿ فجاجاً ﴾ الفج: الطريق الواسع.

فإن قلت: في الفجاج معنى الوصف، فما لها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى: ﴿ لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ﴾ [نوح: 20] قلت: لم تقدّم وهي صفة، ولكن جعلت حالاً كقوله: لِعَزَّةَ مُوحِشاً طَلَلٌ قَدِيم فإن قلت: ما الفرق بينهما من جهة المعنى؟

قلت: أحدهما الإعلام بأنه جعل فيها طرقاً واسعة.

والثاني: بأنه حين خلقها خلقها على تلك الصفة، فهو بيان لما أبهم ثمة، محفوظاً حفظه بالإمساك بقدرته من أن يقع على الأرض ويتزلزل، أو بالشهب عن تسمع الشياطين على سكانه من الملائكة ﴿ عَنْ ءاياتها ﴾ أي عما وضع الله فيها من الأدلة والعبر بالشمس والقمر وسائر النيرات، ومسايرها وطلوعها وغروبها؛ على الحساب القويم والترتيب العجيب، الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة، وأيّ جهل أعظم من جهل من أعرض عنها ولم يذهب به وهمه إلى تدبرها؛ والاعتبار بها، والاستدلال على عظمة شأن من أوجدها عن عدم، ودبرها ونصبها هذه النصبة، وأودعها ما أودعها مما لا يعرف كنهه إلا هو عزت قدرته ولطف علمه.

وقرئ ﴿ عن آيتها ﴾ على التوحيد، اكتفاء بالواحدة في الدلالة على الجنس أي: هم متفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع الدنيوية، كالاستضاءة بقمريها، والاهتداء بكواكبها، وحياة الأرض والحيوان بأمطارها، وهم عن كونها آية بينة على الخالق ﴿ مُّعْرِضُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ ﴾ ثابِتاتٍ مِن رَسا الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ.

﴿ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ كَراهَةَ أنْ تَمِيلَ بِهِمْ وتَضْطَرِبَ، وقِيلَ لِأنْ لا تَمِيدَ فَحُذِفَ لا لِأمْنِ الإلْباسِ.

﴿ وَجَعَلْنا فِيها ﴾ في الأرْضِ أوِ الرَّواسِي.

﴿ فِجاجًا سُبُلا ﴾ مَسالِكَ واسِعَةً وإنَّما قَدَّمَ فِجاجًا وهو وصْفٌ لَهُ لِيَصِيرَ حالًا فَيَدُلَّ عَلى أنَّهُ حِينَ خَلَقَها خَلَقَها كَذَلِكَ، أوْ لِيُبَدِّلَ مِنها سُبُلًا فَيَدُلَّ ضِمْنًا عَلى أنَّهُ خَلَقَها ووَسَّعَها لِلسّابِلَةِ مَعَ ما يَكُونُ فِيهِ مِنَ التَّوْكِيدِ.

﴿ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ إلى مَصالِحِهِمْ.

﴿ وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ﴾ عَنِ الوُقُوعِ بِقُدْرَتِهِ أوِ الفَسادِ والِانْحِلالِ إلى الوَقْتِ المَعْلُومِ بِمَشِيئَتِهِ، أوِ اسْتِراقِ السَّمْعِ بِالشُّهُبِ.

﴿ وَهم عَنْ آياتِها ﴾ عَنْ أحْوالِها الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وتَناهِي حِكْمَتِهِ الَّتِي يُحِسُّ بِبَعْضِها ويَبْحَثُ عَنْ بَعْضِها في عِلْمَيِ الطَّبِيعَةِ والهَيْئَةِ.

﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ غَيْرُ مُتَفَكِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً} في موضعه عن السقوط كما قال وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ على الأرض بإذنه أو محفوظا بالهشب عن الشياطين كام قال وحفظناها من كل شيطان رجيم {وهم} أي الكفار {عن آياتها} عن الادلة التي فها كالشمس والقمر والنجوم {مُّعْرِضُونَ} غير متفكرين فيها فيؤمنون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ﴾ مِنَ البِلى والتَّغَيُّرِ عَلى طُولِ الدَّهْرِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والمُرادُ أنَّها جُعِلَتْ مَحْفُوظَةً عَنْ ذَلِكَ الدَّهْرِ الطَّوِيلِ، ولا يُنافِيهِ أنَّها تُطْوى يَوْمَ القِيامَةِ طَيَّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ وإلى تَغَيُّرِها ودُثُورِها ذَهَبَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ ومُعْظَمُ أجِلَّةِ الفَلاسِفَةِ كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ صَدْرُ الدِّينِ الشِّيرازِيُّ في أسْفارِهِ وسَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَحِلِّهِ.

وقِيلَ: مِنَ الوُقُوعِ، وقالَ الفَرّاءُ: مِنَ اسْتِراقِ السَّمْعِ بِالرُّجُومِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ يَكُونُ ذِكْرُ السَّقْفِ لَغْوًا لا يُناسِبُ البَلاغَةَ فَضْلًا عَنِ الإعْجازِ، وذُكِرَ في وجْهِهِ أنَّ المُرادَ أنَّ حِفْظَها لَيْسَ كَحِفْظِ دَوْرِ الأرْضِ فَإنَّ السُّرّاقَ رُبَّما تَسَلَّقَتْ مِن سُقُوفِها بِخِلافِ هَذِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى حِفْظِها عَمَّنْ تَحْتَها ويَدُلُّ عَلى حِفْظِها عَنْهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وفي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  نَظَرَ إلى السَّماءِ فَقالَ: «إنَّ السَّماءَ سَقْفٌ مَرْفُوعٌ ومَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَجْرِي كَما يَجْرِي السَّهْمُ مَحْفُوظَةٌ مِنَ الشَّياطِينِ»» وهو إذا صَحَّ لا يَكُونُ نَصًّا في مَعْنى الآيَةِ كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، ويَرُدُّ عَلَيْهِ ما أُورِدَ عَلى سابِقِهِ كَما لا يَخْفى.

﴿ وهم عَنْ آياتِها ﴾ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِنا وعِلْمِنا وحِكْمَتِنا وقُدْرَتِنا وإرادَتِنا الَّتِي بَعْضُها ظاهِرٌ كالشَّمْسِ وبَعْضُها مَعْلُومٌ بِالبَحْثِ عَنْهُ ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ ذاهِلُونَ عَنْها لا يُجِيلُونَ قِداحَ الفِكْرِ فِيها، وقَرَأ مُجاهِدٌ.

وحَمِيدٌ (عَنْ آيَتِها ) بِالإفْرادِ ووُجِّهَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِمّا فِيها كافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِ كَمالِهِ وُحِّدَتِ الآيَةُ لِذَلِكَ، وجُعِلَ الإعْراضُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى إنْكارِ كَوْنِها آيَةً بَيِّنَةً دالَّةً عَلى الخالِقِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ في الكَشّافِ أيْ هم مُتَفَطِّنُونَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَنافِعِ وهم عَنْ كَوْنِها آيَةً بَيِّنَةً عَلى الخالِقِ مُعْرِضُونَ ولَيْسَ بِلازِمٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقوله عز وجل: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ، أي: الجبال الثقال الثوابت.

أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ، يعني: كيلا تميل، ويقال: كراهية أن تميل بكم.

وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا، يعني: في الأرض وفي الجبال أودية.

والفجاج: جمع فج، وهو كل مخترق بين جبلين سُبُلًا يعني: طرقاً.

لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ، لكي يعرفوا الطرق.

وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً من السقوط كيلا تسقط عليهم.

وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ يعني: عن شمسها وقمرها ونجومها وما فيها من الأدلة والعبر مُعْرِضُونَ يعني: لا يتفكرون فيها.

وقرأ بعضهم: وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ ومعناه: إن السماء بنفسها من أعظم آية، لأنها متمسكة بقدرته.

ثم قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، يعني: الظلمة والضوء.

وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، أي في دوران يجرون.

وقال قتادة: يجرون في فلك السماء، وقال الكلبي: كل شيء يدور فهو فلك وقال القتبي: الفلك القطب الذي تدور به النجوم، وهو كوكب خفي بقرب الفرقدين وبنات نعش، عليه تدور السماء.

فقد ذكر بلفظ العقلاء أنهم يسبحون، لأنه وصف منهم الفعل كما ذكر من العقلاء.

ثم قال عز وجل: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ، يعني: في الدنيا أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ وذلك أن أناساً من الكفار قالوا: إن محمداً  يموت، فنزل: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، يعني: بالغنى والفقر والرخاء والشدة فِتْنَةً، يعني: اختباراً لهم.

وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ في الآخرة.

قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين يَرْجِعُونَ بالياء بلفظ المغايبة، وقرأ الباقون تُرْجَعُونَ بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ ابن عامر في إحدى الروايتين يَرْجِعُونَ بنصب الياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأمر، ثم أَخْبَرَ تعالى: أَنَّهُم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى اللَّه أَنْ يشْفَعَ له، قال بعضُ المفسرين: لأَهْلِ لا إله إلاّ اللَّه، والمُشْفِقُ: المُبَالِغُ في الخوفِ، المُحْتَرِقُ النَّفْسِ من الفَزَع على أَمْرٍ ما.

وقوله سبحانه: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ ...

الآية، المعنى: وَمَنْ يَقُلْ منهم كذا أَنْ لو قاله، وليس منهم مَنْ قال هذا، وقال بَعْضُ المفسرين: المراد بقوله:

وَمَنْ يَقُلْ ...

الآية: إبْلِيسُ، وهذا ضعيفٌ لأَنَّ إبَلِيسِ لم يُرْوَ قَطَّ أَنَّهُ ادَّعَى الرُّبِوبِيَّة، ثم وَقَفَهُمْ سبحانه على عِبْرَةٍ دَالَّةٍ على وَحْدَانِيَّتِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، فقال: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً والرَّتْقُ: المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، الذي لا صَدْعَ فيه ولا فَتْحَ، ومنه: امرأةً رتْقَاءُ، واخْتُلِفِ في معنى قوله: كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما فقالت فِرْقَةٌ:

كانت السماءُ ملتصقة بالأرض ففتقهما اللهُ بالهواء، وقالت فرقةٌ: كانت السمواتُ ملتصقةً بَعْضَهَا ببعضٍ، والأرضُ كذلك ففتقهما الله سبعاً سبعاً فعلى هذين القولين فالرُّؤيَةُ الموقَفِ عليها رؤيةُ قلبٍ، وقالت فرقةٌ: السماءُ قبل المَطَرَ رَتْقٌ، والأَرضُ قبل النباتِ رَتْقٌ ففتقهما الله تعالى بالمَطَرِ والنَّبَاتِ كما قال تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ [الطارق: ١١، ١٢] .

وهذا قولٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ العِبْرَةَ وتعديدَ النعمةِ والحُجَّةِ بِمحسوسٍ بَيِّنٍ، ويُنَاسِبُ قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أي: من الماءِ الذي كان عَن الفَتْقِ، فَيَظْهَرُ معنى الآية، ويتوجَّهُ الاعتبارُ بها، وقالت فرقة: السماءُ والأَرْضُ رَتْقٌ بالظُّلْمَةِ ففتقهما الله بالضَّوْءِ والرُّؤْيَةِ على هذين القولين رُؤْيَةُ العَيْنِ، وباقي الآية بَيِّنٌ.

قال ص: قال الزَّجَّاجُ: السمواتُ جَمْعٌ أُرِيدَ به الواحد ولذا قال: كانَتا رَتْقاً.

وقال الحُوفِيُّ: «قال: كانَتا- والسمواتُ جَمْعٌ-: لأَنَّهُ أرادَ الصنفين» انتهى.

وقوله: سَقْفاً مَحْفُوظاً الحِفْظُ هنا عامٌّ في الحِفْظِ من الشيطان، ومن الوهي والسُّقُوطِ، وغير ذلك من الآفاتِ، والفَلَكُ: الجسمُ الدّائر دورة اليوم والليلة/.

١٧ ب ويَسْبَحُونَ معناه: يَتَصَرَّفُونَ، وقالت فرقة: الفَلَكُ مَوْجٌ مكفوفٌ، قوله: يَسْبَحُونَ من السباحة وهي: العوم.

وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)

وقوله عزَّ وجل: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ...

الآية، وتقديرُ الكلام:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ؛ أيِ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( ألَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بِغَيْرِ واوٍ بَيْنَ الألِفِ واللّامِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ مَكَّةَ.

﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّماواتُ جَمْعٌ، والأرْضُ واحِدَةٌ، فَخَرَجَتْ صِفَةُ لَفْظِ الجَمْعِ عَلى لَفْظِ صِفَةِ الواحِدِ، والعَرَبُ تَفْعَلُ هَذا إذا أشْرَكُوا بَيْنَ جَمْعٍ وبَيْنَ واحِدٍ، والرَّتْقُ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والِاثْنانِ والجَمْعُ، والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ سَواءٌ، ومَعْنى الرَّتْقِ: الَّذِي لَيْسَ فِيهِ ثُقْبٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: كانَتا ذَواتَيْ رَتْقٍ، فَجَعَلَهُما ذَواتِ فَتْقٍ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: رَتْقَيْنِ؛ لِأنَّ الرَّتْقَ مَصْدَرٌ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السَّماواتِ كانَتْ رَتْقًا لا تُمْطِرُ، وكانَتِ الأرْضُ رَتْقًا لا تُنْبِتُ، فَفَتَقَ هَذِهِ بِالمَطَرِ وهَذِهِ بِالنَّباتِ، رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا مُلْتَصِقَتَيْنِ، فَفَتَقَهُما اللَّهُ تَعالى، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ فَتَقَ مِنَ الأرْضِ سِتَّ أرَضِينَ فَصارَتْ سَبْعًا، ومِنَ السَّماءِ سِتَّ سَماواتٍ فَصارَتْ سَبْعًا، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( كُلَّ شَيْءٍ حَيًّا ) بِالنَّصْبِ.

وَفِي هَذا الماءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الماءُ المَعْرُوفُ، والمَعْنى: جَعَلْنا الماءَ سَبَبًا لِحَياةِ كُلِّ حَيٍّ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ النُّطْفَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في ( النَّحْلِ: ١٥ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا فِيها ﴾ ؛ أيْ: في الرَّواسِي، ﴿ فِجاجًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي المَسالِكُ.

قالَ الزَّجّاجُ: الفِجاجُ جَمْعُ فَجٍّ، وهو كُلُّ مُنْخَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، ومَعْنى ﴿ سُبُلا ﴾ : طُرُقًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلْنا مِنَ الجِبالِ طُرُقًا؛ كَيْ تَهْتَدُوا إلى مَقاصِدِكم في الأسْفارِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وقَوْلُهُ: ﴿ سُبُلا ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ وبَيانُ أنَّ تِلْكَ الفِجاجَ نافِذَةٌ مَسْلُوكَةٌ، فَقَدْ يَكُونُ الفَجُّ غَيْرَ نافِذٍ.

﴿ وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا ﴾ ؛ أيْ: هي لِلْأرْضِ كالسَّقْفِ.

وَفِي مَعْنى ﴿ مَحْفُوظًا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّياطِينِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَحْفُوظًا مِنَ الوُقُوعِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارُ مَكَّةَ، ﴿ عَنْ آياتِها ﴾ ؛ أيْ: شَمْسِها وقَمَرِها ونُجُومِها.

قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ مُجاهِدٌ: ( عَنْ آيَتِها ) فَوَحَّدَهُ، فَجَعَلَ السَّماءَ بِما فِيها آيَةً، وكُلٌّ صَوابٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلٌّ ﴾ يَعْنِي: الطَّوالِعَ، " في فَلَكٍ " قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الفَلَكُ: مَدارُ النُّجُومِ الَّذِي يَضُمُّها، وسَمّاهُ فَلَكًا لِاسْتِدارَتِهِ.

ومِنهُ قِيلَ: فَلْكَةُ المِغْزَلِ، وقَدْ فَلَكَ ثَدْيُ المَرْأةِ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وقِيلَ: إنَّ الفَلَكَ - كَهَيْئَةِ السّاقِيَةِ مِن ماءٍ - مُسْتَدِيرَةٌ دُونَ السَّماءِ وتَحْتَ الأرْضِ، فالأرْضُ وسَطُها، والشَّمْسُ والقَمَرُ، والنُّجُومُ، واللَّيْلُ والنَّهارُ، يَجْرُونَ في الفَلَكِ، ولَيْسَ الفَلَكُ يُدِيرُها.

ومَعْنى " يَسْبَحُونَ ": يَجْرُونَ.

قالَ الفَرّاءُ: لَمّا كانَتِ السِّباحَةُ مِن أفْعالِ الآدَمِيِّينَ، ذُكِرَتْ بِالنُّونِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ  ﴾ ؛ لِأنَّ السُّجُودَ مِن أفْعالِ الآدَمِيِّينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا السَماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عن آياتِها مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَيْلَ والنَهارَ والشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ "الرَواسِي" جَمْعُ راسِيَةٍ، أيْ ثابِتَةٍ، يُقالُ: رَسا يَرْسُو إذا ثَبَتَ واسْتَقَرَ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الأجْرامِ الكِبارِ كالجِبالِ والسَفِينَةِ ونَحْوِها.

ويُرْوى أنَّ الأرْضَ كانَتْ تُكْفَأُ بِأهْلِها حَتّى ثَقَّلَها اللهُ تَعالى بِالجِبالِ فاسْتَقَرَّتْ.

و"المَيْدُ": التَحَرُّكُ، و"الفِجاجُ": الطُرُقُ المُتَّسِعَةُ في الجِبالِ وغَيْرِها، و"سُبُلًا": جَمْعُ سَبِيلٍ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيها" يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الرَواسِي، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ، وهو أحْسَنُ.

و"يَهْتَدُونَ" مَعْناهُ: في مَسالِكِهِمْ وتَصْرِفِهِمْ.

وَ "السَقْفُ": ما عَلا، و الحِفْظُ هُنا عامٌّ في الحِفْظِ مِنَ الشَياطِينِ ومِنَ الوَهْيِ والسُقُوطِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآفاتِ.

و"آياتِها": كَواكِبُها وأمْطارُها والرَعْدُ والبَرْقُ والصَواعِقُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُشْبِهُهُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عن آيَتِها" بِالإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجِنْسُ.

و "الفَلَكُ": الجِسْمُ الدائِرُ دَوْرَةَ اليَوْمِ واللَيْلَةِ، فالكُلُّ في ذَلِكَ سابِحٌ مُتَصَرِّفٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ إلى الكَلامِ فِيما هو الفَلَكُ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كَحَدِيدَةِ الرَحى، وقالَ بَعْضُهُمْ: كالطاحُونَةِ، وغَيْرُ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي التَسَوُّرُ عَلَيْهِ، غَيْرَ أنّا نَعْرِفُ أنَّ الفَلَكَ جِسْمٌ مُسْتَدِيرٌ، و"يَسْبَحُونَ" مَعْناهُ: يَتَصَرَّفُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الفَلَكُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، ورَأوا قَوْلَهُ: "يَسْبَحُونَ" مِنَ السِباحَةِ وهو العَوْمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما ذكر الاعتبار بخلق الأرض وما فيها ناسب بحكم الطباق ذكر خلق السماء عقبه، إلا أن حالة خلق الأرض فيها منافع للناس.

فعقب ذكرها بالامتنان بقوله تعالى: ﴿ أن تميد بهم ﴾ [الأنبياء: 31] وبقوله تعالى: ﴿ لعلهم يهتدون ﴾ [الأنبياء: 31].

وأمّا حال خلق السماء فلا تظهر فيه منفعة فلم يذكر بعده امتنان، ولكنه ذكر إعراضهم عن التدبر في آيات خلق السماء الدالة على الحكمة البالغة فعقب بقوله تعالى: ﴿ وهم عن آياتها معرضون ﴾ .

فأُدمج في خلال ذلك منة وهي حفظ السماء من أن تقع بعض الأجرام الكائنة فيها أو بعض أجزائها على الأرض فتهلك الناس أو تفسد الأرض فتعطل منافعها، فذلك إدماج للمنة في خلال الغرض المقصود الذي لا مندوحة عن العبرة به.

والسقف، حقيقته: غطاء فضاء البيت الموضوع على جدرانه، ولا يقال السقف على غطاء الخباء والخيمة.

وأطلق السقف على السماء على طريقة التشبيه البليغ، أي جعلناها كالسقف لأن السماء ليست موضوعة على عمد من الأرض، قال تعالى: ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ بغير عمد ترونها وقد تقدم في أول سورة الرعد (2).

وجملة ﴿ وهم عن آياتها معرضون ﴾ في موضع الحال.

وآيات السماء ما تشتمل عليه السماء من الشمس والقمر والكواكب والشهب وسيرها وشروقها وغروبها وظهورها وغيبتها، وابتناء ذلك على حساب قويم وترتيب عجيب، وكلها دلائل على الحكمة البالغة فلذلك سماها آيات.

وكذلك ما يبدو لنا من جهة السماء مثل السحاب والبرق والرعد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ جَلَّ: ﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا مُلْتَصِقَتَيْنِ فَفَتَقَ اللَّهُ بَيْنَهُما بِالهَواءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ السَّماواتِ كانَتْ مُرْتَتِقَةً مُطْبَقَةً فَفَتَقَها اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ وكانَتِ الأرْضُ كَذَلِكَ فَفَتَقَها سَبْعَ أرَضِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ السَّماواتِ كانَتْ رَتْقًا لا تُمْطِرُ، والأرْضَ كانَتْ رَتْقًا لا تُنْبِتُ، فَفَتَقَ السَّماءَ بِالمَطَرِ، والأرْضَ بِالنَّباتِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والرَّتْقُ سَدٌّ، والفَتْقُ شَقٌّ، وهُما ضِدّانِ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسّانٍ يَهُونُ عَلَيْهِمْ إذا يَغْضَبُو نَ سُخْطُ العِداةِ وإرْغامُها ∗∗∗ ورَتْقُ الفُتُوقِ وفَتْقُ الرُّتُو ∗∗∗ قِ ونَقْضُ الأُمُورِ وإبْرامُها ﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: حِفْظُ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ حَيٍّ بِالماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: وجَعَلْنا مِن ماءِ الصُّلْبِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

﴿ أفَلا يُؤْمِنُونَ ﴾ يَعْنِي أفَلا يُصَدِّقُونَ بِما يُشاهِدُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ والرَّواسِي الجِبالُ، وفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها رَسَتْ في الأرْضِ وثَبَتَتْ، قالَ الشّاعِرُ: رَسا أصْلُهُ تَحْتَ الثَّرى وسَما بِهِ ∗∗∗ إلى النَّجْمِ فَرْعٌ لا يَزالُ طَوِيلُ الثّانِي: لِأنَّ الأرْضَ بِها رَسَتْ وثَبَتَتْ.

وَفي الرَّواسِي مِنَ الجِبالِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الثَّوابِتُ: قالَهُ قُطْرُبُ.

الثّانِي: أنَّها الثِّقالُ قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِئَلّا تَزُولُ بِهِمْ.

الثّانِي: لِئَلّا تَضْطَرِبَ بِهِمْ.

المَيْدُ الِاضْطِرابُ.

﴿ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلا ﴾ في الفِجاجِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأعْلامُ الَّتِي يُهْتَدى بِها.

الثّانِي: الفِجاجُ جَمْعُ فَجٍّ وهو الطَّرِيقُ الواسِعُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ.

قالَ الكُمَيْتُ: تَضِيقُ بِنا النَّجاحُ وهُنَّ فَجٌّ ∗∗∗ ونَجْهَلُ ماءَها السَّلِمَ الدَّفِينا ﴿ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سُبُلُ الِاعْتِبارِ لِيَهْتَدُوا بِالِاعْتِبارِ بِها إلى دِينِهِمْ.

الثّانِي: مَسالِكُ لِيَهْتَدُوا بِها إلى طُرُقِ بِلادِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَحْفُوظًا مِن أنْ تَسْقُطَ عَلى الأرْضِ.

الثّانِي: مَحْفُوظًا مِنَ الشَّياطِينِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: بِمَعْنى مَرْفُوعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: مَحْفُوظًا مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الفَلَكَ السَّماءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّ القُطْبَ المُسْتَدِيرُ الدّائِرُ بِما فِيهِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ فَلَكَةُ المِغْزَلِ لِاسْتِدارَتِها، قالَ الشّاعِرُ باتَتْ تُقاسِي الفَلَكَ الدَّوّارَ ∗∗∗ حَتّى الصَّباحِ تَعْمَلُ الأقْتارَ وَفِي اسْتِدارَةِ الفَلَكِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَدَوَرانِ الأُكْرَةِ.

الثّانِي: كَدَوَرانِ الرَّحى قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

واخْتُلِفَ في الفَلَكِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ السَّماءُ تَدُورُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْتِدارَةٌ في السَّماءِ تَدُورُ فِيها النُّجُومُ مَعَ ثُبُوتِ السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها اسْتِدارَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَدُورُ فِيها النُّجُومُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُجَرُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَدُورُونَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ الفَلَكُ مُدِيرَها، وعَلى الثّانِي تَكُونُ هي الدّائِرَةُ في الفَلَكِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً ﴾ قال: بين الجبال.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فجاجاً ﴾ أي أعلاماً ﴿ سبلاً ﴾ أي طرقاً.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: ﴿ وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً ﴾ قال: مرفوعاً ﴿ وهم عن آياتها معرضون ﴾ قال: الشمس والقمر والنجوم من آيات السماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة، «أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما يوم الجمعة؟

قال: خلق الله في ساعتين منه الليل والنهار» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كل في فلك ﴾ قال: دوران ﴿ يسبحون ﴾ قال: يجرون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كل في فلك ﴾ قال: فلكة كفلكة المغزل ﴿ يسبحون ﴾ قال: يدورون في أبواب السماء ما تدور الفلكة في المغزل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كل في فلك ﴾ قال: هو فلك السماء.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حسان بن عطية قال: الشمس والقمر والنجوم مسخرة في فلك بين السماء والأرض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل في فلك ﴾ قال: الفلك الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر.

وفي قوله: ﴿ يسبحون ﴾ قال: يجرون.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن الكلبي رضي الله عنه قال: كل شيء يدور فهو فلك.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ النجوم والشمس والقمر.

قال: كفلكة المغزل، قال: هو مثل حسبان، قال: فلا يدور الغزل إلا بالفلكة، ولا تدور الفلكة إلا بالمغزل، ولا يدور الرحى إلا بالحسبان، ولا يدور الحسبان إلا بالرحى، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدرن إلا به ولا يدور إلا بهن، قال: والحسبان والفلك يصيران إلى شيء واحد، غير أن الحسبان في الرحى كالفلكة في المغزل.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل في فلك ﴾ قال: الفلك كهيئة حديدة الرحى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ قال: يجرون في فلك السماء كما رأيت.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ قال: هو الدوران.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ قال: المغزل قال كما تدور الفلكة في المغزل.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ قال: وكان عبدالله يقرأ ﴿ كل في فلك يعملون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ قال: يجرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا ﴾ السقف معناه في اللغة: غماء البيت (١) ﴿ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ  ﴾ يعني السماء.

وقوله تعالى: ﴿ مَحْفُوظًا ﴾ قال ابن عباس: من الشياطين بالنجوم (٢) (٣) ﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ  ﴾ .

وذكر أبو إسحاق وجهًا آخر قال: حفظه الله من الوقوع على الأرض إلا بإذنه (٤) ودليل هذا قوله: ﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ  ﴾ .

وزاد غيره: محفوظا من الهدم، ومن أن يلحقها ما يلحق غيرها من السقوف على طول الدهر (٥) وقال مجاهد: ﴿ سَقْفًا مَحْفُوظًا ﴾ مرفوعًا (٦) وهذا معنى وليس بتفسير.

وذلك أنه مرفوع رفعًا لا يطمع أحد أن يناله بنقض أو يبلغه بحيلة، فرفعه سبب حفظه من أن يبلغه أحد.

وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (٧) ﴿ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ﴾ (٨) (٩) ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ لا يتدبرونها، ولا يتفكرون فيها، فيعلموا (١٠) (١) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 413 وفيه هذا الكلام منسوبًا إلى الليث، و"الصحاح" للجوهري 4/ 1375، وفي "العين" 5/ 81: سقف: عماد البيت، و"لسان العرب" لابن منظور 9/ 155 (سقف).

(٢) ذكره ابن الجوزي 5/ 349 من رواية أبي صالح عن ابن عباس.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 201.

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 390.

(٥) جاء عن قتادة نحو هذا القول، فقد ذكر أبو حيان 6/ 39 عنه أنه قال: حفظ من البلى والتغير على طول الدهر.

وقيل إن الحفظ هنا شامل لما تقدم، لدلالة الآيات المتقدمات.

قال ابن عطية 10/ 144: والحفظ هاهنا عام في الحفظ من الشياطين.

وقوى الرازي 22/ 165 القول بأن المراد الحفظ من الوقوع والسقوط اللذين يجري مثلهما لسائر السقوف؛ لأن حمل الآيات عليه مما يزيد هذه النعمة عظما لأف سبحانه كالمتكفل بحفظه وسقوطه على المكلفين.

ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا  ﴾ .

ومما يقوي هذا القول ويعضده أن الآيات سبقت للدلالة على التوحيد فكان تجريد العناية لبيان نعمة الله على عباده بحفظ هذه السماء من السقوط أولى من بيان حفظها من الشياطين.

(٦) رواه الطبري 17/ 22، وأبو الشيخ في "العظمة" 3/ 1038.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 627 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جريج وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي الشيخ.

(٧) انظر: "تنوير المقباس" ص 201.

(٨) في (د)، (ع): (آياتنا)، وهو خطأ في الآية.

(٩) انظر: "الطبري" 17/ 22، "تنوير المقباس" ص 201، القرطبي 11/ 285.

(١٠) في (ع): (فيعلمون)، وهو خطأ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَقْفاً مَّحْفُوظاً ﴾ أي حفظ من السقوط ومن الشياطين ﴿ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ﴾ يعني الكواكب والأمطار والرعد والبرق وغير ذلك ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ التنوين في ﴿ كُلٌّ ﴾ عوض عن الإضافة أي: كلهم في فلك يسبحون يعني؛ الشمس والقمر، دون الليل والنهار، إذ لا يوصف الليل والنهار بالسبح في الفلك فالجملة في موضع حال من الشمس والقمر أو مستأنفاً، فإن قيل: لفظ كلّ ويسبحون جمع، فكيف يعني الشمس والقمر وهما اثنان؟

فالجواب: أنه أراد جنس مطالعها كل يوم وليلة، وهي كثيرة قاله الزمخشري وقال القزنوي: أراد الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة، وعبر عنهما بضمير الجماعة العقلاء في قوله: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ ، لأنه وصفهم بفعل العقلاء وهو السبح، فإن قيل: كيف قال في فلك، وهي أفلاك كثيرة؟

فالجواب أنه أراد كل واحد يسبح في فلكه، وذلك كقولهم: كساهم الأمير حلة أي كسا كل واحد منهم حلة، ومعنى الفلك جسم مستدير، وقال بعض المفسرين: إنه من موج، وذلك بعيد، والحق أنه لا يُعلم صفته وكيفيته إلا بإخبار صحيح عن الشارع، وذلك غير موجود، ومعنى يسبحون يجرون، أو يدورون، وهو مستعار من السبح بمعنى العوم في الماء، وقوله: ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ ﴾ من المقلوب الذي يقرأ من الطرفين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إلا نوحي إليه ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ إني إله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ابن ذكوان.

