الآية ١٥ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ١٥ من سورة الحج

مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن عباس : من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، ( فليمدد بسبب ) أي : بحبل ) إلى السماء ) أي : سماء بيته ، ( ثم ليقطع ) يقول : ثم ليختنق به .

وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وعطاء ، وأبو الجوزاء ، وقتادة ، وغيرهم .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( فليمدد بسبب إلى السماء ) أي : ليتوصل إلى بلوغ السماء ، فإن النصر إنما يأتي محمدا من السماء ، ( ثم ليقطع ) ذلك عنه ، إن قدر على ذلك .

وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى ، وأبلغ في التهكم; فإن المعنى : من ظن أن الله ليس بناصر محمدا وكتابه ودينه ، فليذهب فليقتل نفسه ، إن كان ذلك غائظه ، فإن الله ناصره لا محالة ، قال الله تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .

يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ غافر : 51 ، 52 ] ; ولهذا قال : ( فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ) قال السدي : يعني : من شأن محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال عطاء الخراساني : فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في المعنيّ بالهاء التي في قوله: ( أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ) .

فقال بعضهم: عُنِي بها نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فتأويله على قول بعض قائلي ذلك: من كان من الناس يحسب أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا والآخرة، فليمدد بحبل، وهو السبب إلى السماء: يعني سماء البيت، وهو سقفه، ثم ليقطع السبب بعد الاختناق به، فلينظر هل يذهبن اختناقه ذلك، وقطعه السبب بعد الاختناق ما يغيظ، يقول: هل يذهبن ذلك ما يجد في صدره من الغيظ.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثني أبي، قال: ثني خالد بن قيس، عن قَتادة: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ولا دينه ولا كتابه، ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ) يقول: بحبل إلى سماء البيت فليختنق به ( فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ) .

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) قال: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ) يقول: بحبل إلى سماء البيت، ( ثُمَّ لِيَقْطَعْ ) يقول: ثم ليختنق ثم لينظر هل يذهبنّ كيده ما يغيظ.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قَتادة، بنحوه.

وقال آخرون ممن قال: الهاء في ينصره من ذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم السماء التي ذكرت في هذا الموضع، هي السماء المعروفة.

قالوا: معنى الكلام ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) فقرأ حتى بلغ ( هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ) قال: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، ويكابد هذا الأمر ليقطعه عنه ومنه: فليقطع ذلك من أصله من حيث يأتيه، فإن أصله في السماء، فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الوحي الذي يأتيه من الله، فإنه لا يكايده حتى يقطع أصله عنه، فكايد ذلك حتى قطع أصله عنه.( فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ) ما دخلهم من ذلك، وغاظهم الله به من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وما ينـزل عليه.

وقال آخرون ممن قال " الهاء " التي في قوله: ( يَنْصُرَهُ) من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم; معنى النصر هاهنا الرزق، فعلى قول هؤلاء تأويل الكلام: من كان يظنّ أن لن يرزق الله محمدا في الدنيا، ولن يعطيه.

وذكروا سماعا من العرب: من ينصرني نصره الله، بمعنى: من يعطيني أعطاه الله، وحكوا أيضا سماعا منهم: نصر المطر أرض كذا: إذا جادها وأحياها.

واستشهد لذلك ببيت الفقعسيّ: وإنَّـكَ لا تُعْطِـي امْـرأً فَـوْقَ حَظِّـهِ ولا تَمْلِـكُ الشَّـقَّ الَّـذِي الغَيْثُ ناصِرُهُ (2) * ذكر من قال ذلك: حدثني أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: قلت لابن عباس: أرأيت قوله ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ) قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا، فليربط حبلا في سقف ثم ليختنق به حتى يموت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس، عن قوله: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ) قال: أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة، ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ) والسبب: الحَبْل، والسماء: سقف البيت، فليعلق حبلا في سماء البيت ثم ليختنق ( فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ) هذا الذي صنع ما يجد من الغيظ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميميّ، عن ابن عباس: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ) قال: سماء البيت.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت التميميّ، يقول: سألت ابن عباس، فذكر مثله.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) ...

إلى قوله: ( مَا يَغِيظُ ) قال: السماء التي أمر الله أن يمد إليها بسبب سقف البيت أمر أن يمد إليه بحبل فيختنق به، قال: فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ إذا اختنق إن خشي أن لا ينصره الله!

وقال آخرون: الهاء في ينصره من ذكر " مَنْ".

وقالوا: معنى الكلام: من كان يظنّ أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب إلى سماء البيت ثم ليختنق، فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ، أنه لا يرزق!

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث (3) ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ( أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ) قال: يرزقه الله.( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ) قال: بحبل ( إِلَى السَّمَاءِ ) سماء ما فوقك ( ثُمَّ لِيَقْطَعْ ) ليختنق، هل يذهبن كيده ذلك خنقه أن لا يرزق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ) يرزقه الله ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ) قال: بحبل إلى السماء.

قال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عباس، قال: ( إِلَى السَّمَاءِ ) إلى سماء البيت.

قال ابن جُرَيج: وقال مجاهد: ( ثُمَّ لِيَقْطَعْ ) قال: ليختنق، وذلك كيده ( مَا يَغِيظُ ) قال: ذلك خنقه أن لا يرزقه الله.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ) يعني: بحبل ( إِلَى السَّمَاءِ ) يعني: سماء البيت.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عطية، قال: أخبرنا أبو رجاء، قال: سُئل عكرِمة عن قوله: ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ) قال: سماء البيت.( ثُمَّ لِيَقْطَعْ ) قال: يختنق.

وأولى ذلك بالصواب عندي في تأويل ذلك قول من قال: الهاء من ذكر نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ودينه وذلك أن الله تعالى ذكره، ذكر قومًا يعبدونه على حرف وأنهم يطمئنون بالدين إن أصابوا خيرا في عبادتهم إياه، وأنهم يرتدّون عن دينهم لشدّة تصيبهم فيها، ثم أتبع ذلك هذه الآية، فمعلوم أنه إنما أتبعه إياها توبيخا لهم على ارتدادهم عن الدين، أو على شكهم فيه نفاقهم، استبطاء منهم السعة في العيش، أو السبوغ في الرزق.

وإذا كان الواجب أن يكون ذلك عقيب الخبر عن نفاقهم، فمعنى الكلام إذن، إذ كان كذلك: من كان يحسب أن لن يرزق الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته في الدنيا، فيوسع عليهم من فضله فيها، ويرزقهم في الآخرة من سَني عطاياه وكرامته، استبطاء منه فعل الله ذلك به وبهم، فليمدد بحبل إلى سماء فوقه: إما سقف بيت، أو غيره مما يعلق به السبب من فوقه، ثم يختنق إذا اغتاظ من بعض ما قضى الله، فاستعجل انكشاف ذلك عنه، فلينظر هل يذهبنّ كيده اختناقه كذلك ما يغيظ، فإن لم يذهب ذلك غيظه؛ حتى يأتي الله بالفرج من عنده فيذهبه، فكذلك استعجاله نصر الله محمدا ودينه لن يُؤَخِّر ما قضى الله له من ذلك عن ميقاته، ولا يعجَّل قبل حينه، وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في أسد وغطفان، تباطئوا عن الإسلام، وقالوا: نخاف أن لا ينصر محمد صلى الله عليه وسلم، فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا ولا يُرَوُّوننا، فقال الله تبارك وتعالى لهم: من استعجل من الله نصر محمد، فليمدد بسبب إلى السماء فليختنق فلينظر استعجاله بذلك في نفسه، هل هو مُذْهِبٌ غيظه؟

فكذلك استعجاله من الله نصر محمد غير مقدّم نصره قبل حينه.

واختلف أهل العربية في " ما " التي في قوله: ( مَا يَغِيظُ ) فقال بعض نحوييِّ البصرة هي بمعنى الذي، وقال: معنى الكلام: هل يذهبنّ كيده الذي يغيظه، قال: وحذفت الهاء لأنها صلة الذي، لأنه إذا صارا جميعا اسما واحدا كان الحذف أخفّ.

وقال غيره: بل هو مصدر لا حاجة به إلى الهاء، هل يذهبنّ كيده غيظه.

------------------------ الهوامش: (2) البيت للفقعسي ، كما قال المؤلف .

والشاهد فيه قوله " الغيث ناصره " .

قال في ( اللسان : نصر ) قال أبو حنيفة الدينوري الناصر والناصرة : ما جاء من مكان بعيد إلى الوادي ، فنصر السيول .

ونصر البلاد ينصرها أتاها .

عن ابن الأعرابي ، ونصرت أرض بني فلان أي أتيتها ، ونصر الغيث الأرض نصرا : أغاثها وسقاها وأنبتها .

قال : مــن كـان أخطـأه الـربيع فإنمـا نصـر الحجـاز بغيـث عبـد الواحد ونصر الغيث البلد : إذا أعانه على الخصب والنبات .

وقال أبو عبيدة : نصرت البلاد : إذا مطرت فهي منصورة : أي ممطورة .

ونصر القوم : إذا أغيثوا .

وفي الحديث .

" إن هذه السحابة تنصر أرض بني كعب " أي تمطرهم .

(3) في السند اختصار لعله من الناسخ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء قال أبو جعفر النحاس : من أحسن ما قيل فيها أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه .

فليمدد بسبب إلى السماء أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء .

ثم ليقطع أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ وحيلته ما يغيظه من نصر النبي - صلى الله عليه وسلم - .

والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر .

وكذا قال ابن عباس : ( إن الكناية في ينصره الله ترجع إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو وإن لم يجر ذكره فجميع الكلام دال عليه ؛ لأن الإيمان هو الإيمان بالله وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، والانقلاب عن الدين انقلاب عن الدين الذي أتى به محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي من كان يظن ممن يعادي محمدا - صلى الله عليه وسلم - ومن يعبد الله على حرف أنا لا ننصر محمدا فليفعل كذا وكذا ) .

وعن ابن عباس أيضا ( أن الهاء تعود على ( من ) والمعنى : من كان يظن أن الله لا يرزقه فليختنق ، فليقتل نفسه ؛ إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله ) .

والنصر على هذا القول الرزق ؛ تقول العرب : من ينصرني نصره الله ؛ أي من أعطاني أعطاه الله .

ومن ذلك قول العرب : أرض منصورة ؛ أي ممطورة .

قال الفقعسي :وإنك لا تعطي امرأ فوق حقه ولا ملك الشق الذي الغيث ناصرهوكذا روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : من كان يظن أن لن ينصره الله أي لن يرزقه .

وهو قول أبي عبيدة .

وقيل : إن الهاء تعود على الدين ؛ والمعنى : من كان يظن أن لن ينصر الله دينه .

فليمدد بسبب أي بحبل .

والسبب ما يتوصل به إلى الشيء .

إلى السماء إلى سقف البيت .

ابن زيد : هي السماء المعروفة .

وقرأ الكوفيون ثم ليقطع بإسكان اللام .

قال النحاس : وهذا بعيد في العربية ؛ ( لأن ) ثم ليست مثل الواو والفاء ، لأنها يوقف عليها وتنفرد .

وفي قراءة عبد الله ( فليقطعه ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ) .

قيل : ( ما ) بمعنى الذي ؛ أي هل يذهبن كيده الذي يغيظه ، فحذف الهاء ليكون أخف .

وقيل : ( ما ) بمعنى المصدر ؛ أي هل يذهبن كيده غيظه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: من كان يظن أن الله لا ينصر رسوله، وأن دينه سيضمحل، فإن النصر من الله ينزل من السماء { فَلْيَمْدُدْ } ذلك الظان { بِسَبَبٍ } أي: حبل { إِلَى السَّمَاءِ } وليرقى إليها { ثُمَّ لِيَقْطَعْ } النصر النازل عليه من السماء { فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ } أي: ما يكيد به الرسول، ويعمله من محاربته، والحرص على إبطال دينه، ما يغيظه من ظهور دينه، وهذا استفهام بمعنى النفي [وأنه]، لا يقدر على شفاء غيظه بما يعمله من الأسباب.

ومعنى هذه الآية الكريمة: يا أيها المعادي للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الساعي في إطفاء دينه، الذي يظن بجهله، أن سعيه سيفيده شيئا، اعلم أنك مهما فعلت من الأسباب، وسعيت في كيد الرسول، فإن ذلك لا يذهب غيظك، ولا يشفي كمدك، فليس لك قدرة في ذلك، ولكن سنشير عليك برأي، تتمكن به من شفاء غيظك، ومن قطع النصر عن الرسول -إن كان ممكنا- ائت الأمر مع بابه، وارتق إليه بأسبابه، اعمد إلى حبل من ليف أو غيره، ثم علقه في السماء، ثم اصعد به حتى تصل إلى الأبواب التي ينزل منها النصر، فسدها وأغلقها واقطعها، فبهذه الحال تشفي غيظك، فهذا هو الرأي: والمكيدة، وأما ما سوى هذه الحال فلا يخطر ببالك أنك تشفي بها غيظك، ولو ساعدك من ساعدك من الخلق.

وهذه الآية الكريمة، فيها من الوعد والبشارة بنصر الله لدينه ولرسوله وعباده المؤمنين ما لا يخفى، ومن تأييس الكافرين، الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره، ولو كره الكافرون، أي: وسعوا مهما أمكنهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( من كان يظن أن لن ينصره الله ) يعني نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ( في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب ) بحبل ( إلى السماء ) أراد بالسماء سقف البيت على قول الأكثرين أي ليشدد حبلا في سقف بيته فليختنق به حتى يموت ، ( ثم ليقطع ) الحبل بعد الاختناق وقيل " ثم ليقطع " أي ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقا ( فلينظر هل يذهبن كيده ) صنيعه وحيلته ، ( ما يغيظ ) " ما " بمعنى المصدر أي هل يذهبن كيده وحيلته غيظه معناه فليختنق غيظا حتى يموت وليس هذا على سبيل الحتم أي : أن يفعله لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق والموت ولكنه كما يقال للحاسد إن لم ترض هذا فاختنق ومت غيظا وقال ابن زيد : المراد من السماء السماء المعروفة ومعنى الآية : من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ويكيد في أمره ليقطعه عنه فليقطعه من أصله فإن أصله من السماء فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم الوحي الذي يأتيه فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه بهذا الفعل وروي أن هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان ، دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وكان بينهم وبين اليهود حلف وقالوا لا يمكننا أن نسلم لأنا نخاف أن لا ينصر محمد ولا يظهر أمره فينقطع الحلف بيننا وبين اليهود ، فلا يميروننا ولا يئووننا فنزلت هذه الآية .

وقال مجاهد : " النصر " بمعنى الرزق والهاء راجعة إلى ( من ) ومعناه من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة نزلت فيمن أساء الظن بالله عز وجل وخاف ألا يرزقه الله " فليمدد بسبب إلى السماء " أي إلى سماء البيت فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ وهو خيفة أن لا يرزق .

وقد يأتي النصر بمعنى الرزق تقول العرب من ينصرني نصره الله أي من يعطني أعطاه الله قال أبو عبيدة : تقول العرب أرض منصورة أي ممطورة .

قرأ أبو عمرو ، ونافع ، وابن عامر ، ويعقوب : " ثم ليقطع " " ثم ليقضوا " بكسر اللام والباقون بجزمها لأن الكل لام الأمر زاد ابن عامر " وليوفوا نذورهم وليطوفوا " الحج 29 ) بكسر اللام فيهما ومن كسر في " ثم ليقطع " وفي " ثم ليقضوا " فرق بأن ثم مفصول من الكلام والواو كأنها من نفس الكلمة كالفاء في قوله : " فلينظر "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«من كان يظن أن لن ينصره الله» أي محمدا نبيه «في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب» بحبل «إلى السماء» أي سقف بيته يشدّه فيه وفي عنقه «ثم ليقطع» أي ليختنق به بأن يقطع نفسه من الأرض كما في الصحاح «فلينظر هل يُذهبن كيده» في عدم نصرة النبي «ما يغيظ» منها المعنى فليختنق غيظا منها فلا بد منها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

من كان يعتقد أن الله تعالى لن يؤيد رسوله محمدًا بالنصر في الدنيا بإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته، وعذابِ مَن كذَّبه، فلْيَمدُدْ حبلا إلى سقف بيته وليخنق به نفسه، ثم ليقطع ذلك الحبل، ثم لينظر: هل يُذْهِبنَّ ذلك ما يجد في نفسه من الغيظ؟

فإن الله تعالى ناصرٌ نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم لا محالة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

للعلماء فى تفسير الآية الأولى أقوال :أولها أن الضمير فى قوله ( يَظُنُّ ) يعود إلى أعداء النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى قوله ( يَنصُرَهُ ) يعود إليه - صلى الله عليه وسلم - .والمعنى : ( من كان يظن ) من الكافرين الكارهين للحق الذى جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ( أن لن ينصره الله ) .

أى : أن لن ينصر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - ( فى الدنيا والآخرة فليمدد ) هذا الكافر ( بسبب ) أى : بحبل إلى السماء ، أى : سقف بيته ، لأن العرب تسمى كل ما علاك فهو سماء ." ثم ليقطع " ثم ليختنق هذا الكافر بهذا الحبل ، بأن يشده حول عنقه ويتدلى من الحبل المعلق بالسقف حتى يموت .( فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ) أى : فليتفكر هذا الكافر فى أمره ، هل يزيل فعله هذا ما امتلأت به نفسه من غيط لنصر الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -؟كلا ، فإن ما يفعله بنفسه من الاختناق والغيظ ، لن يغير شيئاً من نصر الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، فليمت هذا الكافر بغيظه وكيده .فالمقصود بالآية الكريمة ، بيان أن ما قدره الله - تعالى - من نصر لنبيه - صلى الله عليه وسلم - لن يحول بين تنفيذه حائل ، مهما فعل الكافرون ، وكره الكارهون ، فليموتوا بغيظهم ، فإن الله - تعالى - ناصر نبيه لا محالة .وصح عود الضمير فى قوله ( أَن لَّن يَنصُرَهُ ) إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - مع أنه لم يسبق له ذكر ، لأن الكلام دال عليه فى الآيات السابقة ، إذ المراد بالإيمان فى قوله - تعالى - فى الآية السابقة ( إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات .

.

) الإيمان بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به عند ربه - تعالى - .وعبر - سبحانه - عن اختناق هذا الحاقد بالحبل بقوله : ( ثُمَّ لْيَقْطَعْ ) لأن قطع الشىء يؤدى إلى انتهائه وهلاكه ، والمفعول محذوف .

والتقدير : ثم ليقطع نفسه أو حياته .وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره للآية بهذا القول فقال : هذا كلام قد دخله اختصار .والمعنى : إن الله ناصر رسوله فى الدنيا والآخرة ، فمن كان يظن من حاسديه وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك .

.

فليستقص وسعه ، وليستفرغ مجهوده فى إزالة ما يغيظه .

بأن يفعل ما يفعله من بلغ به الغيظ كل مبلغ ، حتى مد حبلاً إلى سماء بيته فاختنق ، فلينظر - هذا الحاسد - وليصور فى نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذى يغيظه؟وسمى - سبحانه - فعل هذا الكاف كيداً ، لأنه وضعه موضع الكيد ، حيث لم يقدر على غيره ، أو سماه كذلك على سبيل الاستهزاء ، لأنه لم يكد به محسوده ، إنما كاد نفسه .والمراد : إنه ليس فى يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه .

.

" .وثانيها : إن الضمير فى قوله : ( لَّن يَنصُرَهُ ) يعود إلى " من " فى قوله ( مَن كَانَ يَظُنُّ ) وأن النصر هنا بمعنى الرزق .

.فيكون المعنى : من كان من الناس يظن أن لن يرزقه الله فى الدنيا والآخرة فليختنق ، وليقتل نفسه ، إذ لا خير فى حياة ليس فيها رزق الله وعونه ، أو فليختنق ، فإن اختناقه لن يغير شيئاً مما قضاه الله - تعالى - .قال الآلوسى : واستظهر أبو حيان كون الضمير فى " ينصره " عائداً على " من " لأنه المذكور ، وحق الضمير أن يعود على مذكور .

.

.

وفسر النصر بالرزق .قال أبو عبيدة : وقف علينا سائل من بنى بكر فقال : من ينصرنى نصره الله - أى : من يرزقنى رزقه الله .والمعنى : أن الارزاق بيد الله - تعالى - لا تنال إلا بمشيئته ، فمن ظن أن الله - تعالى - غير رازقه ، ولم يصبر ولم يستسلم فليختنق ، فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يرده مرزوقاً .والغرض : الحث على الرضا بما قسمه الله - تعالى - لا كمن يعبده على حرف .

.

.وثالثها : أن الآية فى قوم من المسلمين استبطأوا نصر الله - تعالى - لاستعجالهم وشدة غيظهم وحنقهم على المشركين ، فنزلت الآية لبيان أن كل شىء عند الله بمقدار .ويكون المعنى : من كان من الناس يظن أن لن ينصره الله ، واستبطأ حدوث ذلك ، فليمت غيظاً .

لأن للنصر على المشركين وقتاً لا يقع إلا فيه بإذن الله ومشيئته .ويبدو أن أقرب الأقوال إلى الصواب ، القول الأول ، وعليه جمهور المفسرين ، ويؤيده قوله - تعالى - : ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ) وقوله - سبحانه - : ( .

.

.

وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما بين في الآية السابقة حال عبادة المنافقين وحال معبودهم، بن في هذه الآية صفة عبادة المؤمنين وصفة معبودهم، أما عبادتهم فقد كانت على الطريق الذي لا يمكن صوابه، وأما معبودهم فلا يضر ولا ينفع.

وأما المؤمنون فعبادتهم حقيقية ومعبودهم يعطيهم أعظم المنافع وهو الجنة، ثم بين كمال الجنة التي تجمع بين الزرع والشجر وأن تجري من تحتها الأنهار وبين تعالى أنه يفعل ما يريد بهم من أنواع الفضل والإحسان زيادة على أجورهم كما قال تعالى: ﴿ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ  ﴾ واحتج أصحابنا في خلق الأفعال بقوله سبحانه: ﴿ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ قالوا: أجمعنا على أنه سبحانه يريد الإيمان ولفظة (ما) للعموم فوجب أن يكون فاعلاً للإيمان لقوله: ﴿ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ أجاب الكعبي عنه بأن الله تعالى يفعل ما يريد أن يفعله لا ما يريد أن يفعله غيره.

والجواب: أن قوله: ﴿ ما يريد ﴾ أعم من قولنا ما يريد أن يفعله ومن قولنا ما يريد أن يفعله غيره فالتقييد خلاف النص.

أما قوله: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِي الدنيا والآخرة ﴾ فالهاء إلى ماذا يرجع؟

فيه وجهان: الأول: وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي، واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم يريد أن من ظن أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم في الدنيا بإعلاء كلمته وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته والانتقام ممن كذبه والرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر في الآية ففيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان في قوله: ﴿ إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءامَنُواْ ﴾ والإيمان لا يتم إلا بالله ورسوله فيجب البحث هاهنا عن أمرين: أحدهما: أنه من الذي كان يظن أن الله تعالى لا ينصر محمدًا صلى الله عليه وسلم؟

والثاني: أنه ما معنى قوله: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ ؟.

أما البحث الأول: فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر فنزلت هذه الآية.

وثانيها: قال مقاتل: نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا.

وثالثها: أن حساده وأعداءه كانوا يتوقعون أن لا ينصره الله وأن لا يعليه على أعدائه، فمتى شاهدوا أن الله نصره غاظهم ذلك.

وأما البحث الثاني: فاعلم أن في لفظ السبب قولين: أحدهما: أنه الحبل وهؤلاء اختلفوا في السماء فمنهم من قال هو سماء البيت، ومنهم من قال هو السماء في الحقيقة، فقالوا المعنى: من كان يظن أن لن ينصره الله، ثم يغيظه أنه لا يظفر بمطلوبه فليستقص وسعه في إزالة ما يغيظه بأن يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيظ كل مبلغ حتى مد حبلاً إلى سماء بيته فاختنق، فلينظر أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه.

وعلى هذا القول اختلفوا في القطع فقال بعضهم: سمى الاختناق قطعاً لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، وسمى فعله كيداً لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره، أو على سبيل الاستهزاء إلا أنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه، والمراد ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ.

وهذا قول الكلبي ومقاتل وقال ابن عباس رضي الله عنه: يشد الحبل في عنقه وفي سقف البيت، ثم ليقطع الحبل حتى يختنق ويهلك، هذا كله إذا حملنا السماء على سقف البيت وهو قول كثير من المفسرين.

وقال آخرون: المراد منه نفس السماء فإنه يمكن حمل الكلام على نفس السماء فهو أولى من حمله على سماء البيت، لأن ذلك لا يفهم منه إلا مقيداً، ولأن الغرض ليس الأمر بأن يفعل ذلك، بل الغرض أن يكون ذلك صارفاً له عن الغيظ إلى طاعة الله تعالى، وإذا كان كذلك فكل ما كان المذكور أبعد من الإمكان كان أولى بأن يكون هو المراد ومعلوم أن مد الحبل إلى سماء الدنيا والاختناق به أبعد في الإمكان من مده إلى سقف البيت، لأن ذلك ممكن.

أما الذين قالوا السبب ليس هو الحبل فقد ذكروا وجهين: الأول: كأنه قال فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع بذلك السبب المسافة، ثم لينظر فإنه يعلم أن مع تحمل المشقة فيما ظنه خاسر الصفقة كأن لم يفعل شيئاً وهو قول أبي مسلم.

والثاني: كأنه قال فليطلب سبباً يصل به إلى السماء فليقطع نصر الله لنبيه، ولينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بحيلة، وهل يتهيأ له أن يقطع بذلك نصر الله عن رسوله، فإذا كان ذلك ممتنعاً كان غيظه عديم الفائدة، واعلم أن المقصد على كل هذه الوجوه معلوم فإنه زجر للكفار عن الغيظ فيما لا فائدة فيه، وهو في معنى قوله: ﴿ فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِي الأرض أَوْ سُلَّماً فِي السماء  ﴾ مبيناً بذلك أنه لا حيلة له في الآيات التي اقترحوها القول الثاني: أن الهاء في قوله: ﴿ لَّن يَنصُرَهُ الله ﴾ راجع إلى من في أول الآية لأنه المذكور ومن حق الكناية أن ترجع إلى مذكور إذا أمكن ذلك ومن قال بذلك حمل النصرة على الرزق.

وقال أبو عبيدة وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله.

أي من يعطيني أعطاه الله، فكأنه قال من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة، فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم كما وصفه تعالى في قوله: ﴿ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ  ﴾ فيبلغ غاية الجزع وهو الاختناق فإن ذلك لا يغلب التسمية ويجعله مرزوقاً.

أما قوله: ﴿ وكذلك أنزلناه ءايات بينات ﴾ فمعناه ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله آيات بينات.

أما قوله: ﴿ وَأَنَّ الله يَهْدِى مَن يُرِيدُ ﴾ فقد احتج أصحابنا به فقالوا: المراد من الهداية، إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز لأنه تعالى فعل ذلك في حق كل المكلفين ولأن قوله: ﴿ يَهْدِى مَن يُرِيدُ ﴾ دليل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته سبحانه ووضع الأدلة عند الخصم واجب فبقي أن المراد منه خلق المعرفة قال القاضي عبد الجبار في الاعتذار هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: يكلف من يريد لأن من كلف أحداً شيئاً فقد وصفه له وبينه له.

وثانيها: أن يكون المراد يهدي إلى الجنة والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً.

وثالثها: أن يكون المراد أن الله تعالى يلطف بمن يريد ممن علم أنه إذا زاده هدى ثبت على إيمانه كقوله تعالى: ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى  ﴾ وهذا الوجه هو الذي أشار الحسن إليه بقوله: إن الله يهدي من قبل لا من لم يقبل، والوجهان الأولان ذكرهما أبو علي والجواب: عن الأول أن الله تعالى ذكر ذلك بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجهان الأخيران فمدفوعان لأنهما عندك واجبان على الله تعالى وقوله: ﴿ يَهْدِي مَن يُرِيدُ ﴾ يقتضي عدم الوجوب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هذا كلام قد دخله اختصار.

والمعنى إن الله ناصر رسوله في الدنيا والأخرة؛ فمن كان يظنّ من حاسديه وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك ويطمع فيه، ويغيظه أنه يظفر بمطلوبه، فليستقص وسعه وليستفرغ مجهوده في إزالة ما يغيظه، بأن يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيط كل مبلغ حتى مدّ حبلاً إلى سماء بيته فاختنق، فلينظر وليصوّر في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه؟

وسمي الاختناق قطعاً؛ لأنّ المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه.

ومنه قيل للبهر: القطع وسمي فعله كيداً لأنه وضعه موضع الكيد، حيث لم يقدر على غيره.

أو على سبيل الاستهزاء؛ لأنه لم يكد به محسوده إنما كاد به نفسه.

والمراد: ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه.

وقيل: فليمدد بحبل إلى السماء المظلة، وليصعد عليه فليقطع الوحي أو ينزل عليه.

وقيل: كان قوم من المسلمين لشدّة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطؤن ما وعد الله رسوله من النصر، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يثبت أمره.

فنزلت.

وقد فسر النصر: بالرزق، وقيل: معناه أن الأرزاق بيد الله لا تنال إلا بمشيئته ولا بد للعبد من الرضا بقسمته، فمن ظنّ أن الله غير رازقه وليس به صبر واستسلام، فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق، فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يردّه مرزوقاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴾ مِن إثابَةِ المُوَحِّدِ الصّالِحِ وعِقابِ المُشْرِكِ الطّالِحِ لا دافِعَ لَهُ ولا مانِعَ.

﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ كَلامٌ فِيهِ اخْتِصارٌ والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ناصِرٌ رَسُولَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَمَن كانَ يَظُنُّ خِلافَ ذَلِكَ ويَتَوَقَّعُهُ مِن غَيْظِهِ.

وقِيلَ المُرادُ بِالنَّصْرِ الرِّزْقُ والضَّمِيرُ لِمَن.

﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ فَلْيَسْتَقْصِ في إزالَةِ غَيْظِهِ أوْ جَزَعِهِ بِأنْ يَفْعَلَ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ المُمْتَلِئُ غَيْظًا، أوِ المُبالِغُ جَزَعًا حَتّى يَمُدَّ حَبْلًا إلى سَماءِ بَيْتِهِ فَيَخْتَنِقَ مِن قَطَعَ إذا اخْتَنَقَ، فَإنَّ المُخْتَنِقَ يَقْطَعُ نَفَسَهُ بِحَبْسِ مَجارِيهِ.

وقِيلَ فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا إلى سَماءِ الدُّنْيا ثُمَّ لِيَقْطَعْ بِهِ المَسافَةَ حَتّى يَبْلُغَ عَنانَها فَيَجْتَهِدَ في دَفْعِ نَصْرِهِ أوْ تَحْصِيلِ رِزْقِهِ.

وقَرَأ ورْشٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ﴿ لِيَقْطَعْ ﴾ بِكَسْرِ اللّامِ.

﴿ فَلْيَنْظُرْ ﴾ فَلْيَتَصَوَّرْ في نَفْسِهِ.

﴿ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ﴾ فِعْلُهُ ذَلِكَ وسَمّاهُ عَلى الأوَّلِ كَيْدًا لِأنَّهُ مُنْتَهى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ.

﴿ ما يَغِيظُ ﴾ غَيْظَهُ أوِ الَّذِي يُغِيظُهُ مِن نَصْرِ اللَّهِ.

وقِيلَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مُسْلِمِينَ اسْتَبْطَئُوا نَصْرَ اللَّهِ لِاسْتِعْجالِهِمْ وشِدَّةِ غَيْظِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِى الدنيا والآخرة} المعنى أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة فمن ظن من أعاديه غير ذلك {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} بحبل {إِلَى السماء} إلى سماء بيته {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} ثم ليختنق به وسمي الاختناق قطعاً لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه وبكسر اللام بصري وشامي {فَلْيَنْظُرْ

هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} أي الذي يغيظه أو ما مصدرية أي غيظه والمعنى فليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه سمي فعله كيداً على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده إنما كاديه نفسه والمراد ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ الضَّمِيرُ في ( يَنْصُرَهُ ) لِرَسُولِ اللَّهِ  عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ كَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ المُجادِلَ بِالباطِلِ وخِذْلانَهُ في الدُّنْيا لِأنَّهُ لا يُدْلِي بِحُجَّةٍ ما ضَرُورِيَّةٍ أوْ نَظَرِيَّةٍ أوْ سَمْعِيَّةٍ ولِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِنَ النَّكالِ، وفي الآخِرَةِ بِما هو أطَمُّ وأطَمُّ ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مُشايِعِيهِ وعَمَّمَ خَسارَهم في الدّارَيْنِ ذَكَرَ في مُقابِلِهِمُ المُؤْمِنِينَ وأتْبَعَهُ ذِكْرَ المُجادِلِ عَنْهم وعَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى بِالَّتِي هي أحْسَنُ وهو رَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبالَغَ في كَوْنِهِ مَنصُورًا بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، واخْتَصَرَ الكَلامَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ  العَلَمُ الَّذِي لا يُشْتَبَهُ وأنَّ الكَلامَ فِيهِ ولَهُ ومَعَهُ وإنْ ذُكِرَ غَيْرُهُ بِتَبَعِيَّةِ ذِكْرِهِ، فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى ناصِرٌ لِرَسُولِهِ  في الدُّنْيا بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ وفي الآخِرَةِ بِإعْلاءِ دَرَجَتِهِ وإدْخالِ مَن صَدَّقَهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَّبَهُ وإذاقَتِهِ عَذابَ الحَرِيقِ لا يَصْرِفُهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ صارِفٌ ولا يَعْطِفُهُ عَنْهُ عاطِفٌ فَمَن كانَ يَغِيظُهُ ذَلِكَ مِن أعادِيهِ وحُسّادِهِ ويَظُنُّ أنْ لَنْ يَفْعَلَهُ تَعالى بِسَبَبِ مُدافَعَتِهِ بِبَعْضِ الأُمُورِ ومُباشَرَةِ ما يُرِيدُهُ مِنَ المَكائِدِ فَلْيُبالِغْ في اسْتِفْراغِ المَجْهُودِ ولْيَتَجاوَزْ في الجِدِّ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ فَقُصارى أمْرِهِ خَيْبَةُ مَساعِيهِ وعُقْمُ مُقَدِّماتِهِ ومَبادِيهِ وبَقاءُ ما يَغِيظُ عَلى حالِهِ ودَوامُ شَجْوِهِ وبَلْبالِهِ، وقَدْ وُضِعَ مَقامَ هَذا الجَزاءِ.

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ إلَخْ أيْ فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا ﴿ إلى السَّماءِ ﴾ أيْ إلى سَقْفِ بَيْتِهِ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ أيْ لِيَخْتَنِقْ كَما فَسَّرَهُ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن قَطَعَ إذا اخْتَنَقَ كانَ أصْلُهُ قَطَعَ نَفَسَهُ بِفَتْحَتَيْنِ أوْ أجَلَهُ ثُمَّ تُرِكَ المَفْعُولُ نَسْيًا مَنسِيًّا فَصارَ بِمَعْنى اخْتَنَقَ لازِمُ خَنَقَهُ، وذَكَرُوا أنَّ قَطَعَ النَّفَسَ كِنايَةً عَنِ الِاخْتِناقِ، وقِيلَ المَعْنى لِيَقْطَعَ الحَبْلَ بَعْدَ الِاخْتِناقِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ فَرْضُ القَطْعِ وتَقْدِيرُهُ كَما أنَّ المُرادَ بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ﴾ تَقْدِيرُ النَّظَرِ وتَصْوِيرُهُ وإلّا فَبَعْدَ الِاخْتِناقِ لا يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ أيْ فَلْيُقَدِّرْ في نَفْسِهِ النَّظَرَ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ غَيْظَهُ أوِ الَّذِي يَغِيظُهُ مِنَ النَّصْرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ فَلْيَنْظُرِ الآنَ أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ يَذْهَبُ ما يَغِيظُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِالنَّظَرِ غَيْرَ المَأْمُورِ الأوَّلِ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنهُ النَّظَرُ، وأنْ يَكُونَ الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّهَكُّمِ كَما قِيلَ إنَّ تَسْمِيَةَ فِعْلِهِ ذَلِكَ كَيْدًا خارِجَةٌ هَذا المَخْرَجَ، وقالَ جَمْعٌ: إنَّ إطْلاقَ الكَيْدِ عَلى ذَلِكَ لِشِبْهِهِ بِهِ فَإنَّ الكائِدَ إذا كادَ أتى بِغايَةِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ وذَلِكَ الفِعْلُ غايَةُ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ العَدُوُّ الحَسُودُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المَعْنى فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا إلى السَّماءِ المُظِلَّةِ ولْيَصْعَدْ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيَقْطَعِ الوَحْيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِيَقْطَعِ المَسافَةَ حَتّى يَبْلُغَ عَنانَ السَّماءِ فَيَجْهَدْ في دَفْعِ نَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ النّازِلِ مِن جِهَتِها.

وتَعَقَّبَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ بَيانُ أنَّ الأُمُورَ المَفْرُوضَةَ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها وتَحَقُّقِها بِمَعْزِلٍ مِن إذْهابِ ما يَغِيظُ، ومِنَ البَيْنِ أنْ لا مَعْنى لِفَرْضِ وُقُوعِ الأُمُورِ المُمْتَنِعَةِ وتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالنَّظَرِ عَلَيْهِ لا سِيَّما قَطْعَ الوَحْيِ فَإنَّ فَرْضَ وُقُوعِهِ مُخِلٌّ بِالمَرامِ قَطْعًا، ونُوقِشَ في ذَلِكَ بِما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ، نَعَمِ المَعْنى السّابِقُ هو الأوْلى، وأيًّا ما كانَ فَمَن يَظُنُّ ذَلِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الحاسِدُونَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: أعْرابٌ مِن أسْلَمَ.

وغَطَفانَ تَباطَؤُوا عَنِ الإسْلامِ وقالُوا: نَخافُ أنْ لا يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَنْقَطِعَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِن يَهُودٍ فَلا يُقْرُونا ولا يُؤْوُونا، وقِيلَ: قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا لِشِدَّةِ غَيْظِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ يَسْتَبْطِئُونَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ النَّصْرِ والمَعْنى عَلَيْهِ وكَذا عَلى سابِقِهِ إنْ قِيلَ إنَّ أُولَئِكَ الأعْرابَ كانُوا يَسْتَبْطِئُونَ النَّصْرَ أيْضًا مَنِ اسْتَبْطَأ نَصْرَ اللَّهِ تَعالى وطَلَبَهُ عاجِلًا فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ لِأنَّ لَهُ وقْتًا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ وُقُوعَهُ فِيهِ فَلا يَقَعُ في غَيْرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ بُعْدَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ وأنَّ ثانِيَهُما أبْعَدُهُ.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ضَمِيرِ يَنْصُرُهُ عائِدًا عَلى مَن لِأنَّهُ المَذْكُورُ وحَقُّ الضَّمِيرِ أنْ يَعُودَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم وفُسِّرَ النَّصْرُ بِالرِّزْقِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَفَ عَلَيْنا سائِلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى وقالُوا: أرْضٌ مَنصُورَةٌ أيْ مَمْطُورَةٌ، وقالَ الفَقْعَسِيُّ: وإنَّكَ لا تُعْطِي امْرَأً فَوْقَ حَقِّهِ ولا تَمْلِكُ الشَّيْءَ الَّذِي أنْتَ ناصِرُهُ أيْ مُعْطِيهِ وكَأنَّهُ مُسْتَعارٌ مِنَ النَّصْرِ بِمَعْنى العَوْنِ فالمَعْنى أنَّ الأرْزاقَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى لا تُنالُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ فَلا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنَ الرِّضا بِقِسْمَتِهِ فَمَن ظَنَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ رازِقِهِ ولَمْ يَصْبِرْ ولَمْ يَسْتَسْلِمْ فَلْيَبْلُغْ غايَةَ الجَزَعِ وهو الِاخْتِناقُ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْلِبُ القِسْمَةَ ولا يَرُدُّهُ مَرْزُوقًا والغَرَضُ الحَثُّ عَلى الرِّضا بِما قَسَمَ اللَّهُ تَعالى لا كَمَن يَعْبُدُهُ عَلى حَرْفٍ وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ عَقِيبَهم عَلى ما مَرَّ حَذَّرَهم عَنْ مِثْلِ حالِهِمْ لُطْفًا في شَأْنِهِمْ.

ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ وإنْ كانَ رَبْطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْهِ قَرِيبًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمَن والنَّصْرِ عَلى المُتَبادَرِ مِنهُ والمَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ تَعالى فَيَغْتاظُ لِانْتِفاءِ نَصْرِهِ فَلْيَحْتَلْ بِأعْظَمِ حِيلَةٍ في نَصْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ ولْيَسْتَفْرِغْ جُهْدَهُ في إيصالِ النَّصْرِ إلَيْهِ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ ذَلِكَ ما يَغِيظُهُ مِنَ انْتِفاءِ النَّصْرِ.

ولا يَخْفى ما في وجْهِ الرَّبْطِ عَلى هَذا مِنَ الخَفاءِ.

ومَن كَما أشَرْنا إلَيْهِ شَرْطِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والفاءُ في خَبَرِها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ وهَلْ يُذْهِبَنَّ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِيَنْظُرُ، وذُكِرَ أنَّهُ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، وقَرَأ البَصْرِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ ووَرْشٌ ثُمَّ لِيَقْطَعْ بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ والباقُونَ بِسُكُونِها عَلى تَشْبِيهِ ثُمَّ بِالواوِ والفاءِ لِأنَّ الجَمِيعَ عَواطِفُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: يعبد مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُ، إن لم يعبده، يعني: الصنم، وَما لاَ يَنْفَعُهُ إن عبده.

ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يعني: الخطأ البين.

ويقال: في خطأ طويل بعيد عن الحق.

يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، يعني: لمن إثمه وعقوبته أكثر من ثوابه ومنفعته، ويقال: ضره في الآخرة أكثر من نفعه في الدنيا.

فإن قيل: لم يكن في عبادته نفع البتة، فكيف يقال: من نفعه ولا نفع له؟

قيل له: إنما قال هذا على عاداتهم، وهم يقولون لشيء لا منفعة فيه: ضره أكثر من نفعه، كما يقولون لشيء لا يكون هذا بعيد، كما قالوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: 3] .

ثم قال تعالى: لَبِئْسَ الْمَوْلى، يعني: بئس الصاحب، وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ يعني: بئس الخليط.

ويقال: معناه من كانت عبادته عقوبة عليه، فبئس المعبود هو.

ثم ذكر ما أعد الله تعالى لأهل الصلاح والإيمان، فقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، يعني: يحكم في خلقه ما يشاء من السعادة والشقاوة.

قوله تعالى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ، الهاء: كناية عن النبيّ  ، ويجوز في اللغة الإضمار في الكناية وإن لم تكن مذكورة إذا كان الأمر ظاهراً، كقوله تعالى: مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: 45] ، يعني: على ظهر الأرض، وكقوله عز وجل: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: 32] يعني: الشمس.

ومعناه: مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لن ينصر الله محمداً  بالغلبة والحجة.

فِي الدُّنْيا وَالشفاعة في الْآخِرَةِ.

فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ، يعني: فليربط بحبل من سقف البيت، لأن كل ما علاك فهو سماء.

ثُمَّ لْيَقْطَعْ، يعني: ليختنق، فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ، أي: اخْتِنَاقُه.

مَا يَغِيظُ، معناه: هل ينفعه ذلك؟

قال ابن عباس: «نزلت الآية في نفر من أسد وغطفان، فقالوا: نخافُ أن لن ينصر الله محمداً  ، فيقطع ما بيننا وبين حلفائنا من المودة، يعني: اليهود» .

وقال القتبي: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين، يستبطئون ما وعد لهم من النصرة، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم لهم أمره، فنزل مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ، يعني: محمدا  بعد ما سمعوا منه النصرة والإظهار.

ولكن كلام العرب على وجه الاختصار، يعني: إن لم تثق بما أقول لك، فاذهب فاختنق، أو اجتهد جهدك.

قال: وفيه وجه آخر وهو: أن يكون هاهنا السماء بعينها لا السقف، فكأنه قال فليمدد بسبب إليها أي بحبل وليرتق فيه، ثم ليقطع الحبل حتى يخر فيهلك، فلينظر هل ينفعه؟

كقوله عز وجل: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ [الأنعام: 35] وقال أبو عبيدة: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني: أن لن يرزقه الله.

وذهب إلى قول العرب: أرض منصورة، أي ممطورة، فكأنه قال: من كان قانطاً من رزق الله ورحمته، فليفعل ذلك فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ، أي حيلته ما يغيظ، أي غيظه لتأخير الرزق عنه.

وقال الزجاج: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ يعني: محمدا  ، حتى يظهره الله على الدين كله، فليمت غيظاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: ثانِيَ عِطْفِهِ: عبارة عن المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ قاله ابنُ عباس «١» وغيرُه وذلك أَنَّ صاحب الكبر يردُّ وجهه عَمَّنْ يتكبر عنه، فهو يَرُدُّ وجههُ يِصَعِّرُ خَدَّهُ، ويولي صَفْحَتَهُ، ويَلْوَيَ عُنُقَهُ، ويَثْنِي عِطْفَه، وهذه هي عبارات المفسرين، والعطف: الجانب.

وقوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أي: يقال له ذلك، واخْتُلِفَ في الوقف على:

يَداكَ فقيل: لا يجوزُ: لأَنَّ التقدير: وبأَنَّ الله، أي: أنَّ هذا هو العدل فيك بجَرَائِمِكَ.

وقيل: يجوز بمعنى: والأمر أنّ الله ليس بظلّام للعبيد.

وقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ...

الآية نزلت في أعراب، وقوم لا يَقِينَ لهم كان أحدُهم إذا أسلم فاتفق له اتفاقاتٌ حِسَانٌ: من نموِّ مال، وولد يُرْزَقُهُ، وغير ذلك- قال: هذا دِينٌ جَيِّدٌ، وتمسك به لهذه المعاني، وإنْ كان الأمر بخلاف ذلك، تشاءَم به، وارتد كما فعل العُرَنِيون، قال هذا المعنى ابن عباس «٢» وغيره.

وقوله: عَلى حَرْفٍ معناه: على انحرافٍ منه عن العقيدة البيضاء، وقال البخاريُّ «٣» :

عَلى حَرْفٍ: على شَكٍّ، ثم أسند عن ابن عباس ما تقدم من حال الأعراب، / انتهى.

٢٢ ب وقوله: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ يريد الأوثانَ، ومعنى يَدْعُوا: يعبد، ويدعو أيضاً في مُلِمَّاتِهِ، واللام في قوله: لَمَنْ ضَرُّهُ: لام مُؤْذِنَةٌ بمجيء القسم، والثانية في لَبِئْسَ: لام القسم، والْعَشِيرُ: القريب المعاشر في الأمور.

ت وفي الحديث في شأن النساء: «وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» يعني الزوج.

قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ «١» : قال أهل اللغة: العشير: الخليط من المعاشرة والمخالطة، ومنه قوله عز وجل: لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ انتهى من «التمهيد» ، والذي يظهر: أَنَّ المراد بالمولى والعشير هو الوثن الذي ضَرُّهُ أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد «٢» ، ثم عَقَّبَ سبحانه بذكر حالة أهل الإيمان وذكر ما وعدهم به فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...

الآية، ثم أَخذتِ الآية في توبيخ أولئك الأولين كأنه يقول: هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق، وظَنُّوا أَنَّ الله تعالى لن ينصرَ محمداً وأتباعه، ونحن إنَّما أمرناهم بالصبر وانتظارِ وعدنا، فَمَنْ ظَنَّ غير ذلك فليمدد بسبب، وهو الحبل وليختنق هل يذهب بذلك غيظه؟

قال هذا المعنى قتادة «٣» ، وهذا على جهة المَثَلِ السائر في قولهم: «دُونَكَ الحَبْلُ فاختنق» ، والسَّماءِ على هذا القول: الهواء عُلُوّاً، فكأَنه أراد سقفاً أو شجرة، ولفظ البخاري: وقال ابن عباس: «بسبب إلى سَقْفِ البيتِ» «٤» ، انتهى، والجمهورُ على أنَّ القطع هنا هو الاختناق.

قال الخليل: وقطع الرجل: إذا اختنق بحبل ونحوه، ثم ذكر الآية، ويحتمل المعنى مَنْ ظَنَّ أَنَّ محمداً لا ينصر فليمت كمداً هو منصور لا محالَة، فليختنق هذا الظانُّ غيظاً وكمداً، ويؤيد هذا: أَنَّ الطبري والنقاش قالا: ويُقال: نزلت في نفر من بني أَسَدٍ وغَطَفَانَ، قالوا: نخاف أَلاَّ يُنصرَ محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهودٍ من المنافع «٥» ، والمعنى الأَوَّلُ الذي قيل للعابدين على حرف- ليس بهذا ولكنه بمعنى: مَنْ قلق واستبطأ النصر، وظَنَّ أن محمداً لا يُنْصَرُ فليختنق سفاهةً إذ تعدَّى الأمرُ الذي حد له في الصبر وانتظار صنع الله، وقال مجاهد: الضمير في يَنْصُرَهُ عائدٌ على مَنْ والمعنى: مَنْ كان من المتقلّقين من المؤمنين «٦» ، وما في قوله: ما يَغِيظُ بمعنى الذي، ويحتمل أنْ تكونَ مصدرية حرفاً فلا عائد عليها، وأبينُ الوجوه في الآية: التأويل الأَوَّلُ وباقي الآية بيّن.

وقوله: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أي: ساجدون مرحومون بسجودهم، وقوله:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِن أسَدٍ وغَطَفانَ، قالُوا: إنّا نَخافُ أنْ لا يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ، فَيَنْقَطِعُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِنَ اليَهُودِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ والسُّدِّيُّ.

وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الَّذِينَ انْصَرَفُوا عَنِ الإسْلامِ لِأنَّ أرْزاقَهم ما اتَّسَعَتْ، وقَدْ شَرَحْنا القِصَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ .

وَفِي هاءِ ﴿ يَنْصُرَهُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ عَلى " مَن "، والنَّصْرُ بِمَعْنى: الرِّزْقِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَفَ عَلَيْنا سائِلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ، فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي نَصَرَهُ اللَّهُ؛ أيْ: مَن يُعْطِينِي أعْطاهُ اللَّهُ، ويُقالُ: نَصَرَ المَطَرُ أرْضَ كَذا؛ أيْ: جادَها وأحْياها، قالَ الرّاعِي: [ إذا أدْبَرَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعِي بِلادَ تَمِيمٍ ] وانْصُرِي أرْضَ عامِرِ والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فالمَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، رَواهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ وقَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وكانَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِشِدَّةِ حَنَقِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ يَسْتَبْطِئُونَ ما وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنَ النَّصْرِ، وآخَرُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ اتِّباعَهُ، ويَخْشَوْنَ أنْ لا يُتِمَّ أمْرُهُ، فَقالَ هَذِهِ الآيَةَ لِلْفَرِيقَيْنِ.

ثُمَّ في مَعْنى [ هَذا ] النَّصْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَلَبَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنٍ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ الرِّزْقُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ﴾ في المُرادِ بِالسَّماءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سَقْفُ بَيْتِهِ، والمَعْنى: فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِ بَيْتِهِ، فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ، ﴿ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ الحَبْلَ لِيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

ومَعْنى الآيَةِ: لِيُصَوِّرْ هَذا الأمْرَ في نَفْسِهِ لا أنَّهُ يَفْعَلُهُ؛ لِأنَّهُ إذا اخْتَنَقَ لا يُمْكِنُهُ النَّظَرُ والعِلْمُ.

والثّانِي: أنَّها السَّماءُ المَعْرُوفَةُ، والمَعْنى: فَلْيَقْطَعِ الوَحْيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  إنْ قَدَرَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: ( ثُمَّ لِيَقْطَعْ )، ( ثُمَّ لِيَقْضُوا ) [ الحَجّ: ٢٩ ] بِكَسْرِ اللّامِ.

زادَ ابْنُ عامِرٍ: ( ولِيُوفُوا ) [ الحَجّ: ٢٩ ]، ( ولِيَطَّوَّفُوا ) [ الحَجّ: ٢٩ ] بِكَسْرِ اللّامِ أيْضًا.

وكَسَرَ ابْنُ كَثِيرٍ لامَ ( ثُمَّ لْيَقْضُوا ) فَحَسْبٌ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِسُكُونِ هَذِهِ اللّاماتِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ إذا كانَ قَبْلَها واوٌ، أوْ فاءٌ، [ أوْ ] ثُمَّ.

قالَ الفَرّاءُ: مَن سَكَّنَ فَقَدْ خَفَّفَ، وكُلُّ لامِ أمْرٍ وُصِلَتْ بِواوٍ أوْ فاءٍ، فَأكْثَرُ كَلامِ العَرَبِ تَسْكِينُها، وقَدْ كَسَرَها بَعْضُهم.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأصْلُ الكَسْرُ؛ لِأنَّكَ إذا ابْتَدَأْتَ قُلْتَ: لِيَقُمْ زَيْدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: هَلْ تُذْهِبَنَّ حِيلَتُهُ غَيْظَهُ، والمَعْنى: لِيَجْهَدْ جُهْدَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن آياتِ القُرْآنِ، " أنْزَلْناهُ " يَعْنِي: القُرْآنَ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: يَقْضِي ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بَيْنَهم بِإدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ والآخَرِينَ النّارَ، ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِن أعْمالِهِمْ ﴿ شَهِيدٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴾ ﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصابِئِينَ والنَصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ وسَفَّهَ رَأْيَهم وتَوَعَّدَهم بِخَسارَةِ الآخِرَةِ، عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُخالِفِيهِمْ مِن أهْلِ الإيمانِ، وذَكَرَ ما وعَدَهم بِهِ مِن إدْخالِهِ إيّاهُمُ الجَنَّةَ، ثُمْ أخَذَتِ الآيَةُ في تَوْبِيخِ أُولَئِكَ الأوَّلِينَ وإسْلامِهِمْ إلى رَأْيِهِمْ وإحالَتِهِمْ عَلى ما فِيهِ عَنَتُهم ولَيْسَ فِيهِ راحَتُهُمْ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَؤُلاءِ العابِدُونَ عَلى حَرْفٍ صَحِبَهُمُ القَلَقُ وظَنُّوا أنَّ اللهَ تَعالى لَنْ يَنْصُرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأتْباعَهُ، ونَحْنُ إنَّما أمَرْناهم بِالصَبْرِ وانْتِظارِ وعْدِنا، فَمِن ظَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ولْيَخْتَنِقْ ولْيَنْظُرْ هَلْ يَذْهَبُ بِذَلِكَ غَيْظُهُ؟

قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وهَذا عَلى جِهَةِ المَثَلِ السائِرِ، قَوْلُهُمْ: دُونَكَ الحَبْلُ فاخْتَنِقْ، يُقالُ ذَلِكَ لِلَّذِي يُرِيدُ مِنَ الأمْرِ ما لا يُمْكِنُهُ.

و "السَبَبُ": الحَبْلُ، و"النَصْرُ" مَعْرُوفٌ، إلّا أنَّ أبا عُبَيْدَةَ ذَهَبَ بِهِ إلى مَعْنى الرِزْقِ، كَما قالُوا: أرْضٌ مَنصُورَةٌ أيْ مَمْطُورَةٌ، وكَما قالَ الشاعِرُ: وإنَّكَ لا تُعْطِي امْرِأً فَوْقَ حَقِّهِ ولا تَمْلِكُ الشِقَّ الَّذِي الغَيْثُ ناصِرُهُ وقالَ: وقَفَ بِنا سائِلٌ مِن بَنِي أبِي بَكْرٍ فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي يَنْصُرُهُ اللهُ، و"السَماءُ" -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ-: الهَواءُ عُلُوًّا، فَكَأنَّهُ أرادَ: سَقْفًا أو شَجَرَةً أو نَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَماءُ هي المَعْرُوفَةُ، وذَهَبَ إلى مَعْنًى آخَرَ، كَأنَّهُ قالَ لِمَن يَظُنُّ أنَّ اللهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا: إنْ كُنْتَ تَظُنُّ ذَلِكَ فامْدُدْ سَبَبًا إلى السَماءِ واقْطَعْهُ إنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، فَإنْ عَجَزْتَ فَكَذَلِكَ لا تَقْدِرُ عَلى قَطْعِ سَبَبِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِنَ السَماءِ؛ إذْ نُصْرَتُهُ مِن هُنالِكَ، والوَحْيِ الَّذِي يَأْتِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و "القَطْعُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- لَيْسَ بِالِاخْتِناقِ، بَلْ هو جَزْمُ السَبَبِ، وفي مُصْحَفُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ثُمْ لِيَقْطَعَهُ بِها"، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ القَطْعَ هُنا هو الِاخْتِناقُ.

وقالَ الخَلِيلُ: وقَطْعُ الرَجُلِ إذا اخْتَنَقَ بِحَبْلٍ أو نَحْوِهُ، ثُمْ ذَكَرَ الآيَةَ.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ يُرادَ بِهِ الكُفّارُ وكُلُّ مَن يَغْتاظُ بِأنْ يَنْصُرَهُ اللهُ ويَطْمَعَ ألّا يُنْصَرَ، قِيلَ لَهُمْ: مَن ظَنَّ أنَّ هَذا لا يُنْصَرُ فَلْيَمُتْ كَمَدًا، هو مَنصُورٌ لا مَحالَةَ، فَلْيَخْتَنِقْ هَذا الظانُّ غَيْظًا وكَمَدًا، ويُؤَيِّدْ هَذا أنَّ الطَبَرِيَّ والنَقّاشَ قالا: ويُقالُ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِن بَنِي أسَدٍ وغَطْفانَ قالُوا: نَخافُ أنْ يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ فَيَنْقَطِعُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِن يَهُودٍ مِنَ المَنافِعِ.

والمَعْنى الأوَّلُ الَّذِي قِيلَ لِلْعابِدِينَ عَلى حَرْفٍ لَيْسَ بِهَذا، ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: مَن قَلِقَ واسْتَبْطَأ النَصْرَ وظَنَّ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لا يُنْصَرُ فَلْيَخْتَنِقْ سَفاهَةً إذْ تَعَدّى الأمْرَ الَّذِي حَدَّ لَهُ في الصَبْرِ وانْتِظارِ صُنْعِ اللهِ تَعالى.

وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في "يَنْصُرَهُ" عائِدٌ عَلى "مَن"، والمَعْنى: مَن كانَ مِنَ القَلِقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والضَمِيرُ في التَأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في أنْ يُرادَ الكُفّارُ لا يَعُودُ إلّا عَلى النَبِيِّ  فَقَطْ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الدِينِ والقُرْآنِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَقْطَعْ فَلِيَنْظُرْ" بِكَسْرِ اللامِ فِيهِما عَلى الأصْلِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِسُكُونِ اللامِ فِيهِما وفي لامِ الأمْرِ في كُلِّ القُرْآنِ مَعَ الواوِ والفاءِ و ثُمْ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَمْرُو، وعِيسى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أُمًّا الفاءُ والواوُ -إذا دَخَلَتْ إحْداهُما عَلى الأمْرِ- فَحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّهم يَرَوْنَها كَأنَّها مِنَ الكَلِمَةِ فَسُكُونُ اللامِ تَخْفِيفٌ، وهو أفْصَحُ مِن تَحْرِيكِها، وأمّا "ثُمْ" فَهي كَلِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فالوَجْهُ تَحْرِيكِ اللامِ بَعْدَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ رَأى بَعْضُ النَحْوِيِّينَ المِيمَ مِن "ثُمْ" بِمَنزِلَةِ الواوِ والفاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ما يَغِيظُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، وفي "يَغِيظُ" عائِدٌ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً حَرْفًا فَلا عائِدَ عَلَيْها، و "الكَيْدُ" هو مَدُّهُ السَبَبَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأبْيَنُ وُجُوهِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ مَثَلًا، ويَكُونُ النَصْرُ المَعْرُوفَ، والقَطْعُ الِاخْتِناقَ، والسَماءُ الِارْتِفاعَ في الهَواءِ بِسَقْفٍ أو شَجَرَةٍ أو نَحْوِهِ فَتَأْمُلُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ إلى ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ، المَعْنى: وكَما وعَدْنا بِالنَصْرِ وأمَرْنا بِالصَبْرِ كَذَلِكَ، أنْزَلْنا القُرْآنَ آيَةً بَيِّنَةً لِمَن نَظَرَ واهْتَدى، لا لِيَقْتَرِحَ مَعَها ويَسْتَعْجِلَ القَدَرَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: وكَما بَيَّنْتُ حُجَّتِي عَلى مَن جَحَدَ قُدْرَتِي عَلى إحْياءِ المَوْتى كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ.

والضَمِيرُ في "أنْزَلْناهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وجاءَتْ هَذِهِ الضَمائِرُ هَكَذا وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ المُشاِرِ إلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنَّ اللهَ" في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ: والأمْرُ أنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ، وهِدايَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى هي خَلْقِهِ الرَشادُ والإيمانُ في نَفْسِ الإنْسانِ.

ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن فِعْلِهِ بِالفِرَقِ المَذْكُورِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ  وغَيْرِهِ، واليَهُودُ، والصابِئُونَ.

وهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ ويَسْتَقْبِلُونَ القِبْلَةَ ويُوَحِّدُونَ اللهَ ويَقْرَؤُونَ الزَبُورَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والنَصارى والمَجُوسُ وهم عَبَدَةُ النارِ والشَمْسِ والقَمَرِ.

والمُشْرِكُونَ وهم عَبَدَةُ الأوثانِ.

قالَ قَتادَةُ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، خَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ وواحِدٌ لِلرَّحْمَنِ.

وخَبَرُ "إنَّ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، ثُمْ دَخَلَتْ "إنَّ" عَلى الخَبَرِ مُؤَكِّدَةً، وحَسَنُ ذَلِكَ لِطُولِ الكَلامِ فَهي وما بَعْدَها خَبَرُ "إنَّ" الأولى، وقَرَنَ الزَجاجُ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِ الشاعِرِ: إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللهَ سَرْبَلَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مَلِكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ نَقَلَهُ الطَبَرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا البَيْتُ كالآيَةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ في البَيْتِ في قَوْلِهِ: "بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ"، و "إنَّ" الثانِيَةُ وجُمْلَتُها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.

ثُمْ تَمَّ الكَلامُ كُلُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: "القِيامَةِ"، واسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عن إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وعالِمْ بِهِ، وهَذا خَبَرٌ مُناسِبٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الفِرَقِ، وفَصْلُ اللهِ تَعالى بَيْنَ هَذِهِ الفِرَقِ هو بِإدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ والكافِرِينَ النارَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الآية غامض، ومُفادها كذلك.

ولنبدأ ببيان موقعها ثم نتبعه ببيان معناها فإن بين موقعها ومعناها اتصالاً.

فيحتمل أن يكون موقعها استئنافاً ابتدائياً أريد به ذكر فريق ثالث غير الفريقين المتقدمين في قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ﴾ [الحج: 8] الآية، وقوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ [الحج: 11].

وهذا الفريق الثالث جماعة أسلموا واستبطأوا نصْر المسلمين فأيسوا منه وغاظهم تعجُّلهم للدخول في الإسلام وأن لم يتريثوا في ذلك وهؤلاء هم المنافقون.

ويحتمل أن يكون موقعها تذييلاً لقوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ [الحج: 11] الآية بعد أن اعتُرض بين تلك الجملة وبين هاته بجمل أخرى فيكون المراد: أن الفريق الذين يعبدون الله على حرف والمخبر عنهم بقوله: ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ [الحج: 11] هم قوم يظنون أن الله لا ينصرهم في الدنيا ولا في الآخرة إنْ بقُوا على الإسلام.

فأما ظنهم انتفاء النصر في الدنيا فلأنهم قد أيسوا من النصر استبطاءً، وأما في الآخرة فلأنهم لا يؤمنون بالبعث ومن أجل هذا علق فعل ﴿ لن ينصره ﴾ بالمجرور بقوله ﴿ في الدنيا والآخرة ﴾ إيماء إلى كونه متعلق الخسران في قوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ [الحج: 11].

فإن عدم النصر خسران في الدنيا بحصول ضده، وفي الآخرة باستحالة وقوع الجزاء في الآخرة حسب اعتقاد كفرهم، وهؤلاء مشركون مترددون.

ويترجح هذا الاحتمالُ بتغيير أسلوب الكلام، فلم يعطف بالواو كما عطف قوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله ﴾ [الحج: 11] ولم تورد فيه جملة ﴿ ومن الناس ﴾ كما أوردت في ذكر الفريقين السابقين ويكون المقصود من الآية تهديد هذا الفريق.

فيكون التعبير عن هذا الفريق بقوله ﴿ من كان يظن ﴾ الخ إظهاراً في مقام الإضمار؛ فإن مقتضى الظاهر أن يؤتَى بضمير ذلك الفريق فيقالَ بعد قوله: ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ [الحج: 14]، ﴿ فليمدد بسبب إلى السماء ﴾ الخ...

عائداً الضميرُ المستتر في قوله ﴿ فليمدد ﴾ على ﴿ مَن يعبد الله على حرف ﴾ [الحج: 11].

والعدول عن الإضمار إلى الإظهار لوجهين، أحدهما: بُعد معاد الضمير، وثانيهما: التنبيه على أنّ عبادته الله على حرف ناشئة عن ظنه أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة إن صمم على الاستمرار في اتباع الإسلام لأنه غير واثق بوعد النصر للمسلمين.

وضمير النصب في ﴿ ينصره ﴾ عائد إلى ﴿ من يعبد الله على حرف ﴾ [الحج: 11] على كلا الاحتمالين.

واسم ﴿ السماء ﴾ مرادٌ به المعنى المشهور على كلا الاحتمالين أيضاً أخذاً بما رواه القرطبي عن ابن زيد (يعني عبد الرحمان بن زيد بن أسلم) أنه قال في قوله تعالى: ﴿ فليمدد بسبب إلى السماء ﴾ قال: هي السماء المعروفة، يعني المُظِلة.

فالمعنى: فليَنُط حبلاً بالسماء مربوطاً به ثم يقطعه فيسقط من السماء فيتمزق كل ممزق فلا يغني عنه فعله شيئاً من إزالة غيظه.

ومفعول ﴿ يقطع ﴾ محذوف لدلالة المقام عليه.

والتقدير: ثم ليقطعه، أي ليقطع السبب.

والأمر في قوله ﴿ فليمدد بسبب إلى السماء ﴾ للتعجيز، فيعلم أن تعليق الجواب على حصول شرطٍ لا يقع كقوله تعالى: ﴿ يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا ﴾ [الرحمن: 33].

وأما استخراج معنى الآية من نظمها فإنها نُسجت على إيجاز بديع، شُبهت حالة استبطان هذا الفريق الكفر وإظهارِهم الإسلام على حنَق، أو حالةُ تردّدهم بين البقاء في المسلمين وبين الرجوع إلى الكفار بحالة المغتاظ مما صنع فقيل لهم: عليكم أن تفعلوا ما يفعله أمثالكم ممن ملأهم الغيظ وضاقت عليهم سُبل الانفراج، فامدُدوا حبلاً بأقصى ما يُمَدّ إليه حبلٌ، وتعلّقوا به في أعلى مكان ثم قطعوه تخرّوا إلى الأرض، وذلك تهكم بهم في أنهم لا يجدون غنى في شيء من أفعالهم، وإنذار باستمرار فتنتهم في الدنيا مع الخسران في الآخرة.

ويحتمل أن تكون الآية مشيرة إلى فريق آخر أسلموا في مدة ضعف الإسلام واستبطأوا النصر فضاقت صدورهم فخطرت لهم خواطر شيطانية أن يتركوا الإسلام ويرجعوا إلى الكفر فزجرهم الله وهددهم بأنهم إن كانوا آيسين من النصر في الدنيا ومُرتابين في نَيل ثواب الآخرة فإن ارتدادهم عن الإسلام لا يضرّ الله ولا رسوله ولا يكيد الدينَ وإن شاءوا فليختنقوا فينظروا هل يزيل الاختناق غيظهم، ولعلّ هؤلاء من المنافقين.

فموقع الآية على هذا الوجه موقع الاستئناف الابتدائي لذكر فريق آخر يشبه من يعبد الله على حرف، والمناسبة ظاهرة.

ويجيء على هذا الوجه أن يكون ضمير ﴿ ينصره الله ﴾ عائداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مروي عن ابن عباس واختاره الفرّاء والزجاج.

ويستتبع ذلك في كل الوجوه تعريضاً بالتنبيه لخلص المؤمنين أن لا ييأسوا من نصر الله في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط.

قال تعالى: ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين ﴾ [الأحزاب: 2324] الآية.

والسبب: الحبل.

وتقدم في قوله ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ في [سورة البقرة: 166].

والقطع: قيل يطلق على الاختناق لأنه يقطع الأنفاس.

و (مَا) مصدرية، أي غيظَهُ.

والاستفهام ب ﴿ هل ﴾ إنكاري، وهو معلق فعلَ ﴿ فلينظر ﴾ عن العمل، والنظر قلبي، وسمي الفعلُ كيداً لأنه يشبه الكيد في أنه فعله لأن يكيد المسلمين على وجه الاستعارة التهكمية فإنه لا يكيد به المسلمين بل يضر به نفسه.

وقرأ الجمهور ﴿ ثم لْيَقطع ﴾ بسكون لام ليقطع وهو لام الأمر.

فإذا كان في أول الكلمة كان مكسوراً، وإذا وقع بعد عاطف غير (ثُمّ) كان ساكناً مثل ﴿ ولْتَكُنْ منكم أمّة ﴾ [آل عمران: 104].

فإذا وقع بعد (ثُم) جاز فيه الوجهان.

وقرأه ابن عامر، وأبو عمرو وورش عن نافع، وأبو جعفر ورويس عن يعقوب بكسر اللام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، والنَّصْرُ الرِّزْقُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: أبُوكَ الَّذِي أجْرى عَلَيَّ بِنَصْرِهِ فَأنْصِبْ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قابِلِ والثّالِثُ: مَعْناهُ أنْ لَنْ يُمْطِرَ اللَّهُ أرْضَهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: إنِّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا ∗∗∗ لَقائِلٌ يا نَصْرَ نَصْرٍ نَصْرا وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِلْأرْضِ المُمْطِرَةِ أرْضٌ مَنصُورَةٌ.

﴿ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ والنَّصْرُ في الدُّنْيا بِالغَلَبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: أنْ يَكُونَ النَّصْرُ في الدُّنْيا عُلُوَّ الكَلِمَةِ، وفي الآخِرَةِ عُلُوَّ المَنزِلَةِ.

﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: فَلْيَمْدُدْ بِحَبْلٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا لِيَقْطَعَ الوَحْيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ثُمَّ لِيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ أيْ يَذْهَبُ الكَيْدُ مِنهُ ما يَغِيظُهُ مِن نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: فَلْيَمْدُدْ بِحَبْلٍ إلى سَماءِ بَيْتِهِ وهو سَقْفُهُ، ثُمَّ لِيَخْنُقْ بِهِ نَفْسَهُ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبُ ذَلِكَ بِغَيْظِهِ مِن ألّا يَرْزُقَهُ اللَّهُ تَعالى، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً ﴿ في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب ﴾ قال: فليربط حبلاً ﴿ إلى السماء ﴾ قال: إلى سماء بيته السقف ﴿ ثم ليقطع ﴾ قال: ثم يختنق به حتى يموت.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ يقول: أن لن يرزقه الله ﴿ فليمدد بسبب إلى السماء ﴾ فليأخذ حبلاً فليربطه في سماء بيته فليختنق به ﴿ فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ﴾ قال: فلينظر هل ينفعه ذلك أو يأتيه برزق؟

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ قال: أن لن يرزقه الله ﴿ فليمدد بسبب إلى السماء ﴾ قال: بحبل بيته ﴿ ثم ليقطع ﴾ ثم ليختنق ﴿ فلينظر هل يذهبن كيده ﴾ ذلك ﴿ ما يغيظ ﴾ قال: ذلك خيفة أن لا يرزق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ويكابد هذا الأمر ليقطعه عنه، فليقطع ذلك من أصله من حيث يأتيه، فإن أصله في السماء ﴿ ثم ليقطع ﴾ أي عن النبي الوحي الذي يأتيه من الله إن قدر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً، فليجعل حبلاً في سماء بيته فليختنق به، فلينظر هل يغيظ ذلك إلا نفسه؟...

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ يقول: من كان يظن أن الله غير ناصر دينه ﴿ فليمدد بحبل إلى السماء ﴾ سماء البيت فليختنق ﴿ فلينظر ﴾ ما يرد ذلك في يده.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ أكثر أهل التفسير على أن الهاء في (ينصره) كناية عن محمد -  - (١) قال ابن عباس: يريد أن لن ينصر الله محمدًا (٢) وهو قول قتادة (٣) (٤) (٥) قال الزجاج: أي من كان يظن أن لن ينصر الله محمدًا حتى يظهره على الدين كله فليمت غيظًا، وهو تفسير قوله ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ﴾ (٦) (٧) ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ أي: ليمد الحبل حتى ينقطع (٨) (٩) وقال الفراء: من كان منكم يظن أن الله لن ينصر محمدًا (١٠) ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ (١١) (١٢) وعلى هذا القول النصر معناه: حسن المعونة وعون المظلوم والإظهار بالغلبة.

ومعنى (فليقطع) فليختنق في قول جميع المفسرين (١٣) ووجه ما ذكره (١٤) وذكر الأزهري وجها آخر فقال: أجمع المفسرون على أن تأويل قوله ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ ثم ليختنق، وهو محتاج إلى شرح يزيد في بيانه، ومعنى ﴿ لْيَقْطَعْ ﴾ ليمد الحبل مشدودًا على حلقه مدًا شديدًا حتى يقطع (١٥) (١٦) وعلى هذا معنى ﴿ لْيَقْطَعْ ﴾ ليقطع نفسه.

والقول هو الأول، ويدل عليه قراءة عبد الله (ليقطعه) بالهاء الراجع إلى السبب.

قال الأزهري: والمعنى: فليختنق غيظًا حتى يموت، فإن الله (١٧) (١٨) قوله تعالى: ﴿ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ﴾ أي: صنيعه وحيلته ﴿ مَا يَغِيظُ ﴾ (ما) بمعنى المصدر، أي: هل يذهبن كيده غيظه؟

ويجوز أن يكون (ما) بمعنى: (الذي)، والمعنى (١٩) (٢٠) والأول قول الفراء والزجاج (٢١) (٢٢) وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: غاظهُ وأغَاظَهُ وغَيَّظه بمعنى واحد (٢٣) وشرح ابن قتيبة هذه الآية على هذا القول بأبلغ بيان فقال: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطؤون ما وعد الله رسوله (٢٤) ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ﴾ يعني محمدًا -  - على مذهب العرب في الإضمار لغير مذكور (٢٥) (٢٦) ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ أي: بحبل ﴿ إِلَى السَّمَاءِ ﴾ يعني سقف البيت، وكل شيء علاك (٢٧) ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا ﴾ (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) هُوَ المُدْخِلُ النُّعمانَ بيتًا سماؤه نُحورُ ...

الفُيول (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ قال المفسرون: ليختنق.

وقوله ﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ (٣٦) (٣٧) وفعل هذا رجل وَعَدْتَه شيئًا مرة بعد مرة، ووكدت على نفسك الوعد (٣٨) (٣٩) (٤٠) ومعنى ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ إلي آخر الآية إنما أمر بالخنق لا على وجه الإلزام، ولكن (٤١) (٤٢)  - لا ينصر عن قلبه فلم يبق له (٤٣) (٤٤)  - كما قال الشاعر: إنْ كنت لا ترضى بما قد ترى (٤٥) (٤٦) أي: لا سبيل إلى تغييره (٤٧) وذُكر أنَّ هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) ولابن زيد طريق آخر في تفسير هذه الآية، وهو أن جعل السماء في قوله ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ﴾ السماء المعروفة، وقال: معناه: من كان يظن (٥٣) (٥٤) ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ عن النبي -  - الوحي الذي يأتيه من الله، فلينظر هل يقدر على إذهاب (٥٥) (٥٦) وهذا التفسير لا يوافق معنى قوله ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ﴾ (٥٧) (٥٨) (٥٩) هذا الذي ذكرنا كله على قول من يقول الهاء في (ينصره) كناية عن النبي -  -.

ومذهب مجاهد والضحاك (٦٠) ﴿ مَنْ كَانَ ﴾ .

قال مجاهد: ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ﴾ أن لن يرزقه الله (٦١) وهذا القول هو اختيار أبي عبيدة، قال: ﴿ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ﴾ أن لن يرزقه (٦٢) (٦٣) (٦٤) وأصل هذا من قولهم: نصرت السماء أرض كذا، إذا سَقَتْها (٦٥) قال أبو عبيد: نُصَرت البلاد، فهي منصورة.

ونُصِرَ القوم، إذا غِيثُوا (٦٦) (٦٧) من كان أخْطاه الربيع فإنّما ...

نُصرَ الحجاز بغَيث عبد الواحد (٦٨) قال ابن قتيبة -على هذا القول-: كأنه يريد من كان قانطا من رزق الله ورحمته فليفعل ذلك الذي ذكره (٦٩) (٧٠) وقوله: ﴿ مَا يَغِيظُ ﴾ يعني حنقه أن لا يرزق.

وهذا ذم على سوء الظن بالله.

وفي قوله ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ قراءتان: كسر اللام وتسكينها (٧١) والأصل (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) فَبَاتَ مُنْتَصْبًا وما تكَرْدَسا (٨٠) (٨١) وهذا مما تقدم الكلام فيه.

ومن قرأ بعض هذا بالسكون وبعضه بالحركة (٨٢) ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا ﴾ ﴿ وَلْيُوفُوا ﴾ ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا  ﴾ فإنه أخذ بالوجهين لاجتماعهما في الجواز (٨٣) (١) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 48 ب وانظر الطبري 17/ 125 - 127.

(٢) رواه الطبري 17/ 126 - 127، والحاكم في "مستدركه" 2/ 386، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 15 وعزاه للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه.

(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 33، والطبري 17/ 126.

(٤) ذكره عن السدي والكلبي الرازي 23/ 15، وأبو حيان في "البحر" 6/ 357.

(٥) رواه الطبري 17/ 126، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 16.

(٦) في (ظ): (من)، وهو خطأ.

(٧) في (أ): (شقفه).

(٨) في (ظ) زيادة: (الحبل)، بعد قوله (ينقطع)، وليست عند الزجاج.

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 417.

(١٠) العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (أن لن ينصر الله محمدا)، وما أثبتنا من (أ) هو الموافق لمعاني الفراء.

(١١) في (ظ)، (د)، (ع) زيادة: (فذلك) بعد قوله: (ثم ليقط) ، ولا معنى لها.

(١٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 218.

(١٣) القول بأن معنى (فليقطع) فليختنق في قول جميع المفسرين محل نظر، فقد قيل (فليقطع) أي فليقطع النصر أو الوحي عن محمد -  - إن تهيأ له ذلك.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 90، "النكت" للماوردي 4/ 12، "زاد المسير" 5/ 414.

(١٤) في (أ): (ذكرناه)، وهو خطأ.

(١٥) في (ظ): (تنقطع).

(١٦) "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 188 (قطع).

(١٧) لفظ الجلالة لم يرد في (د)، (ع).

وفي (ظ): (فإنه مظهره).

(١٨) "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 160 (نصر) وفي المطبوع: ولا ينفعه موته خنقًا.

وفي "اللسان" 5/ 210: ولا ينفعه غيظه وموته خنقًا.

فيظهر أن (غيظه) ساقطة من المطبوع.

(١٩) في (ظ)، (د)، (ع): (وهو المعنى).

(٢٠) "تفسير الطبري" 17/ 128، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 48 ب.

(٢١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 218، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 417.

(٢٢) "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 173 (غاظ) نقلاً عن الليث.

وهو في "العين" 4/ 439 (غيظ).

(٢٣) "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 173 (غاظ) عن ثعلب، عن ابن الأعرابي.

(٢٤) في (أ): (ورسوله)، وما أثبتناه هو الموافق للمشكل ص 358.

(٢٥) العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (لغيره في الإضمار مذكور.

وهي عبارة غير مفهومة.

(٢٦) في (ظ)، (د)، (ع): (إذ كان)، وفي "المشكل" ص 358: (وإن كان.

(٢٧) في (أ): (وكل ما علاك)، والمثبت هو الموافق للمشكل ص 358.

(٢٨) في جميع النسخ: (وأنزلنا)، وهو خطأ.

(٢٩) هو: سلامة بن جندل بن عبد عمرو، من بني كعب بن سعدة التميمي، أبو مالك.

شاعر جاهلي قديم، وهو من فرسان تميم المعدودين، في شعره حكمة وجودة، وهو ممن يصف الخيل فيحسن.

"طبقات فحول الشعراء" 1/ 155، "الشعر والشعراء" ص 166، "خزانة الأدب" 4/ 29، "الأعلام" للزركلي 3/ 106.

(٣٠) في (أ): (قبل)، وفي (د): (قبل): بإهمال ثانية.

ومهملة في (ظ)، (ع).

(٣١) هو: النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي، أبو قابوس.

من أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية، ملك الحيرة بعد أبيه، وكانت متابعة للفرس، وهو صاحب إيفاد العرب على كسرى، نقم عيله كسرى أمرًا فعزله وسجنه حتى مات، وقيل ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته، فهلك نحو 15 ق.

هـ.

انظر: "الكامل" لابن الأثير 1/ 246، "البداية والنهاية" 1/ 199، "الأعلام" للزركلي 8/ 43.

(٣٢) في (أ): (القبول).

(٣٣) البيت أنشده ابن قتيبة لسلامة في "مشكل القرآن" ص 358.

وهو في "ديوانه" ص 184، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 399 ومنه (المولج) في موضع (المدخل)، و (صدور) في موضع (نحور).

والطبري 15/ 238 بمثل رواية أبي عبيدة، و"لسان العرب" 10/ 158 وفيه صدور).

وبيت مُسردق: هو أن يكون أعلاه وأسفله مشدود كله.

"لسان العرب" 10/ 158 (سردق) "القاموس المحيط" 3/ 244.

(٣٤) في (أ): (فيه قبله)، وانظر قصة قتل كسرى للنعمان في: "الكامل" لابن الأثير 1/ 287 - 289، "خزانة الأدب" للبغدادي 3/ 383 - 386.

(٣٥) في (أ): (قوله).

(٣٦) من بعد (فلينظر) ساقط من (ظ)، (د)، (ع).

(٣٧) في (ظ): (مما).

(٣٨) في (ظ)، (د)، (ع): (الوعيد)، وهو خطأ.

(٣٩) في (أ): (واختنق).

(٤٠) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 358 - 359 مع اختلاف يسير.

(٤١) في (ظ)، (د)، (ع): (لكن).

(٤٢) (من): زيادة من (أ).

(٤٣) (له): ليست في (ظ)، (د)، (ع).

(٤٤) في (أ): (لتستريح).

(٤٥) في (أ): (إن كنت لا ترى بما قد ترضى)، وهو خطأ.

(٤٦) لم أهتد لهذا البيت.

(٤٧) مهملة في (أ).

(٤٨) أسد: قبيلة عظيمة، تنسب إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهذه ذات بطون كثيرة.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 11، 479، "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" للقلقشندي ص 47 - 48، "معجم قبائل العرب" لكحالة 1/ 21.

وغطفان: بطن عظيم متسع كثير الأفخاذ، وهم بنو غطفان بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

انظر: "الجمهرة" ص 248، "نهاية الأرب" ص 348، "معجم قبائل العرب" لكحالة 3/ 888 - 889.

(٤٩) يميروننا: يعني: يجلبوا لنا الطعام.

"لسان العرب" 5/ 188 (مير).

(٥٠) في (ظ): (بما).

(٥١) في (أ): (وعده).

(٥٢) ذكره الطبري 17/ 128 من غير سند، وذكره ابن الجوزي 5/ 412 عن مقاتل.

وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 21 أ.

(٥٣) في (أ): (نظر)، وهو خطأ.

(٥٤) في (أ): (لكابده).

(٥٥) في (أ): (ذهاب).

(٥٦) ذكر عنه بهذا اللفظ الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 48 ب.

وقد رواه الطبري 17/ 126، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 16 بنحوه.

(٥٧) في (أ): (بنصر الله): وهو خطأ.

(٥٨) في (أ): (أصح)، وهو خطأ.

(٥٩) في (ظ)، (د)، (ع): (أواخر).

(٦٠) يظهر أن الواحدي اعتمد في نسبة هذا القول على الطبري، فقد قال الطبري في "تفسيره" 17/ 127: وقال آخرون: الهاء في (ينصره) من ذكر (من) ...

ثم قال == الطبري: ذكر من قال ذلك.

ثم ذكر الطبري آثارًا عن مجاهد وغيره، ثم قال 175/ 128: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (فليمدد بسبب) يعني: بحبل (إلى السماء) يعني: سماء البيت.

أهـ.

والنص -كما ترى- ليس فيه ما يدل على أن الضحاك يرى أن الهاء عائدة إلى (من).

وقد جاء عن الضحاك ما يخالف ما نسب إليه، فقد روى عبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 6/ 16 عنه في الآية قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا، فليجعل حبلاً في سماء بيته، فليختنق به، فلينظر هل يغيظ ذلك إلا نفسه؟.

(٦١) رواه الطبري 17/ 127، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 15 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.

(٦٢) في (د)، (ع): (أن لن ينصره) أن لن يرزقه.

(٦٣) في المطبوع من "المجاز" 2/ 46، بني بكر، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة: بني أبي بكر.

وما ذكره الواحدي هنا من قوله (ابن كلاب) ليس في المجاز لأبي عبيدة فيحتمل أن يكون السائل من بني أبي بكر -كما وقع في إحدى نسخ المجاز وكما نسبه الواحدي إلى بني أبي بكر ابن كلاب- وهو كما قال ابن الأثير في تهذيب الأنساب 1/ 170 نسبة إلى أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، واسمه عبيد، ينسب إليه كثير.

أهـ.

ويحتمل أن يكون السائل من بني بكر -كما وقع في بعض نسخ المجاز- وهو كما قال ابن الأثير (1708) نسبة إلى بكر بن وائل، أبو بكر بن عبد مناة من كنانة بن خزيمة، أو بكر بن عوف بن النخع.

وقد وقع عند ابن الجوزي 5/ 4، والرازي 17/ 23، وأبي حيان 3/ 357، والشنقيطي 5/ 51، من بني بكر.

(٦٤) البيت أنشده أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 25/ 46 - 47.

وهو في "ديوانه" ص 209 من أبيات يمدح بها يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وفيه (فأسكت) في موضع (فأنصت).

و"الاشتقاق" لابن دريد ص 110 وفيه (فأسكت).

وهو من غير نسبة في: "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 155، و"اللسان" 2/ 99، و"تاج العروس" 5/ 123 (نصت).

(٦٥) انظر (نصر) في: "تهذيب اللغة" 12/ 160، "الصحاح" 2/ 829، "لسان العرب" 5/ 211.

(٦٦) هكذا في جميع النسخ و"اللسان" لابن منظور 5/ 211.

وفي المطبوع من "تهذيب الأزهري": أعيثوا.

(٦٧) في (أ): (وأنشد الشاعر فقال).

(٦٨) قول أبي عبيد وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 159 - 160 منسوبًا إليه.

والبيت لابن ميادة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك.

وهو في "ديوانه" ص 112)، و"الوحشيات" (الحماسة الصغرى) لأبي تمام ص 270، وفيه: (يجود) في موضع (يغيث).

ومن غير نسبة في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 160 (نصر)، و"المخصص" لابن سيدة 9/ 121، و"اللسان" 5/ 211 (نصر).

(٦٩) في (أ): (ذكر).

(٧٠) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 365.

وليس فيه: الذي ذكره من الاختناق.

(٧١) قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وورش عن نافع: (ثم ليقطع) بكسر اللام، وقرأ الباقون بسكون اللام: (ثم ليقطع).

"السبعة" ص 434 - 435، "التبصرة" ص 265، "التيسير" ص 156، "الإقناع" 2/ 705.

(٧٢) في (ظ)، (د)، (ع): (فالأصل).

(٧٣) في (أ): (وثم)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في الحجة.

(٧٤) في (أ): (مع الواو والفاء).

(٧٥) في (ظ): (فإنهما)، وهو خطأ.

(٧٦) في (أ): (وفي)، وهو خطأ.

(٧٧) في "الحجة" للفارسي 5/ 270: وقبل ذلك قولهم: ﴿ وَهِىَ  ﴾ ، ﴿ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ  ﴾ .

(٧٨) ساقط من (ظ)، (د)، (ع).

(٧٩) في (أ)، (د): (اذاك)، وفي (ظ)، (ع): (اداك)، والتصويب من "الحجة" 5/ 270.

(٨٠) في (أ): (بكردشا).

(٨١) هذا الشطر من الرجز للعجاج بهذه الرواية (منتصبا) في "الحجة" للفارسي 1/ 408، 5/ 270، و"الخصائص" لابن جني 2/ 338، وفي "اللسان" 1/ 758 (نصب) من غير نسبة.

وروايته في "ديوان العجاج" ص 130، و"تهذيب اللغة" 10/ 423 (كردس)، و"اللسان" 6/ 195 (كردس): (فبات منتصا وما تكردسا.

ولا شاهد فيه على هذه الرواية.

وهو يصف فيها حمارًا وحشيًّا، وبعده: إذا أحس نبأة توجسا.

قال الأصمعي في "شرحه لديوان العجاج" ص 130: (قوله (منتصبا) أي منتصبًا.

والمكردس: الذي قد رمى بنفسه.

(٨٢) قرأ بعض هذا بالسكون وبعضه بالحركة: أبو عمرو، وابن عامر في غير رواية ابن ذكران، وورث عن نافع، وابن كثير في رواية قنبل.

فقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وورش عن نافع: (ثم ليقطع)، (ثم ليقضوا) بكسر اللام، ووافقهم في (ليقضوا) وحدها ابن كثير في رواية قنبل.

ووافق هؤلاء المتقدمون بقية القراء في قراءة (وليوفوا)، (وليطوفوا) بإسكان اللام.

أمَّا رواية ابن ذكوان عن ابن كثير فبالكسر في المواطن الأربعة.

"السبعة" ص 434 - 435، "المبسوط" لابن مهران 257، "التبصرة" ص 215، "التيسير" ص 156، "النشر" 2/ 326.

(٨٣) من قوله: (والأصل) إلى هنا هذا كلام الفارسي في "الحجة" 5/ 269 - 270 مع تصرف وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 420 - 421، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 73، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 473 - 474.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السمآء ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ السبب هنا الحبل، والسماء هنا سقف البيت وشبهه من الأشياء، التي تعلق منها الحبال، والقطع هنا يراد به: الاختناق بالحبل، يقال: قطع الرجل إذا اختنق، ويحتمل أن يراد به قطع الرجل من الأرض بعد ربط الحبل في العنق، وربطه في السقف، والمراد بالاختناق هنا ما يفعله من اشتد غيظه وحسرته، أو طمع فيما لا يصل إليه، كقوله للحسود: مت كمداً، أو اختنق؛ فإنك لا تقدر على غير ذلك، وفي معنى الآية قولان: الأول أن الضمير في ينصره لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى على هذا: من كان من الكفار يظنّ أن لن ينصر الله محمداً فليختنق بحبل، فإن الله ناصره ولابد على غيظ الكفار، فموجب الاختناق هو الغيظ من نصرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والقول الثاني أن الضمير في ﴿ يَنصُرَهُ ﴾ عائد الى ﴿ مَن ﴾ ، والمعنى على هذا من ظنّ بسبب ضيق صدره وكثرة غمه أن لن ينصره الله: فيليختنق وليمت بغيظه، فإنه لا يقدر على غير ذلك، فموجب الاختناق على هذا القنوط والسخط من القضاء، وسوء الظنّ بالله حتى ييأس من نصره، ولذلك فسر بعضهم أن لن ﴿ يَنصُرَهُ الله ﴾ بمعنى أن لن يرزقه، وهذا القول أرجح من الأول لوجهين: أحدهما أن هذا القول مناسب لمن يعبد الله على حرف، لأنه إذا أصابته فتنة انقلب وقنط، حتى ظنّ أن الله لن ينصره، فيكون هذا الكلام متصلاً بما قبله: ويدل على ذلك قوله قبل هذه الآية: ﴿ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ [الحج: 14]: أي الأمور بيد الله، فلا ينبغي لأحد أن يتسخط من قضاء الله، ولا ينقلب إذا أصابته فتنة، والوجه الثاني، أن الضمير في ينصره على هذا القول يعود على ما تقدّمه، وأما على القول الأول فلا يعود على مذكور قبله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر قبل ذلك بحيث يعود الضمير عليه، ولا يدل سياق الكلام عليه دلالة ظاهرة ﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ الكيد هنا يراد به اختناقه، وسُميَ كيداً لأنه وضعه موضع الكيد، إذ هو غاية حيلته، والمعنى إذا خنق نفسه فلينظر هل يذهب ذلك ما يغيظه من الأمر، أي ليس يذهبه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.

يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.

روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.

الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.

﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.

التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله  في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.

ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.

يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله  فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها  ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.

والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.

وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله  سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.

أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.

وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.

وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.

و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.

عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.

وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.

قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي  قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.

روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله  قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.

فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.

قال: يا رب وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟

فقال رسول الله  : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .

واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.

وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.

ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول  ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.

ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق  ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.

عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.

ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.

وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.

وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.

والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.

قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.

وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.

وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟

فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟

فيقول  : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.

وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.

وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟

ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.

والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.

ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.

همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً  ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.

ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.

ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.

﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.

وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.

الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.

الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.

فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.

الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.

قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.

وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.

والذي يسنح لي في تفسيره أنه  أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟

فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه  واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.

وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.

ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله  أعلم بمراده.

قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.

وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.

وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.

قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.

وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.

وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.

قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.

﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".

ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.

قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.

وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.

وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.

وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.

وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي  فقال: أقلني.

فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.

والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.

وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.

دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.

قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.

فيه بحث لفظي وبحث معنوي.

أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.

وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.

والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.

وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟

والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.

سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس  ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.

والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.

ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.

أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.

قوله  ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد  للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟

قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.

وعندي في هذا القول بعد.

وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.

وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله  يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.

والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.

ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.

الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.

قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.

ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.

وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.

قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله  فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.

أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.

واعترض بأن الله  وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.

ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله  وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد  وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.

قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.

ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.

وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.

وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.

وقيل: إن أقل الجمع اثنان.

ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.

وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.

وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد  وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.

وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.

فقال علي  : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله  يوم القيامة.

وعن عكرمة هما الجنة والنار.

قالت النار: خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد  والأقرب هو الأول.

وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه  يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.

وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ والحميم الماء الحار.

عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.

ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم  ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.

قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.

وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض  ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".

وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون  ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله  أعلم.

التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.

﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.

﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.

وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.

﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ .

المعتزلة كذبت هذه الآية والآية التي تلي هذه الآية، وهو قوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ ﴾ ؛ لأنهم يقولون: أراد إيمان جميع الخلائق ثمّ لم يفعل ذلك، وأراد جميع الخيرات والكف عن الشرور ثم لم يقدر على وفاء ما أراد، ويقولون: لا صنع له في أفعال العباد، ولا تدبير؛ فعلى قولهم: لم يفعل الله مما أراد واحداً من ألوف، ويقولون: إن الله أراد هدى جميع الخلائق، لكنهم لم يهتدوا، وهو أخبر أنّه يهدي من يريد، وهم يقولون: يريد هدى الخلق كلهم فلم يهتدوا.

ونحن نقول: من أراد الله هداه اهتدى، وما أراد أن يفعل فعل، وهو ما أخبر ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ  ﴾ أخبر أنه يفعل ما يريد، فيخرج على قولهم على أحد الوجهين: إمّا على الخلاف في الوعد، وإمّا على الكذب في القول والخبر، فنعوذ بالله من السرف في القول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ .

تأويل الآية - عندنا - يخرج على وجهين: أحدهما: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً - عليه أفضل الصلوات - ثم نصره، فغاظه نصره إياه فيدوم غيظه - ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ أي: بحبل من السماء فيخنق ويقتل نفسه؛ ليذهب غيظه الذي غاظه نصره؛ يستريح مما غاظه.

والثاني: يخرج على الوعد بالنصر والخبر: أنه ينصره، يقول: من كان يظن أن ما وعد له من النصرة، لا يفعل ذلك له، ولا ينصره، ولا ينجز ما وعد؛ ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ ، أي: ليحبس ما وعد له من النصر؛ إن غاظه ما وعد؛ ليذهب غيظه الذي غاظه؛ فعلى هذا التأويل يكون السماء سماء الأصل، أي: يحبس السبب الّذي ينزل من السماء.

قال بعضهم: قوله: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ﴾ أن لن يرزقه الله، ويجعله صلة قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ  ﴾ لأنه يجعل الآية في أهل النفاق، يقول: من كان يظن من أهل النفاق: أن الله لا يرزقه إذا كان في ذلك الدّين الذي كان فيه ودام - فليمدد بما ذكر.

وقال مجاهد: ﴿ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ ، قال ذلك خيفة ألا يرزق.

وأهل التأويل صرفوا السماء إلى سقف البيت، ويقولون: القطع: الخنق.

وقال القتبي: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ ﴾ أي: لن يرزقه الله وهو قول أبي عبيدة يقال: مطر ناصر، وأرض منصورة، أي: ممطورة.

وقال المفسرون: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ ، أي: بحبل إلى سقف البيت، ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ ، أي: ليختنق: ﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ﴾ - أي: حليته - غيظه، أي: ليجهد جهده.

وقال أبو عوسجة: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ قال: هذا شيء لا يكون ولا يقدر عليه، وهذا ذم للمقول فيه؛ لأنه جعل السماء سماء الأصل، وقوله: ﴿ فَلْيَمْدُدْ ﴾ أي: يمد يده.

وقوله: [ ﴿ بِسَبَبٍ ﴾ ] السبب في الأصل: الحبل، أي: يعلق سببا فيرتقي في السماء، والسبب: الحمار، وسبوب جمع، أي: حمر.

قال: والسبب: الحبل بلغة هذيل.

وقوله: ﴿ مَا يَغِيظُ ﴾ : هو شدة الغضب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: مثل هذا، وهكذا أنزلناه آيات بينات، يبين ما لهم وما عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ ﴾ : أما الصابئون: فإن الناس اختلفوا فيهم: قال أهل التأويل: هم عبّاد الملائكة، وقد ذكرنا أقاويلهم فيه في سورة المائدة، فتركنا ذكره هاهنا لذلك.

﴿ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ ﴾ : قيل: هم المشركون من العرب، وهم عبدة الأوثان والأصنام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، أي: يحكم بين هؤلاء يوم القيامة؛ لاختلافهم في الدنيا، كقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ  ﴾ ثم قال: ﴿ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ  ﴾ أي: يحكم بين هؤلاء يوم القيامة، فالفصل بينهم يوم القيامة هو الحكم الذي ذكر فيه هذه الآية.

ويحتمل قوله: ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ ﴾ في المقام: يبعث هؤلاء إلى الجنة، وهؤلاء إلى النار؛ فذلك الفصل بينهم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَفْصِلُ ﴾ أي: يبين لهم الحق من الباطل؛ حتى يقروا جميعاً بالحق ويؤمنوا به، لكن لا ينفعهم ذلك يومئذ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ من أعمالهم، وأفعالهم، وإقرارهم، وأقوالهم، وجميع ما كان منهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

من كان يظن أن الله لا ينصر نبيه  في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى سقف بيته، ثم ليختنق به بقطع نفسه عن الأرض، ثم لينظر هل يذهبنّ ذلك ما يجده في نفسه من الغيظ، فالله ناصر نبيَّه، شاء المعاند أم أبى.

من فوائد الآيات أسباب الهداية إما علم يوصل به إلى الحق، أو هادٍ يدلهم إليه، أو كتاب يوثق به يهديهم إليه.

الكبر خُلُق يمنع من التوفيق للحق.

من عدل الله أنه لا يعاقب إلا على ذنب.

الله ناصرٌ نبيه ودينه ولو كره الكافرون.

<div class="verse-tafsir" id="91.3zJZ4"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
اللهم صل على محمد