الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٩٨ من سورة الأنبياء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 101 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٨ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخاطبا لأهل مكة من مشركي قريش ، ومن دان بدينهم من عبدة الأصنام والأوثان : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) ، قال ابن عباس : أي وقودها ، يعني كقوله : ( وقودها الناس والحجارة ) [ التحريم : 6 ] .
وقال ابن عباس أيضا : ( حصب جهنم ) بمعنى : شجر جهنم .
وفي رواية قال : ( حصب جهنم ) يعني : حطب جهنم ، بالزنجية .
وقال مجاهد ، وعكرمة ، وقتادة : حطبها .
وهي كذلك في قراءة علي وعائشة - رضي الله عنهما .
وقال الضحاك : ( حصب جهنم ) أي : ما يرمى به فيها .
وكذا قال غيره .
والجميع قريب .
وقوله : ( أنتم لها واردون ) أي : داخلون .
يقول تعالى ذكره: إنكم أيها المشركون بالله ، العابدون من دونه الأوثان والأصنام ، وما تعبدون من دون الله من الآلهة .
كما حُدثت عن الحسين ، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد ، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يعني الآلهة ومن يعبدها ، (حصب جهنم ) وأما حصب جهنم ، فقال بعضهم: معناه: وقود جهنم وشجرها.
*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ ، قال : ثنا عبد الله ، قال: ثني معاوية ، عن عليّ ، عن ابن عباس ، قوله ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) : شجر جهنم.
حدثني محمد بن سعد ، قال: ثني أبى ، قال: ثني عمي ، قال: ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) يقول: وقودها.
وقال آخرون: بل معناه: حطب جهنم.
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) قال: حطبها.
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، (مثله)!
وزاد فيه: وفى بعض القراءة (حَطَبُ جَهَنَّمَ) يعني في قراءة عائشة.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) قال: حطب جهنم يقذفون فيها.
حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن الحر ، عن عكرمة ، قوله ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) قال: حطب جهنم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يرمى بهم في جهنم.
ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين ، قال: سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) يقول: إن جهنم إنما تحصب بهم ، وهو الرمي ، يقول: يرمي بهم فيها.
واختلف في قراءة ذلك ، فقرأته قراء الأمصار ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) بالصاد ، وكذلك القراءة عندنا لإجماع الحجة عليه.
ورُوي عن عليّ وعائشة أنهما كانا يقرآن ذلك ( حَطَبُ جَهَنَّمَ) بالطاء.
ورُوي عن ابن عباس أنه قرأه ( حَضَبُ) بالضاد.
حدثنا بذلك أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا إبراهيم بن محمد ، عن عثمان بن عبد الله ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه قرأها كذلك.
وكأن ابن عباس إن كان قرأ ذلك كذلك ، أراد أنهم الذين تسجر بهم جهنم ، ويوقد بهم فيها النار ، وذلك أن كل ما هيجت به النار وأوقدت به ، فهو عند العرب حضب لها .
فإذا كان الصواب من القراءة في ذلك ما ذكرنا ، وكان المعروف من معنى الحصب عند العرب: الرمي ، من قولهم: حصبت الرجل: إذا رميته ، كما قال جلّ ثناؤه إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا كان الأولى بتأويل ذلك قول من قال: معناه أنهم تقذف جهنم بهم ويرمى بهم فيها ، وقد ذكر أن الحصب في لغة أهل اليمين: الحطب ، فإن يكن ذلك كذلك فهو أيضا وجه صحيح ، وأما ما قلنا من أن معناه الرمي فإنه في لغة أهل نجد.
وأما قوله ( أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) فإن معناه: أنتم عليها أيها الناس أو إليها واردون ، يقول: داخلون ، وقد بينت معنى الورود فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
قوله : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون[ ص: 249 ] فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : إنكم وما تعبدون قال ابن عباس : آية لا يسألني الناس عنها !
لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها ، أو جهلوها فلا يسألون عنها ؛ فقيل : وما هي ؟
قال : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لما أنزلت شق على كفار قريش ، وقالوا : شتم آلهتنا ، وأتوا ابن الزبعرى وأخبروه ، فقال : لو حضرته لرددت عليه .
قالوا : وما كنت تقول ؟
قال : كنت أقول له : هذا المسيح تعبده النصارى و اليهود تعبد عزيرا أفهما من حصب جهنم ؟
فعجبت قريش من مقالته ، ورأوا أن محمدا قد خصم ؛ فأنزل الله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وفيه نزل ولما ضرب ابن مريم مثلا يعني ابن الزبعرى إذا قومك منه يصدون بكسر الصاد ؛ أي يضجون ؛ وسيأتي .الثانية : هذه الآية أصل القول بالعموم وأن له صيغا مخصوصة ، خلافا لمن قال : ليست له صيغة موضوعة للدلالة عليه ، وهو باطل بما دلت عليه هذه الآية وغيرها ؛ فهذا عبد الله بن الزبعرى قد فهم ( ما ) في جاهليته جميع من عبد ، ووافقه على ذلك قريش وهم العرب الفصحاء ، واللسن البلغاء ، ولو لم تكن للعموم لما صح أن يستثنى منها ، وقد وجد ذلك فهي للعموم وهذا واضح .الثالثة : قراءة العامة بالصاد المهملة أي إنكم يا معشر الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وقود جهنم ؛ قاله ابن عباس .
وقال مجاهد وعكرمة وقتادة : حطبها .
وقرأ علي بن أبي طالب وعائشة رضوان الله عليهما ( حطب جهنم ) بالطاء .
وقرأ ابن عباس ( حضب ) بالضاد المعجمة ؛ قال الفراء : يريد الحصب .
قال : وذكر لنا أن الحضب في لغة أهل اليمن الحطب ، وكل ما هيجت به النار وأوقدتها به فهو حضب ؛ ذكره الجوهري .
والموقد محضب .
وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : حصب جهنم كل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به .
ويظهر من هذه الآية أن الناس من الكفار وما يعبدون من الأصنام حطب لجهنم .
ونظير هذه الآية قوله تعالى : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة .
وقيل : إن المراد بالحجارة حجارة الكبريت ؛ على ما تقدم في ( البقرة ) وأن النار لا تكون على الأصنام عذابا ولا عقوبة ؛ لأنها لم تذنب ، [ ص: 250 ] ولكن تكون عذابا على من عبدها : أول شيء بالحسرة ، ثم تجمع على النار فتكون نارها أشد من كل نار ، ثم يعذبون بها .
وقيل : تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم وقيل : إنما جعلت في النار تبكيتا لعبادتهم .الرابعة : قوله تعالى : أنتم لها واردون أي فيها داخلون .
والخطاب للمشركين عبدة الأصنام ؛ أي أنتم واردوها مع الأصنام .
ويجوز أن يقال : الخطاب للأصنام وعبدتها ؛ لأن الأصنام وإن كانت جمادات فقد يخبر عنها بكنايات الآدميين .
وقال العلماء : لا يدخل في هذا عيسى ولا عزير ولا الملائكة صلوات الله عليهم ؛ لأن ( ما ) لغير الآدميين .
فلو أراد ذلك لقال : ( ومن ) .
قال الزجاج : ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم .
أي: إنكم أيها العابدون مع الله آلهة غيره { حَصَبُ جَهَنَّمَ } أي: وقودها وحطبها { أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } وأصنامكم.
( إنكم ) أيها المشركون ( وما تعبدون من دون الله ) يعني الأصنام ( حصب جهنم ) أي : وقودها وقال مجاهد وقتادة : حطبها والحصب في لغة أهل اليمن : الحطب وقال عكرمة : هو الحطب بلغة الحبشة .
قال الضحاك : يعني يرمون بهم في النار كما يرمى بالحصباء وأصل الحصب الرمي قال الله عز وجل ( أرسلنا عليهم حاصبا ) ( القمر 34 ) أي ريحا ترميهم بحجارة وقرأ علي بن أبي طالب : حطب جهنم ( أنتم لها واردون ) أي فيها داخلون .
«إنكم» يا أهل مكة «وما تعبدون من دون الله» أي غيره من الأوثان «حصب جهنم» وقودها «أنتم لها واردون» داخلون فيها.
إنكم - أيها الكفار - وما كنتم تعبدون من دون الله من الأصنام ومَن رضي بعبادتكم إياه من الجن والإنس، وقود جهنم وحطبها، أنتم وهم فيها داخلون.
وقوله - سبحانه - : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ .
.
) زيادة فى تقريعهم وتوبيخهم .والحَصَب - بفتحتين - ما تحصب به النار .
أى : يلقى فيها لتزداد به اشتعالا كالحطب والخشب .أى : إنكم - أيها الكافرون - وأصنامكم التى تعبدونها من دون الله - تعالى - وقود جهنم ، وزادها الذى تزداد به اشتعالا .وفى إلقاء أصنامهم معهم فى النار مع أنها لا تعقل ، زيادة فى حسرتهم وتبكيتهم ، حيث رأوا بأعينهم مصير ما كانوا يتوهمون من ورائه المنفعة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قرنوا بآلهتهم؟
قلت : لأنهم لا يزالون لمقارنتهم فى زيادة غم وحسرة ، حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم ، النظر إلى وجه العدو باب من العذاب ، ولأنهم قدروا أنهم يستشفعون بهم فى الآخرة ، وينتفعون بشفاعتهم ، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا ، لم يكن شىء أبغض إليهم منهم .وجملة ( أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) بدل من ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) ، أو مستأنفة .أى : أنتم - أيها الكافرون - ومعكم أصنامكم داخلون فى جهنم دخولا لا مفر لكم منه .وجاء الخطاب بقوله ( أَنتُمْ ) على سبيل التغليب ، وإلا فالجميع داخلون فيها .ولا يدخل فى هذه الآية ما عبده هؤلاءالمشركون من الأنبياء والصالحين كعيسى والعزيز والملائكة ، فإن عبادتهم لهم كانت عن جهل وضلال منهم ، فإن هؤلاء الأخيار ما أمروهم بذلك ، وإنما أمروهم بعبادة الله - تعالى - وحده .
اعلم أن قوله: ﴿ إِنَّكُمْ ﴾ خطاب لمشركي مكة وعبدة الأوثان.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ روي أنه عليه السلام دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفحمه ثم تلا عليهم: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الآية فأقبل عبد الله بن الزبعري فرآهم يتهامسون فقال: فيم خوضكم؟
فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله أما والله لو وجدته لخصمته فدعوه، فقال ابن الزبعري أأنت قلت ذلك؟
قال نعم، قال قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنوا مليح عبدوا الملائكة ثم روي في ذلك روايتان: إحداهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت ولم يجب فضحك القوم فنزل قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوٓا ءَأَٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًۢا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ ونزل في عيسى والملائكة: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى ﴾ الآية هذا قول ابن عباس.
الرواية الثانية: أنه عليه السلام أجاب وقال بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك فأنزل الله سبحانه: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى ﴾ الآية يعني عزيراً والمسيح والملائكة واعلم أن سؤال ابن الزبعري ساقط من وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ إِنَّكُمْ ﴾ خطاب مشافهة وكان ذلك مع مشركي مكة وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط.
وثانيها: أنه لم يقل ومن تعبدون بل قال ما تعبدون وكلمة ما لا تتناول العقلاء.
أما قوله تعالى: ﴿ والسماء وَمَا بناها ﴾ وقوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ فهو محمول على الشيء ونظيره هاهنا أن يقال: إنكم والشيء الذي تعبدون من دون الله لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم فلا يتوجه سؤال ابن الزبعري.
وثالثها: أن من عبد الملائكة لا يدعي أنهم آلهة، وقال سبحانه: ﴿ لَوْ كَانَ هَؤُلاء ءالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ﴾ .
ورابعها: هب أنه ثبت العموم لكنه مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح وعزير لبراءتهم من الذنوب والمعاصي، ووعد الله إياهم بكل مكرمة، وهذا هو المراد من قوله سبحانه: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ .
وخامسها: الجواب الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أنهم كانوا يعبدون الشياطين، فإن قيل الشياطين عقلاء، ولفظ ما لا يتناولهم فكيف قال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك؟
قلنا كأنه عليه السلام قال: لو ثبت لكم أنه يتناول العقلاء فسؤالكم أيضاً غير لازم من هذا الوجه.
وأما ما قيل: إنه عليه السلام سكت عند إيراد ابن الزبعري هذا السؤال فهو خطأ لأنه لا أقل من أنه عليه السلام كان يتنبه لهذه الأجوبة التي ذكرها المفسرون، لأنه عليه السلام كان أعلم منهم باللغة وبتفسير القرآن، فكيف يجوز أن تظهر هذه الأجوبة لغيره، ولا يظهر شيء منها له عليه السلام.
فإن قيل: جوزوا أن يسكت عليه السلام انتظاراً للبيان قلنا: لما كان البيان حاضراً معه لم يجز عليه السكوت لكي لا يتوهم فيه الانقطاع عن سؤالهم، ومن الناس من أجاب عن سؤال ابن الزبعري فقال: إن الله تعالى يصور لهم في النار ملكاً على صورة من عبدوه، وحينئذ تبقى الآية على ظاهرها واعلم أن هذا ضعيف من وجهين: الأول: أن القوم لم يعبدوا تلك الصورة وإنما عبدوا شيئاً آخر لم يحصل معهم في النار.
الثاني: وهو أن الملك لا يصير حصب جهنم في الحقيقة وإن صح أن يدخلها، فإن خزنة النار يدخلونها مع أنهم ليسوا حصب جهنم.
المسألة الثانية: الحكمة في أنهم قرنوا بآلهتهم أمور.
أحدها: أنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة، لأنهم ما وقعوا في ذلك العذاب إلا بسببهم والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب.
وثانيها: أن القوم قدروا أنهم يشفعون لهم في الآخرة في دفع العذاب، فإذا وجدوا الأمر على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم.
وثالثها: أن إلقاءها في النار يجري مجرى الاستهزاء بعبادها.
ورابعها: قيل ما كان منها حجراً أو حديداً يحمى ويلزق بعبادها، وما كان خشباً يجعل جمرة يعذب بها صاحبها.
أما قوله تعالى: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ فالمراد يقذفون في نار جهنم فشبههم بالحصباء التي يرمى بها الشيء فلما رمى بها كرمي الحصباء، جعلهم حصب جهنم تشبيهاً، قال صاحب الكشاف: الحصب الرمي وقرئ بسكون الصاد وصفاً بالمصدر، وقرئ حطب وحضب بالضاد المنقوطة متحركاً وساكناً.
أما قوله تعالى: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ فإنما جاز مجيء اللام في لها لتقدمها على الفعل تقول أنت لزيد ضارب كقوله تعالى: ﴿ والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ ﴾ ﴿ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ ﴾ أي أنتم فيها داخلون، والمعنى أنه لابد وأن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها.
أما قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ هَؤُلاء ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ﴾ فاعلم أن قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ بالأصنام أليق لدخول لفظة ما، وهذا الكلام بالشياطين أليق لقوله هؤلاء ويحتمل أن يريد الشياطين والأصنام فيغلب بأن يذكروا بعبارة العقلاء، ونبه الله تعالى على أن من يرمى إلى النار لا يمكن أن يكون إلهاً.
وهاهنا سؤال: وهو أن قوله: ﴿ لَوْ كَانَ هَؤُلاء ءالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ﴾ لكنهم وردوها فهم ليسوا آلهة حجة، وهذه الحجة إما أن يكون ذكرها لنفسه أو لغيره، فإن ذكرها لنفسه فلا فائدة فيه لأنه كان عالماً بأنها ليست آلهة وإن ذكرها لغيره، فإما أن يذكرها لمن يصدق بنبوته أو لمن يكذب بنبوته، فإن ذكرها لمن صدق بنبوته فلا حاجة إلى هذه الحجة لأن كل من صدق بنبوته لم يقل بإلهية هذه الأصنام وإن ذكرها لمن يكذب بنبوته، فذلك المكذب لا يسلم أن تلك الآلهة يردون النار ويكذبونه في ذلك، فكان ذكره هذه الحجة ضائعاً كيف كان، وأيضاً فالقائلون بآلهيتها لم يعتقدوا فيها كونها مدبرة للعالم وإلا لكانوا مجانين، بل اعتقدوا فيها كونها تماثيل الكواكب أو صور الشفعاء، وذلك لا يمنع من دخولها في النار.
وأجيب عن ذلك بأن المفسرين قالوا: المعنى لو كان هؤلاء يعني الأصنام آلهة على الحقيقة ما وردوها أي ما دخل عابدوها النار، ثم إنه سبحانه وصف ذلك العذاب بأمور ثلاثة: أحدها: الخلود فقال: ﴿ وَكُلٌّ فِيهَا خالدون ﴾ يعني العابدين والمعبودين وهو تفسير لقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ .
وثانيها: قوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ ﴾ قال الحسن: الزفير هو اللهيب، أي يرتفعون بسبب لهب النار حتى إذا ارتفعوا ورجوا الخروج ضربوا بمقامع الحديد فهووا إلى أسفلها سبعين خريفاً، قال الخليل: الزفير أن يملأ الرجل صدره غماً ثم ينتفس قال أبو مسلم وقوله لهم: عام لكل معذب، فنقول لهم: زفير من شدة ما ينالهم والضمير في قوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا يَسْمَعُونَ ﴾ يرجع إلى المعبودين أي لا يسمعون صراخهم وشكواهم.
ومعناه: أنهم لا يغيثونهم وشبهه سمع الله لمن حده أي أجاب الله دعاءه.
وثالثها: قوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه محمول على الأصنام خاصة على ما حكيناه عن أبي مسلم.
والثاني: أنها محمولة على الكفار، ثم هذا يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن الكفار يحشرون صماً كما يحشرون عمياً زيادة في عذابهم.
وثانيها: أنهم لا يسمعون ما ينفعهم لأنهم إنما يسمعون أصوات المعذبين أو كلام من يتولى تعذيبهم من الملائكة.
وثالثها: قال ابن مسعود إن الكفار يجعلون في توابيت من نار والتوابيت في توابيت أخر فلذلك لا يسمعون شيئاً والأول ضعيف لأن أهل النار يسمعون كلام أهل الجنة فلذلك يستغيثون بهم على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ يحتمل الأصنام وإبليس وأعوانه، لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم.
ويصدّقه ما روي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليهم ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ الآية، فأقبل عبد الله بن الزبعرى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم خوضكم؟
فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله: أما والله لو وجدته لخصمته، فدعوه.
فقال ابن الزبعرى: أأنت قلت ذلك؟
قال: نعم.
قال: قد خصمتك ورب الكعبة.
أليس اليهود عبدوا عزيراً، والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة؟
فقال صلى الله عليه وسلم: «بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك» فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى ﴾ [الأنبياء: 101] يعني عزيراً والمسيح والملائكة عليهم السلام.
فإن قلت: لم قرنوا بآلهتهم؟
قلت: لأنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غمّ وحسرة، حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم.
والنظر إلى وجه العدوّ باب من العذاب، ولأنهم قدّروا، أنهم يستشفعون بهم في الآخرة ويستنفعون بشفاعتهم، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم.
فإن قلت إذا عنيت بما تعبدون الأصنام، فما معنى ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ ﴾ ؟
قلت: إذا كانوا هم وأصنامهم في قرن واحد، جاز أن يقال: لهم زفير، وإن لم يكن الزافرين إلا هم دون الأصنام للتغليب ولعدم الإلباس.
والحصب: المحصوب، أي يحصب بهم في النار.
والحصب: الرمي.
وقرئ بسكون الصاد، وصفاً بالمصدر.
وقرئ ﴿ حطب ﴾ و ﴿ حضب ﴾ بالضاد متحركاً وساكناً وعن ابن مسعود: يجعلون في توابيت من نار فلا يسمعون.
ويجوز أن يصمهم الله كما يعميهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ الأوْثانَ وإبْلِيسَ وأعْوانَهُ لِأنَّهم بِطاعَتِهِمْ لَهم في حُكْمِ عَبَدْتِهِمْ، لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا تَلا الآيَةَ عَلى المُشْرِكِينَ قالَ لَهُ ابْنُ الزَّبَعْرِيِّ: قَدْ خَصِمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ ألَيْسَ اليَهُودُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والنَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وبَنُو مَلِيحٍ عَبَدُوا المَلائِكَةَ، فَقالَ : «بَلْ هم عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي أمَرَتْهم بِذَلِكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ الآيَةَ.
وَعَلى هَذا يَعُمُّ الخِطابُ ويَكُونُ ( ما ) مُؤَوَّلًا بِـ ( مَن ) أوْ بِما يَعُمُّهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ الزَّبَعْرِيِّ قالَ: هَذا شَيْءٌ لِآلِهَتِنا خاصَّةً أوْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ فَقالَ «بَلْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ» .
وَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ إنَّ الَّذِينَ ﴾ بَيانًا لِلتَّجَوُّزِ أوِ التَّخْصِيصِ تَأخَّرَ عَنِ الخِطابِ.
﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ ما يُرْمى بِهِ إلَيْها وتَهِيجُ بِهِ مِن حَصَبَهُ بِحَصَبِهِ إذا رَماهُ بِالحَصْباءِ وقُرِئَ بِسُكُونِ الصّادِ وصْفًا بِالمَصْدَرِ.
﴿ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ واللّامُ مُعَوِّضَةٌ مِن عَلى لِلِاخْتِصاصِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ وُرُودَهم لِأجْلِها.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} يعني الأصنام وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم
الأنبياء (١٠٤ - ٩٨)
في حكم عبدتهم {حصب} حطب وقرئ حطب {جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} فيها داخلون
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ خِطابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ وتَصْرِيحٌ بِمَآلِ أمْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ مُبالَغَةً في الإنْذارِ وإزاحَةِ الأعْذارِ، فَما عِبارَةُ عَنْ أصْنامِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِما عَلى بابِهِ لِأنَّها عَلى المَشْهُورِ لِما لا يَعْقِلُ فَلا يَرِدُ أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ الحُكْمَ لا يَشْمَلُهم وشاعَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزِّبْعَرِيِّ القُرَشِيَّ اعْتَرَضَ بِذَلِكَ قَبْلَ إسْلامِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا غُلامُ ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ لِأنِّي قُلْتُ ( وما تَعْبُدُونَ ) وما لِما لَمْ يَعْقِلْ ولَمْ أقُلْ ومَن تَعْبُدُونَ»» .
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ بِأنَّهُ أشْهَرُ عَلى ألْسِنَةِ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ العَجَمِ وفي كُتُبِهِمْ وهو لا أصْلَ لَهُ ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ مُسْنَدًا ولا غَيْرَ مُسْنَدٍ والوَضْعُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ والعَجَبُ مِمَّنْ نَقَلَهُ مِنَ المُحَدِّثِينَ انْتَهى، ويُشَكَّلُ عَلى ما قُلْنا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ ﴾ إلَخْ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ وقالُوا: أتَشْتُمُ آلِهَتَنا فَقالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: أنا أخْصِمُ لَكم مُحَمَّدًا ادْعُوهُ لِي فَدُعِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ هَذا شَيْءٌ لِآلِهَتِنا خاصَّةً أمْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى ؟
قالَ: بَلْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: خُصِمْتَ ورَبِّ هَذِهِ البِنْيَةِ» .
يَعْنِي الكَعْبَةَ.
ألَسْتَ تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ عِيسى عَبْدٌ صالِحٌ وأنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صالِحٌ وأنَّ المَلائِكَةَ صالِحُونَ ؟
قالَ: بَلى قالَ: فَهَذِهِ النَّصارى تَعْبُدُ عِيسى وهَذِهِ اليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا وهَذِهِ بَنُو مَلِيحٍ تَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ وفَرِحُوا فَنَزَلَتْ ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ إلَخْ ﴿ ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ ﴾ إلَخْ، وجاءَ في رِواياتٍ أُخَرَ ما يُعَضِّدُهُ فَإنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ أنَّ ما هُنا شامِلٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الشُّمُولَ لِلْعُقَلاءِ الَّذِي ادَّعاهُ رَسُولُ اللَّهِ كانَ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ بِجامِعِ الشَّرِكَةِ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَلَمّا أشارَ إلى عُمُومِ الآيَةِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ اعْتَرَضَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ بِما اعْتَرَضَ وتَوَهَّمَ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ الغَرَضَ فَتَوَلّى اللَّهُ تَعالى الجَوابَ بِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ الآيَةَ، وحاصِلُهُ تَخْصِيصُ العُمُومِ المَفْهُومِ مِن دَلالَةِ النَّصِّ بِما سِوى الصُّلَحاءِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى فَيَبْقى الشَّياطِينُ الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ داخِلِينَ في الحُكْمِ بِحُكْمِ دَلالَةِ النَّصِّ فَيُفِيدُ النَّصُّ بَعْدَ هَذا التَّخْصِيصَ عِبارَةَ ودَلالَةَ حُكْمِ الأصْنامِ والشَّياطِينِ ويَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ ما تَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي في التَّلْوِيحِ ودَلِيلُ ذَلِكَ النَّصُّ والإطْلاقُ والمَعْنى، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ والسَّماءِ وما بَناها ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ وأمّا الإطْلاقُ فَمِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنَّ ما قَدْ تُطْلَقُ بِمَعْنى الَّذِي بِاتِّفاقِ أهْلِ اللُّغَةِ والَّذِي يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى مَن يَعْقِلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمُ الَّذِي جاءَ زَيْدٌ فَما كَذَلِكَ، الثّانِي أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ ما في دارِي مِنَ العَبِيدِ أحْرارٌ، وأمّا المَعْنى فَمِن وجْهَيْنِ أيْضًا، الأوَّلُ أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَما جاءَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ اعْتَرَضُوا بِعِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وهم مِن فُصَحاءِ العَرَبِ فَلَوْ لَمْ يَفْهَمُوا العُمُومَ لَما اعْتَرَضُوا، الثّانِي أنَّ ما لَوْ كانَتْ مُخْتَصَّةً بِغَيْرِ العالِمِ لَما احْتِيجَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن دُونِ اللَّهِ ) وحَيْثُ كانَتْ بِعُمُومِها مُتَناوِلَةً لَهُ عَزَّ وجَلَّ احْتِيجَ إلى التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ( مِن دُونِ اللَّهِ ) وحِينَئِذٍ تَكُونُ الآيَةُ شامِلَةً عِبادَةً لِأُولَئِكَ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكُونُ الجَوابُ الَّذِي تَوَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ جَوابًا بِالتَّخْصِيصِ، وفي ذَلِكَ حُجَّةٌ لِلشّافِعِيِّ في قَوْلِهِ بِجَوازِ تَخْصِيصِ العامِّ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ مُتَراخٍ خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النُّصُوصِ والإطْلاقاتِ فَغايَتُهُ جَوازُ إطْلاقِ ما عَلى مَن يَعْلَمُ لا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ تَكُونَ ظاهِرَةً فِيهِ أوْ فِيما يَعُمُّهُ بَلْ هي ظاهِرَةٌ في غَيْرِ العالِمِ لا سِيَّما هُنا لِأنَّ الخِطابَ مَعَ عَبَدَةِ الأصْنامِ وإذا كانَتْ ظاهِرَةً فِيما لا يَعْقِلُ وجَبَ تَنْزِيلُها عَلَيْهِ، وما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ في المَعْنى فَلَيْسَ بِنَصٍّ في أنَّ المُعْتَرِضِينَ إنَّما اعْتَرَضُوا لِفَهْمِهِمُ العُمُومَ مِن ما وضْعًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَهْمِهِمْ إيّاهُ مِن دَلالَةِ النَّصِّ كَما مَرَّ، وما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ الثّانِي مِن عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن دُونِ اللَّهِ ) فَإنَّما يَصِحُّ أنْ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ، وفائِدَتُهُ مَعَ التَّأْكِيدِ تَقْبِيحُ ما كانُوا عَلَيْهِ، وإنْ سَلَّمْنا أنَّ ما حَقِيقَةٌ فِيمَن يَعْقِلُ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ بَيانَ التَّخْصِيصِ لَمْ يَكُنْ مُقارِنًا لِلْآيَةِ فَإنَّ دَلِيلَ العَقْلِ صالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ خِلافًا لِطائِفَةٍ شاذَّةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، والعَقْلُ قَدْ دَلَّ عَلى امْتِناعِ تَعْذِيبٍ أحَدٍ بِجُرْمٍ صادِرٍ مِن غَيْرِهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ راضِيًا بِجُرْمِ ذَلِكَ الغَيْرِ، وأحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ رِضا المَسِيحِ وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعِبادَةِ مَن عَبَدَهم وما مِثْلُ هَذا الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ فَلا نُسَلِّمُ عَدَمَ مُقارَنَتِهِ لِلْآيَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ الآيَةَ فَإنَّما ورَدَ تَأْكِيدًا بِضَمِّ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْ أصْلِهِ أمّا أنْ يَكُونَ هو المُسْتَقِلُّ بِالبَيانِ فَلا، وعَدَمُ تَعَرُّضِهِ لِلدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لَمْ يَكُنْ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلْ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا رَآهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ وأعْرَضُوا عَنْهُ فاعْتَرَضُوا بِما اعْتَرَضُوا مَعَ ظُهُورِهِ انْتَظَرَ ما يُقَوِّيهِ مِنَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ أوْ لِأنَّ الوَحْيَ سَبَقَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهم تَعَنَّتُوا بِنَوْعٍ مِنَ المَجازِ فَنَزَلَ ما يَدْفَعُهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا خَبَرٌ لا تَكْلِيفَ فِيهِ والِاخْتِلافُ في جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ مَخْصُوصٌ بِما فِيهِ تَكْلِيفٌ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ الكَمالِ: لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَ الشّافِعِيِّ في قَصْرِ العامِّ عَلى بَعْضِ ما يَتَناوَلُهُ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ مُتَراخٍ إنَّما الخِلافُ في أنَّهُ تَخْصِيصٌ حَتّى يَصِيرَ العامُّ بِهِ ظَنِّيًّا في الباقِي أوْ نُسِخَ حَتّى يَبْقى عَلى ما كانَ فَلا وجْهَ لِلِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ الثّابِتَ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ التَّمامِ قَصْرُ العامِّ بِالمُتَراخِي والخِلافُ فِيما وراءَهُ والدَّلِيلُ قاصِرٌ عَنْ بَيانِهِ ولا لِلْجَوابِ بِأنَّ تَعْبُدُونَ لا يَتَناوَلُ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا لِأنَّ ما لِغَيْرِ العُقَلاءِ لِما أنَّهُ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ بَلْ لِأنَّهم ما عُبِدُوا حَقِيقَةً عَلى ما أفْصَحَ عَنْهُ حِينَ قالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: ألَيْسَ اليَهُودُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والنَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وبَنُو مَلِيحٍ عَبَدُوا المَلائِكَةَ بِقَوْلِهِ : بَلْ هم عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي أمَرَتْهم بِذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ﴾ الآيَةَ لِدَفْعِ ذَهابِ الوَهْمِ إلى التَّناوُلِ لَهم نَظَرًا إلى الظّاهِرِ.
وجَوابُهُ بِذَلِكَ مِمّا رَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وفِيهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ ﴾ الآيَةَ، وعَلى وفْقِ هَذا ورَدَ جَوابُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ ﴾ والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوايَةِ والرِّوايَةِ السّابِقَةِ أنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ لِابْنِ الزِّبْعَرِيِّ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ وقالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: ألَيْسَ اليَهُودُ إلَخْ ذَكَرَ عَدَمَ تَناوُلِها المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يُشارِكُوا الأصْنامَ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ أمْرِهِمْ ولا رِضاهم بِما كانَ الكَفَرَةُ يَفْعَلُونَ، ولَعَلَّ فِيهِ رَمْزًا خَفِيًّا إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ تَأْكِيدًا لِعَدَمِ التَّناوُلِ، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ إنْ صَحَّتْ تَقْتَضِي أنْ لا تَكُونَ الأصْنامُ مَعْبُودَةً أيْضًا لِأنَّها لَمْ تَأْمُرْهم بِالعِبادَةِ فَلا تَكُونُ ما مُطْلَقَةً عَلَيْها بَلْ عَلى الشَّياطِينِ بِناءً عَلى أنَّها هي الآمِرَةُ الرّاضِيَةُ بِذَلِكَ فَهي مَعْبُوداتُهم، ولِذا قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ﴾ مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ ظاهِرًا.
ووَجْهُ إطْلاقِها عَلَيْها بِناءً عَلى أنَّها لَيْسَتْ لِذَوِي العُقُولِ أنَّها أُجْرِيَتْ مُجْرى الجَماداتِ لِكُفْرِها، وفي قَوْلِهِ الَّتِي أمَرَتْهم دُونَ الَّذِينَ أمَرُوهم إشارَةٌ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ في عَدَمِ تَناوُلِ الآيَةِ الأصْنامَ هُنا مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لَمْ تَثْبُتْ، ولِمَوْلانا أبِي السُّعُودِ كَلامٌ مَبْناهُ خَبَرُ أنَّهُ رَدَّ عَلى ابْنِ الزِّبَعْرَيِّ بِقَوْلِهِ ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ إلَخْ، وقَدْ عَلِمْتَ ما قالَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِيهِ وهو وأمْثالُهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ في أمْثالِ ذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِذِكْرِهِ في أحْكامِ الآمِدِيِّ وشَرْحِ المَواقِفِ وفُصُولِ البَدائِعِ لِلْفَنارَيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً فَماءٌ ولا كَصِداءٍ ومَرْعًى ولا كالسَّعْدانِ.
وأُورِدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ العُمُومَ بِدَلالَةِ النَّصِّ والتَّخْصِيصَ بِما نَزَلَ بَعْدَ حَدِيثِ الخِلافِ في التَّخْصِيصِ بِالمُسْتَقِلِّ المُتَراخِي ويُعْلَمُ الجَوابُ عَنْهُ مِمّا تَقَدَّمَ، وقِيلَ هُنا زِيادَةً عَلى ذَلِكَ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن تَخْصِيصِ العامِ المُخْتَلَفِ فِيهِ لِأنَّ العامَ هُناكَ هو اللَّفْظُ الواحِدُ الدّالُّ عَلى مُسَمَّيَيْنِ فَصاعِدًا مُطْلَقًا مَعًا وهو ظاهِرٌ فِيما فِيهِ الدَّلالَةُ عِبارَةً والعُمُومُ هُنا إنَّما فُهِمَ مِن دَلالَةِ النَّصِّ، ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ المانِعَ مِنَ التَّأْخِيرِ ظاهِرٌ في عَدَمِ الفَرْقِ فَتَدَبَّرْ فالمَقامُ حَرِيٌّ بِهِ، والحَصَبُ ما يُرْمى بِهِ وتُهَيَّجُ بِهِ النّارُ مِن حَصَبَهُ إذا رَماهُ بِالحَصْباءِ وهي صِغارُ الحِجارَةِ فَهو خاصٌّ وضْعًا عامٌّ اسْتِعْمالًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الحَطَبُ بِالزِّنْجِيَّةِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ وأُبَيُّ وعائِشَةُ وابْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم (حَطَبُ ) بِالطّاءِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي السَّمَيْقَعِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ومَحْبُوبٌ وأبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ بَشِيرٍ (حَصْبُ ) بِإسْكانِ الصّادِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المَفْتُوحَةِ، وجاءَ عَنْهُ أيْضًا إسْكانُها وبِهِ قَرَأ كُثَيِّرُ عَزَّةَ، ومَعْنى الكُلِّ واحِدٌ وهو مَعْنى الحَصَبِ بِالصّادِ ﴿ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ وتُبْدَلُ الجُمْلَةُ مِنَ المُفْرَدِ ولا يَضُرُّ كَوْنُهُ في حُكْمِ النَّتِيجَةِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالًا مِن ( جَهَنَّمَ ) وهو كَما تَرى، واللّامُ مُعَوَّضَةٌ مِن عَلى لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ وأنَّ وُرُودَهم لِأجْلِها وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعَدّى الوُرُودَ إلى ذَلِكَ بِعَلى كَما أشارَ إلَيْهِ في القامُوسِ بِتَفْسِيرِهِ بِالإشْرافِ عَلى الماءِ وهو في الِاسْتِعْمالِ كَثِيرٌ وإلّا فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَدُوها ﴾ فاللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ لِكَوْنِ المَعْمُولِ مُقَدَّمًا والعامِلُ فَرْعِيٌّ، وقِيلَ إنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها ﴾ ولَيْسَ بِذَلِكَ.
والظّاهِرُ أنَّ الوُرُودَ هُنا وُرُودُ دُخُولٍ والخِطابُ لِلْكَفَرَةِ وما يَعْبُدُونَ تَغْلِيبًا <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ، يعني: على قرية فيما مضى أَهْلَكْناها بالعذاب في الدنيا، أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ إلى الدنيا، قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وحرم على قرية بكسر الحاء وبغير ألف.
وقرأ الباقون وَحَرامٌ بنصب الحاء والألف.
وَحُرْمٌ وَحَرَامٌ بمعنى واحد، كقوله: حلّ وحلال، وروي عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقرأ وَحَرَّمَ وقال: واجب عليهم أن لا يرجع منهم راجع، ويقال: معناه وحرام على أهل قرية أهلكناها أن يتقبل منهم عمل، لأنهم لا يَرْجِعُونَ أي: لا يتوبون ويقال: لاَ يَرْجِعُونَ لا زيادة ومعناه: حرام عليهم أن يرجعوا.
ثم قال عز وجل: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، قرأ ابن عامر فُتِحَتْ بالتشديد على معنى المبالغة والتكثير، وقرأ الباقون بالتخفيف، وقرأ عاصم يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ بالهمز والباقون كلاهما بغير همز.
وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، قال مقاتل: يعني، من كل مكان يخرجون، من كل جبل أو أرض أو واد، وخروجهم عند قيام الساعة.
وقال عبد الله بن سلام : لا يموت واحد منهم إلا ترك من صلبه ألف ذرية فصاعداً.
وروى قتادة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص م أنه قال: «الإنس عشرة أجزاء منهم يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وجزء واحد سائر الإنس» .
وروى سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزبعرى، عن عبد الله بن مسعود قال: «يَخْرُجُ يَأْجُوجُ ومأجوج بعد الدجال، يموجون في الأرض فيفسدون فيها، ثم قرأ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، أي: يخرجون، فيبعث الله تعالى عليهم دابة مثل هذا النغف، فتلج في أسماعهم ومناخرهم فيموتون، فتنتن الأرض، فيرسل الله عز وجل ماء فيطهّر الأرض منهم، فذلك قوله عز وجل: إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، يعني: أرسلت كقوله: لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ [الأعراف: 96] ، يعني: أرسلنا وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ، أي من كل أكمة ونشزة من الأرض يخرجون، وقال بعضهم: يكون خروجهم قبل الدجال.
والأصح ما روي عن عبد الله بن مسعود.
قوله عز وجل: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ، يعني: قيام الساعة.
فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا، يعني: يقولون: يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ يعني: في جهل مِنْ هذا اليوم.
ثم ذكروا أن المرسلين كانوا أخبروهم، فقالوا: بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ، يعني: قد أخبرونا فكذبناهم.
قوله عز وجل: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ وروي عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ: «حطب جهنم» ، وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: «حضب جهنم» بالضاد، وقراءة العامة حَصَبُ بالصاد، يعني: رمياً في جهنم.
وكل ما يرمى في جهنم فهو حصب، ويقال: الحصب هو الحطب بلسان الزنجية.
ومن قرأ: حطب، أي كل ما يوقد به جهنم، ومن قرأ حضب بالضاد معناه: ما يهيج به النار.
أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ، أي داخلون.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: «أن رسول الله أتى قريشاً وهم في المسجد مجتمعون، وثلاثمائة وستون صنماً مصفوفة، وصنم كل قوم بحيالهم فقال: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: من هذه الأصنام، «فِي النَّارِ» .
ثم انصرف عنهم، فشق ذلك عليهم مشقة عظيمة شديدة.
وأتاهم عبد الله بن الزبعرى، وكان شاعراً، فقال: ما لي أراكم بحال لم أركم عليها؟
فقالوا: إن محمداً يزعم أنا وما نعبد في النار.
فقال: لو كنت هاهنا لخصمته.
فقالوا: هل لك أن نرسل إليه؟
فقال: نعم.
فبعثوا إليه، فأتاهم، فقال له ابن الزبعرى: أرأيت ما قلت لقومك آنفاً، أخاص لهم أم عام؟
فقال: «بل عام، كل من عبد من دون الله فهو وما عبد في النار» .
قال: أرأيت عيسى ابن مريم هذه النصارى تعبده، فعيسى والنصارى في النار؟
وهذا عزير تعبده اليهود، فعزير واليهود في النار؟
وهذا حي يقال لهم بنو مليح يعبدون الملائكة عليهم السلام، فالملائكة وهم في النار؟
فسكت النبيّ ولم يجبهم، فضج أصحابه وضحكوا (١) ويقال: إن هذه القصة لا تصح، لأن النبيّ كان أفصح العرب، وأنطقهم لساناً، وأحضرهم جواباً كما وصف نفسه: «أنَا أفْصَحُ العَرَبِ» فلا يجوز أن يسكت على مثل هذا السؤال، ولم يكن السؤال لازماً، ويقال: كان سكوته للاستخفاف، لأنه سئل سؤالاً محالاً، لأنه قال: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ولم يقل ومن تعبدون.
و «ما» لا يقع على النواطق، و «من» تقع على النواطق ويقال: هذا القول يقال لهم يوم القيامة، لأنه قال: قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ.
يقال لهم عند ذلك: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، فإن قيل: ما الحكمة في إدخال الأصنام في النار؟
قيل: زيادة عقوبة للكفار، لأن الأصنام أحجار، فيكون الحر فيها أشد.
ويقال: الفائدة في إدخال المعبود النار زيادة ذل وصغار عليهم، حيث رأوا معبودهم في النار معهم من غير أن يكون للأصنام عقوبة، لأنه لا يجوز التعذيب بذنب غيرهم.
ثم قال عز وجل: لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً، يعني: الأصنام مَّا وَرَدُوها، أي ما دخلوها ومنعوا أنفسهم ومن عبدهم من النار.
وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ، يعني: العابد والمعبود.
(١) عزاه السيوطي: 5/ 679 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، وابن مردويه والحاكم وصححه.
<div class="verse-tafsir"
وقرأ ابن مسعود «١» : «وَهُمْ مِنْ كُلِّ جَدَثٍ» بالجيم والثاء المثلثة، وهذه القراءة تؤيّد ٢٠ ب/ هذا التأويل، ويَنْسِلُونَ: معناه: يسرعون في تطامن، وأسند الطبريُّ عن أبي سعيد قال: «يخرج يأجوج ومأجوج فلا يتركون أحداً إلاَّ قتلوه، إلاَّ أَهْلَ الحصون، فيمرُّون على بحيرة طبرية فيمر آخرهم فيقول: كان هنا مرة ماء، قال فيبعث الله عليهم النَغَف حتى تكسر أعناقهم، فيقول أهل الحصون: لقد هلك أَعداءُ الله، فيدلون رجلاً ينظر، فيجدهم قد هلكوا، قال: فينزل الله من السماء ماءً فيقذف بهم في البحر، فيطهر الله الأَرض منهم» «٢» وفي حديث حذيفة نحوُ هذا، وفي آخره قال: وعند ذلك طلوعُ الشمس من مغربها.
وقوله سبحانه: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ يريد يومَ القيامة.
وقوله: [فَإِذا] «٣» هِيَ: مذهب سيبويه أنها ضمير القِصَّةِ، وجَوَّز الفرَّاء أن تكون ضمير الإبصار، تقدمت لدَلالة الكلام، ومجيء ما يفسرها، والشخوص بالبصر إحداد النظر دون أن يطرف، وذلك يعترى من الخوف المُفْرِطِ ونحوه، وباقي الآية بيِّن.
وقوله سبحانه: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ...
الآية: هذه الآية مُخَاطَبَةٌ لكُفَّارِ مَكَّةَ، أي: إنكم وأصنامكم حصب جهنم، والحصب: ما توقد به النَّار إمّا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وحَرامٌ ) بِألِفٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وحِرْمٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: حِرْمٌ وحَرامٌ.
وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( حَرْمٌ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ والمِيمُ مَرْفُوعَةٌ مُنَوَّنَةٌ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( وحَرْمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ المِيمِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: ( وحَرِمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( وحَرُمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ ونَصْبِ المِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَحَرامٌ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: واجِبٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنْشَدُوا في مَعْناهُ: فَإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوِهِ إلّا بَكَيْتُ عَلى عَمْرِو أيْ: واجِبٌ.
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى العَزْمِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقالَ عَطاءٌ: حَتْمٌ مِنَ اللَّهِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها.
ثُمَّ في مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: واجِبٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَتُوبُونَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: واجِبٌ عَلَيْها أنَّها إذا أُهْلِكَتْ لا تَرْجِعُ إلى دُنْياها، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ.
والثّالِثُ: أنَّ " لا " زائِدَةٌ، والمَعْنى: حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ مُهْلَكَةٍ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.
والرّابِعُ: أنَّ الكَلامَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ ﴾ ، أعْلَمَنا أنَّهُ قَدْ حَرَّمَ قَبُولَ أعْمالِ الكُفّارِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّ يُتَقَبَّلَ مِنهم عَمَلٌ؛ لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَحْرُمَ عَلى الإنْسانِ ما لَيْسَ مِن فِعْلِهِ، ورُجُوعُهم بَعْدَ المَوْتِ لَيْسَ إلَيْهِمْ ؟
فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: مُنِعُوا مِن ذَلِكَ كَما يُمْنَعُ الإنْسانُ مِنَ الحَرامِ وإنَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَكانَ التَّشْبِيهُ بِالتَّحْرِيمِ لِلْحالَتَيْنِ مِن حَيْثُ المَنعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( فُتِّحَتْ ) بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى: فُتِحَ الرَّدْمُ عَنْهم.
﴿ وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ وأكَمَةٍ، ﴿ يَنْسِلُونَ ﴾ مِنَ النَّسَلانِ، وهو مُقارَبَةُ الخَطْوِ مَعَ الإسْراعِ، كَمَشْيِ الذِّئْبِ إذا بادَرَ، والعَسَلانُ مِثْلُهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الحَدَبُ: كُلُّ أكَمَةٍ، و ﴿ يَنْسِلُونَ ﴾ : يُسْرِعُونَ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يَنْسُلُونَ ) بِضَمِّ السِّينِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: إلى جَمِيعِ النّاسِ، فالمَعْنى: وهم يُحْشَرُونَ إلى المَوْقِفِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والأوَّلُ أصَحُّ.
فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ ﴿ حَتّى ﴾ ؟
فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ ﴾ ، والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واقْتَرَبَ ﴾ زائِدَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ: ومِثْلُهُ: ﴿ حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ﴿ وَنادَيْناهُ ﴾ ، المَعْنى: نادَيْنا.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: السّاعَةُ مِنَ النّاسِ بَعْدَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، كالحامِلِ المُتِمِّ، لا يَدْرِي أهْلُها مَتى تَفْجَؤُهم بِوَلَدِها، لَيْلًا أوْ نَهارًا.
والثّانِي: أنَّهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ في قَوْلِهِ: ﴿ يا ويْلَنا ﴾ ، فالمَعْنى: حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ واقْتَرَبَ الوَعْدُ، قالُوا: يا ويْلَنا.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ.
فَأمّا ﴿ الوَعْدُ الحَقُّ ﴾ فَهو القِيامَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا هِيَ ﴾ ، في " هي " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ الأبْصارِ، والأبْصارُ تَفْسِيرٌ لَها، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: لَعَمْرُو أبِيها لا تَقُولُ ظَعِينَتِي ∗∗∗ ألا فَرَّ عَنِّي مالِكُ بْنُ أبِي كَعْبِ فَذَكَرَ الظَّعِينَةَ، وقَدْ كَنّى عَنْها في ( لَعَمْرُو أبِيها ) .
والثّانِي: أنَّ " هي " [ ضَمِيرُ فَصْلٍ ] وعِمادٌ، ويَصْلُحُ في مَوْضِعِها " هو "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّهُ أنا اللَّهُ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ﴾ ، وأنْشَدُوا: بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرْهَمٍ ∗∗∗ فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بِما هاهُنا رَأْسُ ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " هي " عَلى مَعْنى: فَإذا هي بارِزَةٌ واقِفَةٌ، يَعْنِي: مِن قُرْبِها، كَأنَّها آتِيَةٌ حاضِرَةٌ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ شاخِصَةٌ ﴾ ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ القِصَّةِ، والمَعْنى: القِصَّةُ أنَّ أبْصارَهم شاخِصَةٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَشْخَصُ أبْصارُ الكُفّارِ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، ويَقُولُونَ: ﴿ يا ويْلَنا قَدْ كُنّا ﴾ ؛ أيْ: في الدُّنْيا، ﴿ فِي غَفْلَةٍ مِن هَذا ﴾ ؛ أيْ: عَنْ هَذا، ﴿ بَلْ كُنّا ظالِمِينَ ﴾ أنْفُسَنا بِكُفْرِنا ومَعاصِينا.
ثُمَّ خاطَبَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، " حَصَبُ جَهَنَّمَ " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: ( حَطَبُ ) بِالطّاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المَفْتُوحَةِ.
وقَرَأ عُرْوَةُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( حَضْبُ جَهَنَّمَ ) بِإسْكانِ الضّادِ المُعْجَمَةِ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو حَيَوَةَ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( حِضْبُ ) بِكَسْرِ الحاءِ مَعَ تَسْكِينِ الضّادِ المُعْجَمَةِ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وَأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( حَصْبُ ) بِفَتْحِ الحاءِ وبِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ ساكِنَةٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) فَمَعْناهُ: كُلُّ ما يُرْمى بِهِ فِيها، ومَن قَرَأ: ( حَطَبُ ) فَمَعْناهُ: ما تُوقَدُ بِهِ.
ومَن قَرَأ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ فَمَعْناهُ: ما تُهَيَّجُ بِهِ النّارُ وتَذْكى بِهِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَصَبُ: ما أُلْقِيَ فِيها، وأصْلُهُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو الحَصى، يُقالُ: حَصَبْتُ فُلانًا: إذا رَمَيْتَهُ حَصْبًا، بِتَسْكِينِ الصّادِ، وما رَمَيْتَ بِهِ فَهو حَصَبٌ، بِفَتْحِ الصّادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْتُمْ ﴾ يَعْنِي: العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ، ﴿ لَها وارِدُونَ ﴾ ؛ أيْ: داخِلُونَ.
﴿ لَوْ كانَ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿ آلِهَةٌ ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ، ﴿ ما ورَدُوها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ، والمَعْنى: لَوْ كانُوا آلِهَةً ما دَخَلُوا النّارَ.
والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى عابِدِيها، فالمَعْنى: لَوْ كانَتِ الأصْنامُ آلِهَةً، مَنَعَتْ عابِدِيها دُخُولَ النّارِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الآلِهَةِ وعابِدِيها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ ﴾ يَعْنِي: العابِدَ والمَعْبُودَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى الزَّفِيرِ في ( هُودٍ: ١٠٦ ) .
وفي عِلَّةِ كَوْنِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُوضَعُ في مَسامِعِهِمْ مَسامِيرُ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْذَفُونَ في تَوابِيتَ مِن نارٍ مُقْفَلَةٍ عَلَيْهِمْ، رَواهُ أبُو أمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا بَقِيَ في النّارِ مَن يَخْلُدُ فِيها جُعِلُوا في تَوابِيتَ مِن نارٍ، ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوابِيتُ في تَوابِيتَ أُخْرى، فَلا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، ولا يَرى أحَدُهم أنَّ في النّارِ أحَدًا يُعَذَّبُ غَيْرَهُ.
والثّانِي: أنَّ السَّماعَ أُنْسٌ، واللَّهُ لا يُحِبُّ أنْ يُؤْنِسَهم، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عُمارَةَ.
والثّالِثُ: إنَّما لَمْ يَسْمَعُوا لِشِدَّةِ غَلَيانِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ ﴾ ﴿ لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ، أيْ: إنَّكم وأصْنامَكم حَصَبُ جَهَنَّمَ، و"الحَصَبُ": ما تُوقَدُ بِهِ النارُ، إمّا لِأنَّها تُحْصَبُ بِهِ أيْ تُرْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ لُغَةً في الحَطَبِ إذا رُمِيَ، وأمّا قَبْلَ أنْ تُرْمى فَلا يُسَمّى حَصَبًا إلّا بِتَجَوُّزٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَصَبُ" بِالصادِ مَفْتُوحَةً، وسَكَّنَها ابْنُ السَمَيْفَعِ ؛ وذَلِكَ عَلى إيقاعِ المَصْدَرِ مَوْقِعَ اسْمِ المَفْعُولِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وابْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ: "حَطَبُ جَهَنَّمَ" بِالطاِءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما: "حَضَبُ جَهَنَّمِ" بِالضادِ مَنقُوطَةً مَفْتُوحَةً، وسَكَّنَها كَثِيرٌ غَيْرُهُ، والخَضَبُ أيْضًا ما يُرْمى بِهِ في النارِ لِتُوقَدَ بِهِ، والمَحْضِبُ العُودُ الَّذِي تُحَرَّكُ بِهِ النارُ أوِ الحَدِيدَةُ ونَحْوُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَلا تَكُ في حَرْبِنا مُحْضِبًا لِتَجْعَلَ قَوْمَكَ شَتّى شُعُوبا وقُولُهُ تَعالى: "وَما تَعْبُدُونَ" يُرِيدُ الأصْنامَ، وحَرَّقَها بِالنارِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِعابِدِها، ومِن حَيْثُ تَقَعُ "ما" لِمَن يَعْقِلُ في بَعْضِ المَواضِعِ اعْتَرَضَ في هَذِهِ الآيَةِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِبَعْرى عَلى رَسُولِ اللهِ ، فَقالَ: إنَّ عِيسى وعُزَيْرًا ونَحْوُهُما قَدْ عُبِدا مِن دُونِ اللهِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونا حَصَبًا لِجَهَنَّمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ الآيَةَ، ثُمْ قَرَّرَ الأمْرَ بِالإشارَةِ إلى الأصْنامِ الَّتِي أراها في قَوْلِهِ: "ما تَعْبُدُونَ" فَقالَ: ﴿ لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها ﴾ ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "هَؤُلاءِ" مِن حَيْثُ هي عِنْدَهم بِحالِ مَن يَعْقِلُ، و"الوُرُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ وُرُودُ الدُخُولِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ جواب عن قولهم ﴿ يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا ﴾ [الأنبياء: 97] إلى آخره.
فهي مقول قول محذوف على طريقة المحاورات.
فالتقدير: يقال لهم: إنكم وما تعبدون من دون الله حَصَب جهنّم.
وهو ارتقاء في ثبورهم فهم قالوا: ﴿ يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا ﴾ [الأنبياء: 97] فأخبروا بأن آلهتهم وهم أعزّ عليهم من أنفسهم وأبعد في أنظارهم عن أن يلحقهم سوء صائرون إلى مصيرهم من الخزي والهوان، ولذلك أكد الخبر بحرف التأكيد لأنهم كانوا بحيث ينكرون ذلك.
و (ما) موصولة وأكثر استعمالها فيما يكون فيه صاحب الصلة غير عاقل.
وأطلقت هنا على معبوداتهم من الأصنام والجنّ والشياطين تغليباً، على أن (ما) تستعمل فيما هو أعمّ من العاقل وغيره استعمالاً كثيراً في كلام العرب.
وكانت أصنامهم ومعبوداتهم حاضرة في ذلك المشهد كما دلّت عليه الإشارة ﴿ لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ﴾ .
والحصَب: اسم بمعنى المحصوب به، أي المرمي به.
ومنه سُميت الحصباء لأنها حجارة يرمى بها، أي يُرمَوْن في جهنم، كما قال تعالى: ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ [البقرة: 24] أي الكفار وأصنامهم.
وجملة ﴿ أنتم لها واردون ﴾ بيان لجملة ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ .
والمقصود منه: تقريب الحصْب بهم في جهنم لِما يدلّ عليه قوله ﴿ واردون ﴾ من الاتصاف بورود النار في الحال كما هو شأن الخبر باسم الفاعل فإنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال.
وقد زيد في نكايتهم بإظهار خطئهم في عبادتهم تلك الأصنام بأن أشهدوا إيرادها النار وقيل لهم: ﴿ لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ﴾ .
وذُيل ذلك بقوله تعالى: ﴿ وكل فيها خالدون ﴾ أي هم وأصنامهم.
والزفير: النفَس يخرج من أقصى الرئتين لضغط الهواء من التأثر بالغمّ.
وهو هنا من أحوال المشركين دون الأصنام.
وقرينة معاد الضمائر واضحة.
وعطف جملة ﴿ وهم فيها لا يسمعون ﴾ اقتضاه قوله ﴿ لهم فيها زفير ﴾ لأن شأن الزفير أن يُسمع فأخبر الله بأنهم من شدة العذاب يفقِدون السمع بهذه المناسبة.
فالآية واضحة السياق في المقصود منها غنية عن التلفيق.
وقد روى ابن إسحاق في «سيرته» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً مع الوليد بن المغيرة في المسجد الحرام فجاء النَضْر بن الحارث فجلس معهم في مجلس من رجال قريش، فتَلا رسول الله عليهم: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ ثم قام رسول الله وأقبل عبد الله بن الزِبَعْرَى السهمي قبل أن يُسلم فحدثه الوليد بن المغيرة بما جرى في ذلك المجلس فقال عبدالله بن الزِبعْرى: أما والله لو وجدتُه لخصمته، فاسألوا محمداً أكلُّ ما يعبد من دون الله في جهنم مع مَن عبدوهم؟
فنحن نعبد الملائكة، واليهودُ تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى ابن مريم.
فحُكِي ذلك لرسول الله، فقال رسول الله: إن كلّ من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبَده، إنهم إنما يعبدون الشيطانَ الذي أمرهم بعبادتهم، فأنزل الله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ [الأنبياء: 101] اه.
وقريب من هذا في «أسباب النزول» للواحدي، وفي «الكشاف» مع زيادات أن ابن الزبعرى لقي النبي صلى الله عليه وسلم فذكر هذا وزاد فقال: خُصِمْتَ وربّ هذه البَنِيّة ألستَ تزعم أن الملائكة عباد مكرمَون، وأن عيسى عبد صالح، وأن عزيرا عبد صالح، وهذه بنو مُلَيْح يعبدون الملائكة، وهذه النصارى يعبدون المسيح، وهذه اليهود يعبدون عزيراً، فضجّ أهل مكة (أي فرَحاً) وقالوا: إن محمداً قد خُصم.
ورويت القصة في بعض كتب العربية وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن الزِبَعْرى: مَا أجهلك بلغة قومك إني قلت ﴿ وما تعبدون ﴾ ، و(ما) لمَا لا يعقل ولم أقل «ومَن تعبدون».
وإن الآية حكت ما يجري يوم الحشر وليس سياقها إنذاراً للمشركين حتى يكون قوله ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ [الأنبياء: 101] تخصيصاً لها، أو تكون القصة سبباً لنزوله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وقُودُ جَهَنَّمَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ حَطَبُ جَهَنَّمَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعائِشَةُ: حَطَبُ جَهَنَّمَ.
الثّالِثُ: أنَّهم يُرْمَوْنَ فِيها كَما يُرْمى بِالحَصْباءِ، حَتّى كَأنَّ جَهَنَّمَ تُحَصَّبُ بِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ يَضْرِبُنا بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورُ يَعْنِي الثَّلْجَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: حَضَبَ جَهَنَّمَ، بِالضّادِ مُعْجَمَةً.
قالَ الكِسائِيُّ: حَضَّبْتَ النّارَ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ إذا أجَّجْتَها فَألْقَيْتَ فِيها ما يُشْعِلُها مِنَ الحَطَبِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الطّاعَةُ لِلَّهِ تَعالى: حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
والثّانِي: السَّعادَةُ مِنَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: أنَّها التَّوْبَةُ.
﴿ أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ﴾ يَعْنِي عَنْ جَهَنَّمَ.
وَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم عِيسى والعُزَيْرُ والمَلائِكَةُ الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ وهم كارِهُونَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: أنَّهم عُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ، رَواهُ النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ مَن سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الحُسْنى.
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما حُكِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: فالمَسِيحُ والعُزَيْرُ والمَلائِكَةُ قَدْ عُبِدُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ﴾ » يَعْنِي عَنْ جَهَنَّمَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ مَحْمُولًا عَلى مَن عَذَّبَهُ رَبُّهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الفَزَعَ الأكْبَرَ النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُ ذَبْحُ المَوْتِ، حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: حِينَ تُطْبِقُ جَهَنَّمُ عَلى أهْلِها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: أنَّهُ العَرْضُ في المَحْشَرِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو داود في ناسخه والحاكم وصححه من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ قال المشركون: فالملائكة وعيسى وعزير، يعبدون من دون الله.
فنزلت ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ عيسى وعزير والملائكة.
وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تزعم أن الله أنزل عليه هذه الآية ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ قال ابن الزبعرى: قد عبدت الشمس، والقمر والملائكة، وعزير وعيسى ابن مريم، كل هؤلاء في النار مع آلهتنا، فنزلت ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون ﴾ [ الزخرف: 57] ثم نزلت ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه والطبراني من وجه آخر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ شق ذلك على أهل مكة.
وقالوا: شتم الآلهة.
فقال ابن الزبعرى: أنا أخصم لكم محمداً، ادعوه لي فدعي.
فقال: يا محمد، هذا شيء لآلهتنا خاصة؟
أم لكل عبد من دون الله؟
قال: بل لكل من عبد من دون الله فقال ابن الزبعرى: خصمت.
ورب هذه البنية، يعني الكعبة، ألست تزعم يا محمد، أن عيسى عبد صالح، وأن عزيراً عبد صالح، وأن الملائكة صالحون؟
قال: بلى.
قال: فهذه النصارى تعبد عيسى.
وهذه اليهود.
تعبد عزيراً، وهذه بنو مليح تعبد الملائكة، فضج أهل مكة وفرحوا!
فنزلت ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ عزير وعيسى والملائكة ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ ونزلت ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون ﴾ [ الزخرف: 57] قال: وهو الصحيح.
وأخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ ثم نسختها ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ يعني عيسى ومن كان معه.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ يعني الآلهة ومن يعبدها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: وقودها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: شجر جهنم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: حطب جهنم بالزنجية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: حطب جهنم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: يقذفون فيها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: حطبها.
قال بعض القراء ﴿ حطب جهنم ﴾ من قراءة عائشة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ حصب جهنم ﴾ يقول: إن جهنم تحصب بهم، وهو الرمي: يقول: يرمي بهم فيها.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ حضب جهنم ﴾ بالضاد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في صفة النار، والطبراني والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا بقي في النار من يخلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد نار، فيها مسامير من حديد نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من حديد، ثم قذفوا في أسفل الجحيم فما يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره.
ثم قرأ مسعود رضي الله عنه ﴿ لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ قال: عيسى والملائكة وعزير» .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أصبغ، عن علي في قوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ الآية.
قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار، إلا الشمس والقمر وعيسى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ قال: أولئك أولياء الله، يمرون على الصراط مراً هو أسرع من البرق فلا تصيبهم و ﴿ يسمعون حسيسها ﴾ ويبقى الكفار فيها حبيساً.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه، عن النعمان بن بشير: أن علياً قرأ ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ فقال: أنا منهم وعمر منهم وعثمان منهم والزبير منهم وطلحة منهم وسعد وعبد الرحمن منهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي عثمان النهدي في قوله: ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قالوا: حس..
حس.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ قال: حيات على الصراط تقول: حس حس» .
وأخرج ابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ قال: السعادة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير، عن محمد بن حاطب قال: سئل علي عن هذه الآية ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ قال: هو عثمان وأصحابه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ يقول: لا يسمع أهل الجنة حسيس أهل النار إذا نزلوا منازلهم من الجنة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سفيان ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ قال: صوتها.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال في سورة الأنبياء ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ إلى قوله: ﴿ وهم فيها لا يسمعون ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ فقد عبدت الملائكة من دون الله وعزير وعيسى.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: يقول ناس من الناس: إن الله قال: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ يعني من الناس أجمعين، وليس كذلك إنما يعني من يعبد الله تعالى، وهو لله مطيع مثل عيسى وأمه وعزير والملائكة.
واستثنى الله تعالى هؤلاء من الآلهة المعبودة التي هي مع من يعبدها في النار.
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: أذا أطبقت جهنم على أهلها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ يعني النفخة الآخرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: النار إذا أطبقت على أهلها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: إذا أطبقت النار عليهم، يعني على الكفار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: انصراف العبد حين يؤمر به إلى النار.
وأخرج ابن جرير في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: حين تطبق جهنم.
وقال: حين ذبح الموت.
وأخرج البزار وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للمهاجرين منابر من ذهب يجلسون عليها يوم القيامة قد أمنوا من الفزع» .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: «بشر المدلجين في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزعون» .
وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: «المتحابون في الله في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله على منابر من نور، يفزع الناس ولا يفزعون» .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة على كثبان المسك لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة: رجل أمَّ قوماً وهم به راضون، ورجل كان يؤذن في كل يوم وليلة، وعبد أدى حق الله وحق مواليه» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وتتلقاهم الملائكة ﴾ قال: تتلقاهم الملائكة الذين كانوا قرناءهم في الدنيا يوم القيامة، فيقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ قال: هذا قبل أن يدخلوا الجنة.
وأخرج عبد بن حميد عن علي في قوله: ﴿ كطي السجل ﴾ قال: ملك.
وأخرج عبد بن حميد عن عطية قال: السجل، اسم ملك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل ﴾ قال: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبوها نوراً.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي جعفر الباقر قال: السجل ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له، فأبصر فيها خلق آدم وما فيه من الأمور فأسّر ذلك إلى هاروت وماروت، فلما قال تعالى: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [ البقرة: 30] قال: ذلك استطالة على الملائكة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن السدي قال: السجل ملك موكل بالصحف، فإذا مات دفع كتابه إلى السجل فطواه ورفعه إلى يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في الآية قال: السجل، الصحيفة.
وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده في المعرفة، وابن مردويه والبيهقي في سننه وصححه عن ابن عباس قال: السجل، كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن المنذر وابن عدي وابن عساكر، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى عليه وسلم كاتب يسمى السجل، وهو قوله: ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ﴾ .
وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عباس قال: السجل، هو الرجل، زاد ابن مردويه بلغة الحبشة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كطي السجل للكتب ﴾ قال: كطي الصحيفة على الكتاب.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بدأنا أوّل خلق نعيده ﴾ يقول: نهلك كل شيء كما كان أوّل مرة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ كما بدأنا أوّل خلق نعيده ﴾ قال: عراة حفاة غرلاً.
وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت: «دخل عليّ رسول الله صلى عليه وسلم وعندي عجوز من بني عامر فقال: من هذه العجوز يا عائشة؟
فقلت: إحدى خالاتي.
فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة.
فقال: إن الجنة لا يدخلها العجوز.
فأخذ العجوز ما أخذها فقال: إن الله تعالى ينشئهن خلقاً غير خلقهن، ثم قال: تحشرون حفاة عراة غلفاً.
فقالت: حاشا لله من ذلك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى.
إن الله تعالى قال: ﴿ كما بدأنا أوّل خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين ﴾ فأول من يكسى إبراهيم خليل الرحمن» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: يبعثهم الله يوم القيامة على قامة آدم وجسمه، ولسانه السريانية، عراة حفاة غرلاً كما ولدوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ يعني الأوثان.
والخطاب لأهل مكة ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ قال الليث: الحصب: الحطب الذي يلقى (١) (٢) (٣) وقال الفراء: ذكر أن الحصب في لغة اليمن: الحطب.
وقال: والحصب في لغة أهل نجد ما رميت به في النار (٤) وقال الزَّجَّاج: كل ما يرمى به في جهنم حصب (٥) والأصل في هذا ما ذكره ابن قتيبة: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ : ما ألقي فيها.
وأصله (٦) (٧) (٨) (٩) ونحو هذا قال الأزهري سواء (١٠) قال ابن عباس في قوله: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ (١١) (١٢) وقال مجاهد، وقتادة، وعكرمة: حطبها (١٣) وقال الضحاك: يرمون بهم في النار كما يرمى بالحصباء (١٤) وقوله تعالى: ﴿ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد فيها داخلون (١٥) (١) (يلقى): ساقطة من (أ).
(٢) (في): ساقطة من (د)، (ع).
(٣) قوله الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 260 (حصب).
وهو في "العين" 3/ 123 (حصب) مع اختلاف يسير جدًا.
(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 212.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 406.
(٦) في "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 288: وأصله من الحصباء، وهي الحصى.
يقال: حصبت.
(٧) "أحصبه" مقحمة من كلام الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 260، وليس من كلام ابن قتيبة.
(٨) ما بين المعقوفين عند ابن قتيبة ص 2388: وما وقع من ثمرها، نفض.
وعند الأزهري 4/ 260: والمنفوض نفض.
(٩) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 288 مع حذف وزيادة وتصرّف.
(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 260 "حصب".
(١١) (حصب): ساقطة من (د)، (ع).
(١٢) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 44 أ.
وقد رواه الطبري 17/ 94 بإسناد حسن عن ابن عباس قال: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ شجر جهنم.
(١٣) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 44 أعن مجاهد وقتادة وعكرمة.
== وعن مجاهد رواه الطبري 17/ 94، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 680 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.
وعن قتادة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 30 والطبري 17/ 94.
وعن عكرمة رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 205، والطبري في "تفسيره" 17/ 94.
وذكره البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، سورة الأنبياء 8/ 435 معلقا، ووصله ابن حجر في "تغليق التعليق" 3/ 508 من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق سفيان الثوري.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 680 عن عكرمة، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.
(١٤) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 144 أعن الضحاك بنصّه.
ورواه الطبري 17/ 94 بنحوه، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 680 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.
(١٥) قال عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 11: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود: الدخول.
وقال نافع: لا.
قال: فقرأ ابن عباس: (أنكم وما تعبدون من دون الله حصبُ جهنم أنتم لها واردون) وليس في هذه الرواية تسمية من سمع ابن عباس.
وقد رواه الطبري 17/ 111، والمروزي في "زوائد الزهد" ص 499 من طريق آخر عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل يقال له أبو راشد، وهو نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس أرأيت قول الله ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ..
﴾ الآية.
قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل تصدر عنها أم لا.
ورواه هناد في "الزهد" 1/ 164 قال: ثنا الحارثي، عن ليث، عن مجاهد قال: سأل نافع ابن الأزرق ابن عباس عن قوله "وإن منكم إلا واردها" ..
فقال ابن عباس: أما أنا وأنت يا ابن الأزرق فسندخلها، فانظر هل يخرجنا الله منها أم لا.
وقال السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 535.
وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن == منصور، وهنّاد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس، فقال ابن عباس: الورود الدخول ..
ثم ساق مثل رواية عبد الرزاق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ﴾ حتى هنا حرف ابتداء أو غاية متعلقة بيرجعون، وجواب إذا: فإذا هي شاخصة، وقيل: الجواب يا ويلينا لأن تقديره يقولون يا ويلنا، وفتحت يأجوج ومأجوج أي فتح سدها فحذف المضاف ﴿ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ﴾ الحدب المرتفع من الأرض، وينسلون: أي يسرعون، والضمير ليأجوج ومأجوج: أي يخرجون من كل طريق لكثرتهم، وقيل: لجميع الناس ﴿ الوعد الحق ﴾ يعني القيامة ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ ﴾ إذا هنا للمفاجأة، والضمير عند سيبويه ضمير القصة، وعند الفراء، للأبصار، وشاخصة من الشخوص وهو: إحداد النظر من الخوف ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ هذا خطاب للمشركين، والحصب: ما توقد به النار: كالحطب.
وقرأ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿ حطب جنهم ﴾ والمراد بما تعبدون الأصنام وغيرها تحرق في النار توبيخاً لمن عبدها ﴿ وَارِدُونَ ﴾ الورود هنا الدخول.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وحرم ﴾ بكسر الحاء: حمزة وعلي وعاصم غير حفص وأبي زيد عن المفضل ﴿ فتحت ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد ويعقوب.
﴿ لا يحزنهم ﴾ بضم الياء وكسر الزاء يزيد ﴿ نطوي ﴾ بضم التاء الفوقانية وفتح الواو ﴿ والسماء ﴾ بالرفع: يزيد.
﴿ للكتب ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ بدأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ قال ﴾ بالألف على حكاية قول الرسول ﴿ رب ﴾ بحذف الياء اكتفاء بالكسرة: حفص غير الخراز ﴿ رب ﴾ بضم الباء على أنه مبتدأ ﴿ احكم ﴾ على صيغة التفضيل.
يزيد عن يعقوب الباقون ﴿ رب احكم ﴾ ﴿ يصفون ﴾ على الغيبة: المفضل وابن ذكوان في رواية.
الوقوف: ﴿ واحدة ﴾ ز لأن المقصود من قوله ﴿ أنا ربكم ﴾ قوله ﴿ فاعبدون ﴾ وكان الكلام متصلاً ﴿ فاعبدون ﴾ ه ﴿ وبينهم ﴾ ط ﴿ راجعون ﴾ ه ﴿ لسعيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ كاتبون ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط لإضمار القول ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ واردون ﴾ ه ﴿ ما وردوها ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ لا لأن ما بعد خبر "إن" ﴿ مبعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر بعد خبر ﴿ حسيسها ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ خالدون ﴾ ه ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون صفة أو استئنافاً ﴿ الملائكة ﴾ ط لأن التقدير قائلين هذا يومكم ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ للكتب ﴾ ط لأن الجار يتعلق بما بعده ﴿ نعيده ﴾ ط لحق المضمر اي وعدنا وحقاً ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ الصالحون ﴾ ه ﴿ عابدين ﴾ ه ط لاختلاف الجملتين ﴿ للعالمين ﴾ ه واحد ج للاستفهام مع الفاء ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ خارج عن المقول، ومن قرأ ﴿ ربي احكم ﴾ فوقفه مجوز لنوع عدول من الواحد إلى الجمع ﴿ تصفون ﴾ ه.
التفسير: لما فرغ من قصص الأنبياء أراد أن يذكر ما استقر عليه أمر الشرائع في آخر الزمان فقال ﴿ إن هذه أمتكم ﴾ وسيرتكم، فالأمة الدين والطريقة لأنه أصل وقانون يرجع إليه.
وللتركيب دلالة على ذلك وهذا إشارة إلى ملة الإسلام أي إن هذه الملة هي طريقتكم وسيرتكم التي يجب أن تكونوا عليها حال كونها طريقة واحدة غير مختلفة.
﴿ وأنا ربكم ﴾ لا غيري ﴿ فاعبدون ﴾ والخطاب للناس كافة، وكان الظاهر أن يقال بعده وتقطعتم أمركم ينكم أي جعلتم أمر دينكم بينكم قطعاً كما يقسم الشيء بين الجماعة فيصير لهذا نصيب ولهذا نصيب فصرتم فرقاً مختلفة وأحزاناً شتى، إلا أنه عدل من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه يقبح أمرهم إلى غيرهم فيقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء؟
عن رسول الله أنه قال "تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون وخلصت فرقة وأن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة وتخلص فرقة واحدة قالوا: يا رسول الله ومن الفرقة الناجية؟
قال: الجماعة الجماعة" فهذا الحديث مفسر للآية من حيث إن هذه الأمة يجب أن يكونوا على كلمة واحدة، طعن بعضهم في الحديث أنه أراد بالاثنتين والسبعين فرقة اصول الأديان فإنها لا تبلغ هذا العدد، وإن أراد الفروع فإنها أضعاف هذا العدد.
وأجيب بأنه أراد ستفترق أمتي هذا العدد في حال ما، وهذا لا ينافي كون العدد في بعض الأحوال أنقص أو أزيد.
قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ فاعبدون وتقطعوا ﴾ بالواو وفي "المؤمنين" ﴿ فاتقون فتقطعوا ﴾ بالفاء لأن الخطاب ههنا أعم والعبادة أعم من التقوى.
وأيضاً الخطاب يتناول الكفار وقد وجد منهم التقطع قبل هذا القول، وفي سورة المؤمنين الخطاب للنبي والمؤمنين بدليل قوله ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ﴾ ثم قال ﴿ فتقطعوا ﴾ اي ظهر منهم أي من أمتهم التقطع بعد هذا القول ولأن التقطع منهم أغرب أكده هناك بقوله ﴿ زبراً ﴾ وفي قوله ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ وعيد عظيم للفرق المختلفة.
ثم فصل مآل لهم بقوله ﴿ فمن يعمل ﴾ الآية والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه في قوله ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ وإنما لم يقل "فلا يكفر سعيه" لأن نفي الجنس أبلغ فإن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها.
وفي قوله ﴿ وأنا له ﴾ اي لذلك السعي ﴿ كاتبون ﴾ مبالغة أخرى فإن المثبت في الصحيفة أبعد من النسيان والغلط كما قيل: قيدوا العلم بالكتابة.
ولا سيما إذا كان الكاتب ممن لا يجوز عليه السهو والنسيان.
قال المفسرون: معناه حافظون لنجازي عليه.
وقيل: مثبتون في أم الكتاب أو في صحف الأعمال.
هذا حال السعداء وأما أحوال أضدادهم فذلك قوله ﴿ وحرام ﴾ ومن قرأ ﴿ حرم ﴾ فإنه فعل بمعنى مفعول.
والتركيب يدور على المنع اي ممتنع أو ممنوع وهذا خبر لا بد له من مبتدأ وذلك قوله ﴿ أنهم لا يرجعون ﴾ أو غير ذلك.
والرجوع إما الرجوع عن الشرك إلى الإسلام أو الرجوع إلى الدنيا أو إلى الآخرة.
وعلى الأول إما أن تكون "لا" زائدة أقحمت للتأكيد ومعنى الآية ممتنع على أهل قرية عزمنا على إهلاكها أو قدرنا إهلاكها أن يرجعوا أو يتوبوا إلى أن تقوم الساعة والمراد تصميمهم على الكفر.
وإما أن تكون معيدة ولكن الحرام بمعنى الواجب تسمية لأحد الضدين باسم الآخر باشتراكهما في المنع إلا أن الوجوب منع عن الترك والحرمة منع عن الفعل، وقد ورد في الاستعمال مثل ذلك قال ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا ﴾ وترك الشرك واجب وليس بمحرم، وقالت الخنساء: وإن حراماً لا ارى الدهر باكياً *** على شجوه إلا بكيت على عمرو وعلى الثاني فالإهلاك على أصله، والمعنى أن رجوعهم إلى الدنيا ممتنع أو عدم رجوعهم واجب إلى قيام الساعة نظيره قوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ وعلى الثالث فقوله "حتى" غاية لقوله ﴿ لا يرجعون ﴾ اي ممتنع عدم رجوع المهلكين إلى عذاب الآخرة حتى الساعة، وذلك أن رجوعهم إلى عذاب النار قبل الساعة واجب بقوله ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن رجوعهم إلى الآخرة واجب إلى هذه الغاية أي أنهم يكونون أول الناس حضوراً في محفل القيامة.
وعلى الرابع فالمعنى وحرام عليهم ذلك وهو المذكور من السعي المشكور غير المكفور لأنهم لا يرجعون عن الكفر إلى أن تقوم الساعة.
قوله ﴿ حتى إذا فتحت ﴾ "حتى" هي التي يقع بعدها الجملة وهي ههنا مجموع الشرط والجزاء و"إذا" المفاجأة تسد مسد فاء الجزاء، وقد يجمع بينهما للتعاون على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد وإنما احتيج إلى هذا التأكيد لأن الشرط يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل يوم القيامة، ولعل بينهما فاصلة بالزمان إلا أن التفاوت القليل كالمعدوم والمضاف محذوف أي سد يأجوج ومأجوج وتأنيث الفعل لأنهما قبيلتان وهما ومن جنس الأنس كما مر في آخر الكهف.
يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج.
وفي الحديث "إن منكم واحداً ومن يأجوج ومأجوج ألف" .
قوله ﴿ وهم من كل حدب ينسلون ﴾ قال أكثر المفسرين: الضمير ليأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد.
وعن مجاهد أنه لجميع المكلفين الذين يساقون إلى المحشر.
والحدب ما إرتفع من الأرض والنسل الإسراع.
﴿ واقترب ﴾ عطف على ﴿ فتحت ﴾ وهو داخل في الشرط.
و ﴿ الوعد الحق ﴾ القيامة وقوله ﴿ فإذا هي شاخصة ﴾ كقوله في سورة إبراهيم ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ وقال في الكشاف: ﴿ هي ﴾ ضمير مبهم توضحه الأبصار وتفسره.
قلت: فعلى هذا ﴿ هي ﴾ مبتدأ ﴿ وشاخصة ﴾ خبره ﴿ وأبصار ﴾ بدل ﴿ هي ﴾ ولو قيل: ﴿ هي ﴾ ضمير القصة مبتدأ والجملة التي هي أبصار الذين كفروا شاخصة خبره جاز وهو قول سيبويه.
ثم ههنا إضمار اي يقولون ﴿ يا ويلنا ﴾ وهو في موضع الحال من الذين كفروا والعامل شاخصة ﴿ قد كنا في غفلة من هذا ﴾ الوعد أو الأمر ﴿ بل كنا ظالمين ﴾ أنفسنا بتلك الغفلة وبتكذيب الرسل وعبادة الأوثان.
ثم بين حال معبوديهم يوم القيامة فقال: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ اي محصوبها بمعنى محصوب فيها، والحصب الرمي ومنه الحصباء لأنه يرمى بها الشيء وقرئ حطب.
واللام في قوله ﴿ أنتم لها واردون ﴾ كاللام في قوله "هو لزيد ضارب" وذلك لضعف عمل اسم فيما تقدم عليه.
والمعنى لا بد لكم أن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها.
ثم ألزمهم الحجة بقوله ﴿ لو كان هؤلاء ﴾ المعبودون ﴿ آلهة ﴾ في الحقيقة ﴿ ما وردوها ﴾ لكنهم واردوها للخبر الصادق الذي يتنبه لصدقه من يتأمل في إعجازه فينتج أن هؤلاء ليسوا بآلهة وأنها لا تستحق تعظيماً أصلاً.
ثم أخبر أنهم بعد ورودهم النار لا يخلصون منها أبداً فقال ﴿ وكل ﴾ اي من العابدين والمعبودين ﴿ فيها خالدون لهم فيها زفير ﴾ قد سبق معانيه في آخر سورة هود ﴿ وهم فيها لا يسمعون ﴾ شيئاً إما لأنهم يجعلون في توابيت من نار عن ابن مسعود، وإما لأنه يصمهم كما يعميهم.
والصمم في بعض الأوقات لا ينافي كونهم سامعين أقوال أهل الجنة في غير ذلك الوقت، أو المراد أنهم لا يسمعون ما يسرهم، أو الضمير للمعبودين والسماع سماع إجابة، وعلى هذا فالضمير في ﴿ لهم فيها زفير ﴾ للعابدين وجاز اعتماداً على فهم السامع حيث يرد كلاً من الضميرين على ما يناسبهما كأنه قيل: العابد يدعو والمعبود لا يجيب، ويجوز أن يكون للمعبودين أيضاً لأن فيهم من يتأتى منه الزفير كالشياطين فغلب، أو لأن الجماد ينطقه الله وقتئذ والزفير بمعنى اللهيب والله أعلم.
يروى أن رسول الله دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحرث وكلمه رسول الله حتى أفحمه ثم تلا عليهم ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ الاية.
فأقبل عبد الله بن الزبعري فأخبره الوليد بن المغيرة بنا جرى فقال معترضاً: اليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة؟
فقال : بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك وأنزل الله ﴿ إن الذين سبقت ﴾ الآية.
فخرج من الحديث.
الآية جواب ابن الزبعري على أتم وجه وأكمله كأنه قيل أولاً إن الاية باقية على عمومها لأن الذين عبدوا عزيراً والمسيح والملائكة لم يعبدونهم في الحقيقة، وإنما عبدوا الشياطين التي دعتهم إلى ذلك، ولئن سلم أنهم عبدوهم في الحقيقة لكنهم مخصوصون بما سبقت لهم منا الخصلة الحسنى وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو بتوفيق الطاعة وكل ميسر لما خلق له.
ومن المفسرين من أجاب عن اعتراض ابن الزبعري بوجوه آخر منها: أن قوله ﴿ إنكم ﴾ خطاب لمشركي قريش وإنهم لم يعبدوا سوى الأصنام.
ولقائل أن يقول: حمل الآية على العموم أتم فائدة.
ومنها أن قوله ﴿ وما تعبدون ﴾ لا يتناول العقلاء فيسقط الاعتراض.
ولقائل أن يقول: ما أعم لا مباين فيشمل ذوي العقول وغيرهم ولهذا جاء ﴿ والسماء وما بناها ﴾ سبحان ما سخركن لنا.
ومنها أنه تعالى يصور لهم في النار ملكاً على صورة من عبدوه، وضعف بأن القوم لم يعبدوا تلك الصورة، وبأن الملك لا يتعذب بالنار كخزنة جهنم.
واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فقوله ﴿ إن الذين ﴾ لا يبعد أن يكون عاماً لكل المؤمنين ويؤيده ما روي أن علياً قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف.
وزعم مثبتوا لعفو أن الحسنى في الاية هي الوعد بالعفو لأنه قال ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ بأزاء قوله ﴿ أنتم لها واردون ﴾ والورود الدخول فالإبعاد الإخراج من النار بعد أن كانوا فيها.
وأيضاً إبعاد البعيد محال.
وقوله ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ إذ الصوت الذي يحس به مخصوص بما بعد الإخراج.
وايضاً قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ يفهم منه أنه يحزنهم الفزع الأصغر، فالأكبر عذاب الكفار والأصغر عذاب صاحب الكبيرة، والأكثرون على أن المراد من قوله ﴿ مبعدون ﴾ أنهم لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة لأن ما جعل بعيداً عن شيء ابتداء يحسن أن يقال: إنه أبعد عنه، وهؤلاء لم يفسروا الورود في قوله { ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ بالدخول كما مر في سورة مريم.
وفي قوله ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ تأكيد للإِبعاد فقد لا يدخل النار ويسمع حسيسها.
ثم بين أنهم مع العبد عن المنافي منتفعون بالقرب من الملائم ملتذون به على سبيل التأبيد فقال ﴿ وهم فيما إشتهته ﴾ ﴿ أنفسهم ﴾ أي فيما تطلبه للالتذاذ به ﴿ خالدون ﴾ هذا نصيب أهل الجنة، وأما أهل الله فهم فيما اشتهت قلوبهم وارواحهم وأسرارهم خالدون.
والفزع الأكبر قيل: النفخة الأخيرة لقوله ﴿ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض ﴾ وعن الحسن هو الانصراف إلى النار فإنه لا فزع أكبر مما إذا شاهدوا النار، وهذا أمر يشترك فيه أهل النار جيمعاً، ثم مراتب التعذيب بعد ذلك متفاوتة.
وعن الضحاك وسعيد بن جبير هو حين تطبق النار على أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة، وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح فعند ذلك يستقر أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة وتستقبلهم الملائكة مهنئين قائلين ﴿ هذا يومكم ﴾ اي وقت ثوابكم ﴿ الذي كنتم توعدون ﴾ ذلك قال الضحاك: هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم.
والعامل في ﴿ يوم نطوي السماء ﴾ : ﴿ لا يحزنهم ﴾ أو ﴿ تتلقاهم ﴾ .
والسجل اسم للطومار الذي يكتب فيه.
وعن ابن عباس أنه ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه وهو مروي ايضاً عن علي .
وروى أيضاً أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه كاتب لرسول الله وليس بمعروف.
قال الزجاج: هو الرجل بلغة الحيش.
فعلى هذه الوجوه فالطي وهو المصدر مضاف إلى الفاعل وعلى الوجه الأول هو مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف كطي الطاوي للسجل وهو قول الأكثرين وإشتقاقه من السجل الدلو العظيم وقد قرئ به والتركيب يدل على الامتلاء والاجتماع ولهذا لا يسمى الدلو سجلاً إلا إذا كان فيه ماء ومنه "أسجلت الحوض ملأته".
وقوله ﴿ للكتاب ﴾ أي للكتابة ومعناه ليكتب فيه أو لما يكتب فيه لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء ثم يوقع على المكتوب.
ومن جمع فمعناه للمكتوبات أي ما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، وكيفية هذا الطي لا يعلمها إلا من أخبر عن ذلك أما قوله ﴿ كما بدأنا ﴾ فمن المفسرين من قال: إنه ابتداء كلام ومنهم من قال: إنه وصف قوله ﴿ هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ بقوله ﴿ يوم نطوي ﴾ ثم عقبه بوصف آخر فقال ﴿ كما بدأنا أول خلق ﴾ وهو مفعول نعيد الذي يفسره ﴿ نعيده ﴾ و"ما" كافة أي نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء.
فكما أوجده أولاً عن عدم يعيده ثانياً عن عدم.
ومنهم من قال: الإعادة إنما تتعلق بالضم والتركيب بعد تفريق الأجزاء الاصلية والآية لا تطابقه كل المطابقة.
وأول خلق كقولك "هو أول رجل" اي إذا فضلت رجلاً رجلاً فهو أولهم، وإنما خص أول الخلائق بالذكر تصويراً للإيجاد عن العدم ودفعاً للاعتراض.
وجوز جار الله أن تنتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده و"ما" موصولة اي نعيد مثل الذي بدأنا نعيده و ﴿ أول خلق ﴾ ظرف ﴿ لبدأنا ﴾ أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ وقوله ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لأن قوله نعيد عدة للإعادة وقيل: أراد حتماً ﴿ علينا ﴾ لسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه فإن وقوع ما علم الله وقوعه واجب ثم حقق ذلك بقوله ﴿ إنا كنا فاعلين ﴾ اي سنفعل ذلك لا محالة فإنا قادرون عليه.
عن سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد أن الزبور جنس للكتب المنزلة كلها، والذكر أم الكتاب يعني اللوح ففيه كتابة كل ما سيكون اعتباراً للملائكة، وكتب الأنبياء كلهم منتسخة منه، وعن قتادة أن الزبور هو القرآن، والذكر هو التوراة.
وعن الشعبي أن الزبور هو كتاب داود والذكر التوراة.
وجوز الإمام فخر الدين أن يراد بالذكر العلم أي كتبنا فيه بعد أن كنا عالمين غير ساهين.
والمراد تحقيق وقوع المكتوب فيه، والأرض أرض الجنة، والعباد الصالحون هم المؤمنون العالمون بما يجب عليهم نظيره قوله ﴿ وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين ﴾ قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والسدي وأبو العالية.
وإنما ذهبوا إلى هذا القول لأن أرض الدنيا تعم الصالح وغير الصالح، ولأن الآية وردت بعد ذكر الإعادة.
وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أنها أرض الدنيا يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار نظيره ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لَيَستَخلِفَنَّهُم في الأرض ﴾ وقيل: الأرض المقدسة يرثها أمة محمد عند نزول عيسى ابن مريم ﴿ إن في هذا ﴾ الذي ذكر في السورة من الأخبار والوعد والوعيد وغير ذلك ﴿ لبلاغاً ﴾ لكفاية ﴿ لقوم عابدين ﴾ عاملين بما ينبغي عمله من الخيرات بعدما عملوا من كيفية أدائها.
والبلاغ ما يبلغ به المرء مطلوبه من الوسائط والوسائل، ولا مطلوب أجل من سعادة الدارين فكل من كان وسيلة إلى نيل هذا المطلوب على الوجه الأتم الأكمل كان وجوده رحمة من الله للطالب المتحير وما ذاك إلا خاتم النبيين فلهذا قال ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ وكونه رحمة للكل لا ينافي قتله بعض الكفرة والتعرض لأموالهم وأولادهم كما أن كي بعض أعضاء المريض بل قطعه لا ينافي حذق الطبيب وإشفاقه على المريض ومن هنا قيل: آخر الدواء الكي.
والعاقل لا ينسب التقصير إلى الفاعل لقصور في القابل.
قالت المعتزلة: لو كان الكفر الكافر بخلق الله لم يكن إرسال الرسول رحمة له لأنه لا يحصل له حينئذ إلا لزوم الحجة عليه.
وأجيب بأنه كونه رحمة للفجار هو أنهم أمنوا بسببه عذاب الاستئصال، ولا يلزم أن يكون الرسول رحمة للمؤمنين من جهة كونه رحمة للكافرين، والجواب المحقق أن كونه رحمة عامة بالنسبة على أمة الدعوة لا ينافي كونه رحمة خاصة بالنسبة إلى أمة الإجابة وهو قريب مما ذكرناه أولاً، والحجة وتبعتها لازمة على الكافر وإن لم يبعث النبي غايته أنها بعد البعثة ألزم.
وفي الآية دلالة على أن النبي أفضل من الملائكة لأنه رحمة لهم فإنهم من العالمين وعورض بقوله ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ والاستغفار رحمة.
والجواب أن الرحمة بمعنى كونه في نفسه مكملاً في الغاية غير الرحمة بمعنى الدعاء، فلا يلزم من كون الأول سبباً للأفضلية كون الثاني كذلك، ثم بين أن أصل تلك الرحمة وأسها هو دعاؤه إلى التوحيد والبراءة عن الشرك فقال ﴿ قال إنما يوحى إلي ﴾ إن كانت "ما" موصولة فمعناه أن الذي يوحي إليَّ هو أن وصفه مقصور على الوحدانية لا يتجاوزه إلى ما يناقضها أو يضادها بأي قسمة فرضت وإن كانت كافة المعنى أن الوحي مقصور على استئثار الله بالوحدة، وذلك أن القصر يكون أبداً لما يلي إنما وفي قوله ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ بعث لهم على قبول هذا الوحي الذي هو أصل التكاليف كلها، وفيه نوع من التهديد فلذلك صرح به قائلاً ﴿ فإن تولوا فقل آذنتكم ﴾ اي أعلمتكم والمراد ههنا أخص من ذلك وهو الإنذار ﴿ على سواء ﴾ هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله ﴿ فانبذ إليهم على سواء ﴾ إلى وقت اي حال كونكم مستوين في ذلك لا فرق بين القريب والأجنبي والقاصي والداني والشريف والوضيع ولهذا قال أبو مسلم: الإيذان على سواء هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله ﴿ فانبذ إليهم على سواء ﴾ وقيل: أراد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من أصول التكاليف ولا سيما التوحيد على السوية من غير فرق في الإبلاغ بين مكلف ومكلف.
ولست ﴿ أدري أقريب ما توعدون ﴾ أم بعيد والموعود قيل: هو عذاب الآخرة.
واعترض بأنه ينافي قوله ﴿ واقترب الوعد الحق ﴾ وقيل: هو الأمر بالقتال لأن السورة مكية وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة.
وقيل: هو إعلاء شأن الإسلام وغلبة ذويه فإنه لا بد أن يلحق للكفار حينئذ ذلة وصغار.
ولما أمره أن ينفي عن نفسه علم الغيب أمره أن يقول لهم إن الله هو العالم بالسر والعلن فيعلم ما تجاهرون به من المطاعن في الإسلام وما تكتمونه في صدوركم من الإحن والضغائن فيجازيكم على القبيلين ﴿ وإن أدري لعله ﴾ اي ما أدري لعل تأخير هذا الوعد أو إبهام وقته أو تأخير الأمر بالجهاد امتحان لكم لينظر كيف تعملون وتمنيع لكم ﴿ إلى حين ﴾ حضور وقت الموعد.
وقال الحسن: لعل ما أنتم عليه من الدنيا ونعيمها بلية لكم.
وقيل: اراد لعل ما بينت وأعلمت وأوعدت ابتلاء لكم لأن المعرض عن الإيمان مع البيان حالاً بعد حال يكون عذابه اشد.
ومعنى ﴿ رب احكم بالحق ﴾ أقضى بيني وبين من يكذبني بالعذاب.
قال قتادة: امره الله أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ فاستجيب له فعذبوا ببدر، وقال جار الله: بالحق لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم كما قال "أشدد وطأتك على مضر" وقيل: معناه وافعل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع تنصرني عليهم كأنه قال له: قل داعياً إليَّ رب احكم بالحق وقل متوعد للكفار ﴿ وربنا الرحمن المستعان ﴾ الذي يستعان به ﴿ على ما تصفون ﴾ من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل، وكانوا يطمعون أن يكون لهم الغلبة والدولة فقلب الله الأمر عليهم.
وفي هذا الأمر تسلية للنبي ورفع عن مقداره حيث أمر بالانقطاع إلى الرب في دفع أذية القوم ليحصل له مع الخلاص من أذيتهم شرف الاستجابة وهذه غاية العناية.
التأويل: ﴿ إن هذه أمتكم ﴾ فيه إشارة إلى أن السالك إذا عبر المقامات التي ذكرنا تصير متفرقات شمله مجتمعة في الفناء بالله والبقاء به، فيكون أمة واحدة في ذاته كما أن إبراهيم كان أمة فيعرفه الله نفسه ويقول ﴿ أنا ربكم ﴾ الذي بلغتكم هذه الرتبة ﴿ فاعبدون ﴾ أي فاعرفون ﴿ وتقطعوا أمرهم ﴾ فمنهم من سكن إلى الدنيا، ومنهم من سكن إلى الجنة، ومنهم من فر إلى الله ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ أما طالب الدنيا فيرجع إلى صورة قهرنا وهي جهنم، وأما طالب الآخرة فيرجع إلى صورة رحمتنا وهي الجنة، وأما الذي يطلبنا فإنه يرجع إلينا بالحقيقة ﴿ وإنا له كاتبون ﴾ في الأزل من أهل السعادة ﴿ حتى إذا فتح ﴾ سد ﴿ يأجوج ﴾ النفس و ﴿ مأجوج ﴾ الهوى، والسد أحكام الشريعة وفتحها مخالفاتها وموافقات الطبع وهم أعني دواعي النفس من كل معدن شهوة من الحواس الظاهرة والباطنة ﴿ ينسلون ﴾ فيفسدون ما يمرون عليه من القلب والسر والروح ﴿ واقترب الوعد ﴾ إهلاك القلوب الغافلة ﴿ فإذا هي شاخصة ابصار ﴾ بصائرها بالانهماك في الأهواء ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ العناية الأزلية ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ أعني مقالات أهل البدع والأهواء ﴿ وهم فيما اشتهت أنفسهم ﴾ المطمئنة المجذوبة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ في مقامات السير في الله ﴿ خالدون ﴾ الفزع الأكبر قوله في الأزل "هؤلاء في النار ولا أبالي" ﴿ يوم نطوي ﴾ سماء وجود الإنسان بتجلي صفات الجلال في إفناء مراتب الوجود من الانتهاء إلى الابتداء وذلك قوله ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ يعني أن الرجوع يكون بالتدريح كما أن البدء كان بالتدريج خلق النطفة علقة ثم خلق العلقة مضغة ثم خلق المضغة عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر.
ففي الإعادة يجب أن يمر السالك من الإحساس على الحيوانية ثم النباتية ثم المعدنية ثم البسائط العنصرية ثم الملكوتية ثم الروحانية ثم إلى صفات الربوبية بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ولقد كتبنا في الزبور ﴾ أي في أم الكتاب ﴿ من بعد الذكر ﴾ أي بعد أن قلنا للقلم أكتب نظيره ﴿ كن فيكون ﴾ أن أرض جنة الوجود الحقيقي ﴿ يرثها عبادي الصالحون ﴾ وهم الذين طويت سماء وجودهم المجازي.
فالوجود المجازي لكونه غير ثابت ولا مستقر كالسماء، ولوجود الحقيقي لكونه ثابتاً ومستقراً على حالة واحدة كالأرض ﴿ لقوم عابدين ﴾ عارفين.
﴿ وما أرسلناك ﴾ من كتم العدم ﴿ إلا رحمة للعالمين ﴾ فلولاك لما خلقت الأفلاك "أول ما خلق الله روحي" ولولا الأزل لم تنته الهوية إلى الآخر والله أعلم.
قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .
قال بعضهم: إن هذه ملتكم وشريعتكم ومذاهبكم ملة واحدة وشريعة واحدة، يعني: شريعة الإسلام، وملة واحدة ليست بمفترقة.
وقال بعضهم: إن هذا دينكم دين واحد، ليس كدين الأمم الخالية أدياناً مختلفة.
أو أن يكون الأمة ما يؤم إليها ويقصد؛ لأن الأمة هي الجماعة، وهي المقصودة.
وجائز أن يكون إخباراً عن هذه الأمة على دين واحد وملة واحدة، ليسوا بمختلفين ولا بمفترقين، كسائر الأمم الخالية، كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ...
﴾ الآية [آل عمران: 105]، وقوله ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ أخبر عنهم أنهم غير متفرقين، ونهاهم عن أن يتفرقوا كما تفرق الأولون؛ ألا ترى أنه قال على إثره: ﴿ وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ هذا يدل على أنه إخبار عن أهل الإسلام في صدر الأمر أنهم على شيء واحد.
وقال الزجاج: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ما لزموا الحق واتبعوه، وأما إذا تركوا لزومه وتركوا اتباعه فهي ليست بأمة واحدة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ ﴾ \[و\] قال في آية أخرى: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ﴾ \[المؤمنون: 52\] ليعلم أنّ العبادة والتقوى واحد في الحقيقة؛ لأن الاتقاء هو ما يجتنب من الأفعال والعبادة ما يؤتى من الأفعال والعبادة، فإذا اجتنب ما يجب اجتنابه فقد أتى بما يجب إتيانه، وإذا أتى بما يجب إتيانه فقد اجتنب ما يجب اجتنابه، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ لأنه بفعله إياها مجتنب عن الفحشاء والمنكر.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ ﴾ أي: توحدون، على ما قال أهل التأويل؛ لأنه إنما خاطب به أهل مكة.
وقوله: ﴿ وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ أخبر عن الأولين أنهم اختلفوا في دينهم وتفرقوا ﴿ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ﴾ من تفرق و [من] لم يتفرق، كقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ فيه دلالة ألا يقبل من الأعمال الصالحات إلا بالإيمان؛ لأنه شرط في قبولها الإيمان، كقوله: ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ﴾ أي: لشكر سعيه، ويقبل ولا يجحد ولا يكفر، كقوله: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾ بالياء والتاء (فلن تكفروه)، وأصل الكفران: الستر، والشكر: هو الإظهار؛ يخبر - عز وجل - أنه لا يستر ما عملوا من الحسنات والخيرات، بل يشكر ويظهر.
وقوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ﴾ أي: يكتب لهم تلك الحسنات والخيرات، كقوله: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .
وقوله: (وحِرْمٌ على قرية أهلكناها) و ﴿ وَحَرَامٌ ﴾ بالألف أيضاً، ثم قوله: (وحِرْمٌ)، ﴿ وَحَرَامٌ ﴾ - على قول أهل اللسان واللغة - واحد، يقال: حرم عليك كذا، وحرام، كما يقال: حِلٌّ وحَلاَلٌ.
وأما على قول أهل التأويل فإنهم يفرقون بينهما، فيقولون: حرم: حتم وواجب ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أي: حتم وواجب على قرية إهلاكهم بعد ما علم ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أي: لا يتوبون؛ لأنه إنما يهلكهم لما علم منهم أنهم لا يتوبون.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ ﴾ أراد الله إهلاكها ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .
وظاهر قوله: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أن يكون لهم الرجوع؛ لأنه يقول: (وحرم ...
أنهم لا يرجعون)، ألا ترى إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ﴾ وظاهره أنهم لا يرجعون، حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق، فعند ذلك يرجعون لقوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
أو أن يكون ذكر هذا: ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ لقول قوم؛ لأن قوما يقولون: إن الخلق كالنبات ينبت، ثم ييبس، ثم ينبت، فعلى ذلك الخلق يموتون، ثم يعودون ويرجعون.
وبعض من الروافض يقولون: يرجع علي وفلان، فأخبر أنهم لا يرجعون ردّاً عليهم وتكذيباً لخبرهم؛ لأن القرآن قد صار حجة عليهم وإن أنكروه لما عجزوا عن أن يأتوا بمثله، والله أعلم بذلك كله.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ﴾ كأنه - والله أعلم - أضاف فتح ذلك السدّ إلى أنفسهم وهم جماعة، وإلا لست أعرف لتأنيث فتح السدّ وجها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ ﴾ قيل: الحدب: الشيء المشرف.
وقيل: الحدب: كل ما ارتفع من الأرض.
وقيل: الحدب: الأكمة.
وقيل: ﴿ مِّن كُلِّ حَدَبٍ ﴾ : من كل جهة ومن كل مكان.
﴿ يَنسِلُونَ ﴾ قيل: يسرعون.
وقيل: يخرجون.
أخبر أنهم من [كل] حدب، أي: من كل ناحية، ومن كل جهة يسرعون، كأنهم لما سدّ عليهم ذلك السدّ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، أي: بين ما يتعيشون ويرتزقون من هذا العالم - تفرقوا في تلك الأمكنة لطلب ما يتعيشون به، فإذا بلغهم خبر فتح السد أتوا من كل جهة وناحية التي كانوا متفرقين فيها ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ يسرعون؛ لأنهم مذ سدّ عليهم السدّ في جهد من فتح ذلك السدّ، فلما فتح خرجوا مسرعين، وهو ما ذكر: ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ ﴾ قوله: ﴿ ٱقْتَرَبَ ﴾ أي: وقع ووجب الوعد الحق؛ لأنه قد أخبر من قبل هذا الوقت أنه قد اقترب بقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ﴾ و ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ليس على القرب، ولكن على الوجوب، فعلى ذلك الأوّل يحتمل أن يكون إخباراً عن الوقوع والوجوب.
وجائز أن يكون على القرب أيضاً، ويكون وجوبها ووقوعها في قوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ...
﴾ الآية [إبراهيم: 42]، وكقوله: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ...
﴾ الآية [القمر: 8].
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰوَيْلَنَا ﴾ أي: يقولون: يا ويلنا ﴿ قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ كأنهم تذاكروا فيما بينهم: إنما كنّا في غفلة من هذا، ثم تداركوا أنهم لم يكونوا في غفلة، ولكن قالوا: ﴿ بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ في ذلك، ضالين؛ اعترفوا بالظلم والضلال.
وقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ يقال: إن حرف (من) يتكلم عن البشر وحرف (ما) يتكلم عما سواهم من العالم، فإذا كان على هذا الذي ذكروا، فما ينبغي لأولئك أن يفهموا من قوله: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ : عيسى وعزير [و] الملائكة [و] هؤلاء، ويقولون: هؤلاء عبدوا دون الله فهم حصب جهنم على زعمكم، إلى هذا يذهب أهل التأويل، ويقولون: ثم نزل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ قالوا: استثنى من علمه ممن عبد دون الله من سبقت له منه الحسنى، وهو عزير وعيسى وهؤلاء، لكن قد ذكرنا أنه لا يجوز أن يفهم من هذا هؤلاء، ولكن الأصنام والأحجار التي عبدوها، كقوله: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ﴾ التي عبدوها.
أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الشياطين الذين أمروهم ودعوهم إلى عبادة غير الله، فتكون العبادة لمن دون الله للشيطان حقيقة؛ لأنه هو الآمر لهم بذلك، والداعي إلى ذلك دون من ذكروا؛ لأن هؤلاء - أعني: عيسى وعزيراً والملائكة - لم يأمروهم بذلك؛ فيكون على هذا كأنه قال: إنكم والشياطين الذين تعبدون من دون الله حصب جهنم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴾ دل هذا أن القرين هو الشيطان، كقوله: ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ وقوله: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ بالصاد، وقرئ بالطاء: (حطب جهنم) قال ابن عباس: الحصب بلسان الزنجية: هو الحطب.
وقال بعضهم: هو حطب بلسان الحبشة، ويقال - أيضاً - بالضاد: (حضب جهنم) قال بعضهم: الحصب: هو الرمي، يحصب جهنم بهم، أي: يرمي بهم، والحطب: هو معروف، والحضب: هو التهيج، أي: يهيّج النار عليهم.
وقال الكسائي: حصبت النار، أي: ألقيت فيها الحطب، وعن عائشة: (حضب جهنم) بالضاد.
وقوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ أي: واقعون فيها.
وقوله: ﴿ لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ﴾ أي: لو كان الذين عبدوا دون الله آلهة على ما زعموا ما وردوا النار.
فإن قيل: إنهم لم يقروا أنها ترد النار.
[قيل]: لما عجزوا عن إتيان مثله فقد لزمتهم الحجة، فكأنهم أقروا أنهم واردوها، وهو كقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ...
﴾ الآية [البقرة: 28]؛ هم لم يقروا أنهم يحيون بعدما ماتوا، ولكن لما عرفوا أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم، فقد لزمهم الإقرار والحجة بالإِحياء بعد الموت؛ فعلى ذلك الأول كأنهم أقروا بأنهم واردون بما لزمتهم الحجة.
وقوله: ﴿ وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ ظاهر.
وقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ ﴾ قيل: الزفير: هو الصوت الخفيض الذي فيه أنين، والشهيق: هو الصوت الرفيع الذي فيه أنين.
وقيل: الشهيق: أول نهيق الحمار، والزفير: هو آخر نهيقه.
وقوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ قيل: لا يسمعون الخير، ويسمعون غيره.
وقال بعضهم: لا يسمعون؛ لأنهم يكونون صمّاً بكماً عمياً، وهو كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ .
وقال القتبي: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ : حرام عليهم أن يرجعوا، ويقال: واجب، وقال: هو حِرْمٌ وحرامٌ: واحدٌ، كما يقال: حِلٌّ وحلال.
وقال: ﴿ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ﴾ : ومن كل نشز من الأرض و أكمة ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ من النسلان، وهو مقاربة الخطو مع الإسراع كمشي الذئب إذا بادر.
قال أبو عوسجة: الحدب: ما ارتفع من الأرض، الواحد: حدبة ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ أي: يجيئون.
<div class="verse-tafsir"
إنكم -أيها المشركون- وما تعبدونه من دون الله من الأصنام، وممن يرضى بعبادتكم له من الإنس والجن - وقود جهنم، أنتم ومعبوداتكم لها داخلون.
<div class="verse-tafsir" id="91.QZNGp"