﴿ ألم ير ﴾ بغير واو: ابن كثير الآخرون بواو متوسطة بين همزة الاستفهام والفعل ونظائرها كثيرة ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم: يعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

﴿ ولا تسمع ﴾ من الاسماع خطأ بالنبي  الصم بالنصب: ابن عامر.

الآخرون على الغيبة من السماع.

﴿ الصم ﴾ بالرفع ﴿ مثقال حبة ﴾ بالرفع على "كان" التامة وكذلك في سورة لقمان: أبو جعفر ونافع.

الباقون بالنصب.

الوقوف: ﴿ ينشرون ﴾ ه ﴿ لفسدتا ﴾ ج للابتداء ﴿ بسبحان ﴾ للتعظيم مع فاء التعقيب تعجيلاً للتنزيه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يسالون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ برهانكم ﴾ ج لاتحاد المقول من غير عاطف ﴿ قبلي ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ه {  } ط ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لأن ما بعده صفة بعد صفة ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا يشفعون ﴾ ه لا للاستثناء ﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ففتقناهما ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ حي ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ محفوظاً ﴾ ج لاحتمال الواو الاستئناف والحال ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ط ﴿ الخالدون ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ هزوا ﴾ ط ﴿ آلهتكم ﴾ ج لاحتمال الواو الإستئناف والحال ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ من عجل ﴾ ط ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ يستهزئون ﴾ ه ط ﴿ من الرحمن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ من دوننا ﴾ ط فصلاً بين الاستفهام والإخبار ﴿ يصبحون ﴾ ه ﴿ العمر ﴾ ط ﴿ من أطرافها ﴾ ط ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ بالوحي ﴾ ط لاستئناف ولا يسمع بالياء التحتانية والوصل أجوز لتتميم المقول، ومن قرأ على الخطاب وقف لأنه خرج عن المقول ﴿ ينذرون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أتينا بها ﴾ ط ﴿ حاسبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه لا لاتصال الصفة ولا يخفى أنه يحتمل النصب أو الرفع على المدح فيجوز أن لا يوصل.

﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ أنزلناه ﴾ ط ﴿ منكرون ﴾ .

التفسير: إنه  بدأ في أول السورة بذكر المعاد ثم انجر الكلام إلى النبوات وما يتصل بها سؤالاً وجواباً فختم الكلام بالإلهيات لأنها المقصود بالذات فقال على سبيل الإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها بواسطة "أم" المنقطعة ﴿ أم اتخذوا آلهة من الأرض ﴾ نسبت إلى الأرض كما يقال "فلان من مكة" لأنها اصنام تعبد من الأرض، لأن الالهة على ضربين أرضية وسماوية.

أو أراد أنها من جنس الأرض لأنها تُنحت من حجر أو تعمل من جوهر آخر أرضي.

ويقال: أنشر الله الموتى ونشرها اي أحياها.

ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات كأنهم بإدعائهم لها الإلهية أدعوا لها الإنشار وإن كانوا منكرين البعث فضلاً عن قدرة الأصنام عليه لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور.

والإنشار من جملة المقدورات بالدلائل الباهرة وفيه باب من التهكم والتسجيل وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الاقتدار على الإبداء والإعادة من لوازم الإلهية.

ومعنى ﴿ هم ﴾ افادت الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم، وفيه رمز إلى أن الأمر المختص بالاهتداء هو وحده.

ولما قدم الإنكار شرع في دليل التوحيد فقال: ﴿ لو كان فيهما ﴾ أي في السموات والأرض وقد مر ذكرهما ﴿ آلهة إلا الله ﴾ اي غير الله.

قال النحويون: إلا ههنا بمعنى لتعذر حمل إلا على الاستثناء لأنها تابعة لجمع منكور غير محصور، والاستثناء لا يصح إلا إذا كان المستثنى داخلاً في المستثنى منه لولا الاستثناء وقد يقال: إن "إلا" في هذه المادة لا يمكن أن تكون للاستثناء لأنا لو حملناها على الاستثناء لصار المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله لم يحصل الفساد.

وللمفسرين في تفسير الآية طريقان: أحدهما حمل الغائب على الشاهد والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة غير الواحد الذي هو فاطرهما ﴿ لفسدتا ﴾ وفيه دلالة على أمرين: الأول وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحداً، والثاني أن لاي كون ذلك الواحد إلا إياه لقوله ﴿ غير الله ﴾ وإنما وجب الأمر أن لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف.

وثانيهما طريق التمانع بأن يقال: لو فرضنا إلهين وأراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه، فإن وقع مرادهما لزم اجتماع الضدين في محل واحد، وإن لم يقع مرادهما لزم عجزهما، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر فذلك الآخر عاجز لا يصلح لإلهية.

والاعتراض على هذا التقدير من وجهين: الأول أن اختلافهما في الإرادة أمر ممكن والممكن لا يجب أن يقع.

والثاني أن الفساد في السموات والأرض كيف يترتب على اختلافهما وفي الجواب طريقان: أحدهما الرجوع إلى التفسير الأول وهو إحالة الأمر على ما هو الغالب المعتاد من أن الملك عقيم ولا يجتمع فحلان على شول، والشول جماعة النوق التي جف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، فلا بد من وقوع التنازع والاختلاف وحدوث الهرج والمرج عند ذلك.

الطريق الثاني العدول إلى ضرب آخر من البيان، وهو أن اتفاق الإلهين على مقدور واحد محال لأن كلاً منهما مستقل بالتأثير كامل في القدرة، فإذا وقع المقدور بأحدهما استحال أن يقع بالآخر مرة أخرى على أنه لو اراد كل واحد منهما أن يوجده هو فهذا أيضاً اختلاف.

ولو قيل: إنه يريد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما لا بعينه فهذه إرادة مبهمة لا تصلح للتأثير، فلا بد من الاختلاف وقد عرفت حاله ولزوم الفساد حينئذ ظاهر، لأن كل ما يصدر عن إلهين عاجزين أو إله عاجز لم يكن على الوجه الأصلح والنمط الأصوب، بل العاجز لا يصلح للإيجاد أصلاً فلا يوجد على ذلك التقدير شيء من الممكنات وهو الفساد الكلي.

ومنهم من يقرر دليل التمانع على وجوه أخر منها: أنا لو قدرنا إلهين فهل يقدر كل واحد منهما على أن يمنع صاحبه عن مراده أم لا؟

فإن قلت: يقدر.

كان كل منهما مقهوراً للآخر، وإن قلت: لا يقدر فقد ثبت عجز كل واحد منهما.

ومنها أن أحدهما هل يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا؟

فإِن قدر فالمستور عنه جاهل عاجز وإلا فالأول عاجز.

ولا يخفى ما في أمثال هذين الوجهين من الضعف لأن عدم القدرة على المحال لا يسمى عجزاً ولهذا لا يمكن أن يقال: إنه  عاجز عن خلق مثله أو إنه إذا أوجد شيئاً نفذت قدرته عن خلق ذلك الشيء وحصل له عجز.

ومن الطاعنين في دليل التمانع من فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله كما تزعم عبدة الأصنام لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على وجوه التدبير والتصرف لأنفسها فضلاً عن غيرها.

ولقائل أن يقول: إن الآلهة لو كانت منفردة بالتدبير يلزم الفساد.

أما أنها لو كانت وسائط أو معاونة للإله الأعظم كما تزعم عبدة الأوثان فمن أين يلزم الفساد.

واعلم أنا قد بينا دلائل التوحيد في مواضع من هذا الكتاب ولا سيما في سورة البقرة في تفسير قوله ﴿ وإلهكم إله واحد  ﴾ ولنا في هذا المقام طريقة أخرى ما أظنها وطئت قبلي فأقول وبالله التوفيق: إن الوحدة من صفات الكمال وقد ركز ذلك في العقول حتى إن كل عامل مهما تم له أمر بواحد لم يتعد فيه إلى اثنين، وإذا اضطر إلى الشركة والتعاون راعى فيه الأبسط فالأبسط لا يزيد العدد إلا بقدر الافتقار وعلى هذا مدار الأمور السياسية والمنزلية هذا في المؤثر.

وأما في الأثر فلا ريب أنه استند إلى ما هو بسيط حقيقي لم يكن فيه إلا جهة واحدة افتقارية وإذا استند إلى ما فوق ذلك كان فيه من الجهات الافتقارية بحسب ذلك فيكون النقص تابعاً لقلة جهات الافتقار وكثرتها، وكل مرتبة للممكنات تفرض من العقول والنفوس والأفلاك والعناصر والمواليد، فإن كان مبدأ تلك السلسلة الطويلة واحداً كانت الجهات الاعتبارية الافتقارية فيها أقل مما لو كان المبدأ أزيد من واحد.

وهذه قضية يقينية إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه  أراد أن يدفع هذا النقص من الممكنات و "لو" هذه بمعنى "أن" والمراد أن هذا النقص والفساد لازم لوجود آلهة غير الله سواء كان الله من جملتهم أم لا، ولن يرضى العاقل بما فيه نقصه وفساده فوجب أن لا يعتقد إلهاً غير الله وهذه النتيجة هي المراد بقوله ﴿ فسبحان الله رب العرش عما يصفون ﴾ من الأنداد والشركاء فتكون هذه الآية نظيره قوله ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً  ﴾ وفيه قول زيد بن عمرو بن انفيل حين فارق قومه: أرباً واحداً أم الـــــــف رب *** أدين إذا تقسمت الأمـــــور تركت اللات والعزى جميعاً *** كذلك يفعل الرجل البصير ثم أكد تفرده بالإِلهية بقوله ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ وفيه رد على الثنوية والمجوس الذين أثبتوا لله شريكاً فاعلاً للشرور والآلام، وذلك أنهم طلبوا الحكمة في أفعال الله  فقالوا: لو كان مدبر العالم واحداً لم يخص هذا بأنواع الخيرات من الصحة والغنى وذلك بأصناف الشرور من المرض والفقر، فذكر  أن الاعتراض على أفعاله ينافي الديانة وأن له أن يفعل ما يشاء ولا مجال للسؤال عن أفعاله، فكل من الأشاعرة والمعتزلة سلموا أنه لا يجوز أن يقال لله لم فعلت، ولكنهم حملوا عدم جواز السؤال على مأخذ آخر.

أما الأشاعرة فذهبوا إلى أن أفعاله لا تعلل بالمصالح والأغراض ولم بحكم المالكية أن يفعل في مخلوقاته ما شاء فإن من تصرف في ملك نفسه لا يقال له لم فعلت، وكيف يتصور في حقه استحقاق الذم واستحقاق المدح له قديم؟

وما يثبت للشيء لذاته يستحيل أن يتبدل لأجل تبدل الصفات.

وكما أن ذاته غير معللة بشيء فكذلك صفاته وأفعاله، وإنه غير محتاج إلى الأسباب والوسائط والأغراض والمقاصد.

وأما المعتزلة فقد قالوا: إنه  عالم بقبح المقابح وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح.

وإذا عرف المكلف إجمالاً أن كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب وجب أن يسكت عن "لم" وإذا كان الملوك المجازيون لا يسألهم من في مملكتهم عما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم تهيباً وإجلالاً لهم مع جواز الخطأ والزلل عليهم، فملك الملوك ورب الأرباب أولى بأن لا يسال عن أفعاله مع ما ركز في العقول من أن كل ما يفعله فهو حسن مشتمل على الغايات الصحيحة.

ثم زاد الإلهية تأكيداً بقوله ﴿ وهم يسألون ﴾ وفيه رد على منكري التكليف الذاهبين إلى أن العباد لا يسألون عما فعلوا في دار الدنيا قالوا: إن التكليف أمر غير معقول لأنه إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك وهو محال لأن صدور الفعل عن المكلف يستدعي الترجيح فالتكليف بالترجيح في حال عدم الترجيح تكليف بالمحال، وإما أن يتوجه حال الرجحان ويكون الفعل حينئذ واجب الوقوع فيكون التكليف عبثاً.

وأيضاً التكليف بما هو معلوم الوقوع لله عبث لأنه واجب الوقوع وبما هو غير معلوم الوقوع تكليف بما لا يطاق، وأيضاً سؤال العبد لعبد إن لم يكن فيه فائدة فعبث، وإن كان فيه فائدة فإِن عادت إلى الله  كان محتاجاً مستكملاً، وإن عادت إلى العبد فالله  قادر على إيصالها إليه من غير واسطة التكليف، على أن السؤال إن كان لأجل إيصال الضرر فذلك لا يليق بالكريم الرحيم، وجوابهم أن الأسباب والوسائط معتبرة في كل شيء من عالم الأسباب حتى الثواب والعقاب، على أن حاصل الشبهات يرجع إلى أن المنكر كأنه قال: إنه تعالى لم كلف عباده ولم كلفهم مالا يطيقون وهو يناقص القاعدة الممهدة أنه لا يسال عما يفعل.

ثم كرر ﴿ أم اتخذوا من دونه آلهة ﴾ استفظاعاً لكفرهم وليرتب عليه قوله ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ على ذلك عقلاً أو نقلاً.

أما العقل فقد مر أنه يقضي بعدم الشريك حذراً من الفساد، وأما النقل فقوله ﴿ هذا ذكر من معي ﴾ هو من إضافة المصدر إلى المفعول أي عظة لأمتي.

عن ابن عباس واختاره القفال والزجاج أنه اراد هذا هو الكتاب المنزل على من معي من الأمة وهذا هو الكتاب المنزل على من تقدمني من الأنبياء وأممهم يعني التوراة والإنجيل والزبور والصحف والكل وارد في معنى التوحيد ونفي الشركاء.

وعن سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي أن قوله ﴿ وذكر من قبلي ﴾ صفة للقرآن ايضاً لأنه اشتمل على أحوال الأمم الماضية كما اشتمل على أحوال هذه الأمة.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ بل أكثرهم ﴾ تنبيهاً على أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد وهو عدم العلم وفقد التمييز بين الحق والباطل، فلذلك أعرضوا عن استماع الحق وطلبه، وفي لفظ الأكثر إشارة إلى أن فيهم من يعلم ولكنه يعاند، أو أجري لفظ الأكثر على الكل على عادة الفصحاء كي لا يكون الكلام بصدد المنع.

ثم قرر آي التوحيد خصوصاً قوله ﴿ هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ﴾ على أحد التفسيرين بقوله ﴿ وما أرسلناك ﴾ الآية.

ثم رد على خزاعة وأمثالهم القائلين بأن الملائكة بنات الله بقوله ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً ﴾ ثم نزه نفسه عن ذلك بقوله {  } ثم أخبر عما هم عليه في الواقع وهو أن الملائكة عباد الله ﴿ مكرمون ﴾ مقربون ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ أي بقولهم اي يتبعون قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله ﴿ وهم بأمره يعملون ﴾ فهم التابعون لأمر الله في أقوالهم وافعالهم ﴿ يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ﴾ وقد مر تفسيره في "طه" وفي آية الكرسي ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ كقوله في طه ﴿ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً  ﴾ وقد مر البحث فيه.

قال في الكشاف ﴿ وهم من خشيته مشفقون ﴾ أي متوقعون من أمارة بخلاف البشر فإنهم لا يتوقعون ذلك إلا من أمارة قوية.

ويحتمل أن يقال: إنهم يخشون الله ومع ذلك يحذرون من أن تلك الخشية يقع فيها تقصير.

"عن رسول الله  أنه رأى جبرئيل  ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله عز وجل." ثم نبه على غاية عظمته ونهاية جبروته بقوله ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه ﴾ فيحتمل أن يدعي الإلهية لنفسه دون الله أو يدعي أنه إله مع الله أي بعد مجاوزة إلهيته وهذا على سبيل الفرض والتقدير كقوله ﴿ ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون  ﴾ وفي قوله ﴿ فذلك ﴾ دون أن يقول فهو تبعيد للمشرك الجاحد عن ساحة عزته وفيه تفظيع لأمر الشرك وتهديد عظيم لمن أشرك، وأراد بالظلم ههنا الشرك، والمعتزلة عمموه والأول أظهر.

ثم عدل في أدلة التوحيد إلى منهج آخر من البيان وهو الاستدلال بالآفاق والأنفس قائلاً ﴿ أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض ﴾ أي جماعة السموات وجماعة الأرض ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ الرتق بالسكون السد.

رتقت الشيء فارتتق أي التأم ومنه امرأة رتقاء ومصدرها الرتق بالتحريك، والفتقاء ضدها أي كانتا مرتوقتين فجعلناهما مفتوقتين.

عن ابن عباس في رواية عكرمة وهو قول الحسن، وقتادة أن المراد كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض.

ومثله قول كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريحاً توسطتهما فحصل الفتق، وقال أبو صالح ومجاهد: كانت السموات متلاصقات لا فرج بينها ففتقها الله بأن جعلها سبعاً وكذلك الأرضون.

وعن ابن عباس في رواية أخرى وعليه كثير من المفسرين، أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر.

ويشبه أن يراد بالسموات على هذا التفسير السحب نظيره قوله ﴿ والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع  ﴾ ويؤيده قوله عقيبه ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ وقيل: إنهما جمع السموات وإن كان نزول المطر من السماء الدنيا فقط باعتبار الجهة لأن جهتها هي جهتهن، أو باعتبار أن كل قطعة منها سماء فيكون كقولهم "ثوب أخلاق" "وبرمة أعشار" وقريب من هذا قول من قال: المعنى أن السموات والأرض كانتا مظلمتين ففتقهما الله  بإظهار النور فيهما كقوله ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار  ﴾ وقال أبو مسلم الاصفهاني: الرتق حالة العدم إذ ليس فيها ذوات متميزة فكأنها أمر واحد متصل متشابه، والفتق الإِيجاد لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض فيكون كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض  ﴾ والفطر الشق.

وعن بعض علماء الإسلام أن الرتق انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات وفصول السنة، والفتق افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة ولتغير الفصول وفيه بعد.

وههنا سؤال: وهو أن الكفار متى رأوهما رتقاً حتى صح هذا الاستفهام للتقرير؟

كيف وقد قال الله  ﴿ ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ﴾ ؟

[الكهف: 51] والجواب على الأقوال الأخيرة ظاهر فإن فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات أو فتقهما بتنفيذ النور فيهما وإظهاره عليهما أمور محسوسة، وكذا إدخالهما من العدم إلى الوجود مما يشهد به الحس السليم والعقل المستقيم.

وأما على القولين الأولين فلعلهم علموا ذلك من أهل الكتاب وكانوا يقبلون قولهم لما بينهما من التوافق في عداوة النبي  .

وقال صاحب الكشاف في الجواب: إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد، أو أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم  .

قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ قال السكاكي صاحب المفتاح: اي جعلنا مبدأ كل حي من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.

واعترض عليه بأنه كيف يصح ذلك وآدم من تراب والجن من نار والمشهور أن الملائكة ليست أجساماً مائية؟

وأجاب بأنه يأتي في الروايات أنه جل وعز خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه.

وقال صاحب الكشاف: إنما قال خلقنا كل شيء حي من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله ﴿ خلق الإنسان من علق ﴾ وجوز أن لا يكون الجعل بمعنى الخلق بل يكون بمعنى التصيير متعدياً إلى مفعولين، فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه.

وقال في التفسير الكبير: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة قائمة فإن الدليل لا بد أن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، فبهذا الطريق تخرج الملائكة والجن وآدم لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك: قلت: فعلى هذا يكون قوله ﴿ وجعلنا ﴾ داخلاً في حيز الاستفهام كأنه قيل: ألم يروا أنا فتقنا السموات والأرض بعد رتقهما وجعلنا من الماء كل حيوان.

ومن المفسرين من جعل الحي شاملاً للنبات أيضاً كقوله ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها  ﴾ قوله ﴿ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ﴾ قد مر تفسيره في أول "النحل" وباقي الآية كقوله في طه ﴿ وسلك لكم فيها سبلاً  ﴾ والفجاج جمع الفج وهو الطريق الواسع وهي صفة ﴿ سبلاً ﴾ قدمت عليه فصارت حالاً عنه أراد أنه حين خلقها جعلها على تلك الصفة فهذا كالبيان لما أبهم في قوله: ﴿ لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً  ﴾ والاهتداء إما حسي أي تهتدون إلى البلاد، وإما عقلي وهو الاهتداء إلى وحدانية الله  .

ومنهم من زعم أن الضمير في قوله ﴿ وجعلنا ﴾ فيها عائد إلى الجبال وهذا قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس, وروي عن ابن عمر أنه قال: كانت الجبال منضمة فلما أغرق قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً.

قال علماء الإسلام: ليس في قوله ﴿ وجعلنا السماء سقفاً ﴾ إن السماء للأرض كالسقف للبيت لأنها فوق لا يقابله مثله، ولكنه أطلق عليها اسم السقف لأنها كذلك في النظر بالنسبة إلى سكان كل بقعة.

وفي المحفوظ وجهان: أي ﴿ محفوظاً ﴾ بقدرته من أن يقع على الأرض أو محفوظ بالشهب عن الشياطين.

﴿ وهم عن آياتها معرضون ﴾ فلا يتدبرون في ترتيبها ومسيراتها وطلوع أجرامها وغروبها واتصالاتها وانصرافاتها وتأثيراتها فيما دونها بإذن خالقها ومبدعها.

قوله ﴿ كل في فلك ﴾ من مقلوب الكل.

والفلك في اللغة كل شيء دائر وجمعه أفلاك.

وزعم الضحاك أنه ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم.

والأكثرون على أن الفلك جسم تدور النجوم عليه.

ثم اختلفوا في حقيقته فقال الكلبي: ماء مكفوف أي مجموع تجري فيه الكواكب بدليل قوله ﴿ يسبحون ﴾ والسباحة لا تكون إلا في الماء.

ورد بأنه يقال فرس سابح إذا امتد في الجري.

وقالت الحكماء: هو جسم كروي لا ثقيل ولا خفيف غير قابل للخرق والاتئام والنمو والذبول، ولذلك منعوا من كون الفلك ساكناً، والكواكب متحركة فيه كالسمك في الماء واعتذروا عن السباحة بأنها في النظر كذلك.

قال صاحب الكشاف: التنوين في كل عوض من المضاف إليه أي كلهم فورد عليه إشكالان: أحدهما أنه لم يسبق إلا ذكر الشمس والقمر فكيف يعود ضمير الجمع إليهما؟

وأجاب بأن ذلك باعتبار كثرة مطالعهما كما يجمع بالشموس والقمار لذلك.

ويمكن أن يقال: أقل الجمع اثنان أو أنه جعل النجوم تبعاً لذكرهما.

الثاني أن كلهم ليسوا في فلك ولكن كل منهم في فلك آخر على ما يشهد به علم الهيئة، وأجاب بأنه اراد جنس الفلك كقولك "كسانا الأمير حلة"، أو اراد كل واحد.

قلت: لو صح هذا التقدير الثاني لم يرد الإشكال الأول ولكنه ينافي قوله ﴿ يسبحون ﴾ مجموعاً.

قال بعض الحكماء في هذا الجمع دلالة على أن الكواكب أحياء ناطقة.

وأجيب بأنه إنما جمع جمع العقلاء لأن السباحة من فعلهم.

قلت: قد يسبح كثير من الحيوانات، فلعل المختص بالعقلاء هو السباحة الصناعية المكتسبة.

وههنا بحث وهو أن الإمام فخر الدين الرازي استحسن قول بعض الأوائل أن الحركة السماوية صنف واحد وهي الآخذة من المشرق إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض كالحركات الغربية، وكذا اختلافات تلك الحركات بسبب تلك المختلفات.

قال: وهذا أقرب ليكون غاية سرعة الحركة للفلك الأعظم وغاية السكون للجرم الذي هو أبعد عن المحيط وهو الأرض، ولئلا يلزم بسبب حركة ما دون الفك الأعظم بحركته وبحركتها الخاصة تحرك الجرم الواحد في زمان واحد بحركتين مختلفتين إلى جهتين فإنه يستلزم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين.

قلت: أما حديث كون ما هو أبعد عن المركز اسرع حركة فإقناعي، وأما لزوم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين فممنوع لأن التي تظهر في المتحرك هي الحركة المركبة الحاصلة من فضل الأسرع على الأبطأ لا كل من الحركتين، وهذا مشاهد من حركة النملة إلى خلاف جهة حركة الرحى، ومن حركة راكب السفينة فيها إلى خلاف جهة حركتها.

وأما الذي استحسنه من كلام الأوائل فباطل لأنه لو كان كذلك لحصلت الأظلال اللائقة بكل جزء من أجزاء فلك البروج في يوم بليلة، وكذا الارتفاعات المناسبة لها في البلاد المتفقة العرض وليس كذلك، وقد ذكرنا هذا المعنى في كتبنا النجومية ايضاً.

وحين فرغ من بيان طرف من هيئة الأجرام السماوية ومنافعها الدنيوية نبه بقوله ﴿ وما جعلنا البشر من قبل الخلد ﴾ على أن هذه الآثار لا تدوم ولا تخلق للبقاء وإنما خلقت للابتداء والامتحان ولكي يتوصل بها المكلفون إلى السعادات المدخرة لهم في الآخرة وهي دار الخلود.

وبوجه آخر لما فرغ من دلائل الآفاق شرع في دلائل الأنفس فقال: ﴿ وما جعلنا ﴾ الآية، عن مقاتل أن ناساً كانوا يقولون إن محمداً لا يموت فنزلت وقيل: لعلهم ظنوا أنه لو مات لتغير الشرع وهذا ينافي كونه خاتم الأنبياء، فبين الله  أن حاله كحال من تقدمه من الأنبياء في المفارقة من دار الدنيا.

والأكثرون على أن سبب النزول هو أنهم كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله عنه الشماتة لهذه وفي معناه قول القائل: فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا.

قوله ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قد تقدم في آخر آل عمران تفسيره.

قوله ﴿ ونبلوكم ﴾ أي نعاملكم معاملة المختبر بما نسوق إليكم من الشرور والخيرات فيظهر عندهما صبركم وشكركم.

وقدم الشر لأن الموت من باب الشرور في نظر أهل الظاهر.

و ﴿ فتنة ﴾ مصدر مؤكد ﴿ لنبلوكم ﴾ من غير لفظه.

وحين أثبت الموت الذي هو الفراق عن دار التكليف بين بقوله ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ أن الجزاء على الأعمال ثابت مرئي ألبتة بعد المفارقة.

استدلت المجسمة بقوله ﴿ وإلينا ﴾ أنه  جسم ليمكن الرجوع إلى حيث هو، والتناسخية بأن الرجوع مسبوق بالكون في المكان المرجوع إليه، وجواب الأولين أنه أراد الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له، وجواب الآخرين التسليم لكنه لا يفيد مطلوبهم لأن الرجوع إلى المبدأ غير الرجوع إلى دار الدنيا، واعلم أن مثل هذه الآية سيجيء في سورة العنكبوت إلا أنه قال هناك ﴿ ثم إلينا ﴾ ولم يذكر قوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ فكأن هذه الفاصلة قامت مقام التراخي في "ثم" قال السدي ومقاتل: "مر النبي  بأبي جهل وأبي سفيان فقال ابو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف.

فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف!

فسمع النبي  قولهما فقال لأبي جهل: ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلت حمية" فأنزل الله  ﴿ وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك ﴾ اي ما يتخذونك ﴿ إلا هزوا ﴾ ثم فسر ذلك بقوله ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ والذكر أعم من أن يكون بالخير أو بالشر إلا أنه إذا كان من العدو يفهم منه الذم لا الثناء، والمعنى أنه يبطل معبوديتها وينكر عبادتها ويقبح أمرها ثم بين غاية جهالتهم وتعكيس قضيتهم بقوله ﴿ وهم بذكر الرحمن هم كافرون ﴾ قدم الجار والمجرور وكرر الضمير ليفيد أنهم عاكفون هممهم على ذكر آلهتهم من كونها شفعاء وشهداء، ولو ذكرها بخلاف ذلك ساءهم.

وأما ذكر الرحمن الذي منه جلائل النعم ودقائقها وأصولها وفروعها فلا يخطر منهم ببال، ولو ذكره ذاكر استهزؤا به حتى إن بعضهم يقولون: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة فهم أحق أن يتخذوا هزواً.

ويحتمل أن تكون الباء للسببية أي هم كافرون بسبب ذكرهم الرحمن لا على ما ينبغي، فيكون الذكر في الموضعين بمعنى واحد.

وقيل ﴿ بذكر الرحمن ﴾ أي بما أنزل إليك من القرآن وكانوا يستعجلون بعذاب الله كما يجيء من قوله ﴿ ويقولون متى هذا الوعد ﴾ فقدم لذلك أولاً مقدمة هي قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ من عجل ﴾ أراد أنه مجبول على إفراط العجلة كما مر في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولاً  ﴾ وعن ابن عباس أنه آدم اراد أن يقوم حين بلغ الروح صدره، وعن مجاهد أن آدم لما دخل الروح رأسه وعينيه رأى الشمس قاربت الغروب فقال: يا رب عجل خلقي قبل أن تغيب الشمس.

وعن ابن عباس أيضاً أنه النضر بن الحرث والأول أظهر.

وقيل: العجل الطين بلغة حمير، وقال الأخفش: اي من العجل في الأمر وهو قوله ﴿ كن ﴾ وقيل: هو على القلب أي خلق العجل من الإنسان ﴿ سأريكم آياتي ﴾ وهي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإنها كائنة لا محالة في وقتها وقيل: هي أدلة التوحيد وصدق الرسول.

وقيل: آثار القرون الخالية بالشام واليمن.

سؤال: ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ فيه أن الآدمي معذور على الاستعجال لأنه له كالأمر الطبيعي الذي لا بد منه، فلم رتب عليه النهي بقوله ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ؟

وأجيب بأن فيه تنبيهاً على أن ترك العجلة حالة شريفة وخصلة عزيزة.

وقال جار الله: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها.

آخر: القوم استعجلوا الوعد على جهة التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً في الحقيقة؟

أجيب بأن الاستعجال على هذا الوجه أدخل في الذم لأنه استعجال على أمر موهوم عندهم لا معلوم ﴿ لو يعلم ﴾ جواب "لو" محذوف و ﴿ حين ﴾ مفعول به ﴿ ليعلم ﴾ والمعنى لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه وهو وقت إحاطة النار بهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال.

ويجوز أن يكون ﴿ يعلم ﴾ متروك المفعول أي لو كانوا من أهل العلم لما كانوا مستعجلين، وعلى هذا يكون ﴿ حين ﴾ منصوباً بمضمر أي حين لا يكفون يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وخص الوجوه والظهور بالذكر لأن نكاية النار في هذين العضوين اشد مع أن الإحاطة التامة تفهم منهما.

ثم بين أن وقت مجيء العذاب غير معلوم لهم فإن مجيء الساعة مخفي عن المكلفين ليكونوا أقرب إلى تلاقي الذنوب فقال ﴿ بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ﴾ قال جار الله: أي لا يكفونها بل تفجؤهم فتغلبهم.

قلت: فائدة "بل" في هذه المقامات للانتقال من جملة إلى أخرى أهم من الأولى، ويحتمل أن تكون "لو" لظاهر التمني والضمير للنار.

وقيل: للساعة.

وفي قوله ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ تذكير بإمهالهم في دار الدنيا أي ثم يهلكون بعد طول الإمهال.

ثم سلى رسوله  بقوله ﴿ ولقد استهزئ ﴾ الآية.

وقد مرت في أول الأنعام.

ولما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم النار ذكر أنهم في الدنيا ايضاً مفترقون إلى حراسة الله وكلاءته فقال ﴿ قل من يكلؤكم بالليل ﴾ إذا نمتم ﴿ والنهار ﴾ إذا تقلبتم في وجوه المصالح ﴿ من الرحمن ﴾ أي من بأسه وعذابه كالقتل والسبي ونحوهما.

قيل: إنما خص الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت الكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك ونظيره ﴿ ما غرك بربك الكريم  ﴾ ثم أضرب عن الأمر بالاستفهام قائلاً ﴿ بل هم عن ذكر ربهم معرضون ﴾ لا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه كأنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم.

أما قوله ﴿ أم لهم آلهة تمنعهم ﴾ فذكر في الكشاف أنه إضراب عن الكلام السابق بما في "أم" من معنى "بل".

وقال غيره: الميم زائدة وإنه استفهام مستأنف والتقدير ألهم آلهة تمنعهم من دوننا من العذاب، ومعنى ﴿ من دوننا ﴾ أن تلك الآلهة لا تتجاوز منعنا وحفظنا ثم استأنف فقال ﴿ لا يستطيعون ﴾ ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف اي تلك الآلهة ليست تقدر على نصر أنفسها فكيف تحفظ غيرها وتنصرها.

وقوله ﴿ ولا هم منا يصبحون ﴾ قال المازني: هو من أصحبت الرجل إذا منعته.

والأكثرون على أنه من الصحبة بمعنى النصرة والمعونة ومنه قولهم "صبحك الله".

والحاصل أن من لا يكون قادراً على دفع الآفات ولا يكون مصحوباً من الله بالإعانة والنصرة كيف يتوقع منه دفع ضر أو جلب نفع!

ولما ابطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الحفظ والكلاءة والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله لا من مانع يمنعهم من الإهلاك ولا من ناصر يعينهم على أسباب التمتع سوى الله.

وفي قوله ﴿ حتى طال عليهم العمر ﴾ إشارة إلى أنه لما امتدت أيام الروح والطمأنينة حسبوا أن ذلك لن يزول عنهم فاغتروا به ونسوا المنعم فاستأهلوا العقاب كما أشار إليه بقوله ﴿ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ وفي لفظ الإتيان تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين الذين هم حزب الله من نقص ديار الكفر وتخريبها وعمارة حوزة الإسلام وتشييد مبانيه وقد مر مثله في آخر سورة الرعد.

والاستفهام في قوله ﴿ أفهم الغالبون ﴾ للتقرير أي لنحن الغالبون وهم المغلوبون.

ثم بين أن هذه الإنذارات ليست من قبل الرسول ولكنه بالوحي، ثم مهد عذر الرسول إن لم تنجع فيهم رسالته بأن الصم لا يسمعون دعاء المنذر.

واللام في ﴿ الصم ﴾ للعهد أي لا يسمع هؤلاء الإنذار فوضع ﴿ الصم ﴾ في موضع اسم الإشارة إيذاناً بأنهم هم الموسومون بالصمم عن استماع الحق، ولو كان اللام للجنس لكان الأنسب إطلاق الدعاء لأن الصم لا تسمع الدعاء بشروا أو أنذروا.

ثم ذكر أنهم لا يعترفون بالتقصير والظلم إلا عند معاينة العذاب فقال: ﴿ ولئن مستهم نفحة ﴾ وفي ذكر المس وبناء المرة من النفح الذي هو بمعنى القلة والنزارة.

منه قولهم "نفحه بعطية" اي رضخة، "ونفحته الدابة" وهو رمح يسير دليل على أنهم في غاية الضعف يجزعون من أدنى أثر من عذاب الله.

قوله ﴿ ونضع الموازين القسط ﴾ المراد من الوضع الإحضار والقسط اي العدل صفة الموازين وإن كان موحداً كقولهم للقوم "إنهم عدل" قاله الفراء.

وعن الزجاج أراد ذوات القسط.

واللام في ﴿ ليوم القيامة ﴾ بمعنى الوقت كما يقال "جئت لتاريخ كذا".

وقيل: أراد لأجل الحساب يوم القيامة.

وقد مر تحقيق الوزن وما يتعلق به من الأبحاث في أول سورة الأعراف.

يروي أن داود  سال ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه ثم افاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟

فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة.

وفي قوله ﴿ فلا تظلم نفس شيئاً ﴾ بحث بين المعتزلة والأشاعرة وقد مر مراراً ﴿ وإن كان ﴾ أي الوزن والعمل ﴿ مثقال حبة من خردل أتينا بها ﴾ أنت ضمير المثقال باعتبار إضافته إلى الحبة.

قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: حبة من خردل؟

وأجيب بأن الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار، والظاهر أنه أراد الحبة من حيث اللغة.

وقوله ﴿ من خردل ﴾ بيان لها لأن الحبة أعم من أن تكون من الخردل أو من الحنطة أو من غيرهما ولكن المبالغة في الأول أكثر، وذلك أن الخردلة سدس شعيرة وهي نصف سدس ثمن الدينار عند الحساب ونصف سدس سدسه في الشرع، والحبة ثمن تسع الدينار في عرف حساب فارس والعراق، فمثقال حبة من خردل يكون على الوجه الأول ثمن تسع خردلة، وعلى ما قلنا يكون هو الخردل بعينه.

والحاصل أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع من علم الله وأنه يجازي عليه.

رؤي الشبلي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟

فقال: حاسبوني فدققوا *** ثم منوا فأعتقوا قال في التفسير الكبير: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل منحبط بالأكثر كما كان.

والآية تبطل قوله لأن الله  تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط، ولو كان الأمر كما قاله الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة.

قلت: للجبائي أن يقول: الإتيان بالطاعة مشروط عندي بعدم الإحباط كما أن العقاب على المعصية مشروط عندكم بعدم العفو.

﴿ وكفى بنا حاسبين ﴾ كقوله ﴿ وكفى بالله حسيباً  ﴾ وحين فرغ من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء تسلية لنبيه وتثبيتاً وعظة لأمته وتذكيراً، وقد مر قصة موسى إلا أنه أوجز فيها ههنا والموجز تقدمه الفصحاء غالباً، ولأن موسى أقوى حالاً ومعجزة، ولأن ذكر التوراة يناسب ما تقدم من قوله ﴿ قل إنما أنذركم بالوحي ﴾ وصف التوراة بأنها جامعة لكونها فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، وقد مر سائر تفاسير الفرقان في أول البقرة ﴿ وضياء ﴾ كقوله ﴿ فيها هدى ونور  ﴾ ﴿ وذكراً للمتقين ﴾ اي شرفاً وموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم وقوله ﴿ بالغيب ﴾ إما حال من الرب أي حال كونه غائباً عن حسهم والله لا يغيب عنه شيء فيكون كقوله  "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وإما حال منهم أي حال كونهم غائبين عن عذاب الآخرة وأهوالها، أو غائبين عن الناس أي يخشون ربهم في الخلوات.

ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ وهذا ذكر مبارك ﴾ أي كثير البركة ﴿ أنزلناه أفأنتم له منكرون ﴾ أي أنتم دون سائر الناس مع علمكم بفصاحته وإعجازه تخصونه بالإنكار.

ولا يخفى ما فيه من التوبيخ للعرب ومن داناهم.

التأويل: ﴿ أم اتخذوا آلهة ﴾ من ارض البشرية ثم هم يحيون القلوب الميتة بل الله يحييها بنور ذكره وطاعته لو كان في سماء الروحانية وأرض البشرية ﴿ آلهة إلا الله ﴾ كالعقل والهوى ﴿ لفسدتا ﴾ كما فسد سماء أرواح الفلاسفة حين اثبتت عقولهم للواجب صفات لا تليق به، وفسد أرض بشرية الطبائعية حين زلت قدمهم عن استعمال قوانين الشريعة بمقتضى هوى الطبيعة ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ لأن أفعاله  صادرة عن الحكمة والقدرة ﴿ وهم يسألون ﴾ لأن أفعالهم منشؤها الظلومية والجهولية ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ لأنه ليس فيهم ما يخالف داعية العقل وهو الطبع الذي يجذب صاحبه إلى السفل، ولهذا وصفهم بالإكرام ووصف بني آدم بالتكريم في قوله ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ففي التكريم تكثير ليس في الإكرام والسبب أن أمر بني آدم أشكل وحالهم أصعب ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ من خجالة قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ ﴿ وما خلفهم ﴾ من الأمر بسجود آدم والاستغفار لمن في الأرض ﴿ أو لم ير الذين كفروا ﴾ يعني أنهم رأوها في عالم الأرواح لأنها خلقت قبل الأجساد بألفي عام، وفي رواية بأربعة ألاف سنة ﴿ كانتا رتقاً ﴾ أي كانت سموات الأرواح متعلقة بأرض القوالب ﴿ ففتقناهما ﴾ بالمفارقة وقطع التعلق ﴿ وجعلنا من ﴾ ماء حياة العلم ﴿ كل شيء حي ﴾ بالحياة الأبدية ﴿ وجعلنا في الأرض ﴾ أرض القالب ﴿ رواسي ﴾ هي هموم العلائق البدنية ﴿ أن تميد بهم ﴾ فلولاها لمالت كل نفس إلى عمالها وبطل الغرض من التكليف، ويمكن أن يكون الرواسي إشارة إلى الأبدال الذين هم أوتاد الأرض بهم يرزق ويمطر الناس ﴿ فجاجاً سبلاً ﴾ هي طرق الإرشاد والتسليك ﴿ وجعلنا ﴾ سماء القلب ﴿ سقفاً محفوظاً ﴾ من وساوس شياطين الإنس والجن ﴿ وهو الذي خلق ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس المعرفة وقمر الإسلام ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ فأهل الإسلام في فلك الشريعة، وأهل الإيمان في فلك الطريقة، وأهل الولاية في فلك اطوار الحقيقة ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أما النفس الحيوانية فلأن من خواصها أن تصير الغذاء من جنسها فلا جرم إذا عجز الغذاء عن التشبيه بها لعجز القوة الغاذية حل أجلها، وأما النفس الناطقة فلأن من خواصها أنها تصير من جنس غذائها وهو الكمالات العلمية والعملية التي هي فيوض ربانية يتجوهر الروح بجوهرها فيحصل له الفناء عن وجوده والبقاء بشهود ربه ﴿ ونبلوكم ﴾ بالمكروهات التي تسمونها شراً بالمحبوبات التي تحسبونها خيراً ﴿ فتنة ﴾ فربما كان الأمر عكس ما تصورتم ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ اختياراً وقهراً ﴿ وإذا رآك الذين كفروا ﴾ فيه أن الأغيار لا ينظرون إلى الأخيار إلا بعين الإنكار ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ بالنسبة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما فإنها خلقت في ستة أيام وخمرت طينة آدم أربعين صباحاً مع أن فيها أنموذجاً من الكل واستعداداً لقبول الخلافة وقابلية تجلي الذات والصفات ومظهرية الكنز الخفي وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿ سأريكم آياتي ﴾ اي في مظاهر الآفاق ومرايا أنفسكم بالتدريج وبالتربية في كل طور ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإن حد الاستكمال من المهد إلى اللحد بل من الأزل إلى الأبد وهذا منطق الطير لا يفهمه إلا سليمان الوقت.

ويمكن أيضاً أن يقال: إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة ﴿ قل من يكلؤكم ﴾ فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم ﴿ بالليل والنهار ﴾ من الخصوم والأعداء فمن لهم حتى يحفظونهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب ﴿ بل متعنا هؤلاء ﴾ الجهال ﴿ وآباءهم ﴾ الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجباً نورية لهم حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة.

ثم بين أن الحق يغلب على الباطل ألبتة فقال ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ البشرية ﴿ ونضع الموازين ﴾ ميزان الفضل قد نصب في الأزل ﴿ نحن قسمنا ﴾ ﴿ تلك الرسل فضلنا ﴾ وميزان العدل ينصب في الأبد ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ .

قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: أنِ اعْلَمُوا ورُوا: أن السماوات والأرض كانت كذا.

والثاني: لو تفكروا وتأملوا لعلموا أنهما كذا.

والثالث: على التنبيه: أن قد رأوا وعلموا أنهما كانتا كذا، كذلك هذا في كل ما ذكر من قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ...

 ﴾ كذا، و ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى...

 ﴾ كذا، فهو كله يخرج على هذه الوجوه.

ثم يكون قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً ﴾ و ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ﴾ كل هذا كان في قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ كأنه يقول: أولم يروا كذا ما جعلناهم من أنواع ما ذكر، ثم ذكر هذا لهم يكون لوجوه: أحدها: أن يذكر نعمه عليهم حيث أخبر أن السماء والأرض كانتا رتقا ففتق منهما أرزاقهم، وذكرهم أنه جعل بالماء حياتهم، وجعل لهم الأرض بحيث تقر بأهلها وتسكن بهم، وجعلها مهاداً لهم وفراشاً بالجبال حتى قدروا على المقام بها والقرار، ثم قال: إنه جعل فيها فجاجاً وسبلا، ليصلوا إلى حوائجهم وشهواتهم ومنافعهم التي جعلت لهم في البلاد النائية، وذكرهم نعمه أيضاً في حفظ السماء عن أن تسقط عليهم على ما أخبر أنه يمسكها هو بقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ  ﴾ ، وذكرهم أيضاً نعمه فيما جعل لهم من الليل والنهار وفي الشمس والقمر من المنافع؛ يستأدى بذلك كله الشكر على ما أنعم عليهم.

أو أن يذكرهم بهذا قدرته وسلطانه: أن من قدر على فتق السماء من الأرض، وجعل حياة كل شيء من الماء، وإمساك السماء وحفظها عن أن تسقط بلا عمد، وما ذكر من خلق الليل والنهار، وقطع الشمس والقمر بيوم واحد مسيرة خمسمائة عام - أن من قدر على كل ما ذكر لقادر على بعثهم وإحيائهم بعد الموت وبعد ما صاروا تراباً.

أو أن يذكرهم غناه بذاته وملكه: أن من كان هذا سبيله فأنى تقع له الحاجة إلى اتخاذ الولد أو الشريك أو الصاحبة ردّاً على ما قالوا: ﴿ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً  ﴾ و ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً  ﴾ ونحوه، فبين فساد ذلك كله وبطلانه حيث قال: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ  ﴾ ونحوه، يبين بهذا كله فساد ما ادعوا على الله أنه اتخذ كذا.

ثم اختلف في قوله: ﴿ كَانَتَا رَتْقاً ﴾ : قال بعضهم: فتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات: فتق السماء، وهي أشد الأشياء وأصلبها بألين شيء وهو الماء، وكذلك الأرض فتقها بألين شيء وهو النبات مع شدتها وصلابتها، وهو ما ذكرنا من لطفه وقدرته.

وقال بعضهم: ﴿ كَانَتَا رَتْقاً ﴾ ملتزقتين، ففتقهما أي: جعل بينهما هواء مكانا لتخلق.

وقال بعضهم: كانت السماء واحدة والأرض كذلك، فجعل من السماء سبعاً ومن الأرض كذلك سبعاً، فكذلك فتقه إياهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ .

قال بعضهم: الماء نطفة الرجال منه يخلق الخلائق.

وقال بعضهم: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ الذي خلق في الأرض، أو أنزل من السماء حياة كل شيء، يعلم حياة خلائق الأرض بهذا الماء، ولكن لا يعلم حياة أهل السماء بماذا؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ .

هذا يدل أن الأرض لم يكن من طبعها في الأصل التسفل والتسرب في الماء على ما قاله بعض الناس؛ لأنه لو كان طبعها التسفل والتسرب لكان الجبال تزيد التسفل في الماء والتسرب، فإذا لم يكن دل أن طبعها كان الاضطراب والزوال والتحرك والميد فأصلها: ليس التسفل والتسرب ولكن على ما ذكرنا فأثبتها بالجبال، وإن كنا نشاهد بعض أجزائها أنها تسفل وتسرب، وهذا كما نقول: إن بعض العالم متعلق ببعض وأنه لا يخلو عن مكان، وكل العالم لا تعلق له به ولا الأمكنة آخذة لها، فعلى ذلك الأرض.

أو أن كان طبعها التسفل والتسرب جعلها بحيث تقر وتسكن بشيء طبعه التسفل أيضاً باللطف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً ﴾ .

قال بعضهم: الفجاج والسبل واحد، وهي الطرق التي جعلها في الجبال.

وقال بعضهم: الفجاج: السعة والفسحة، والسبل: الطرق.

وقال بعضهم: الفجاج: هي الطرق التي في الجبال، والسبل: هي التي في المفاوز.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مَّحْفُوظاً ﴾ ، أي: محبوساً عن أن يسقط عليهم.

وقال بعضهم: محفوظاً من الشياطين، أي: صار محفوظاً منهم؛ حتى لا يستمعوا كلام الملائكة بعد ما كانوا يستمعون من قبل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ .

قال بعضهم: الفلك: السماء.

وقال بعضهم: استدارة السماء.

وقيل: الفلك: المجرى والسرعة.

وقيل: الفلك: فلكة كفلكة المغزل وهو دورانه، وكذلك فلكة الطاحونة: هو ما يدور به الطاحونة، وهي الحديدة التي تدور بها الطاحونة، وقالوا: إن الفلك استدارة وكل شيء دار فهو فلك وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ ، قال بعضهم: يجرون.

وقال بعضهم: يسبحون: يعلمون، وكذلك روي في حرف عبد الله: (كل في فلك يعلمون).

وظاهر الآية: أن يكون هنالك بحر ونهر فيه يجري الشمس والقمر وفيه يغربان ومنه يطلعان؛ لأنه قال: ﴿ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ ، والسباحة هي المعروفة عند الناس، وهو ما يسبح المرء في بحر أو نهر، هذا ظاهر الآية، وعلى ذلك جاءت الأخبار؛ روي عن ابن عباس عن النبي  أنه قال: "خلق الله بحرا دون سماء الدنيا مقدار ثلاث فراسخ، فهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله  ، لا يقطر منه قطرة والبحور كلها ساكنة، وذلك البحر جار في سرعة السهم، ثم انطباقه في الهواء مستو كأنه حبل ممدود ما بين المشرق والمغرب، فتجري الشمس والقمر والخنس في ذلك البحر" ؛ فذلك قوله: ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ والخنس: هي التي تخنس بالنهار وتجري بالليل، والفلك: دوران العجلة، في لجة: غمرة ذلك البحر، وقال رسول الله  : "والذي نفسي بيده لو بدت الشمس من ذلك البحر، لحرقت كل شيء في الأرض حتى الصخور، ولو بدا القمر من ذلك البحر لافتتن به أهل الأرض كلها يعبدونه من دون الله إلا من عصمه الله" وفي بعض الأخبار: (الفلك: ماء مكفوف يجري فيه الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار)، ويقال: الشمس والقمر والليل والنهار كله دون السماء يدور به الفلك، ومثل هذا قد قيل فيه، والله أعلم.

وظاهر الآية في الخبر ما ذكرنا: أن الشمس والقمر هما اللذان يجريان ويسبحان في ذلك الماء.

وعلى تأويل بعضهم أنهما على حالهما لا يجريان، لكن الفلك هو يجري فيظهران ويبدوان في وقت ويختفيان في وقت آخر، ولو كانا هما اللذان يجريان لكانا على حالة واحدة ويظهران في الأحوال كلها، لكنا لا نعلم ذلك إلا بالخبر عن الله أنه كذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا من السقوط من غير عَمَد، ومحفوظِّا من اسْتِراق السمع، والمشركون عما في السماء من الآيات -كالشمس والقمر- معرضون لا يعتبرون.

<div class="verse-tafsir" id="91.r6J0w"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله