الآية ٣٩ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٣٩ من سورة الحج

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 102 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي ، عن ابن عباس : نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة .

وقال غير واحد من السلف هذه أول آية نزلت في الجهاد ، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية ، وقاله مجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وغير واحد .

وقال ابن جرير : حدثني يحيى بن داود الواسطي : حدثنا إسحاق بن يوسف ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم هو البطين عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم .

إنا لله وإنا إليه راجعون ، ليهلكن .

قال ابن عباس : فأنزل الله عز وجل : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) ، قال أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه : فعرفت أنه سيكون قتال .

ورواه الإمام أحمد ، عن إسحاق بن يوسف الأزرق ، به وزاد : قال ابن عباس : وهي أول آية نزلت في القتال .

ورواه الترمذي ، والنسائي في التفسير من سننيهما ، وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف زاد الترمذي : ووكيع ، كلاهما عن سفيان الثوري ، به .

وقال الترمذي : حديث حسن ، وقد رواه غير واحد ، عن الثوري ، وليس فيه ابن عباس .

وقوله : ( وإن الله على نصرهم لقدير ) أي : هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال ، ولكن هو يريد من عباده أن يبلوا جهدهم في طاعته ، كما قال : ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم .

سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) [ محمد : 4 6 ] ، وقال تعالى : ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين .

ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ) [ التوبة : 14 ، 15 ] ، وقال : ( أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ) [ التوبة : 16 ] ، ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم [ الله ] الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) [ آل عمران : 142 ] ، وقال : ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) [ محمد : 31 ] .

والآيات في هذا كثيرة; ولهذا قال ابن عباس في قوله : ( وإن الله على نصرهم لقدير ) وقد فعل .

وإنما شرع [ الله ] تعالى الجهاد في الوقت الأليق به; لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا ، فلو أمر المسلمين ، وهم أقل من العشر ، بقتال الباقين لشق عليهم; ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا نيفا وثمانين ، قالوا : يا رسول الله ، ألا نميل على أهل الوادي يعنون أهل منى ليالي منى فنقتلهم؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني لم أؤمر بهذا " .

فلما بغى المشركون ، وأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم ، وهموا بقتله ، وشردوا أصحابه شذر مذر ، فذهب منهم طائفة إلىالحبشة ، وآخرون إلى المدينة .

فلما استقروا بالمدينة ، ووافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واجتمعوا عليه ، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلا يلجئون إليه شرع الله جهاد الأعداء ، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك ، فقال تعالى : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: أذن الله للمؤمنين الذين يقاتلون المشركين في سبيله بأن المشركين ظلموهم بقتالهم.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة: (أُذِنَ) بضم الألف,(يُقاتَلُونَ) بفتح التاء بترك تسمية الفاعل في أُذِنَ ويُقاتَلُون جميعًا.

وقرأ ذلك بعض الكوفيين وعامة قرّاء البصرة: (أُذِنَ) بترك تسمية الفاعل, و " يُقاتِلُونَ" بكسر التاء, بمعنى يقاتل المأذون لهم في القتال المشركين.

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين وبعض المكيين: " أَذِنَ" بفتح الألف, بمعنى: أذن الله, و " يُقاتِلُونَ" بكسر التاء, بمعنى: إن الذين أذن الله لهم بالقتال يقاتلون المشركين.

وهذه القراءات الثلاث متقاربات المعنى; لأن الذين قرءوا أُذِنَ على وجه ما لم يسمّ فاعله يرجع معناه في التأويل إلى معنى قراءة من قرأه على وجه ما سمي فاعله- وإن من قرأ يُقاتِلونَ، ويُقاتَلُون بالكسر أو الفتح, فقريب معنى أحدهما من معنى الآخر- وذلك أن من قاتل إنسانا فالذي قاتله له مقاتل, وكل واحد منهما مقاتل.

فإذ كان ذلك كذلك فبأية هذه القراءات قرأ القارئ فمصيب الصواب.

غير أن أحبّ ذلك إليّ أن أقرأ به: أَذِنَ بفتح الألف, بمعنى: أذن الله, لقرب ذلك من قوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) أذن الله في الذين لا يحبهم للذين يقاتلونهم بقتالهم, فيردُ أذنَ على قوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ ) وكذلك أحب القراءات إليّ في يُقاتِلُون كسر التاء, بمعنى: الذين يقاتلون من قد أخبر الله عنهم أنه لا يحبهم, فيكون الكلام متصلا معنى بعضه ببعض.

وقد اختُلف في الذين عُنوا بالإذن لهم بهذه الآية في القتال, فقال بعضهم: عني به: نبيّ الله وأصحابه.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) يعني محمدا وأصحابه إذا أخرجوا من مكة إلى المدينة; يقول الله: ( وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) وقد فعل.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جُبير, قال: لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة, قال رجل: أخرجوا نبيهم، فنـزلت: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) الآية الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

حدثنا يحيى بن داود الواسطي, قال: ثنا إسحاق بن يوسف, عن سفيان, عن الأعمش, عن مسلم, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم, إنا لله وإنا إليه راجعون, ليهلكنّ- قال ابن عباس: فأنـزل الله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال.

وهي أوّل آية نـزلت.قال ابن داود: قال ابن إسحاق: كانوا يقرءون: (أُذِنَ) ونحن نقرأ: " أَذِنَ".

حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا إسحاق, عن سفيان, عن الأعمش, عن مسلم, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم, ثم ذكر نحوه, إلا أنه قال: فقال أبو بكر: قد علمت أنه يكون قتال.

وإلى هذا الموضع انتهى حديثه, ولم يزد عليه.

حدثني محمد بن خلف العسقلاني, قال: ثنا محمد بن يوسف, قال: ثنا قيس بن الربيع, عن الأعمش, عن مسلم, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة, قال أبو بكر: إنا لله وإنا إليه راجعون, أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم, والله ليهلكنّ جميعا!

فلما نـزلت: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا )إلى قوله: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ عرف أبو بكر أنه سيكون قتال.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) قال: أذن لهم في قتالهم بعد ما عفا عنهم عشر سنين.

وقرأ: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ وقال: هؤلاء المؤمنون.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ .

(1) وقال آخرون: بل عني بهذه الآية قوم بأعيانهم كانوا خرجوا من دار الحرب يريدون الهجرة, فمنعوا من ذلك.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى- وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) قال: أناس مؤمنون خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة, فكانوا يمنعون, فأذن الله للمؤمنين بقتال الكفار, فقاتلوهم.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, في قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) قال: ناس من المؤمنين خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة, وكانوا يمنعون, فأدركهم الكفار, فأذن للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم.

قال ابن جُرَيج: يقول: أوّل قتال أذن الله به للمؤمنين.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قَتادة: في حرف ابن مسعود: " أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ" قال قَتادة: وهي أوّل آية نـزلت في القتال, فأذن لهم أن يقاتلوا.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) قال: هي أوّل آية أنـزلت في القتال, فأذن لهم أن يقاتلوا.

وقد كان بعضهم يزعم أن الله إنما قال: أذن للذين يقاتلون بالقتال من أجل أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, كانوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل الكفار إذا آذوهم واشتدّوا عليهم بمكة قبل الهجرة غيلة سرّا; فأنـزل الله في ذلك: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) فَلَمَّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة, أطلق لهم قتلهم وقتالهم, فقال: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ).

وهذا قول ذُكر عن الضحاك بن مزاحم من وجه غير ثبت.

وقوله: ( وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) يقول جل ثناؤه: وإن الله على نصر المؤمنين الذين يقاتلون في سبيل الله لقادر, وقد نصرهم فأعزّهم ورفعهم وأهلك عدوّهم وأذلهم بأيديهم.

------------------------ الهوامش: (1) لعله اختصره إن لم يكن سقط منه شيء من الناسخ ، والأصل : هم والنبي وأصحابه ، أو نحو ذلك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقديرفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : أذن للذين يقاتلون قيل : هذا بيان قوله إن الله يدافع عن الذين آمنوا أي يدفع عنهم غوائل الكفار بأن يبيح لهم القتال وينصرهم ؛ وفيه إضمار ، أي أذن للذين يصلحون للقتال في القتال ؛ فحذف لدلالة الكلام على المحذوف .

وقال الضحاك : استأذن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتال الكفار إذ آذوهم بمكة ؛ فأنزل الله إن الله لا يحب كل خوان كفور فلما هاجر نزلت أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا .

وهذا ناسخ لكل ما في القرآن من إعراض وترك صفح .

وهي أول آية نزلت في القتال .

قال ابن عباس ، وابن جبير : نزلت عند هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة .

وروى النسائي ، والترمذي ، عن ابن عباس قال : لما أخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ليهلكن ؛ فأنزل الله تعالى : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير فقال أبو بكر : لقد علمت أنه سيكون قتال .

فقال : هذا حديث حسن .

وقد روى غير واحد ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير مرسلا ، ليس فيه : عن ابن عباس .[ ص: 65 ] الثانية : في هذه الآية دليل على أن الإباحة من الشرع ، خلافا للمعتزلة ؛ لأن قوله : أذن معناه أبيح ؛ وهو لفظ موضوع في اللغة لإباحة كل ممنوع .

وقد تقدم هذا المعنى في ( البقرة ) وغير موضع .

وقرئ ( أذن ) بفتح الهمزة ؛ أي أذن الله .

يقاتلون بكسر التاء أي يقاتلون عدوهم .

وقرئ ( يقاتلون ) بفتح التاء ؛ أي يقاتلهم المشركون وهم المؤمنون .

ولهذا قال : بأنهم ظلموا أي أخرجوا من ديارهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار، ومأمورين بالصبر عليهم، لحكمة إلهية، فلما هاجروا إلى المدينة، وأوذوا، وحصل لهم منعة وقوة، أذن لهم بالقتال، قال تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ } يفهم منه أنهم كانوا قبل ممنوعين، فأذن الله لهم بقتال الذين يقاتلون، وإنما أذن لهم، لأنهم ظلموا، بمنعهم من دينهم، وأذيتهم عليه، وإخراجهم من ديارهم.{ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } فليستنصروه، وليستعينوا به .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم : " أذن " بضم الألف والباقون بفتحها ، أي : أذن الله ، " للذين يقاتلون " ، قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص " يقاتلون " بفتح التاء يعني المؤمنين الذين يقاتلهم المشركون ، وقرأ الآخرون بكسر التاء يعني الذين أذن لهم بالجهاد " يقاتلون " المشركين .

قال المفسرون : كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يزالون محزونين من بين مضروب ومشجوج ، ويشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول لهم : اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال ، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال ، فنزلت هذه الآية بالمدينة .

وقال مجاهد : نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة ، فكانوا يمنعون فأذن الله لهم في قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة ( بأنهم ظلموا ) أي : بسبب ما ظلموا ، واعتدي عليهم بالإيذاء ، ( وإن الله على نصرهم لقدير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أذن للذين يقاتلون» أي للمؤمنين أن يقاتلوا، وهذه أول آية نزلت في الجهاد «بأنهم» أي بسبب أنهم «ظلموا» لظلم الكافرين إياهم «وإن الله على نصرهم لقدير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(كان المسلمون في أول أمرهم ممنوعين من قتال الكفار، مأمورين بالصبر على أذاهم، فلما بلغ أذى المشركين مداه وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من "مكة" مهاجرًا إلى "المدينة"، وأصبح للإسلام قوة) أَذِنَ الله للمسلمين في القتال؛ بسبب ما وقع عليهم من الظلم والعدوان، وإن الله تعالى قادر على نصرهم وإذلال عدوِّهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم رخص - سبحانه - للمؤمنين بأن يقاتلوا فى سبيله فقال : ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ .

.

.

) .وقوله - تعالى - ( أُذِنَ ) فعل ماض مبنى للمجهول مأخوذ من الإذن بمعنى الإباحة والرخصة .

والمقصود إباحة مشروعية القتال ، وقد قالوا : بأن هذه الآيات أول ما نزل في شأن مشروعية القتال .أخرج الإمام أحمد والترمذى عن ابن عباس قال : لما خرج النبى - صلى الله عليه وسلم - من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ليهلكن ، فنزلت هذه الآيات .وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي ( أُذِنَ ) بالبناء الفاعل .

والمأذون لهم فيه هو القتال ، وهو محذوف فى قوة المذكور بدليل قوله ( يُقَاتَلُونَ ) والباء فى قوله ( بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ) للسببية .أى : أذن الله - تعالى - للمؤمنين ، ورخص لهم ، بأن يقاتلوا أعداءهم الذين ظلموهم ، وآذوهم ، واعتدوا عليه ، بعد أن صبر هؤلاء المؤمنون على أذى أعدائهم صبرا طويلا .قال الآلوسى : والمراد بالموصول أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - الذين فى مكة ، فقد نقل الواحدى وغيره ، أن المشركين كانوا يؤذونهم ، وكانوا يأتون النبى - صلى الله عليه وسلم - بين مضروب ومشجوج ويتظلمون إليه فيقو لهم : اصبروا فإنى لم أومر بالقتال حتى هاجر - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية ، وهى أول آية نزلت فى القتال بعد ما نهى عنه فى نيف وسبعين آية .وقوله - تعالى - : ( وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) وعد منه - سبحانه - للمؤمنين بالنصر وحض لهم على الإقدام على الجهاد فى سبيله بدون تردد أو وهن .أى : وإن الله - تعالى - لقادر على أن ينصر عباده المؤمنين .

وعلى أن يمكن لهم فى الأرض ، وعلى أن يجعلهم الوارثين لأعدائهم الكافرين .قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) أى : هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال ، ولكنه يريد من عباده أن يبلوا جهدهم فى طاعته ، كما قال - تعالى - : ( فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ولكن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ) وإنما شرع - سبحانه - الجهاد فى الوقت الأليق به ، لأنهم لما كانوا بمكة ، كان المشركون أكثر عددا .

فلو أمر المسملون بالقتال لشق ذلك عليهم .

.

.فلما استقروا بالمدينة .

وصارت لهم دار إسلام ، ومعقلا يلجأون إليه شرع الله جهاد الأعداء ، فكانت هذه الآية أول ما نزل فى ذلك .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم الحج ومناسكه وما فيه من منافع الدنيا والآخرة، وقد ذكرنا من قبل أن الكفار صدوهم أتبع ذلك ببيان ما يزيل الصد ويؤمن معه التمكن من الحج فقال: ﴿ إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءَامَنُواْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بالألف ومثله ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله ﴾ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف فيهما.

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿ إِنَّ الله يُدَافِعُ ﴾ بالألف ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ ﴾ بغير ألف، فمن قرأ يدافع فمعناه يبالغ في الدفع عنهم، وقال الخليل يقال دفع الله المكروه عنك دفعاً ودافع عنك دفاعاً والدفاع أحسنهما.

المسألة الثانية: ذكر ﴿ إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءامَنُواْ ﴾ ولم يذكر ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم، وإن كان في الحقيقة أنه يدافع بأس المشركين.

فلذلك قال بعده ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذا صفته.

المسألة الثالثة: قال مقاتل: إن الله يدافع كفار مكة عن الذين آمنوا بمكة، هذا حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في قتلهم سراً فنهاهم.

المسألة الرابعة: هذه الآية بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار وكف بوائقهم عنهم وهي كقوله: ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءَامَنُواْ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون  ﴾ ﴿ وأخرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ فالمعنى أنه سبحانه جعل العلة في أنه يدافع عن الذين آمنوا أن الله لا يحب صدهم، وهو الخوان الكفور أي خوان في أمانة الله كفور لنعمته ونظيره قوله: ﴿ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وَتَخُونُواْ أماناتكم  ﴾ قال مقاتل أقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذه؟

أما قوله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يقاتلون بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم في رواية حفص ﴿ أَذِنَ ﴾ بضم الألف والباقون بفتحها أي أذن الله لهم في القتال، وقرأ أهل المدينة وعاصم ﴿ يقاتلون ﴾ بنصب التاء، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ﴿ أَذِنَ ﴾ بنصب الف ﴿ ويقاتلون ﴾ بكسر التاء.

قال الفراء والزجاج: يعني أذن الله للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل، ومن قرأ بفتح التاء فالتقدير أذن للذين يقاتلون في القتال.

المسألة الثانية: في الآية محذوف والتقدير أذن للذين يقاتلون في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه.

أما قوله: ﴿ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ﴾ فالمراد أنهم أذنوا في القتال بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشركوا مكة يؤذونهم أذى شديداً وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بقتال حتى هاجر فأنزل الله تعالى هذه الآية وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية، وقيل نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركوا مكة فأذن في مقاتلتهم.

أما قوله: ﴿ وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ فذلك وعد منه تعالى بنصرهم كما يقول المرء لغيره إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك لا يعني بذلك القدرة بل يريد أنه سيفعل ذلك.

أما قوله تعالى: ﴿ الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقّ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما بين أنهم إنما أذنوا في القتال لأجل أنهم ظلموا فبين ذلك الظلم بقوله: ﴿ الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله ﴾ فبين تعالى ظلمهم لهم بهذين الوجهين: أحدهما: أنهم أخرجوهم من ديارهم والثاني: أنهم أخرجوهم بسبب أنهم قالوا: ﴿ رَبُّنَا الله ﴾ وكل واحد من الوجهين عظيم في الظلم، فإن قيل كيف استثنى من غير حق قولهم: ﴿ رَبُّنَا الله ﴾ وهو من الحق؟

قلنا تقدير الكلام أنهم أخرجوا بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير، ومثله ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بالله  ﴾ ثم بين سبحانه بقوله: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ ﴾ أن عادته جل جلاله أن يحفظ دينه بهذا الأمر قرأ نافع ﴿ لَّهُدّمَتْ ﴾ بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما المراد بهذا الدفاع الذي أضافه إلى نفسه؟

الجواب: هو إذنه لأهل دينه بمجاهدة الكفار فكأنه قال تعالى: ولولا دفاع الله أهل الشرك بالمؤمنين، من حيث يأذن لهم في جهادهم وينصرهم على أعدائهم لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وعطلوا ما يبنونه من مواضع العبادة، ولكنه دفع عن هؤلاء بأن أمر بقتال أعداء الدين ليتفرغ أهل الدين للعبادة وبناء البيوت لها، ولهذا المعنى ذكر الصوامع والبيع والصلوات وإن كانت لغير أهل الإسلام، وذكر المفسرون وجوهاً أخر: أحدها: قال الكلبي يدفع الله بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين عن الجهاد.

وثانيها: روى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال يدفع الله بالمحسن عن المسيء، وبالذي يصلي عن الذي لا يصلي، وبالذي يتصدق عن الذي لا يتصدق وبالذي يحج عن الذي لا يحج، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه».

ثم تلا هذه الآية.

وثالثها: قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما يدفع بدين الإسلام وبأهله عن أهل الذمة.

ورابعها: قال مجاهد يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.

السؤال الثاني: لماذا جمع الله بين مواضع عبادات اليهود والنصارى وبين مواضع عبادة المسلمين؟

الجواب: لأجل ما سألت عنه اختلفوا على وجوه: أحدها: قال الحسن المراد بهذه المواضع أجمع مواضع المؤمنين، وإن اختلفت العبارات عنها.

وثانيها: قول الزجاج ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شرع كل نبي المكان الذي يصلي فيه، فلولا ذلك الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه، وفي زمن عيسى الصوامع، وفي زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المساجد فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف وقبل النسخ.

وثالثها: بل المراد لهدمت هذه الصوامع في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها على كل حال يجري فيها ذكر الله تعالى فليست بمنزلة عبادة الأوثان.

السؤال الثالث: ما الصوامع والبيع والصلوات والمساجد؟

الجواب: ذكروا فيها وجوهاً: أحدها: الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين عن أبي العالية رضي الله عنه.

وثانيها: الصوامع للنصارى وهي التي بنوها في الصحارى والبيع لهم أيضاً وهي التي يبنونها في البلد والصلوات لليهود، قال الزجاج وهي بالعبرانية صلوتاً.

وثالثها: الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود عن قتادة.

ورابعها: أنها بأسرها أسماء المساجد عن الحسن، أما الصوامع فلأن المسلمين قد يتخذون الصوامع، وأما البيع فأطلق هذا الاسم على المساجد على سبيل التشبيه، وأما الصلوات فالمعنى أنه لولا ذلك الدفع لانقطعت الصلوات ولخربت المساجد.

السؤال الرابع: الصلوات كيف تهدم خصوصاً على تأويل من تأوله على صلاة المسلمين؟

الجواب: من وجوه: أحدها: المراد بهدم الصلاة إبطالها وإهلاك من يفعلها كقولهم هدم فلان إحسان فلان إذا قابله بالكفر دون الشكر.

وثانيها: بل المراد مكان الصلوات لأنه الذي يصح هدمه كقوله: ﴿ واسئل القرية  ﴾ أي أهلها.

وثالثها: لما كان الأغلب فيما ذكر ما يصح أن أن يهدم جاز ضم ما لا يصح أن يهدم إليه، كقولهم متقلداً سيفاً ورمحاً، وإن كان الرمح لا يتقلد.

السؤال الخامس: قوله: ﴿ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً ﴾ مختص بالمساجد أو عائد إلى الكل؟

الجواب: قال الكلبي ومقاتل عائد إلى الكل لأن الله تعالى يذكر في هذه المواضع كثيراً، والأقرب أنه مختص بالمساجد تشريفاً لها بأن ذكر الله يحصل فيها كثيراً.

السؤال السادس: لم قدم الصوامع والبيع في الذكر على المساجد؟

الجواب: لأنها أقدم في الوجود، وقيل أخرها في الذكر كما في قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله  ﴾ ولأن أول الفكر آخر العمل، فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الرسل وأمته خير الأمم لا جرم كانوا آخرهم ولذلك قال عليه السلام: «نحن الآخرون السابقون».

أما قوله تعالى: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ ﴾ فقال بعضهم من ينصره بتلقى الجهاد بالقبول نصرة لدين الله تعالى، وقال آخرون: بل المراد من يقوم بسائر دينه، وإنما قالوا ذلك لأن نصرة الله على الحقيقة لا تصح، وإنما المراد من نصرة الله نصرة دينه كما يقال في ولاية الله وعداوته مثل ذلك وفي قوله: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ ﴾ وعد بالنصر لمن هذه حاله ونصر الله تعالى للعبد أن يقويه على أعدائه حتى يكون هو الظافر ويكون قائماً بإيضاح الأدلة والبينات، ويكون بالإعانة على المعارف والطاعات، وفيه ترغيب في الجهاد من حيث وعدهم النصر، ثم بين تعالى أنه قوي على هذه النصرة التي وعدها المؤمنين، وأنه لا يجوز عليه المنع وهو معنى قوله: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ لأن العزيز هو الذي لا يضام ولا يمنع مما يريده.

ثم إنه سبحانه وتعالى وصف الذين أذن لهم في القتال في الآية الأولى فقال: ﴿ الذين إِنْ مكناهم فِي الأرض ﴾ والمراد من هذا التمكن السلطنة ونفاذ القول على الخلق لأن المتبادر إلى الفهم من قوله: ﴿ مكناهم فِي الأرض ﴾ ليس إلا هذا، ولأنا لو حملناه على أصل القدرة لكان كل العباد كذلك وحينئذ يبطل ترتب الأمور الأربعة المذكورة عليه في معرض الجزاء، لأنه ليس كل من كان قادراً على الفعل أتى بهذه الأشياء.

إذا ثبت هذا فنقول: المراد بذلك هم المهاجرون لأن قوله: ﴿ الذين إِنْ مكناهم ﴾ صفة لمن تقدم وهو قوله: ﴿ الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم ﴾ والأنصار ما أخرجوا من ديارهم فيصير معنى الآية أن الله تعالى وصف المهاجرين بأنه إن مكنهم من الأرض وأعطاهم السلطنة، فإنهم أتوا بالأمور الأربعة، وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن قد ثبت أن الله تعالى مكن الأئمة الأربعة من الأرض وأعطاهم السلطنة عليها فوجب كونهم آتين بهذه الأمور الأربعة.

وإذا كانوا آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر وجب أن يكونوا على الحق، فمن هذا الوجه دلت هذه الآية على إمامة الأربعة.

ولا يجوز حمل الآية على علي عليه السلام وحده لأن الآية دالة على الجمع، وفي قوله: ﴿ وَلِلَّهِ عاقبة الأمور ﴾ دلالة على أن الذي تقدم ذكره من سلطنتهم وملكهم كائن لا محالة.

ثم إن الأمور ترجع إلى الله تعالى بالعاقبة فإنه سبحانه هو الذي لا يزول ملكه أبداً وهو أيضاً يؤكد ما قلناه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَذِنَ ﴾ و ﴿ يقاتلون ﴾ قرئا على لفظ المبني للفاعل والمفعول جميعاً: والمعنى: أذن لهم في القتال، فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه ﴿ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ﴾ أي بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديداً، وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، فيقول لهم: «اصبروا فإني لم أومر بالقتال» ، حتى هاجر فأنزلت هذه الآية، وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية.

وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم.

والإخبار بكونه قادراً على نصرهم عدة منه بالنصر واردة على سنن كلام الجبابرة، وما مرّ من دفعه عن الذين آمنوا مؤذن بمثل هذه العدة أيضاً: ﴿ أَن يَقُولُواْ ﴾ في محل الجرّ على الإبدال من ﴿ حَقٍّ ﴾ أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير.

ومثله: ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بالله ﴾ [المائدة: 59] .

دفع الله بعض الناس ببعض: إظهاره وتسليطه المسلمين منهم على الكافرين بالمجاهدة، ولولا ذلك لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم، وعلى متعبداتهم فهدموها، ولم يتركوا للنصارى بيعاً، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود صلوات، ولا للمسلمين مساجد.

أو لغلب المشركون من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم على المسلمين وعلى أهل الكتاب الذين في ذمتهم وهدموا متعبدات الفريقين.

وقرئ: ﴿ دفاع ﴾ ولهدمت: بالتخفيف.

وسميت الكنيسة (صلاة) لأنه يصلى فيها.

وقيل: هي كلمة معرّبة، أصلها بالعبرانية: صلوثا ﴿ مَن يَنصُرُهُ ﴾ أي ينصر دينه وأولياءه: هو إخبار من الله عزّ وجلّ بظهر الغيب عما ستكون عليه سيرة المهاجرين رضي الله عنهم إن مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا، وكيف يقومون بأمر الدين.

وعن عثمان رضي الله عنه: هذا والله ثناء قبل بلاء.

يريد: أنّ الله قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا.

وقالوا: فيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين؛ لأنّ الله لم يعط التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة غيرهم من المهاجرين، لاحظ في ذلك للأنصار والطلقاء.

وعن الحسن: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقيل: ﴿ الذين ﴾ منصوب بدل من قوله من ينصره.

والظاهر أنه مجرور، تابع للذين أخرجوا ﴿ وَلِلَّهِ عاقبة الأمور ﴾ أي مرجعها إلى حكمه وتقديره.

وفيه تأكيد لما وعده من إظهار أوليائه وإعلاء كلمتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

.

﴿ أُذِنَ ﴾ رُخِّصَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ.

﴿ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ ﴾ المُشْرِكِينَ والمَأْذُونُ فِيهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِفَتْحِ التّاءِ أيْ لِلَّذِينِ يُقاتِلُهُمُ المُشْرِكُونَ.

﴿ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ظُلِمُوا وهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  كانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَهم وكانُوا يَأْتُونَهُ مِن بَيْنِ مَضْرُوبٍ ومَشْجُوجٍ يَتَظَلَّمُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُمُ: «اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِالقِتالِ» حَتّى هاجَرَ فَأنْزَلَتْ.

وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بَعْدَ ما نُهِيَ عَنْهُ في نَيِّفٍ وسَبْعِينَ آيَةً.

﴿ وَإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ وعْدٌ لَهم بِالنَّصْرِ كَما وعَدَ بِدَفْعِ أذى الكُفّارِ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أُذِنَ} مدني وبصري وعاصم {لِلَّذِينَ يقاتلون} بفتح التاء مدني وشامي وحفص والمعنى أذن لهم في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه {بأنهم ظلموا} بسبب كونهم

الحج (٤٢ - ٣٩)

مظلومين وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشركوا مكة يؤذونهم أذىً شديداً وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب إليه فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت هذه الآية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية {وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ} على نصر المؤمنين {لَقَدِيرٌ} قادر وهو بشارة المؤمنين بالنصرة وهو مثل قوله إن الله يدافع عن الذين آمنوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أُذِنَ ﴾ أيْ رُخِّصَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( أذِنَ ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى ﴿ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ ﴾ أيْ يُقاتِلُهُمُ المُشْرِكُونَ والمَأْذُونُ فِيهِ القِتالُ وهو في قُوَّةِ المَذْكُورِ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ دَلالَةً نَيِّرَةً.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ «يُقاتِلُونَ» عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ أيْ يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُوا المُشْرِكِينَ في المُسْتَقْبَلِ ويَحْرِصُونَ عَلَيْهِ فَدَلالَتُهُ عَلى المَحْذُوفِ أنْوَرُ ﴿ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ظُلِمُوا.

والمُرادُ بِالمَوْصُولِ أصْحابُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِينَ في مَكَّةَ فَقَدْ نَقَلَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُؤْذُونَهم وكانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ مَضْرُوبٍ ومَشْجُوجٍ ويَتَظَلَّمُونَ إلَيْهِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُمُ: اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِالقِتالِ حَتّى هاجَرَ فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بَعْدَ ما نُهِيَ عَنْهُ في نَيِّفٍ وسَبْعِينَ آيَةً عَلى ما رَوى الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ فِيهِ ﴿ وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ  ﴾ ، وفي الإكْلِيلِ لِلْحاكِمِ أنَّ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ في ذَلِكَ ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ  ﴾ ، ورَوى البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وجَماعَةٌ أنَّها نَزَلَتْ في أُناسٍ مُؤْمِنِينَ خَرَجُوا مُهاجِرِينَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهم كُفّارُ قُرَيْشٍ فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهم في قِتالِهِمْ وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِالظّالِمِ لِمَزِيدِ السُّخْطِ تَحاشِيًا عَنْ ذِكْرِهِ.

﴿ وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ وعْدٌ لَهم بِالنَّصْرِ وتَأْكِيدٌ لِما مَرَّ مِنَ العِدَةِ وتَصْرِيحٌ بِأنَّ المُرادَ بِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَخْلِيصِهِمْ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ بَلْ تَغْلِيبُهم وإظْهارُهم عَلَيْهِمْ، وقَدْ أُخْرِجَ الكَلامُ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ فَإنَّ الرَّمْزَةَ والِابْتِسامَةَ مِنَ المَلِكِ الكَبِيرِ كافِيَةٌ في تَيَقُّنِ الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ وقَدْ أوْكَدَ تَأْكِيدًا بَلِيغًا زِيادَةً في تَوْطِينِ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، يعني: يدفع كفار مكة عن الذين آمنوا، فلا ينالون منهم شيئاً.

وقال الزجاج: إذا فعلتم هذا وخالفتم أهل الجاهلية، فيما يفعلونه في نحرهم وإشراكهم، فإن الله يدافع عن حزبه، ويقال: إن أهل مكة آذوا المسلمين قبل الهجرة، فاستأذنوا النبيّ  في قتالهم في السر، فنهاهم الله عزّ وجلّ عند ذلك.

ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، يعني: يدفع أذاهم عن المسلمين، فأمرهم بالصبر.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ، بغير ألف، وقرأ الباقون يُدافِعُ بالألف، من دافع يدافع، بمعنى دفع.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ للأمانة كَفُورٍ كفور لربه ولنعمه.

وقال أهل اللغة: الخوان الفعال من الخيانة، وهو المبالغة في الخيانة، فمن ذكر اسماً غير اسم الله تعالى وتقرب إلى الأصنام بذبيحته، فهو خوان كفور.

قوله عز وجل: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ، يعني: أذن للمؤمنين بقتال المشركين.

بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ، يعني: أذن لهم بالقتال بسبب أنهم ظلموا.

قرأ عاصم في رواية حفص أُذِنَ بضم الألف على معنى: أذن الله للذين يقاتلون، بنصب التاء.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو أُذِنَ بالضم يُقاتَلُونَ بكسر التاء وقرأ الباقون بالنصب.

قرأ حمزة والكسائي وابن كثير يُقاتَلُونَ بالكسر.

ثم قال: وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، يعني: قادر، وكان المشركون لا يزالون يؤذونهم باللسان وباليد، فشكوا إلى النبيّ  فلما هاجروا، أمروا بالقتال.

ثم أخبر عن ظلم كفار مكة، فقال عز وجل: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، يعني: بلا جرم أجرموا.

إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، يعني: لم يخرج كفار مكة المؤمنين بسبب، سوى أنهم كانوا يقولون: ربنا الله، فأخرجوهم بهذا السبب ويقال: في الآية تقديم ومعناه أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقٍّ، إِلاَّ أَن يقولوا: ربنا الله، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.

ثم قال: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ بالجهاد وإقامة الحدود وكف الظلم.

يقول: لولا أن يدفع المشركين بالمؤمنين، لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين.

لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ ويقال: لولا دفع الله بالأنبياء عن المؤمنين وبالمؤمنين من غيرهم، لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى.

وَصَلَواتٌ، يعني: كنائس اليهود، وَمَساجِدُ المسلمين.

يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وقال مجاهد: لولا دفع الله تعالى الناس بعضهم ببعض في الشهادة في الحق، لهدمت هذه الصوامع، وما ذكر معها.

وقال الزجاج: تأويل هذا: ولولا أن دفع الله بعض الناس ببعض، لهدمت في شريعة كل نبي المكان الذي يصلي فيه، لهدم في زمان موسى  الكنائس، وفي زمن عيسى  البيع، وفي زمن محمد  وعلى جميع الأنبياء المساجد.

قرأ نافع: ولولا دفاع الله بالألف، وقرأ الباقون بغير ألف وقرأ ابن كثير ونافع لَهُدِّمَتْ بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد على معنى المبالغة والتكثير.

ثم قال: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، يعني: لينصرن بالغلبة على عدوه من ينصره بنبيه  ، ويقال: لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ يعني: ينصر الله من ينصر دينه كما قال في آية أخرى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد: 7] .

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ أي: منيع قادر على أن ينصر محمدا  بغير عونكم.

قوله عز وجل: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ، يعني: إن أنزلناهم بالمدينة، وهم أصحاب محمد  .

قوله: أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، يعني: بالتوحيد واتباع محمد  ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ عن الشرك.

وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ، يعني: لله ترجع عواقب الأمور، يعني: عاقبة أمور العباد في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)

وقوله سبحانه: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ...

الاية: عبارة مبالغة، وهي بمعنى: لن تُرْفَعَ عنده سبحانه، وتتحصل سبب ثواب، والمعنى: ولكن تُنَالُ الرِّفْعَةُ عنده، وتحصلُ الحسنة لديه بالتقوى.

وقوله تعالى: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ رُوِيَ: أن قوله: «وبشر المحسنين» نزلت في الخلفاء الأربعة حسبما تَقَدَّمَ في التي قبلها، وظاهر اللفظ العمومُ في كل مُحْسِنٍ.

وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية، وقرأ أبو عمرو، وابن كثير: «يَدْفَعُ» «١» وَلَوْلا دَفْعُ [الحج: ٤٠] .

قال أبو علي: أجريت «دافع» مُجْرى «دفع» كعاقبت اللِّصَّ وطارقت النعلَ، قال أبو الحسن الأَخْفَشُ: يقولون: دافع الله عنك، ودفع عنك، إلاَّ أَنَّ «دفع» أكثر في الكلام.

قال ع «٢» : ويحسن «يدافع» لأَنَّهُ قد عنّ للمؤمنين من يدفعهم ويؤذيهم، فيجيء دفعه سبحانه مدافعةً عنهم، وروي أَنَّ هذه الآية نزلت بسبب المؤمنين لَمَّا كَثُروا بمكة وآذاهم الكُفَّارُ هَمَّ بعضُهم أَنْ يقتل مَنْ أمكنه من الكُفَّارَ، ويغتالَ، وَيَغْدُرَ، فنزلت هذه الآية إلى قوله: كَفُورٍ، ثم أَذِنَ الله سبحانه في قتال المؤمنين لِمَنْ قاتلهم من الكفار بقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ.

وقوله: بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا معناه: كان الإذن بسبب أنهم «٣» ظُلِمُوا، قال ابن جريج «٤» :

وهذه الآية أول ما نقضت الموادعة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( يَدْفَعُ )، ( ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وهَذا عَلى مَصْدَرِ ( دَفَعَ ) .

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ ) بِألِفٍ، ( ولَوْلا دَفْعُ ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وهَذا عَلى مَصْدَرِ ( دافَعَ )، والمَعْنى: يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا غائِلَةَ المُشْرِكِينَ بِمَنعِهِمْ مِنهم ونَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: إذا فَعَلْتُمْ هَذا وخالَفْتُمُ الجاهِلِيَّةَ فِيما يَفْعَلُونَهُ مِن نَحْرِهِمْ وإشْراكِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْ حِزْبِهِ.

والـ ﴿ خَوّانٍ ﴾ فَعّالٌ مِنَ الخِيانَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَن ذَكَرَ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ، وتَقَرَّبَ إلى الأصْنامِ بِذَبِيحَتِهِ، فَهو خَوّانٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وَحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( أذِنَ ) بِفَتْحِ الألِفِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أُذِنَ ) بِضَمِّها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ التّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ يُؤْذُونَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَيَقُولُ لَهُمُ: " اصْبِرُوا، فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِالقِتالِ "، حَتّى هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وهي أوَّلُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ في القِتالِ» .

وقالَ مُجاهِدٌ: هم ناسٌ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ مُهاجِرِينَ، فَأدْرَكَهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَأُذِنَ لَهم في قِتالِهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ أنْ يُقاتِلُوا.

﴿ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ ؛ أيْ: بِسَبَبِ ما ظُلِمُوا.

ثُمَّ وعَدَهُمُ النَّصْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ تُقْرَأ بِفَتْحِ " إنَّ " هَذِهِ مِن غَيْرِ خِلافٍ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ " إنَّ " إذا كانَتْ مَعَها اللّامُ لَمْ تُفْتَحْ أبَدًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ ﴾ مَعْناهُ: أُخْرِجُوا لِتَوْحِيدِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في ( البَقَرَةِ: ٢٥١ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُدِّمَتْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ: ( لَهُدِمَتْ ) خَفِيفَةً، والباقُونَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ.

فَأمّا الصَّوامِعُ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صَوامِعُ الرُّهْبانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها صَوامِعُ الصّابِئِينَ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

فَأمّا البِيَعُ فَهي جَمْعُ بَيْعَةٍ، وهي بَيْعُ النَّصارى.

وَفِي المُرادِ بِالصَّلَواتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَواضِعُ الصَّلَواتِ.

ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كَنائِسُ اليَهُودِ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، وقَرَأتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُور اللُّغَوِيِّ، قالَ: قَوْلُهُ: ﴿ وَصَلَواتٌ ﴾ : هي كَنائِسُ اليَهُودِ، وهي بِالعِبْرانِيَّةِ: ( صُلُوثا ) .

والثّانِي: أنَّها مَساجِدُ الصّابِئِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها الصَّلَواتُ حَقِيقَةً، والمَعْنى: لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ عَنِ المُسْلِمِينَ بِالمُجاهِدِينَ، لانْقَطَعَتِ الصَّلَواتُ في المَساجِدِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

فَأمّا المَساجِدُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَساجِدُ المُسْلِمِينَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: لَوْلا دَفْعُ بَعْضِ النّاسِ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ في زَمَنِ مُوسى الكَنائِسُ، وفي زَمَنِ عِيسى الصَّوامِعُ والبِيَعُ، وفي زَمَنِ مُحَمَّدٍ المَساجِدُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكِنايَةَ تَرْجِعُ إلى جَمِيعِ الأماكِنِ المَذْكُوراتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: إلى المَساجِدِ خاصَّةً؛ لِأنَّ جَمِيعَ المَواضِعِ المَذْكُورَةِ الغالِبُ فِيها الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ﴾ ؛ أيْ: مَن يَنْصُرُ دِينَهُ وشَرْعَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ صِفَةُ ناصِرِيهِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: التَّمْكِينُ في الأرْضِ: نُصْرَتُهم عَلى عَدُوِّهِمْ، والمَعْرُوفُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والمُنْكَرُ: الشِّرْكُ.

قالَ الأكْثَرُونَ: وهَؤُلاءِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقالَ القُرَظِيُّ: هُمُ الوُلاةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ ؛ أيْ: إلَيْهِ مَرْجِعُها؛ لِأنَّ كُلَّ مَلِكٍ يُبْطِلُ سِوى مُلْكِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ ﴾ ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللهُ ولَوْلا دَفْعُ اللهُ الناسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللهُ كَثِيرًا ولَيَنْصُرَنَّ اللهُ مِن يَنْصُرُهُ إنَّ اللهُ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ المُؤْمِنِينَ، لَمّا كَثُرُوا بِمَكَّةَ وآذاهُمُ الكُفّارُ وهاجَرَ مَن هاجَرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ أرادَ بَعْضُ مُؤْمِنِي مَكَّةَ أنْ يَقْتُلَ مَن أمْكَنَهُ مِنَ الكُفّارِ ويَغْتالُ ويَغْدِرُ ويَحْتالُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "كَفُورٍ"، ووَعَدَ فِيها بِالمُدافِعَةِ، ونَهى أفْصَحَ نَهْيٍ عَنِ الخِيانَةِ والغَدْرِ.

وقَرَأ نافِعُ، والحُسْنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يُدافِعُ" "وَلَوْلا دِفاعُ"، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وابْنُ كَثِيرٍ: "يَدْفَعُ"، "وَلَوْلا دَفْعُ"، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُدافِعُ"، "وَلَوْلا دَفْعُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أُجْرِيَتْ "دافَعَ" في هَذِهِ القِراءَةِ مَجْرى "دَفَعَ"، كَعاقَبْتُ اللِصَّ وطارَقَتِ النَعْلَ، فَجاءَ المَصْدَرُ دَفْعًا، قالَ أبُو الحَسَنِ والأخْفَشُ: أكْثَرُ الكَلامِ أنَّ اللهَ يَدْفَعُ، ويَقُولُونَ: دافَعَ اللهُ عنكَ إلّا أنْ دَفْعَ أكْثَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَحْسُنُ في الآيَةِ "يُدافِعُ" لِأنَّهُ قَدْ عَنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَن يَدْفَعُهم ويُؤْذِيهِمْ فَتَجِيءُ مُعارَضَتُهُ ودَفْعُهُ مُدافِعَةً عنهُمْ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ "دِفاعًا" مَصْدَرُ "دَفَعَ"، كَحَسَبْتُ حِسابًا.

ثُمْ أذِنَ اللهُ تَعالى في قِتالِ المُؤْمِنِينَ لِمَن قاتَلَهم مِنَ الكَفّارِ بِقَوْلِهِ: "أذِنَ"، وصُورَةُ الإذْنِ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسْبَ القِراءاتِ، فَبَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ، فَقَرَأ نافِعٌ، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "أُذِنَ" بِضَمِّ الألْفِ "يُقاتِلُونَ" بِفَتْحِ التاءِ، أيْ: في أنْ يُقاتِلَهُمْ، فالإذْنُ في هَذِهِ القِراءَةِ ظاهَرٌ أنَّهُ في مُجازاةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، والحَسَنُ، والزَهْرِيُّ: "أُذِنَ" بِضَمِّ الألْفِ "يُقاتِلُونَ" بِكَسْرِ التاءِ، فالإذْنُ في هَذِهِ القِراءَةِ في ابْتِداءِ القِتالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أذِنَ" بِفَتْحِ الألِفِ "يُقاتِلُونَ" بِكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الألِفِ والتاءِ جَمِيعًا، وهي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أُذِنَ لِلَّذِينِ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ" بِكَسْرِ التاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "أُذِنَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "لِلَّذِينِ قاتَلُوا"، وذَلِكَ قَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ إلّا أنَّهُما فَتَحا هَمْزَةَ "أُذِنَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ مَعْناهُ: كانَ الإذْنُ بِسَبَبِ أنَّهم ظَلَمُوا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وهَذِهِ الآيَةُ أوَّلُ ما نَقَضَ المُوادَعَةَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ عِنْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ  إلى المَدِينَةِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمّا سَمِعْتُ عَلِمْتُ أنَّهُ سَيَكُونُ قِتالٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ في مُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ أرادُوا الهِجْرَةَ إلى المَدِينَةِ فَمُنِعُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما بَعْدَ هَذا في الآيَةِ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ مُنِعُوا الخُرُوجَ لا أُخْرِجُوا.

ثُمْ وعَدَ تَعالى بِالنَصْرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَإنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ يُرِيدُ كُلَّ مِن نَبَتْ بِهِ مَكَّةُ وآذاهُ أهْلُها حَتّى أخْرَجُوهُ بِإذايَتِهِمْ، طائِفَةٌ إلى الحَبَشَةِ وطائِفَةٌ إلى المَدِينَةِ، ونَسَبَ الإخْراجَ إلى الكُفّارِ لِأنَّ الكَلامَ في مَعْرِضِ تَقْرِيرِ الذَنْبِ وإلْزامِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ فِيهِ البَدَلُ، وجَوَّزَهُ أبُو إسْحَقٍ، والأوَّلُ أصْوَبُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ الناسَ ﴾ الآيَةُ تَقْوِيَةٌ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ، وذَكَرَ الحُجَّةَ بِالمَصْلَحَةِ فِيهِ، وذَكَرَ أنَّهُ مُتَقَدِّمْ في الأُمَمِ، وبِهِ صَلَحَتِ الشَرائِعُ واجْتَمَعَتِ المُتَعَبِّداتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: أُذِنَ في القِتالِ فَلْيُقاتِلِ المُؤْمِنُونَ، ولَوْلا القِتالُ والجِهادُ لَتُغُلِّبَ عَلى الحَقِّ في كُلِّ أُمَّةٍ.

هَذا أصْوَبُ تَأْوِيلاتِ الآيَةِ.

ثُمْ ما قِيلَ بَعْدُ مِن مَثْلِ الدِفاعِ تَبِعَ لِلْجِهادِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ ظُلْمَ قَوْمٍ لِشَهادَةِ العُدُولِ ونَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ ظُلْمَ الظَلَمَةِ بِعَدْلِ الوُلاةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ بِأصْحابِ مُحَمَّدٍ  الكُفّارَ عَنِ التابِعَيْنِ فَمِن بَعْدَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ فِيهِ دَفْعُ قَوْمٍ بِقَوْمٍ إلّا أنَّ مَعْنى القِتالِ ألْيَقُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ العَذابَ بِدُعاءِ الفُضَلاءِ والأخْيارِ ونَحْوَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وما شاكَلَهُ مُفْسِدٌ لِمَعْنى الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي ولا بُدَّ مَدْفُوعًا مِنَ الناسِ ومَدْفُوعًا عنهُ، فَتَأمَّلَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: "لَهُدِمَتْ" مُخَفَّفَةَ الدالِّ، وقَرَأ الباقُونَ: "لَهُدِّمَتْ" مُشَدَّدَةَ الدالِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ تَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي صَوامِعُ كَثِيرَةٌ فَفي هَدْمِها تَكْرارٌ وكَثْرَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ  ﴾ فَثَقَّلَ الياءَ، وقالَ: " قَصْرٍ مَشِيدٍ " فَخَفَّفَ لِكَوْنِهِ فَرْدًا، ومِنهُ ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ  ﴾ ، و ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ  ﴾ .

وَ "الصَوْمَعَةُ": مَوْضِعُ العِبادَةِ، وزْنُها فَوْعَلَةٌ، وهي بِناءٌ مُرْتَفِعٌ مُنْفَرِدٌ حَدِيدُ الأعْلى، والصَوْمَعُ مِنَ الرِجالِ: الحَدِيدُ القَلْبِ، وكانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ مُخْتَصَّةً بِالرُهْبانِ النَصارى وبِعُبّادِ الصابِئِينَ -قالَهُ قَتادَةُ - ثُمُ اُسْتُعْمِلَ في مِئْذَنَةِ المُسْلِمِينَ.

و"البِيَعُ": كَنائِسُ النَصارى، واحِدَتُها بَيْعَةٌ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: هي كَنائِسُ اليَهُودِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ثُمْ أدْخَلَ عن مُجاهِدٍ ما لا يَقْتَضِي ذَلِكَ.

و"الصَلَواتُ" مُشْتَرَكَةٌ لِكُلِّ مِلَّةٍ، واسْتُعِيرَ الهَدْمُ لِلصَّلَواتِ مِن حَيْثُ تُعَطَّلَ، أو أرادَ: مَوْضِعَ صَلَواتٍ، وذَهَبَتْ فَرِقَّةٌ إلى أنَّ "الصَلَواتَ" اسْمٌ لِكَنائِسِ اليَهُودِ، وأنَّ اللَفْظَةَ عِبْرانِيَّةٌ عُرِّبَتْ، ولَيْسَتْ بِجَمْعِ صَلاةٍ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: الصَلَواتُ مَساجِدُ الصابِئِينَ.

واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَلَواتٌ" بِفَتْحِ الصادِ واللامِ وبِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، وذَلِكَ إمّا بِتَقْدِيرِ: مَواضِعُ صَلَواتِ، وإمّا عَلى أنَّ تَعْطِيلَ الصَلاةِ هَدَمُها، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "صَلْواتٌ" بِفَتْحِ الصادِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صِلْواتٌ" بِكَسْرِ الصادِ وسُكُونِ اللامِ، حَكاها ابْنُ جِنِّيِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "وَصُلُواتٌ" بِنُقْطَتَيْنِ مِن فَوْقٍ وبِضَمِّ الصادِ واللامِ، عَلى وزْنِ فُعُولِ، قالَ: وهي مَساجِدُ النَصارى، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ: "وَصُلُوبٌ" بِضَمِّ الصادِ واللامِ وبِالباءِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ صَلِيبٍ، وقَرَأ الضَحّاكُ والكَلْبِيُّ: "وَصُلُوثٌ" بِضَمِّ الصادِ واللامِ وبِالثاءِ مَنقُوطَةً ثَلاثًا، قالُوا: وهي مَساجِدُ اليَهُودِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صَلْوَتٌ" بِفَتْحِ الصادِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَصُلُواتٌ" بِضَمِّ الصادِ واللامِ، حَكاها ابْنُ جِنِّيِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صُلُوَتَيِ" بِضَمِّ الصادِ واللامِ وقَصْرِ الألْفِ بَعْدِ التاءِ، وحَكى ابْنُ جِنِّيِ أنَّ خارِجَ بابِ المُوصِلِ بُيُوتٌ تُدْفَنُ فِيها النَصارى يُقالُ لَها: صَلَواتٌ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: "صِلْوِتَيْ" بِكَسْرِ الصادِ وسُكُونِ اللامِ وكَسْرِ الواوِ وقَصْرِ الألْفِ بَعْدِ التاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَ خَصِيفٌ إلى أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ قَصْدُها تَقْسِيمُ مُتَعَبِّداتِ الأُمَمِ، فالصَوامِعُ لِلرُّهْبانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِيلَ: لِلصّابِئِينَ، والبِيَعُ لِلنَّصارى، والصَلَواتُ لِلْيَهُودِ، والمَساجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ أنَّها قُصِدَ بِها المُبالَغَةُ في ذِكْرِ المُتَعَبِّداتِ، وهَذِهِ الأسْماءُ تَشْتَرِكُ الأُمَمُ في مُسَمَّياتِها إلّا البَيْعَةَ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالنَصارى في عُرْفِ لُغَةِ العَرَبِ، ومَعانِي هَذِهِ الأسْماءِ هي في الأُمَمِ الَّتِي لَها كِتابٌ عَلى قَدِيمِ الدَهْرِ، ولَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ المَجُوسَ ولا أهْلَ الِاشْتِراكِ لِأنَّ هَؤُلاءِ لَيْسَ لَهم ما تَجِبُ حِمايَتُهُ، ولا يُوجَدُ ذِكْرُ اللهِ تَعالى إلّا عِنْدَ أهْلِ الشَرائِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللهِ كَثِيرًا ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ.

ثُمْ وعَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِنَصْرِهِ ونَصْرِ دِينِهِ وشَرْعِهِ، وفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى القِتالِ والجِدِّ فِيهِ، ثُمُ الآيَةُ تَعُمْ كُلَّ مَن نُصِرَ حَقًّا إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة وقعت بدل اشتمال من جملة: ﴿ إن الله يدافع ﴾ [الحج: 38] لأن دفاع الله عن الناس يكون تارة بالإذن لهم بمقاتلة من أراد الله مدافعتهم عنهم فإنه إذا أذن لهم بمقاتلتهم كان متكفلاً لهم بالنصر.

وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم ﴿ أُذِن ﴾ بالبناء للنائب.

وقرأه الباقون بالبناء إلى الفاعل.

وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص، وأبو جعفر ﴿ يقاتَلون ﴾ بفتح التاء الفوقية مبنياً إلى المجهول.

وقرأه البقية بكسر التاء مبنياً للفاعل.

والذين يقاتلون مراد بهم المؤمنون على كلتا القراءتين لأنهم إذا قوتلوا فقد قاتَلوا.

والقتال مستعمل في المعنى المجازي إما بمادته، وإما بصيغة المضي.

فعلى قراءة فتح التاء فالمراد بالقتال فيه القتل المجازي، وهو الأذى.

وأما على قراءة ﴿ يقاتِلون ﴾ بكسر التاء فصيغة المضي مستعملة مجازاً في التهيُّؤِ والاستعداد، أي أذن للذين تَهَيّئوا للقتال وانتظروا إذن الله.

وذلك أنّ المشركين كانوا يُؤذون المؤمنين بمكة أذى شديداً فكان المسلمون يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومَر بالقتال، فلما هاجر نزلت هذه الآية بعد بيعة العقبة إذناً لهم بالتهيُّؤ للدفاع عن أنفسهم ولم يكن قتال قبل ذلك كما يؤذن به قوله تعالى عقب هذا: ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ﴾ [الحج: 40].

والباء في ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أراها متعلقة ب ﴿ أذن ﴾ لتضمينه معنى الإخبار، أي أخبرناهم بأنهم مظلومون.

وهذا الإخبار كناية عن الإذن للدفاع لأنك إذا قلت لأحد: إنك مظلوم، فكأنك استعديته على ظالمه، وذكرته بوجوب الدفاع، وقرينة ذلك تعقيبه بقوله: ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ نائب فاعل ﴿ أذن ﴾ على قراءة ضم الهمزة أو مفعولاً على قراءة فتح الهمزة.

وذهب المفسرون إلى أن الباء سببية وأن المأذون به محذوف دل عليه قوله ﴿ يقاتلون، ﴾ أي أُذن لهم في القتال.

وهذا يجري على كلتا القراءتين في قوله ﴿ يقاتلون ﴾ والتفسير الذي رأيتُه أنسبُ وأرشق.

وجملة ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عطف على جملة ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ أي أذن لهم بذلك وذُكروا بقدرة الله على أن ينصرهم.

وهذا وعد من الله بالنصر وارد على سنن كلام العظيم المقتدر بإيراد الوعد في صورة الإخبار بأن ذلك بمحل العلم منه ونحوه، كقولهم: عسى أن يكون كذا، أو أن عندنا خيراً، أو نحو ذلك، بحيث لا يبقى للمترقب شك في الفوز بمطلوبه.

وتوكيد هذا الخبر بحرف التوكيد لتحقيقه أو تعريض بتنزيلهم منزلة المتردد في ذلك لأنهم استبطأوا النصر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالكُفّارِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، وبِالعُصاةِ عَنِ المُطِيعِينَ، وبِالجُهّالِ عَنِ العُلَماءِ.

والثّانِي: يَدْفَعُ بِنُورِ السُّنَّةِ ظُلُماتِ البِدْعَةِ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ المُشْرِكِينَ بِالمُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ عَنِ الدِّينِ بِالمُجاهِدِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بِالنَّبِيِّينَ عَنِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

والرّابِعُ: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  عَمَّنْ بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ، وهَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

والخامِسُ: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بِشَهادَةِ الشُّهُودِ عَلى الحُقُوقِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والسّادِسُ: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ عَلى النُّفُوسِ بِالفَضائِلِ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.

وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي تَأْوِيلًا سابِعًا: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ عَنِ المُنْكَرِ بِالمَعْرُوفِ.

﴿ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّها صَوامِعُ الرُّهْبانِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّها مُصَلّى الصّابِئِينَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «صَوْمَعَةُ المُؤْمِنِ بَيْتُهُ» وسُمِّيَتْ صَوْمَعَةً لِانْضِمامِ طَرَفَيْها، والمُنْصَمِعُ: المُنْضَمُّ، ومِنهُ أُذُنٌ صَمْعاءُ.

﴿ وَبِيَعٌ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِيَعُ النَّصارى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها كَنائِسُ اليَهُودِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، والبِيعَةُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ.

﴿ وَصَلَواتٌ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كَنائِسُ اليَهُودِ يُسَمُّونَها: صَلْوَتا، فَعُرِّبَ جَمْعُها، فَقِيلَ صَلَواتٌ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والثّانِي: مَعْناهُ: وتُرِكَتْ صَلَواتٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَمَساجِدُ ﴾ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِهَدْمِها الآنَ المُشْرِكُونَ لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بِالمُسْلِمِينَ، وهو مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.

والثّانِي: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ في أيّامِ شَرِيعَةِ مُوسى، وبِيَعٌ في أيّامِ شَرِيعَةِ عِيسى ومَساجِدُ في أيّامِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، فَكانَ المُرادُ بِهَدْمِ كُلِّ شَرِيعَةٍ، المَوْضِعَ الَّذِي يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: لما خرج النبي- صلى الله عليه وسلم- من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن القوم!

فنزلت ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ الآية.

وكان ابن عباس يقرأها ﴿ أذن ﴾ قال أبو بكر: فعملت أنه سيكون قتال.

قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد قال: خرج ناس مؤمنون مهاجرين من مكة إلى المدينة، فاتبعهم كفار قريش، فأذن لهم في قتالهم فأنزل الله: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ الآية.

فقاتلوهم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير أن أول آية أنزلت في القتال حين ابتلي المسلمون بمكة وسطت بهم عشائرهم، ليفتنوهم عن الإسلام، وأخرجوهم من ديارهم، وتظاهروا عليهم، فأنزل الله: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ الآية.

وذلك حين أذن الله لرسوله بالخروج، وأذن لهم بالقتال.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن أبي هريرة قال: كانت أول آية نزلت في القتال ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ قال: أذن لهم في قتالهم، بعدما عفى عنهم عشر سنين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ قال النبي: صلى الله عليه وسلم وأصحابه ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ يعني ظلمهم أهل مكة حين أخرجوهم من ديارهم.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن سيرين قال: أشرف عليهم عثمان من القصر فقال: ائتوني برجل قارئ كتاب الله، فأتوه بصعصعة بن صوحان، فتكلم بكلام فقال: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ فقال له عثمان: كذبت!

ليست لك ولا لأصحابك، ولكنها لي ولأصحابي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير (١) (٢) (٣)  - من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيَّهم ليهلكن.

فنزلت هذه الآية.

قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال (٤) قال المفسرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله -  - فلا يزالون يجيئون من بين مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك فيقول لهم النبي -  -: "اصبروا فإنّي لم أؤمر بالقتال"، حتى هاجر فأنزل الله هذه الآية (٥) وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد -في هذه الآية- قال: ناس مؤمنون مهاجرون خرجوا من مكة إلى المدينة، وكانوا يمنعون، فأدركهم كفار قريش، فأذن الله للمؤمنين بقتال الكفار (٦) وعلى هذا القول الآية نازلةٌ في قوم مخصوصين بأعيانهم.

والقول الأول عليه أهل التفسير.

قال مقاتل بن حيان: إن مشركي مكة كانوا يؤذون المسلمين بمكة، فاستأذنوا النبي -  - في قتالهم، فنهاهم فلما خرج إلى المدينة أنزل عليه بالمدينة هذه الآية، وهي أول آية نزلت عليهم (٧) (٨) وقرئ "أذن" بفتح الألف وبضمها (٩) (١٠) (١١) ﴿ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ﴾ في موضع نصب ومن ضم الألف بني الفعل للمفعول به، والمعنى على أن الله سبحانه وتعالى أذن لهم في القتال، والجار والمجرور في موضع رفع لإسناد الفعل المني للمفعول إليهم.

والمأذون لهم في القتال أصحاب رسول الله -  - (١٢) وقوله: "يقاتِلون" أي: الذين يقاتلون عدوهم الظالمين لهم بإخراجهم عن ديارهم.

وهم المؤمنون.

وقرئ "يقاتَلون" بفتح التاء (١٣) (١٤) وفي الآية محذوف يدل على ظاهر الكلام.

قال الفراء (١٥) (١٦) وقال أبو علي: المعنى فيه: أذن للذين يقاتَلون بالقتال.

قال (١٧) (١٨) (١٩) وقوله: ﴿ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ قال المبّرد: أي من أجل أنّهم ظلموا.

وقال أبو إسحاق: بسبب ما ظلموا (٢٠) قال ابن عباس: اعتدوا عليهم وظاهروا عليهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم.

قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ قال مقاتل: يعني نصر أصحاب النبي -  - فنصرهم عليهم (٢١) وقال أبو إسحاق: هذا وعبد من الله بالنَّصر (٢٢) (١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 39، والإمام أحمد في "مسنده" 3/ 261 - 262، والنسائي في "التفسير" 2/ 88، والطبري في "تفسيره" 17/ 172، والحاكم في "مستدركه" 2/ 66 كلهم من طريق سفيان الثوري، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

قال أحمد شاكر في تعليقه على المسند 3/ 261: إسناده صحيح.

(٢) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 39، والطبري 17/ 173.

(٣) رواه عنه النسائي في "تفسيره" 2/ 89 - 90.

(٤) رواه الترمذي في جامعه (كتاب التفسير -باب ومن سورة الحج 9/ 15) من رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

ثم قال: وقد رواه غير واحد عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير مرسلا وليس فيه عن ابن عباس.

(٥) ذكره الثعلبي 3/ 53 ب بنصَّه.

قال الزيلعي في كتابه "تخريج أحاديث الكشاف" 2/ 388 - بعد ذكره لما ساقه الزمخشري من وهو مثل الرواية هنا-: غريب جدًّا، وعزاه للواحدي في الوسيط.

== وقال ابن حجر في "الكافي": لم أجده هكذا.

ثم قال: وهو منتزع من أحاديث أقربها ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان في قوله "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا": وذلك أن مشركي مكة كانوا يؤذون المسلمين بمكة، فأستاذنوا النبي -  - في قتالهم بمكة فنهاهم؛ ليمتحن بذلك النبي -  - عن ذلك، فلما خرج النبي -  - إلى المدينة أنزل عليه "أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا".

وذكر الطبري عن الضحاك: أن الصحابة  م استأذنوا رسول الله -  - في قتال الكفار إذ آذوهم واشتطوا عليهم بمكة قبل الهجرة غيلة وسرا، فأنزل الله "إن الله لا يحب كل خوان كفور، فلما هاجروا أطلق لهم قتلهم وقتالهم، فقال "أذن للذين يقاتلون" الآية.

(٦) رواه الطبري 17/ 173 عنه من رواية ابن أبي نجيح، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 57 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الدلائل".

(٧) (عليهم): ساقطة من (ط)، وفي (د)، (ع): (نزلت في القتال عليهم).

(٨) تقدم في كلام ابن حجر أنَّ ابن أبي حاتم أخرجه عنه.

(٩) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وابن عامر: "أذن" مفتوحة الألف، وقرأ == الباقون بضمها.

"السبعة" ص 437، "التَّبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157، "الإقناع" 2/ 706.

(١٠) في (ظ): (علي ما تقدّم)، وفي "الحجة" للفارسي: فلما تقدم.

(١١) يعني أنَّه قرب من قوله -قبلها-: "إن الله لا يحب كل خوان كفور"، فأسندوا الفعل إلى الله لتقدم اسمه وأنَّ الفعل قرب منه.

قاله ابن زنجلة في "حجة القراءات" ص 478.

(١٢) من قوله: من فتح الألف إلى هنا.

هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 280 - 281 مع تقديم وتأخير.

وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 426، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 478، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 120.

(١٣) قرأ نافع، وحفص عن عاصم، وابن عامر: "يقاتلون" بفتح التاء، وقرأ الباقون بكسر التاء.

"السبعة" ص 437، "التبصرة" ص 266: "التيسير" ص 157، "الإقناع" 2/ 706.

(١٤) من قوله: الذين يقاتلون عدوهم ...

إلى هنا.

هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 280 - 281 مع تقديم وتأخير.

== وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 478 - 479، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 121.

(١٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 227.

(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 430.

(١٧) (قال): ساقطة من (ظ).

(١٨) في (ظ): (بالدلالة).

(١٩) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 281.

(٢٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 430.

(٢١) "تفسير مقاتل" 2/ 26 أ.

(٢٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 430 بنحوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ﴾ هذه أول آية نزلت في الإذن في القتال، ونسخت الموادعة مع الكفار، وكان نزولها عند الهجرة، وقرئ أذن بضم الهمزة على البناء لما لم يسم فاعله وبالفتح على البناء للفاعل وهو الله تعالى والمعنى أذن لهم في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة ﴿ يُقَاتَلُونَ ﴾ عليه، وقرئ ﴿ يُقَاتَلُونَ ﴾ بفتح التاء وكسرها ﴿ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ﴾ أي بسبب أنهم ظلموا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بهمزتين منصوباً: نافع وحفص.

مثله ولكن بتخفيف الأولى واواً ساكنة.

أبو بكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ههنا بالهمزة والنصب.

وفي "فاطر" بالهمز والخفض.

الباقون بالهمز والخفض في السورتين ﴿ سواء ﴾ بالنصب: حفص وروح وزيد.

الآخرون بالرفع.

﴿ والبادي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ بوأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ بيتي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام.

﴿ فتخطفه ﴾ بتشديد الطاء: أبو جعفر ونافع ﴿ الرياح ﴾ يزيد طريق المفضل ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون: عباس ﴿ منسكاً ﴾ ونحو بكسر السين: حمزة وعلي وخلف ﴿ لن تنال الله ﴾ بتاء التأنيث: يعقوب ﴿ ولكن تناله ﴾ بالتأنيث أيضاً زيد ﴿ يدفع ﴾ من الدفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون ﴿ يدافع ﴾ من المدافعة ﴿ أذن ﴾ مبنياً للمفعول: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ يقاتلون ﴾ مبنياً للمفعول أيضاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنياً للفاعل فيهما.

﴿ دفاع ﴾ بألف: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لهدمت ﴾ مخففاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلق مشدداً مدغماً الباقون مشدداً.

الوقوف: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ط ﴿ من القول ﴾ ج للعطف مع تكرار ﴿ وهدوا ﴾ ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ والباد ﴾ ه ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ عميق ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ الأنعام ﴾ ج للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ الفقير ﴾ ه للعطف مع العدول ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ما ذكر أو الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ مشركين به ﴾ ط ﴿ سحيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ اسلموا ﴾ ط ﴿ المخبتين ﴾ ه لا لاتصال الوصف ﴿ الصلاة ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ج ه ﴿ خير ﴾ ق والوصل أحسن للفاء ﴿ صواف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ والمعتر ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ هداكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ لقدير ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ بدل من الضمير في ﴿ نصرهم ﴾ ﴿ ربنا الله ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ينصره ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف.

ومن قرأ ﴿ لؤلؤاً ﴾ بالنصب فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤاً لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئاً منظوماً منه.

﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ أي إلى طريق المقام المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد  الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وقال السدي: الطيب من القول هو القرآن.

وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل الكفر ومن دناهم فقال ﴿ إن الذين كفروا ويصدون ﴾ إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا واستمروا على الصد.

وقال ابو علي الفارسي.

كفروا في الماضي وهم الآن يصدون.

عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله  ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي.

ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فعلى أنه مفعول ثانٍ لجعلنا أي جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فيه والباد ﴾ ومن قرأ بالرفع فعلى أن ﴿ العاكف ﴾ مبتدأ و ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم والجملة مفعول ثان ويجوز أن يكون ﴿ للناس ﴾ مفعولاً ثانياً اي جعلناه متعبداً لكل من وقع عليه اسم الناس، وقوله ﴿ سواء ﴾ إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي يستويان في أي شيء فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما روي أنه  قال "مكة مباحة سبق إليها" وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضاً، ولأجل ذلك زعموا أن كراء دور مكة حرام.

والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه قوله  " "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله  ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق  ﴾ بأن عمر اشترى دار السجن فسكت إسحق وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام ههنا مكة كلها لأنه جعل العاكف فيه بإزاء البادي.

أجاب الأكثرون بأنه اراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه.

والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله ﴿ وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه  ﴾ وقوله ﴿ بالحاد بظلم ﴾ حالان ومفعول ﴿ يرد ﴾ متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مراداً ما جائراً ظالماً.

وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير وابن عباس في رواية عطاء أنه الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله.

وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً.

فأمر النبي  بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم.

وعن مجاهد أنه الاحتكار.

وقيل: المنع من عمارته.

وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة "لا والله" وبلى والله.

ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل "لا والله" و"بلى والله".

والأولى التعميم.

وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجباً في كل مكان إلا أن وجوبه هناك أو كد فللمكان خاصية كما للزمكان ولهذا قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات.

عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب هناك ذنباً وإن لم يخرج إلى الفعل.

وعنه لو أن رجلاً يهم بأن يعمل سيئة عند البيتن اذاقه الله  عذاباً أليماً.

واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال ﴿ وإذ بوأنا ﴾ أي واذكر حين جعلنا ﴿ لإبراهيم مكان البيت ﴾ مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، ويروى أن موضع البيت كان مطموساً بفبعث الله  ريحاً كنست ما حوله حتى ظهر اسه القديم فبنى إبراهيم عليه وقد مر قصة ذلك في "البقرة".

وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في العرض والطول وفيها راس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة.

وأن في ﴿ أن لا تشرك ﴾ هي المفسرة وذلك أن المقصود من التوبة هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك وطهر وقد مر مثله في "البقرة".

وإنما قال ههنا ﴿ والقائمين ﴾ لأن العاكف ذكر مرة في قوله ﴿ سواء العاكف ﴾ والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله ﴿ والركع السجود ﴾ أو بمعنى المقيم المتوطن.

والظاهر أن الخطاب في ﴿ وأذن ﴾ لإبراهيم أيضاً أي ناد ﴿ في الناس ﴾ وهو أن يقول حجوا أو عليكم ﴿ بالحج ﴾ يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: ايها الناس حجوا بيت ربكم، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر.

ولعل الفائدة في قوله ﴿ يأتوك ﴾ هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان إليه.

وأيضاً هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه.

وعن الحسن وهو اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي  وأنه معطوف على "أذكر" مقدراً، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة الوداع قولان.

وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل.

وقوله ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ حال آخر كأنه قيل رجالاً وركباناً.

والضامر البعير المهزول لطول السفر.

﴿ ويأتين ﴾ صفة ﴿ لكل ضامر ﴾ لأنه في معنى الجمع.

والفج الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة.

والعميق البعيد ومثله معيق وبه قرأ ابن مسعود.

وفي تقديم المشاة تشريف لهم.

روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي  "إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟

قال: الحسنة بمائة ألف حسنة" قال جار الله: ذكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله  لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان يفعله المشركون من الذبح للنصب.

وفي قوله ﴿ على ما رزقهم ﴾ إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله  ولو قيل "لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام" لم يكن شيء من هذه الفوائد.

والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها.

ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة ايام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد.

وعلى الأول يكون قوله ﴿ في أيام ﴾ متعلقاً بكلا الفعلين أعني ﴿ ليشهدوا ﴾ ﴿ وليذكروا ﴾ وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني.

ومعنى ﴿ بهيمة الأنعام ﴾ بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل: إذا ذبحت فقل "بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك" وتستقبل القبلة.

وزاد الكلبي "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".

قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.

أما قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في "التوبة" وفي غيرها.

ثم من الناس من قال: الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم.

والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب.

ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين.

ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار.

والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً.

وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه "عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟

قال: انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" .

وقال ايضاً  في مثله: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" .

قوله ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ لا يبعد أن يكون معطوفاً على ﴿ ليشهدوا ﴾ فإن هذه الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين الحاضرين قبلها والله أعلم.

قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في معنى النفث.

وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير.

وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله ﴿ ثم ليقضوا نفثهم ﴾ ؟

فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك!

ثم زعم القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي.

وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها.

وأجمع أهل التفسير على أن المراد ههنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.

فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم وليوفوا نذورهم اي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه.

﴿ وليطوفوا ﴾ هو طواف الإفاضة والزيارة التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ وقيل: هو طواف الوداع والصدر.

سمي ﴿ بالبيت العتيق ﴾ لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن، وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عيله وسلم.

وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط.

وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان.

وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم "عتاق الخيل والطير".

والحرمة مالا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن يراد ههنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل.

وتعظيمها العلم بوجوبها والقيام بحقوقها.

وقوله ﴿ فهو خير ﴾ أي فالتعظيم له خير من التهاون بذلك.

وقوله ﴿ عند ربه ﴾ إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله.

قوله ﴿ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ قد مر في أول "المائدة" مثله أي إلا ما يتلى عليكم آية تحيمه وهي ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ أو قوله ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم  ﴾ أو قوله ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلاً ﴿ فاجتنبوا الرجس ﴾ وبينه بقوله ﴿ من الأوثان ﴾ أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك "عندي عشرون من الدراهم".

والرجس العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله ﴿ رجس من عمل الشيطان  ﴾ والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم "رجل صدق" جمع بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي راس الزور وملاكه.

قال الصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة ممادية في القبح والسماجة.

وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام.

ومنها أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي  .

ومنها أنه الكذب والبهتان.

ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" وقوله ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ حالان مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله ﴿ حنيفاً ولم يك من المشركين  ﴾ وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن كان مقدماً في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب عليه قوله ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآية.

قال جار الله: إن كان تشبيهاً مركباً فمعناه من أشرك بالله فقد هلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاحتطفه أي استلبته الطير فتفرق مزعاً أي قطعاً من اللحم في حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة.

وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة.

وتعظيم شعائر الله وهي الهدايا كما مر في أمر "المائدة" هي أن يختارها عظام الأجرام غالية الأثمان.

وقد مر وصفها الشرعي في "البقرة" في قوله { ﴿ فما استيسر من الهدي  ﴾ وقد أهدى رسول الله  مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف ﴿ فإنها من تقوى القلوب ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به.

وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة.

أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أويقدر فإن تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قلوبنا ﴿ ومن يعظم شعائر الله ﴾ فإن تلك الخلة منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر الجوارح دونها.

ثم كان لسائل أن يسال: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب بها إلى الله  ؟

فلهذا قال ﴿ لكم فيها منافع ﴾ يعني الدنيوية من الدر وركوب الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله ﴿ لكم فيها خير ﴾ ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه بقوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ وهو أوان النحر.

ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب مه وهو الحرم كما مر في قوله ﴿ هديا بالغ الكعبة  ﴾ ومثله قوله:بلغنا البلد" إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده.

قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها.روى أبو هريرة " أنه  مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال  : اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي.

فقال: اركبها ويلك" .

وعن جابر أنه  قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً" .

وهذا هو الذي اختاره الشافعي.

وعن ابي حنيفة أنه لا يجوز الإنتفاع بها لأنه لا يجوز إجازتها ولو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها.

وضعف بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها.

وممن ذهب إلى هذا القول من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هدياً، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها.

وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك.

أجاب الأولون بأن الضمير في قوله ﴿ لكم فيها منافع ﴾ عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه.

قال في الكشاف: "ثم" للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع محلها منتهية إلى البيت.

ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ موضعاً أو وقتاً يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس.

ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلاً ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح إلا إسمه.

ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله.

ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلاً ﴿ فله أسلموا ﴾ أي خصوه بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصاً لوجهه من غير شائبة إشراك.

ثم أمر نبيه  بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت للمطمئن من الأرض، وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة.

ثم عطف على المخبتين قوله ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال.

ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة والزكاة وقوله ﴿ ومما رزقناهم ﴾ عطف على ﴿ المقيمي الصلاة ﴾ من حيث المعنى كأنه قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.

ثم عاد إلى تعظيم شأن الضحايا مرة اخرى وخص منها العظام الجسام بقوله ﴿ والبدن جعلناها ﴾ هي بضم الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق البقرة بها حكماً.

قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: عليَّ بدنة يجوز له نحرها في غير مكة.

وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة أو بقرة تذبح هناك.

واتفقوا فيما إذا نذر هدياً أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما إذا أنذر جزوراً أنه يذبحه حيث شاء.

وانتصب قوله و ﴿ البدن ﴾ بفعل يفسره ما بعده.

ومعنى جعلها من شعائر الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله.

عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول ﴿ لكم فيها خير ﴾ أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا.

وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلاً منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذراً من التكرار ما أمكن.

ومعنى ﴿ صواف ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين.

﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ اي سقطت على الأرض من وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت.

والمعنى إذا زهق روحها حل لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل تعففاً.

وقيل: بالعكس فهماً من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعرّه اي عيبه فلا يسال أو يسأل.

ثم منَّ على عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعوناً في لباتها مثل التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرماً وأقل قوة لولا أنه  سخرها.

يورى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ودمائها فبين الله  ما هو المقصود منها فقال ﴿ لن ينال الله ﴾ أي لن يصيب رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق.

﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ بأن يكون القربان حلالاً روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما آمر.

ثم كرر منة التسخير وأن الغاية تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في "البقرة" في آية الصيام.

قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون التقوى فعلاً له وإلا كان بمنزلة الأجسام.

وأيضاً إنه قد شرط التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله.

والجواب أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس من أفعاله.

وأيضاً إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متقٍ ﴿ وبشر المحسنين ﴾ إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها.

والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها.

وحين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة البيت فقال ﴿ إن الله يدفع ﴾ ومن قرأ ﴿ يدافع ﴾ فمعناه يبالغ في الدفع ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله فيه يدل عليه تعليله بقوله ﴿ إن الله لايحب كل خوان كفور ﴾ أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته قال مقاتل: اقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟

وكان أصحاب رسول الله  يلقون من المشركين أذى شديداً وكانوا يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فنزل ﴿ أذن ﴾ وفاعله الله  أم لم يسم والمأذون فيه القتال بدليل قوله ﴿ للذين يقاتلون ﴾ إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية.

وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم.

وفي قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ ثم في قوله ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك.

لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ستفعل ذلك.

ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ ومحل ﴿ أن يقولوا ﴾ جر على الإبدال من ﴿ حق ﴾ اي بغير موجب سوى التوحيد الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره ﴿ هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ قد مر في أواخر البقرة.

وللمفسرين في عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين.

وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء وعن ابن عمر أن النبي  قال: "إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية" وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة.

وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.

أما الصوامع والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها اسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه صومعة لأجل العبادة.

قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة مصمعة، إذا دققت وحدد راسها.

وصومعة النصارى "فوعلة" من هذا لأنها دقيقة الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصولات.

وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة الشرعية نفسها.

وصح إيقاع الهدم عليها نظراً إلى قرائنها كقوله: مقلداً سيفاً ورمحاً.

وإن كان الرمح لا يتقلد.

هذا كله توجيه تفسير الحسن.

والأكثرون على أنها متعبدات مختلفة، فعن ابي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين.

وفي تخصيصها بقوله ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ تشريف لها وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط.

وعن قتادة أن الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود.

قال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا.

وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن أول الفكر آخر العمل.

وقال  "نحن الآخرون السابقون" وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد  المساجد.

وعلى هذا الوجه إنما رفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد  من المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات باسرها.

وعلى هذا الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام.

ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه وأولياؤه وأكد ذلك بقوله ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ ومعنى القوة والعزة أنه لا يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلاً.

ونصرة الله العبد تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس بأمره داعية الخير والصلاح في روعه.

ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله.

﴿ الذين إن مكناهم ﴾ وقيل: هو بدل من قوله ﴿ من ينصره ﴾ وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا.

وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله  قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا.

قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء الراشدين لأنه  لم يعط التمكين فتمكينهم هو إبقاءهم إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضاً إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله أعلم بما كانوا عاملين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ ولله عاقبة الأمور ﴾ أي مرجعها ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة.

التأويل: ﴿ ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم ﴾ الروح مكان بيت القلب ﴿ وطهر بيتي ﴾ عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة ﴿ رجالاً ﴾ هي النفس وصفاتها ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة.

لأنها نيات الضمير فقط ﴿ من كل فج عميق ﴾ هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها ﴿ ويذكروا ﴾ اي القلب والنفس والقالب شكراً ﴿ على ما رزقهم من ﴾ تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة.

﴿ وأحلت لكم ﴾ استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ في قولنا ﴿ ولا تسرفوا  ﴾ وفي قول النبي  "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" ﴿ فاجتنبوا ﴾ مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان.

لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم.

ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به.

﴿ فله أسلموا ﴾ أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار ﴿ وبشر المخبتين ﴾ عنى المستقيمين على هذه الطريقة.

﴿ وجلت قلوبهم ﴾ الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب ﴿ والصابرين على ما اصابهم ﴾ من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود ﴿ والبدن ﴾ يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ خيانة النفس وهواها ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله  وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ﴿ ولولا دفع الله ﴾ النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ لاتساعها بإشراف نور الله عليها ﴿ أن مكناهم في الأرض ﴾ البشرية ﴿ أقاموا ﴾ صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ وفي بعض القراءات: (إن الله يدفع عن الذين آمنوا) بغير ألف، وتأويل [(يَدْفَعُ}، أي:] يدفع عن الذين آمنوا جميع شرور الكفرة وأذاهم، وتأويل ﴿ يُدَافِعُ ﴾ ، أي: يدافع الكفار عنهم بنصر المؤمنين عليهم، وكأن قوله: ﴿ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ إنما نزل بمكة، وعد للذين آمنوا هنالك النصر والدفع عنهم في حال قلتهم وضعفهم وكثرة أولئك الكفرة وقوتهم، وهنالك كانوا كذلك - أعني: بمكة - قليلا ضعفاء، ويكون نزول قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ بالمدينة؛ لأنه هنالك كان أهل الخيانة؛ لأنهم كانوا أهل كتاب اؤتمنوا على رسالة محمد وأشياء فخانوها وكتموها، ولم يكن يومئذ أحد بمكة منهم، إنما كانوا جميعاً أهل شرك، فيشبه أن يكون ما ذكرنا.

أو يكون قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ بإزاء ما قالت اليهود: ﴿ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ  ﴾ فأخبر أنه لا يحبّ كل خوان كفور على ما يقولون، بل يبغضهم، وفيه دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه أخبر أنه ينصرهم ويدفع عنهم أذاهم وشرهم وأنهم خونة، فكان على ما أخبر؛ فدل أنه عرف بالله ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ﴾ قال بعضهم أهل التأويل: إن المشركين كانوا لا يزالون يؤذون أصحاب رسول الله ويقاتلونهم وهم لم يؤمروا بقتالهم بعد، فلما هاجروا إلى المدينة أمروا بقتالهم بقوله: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ﴾ قال بعضهم: إنه لم يكن لهم الأمر بقتالهم، ولا الإذن حتى أمروا بذلك، وأُذنوا، فقال أولئك: لم تؤمروا بقتالنا، فكيف تقاتلوننا؟

فأخبر: أنهم أذنوا وأمروا بالقتال معهم، والله أعلم بذلك.

وظاهره: أنه كان هنالك منع عن القتال حتى أذنوا وأمروا، ولكن لا ندري لأية جهة كان ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ ظاهر على ما أخبر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ﴾ قال بعض أهل التأويل: أخرج الكفار أصحاب رسول الله من مكة بغير حق بأن قالوا: ربنا [الله]، وأمنوا به ووحدوه؛ لهذا أخرجوهم.

وقال بعضهم: على التقديم والتأخير، يقول: كأنه قال: أذن للذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق أن يقاتلوهم إلا أن يقولوا: ربّنا الله، فإذا قالوا ذلك يرفع عنهم القتال؛ لأن أهل مكة كانوا لا يقرون بالله ولا يؤمنون به، فإذا قالوا ذلك وأقروا أنه ربّهم رفع عنهم القتال، وأما من يقر به ويصدّقه لكنّه ينكر رسالة محمد ونبوته، فما لم يقر بها ولا يصدّق بها فإن القتال لا يرفع عنهم، ومن يقر به ويصدّقه بأنه رسوله إلا أنه ينكر الشرائع فإنه يقاتل حتى يقر بها ويصدّق بها، فإذا أقرّ بها رفع عنهم القتال، وذلك كله روي في الخبر أنه قال  : "أُمِرْتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالَهم إلا بحقِّهَا" ، وفي خبر آخر: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأنّي رسول الله، فإذا قالوا ذلك عصموا مني...

كذا، وفي خبر آخر: حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأقاموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ..." إلى آخر ما ذكر، فالأول للذين لا يقرون بوحدانية الله  ، فإذا أقروا به رفع عنهم القتال، والثاني في الذين يقرون به ولا يؤمنون بالرسالة، فإذا آمنوا بها رفع عنهم القتال، والثالث في الذين يقرون بالله ويؤمنون برسوله لكنّهم ينكرون الشرائع، فإذا أقروا بها رفع عنهم القتال.

كانوا أنواعاً ثلاثة على ما ذكرنا؛ فجاء في كل فريق ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ  ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ \[المؤمنون: 71\] ونحوه.

قال بعضهم: دفع النبيّين عن المؤمنين، ودفع بالمجاهدين عن القاعدين ما لو لم يدفع لهدمت كذا وما ذكر، أي: دفع بالأخيار عن الأشرار، وبالأخير عن الأدون، وإلا لهدمت وفسد ما ذكر.

وقال بعضهم: لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي، وبمن يصوم عمن لا يصوم، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يزكي عمن لا يزكي، وبمن يفعل الخيرات عمن لا يفعل - لفسدت الأرض، ولهدمت الصوامع، وما ذكر، وعلى ذلك [روي] عن أبي الدرداء -  - أنه صلى بأهل دمشق صلاة الصبح، فقال: لو يعلم الناس ما في هذه الصلاة من الخير لحضروها.

ثم قال: لولا أن الله يدفع بمن يحضر المساجد عمن لا يحضرها، وبالغزاة عمن لا يغزو - لجاءهم العذاب قبلا.

أو كلام نحو هذا.

وقال الحسن: إن في الصوامع والبيع والكنائس من الرهبان والأحبار [من] يتمسك بالإسلام وشرائعه فيدفع بهم عمن لا يتمسك منهم.

وقال بعضهم: لولا دفع الله بأهل هذا الدّين كلهم، لكان كذا.

وقال بعضهم: دفع بالمسلمين عن مسجدهم، وبالنصارى عن بيعتهم، وباليهود عن كنيستهم.

إلى هذا ذهب أهل التأويل والمتقدمون، ولو قيل غير هذا كان أشبه وأقرب، وهو أن الله خلق هذا الخلق، وجعل بعضهم عوناً لبعض وردءاً في أمر المعاش والدّين جميعاً، وجعل لبعضهم منافع متصلة ببعض ما لو كلف كله القيام بنفسه فيه، لهلكوا ولم يكن في وسعهم القيام بذلك، نحو أن يكلف أحداً بالقيام بجميع ما يحتاج إليه من الحراثة، والزراعة، والحصاد، والدياس، والتذرية، والطحن، والخبز، وغيره، ما لو كلف بنفسه بذلك كله لهلك، ولكن جعل بعضهم عوناً لبعض وردءاً لهم، وانتفاع بعضهم ببعض، وكذلك الغزل، والنسج، والخياطة، والقطع، والغسل كله على هذا القياس ما لو كلف بنفسه القيام بذلك كله لهلكوا، ولو هلكوا هلك ما لهم خلق من السماوات والأرض وما فيها، وما سخر لهم.

وقال بعضهم: دفع بما يذكر أهل المساجد في المساجد من اسم الله عن أهل الصوامع والبيع والكنائس، وهو قريب مما ذكرنا من قبل.

ثم اختلف فيما ذكر من الصوامع والبيع والصلوات: قال بعضهم: الصوامع للراهبين، والبيع للنصارى، والصلوات: الكنائس التي تكون لليهود، والمساجد للمسلمين.

وقال بعضهم: الصلوات للصابئين.

وقال القتبي: الصوامع للصابئين، والبيع للنصارى، وصلوات: بيوت صلوات اليهود، والمساجد للمسلمين.

وقال أبو عوسجة: الصوامع للرهبان، والبيع للنصارى: مصلاهم، والصلوات لليهود، وهي شبه البيعة، على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ﴾ أي: من [كان من] أولياء الله نصره.

وقال الحسن: من حكمه أن من نصر الله نصره.

وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ يحتمل: قوي لنصر أوليائه، عزيز الانتقام [من] أعدائه.

أو أن يكون قوله: ﴿ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ أي: قوي، فيضعف كل قوي من دونه عند قواه، ويذل كل عزيز عند عزه.

أو قويّ لا قوي سواه، عزيز لا عزيز سواه.

وفي: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ ﴾ وما ذكر - دلالة ترك هدم الكنائس والبيع وما ذكر، والنهي عن هدمها؛ لأنه ذكر الصوامع والبيع، وعلى ذلك تركت الكنائس والبيع في أمصار المسلمين لم تهدم، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، وإنما يمنعون عن إحداث البيع والكنائس في أمصار المسلمين وقراهم، وأمّا العتيقة منها فإنهم يتركون وذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ...

﴾ إلى آخره.

قال بعضهم: هذا نعت من الله لأصحاب رسول الله ومن تبعه، ومدح لهم بالدوام على دين الله الذين قبلوه وأخذوه في حال الخوف بعد ما مكن لهم في الأرض، وآمنهم من ذلك الخوف الذي كان في الابتداء، وأخبر أنهم داموا على ذلك ولم يتركوا ما داموا عليه، بل زاد لهم حرصاً على ذلك وجهداً، وكذلك الآية التي ذكرت في سورة النور، وهو قوله: ﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ إلى آخرة الآية [النور: 55]، فإن كان التأويل هذا فهو يرد على الروافض قولهم ومذهبهم؛ لأنهم يقولون: إنه لما ولي أبو بكر ارتدوا جميعاً، وتركوا الدين الذي اختاروه، فالآيتان تدلان على نقض قولهم، أنهم ارتدوا؛ لأن الله - عز وجل - أخبر أنه مكن لهم في الأرض، واستخلفهم، ووعد لهم الجنة، وإنما ارتد من كان إسلامه بالقهر والغلبة فإذا مكن لهم تركوا ذلك.

وقال بعضهم: إن الآية وإن كان ظاهرها خبرا ووعدا فهي في الحقيقة أمر: أن افعلوا كذا...

إلى آخر ما ذكر.

وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ ﴾ أي: ترجع إليه الأمور في الآخرة، كقوله: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ ﴾ أن يكون عاقبة الأمور لأوليائه من النصر والقهر على أعدائه، فالمراد بالإضافة إليه: أولياؤه، كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ أي: [إن] تنصروا أولياءه، أو تنصروا دينه، ينصركم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أَذِن الله للمؤمنين الذين يقاتلهم المشركون بالقتال؛ لما وقع عليهم من ظلم أعدائهم لهم، وإن الله على نصر المؤمنين على عدوهم دون قتال لقدير، لكنّ حكمته اقتضت أن يختبر المؤمنين بقتال الكافرين.

<div class="verse-tafsir" id="91.QqXek"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.9 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله