الآية ٨ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٨ من سورة الأنبياء

وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَدًۭا لَّا يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُوا۟ خَـٰلِدِينَ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ) أي : بل قد كانوا أجسادا يأكلون الطعام ، كما قال تعالى : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) [ الفرقان : 20 ] أي : قد كانوا بشرا من البشر ، يأكلون ويشربون مثل الناس ، ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة ، وليس ذلك بضار لهم ولا ناقص منهم شيئا ، كما توهمه المشركون في قولهم : ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) [ الفرقان : 7 ، 8 ] .

وقوله : ( وما كانوا خالدين ) أي : في الدنيا ، بل كانوا يعيشون ثم يموتون ، ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) [ الأنبياء : 34 ] ، وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله عز وجل ، تنزل عليهم الملائكة عن الله بما يحكم في خلقه مما يأمر به وينهى عنه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وما جعلنا الرسل الذين أرسلناهم من قبلك يا محمد إلى الأمم الماضية قبل أمتك، ( جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ) يقول: لم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجسادا مثلك يأكلون الطعام.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ) يقول: ما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ) يقول: لم أجعلهم جسدا ليس فيهم أرواح لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم جسدا فيها أرواح يأكلون الطعام.

قال أبو جعفر: وقال: ( وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا ) فوحَّد الجسد وجعله موحدا، وهو من صفة الجماعة، وإنما جاز ذلك لأن الجسد بمعنى المصدر، كما يقال في الكلام: وما جعلناهم خَلْقا لا يأكلون.

وقوله ( وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ) يقول: ولا كانوا أربابا لا يموتون ولا يفنون، ولكنهم كانوا بشرا أجسادا فماتوا، وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قد أخبر الله عنهم لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا ...

إلى قوله أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا قال الله تبارك وتعالى لهم: ما فعلنا ذلك بأحد قبلكم فنفعل بكم، وإنما كنا نرسل إليهم رجالا نوحي إليهم كما أرسلنا إليكم رسولا نوحي إليه أمرنا ونهينا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ) أي لا بد لهم من الموت أن يموتوا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام الضمير في جعلناهم للأنبياء ؛ أي لم نجعل الرسل قبلك خارجين عن طباع البشر لا يحتاجون إلى طعام وشرابوما كانوا خالدين يريد لا يموتون وهذا جواب لقولهم : ما هذا إلا بشر مثلكم وقولهم : مال هذا الرسول يأكل الطعام .

و جسدا اسم جنس ؛ ولهذا لم يقل أجسادا ، وقيل : لم يقل أجسادا ؛ لأنه أراد وما جعلنا كل واحد منهم جسدا .

والجسد البدن ؛ تقول منه : تجسد كما تقول من الجسم تجسم .

والجسد أيضا الزعفران أو نحوه من الصبغ ، وهو الدم أيضا ؛ قاله النابغة :وما هريق على الأنصاب من جسد[ ص: 183 ] وقال الكلبي : والجسد هو المتجسد الذي فيه الروح يأكل ويشرب ؛ فعلى مقتضى هذا القول يكون ما لا يأكل ولا يشرب جسما وقال مجاهد : الجسد ما لا يأكل ولا يشرب ؛ فعلى مقتضى هذا القول يكون ما يأكل ويشرب نفسا ؛ ذكره الماوردي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيات من 7 الى 9 :ـ هذا جواب لشبه المكذبين للرسول القائلين: هلا كان ملكا، لا يحتاج إلى طعام وشراب، وتصرف في الأسواق، وهلا كان خالدا؟

فإذا لم يكن كذلك، دل على أنه ليس برسول.

وهذه الشبه ما زالت في قلوب المكذبين للرسل، تشابهوا في الكفر، فتشابهت أقوالهم، فأجاب تعالى عن هذه الشبه لهؤلاء المكذبين للرسول، المقرين بإثبات الرسل قبله - ولو لم يكن إلا إبراهيم عليه السلام، الذي قد أقر بنبوته جميع الطوائف، والمشركون يزعمون أنهم على دينه وملته - بأن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم، كلهم من البشر، الذين يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، وتطرأ عليهم العوارض البشرية، من الموت وغيره، وأن الله أرسلهم إلى قومهم وأممهم، فصدقهم من صدقهم، وكذبهم من كذبهم، وأن الله صدقهم ما وعدهم به من النجاة، والسعادة لهم ولأتباعهم، وأهلك المسرفين المكذبين لهم.

فما بال محمد صلى الله عليه وسلم، تقام الشبه الباطلة على إنكار رسالته، وهي موجودة في إخوانه المرسلين، الذين يقر بهم المكذبون لمحمد؟

فهذا إلزام لهم في غاية الوضوح، وأنهم إن أقروا برسول من البشر، ولن يقروا برسول من غير البشر، إن شبههم باطلة، قد أبطلوها هم بإقرارهم بفسادها، وتناقضهم بها، فلو قدر انتقالهم من هذا إلى إنكار نبوة البشر رأسا، وأنه لا يكون نبي إن لم يكن ملكا مخلدا، لا يأكل الطعام، فقد أجاب [الله] تعالى عن هذه الشبهة بقوله: { وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ* وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ } وأن البشر لا طاقة لهم بتلقي الوحي من الملائكة { قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا } فإن حصل معكم شك وعدم علم بحالة الرسل المتقدمين { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } من الكتب السالفة، كأهل التوراة والإنجيل، يخبرونكم بما عندهم من العلم، وأنهم كلهم بشر من جنس المرسل إليهم.

وهذه الآية وإن كان سببها خاصا بالسؤال عن حالة الرسل المتقدمين لأهل الذكر وهم أهل العلم، فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين، أصوله وفروعه، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها، أن يسأل من يعلمها، ففيه الأمر بالتعلم والسؤال لأهل العلم، ولم يؤمر بسؤالهم، إلا لأنه يجب عليهم التعليم والإجابة عما علموه.

وفي تخصيص السؤال بأهل الذكر والعلم، نهي عن سؤال المعروف بالجهل وعدم العلم، ونهي له أن يتصدى لذلك، وفي هذه الآية دليل على أن النساء ليس منهن نبية، لا مريم ولا غيرها، لقوله { إِلَّا رِجَالًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما جعلناهم ) أي : الرسل ، ( جسدا ) ولم يقل أجسادا لأنه اسم الجنس ، ( لا يأكلون الطعام ) هذا رد لقولهم ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ) ( الفرقان : 7 ) ، يقول لم نجعل الرسل ملائكة بل جعلناهم بشرا يأكلون الطعام ، ( وما كانوا خالدين ) في الدنيا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما جعلناهم» أي الرسل «جسداً» بمعنى أجساداً «لا يأكلون الطعام» بل يأكلونه «وما كانوا خالدين» في الدنيا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما جعلنا أولئك المرسلين قبلك خارجين عن طباع البشر لا يحتاجون إلى طعام وشراب، وما كانوا خالدين لا يموتون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد - سبحانه - هذه الحقيقة وهى كون الرسل من البشر فقال : ( وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ ) .والضمير فى ( جَعَلْنَاهُمْ ) يعود إلى الرسل ، والجسد مصدر جَسِد الدم يَجْسَدُ - من باب فرح - إذا التصق بغيره ، وأطلق على الجسم جسد ، لالتصاق أجزاءه بعضها ببعض ، ويطلق هذا اللفظ على الواحد المذكر وغيره ولذلك أفرد .

أو هو أفرد لإرادة الجنس .أى : وما جعلنا الرسل السابقين عليك يا محمد أجسادا لا تأكل ولا تشرب كالملائكة ، وإنما جعلناهم مثلك يأكلون و يشربون ويتزوجون ويتناسلون ويعتريهم ما يعترى البشر من سرور و حزن ، ويقظة و نوم .

.

.

وغير ذلك مما يحسه البشر .وما جعلناهم - أيضا - خالدين فى هذه الحياة بدون موت ، وإنما جعلنا لأعمارهم أجلا محددا تنتهى حياتهم عنده بدون تأخير أو تقديم .قال - تعالى - : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى أجاب عن سؤالهم الأول وهو قولهم: ﴿ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ  ﴾ بقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ ﴾ فبين أن هذه عادة الله تعالى في الرسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ولم يمنع ذلك من كونهم رسلاً للآيات التي ظهرت عليهم فإذا صح ذلك فيهم فقد ظهر على محمد مثل آياتهم فلا مقال عليه في كونه بشراً فأما قوله تعالى: ﴿ فَاسْئَلُواْ أَهْلَ الذكر ﴾ فالمعنى أنه تعالى أمرهم أن يسألوا أهل الذكر وهم أهل الكتاب حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشراً ولم يكونوا ملائكة، وإنما أحالهم على هؤلاء لأنهم كانوا يتابعون المشركين في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً  ﴾ فإن قيل إذا لم يوثق باليهود والنصارى، فكيف يجوز أن يأمرهم بأن يسألوهم عن الرسل قلنا: إذا تواتر خبرهم وبلغ حد الضرورة جاز ذلك، كما قد يعمل بخبر الكفار إذا تواتر، مثل ما يعمل بخبر المؤمنين.

ومن الناس من قال: المراد بأهل الذكر أهل القرآن وهو بعيد لأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي الرسول صلى الله عليه وسلم فأما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية في أن للعامي أن يرجع إلى فتيا العلماء وفي أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر فبعيد لأن هذه الآية خطاب مشافة وهي واردة في هذه الواقعة المخصوصة ومتعلقة باليهود والنصارى على التعيين.

ثم بين تعالى أنه لم يجعل الرسل قبله جسداً لا يأكلون الطعام وفيه أبحاث: البحث الأول: قوله: ﴿ لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام ﴾ صفة جسد والمعنى وما جعلنا الأنبياء ذوي جسد غير طاعمين.

البحث الثاني: وحد الجسد لإرادة الجنس كأنه قال ذوي ضرب من الأجساد.

البحث الثالث: أنهم كانوا يقولون: ﴿ مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً  ﴾ فأجاب الله بقوله: ﴿ وَمَا جعلناهم جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام ﴾ فبين تعالى أن هذه عادة الله في الرسل من قبل وأنه لم يجعلهم جسداً لا يأكلون بل جسداً يأكلون الطعام ولا يخلدون في الدنيا بل يموتون كغيرهم، ونبه بذلك على أن الذي صاروا به رسلاً غير ذلك وهو ظهور المعجزات على أيديهم وبراءتهم عن الصفات القادحة في التبليغ، أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ صدقناهم الوعد ﴾ فقال صاحب الكشاف: هو مثل قوله: ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً  ﴾ والأصل في الوعد ومن قومه ومنه صدقوهم المقال: ﴿ وَمَن نَّشَاءُ ﴾ هم المؤمنون، قال المفسرون: المراد منه أنه تقدم وعده جل جلاله بأنه إنما يهلك بعذاب الاستئصال من كذب الرسل دون نفس الرسل ودون من صدق بهم، وجعل الوفاء بما وعد صدقاً من حيث يكشف عن الصدق ومعنى: ﴿ وَأَهْلَكْنَا المسرفين ﴾ أي بعذاب الاستئصال وليس المراد عذاب الآخرة لأنه إخبار عما مضى وتقدم، ثم بين تعالى بقوله: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كتابا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ عظيم نعمته عليهم بالقرآن في الدين والدنيا، فلذلك قال فيه: ﴿ ذِكْرُكُمْ ﴾ وفيه ثلاثة أوجه: أحدها؛ ذكر شرفكم وصيتكم، كما قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ .

وثانيها: المراد فيه تذكرة لكم لتحذروا ما لا يحل وترغبوا فيما يجب، ويكون المراد بالذكر الوعد والوعيد، كما قال: ﴿ وَذَكّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين  ﴾ .

وثالثها: المراد ذكر دينكم ما يلزم وما لا يلزم لتفوزوا بالجنة إذا تمسكتم به وكل ذلك محتمل، وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ كالبعث على التدبر في القرآن لأنهم كانوا غفلاء لأن الخوض من لوازم الغفلة والتدبر دافع لذلك الخوض ودفع الضرر عن النفس من لوازم الفعل فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام ﴾ صفة لجسداً والمعنى: وما جعلنا الأنبياء عليهم السلام قبله ذوي جسد غير طاعمين.

ووحد الجسد لإرادة الجنس، كأنه قال: ذوي ضرب من الأجساد وهذا ردّ لقولهم ﴿ مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام ﴾ [الفرقان: 7] .

فإن قلت: نعم قد ردّ إنكارهم أن يكون الرسول بشراً يأكل ويشرب بما ذكرت، فماذا ردّ من قولهم بقوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ خالدين ﴾ ؟

قلت: يحتمل أن يقولوا إنه بشر مثلنا يعيش كما نعيش ويموت كما نموت.

أو يقولوا هلا كان ملكاً لا يطعم ويخلد: إما معتقدين أن الملائكة لا يموتون.

أو مسمين حياتهم المتطاولة وبقاءهم الممتدّ خلوداً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ ﴾ نَفْيٌ لِما اعْتَقَدُوا أنَّها مِن خَواصِّ المَلَكِ عَنِ الرُّسُلِ تَحْقِيقًا لِأنَّهم كانُوا أبْشارًا مِثْلَهم.

وقِيلَ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿ مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ ﴿ وَما كانُوا خالِدِينَ ﴾ تَأْكِيدٌ وتَقْرِيرٌ لَهُ فَإنَّ التَّعَيُّشَ بِالطَّعامِ مِن تَوابِعِ التَّحْلِيلِ المُؤَدِّي إلى الفَناءِ وتَوْحِيدُ الجَسَدِ لا إرادَةَ الجِنْسِ، أوْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ تَأْوِيلِ الضَّمِيرِ بِكُلِّ واحِدٍ وهو جِسْمٌ ذُو لَوْنٍ فَلِذَلِكَ لا يُطْلَقُ عَلى الماءِ والهَواءِ، ومِنهُ الجِسادُ لِلزَّعْفَرانِ.

وقِيلَ جِسْمٌ ذُو تَرْكِيبٍ لِأنَّ أصْلَهُ لِجَمْعِ الشَّيْءِ واشْتِدادِهِ.

﴿ ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ ﴾ أيْ في الوَعْدِ.

﴿ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ بِهِمْ ومَن في إبْقائِهِ حِكْمَةٌ كَمَن سَيُؤْمِنُ هو أوْ أحَدٌ مِن ذُرِّيَّتِهِ، ولِذَلِكَ حُمِيَتِ العَرَبُ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ.

﴿ وَأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ ﴾ في الكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكُمْ ﴾ يا قُرَيْشُ ﴿ كِتابًا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ صِيتُكم كَقَوْلِهِ ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ أوْ مَوْعِظَتُكم أوْ ما تَطْلُبُونَ بِهِ حُسْنَ الذِّكْرِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ.

﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ فَتُؤْمِنُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم بين كمن تقدمه من الأنبياء بقوله

{وَمَا جعلناهم جَسَداً} وحد الجسد لإرادة الجنس {لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام} صفة لجسد يعني وما جعلنا الأنبياء قبله ذوي جسد غير طامعين {وَمَا كَانُواْ خالدين} كأنهم قالوا هلا كان ملكاً لا يطعم ويخلد إما معتقدين أن الملائكة لا يموتون أو مسمين بقاءهم الممتد وحياتهم المتطاولة خلودا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما جَعَلْناهم جَسَدًا ﴾ إلَخْ يَشْهَدُ لِما قالَهُ الخَلِيلُ انْتَهى، وقِيلَ: هو جِسْمٌ ذُو تَرْكِيبٍ وظاهِرُهُ أنَّهُ أعَمُّ مِنَ الحَيَوانِ ومِنهم خَصَّهُ بِهِ وقالَ بَعْضُهم: هو في الأصْلِ مَصْدَرُ جَسَدَ الدَّمُ يَجْسَدُ أيِ التَصَقَ وأُطْلِقَ عَلى الجِسْمِ المُرَكِّبِ لِأنَّهُ ذُو أجْزاءٍ مُلْتَصِقٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ الَّذِي يَقُولُ بِتَخْصِيصِهِ بِحَيْثُ لا يَشْمَلُ غَيْرَ العاقِلِ مِنَ الحَيَوانِ مَثَلًا غايَةُ ما يَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ أصْلِ وضْعِهِ ولا يَقُولُ بِعَدَمِ جَوازِ تَعْمِيمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ، ونَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ، والمُرادُ تَصْيِيرُهُ كَذَلِكَ ابْتِداءً عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ وكَبَّرَ الفِيلَ، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ والجَعْلُ إبْداعِيٌّ وإفْرادُهُ لِإعادَةِ الجِنْسِ الشّامِلِ لِلْكَثِيرِ أوْ لِأنَّهُ في الأصْلِ عَلى ما سَمِعْتَ مَصْدَرٌ وهو يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ المُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: لِإرادَةِ الِاسْتِغْراقِ الإفْرادِيِّ في الضَّمِيرِ أيْ جَعَلْنا كُلَّ واحِدٍ مِنهم وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي جَسَدٍ، وفي التَّسْهِيلِ أنَّهُ يُسْتَغْنى بِتَثْنِيَةِ المُضافِ وجَمْعِهِ عَنْ تَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ وجَمْعِهِ في الأعْلامِ وكَذا ما لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ مِن أسْماءِ الأجْناسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ﴾ صِفَةُ ( جَسَدًا ) أيْ وما جَعَلْناهم جَسَدًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الغِذاءِ بَلْ مُحْتاجًا إلَيْهِ ﴿ وما كانُوا خالِدِينَ ﴾ أيْ باقِينَ أبَدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخُلُودُ بِمَعْنى المُكْثِ المَدِيدِ، واخْتِيرَ الأوَّلُ لِأنَّ الجُمْلَةَ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِ الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَشَرًا لا مَلائِكَةً كَما يَقْتَضِيهِ اعْتِقادُ المُشْرِكِينَ الفاسِدُ وزَعْمُهُمُ الكاسِدُ، والظّاهِرُ هم يَعْتَقِدُونَ أيْضًا في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الأبَدِيَّةَ كاعْتِقادِ الفَلاسِفَةِ فِيهِمْ ذَلِكَ إلّا أنَّهم يُسَمُّونَهم عُقُولًا مُجَرَّدَةً، وحاصِلُ المَعْنى جَعَلْناهم أجْسادًا مُتَغَذِّيَةً صائِرَةً إلى المَوْتِ بِالآخِرَةِ حَسَبَ آجالِهِمْ ولَمْ نَجْعَلْهم مَلائِكَةً لا يَتَغَذَّوْنَ ولا يَمُوتُونَ حَسْبَما تَزْعُمُونَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ  ﴾ إلَخْ والأوَّلُ أوْلى، نَعَمْ هي مَعَ كَوْنِها مُقَرِّرَةً لِما قَبْلَها فِيها رَدٌّ عَلى ذَلِكَ.

وفي إيثارِ ( وما كانُوا ) عَلى وما جَعَلْناهم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عَدَمَ الخُلُودِ والبَقاءِ مِن تَوابِعِ جِبِلَّتِهِمْ في هَذِهِ النَّشْأةِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما جَعَلْناهم جَسَدًا ﴾ إلَخْ لا بِالجَعْلِ المُسْتَأْنَفِ بَلْ إذا نَظَرْتَ إلى سائِرِ المُرَكَّباتِ مِنَ العَناصِرِ المُتَضادَّةِ رَأيْتَ بَقاءَها سُوَيْعَةً أمْرًا غَرِيبًا وانْتَهَضْتَ إلى طَلَبِ العِلَّةِ لِذَلِكَ ومِن هُنا قِيلَ: ولا تَتْبَعِ الماضِيَ سُؤالَكَ لِمَ مَضى وعَرِّجْ عَلى الباقِي وسائِلْهُ لِمَ بَقِيَ بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ المُمْكِناتُ مُطْلَقًا كَذَلِكَ فَقَدْ قالُوا: إنَّ المُمْكِنَ إذا خَلِّيَ وذاتَهُ يَكُونُ مَعْدُومًا إذِ العَدَمُ لا يَحْتاجُ إلى عِلَّةٍ وتَأْثِيرٍ بِخِلافِ الوُجُودِ ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ العَدَمُ مُقْتَضى الذّاتِ حَتّى يَصِيرَ مُمْتَنِعًا إذْ مَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أوْلَوِيَّةِ العَدَمِ وألْيَقِيَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الذّاتِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الهَيْئاتِ الشِّفاءُ لِلْمَعْلُولِ في نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ لَيْسَ ولَهُ عَنْ عِلَّتِهِ أنْ يَكُونَ آيِسًا، وقَوْلُهم بِاسْتِواءِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ مَعْناهُ اسْتِواؤُهُ في عَدَمِ وُجُوبِ واحِدٍ مِنهُما بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ، وقَوْلُهم عِلَّةُ العَدَمِ عِلَّةُ الوُجُودِ بِمَعْنى أنَّ العَدَمَ لا يَحْتاجُ إلى تَأْثِيرٍ وجَعْلٍ بَلْ يَكْفِيهِ انْعِدامُ العِلَّةِ لا أنَّ عَدَمَ العِلَّةِ مُؤَثِّرَةٌ في عَدَمِ المَعْلُولِ ولَعَلَّ في «قَوْلِهِ  ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ» إشارَةً إلى هَذا فَتَدَبَّرْ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ، يعني: لم أرسل إليهم الملائكة بالرسالة، وكانت الرسل من الآدميين.

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ، يعني: أهل التوراة والإنجيل.

إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، يعني: لا تصدقون.

وذلك أن أهل مكة قالوا: لو أراد الله تعالى أن يبعث إلينا رسولاً لأرسل ملائكة.

قرأ عاصم في رواية حفص إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ بالنون وكذلك في قوله: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [الأنبياء: 25] ، وقرأ حمزة والكسائي الأول بالياء، والثاني بالنون، والباقون كلاهما بالياء، وهو اختيار أبي عبيد رحمة الله.

ثم قال عز وجل: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، يعني: ما خلقنا الرسل جسداً لا يأكلون ولا يشربون، ولكن جعلناهم أجساداً فيها أرواح يأكلون ويشربون.

وقال جَسَداً ولم يقل أجساداً، لأن الواحد ينبئ عن الجماعة، ويقال: معناه وما جعلناهم ذوي أجساد لا يأكلون الطعام، لأنهم قالوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ [الفرقان: 7] .

ثم قال: وَما كانُوا خالِدِينَ، يعني: في الدنيا.

ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ، يعني: العذاب للكفار والنجاة للأنبياء عليهم السلام.

فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ، يعني: فأنجينا الأنبياء عليهم السلام ومن نشاء من المؤمنين، وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ يعني: المشركين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال أبو عبيدة «١» : أسَرُّوا: أظْهرُوا، وهو مِنَ الأضدَادِ، ثم بيَّن تعالى الأمر الذي تَنَاجوا به، وهو قولُ بعضهم لبعض على جهة التَّوبِيخ بزعمهم: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ المعنى:

أفَتَتَّبِعُون السحر وأنتم تبصرون، ثم أمر اللَّه تعالى نبيه صلى الله عليه وسلّم، أن يقول لهم وللناس جميعاً:

قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ أيْ: يعلم أقوالكم هذه، وهو بالمرصاد في المَجَازاةِ عليها، ثُمَّ عَدَّد سبحانه جَمِيعَ ما قَالتْهُ طوائِفُهم ووقع الآضرابُ بكُلِّ مقالة عن المتقدمة لها ليبيّن اضطرابَ أمرهم فقال تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ والأَضْغَاثُ: الأَخْلاطُ، ثم حكى سبحانه اقتراحهم، آيةً تضطرهم كناقة صالح وغيرها، وقولهم: كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ دَالٌّ على معرفتهم بإتيان الرُّسُلِ الأَمَمَ المتقدمة.

وقوله سبحانه: ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ فيه محذوفٌ يَدُلُّ عليه المعنى تقديره: والآيةُ التي طلبوها عَادَتُنَا أَنَّ القومَ إنْ كفروا بها عَاجَلْنَاهُم، وما آمنت قبلهم قَرْيَةٌ من القُرَى التي نزلتْ بها هذه النازِلَةُ، أفهذه كانت تؤمن؟.

وقوله: أَهْلَكْناها جملة في موضع الصِّفَةِ ل قَرْيَةٍ والجُمَلُ: إذا اتَّبَعَتِ النَّكِرَاتِ فهي صفاتٌ لها، وإذا اتبعت المعارف فهي أحوالٌ منها.

وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ هذه الآية رَدُّ على مَنِ استبعد منهم أَنْ يبعث الله بشرا رسولا والذِّكْرِ هو كُلُّ ما يأتي من تذكير اللَّه عِبادَهُ، فأهل القرآن أَهْلُ ذكر، وأَمَّا المُحَالُ على سؤالهم في هذه الآية فلا يَصِحُّ أن يكونوا أهل القرآن في ذلك الوقت لأنهم كانوا خُصُومَهُم، وإنما أَحيلوا على سؤالِ أحبارِ أهْلِ الكتابِ من حيثُ كانوا موافقين لكفّار قريش على ترك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلّم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الأنْبِياءِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ مِن غَيْرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اقْتَرَبَ ﴾ افْتَعَلَ، مِنَ القُرْبِ، يُقالُ: قَرُبَ الشَّيْءُ واقْتَرَبَ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اقْتَرَبَ لِلنّاسِ وقْتَ حِسابِهِمْ.

وقِيلَ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ لِلنّاسِ ﴾ بِمَعْنى ( مِن ) .

والمُرادُ بِالحِسابِ: مُحاسَبَةُ اللَّهِ لَهم عَلى أعْمالِهِمْ.

وَفِي مَعْنى قُرْبِهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ آتٍ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.

والثّانِي: لِأنَّ الزَّمانَ - لِكَثْرَةِ ما مَضى وقِلَّةِ ما بَقِيَ - قَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم في غَفْلَةٍ ﴾ ؛ أيْ: عَمّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمِ، ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ عَنِ التَّأهُّبِ لَهُ.

وقِيلَ: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ ﴾ عامٌّ، والغَفْلَةُ والإعْراضُ خاصٌّ في الكُفّارِ، بِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ﴾ ، وفي هَذا الذِّكْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فَعَلى هَذا تَكُونُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ إلى إنْزالِهِ لَهُ؛ لِأنَّهُ أُنْزِلَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ الأذْكارِ، ولَيْسَ بِالقُرْآنِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وقالَ النِّقاشُ: هو ذِكْرٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ، ولَيْسَ بِالقُرْآنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في سِياقِ الآيَةِ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ مُسْتَهْزِئِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: غافِلَةً عَمّا يُرادُ بِهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إلّا اسْتَمَعُوهُ لاعِبِينَ لاهِيَةً قُلُوبُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ .

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( لاهِيَةٌ ) بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ ؛ أيْ: تَناجَوْا فِيما بَيْنَهم، يَعْنِي: المُشْرِكِينَ.

ثُمَّ بَيَّنَ مَن هم، فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ؛ أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ.

و " الَّذِينَ " في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في " وأسَرُّوا " .

ثُمَّ بَيَّنَ سِرِّهُمُ الَّذِي تَناجَوْا بِهِ، فَقالَ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ؛ أيْ: آدَمِيٌّ، فَلَيْسَ بِمَلِكٍ، وهَذا إنْكارٌ لِنُبُوَّتِهِ.

وبَعْضُهم يَقُولُ: " أسَرُّوا " هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ ﴾ ؛ أيْ: أفَتَقْبَلُونَ السِّحْرَ، ﴿ وَأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ أنَّهُ سَحْرٌ ؟

يَعْنُونَ: أنَّ مُتابِعَةَ مُحَمَّدٍ  مُتابَعَةُ السِّحْرِ.

﴿ قالَ رَبِّي ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( قُلْ رَبِّي ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( قالَ رَبِّي )، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الكُوفِيِّينَ، وهَذا عَلى الخَبَرِ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: ﴿ يَعْلَمُ القَوْلَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ يُقالُ في السَّماءِ والأرْضِ، فَهو عالِمٌ بِما أسْرَرْتُمْ» .

﴿ بَلْ قالُوا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: رَدٌّ بِـ " بَلْ " عَلى مَعْنى تَكْذِيبِهِمْ، وإنْ لَمْ يَظْهَرْ قَبْلَهُ الكَلامُ بِجُحُودِهِمْ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ عَنِ الجاحِدِينَ، وأعْلَمَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ تَحَيَّرُوا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فاخْتَلَفَتْ أقْوالُهم فِيهِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هَذا الَّذِي يَأْتِي بِهِ سِحْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: أضْغاثُ أحْلامٍ، وهي الأشْياءُ المُخْتَلَطَةُ تُرى في المَنامِ، وقَدْ شَرَحْناها في ( يُوسُفَ: ٤٤ )، وبَعْضُهم يَقُولُ: افْتَراهُ؛ أيِ: اخْتَلَقَهُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو شاعِرٌ، ﴿ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ ﴾ كالنّاقَةِ والعَصا، فاقْتَرَحُوا الآياتِ الَّتِي لا إمْهالَ بَعْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿ مِن قَرْيَةٍ ﴾ وصَفَ القَرْيَةِ، والمُرادُ: أهْلُها، والمَعْنى: أنَّ الأُمَمَ الَّتِي أُهْلِكَتْ بِتَكْذِيبِ الآياتِ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ لَمّا أتَتْهم، فَكَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ ؟

وهَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ لا تَكُونُ سَبَبًا لِلْإيمانِ، إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا ﴾ هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( يُوحى ) بِالياءِ.

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( نُوحِي ) بِالنُّونِ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في ( النَّحْلِ: ٤٣ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: الرُّسُلَ، ﴿ جَسَدًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ: أجْسادًا؛ لِأنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ.

قالَ مُجاهِدٌ: وما جَعَلْناهم جَسَدًا لَيْسَ فِيهِمْ رُوحٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ما جَعَلْنا الأنْبِياءَ قَبْلَهُ أجْسادًا لا تَأْكُلُ الطَّعامَ، ولا تَمُوتُ فَنَجْعَلُهُ كَذَلِكَ.

قالَ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ جَمِيعًا: العَرَبُ إذا جاءَتْ بَيْنَ الكَلامِ بِجَحْدَيْنِ، كانَ الكَلامُ إخْبارًا، فَمَعْنى الآيَةِ: إنَّما جَعَلْناهم جَسَدًا لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ.

قالَ قَتادَةُ: المَعْنى: وما جَعَلْناهم جَسَدًا إلّا لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ ﴾ يَعْنِي: الأنْبِياءَ أنْجَزْنا وعْدَهُمُ الَّذِي وعَدْناهم بِإنْجائِهِمْ وإهْلاكِ مُكَذِّبِيهِمْ، ﴿ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوهم، ﴿ وَأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ الشِّرْكِ؛ وهَذا تَخْوِيفٌ لِأهْلِ مَكَّةَ.

ثُمَّ ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ، فَقالَ: ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فِيهِ شَرَفُكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فِيهِ دِينُكم، قالَهُ الحَسَنُ، يَعْنِي: فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ دِينِكم.

والثّالِثُ: فِيهِ تَذْكِرَةٌ لَكم لِما تَلْقَوْنَهُ مِن رَجْعَةٍ أوْ عَذابٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ما فَضَّلْتُكم بِهِ عَلى غَيْرِكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلْ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ ﴾ ﴿ ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَعامَ وما كانُوا خالِدِينَ ﴾ لَمّا اقْتَضَتِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنَّهم قالُوا إنَّ ما عِنْدَهُ سِحْرٌ، عَدَّدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ جَمِيعَ ما قالَتْهُ طَوائِفُهُمْ، ووَقَعَ الإضْرابُ بِكُلِّ مَقالَةٍ عَنِ المُتَقَدِّمَةِ لَها لِيَتَبَيَّنَ اضْطِرابُ أمْرِهِمْ، فَهو إضْرابٌ عن جَحْدٍ مُتَقَدِّمْ لِأنَّ الثانِي لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ في نَفْسِهِ.

و"الأضْغاثُ": الأخْلاطُ، وأصْلُ الضِغْثِ: القَبْضَةُ المُخْتَلِطَةُ مِنَ العُشْبِ والحَشِيشِ، فَشُبِّهَتْ تَخالِيطُ الحُلْمِ بِذَلِكَ، وهو ما لا يَتَفَسَّرُ ولا يَتَحَصَّلُ، ثُمْ حَكى قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ مُفْتَرٍ قاصِدٌ لِلْكَذِبِ،ثُمْ حُكِيَ قَوْلُ مَن قالَ: شاعِرٌ، وهي مَقالَةُ فِرْقَةٍ عامِّيَّةٍ مِنهُمْ، لِأنَّ نُبَلاءَ العَرَبِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ بِالبَدِيهَةِ أنَّ مَبانِيَ القُرْآنِ لَيْسَتْ مَبانِي شِعْرٍ، ثُمْ حَكى اقْتِراحَهم وتَمَنِّيهِمْ آيَةً تَضْطَرُّهم وتَكُونُ في غايَةِ الوُضُوحِ كَناقَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وغَيْرِها.

وقَوْلُهُ: ﴿ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ ﴾ دالٌّ عَلى مَعْرِفَتِهِمْ بِإتْيانِ الرُسُلِ الأُمَمَ المُتَقَدِّمَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها ﴾ قَبْلَهُ كَلامٌ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: والآيَةُ الَّتِي طَلَبُوها عادَتُنا أنَّ القَوْمَ إنْ كَفَرُوا بِها عاجَلْناهُمْ، وما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الَّتِي نَزَلَتْ بِها هَذِهِ النازِلَةُ، أفَهَذِهِ كانَتْ تُؤْمِنُ.

وقَوْلُهُ: "أهْلَكْناها" جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِلْقَرْيَةِ، والجُمْلَةُ إذا اتَّبَعَتِ النَكِراتِ فَهي صِفاتٌ لَها، وإذا اتَّبَعَتِ المَعارِفَ فَهي أحْوالٌ مِنها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا ﴾ رَدٌّ عَلى فِرْقَةٍ مِنهم كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنَ البَشَرِ رَسُولًا يَشُفُّ عَلى نَوْعِهِ مِنَ البَشَرِ بِهَذا القَدْرِ مِنَ الفَضْلِ، فَمَثَّلَ اللهُ تَعالى في الرَدِّ عَلَيْهِمْ بِمَن سَبَقَ مِنَ الرُسُلِ مِنَ البَشَرِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوحى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "نُوحِي" بِالنُونِ، ثُمْ أحالَهم عَلى سُؤالِ أهْلِ الذِكْرِ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ قُرَيْشٍ كِتابٌ ولا أثارَةٌ مِن عِلْمٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في أهْلِ الذِكْرِ، مَن هُمْ؟

فَرُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ قالَ: أنا مِن أهْلِ الذِكْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم أحْبارُ أهْلِ الكِتابِ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: أنا مِن أهْلِ الذِكْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أنْ يُتَأمَّلَ؛ وذَلِكَ أنَّ الذَكَرَ هو كُلُّ ما يَأْتِي مِن تَذْكِيرِ اللهِ عِبادَهُ، فَأهْلُ القُرْآنِ أهْلُ ذِكْرٍ، وهَذا أرادَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأمّا المُحالُ عَلى سُؤالِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونُوا أهْلَ القُرْآنِ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّهم كانُوا خُصُومَهُمْ، وإنَّما أُحِيلُوا عَلى سُؤالِ أحْبارِ أهْلِ الكِتابِ مِن حَيْثُ كانُوا مُوافِقِينَ لَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ  ، فَتَجِيءُ شَهادَتُهم - بِأنَّ الرُسُلَ قَدِيمًا مِنَ البَشَرِ لا مَطْعَنَ فِيها - لازِمَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْناهم جَسَدًا ﴾ ، قِيلَ: الجَسَدُ مِنَ الأشْياءِ يَقَعُ عَلى ما لا يَتَغَذّى، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عِجْلا جَسَدًا  ﴾ ، فَمَعْنى هَذا: ما جَعَلْناهم أجْسادًا لا تَتَغَذّى، وقِيلَ: الجَسَدُ يَعُمُ المُتَغَذِّي مِنَ الأجْسامِ وغَيْرَ المُتَغَذِّي.

فالمَعْنى: ما جَعَلْناهم أجْسادًا وجَعَلْناهم مَعَ ذَلِكَ لا يَأْكُلُونَ الطَعامَ كالجَماداتِ أو كالمَلائِكَةِ، فَـ ﴿ جَعَلْناهم جَسَدًا ﴾ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مَنفِيٌّ، وعَلى الثانِي مُوجَبٌ والنَفْيُ واقِعٌ عَلى صِفَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْكُلُونَ الطَعامَ ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ، ثُمْ نَفى عنهُمُ الخُلْدَ لِأنَّهُ مِن صِفاتِ القَدِيمِ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَغَيْرُ خالِدٍ في دارِ الدُنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الجسد: الجسم الذي لا حياة فيه، وهو يرادف الجثة.

هذا قول المحققين من أيمة اللغة مثل أبي إسحاق الزجاج في تفسير قوله تعالى: ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسدا ﴾ [طه: 88].

وقد تقدم هناك، ومنه قوله تعالى: ﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ [ص: 34].

قيل هو شِق غلام لا روح فيه ولدته إحدى نسائه، أي ما جعلناهم أجراماً غير منبثة فيها الأرواح بحيث تنتفي عنهم صفات البشَر التي خاصتها أكل الطعام، وهذا رد لما يقولونه ﴿ ما لهذا الرسول يأكل الطعام ﴾ [الفرقان: 7] مع قولهم هنا ﴿ هل هذا إلا بشر مثلكم ﴾ [الأنبياء: 3].

وذكر الجسد يفيد التهكم بالمشركين لأنهم لما قالوا ﴿ ما لهذا الرسول يأكل الطعام ﴾ [الفرقان: 7]، وسألوا أن يأتي بما أرسل به الأولون كان مقتضى أقوالهم أن الرسل الأولين كانوا في صور الآدميين لكنهم لا يأكلون الطعام وأكل الطعام من لوازم الحياة، فلزمهم لما قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام أن يكونوا قائلين بأن شأن الرسل أن يكونوا أجساداً بلا أرواح، وهذا من السخافة بمكانة.

وأما قوله: ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ فهو زيادة استدلال لتحقيق بشريتهم استدلالاً بما هو واقع من عدم كفاءة أولئك الرسل كما هو معلوم بالمشاهدة، لقطع معاذير الضالين، فإن زعموا أن قد كان الرسل الأولون مخالفين للبشر فماذا يصنعون في لحاق الفناء إياهم.

فهذا وجه زيادة ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ .

وأُتي في نفي الخلود عنهم بصيغة ﴿ ما كانوا ﴾ تحقيقاً لتمكن عدم الخلود منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ ﴾ الآيَةِ.

فِيهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهم عُلَماءُ المُسْلِمِينَ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّالِثُ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْناهم جَسَدًا ﴾ الآيَةِ.

فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وما جَعَلْنا الأنْبِياءَ قَبْلَكَ أجْسادًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ولا يَمُوتُونَ فَنَجْعَلَكَ كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ  ﴾ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: إنَّما جَعَلْناهم جَسَدًا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ، فَلِذَلِكَ جَعَلْناكَ جَسَدًا مِثْلَهم، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ الكَلْبِيُّ: أوِ الجَسَدُ هو الجَسَدُ الَّذِي فِيهِ الرُّوحُ ويَأْكُلُ ويَشْرَبُ، فَعَلى مُقْتَضى هَذا القَوْلِ يَكُونُ ما لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ جِسْمًا.

وَقالَ مُجاهِدٌ: الجَسَدُ ما لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، فَعَلى مُقْتَضى هَذا القَوْلِ يَكُونُ ما يَأْكُلُ ويَشْرَبُ نَفْسًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ﴾ قال: من أمر الدنيا» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ قال: ما يوعدون.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ما يأتيهم من ذكر من ربهم ﴾ يقول: ما ينزل عليهم شيء من القرآن.

وفي قوله: ﴿ لاهية قلوبهم ﴾ قال: غافلة.

وفي قوله: ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا ﴾ يقول: أسروا الذين ظلموا النجوى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وأسروا النجوى ﴾ قال: أسروا نجواهم بينهم ﴿ هل هذا إلا بشر مثلكم ﴾ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ أفتأتون السحر ﴾ يقولون: إن متابعة محمد صلى الله عليه وسلم متابعة السحر.

وفي قوله: ﴿ قال ربي يعلم القول ﴾ قال: الغيب وفي قوله: ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام ﴾ قال: أباطيل أحلام.

وأخرج ابن منده وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في سننه وابن عدي، عن جندب البجلي أنه قتل ساحراً كان عند الوليد بن عقبة ثم قال: ﴿ أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام ﴾ أي فعل الأحلام إنما هي رؤيا رآها ﴿ بل افتراه بل هو شاعر ﴾ كل هذا قد كان منه ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون ﴾ كما جاء موسى وعيسى بالبينات والرسل ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها ﴾ أي أن الرسل كانوا إذا جاؤوا قومهم بالآيات فلم يؤمنوا لم ينظروا.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: «قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كان ما تقول حقاً ويسرك أن نؤمن، فحوّل لنا الصفا ذهباً.

فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم ينظروا؛ وإن شئت استأنيت بقومك.

قال: بل أستأني بقومي» فأنزل الله: ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أفهم يؤمنون ﴾ قال: يصدقون بذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام ﴾ يقول: لم نجعلهم جسداً ليس يأكلون الطعام، إنما جعلناهم جسداً يأكلون الطعام.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ قال: لا بد لهم من الموت أن يموتوا.

وفي قوله: ﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ إلى قوله: ﴿ وأهلكنا المسرفين ﴾ قال: هم المشركون.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ قال: فيه شرفكم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ كتاباً فيه ذكركم ﴾ قال: فيه حديثكم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ كتاباً فيه ذكركم ﴾ قال: فيه دينكم، أمسك عليكم دينكم بكتابكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ كتاباً فيه ذكركم ﴾ يقول: فيه ذكر ما تعنون به وأمر آخرتكم ودنياكم.

وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن ابن عباس قال: بعث الله نبياً من حمير يقال له شعيب، فوثب إليه عبد فضربه بعصا فسار إليهم بختنصر فقاتلهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء، وفيهم أنزل الله: ﴿ وكم أهلكنا من قرية كانت ظالمة ﴾ إلى قوله: ﴿ خامدين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن الكلبي ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ قال: هي حصون بني أزد.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ قال: أهلكناها.

وفي قوله: ﴿ لا تركضوا ﴾ قال: لا تفروا.

وفي قوله: ﴿ لعلكم تسألون ﴾ قال: تتفهمون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: كانوا إذا أحسوا بالعذاب وذهبت عنهم الرسل من بعد ما أنذروهم فكذبوهم، فلما فقدوا الرسل وأحسوا بالعذاب أرادوا الرجعة إلى الإيمان وركضوا هاربين من العذاب، فقيل لهم؛ لا تركضوا.

فعرفوا أنه لا محيص لهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ إذا هم منها يركضون ﴾ قال: يفرون.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ يقول: ارجعوا إلى دنياكم التي أترفتم فيها ﴿ لعلكم تسألون ﴾ من دنياكم شيئاً استهزاء بهم.

وفي قوله: ﴿ فما زالت تلك دعواهم ﴾ قال: لما رأوا العذاب وعاينوه، لم يكن لهم هجيري إلا قولهم: ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ حتى دمر الله عليهم وأهلكهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ قال: ارجعوا إلى دوركم وأموالكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فما زالت تلك دعواهم ﴾ قال: هم أهل حصون، كانوا قتلوا نبيهم فأرسل الله عليهم بختنصر فقتلهم.

وفي قوله: ﴿ حتى جعلناهم حصيداً خامدين ﴾ قال: بالسيف ضربت الملائكة وجوههم حتى رجعوا إلى مساكنهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب قال: حدثني رجل من المحررين قال: كان باليمن قريتان، يقال لإحداهما حضور، والأخرى فلانة، فبطروا وأترفوا حتى كانوا يغلقون أبوابهم، فلما أترفوا بعث الله إليهم نبياً فدعاهم فقتلوه، فألقى الله في قلب بختنصر أن يغزوهم فجهز إليهم جيشاً فقاتلوهم فهزموا جيشه، ثم رجعوا منهزمين إليه فجهز إليهم جيشاً آخر أكثف من الأول فهزموهم أيضاً، فلما رأى بختنصر ذلك غزاهم هو بنفسه فقاتلوه فهزمهم حتى خرجوا منها يركضون، فسمعوا منادياً يقول: ﴿ لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم ﴾ فرجعوا فسمعوا منادياً يقول: يا لثارات النبي، فقتلوا بالسيف فهي التي قال الله: ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ إلى قوله: ﴿ خامدين ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى جعلناهم حصيداً ﴾ قال: الحصاد ﴿ خامدين ﴾ قال: كخمود النار إذا طفئت.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ خامدين ﴾ قال: ميتين.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: خلوا ثيابهم على عوراتهم ** فهم بأفنية البيوت خمود <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ ﴾ يعني الرسل ﴿ جَسَدًا ﴾ قال أبو إسحاق: جسد هو واحد ينبئ (١) (٢) وعند الفراء أنه بمنزلة المصدر؛ لأنه يقال شيء مجسد، فهو (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾ [قال ابن عباس: يريد: إلا يأكلون (٥) (٦) (٧) ونحو هذا قال الزجاج.

قال (٨) (٩) وروى أبو عمر (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ﴾ يعني: أنهم يموتون كسائر البشر.

(١) في (ت): (يثني)، وهو خطأ.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 385.

(٣) في (د)، (ع): (وهو).

(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 199، والطبري 17/ 5.

(٥) في (د)، (ع): (يأكلوا).

(٦) ساقط من (أ).

(٧) أخرج ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 617، عن ابن عباس أنه قال: لم نجلهم جسدًا ليس يأكلون الطعام، إنّما جعلناهم جسدًا يأكلون الطعام.

(٨) (قال): ساقطة من (ع).

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 385.

(١٠) في (ت): (أبو عمرو)، وهو خطأ.

(١١) في (د)، (ع): (أبو العباس)، هما ثعلب والمبرد).

(١٢) في (د)، (ع): (زيادة (إن) قبل قوله: (العرب).

(١٣) في (د)، (ع): (يجحدون)، وهو خطأ.

(١٤) في (أ): (ليأكلون)، وهو خطأ.

(١٥) ساقط من (د)، (ع).

(١٦) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 341 عن المبرد وثعلب إلى قوله: "الطعام".

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام ﴾ أي ما جعلنا الرسل اجساداً غير طاعمين، ووحد الجسد لإرادة الجنس، و ﴿ لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام ﴾ صفة لجسد، وفي الآية ردّ على قولهم ﴿ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام ﴾ [الفرقان: 7].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ قال ربي ﴾ بالألف: حمزة وعلي وحفص.

الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ نوحي ﴾ بالنون مبنياً للفاعل: حفص غير الخراز.

الباقون: بالياء مجهولاً.

الوقوف: ﴿ معرضون ﴾ ج للآية مع احتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً.

﴿ يلعبون ﴾ لا لأن ﴿ لاهية ﴾ حال أخرى مترادفة أو متداخلة من ضمير ﴿ يلعبون ﴾ وهي لقلوبهم في المعنى.

﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مثلكم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع استغناء الثانية عن الأولى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ شاعر ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد المقول ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ أهلكناها ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ ذكركم ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ يركضون ﴾ ه ط لتقدير القول ﴿ تسألون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ خامدين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ من لدنا ﴾ ه على جعل "إن" نافية والأصح أنها للشرط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ زاهق ﴾ لا ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يستحسرون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً، ﴿ لا يفترون ﴾ ه.

التفسير: قال جار الله: اللام في قوله ﴿ للناس ﴾ إما صلة لاقترب أو تأكيد لإضافة الحساب إليهم كقولك في أزف رحيل الحي أزف للحي الرحيل، فيه تأكيد إن من جهة تقديم الحي ومن جهة إظهار اللام، ثم تزيد تأكيداً آخر من جهة وضع ضمير الحي مضافاً إليه الرحيل، موضع لام التعريف فيه فتقول: أزف للحي رحيلهم.

والمراد اقترب للناس وقت حسابهم وهو القيامة كقوله ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ فإذا اقتربت الساعة فقد إقترب ما يكون فيها من الحساب وغيره، كأنه لما هدد في خاتمة السورة المتقدمة بقوله ﴿ فستعلمون ﴾ بين في أول هذه السورة أن وقت ذلك العلم قريب.

فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد مضى دون هذا القول أكثر من سبعمائة عام فالجواب أن كل ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد الذي دخل في خبر كان قال القائل: شعر فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس على أنه لم يمض بعد يوم من ايام الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ ومما يدل على أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي قوله  "بعثت أنا والساعة كهاتين" وقد وعد بعث خاتم النبيين في آخر الزمان، وفي ذكر هذا الاقتراب تنبيه للغافلين وزجر للمذنبين.

فالمراد بالناس كل من له مدخل في الحساب وهم جميع المكلفين.

وما روي عن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون فمن باب إطلاق اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين من الغفلة والإعراض وغيرهما.

والذكر الطائفة النازلة من القرآن، وقرئ ﴿ محدث ﴾ بالرفع صفة على المحل، واحتجت المعتزلة بالآية على أن القرآن محدث، وأجاب الأشاعرة بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول، وإنما النزاع في الكلام النفسي الذي لا يصح عليه الإتيان والنزول.

وزعم الإمام فخر الدين الرازي  أن حاصل قول المعتزلة في هذا المقام يؤل إلى قولنا القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث لأن قوله ﴿ من ذكر من ربهم محدث ﴾ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على أن ذكراً ما محدث، كما أن قول القائل: لا يدخل هذا البلد رجل فاضل إلا يبغضونه، لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً، وإذا كان كذلك فيصير صورة القياس كقولنا "الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس" وإنه لا ينتج شيئاً لأن كلية الكبرى شرط في إنتاج الشكل الأول كما عرف فيعلم الميزان.

قلت: إن المعتزلة لا يحتاجون في إثبات دعواهم إلى تركيب مثل هذا القياس لأن مدعاهم يثبت بتسنيم إحدى مقدمتي القياس الذي ركبه وهي قوله "بعض الذكر محدث" لأنه نقيض ما يدعيه الأشاعرة وهو لا شيء من القرآن بمحدث.

وإذا صدق أحد النقيضين كذب بالضرورة، فظهر أن الإمام غلطهم في هذا القياس الذي ركبه، ثم لقائل أن يقول تتميماً لقول المعتزلة: إذا ثبت أن بعض القرآن محدث لزم أن يكون كله محدثا لأن القائل قائلان: أحدهما ذهب إلى قدم كله، والثاني إلى حدوث كله، ولم يذهب أحد إلى قدم بعضه وحدوث بعضه.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ من ربهم محدث ﴾ لموافقة قوله بعد هذا ﴿ قل ربي يعلم ﴾ وقال في الشعراء ﴿ من ذكر من الرحمن محدث  ﴾ لكثرة الرحيم فيها.

فكان "الرحمن بالرحيم" أنسب.

قوله  ﴿ يلعبون ﴾ اللعب الاشتغال بما لا يعني قوله ﴿ لاهية ﴾ هي من لهى عنه بالكسر إذا ذهل وغفل.

وفيه إن هم كالأنعام بل هم لا يحصلون من الاستماع والتذكير إلا على مثل ما تحصل هي عليه آذانهم تسمع وقلوبهم لا تعي ولا تفقه.

ومعنى ﴿ وأسروا النجوى ﴾ بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا يعلم أنهم متناجون وفي "واو" اسروا وجهان: أحدهما أن على لغة من يجوز إلحاق علامة التثنية والجمع بالفعل إذا كان مقدماً على فاعله، وثانيهما وهو الأقوى أن الواو ضمير راجع إلى الناس المقدم ذكرهم و ﴿ الذين ظلموا ﴾ بدل منهم.

أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره ﴿ أسروا النجوى ﴾ مقدماً عليه.

وعلى التقادير أراد وأسروا النجوى هؤلاء فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم ثم أبدل من النجوى قوله ﴿ هل هذا إلاّ بشر ﴾ إلى قوله ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ أي أتقبلون سحره وتحضرون هناك وأنتم ترون أنه رجل مثلكم، أو تعلمون أنه سحر وأنتم من أهل البصر والعقل؟

وجوز بعضهم أن يكون قوله ﴿ هل هذا ﴾ إلى آخره مفعولاً لقالوا مضمراً، وإنما أسروا نجوى هذا الحديث لأنهم أرادوا شبه التشاور فيما بينهم تحرياً لهدم أمر النبي كما جاء في كلام الحكماء.

ويرفع أيضاً إلى النبي  "استعينوا على حوائجكم بالكتمان" ويجوز أن يسروا بذلك ثم يقولوا للرسول والمؤمنين: إن كان ما تدعون حقاً فأخبرونا بما اسررنا.

من قرأ ﴿ قال ربي ﴾ فعلى حكاية الرسول  كأنه قال: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فإن ربي عالم بذلك، وإنه من وراء عقابه يصف نفسه في بعض المواضع بأنه يعلم السر وذلك حين يريد تخصيصه بعلم الغيب، ووصف نفسه ههنا بأنه يعلم القول.

قال جار الله: هذا آكد لأنه عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، وأقول هذا إذا كان اللام في القول للاستغراق، أما إذا كان للجنس فلا يلزم زيادة العلم إذ لا دلالة للعام على الخاص.

بل نقول: العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بالطريق الأولى فلا مزية لإحدى العبارتين على الأخرى ﴿ وهو السميع العليم ﴾ خصص علمه بالمسموعات أولاً ثم عمم وقال الإمام قدم "السميع" على "العليم" لأنه لا بد من استماع الكلام أولاً ثم من حصول العلم بمعناه.

قلت: هذا قياس للغائب على الحاضر قوله ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر ﴾ معنى هذه الإضطرابات مع ملاحظة ما قبلها أنهم أنكروا أولاً كون الرسول من جنس البشر، ثم كأنهم قالوا: سلمنا ذلك ولكن الذي ادعيت أنه معجز ليس بمعجز غايته أنه خارق للعادة، وليس كل ما هو خارق للعادة معجزاً فقد يكون سحراً هذا إذا ساعدنا على أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة، لكنا عن تسليم هذه المقدمة بمراحل فإنا ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث أحلام وهي الأحلام المختلطة التي لا أصل لها وقد مر في سورة يوسف.

سلمنا ولكنه من جنس كلام الأوساط افتراه من عنده؟

سلمنا أنه كلام فصيح ولكنه لا يتجاوز فصاحة الشعراء، وإذا كان حال هذا المعجز هكذا.

﴿ فليأتنا بآية ﴾ لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات ﴿ كما أرسل الأولون ﴾ اي كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن لإتيانهم بالآيات.

ومن تأمل في هذه الأقوال المحكية عن أولئك الكفرة علم أنها كلام مبطل متحير هائم في أودية الضلال وألا يكفي في إعجاز القرآن أنهم عدلوا حين تحدوا به عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف.

ثم بين أن الآيات التي يقترحونها لا فائدة لهم فيها لأنهم أعتى من الأمم السالفة وأنهم ما آمنوا عند مجيء الايات المقترحة فأهلكوا لأجل ذلك ﴿ افهم يؤمنون ﴾ مع شدة شكيمتهم فيه معنى الإنكار أي لا يؤمنون ألبتة وحينئذ يجب إهلاكهم، ولكن قد سبق القول من الله أن هذه الأمة أمنوا من عذاب الاستئصال.

ثم أجاب عن شبهتهم الأولى وهي قولهم ﴿ هل هذا إلاّ بشر مثلكم ﴾ بقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً ﴾ وقد مر مثله في آخر سورة يوسف وفي النحل.

وإنما جاز الأمر بالرجوع إلى أهل الكتاب وإن كانوا من الكفرة، لأن هذا الخبر قد تواتر عندهم وبلغ حد الضرورة على أن أهل الكتاب كانوا يتابعون المشركين في معادة رسول الله  فكان قولهم عندهم حجة.

وقيل: أهل الذكر أهل القرآن.

وضعف بأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي محمد  ، فكيف يؤمرون بالرجوع إلى قولهم؟

واستدل كثير من الفقهاء بالآية في أن للعاميّ أن يرجع إلى فتيا العلماء، وللمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر وأجيب بأنها خطاب مشافهة وارد في الواقعة المخصوصة، وفي السؤال عن أهل الكتاب فلا يتعدى عن مورد النص وقد مر في آخر سورة يوسف الفرق بين قوله ﴿ وما ارسلنا من قبلك ﴾ وقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك ﴾ بغير "من" وليس إلا ههنا وفي أوائل الفرقان ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم  ﴾ ثم أكد كون الرسل من جنس البشر بقوله ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ الآية كأنهم قالوا: إنه بشر يأكل كما نأكل ويموت كما نموت، فلعلهم اعتقدوا خلود الملائكة لا أقل من العمر الطويل، ولا بد من تقدير مضاف محذوف اي وما جعلنا الأنبياء قبلك ذوي جسد غير طاعمين وإلا قيل: وما جعلنا لهم جسداً.

ووحد الجسد لإرادة الجنس اي ذوي ضرب من الأجساد وأراد كل واحد منهم قوله: ﴿ صدقناهم الوعد ﴾ أصله في الوعد فنصب بنزع الخافض، ثم فسر الوعد بقوله ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ وهم المؤمنون، ثم نبههم على عظيم نعمه عليهم بقوله، ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ أي شرفكم وصيتكم، أو فيه بيان مكارم الآخلاق التي بها يبقى الذكر الجميل مع الثواب الجزيل، ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال ﴿ وكم قصمنا ﴾ والقصم القطع الكبير وهو الذي يبين تلاؤم الأجزاء، وإذا لم يبين فهو الفصم بالفاء، وذلك أن القاف حرف شديد والفاء رخو لوحظ جانب المعنى في اللفظ ومعنى ﴿ من قرية ﴾ من أهل قرية لقوله ﴿ وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ﴾ وللضمائر في قوله ﴿ فلما أحسوا ﴾ إلى آخر القصة.

والمراد بالإحساس الإدراك بحاسة اللمس أو علم لا شك فيه كالمحسوس المشاهد.

والركض ضرب الدابة بالرجل كأنهم ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم حين أدركتهم مقدمة العذاب، قال الجوهري: الركض تحريك الرجل على الدابة استحثاثاً لها ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، فعلى هذا يجوز أن القوم كانوا يعدون على أرجهلم فقيل لهم لا تركضوا.

والقائل إما من الملائكة أو من المؤمنين أو يجعلون أحقاء بأن يقال لهم ذلك، أو أسمع رب العزة ملائكته هذا القول لينفعهم في دينهم، أو ألهم الله الكفار ذلك فحدثوا به أنفسهم: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ من العيش الهنيء والإتراف إبطار النعمة ﴿ لعلكم تسألون ﴾ غداً عما جرى عليكم وعلى أموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو أجلسوا في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم بما تأمرون وماذا ترسمون فينفذ فيهم أمركم ونهيكم، أو يسألكم الناس مستعينين بتدابيركم بآرائكم، أو يسألكم الوافدون وأرباب الطمع مستمطرين سحاب أكفكم إما لأنهم كانوا أسخياء ولكن سمعة ورياء، إما لأنهم بخلاء وفي كل هذه الوجوه تهكم بهم وتوبيخ لهم ﴿ فما زالت تلك ﴾ الدعوى وهي قولهم ﴿ يا ويلنا ﴾ لأن المولول كأنه يدعو الويل ﴿ دعواهم ﴾ الأول اسم "ما زال" والثاني خبره أو بالعكس.

والدعوى بمعنى الدعوة وقد مر في قوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ والحصيد المحصود كقوله ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ شبهوا بالزرع المستأصل والنار التي تخمد فتصير رماداً أي جعلناهم مشبهين بالمحصود والخامد، ووحد ﴿ حصيداً ﴾ لأن المراد زرعاً حصيداً، ولأن "فعيلاً" قد يستوي فيه الواحد والجمع، عن ابن عباس أن الآية نزلت في حضور وسحول قريتين باليمن تنسب إليهما الثياب.

وفي الحديث كفن رسول الله  في ثوبين سحوليين.

وروى حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم فكأن القوم حصدوا بالسيف وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء بالثارات الأنبياء.

قال أهل النظم: لما بين إهلاك كثير من القرى لأجل ظلمهم وتكذيبهم منها اللتان رواهما ابن عباس، أتبعه ما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً ومجازاة لا عبثاً ولا مجازفة فقال: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض ﴾ الاية أي وما سوينا هذا السقف المرفوع والمهاد الموضوع ﴿ وما بينهما ﴾ من الأركان والمواليد كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم للهو أو اللعب، وإنما سويناهما لغايات صحيحة ومنافع للخلق دينية ودنيوية كما مر طرف منها في أول "البقرة" ويمكن أن يقال: المقصود من سياق الآية تقرير نبوة محمد والرد على منكريه لأنه ظهر المعجز عليه، فإن كان صادقاً فهو المطلوب، وإن كان كاذباً كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب وهو منفي عنه  .

قال القاضي عبد الجبار: فيه دليل على أنه لا يخلق اللعب وكل قبيح وإلا كان لاعباً وعورض بمسألتي العلم والداعي.

ثم بين أن السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب ليس هو العجز والضعف ولكن لأن الحكمة تنافيه، معنى ﴿ من لدنا ﴾ من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن أو المرأة، وقيل: من لدنا اي من الملائكة لا من الإنس رداً على من قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله.

ويحتمل أن يقال من لدنا أي من عندنا على سبيل الخفية فلا تعرفونه ولا تسمعون اسمه فيكون الرد شاملاً لكل من ادعى الله ولداً ولو من الملائكة.

ثم اضرب عن اتخاذ اللهو واللعب فوصف نفسه بما يضاد فعل العبث قائلاً ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ﴾ يعني الباطل ﴿ زاهق ﴾ اي ففاجأ الدمغ زهوق الباطل، قال علماء المعاني: هذا من باب استعارة المحسوس للمعقول بجامع عقلي: فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام لأن القذف الرمي بنحو الحجارة، والدمغ من دمغه إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل بجامع الزهوق، ثم وبخهم ونعى عليهم بما وصفوه بالولد وغير ذلك مما لا يجوز عليه وينافي وجوب الوجود بما وصفوا رسوله به من السحر والشعر وغير ذلك من الأوصاف المضادة للرسالة فقال ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ اي تصفونه به.

ثم بين كمال قدرته ونهاية حلمه وحكمته فقال ﴿ وله من في السموات والأرض ﴾ والمراد بمن عنده الملائكة المقربون والمقصود عندية الشرف والرتبة.

فأما عندية المكان ففيها بحث طويل.

قال الزجاج: ﴿ لا يستحسرون ﴾ أي لا يتعبون ولا يمسهم الإعياء.

قال جار الله: كان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور ولكنه ذكر بلفظ المبالغة وهو "استفعل" لبيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور، وأنهم أحقاء بتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا ومع ذلك لا يعدُّونها تعباً عليهم.

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار ﴾ منصوبان على الظرفية ﴿ لا يفترون ﴾ لا يلحقهم الفتور والكلال.

وحاصل الآية أؤن الملائكة مع غاية شرفهم ونهاية قربهم لا يستنكفون عن طاعة الله، فكيف يليق بالبشر مع ضعفهم ونقصهم أن يتمردوا عن طاعته؟

وقد مر في أول سورة البقرة استدلال مفضلي الملائكة على الأنبياء بهذه الآية وبغيرها فلا حاجة إلى إعادته عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب الأحبار: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ ثم قال: { ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة  ﴾ أليس الرسالة واللعن ما نعين لهم عن التسبيح؟

أجاب كعب بأن التسبيح لهم كالنفس لنا لا يمنعهم عن الاشتغال بشيء آخر.

واعترض بأن آلة التنفس فينا مغايرة للسان فلهذا صح اجتماع التنفس والتكلم.

وأجيب بأنه لا استبعاد في أن يكون لهم ألسن كثيرة، أو يكون المراد بعدم الفتور أنهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللائقة به.

التأويل: اقترب لأهل النسيان أن يحاسبوا أنفسهم كقوله ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله  ﴾ ﴿ وما يأتيهم من ذكر ﴾ وعظ وتذكير من عالم رباني ﴿ محدث ﴾ إلهامه إلا أنكروه عليه ونسبوه إلى التخليط ونحوه ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ فيه أن الله قادر على أن لا يجعل النبي الولي ذا جسد ولكن اقتضت حكمته كونهم ذوي أجساد آكلين للطعام فإن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج، وبالقوى الحيوانية تتم الكمالات النفسانية وتدرك المحسوسات وتستفاد العلوم المستندة إلى الإحساس والتجربة وتفصيله أكثر من أن يحصى.

قال بعض المشايخ، لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً إلى الله ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ والسر فيه أن يعلموا من الموت حقيقة اسم المميت كما علموا من الحياة حقيقة اسم المحيي.

﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ الذي وعدناهم حين أهبطوا إلى الأرض ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ من متابعيهم من هاوية الهوان وعالم الطبيعة ﴿ وأهلكناهم المسرفين ﴾ الذين اسرفوا على أنفسهم بالكون إلى أسفل سافلين الطبائع.

﴿ وكم قصمنا من ﴾ أهل ﴿ قرية ﴾ قالت ﴿ فلما أحسوا بأسنا ﴾ وهي شدة قطع التعلق عن الكونين فإن الفطام عن المألوف شديد ﴿ لا تركضوا ﴾ منا بل ففروا إلينا ﴿ وارجعوا ﴾ إلى التنعمات الروحاينة ﴿ ومساكنكم ﴾ الصلية ﴿ لعلكم تسألون ﴾ عزة وكرامة ﴿ وما خلقنا ﴾ سموات الأرواح وأرض الأجساد، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار من غير غاية، وإنما خلقناها لتكون لطفنا وقهرنا ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل ﴾ للحق ثلاث مراتب: مرتبة أفعال الحق ومرتبة صفات الحق ومرتبة ذات الحق، ففي كل مرتبة يتجلى الحق فيها للعبد، ارهق باطل تلك المرتبة عن العبد حتى إذا تجلى له بأفعاله ذهب عنه باطل الأفعال، وإذا تجلى له بصفاته ذهب باطل صفاته، وإذا تجلى له بذاته في ذاته فيقول: أنا الحق وسبحاني والويل لمن لم يذهب باطله بإحدى هذه المراتب فيبقى متصفاً بالوجود المجازي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ .

قال الحسن: أي: محاسبتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾ .

ظاهر هذا أنه نزل في المشركين؛ لأنها نزلت بمكة وكان أكثر أهلها أهل شرك، لكن لأهل الإسلام في ذلك حظ وشرك فيما وصفهم بالغفلة عن ذلك والإعراض عنه، وأهل الإسلام قد يغفلون عن الحساب إلا أن غفلة الكفرة غفلة تكذيب وإعراضهم إعراض تكذيب بالحساب والآيات التي أنزلها عليهم، وغفلة أهل الإسلام ليست كذا، قد آمنوا بالحساب وصدقوا بآياته وعرفوها، لكنهم غفلوا عن الحساب؛ لشهوات مكنت فيهم وغلبت شهواتهم وأغفلتهم عنه، فمن هذه الجهة [كانوا] كأولئك، فأما من جهة الإيمان به والتصديق بالآيات فليسوا كأولئك.

ثم وصف الحساب والساعة بالقرب والدنو والإتيان؛ كقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ وأمثاله: هي قريبة كالماهية عند الله؛ لأن الله  عرف جملة الأوقات فهي في جملة ما عرف قريبة كالماهية، وأما الخلق فإنهم قد استبعدوها؛ لأنهم إنما يقدرون ذلك بآجالهم وأعمارهم وما جاوز أعمارهم، فهو عندهم بعيد ليس بقريب، وهذا إِنما يكون بعد ذهاب أعمارهم.

وقال قتادة: ذكر أنه لما نزلت هذه الآية ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ ، و ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ  ﴾ قال ناس من أهل الضلال: يزعم هذا الرجل أن الساعة قد اقتربت فتناهوا قليلا، ثم عادوا إلى أعمالهم، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ  ﴾ تناهوا عنها، ثم لما تأخر ذلك عنهم عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ هذا لأنهم فهموا من قرب الساعة وإتيان أمره وقتاً يقرب ومدة تدنو، فلما مضى ذلك وقع عندهم أن الخبر كذب فكذبوه؛ لأنهم إنما قدروه بآجالهم وما عرفوا هم من القرب والدنو.

وقوله: ﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾ ما ذكرنا من غفلة تكذيب وإعراض، تكذيب بعد ما عرفوا أنها آيات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ .

قوله: ﴿ مِّن ذِكْرٍ ﴾ ما يذكرهم ما يأتون وما يتقون.

أو ما يذكر ما أوعدوا وخوفوا.

أو ﴿ مِّن ذِكْرٍ ﴾ يذكرهم ما لهم وما عليهم.

وقوله: ﴿ مُّحْدَثٍ ﴾ قال بعضهم: محدث: محكم أحكمه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأحكمه لما أعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله.

وقال بعضهم: محدث؛ لأن الله أنزل هذا القرآن بالتفاريق وأحدث إنزاله في كل وقت على قدر الحاجة، فعلى ما نزل بالتفاريق أحدثوا هم - أعني الكفرة - تكذيبه ورده على ما ذكر، فزادهم رجساً إلى رجسهم ونحوه، فهو محدث من الوجوه التي ذكرنا؛ لأن كل موصوف بالإتيان فهو محدث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ .

دل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ أن استماعهم إياه استماع استهزاء به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ هذا الذي أسروا فيما بينهم ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ ﴾ ، هذا كان نجواهم.

وقوله: ﴿ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ ، قيل: غافلة قلوبهم عن الذكر، ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ الذي أسروه هو ما ذكرنا قولهم: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ السحر.

وفي حرف ابن مسعود وأبي: (وأسروا النجوى الذين كفروا منهم)، وقال الكسائي: وفي بعض الحروف: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، قال: وفي حرفنا: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ﴾ .

ثم أخبر - عز وجل - عنهم خبراً مستأنفاً فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ؛ كقول الله  : ﴿ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ  ﴾ ثم قال: ﴿ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ  ﴾ ، وهذا على كلامين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

يشبه أن يكون قوله: ﴿ يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ القول الذي أسروا فيما بينهم: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ﴾ ، وأمثال ما قالوا فيه ونسبوه إليه، أي: قل لهم: ربي يعلم ذلك القول منكم في السماء والأرض لينتهوا عن ذلك؛ لأن من يعلم في الشاهد أن أحداً يطلع على جميع ما يختاره من القول والفعل، ترك ذلك وامتنع عن التفوه به والإقدام على ما يختاره.

أو أن يكون قال ذلك على الابتداء والاستئناف أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴿ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : السميع لقولهم، العليم بأفعالهم.

ثم أخبر عن سفههم وقلة نظرهم في قولهم وكلامهم وحفظهم عن التناقض فقال: ﴿ بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ﴾ فيما نسبوه إلى الشعر والسحر والافتراء وأنه أضغاث أحلام تناقض في قولهم؛ لأن السحر هو غير الافتراء، والسحر غير أضغاث الأحلام، كل حرف من هذه الحروف التي نسبوه إليها يناقض الآخر ويبطله؛ فدل أنهم إنما قالوا ذلك ونسبوه إلى ما نسبوا متعنتين مكابرين لا عن معرفة وعلم قالوا ذلك؛ إذ تناقض قولهم وكلامهم؛ إذ السحر لا يدوم ولا يبقى في وقت آخر، فإذا عرفوا وعلموا أنه دام وبقي إلى آخر الدهر، وكذلك ما قالوا من أضغاث أحلام والافتراء، أعني: ما أتى رسول الله به، وبعد فإنه لو كان ما أتاهم به سحرا كان ذلك آية وعلامة على صدقه ونبوته؛ لأن السحر لا يعرفه أحد إلا بالتعليم، فإذا رأوه نشأ بين أظهرهم ولم يكن في قومه ساحر حتى يتعلم منه، ولا اختلف إلى أحد من السحرة يتعلم منهم السحر، ثم أتى به - لكان ذلك يدل على أنه إنما عرف ذلك بالله  ، فكيف وقد أتاهم بالحجج المنيرة الواضحة والآيات المعجزة الخارجة عن وسع البشر وطوقهم؟

لكنهم كابروا وعاندوا في ردها وتكذيبها، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ ﴾ .

قد علموا علم حقيقة أنه قد أتاهم بآيات وحجج ما لو تأملوا فيها ولم يكابروا، لدلهم على صدقه ورسالته، وقد عرفوا أنه صادق، لكنهم سألوا في قلوبهم: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ ﴾ الآية التي تنزل عند المكابرة والعناد، وهي الآية التي نزلت في الأمم الخالية عند مكابرتهم الآيات والحجج، وهو إهلاكهم واستئصالهم؛ إذ من سنته وحكمه في الأولين الإهلاك والاستئصال عند مكبارتهم الآيات والحجج، وسنته وحكمه في هذه الآية ختم النبوة بهم وإبقاء شريعة محمد - صلوات الله عليه - إلى الساعة، وسنته في الأمم الماضية نسخ شرائعهم واستبدال أحكامهم، فإذا كان ما ذكرنا جعل وقت إهلاكهم الساعة، وهو ما قال: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ...

﴾ الآية [القمر: 46].

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ ﴾ .

أي: ما آمنت قبلهم من قرية سألوا الآية سؤال مكابرة وعناد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

أي: لا يؤمن هؤلاء وإن أتاهم بآية فإنهم لا يؤمنون، كما لم يؤمن من أولئك المتقدمون؛ لأنهم يسألون سؤال عناد ومكابرة لا سؤال استرشاد واستهداء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ .

كأن هذا خرج جواباً لقولهم: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ...

﴾ كذا، وجواب قولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ ، وجواب قولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ  ﴾ ، فقال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ ، أي: بشراً، ﴿ نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ إلى عامة الخلق، أي: الرسالة في الأمم الذين من قبله إلى عامة الخلق كانت في البشر لم تكن في الملائكة، وإلا كانت الرسالة إلى الخواص في الملائكة وهم الرسل، فعلى ذلك لا تجعل الرسالة في هذه الأمة إلى عامة الخلق في الملائكة، ولكن تجعل في البشر على ما جعلت في الأمم الأولى في البشر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ ، أي: جعلها في الذكور منهم لم يجعلها في النساء والإناث؛ لما لم يستكملن شرائط الرسالة والنبوة، فكأن الأول في بيان الجنس، أي: لم يجعل الرسالة إلى عامة الخلق في الملائكة، ولكن جعلها في البشر، والثاني في بيان استكمال شرائط الرسالة واستحقاقها.

وفي حرف ابن مسعود وأبي: (وما أرسلنا قبله إلا رجالا نوحي إليهم)، فعلى حرفهما كأنه خاطب به أولئك الكفرة، أي: ما أرسلنا قبل محمد إلا رجالا نوحي إليهم، وفي القراءة الظاهرة المشهورة يكون الخطاب لرسول الله، أي: قل لهم: إنه ما أرسل الله من قبلك إلا رجالا يوحي إليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قال بعضهم: إنما خاطب به مشركي العرب وأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالرسل المتقدمة؛ ليخبروكم: أنه لم تجعل الرسالة فيهم إلى عامة الخلق إلا في البشر، وقال بعضهم: إنما خاطب من كفر من أهل الكتاب - من لا يعرف الكتاب وغيره - بمحمد أن اسألوا أهل الذكر، أي: من آمن منهم؛ ليخبروكم أن محمدا رسول الله إليكم إن كنتم لا تعلمون أنتم أنه رسول الله، [فهذا التأويل في محمد] خاصة والتأويل الأول في جميع الرسل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ ﴾ .

قال بعضهم: ما جعلنا أجساداً لا أرواح فيها لا يأكلون ولا يشربون، ولكن جعلناهم أجسادا فيها أرواح يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ﴾ من نحو الملائكة والجن، ولكن جعلناهم بشراً.

وحاصله: أنهم كانوا يطعنون الرسل بأشياء، مرة قالوا: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ ، وقالوا: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ ونحوه، كانوا لا يرون الرسالة في البشر، ولا يرون الرسول يكون من نوع المبعوث إليه، فألزمهم أن الرسل الذين كانوا من قبل الذين صدقهم آباؤهم وآمنوا بهم كانوا من البشر بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ ، ومرة طعنوا الرسل أنهم يأكلون الطعام ويشربون وينكحون ويمشون في الأسواق كغيرهم من الناس؛ كقوله: ﴿ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ  ﴾ ونحوه، فألزمهم - عز وجل - وأخبرهم أن الرسل الذين كانوا من قبل كانوا يأكلون ويشربون ويقضون حوائجهم؛ حيث قال: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ ﴾ في الدنيا، وما قال في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً  ﴾ ؛ فعلى ذلك الرسول المبعوث إليكم هو كسائر الرسل الذين كانوا من قبل، هو ممن يأكل ويشرب وينكح وهو رسول، وأنه بشر كسائر الرسل، وهو رسول الله؛ على هذا يخرج تأويل الآية.

وهذه الآية ترد على الباطنية قولهم ومذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الرسالة لا تكون في الجوهر الكثيف الجسداني الذي يأكل ويشرب ويفنى ويبيد، إنما تكون في الجوهر البسيط الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يبيد ولا يفنى، فأخبر - عز وجل - أنه لم يجعلهم جسداً لا يأكلون الطعام ولا يبيدون، بل جعلهم أجساداً يأكلون ويموتون بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ ﴾ .

أخبر أنه وعد الرسل وعداً، لكنه لم يبين ما كان ذلك الوعد الذي وعد رسله؟

لكن في آخره بيان أن الوعد الذي وعدهم كان وعد إهلاك وتعذيب؛ لأنه قال: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ ﴾ ، دل قوله: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ ﴾ : أن الوعد كان وعد إهلاك، فنقول: كان وعد - عز وجل - الرسل الذين من قبل إهلاك من كذبهم، فكان كما وعدوا، وإن تأخر ذلك الموعود عن وقت الوعد؛ فعلى ذلك ما وعدكم محمد من العذاب فإنه نازل بكم وإن تأخر نزوله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ذِكْرُكُمْ ﴾ ما يذكركم ما تأتون وتتقون، أو يذكركم ما لكم وما عليكم.

وقال بعضهم: ﴿ فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ ، أي: شرفكم ونبلكم لو اتبعتم.

وقال الحسن في قوله: ﴿ فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ أي: فيه دينكم الذي أمسك عليكم به.

وقال غيره: فيه شرفكم ونبلكم لو اتبعتموه؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ ، أي: شرف لك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما جعلنا الرسل الذين نرسلهم ذوي جسد لا يأكلون الطعام، بل يأكلون كما يأكل غيرهم، وما كانوا باقين في الدنيا لا يموتون.

<div class="verse-tafsir" id="91.Blx9w"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله